سأروي لطفلي حديث السماء
📜 الفصل الأول 📜
سأروي لطفلي حديـــثَ السّماء...حكايا البراقِ ووقـــــعَ النضالْ هنا القدسُ آثــارُ مسرى الهدى...وقبلةُ روحي، وتاجُ الجمــــالْ سنأتي إليــــــــكَ نشدُّ الرحالْ...ويعلـــــــــو الأذانُ أذانُ بــلالْ الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله... أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله... أشهد أن محمدًا رسول الله سأروي لطفلي حديـــثَ السّماء...حكايا البراقِ ووقـــــعَ النضالْ هنا القدسُ آثــارُ مسرى الهدى...وذكرى النّبيّيــــنَ خيرِ الرّجالْ مناطُ السّلامِ، ومهــــوى المنى...وقبلةُ روحي، وتاجُ الجمــــالْ هنا الذكرياتُ هنا الأنبياءْ...وهديُ النبيِّ وصحبٍ وآل هناك النفوس تسامت علاً...وترقى وتسعى لوصف الكمال كانت الغرفة هادئة إلا من صوتٍ خافت ينبعث من ذاك الجهاز في تلك الزاوية. المقطع يدور ببطء، فتنساب منه كلمات تلك الأنشودة لأحمد النفيس وتتذبذبُ في خواءِ هذا المكانِ، بصدى يلامس ذاك الحنين المغمور بين الطيات، والهوى المختبئ بين الضلوع، لذاك المسرى، مسرى الأنبياء، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومن تهفو إليه القلوب وتشد الرحال. الحروف تهمس في أذنيها الصغيرتين، وتتسلل بين الضلوع بعبير خلاب، فتهتزّ شفتيها وتدندن بعذوبة، كأنها تبحث بين ألحانها عن صوته وجسده الذي توارى، فما زالت تلك الروح الغائبة تسكنها، وتأبى ذاكرتها الصغيرة النسيان. وقفت أمام باب مكتبه المغلق، تبحث عنه خلف زوايا ذلك الباب العتيق الذي بدا أكبر منها بأضعاف، لا في حجمه فحسب، بل فيما اختزنه من ثقل ذكرياتٍ، تسكن قلبها وعطوف خشبه البني... تأملته بنظرةٍ... فقد كل شيء فيها يتقاطر حنينًا له، كأنّ عينيها تستدعيان صورته من وراء إطار ذلك الباب، وهو متكئًا على كرسيه، بملامحه الآسرة تلك، وبين يديه عدة أوراقٌ، تفوح منها رائحة الورق والحبر، وأثرُ بقعٍ من قهوته التي تنسكب منه على عجلٍ فوق إحدى الملاحظات في بعض الأحيان، لتظلّ شاهدة على ما باسل من أجله، فتطلع هي إلى مقلتيه الناظرتين عن كثب إلى تلك الأوراق، فيغمرها الشوق والحنين إليه، لتتسلل إليه بخفة، كما يتسلل النسيم عبر نافذةٍ تركت مواربة، وتقف بجانبه... قريبة حدّ التماس، لكنّه لا يشعر بها، فهو مازال منهمك حدَّ الشدّة، غارقًا في عالمه، بتفاصيله المشدودة، كوتر لا يحيد، فتعبث هي بأشيائه الصغيرة، تلامس بزّته الصحفية وميكروفونه الذي ينتظر صوته، ليصدح ويشدو في داخله، فيعبر صداه في الأقطار. وكاميرته الساكنة تلك التي تفتقد وجهه حين يبثّ منها نبض الحقيقة من بين الركام، ويخلّد وجوهًا عابرة لم يكن يراها سواه، أو سنراها للمرة الأخيرة فهي على موعد من المآسي التي لن يمحوها أي غفران... فتجلس قربه في صمتٍ تراقب تلك القسمات المشدودة ببسمة طفولية بريئة، فتنبع من أعماق روحه ابتسامة تشقّ قلبها لشطرين، كأنها سهم من نوير سار، تذيب كل آلامها في برهة كأنها لم تكن، فيبسط هو جناحيه، لتفر هي إلى دفء ذراعيه، تعلوها ابتسامته التي تغزو وتسطع على جل محياه...... رُبّاهّ... لم يتغيّر شيئًا منذ غيابه الذي لم تعد تعيه بعد، ففي عالمها تراه سيعود ويهل عليها بابتسامته تلك في أي لحظة، ويطلب منها أن ترفع ذاك الصوت قليلاً ثم يكمل ويدندن معها تلك الأنشودة. ولكنه ما زال بعيدًا ولم يعد بعد. فاقتربت بهدوء من تلك الطاولة، ناظرة بعينيها الصغيرتين إلى ذلك الجهاز الذي ما زال ينبض بتلك الكلمات التي أحبّتها يومًا... فكم كانت تعشق ألحانها حين كانت تخرج من بين شفتيه، شيء ما انتابها فسارت على غير مهلًا تبحث عنه بين الزوايا.............. _ شام... شام، ابنتي، أين أنتِ؟ نادت فلما يجبها أحد... فدلفت إلى الغرفة التي كان بابها مواربًا، لينبعث صوت شيء ما بداخلها، فتداركت أذناها، تلك الكلمات المهتزة، لتسكن في محلها دون حركة، فلقد زلزلت في صدرها ذاك الشيء المغمور، وأصابتها بغصّة امتزجت بالحنين والفراق له، كأن الصوت نكأ على جرح لم يبرأ بعد. سرى الدمع في عينيها، فاتّسعت حد الجحوظ، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمَع، وكأنها تهمس لذاك الذي غاب دون وداع: _أما زلت تذكرني يا ولد؟ هل أمرّ في خلدك يا أنس كما تمرّ في خاطري وصورتُك مغمورة في طيات قلبي كلّ مساء؟ _رحلتَ يا أنس، لكن صوتك باقٍ في رأسي، يوقظني كلما خفّ الضجيج من حولي... تُرى، هل تسمعني الآن؟ _ يا بني كلما نظرت في مقلتي صغيرتك أراك يا حبيبي، فيغلبني الشوق إليك، فأطِلُّ بمقلتي في عينيها أكثر، فيزاد شوقي إليك أكثر، فأركض إليها وأحتضنها، كما لو كنتُ أحتضنك أنت، يا صغيري. _ لم أعد أقدر يا أنس… والله إنّ الشوق إليك يفتت قلبي، يا فلذة كبدي وروح عمري. _أعلم أنّك الآن في الجنان، في مقامٍ أكرم مما كنتُ أرجوه لك يا شهيد، لكنّ ذلك الفراق مُرّ يا صغيري، وروحاك ما زالا يقفان، في الانتظار، يلوّحان لك على أمل باللقاء. _ أشتاق إليك يا نورًا سكن في عيني، ويا دفءً ملأ ظمأ قلبي، يا من تركت فيَّ الحياة بعدك عسيرة. ثم صمتت تنصت إلى الكلمات المتخللة في دواخلها، وعبراتها لا تكف بل تهبط دون إذن، فأردفت: _آه منك يا شام... تركتي الجهاز مفتوحًا... فما زلتِ تحبين سماع تلك الأنشودة، كأبيك تمامًا. ثم جلست على الكرسي المقابل وأعادت ظهرها إلى الخلف، مغمضة عينيها المجهدتين هنيهة، تاركة للذكريات أن تأخذها بعيدًا، لتبحر بها حيث كانت الضحكات ملء المكان، تجمع بين قلوبٍ رحلت، وقلوبٍ ما زالت تنتظر. تبحث عنه في كلِّ وادٍ، وفي كلِّ دربٍ، وبين المقل، وتصرخ أين اختفيت، يا أنس؟ ضحكت شام، ضحكةً قصيرة، باهتة، لم تُكمل طريقها نحو عينيها بترت ذلك السكون. فانتبهت إليها الجدة وفتحت جفنيها المسبلين ثم حدّقت في مقلتيها مطولًا، وسألتها: _أين كنتِ يا شام؟ لقد بحثتُ عنكِ في كل مكان... لم تُجب شام، بل أشاحت بمقلتيها ببطءٍ نحو الجهاز الذي يقبع في الزاوية، وحدّقت فيه برهة كأنها تراه للمرة الأولى، ثم أخفضت عينيها وقالت بصوتٍ منخفض: _آسفة تركته مفتوحًا... ثم صمتت للحظة، كأنها تعيد الكلمات على قلبها قبل أن تتفوه بها شفتيها وهمست: _ذهبت لأبحث عن أثرٍ لأبي، يا جدتي. فرفعت الجدة عينيها إليها ببطءٍ، وناظرتها طويلًا، فبصرت في مقلتيها بقايا ذلك الغائب، وحنينه الذي اندثر، وفي همس نبرات صوتها انكسارٌ ناطق، باحث عنه منذُ صدى وداعه الأخير لها، الذي لم تَعِهِ بعد. أرادت أن تقول لها شيئًا، أن تحتضنها، أن تشرح لها كيف أن الغياب أحيانًا لا يعني النسيان، لكن تلك الكلمات وقفت عالقة خلف الثنايا وخانتها على الشفاة، فهي، رغم ما نالته من كِبَرٍ ووعي، ورغم ما تشبّعت به من صبرٍ وجَلَد، لم تتقبّل، فكرةَ رحيله، ولم تتصالح بعد مع فكرة أن يكون غير موجود، فقلبها ما زال يأبى أن يُصدّق، أو أن يعلن الخضوع… فهو في داخلها ما زال حاضرًا، تسكنها ذكراه الحيّة، لا تبرحها التفاصيل بصغيرها أو كبيرها، كما لو أن رحيله كان مجرّد غفوة، لا موتًا...فكيف بحال تلك الصغيرة. ارتجفت شفتيها، ورفت رموش عينيها بألم، ثم مدّت يديها نحو تلك الصغيرة، فتشبثت شام بكفيها كما لو أنها ملاذها، لتسكنها هي بين ذراعيها، تعانقها كما لو كانت تحتضنه هو، ثم أغمضت عينيها، تستنشق منها شيئًا من رائحته تلك…ذاك العبق الذي لا يُنسى، والدفء الذي اندثر. فلوهلة، شعرت كما لو أنه عاد إليها، صغيرها، في هيئة تلك الصغيرة…لتبتر هي تلك اللحظات بهمسها العفيف: _يا جدتي… قالتها شام بصوتٍ خافت من بين ذراعيها الضامّتَين لها ثم أردفت سائلة: _أنس لِمَ غاب عنّا كلَّ هذه المدّة؟ أنا… لا أستطيع أن ألهو، ولا أن أضحك كأولئك الأطفال. فأرخت الجدة ذراعيها من حولها، فرفعت شام عينيها إليها وأكملت: _ما بك يا جدتي؟ أرى في عينيك كلامًا خفي. تقدمت الجدة وجلست على حافة طرف ذاك الفراش، فاقتربت شام منها ببطء، وجلست قرب قدميها، وكان في عينيها شيء أثقل من أن يحمله عمرها الصغير. فقالت: _يا جدتي… لا أستطيع أن أجاوِب نفسي السائلة، فمنذ زمنٍ وذلك السؤال يراودني...أين ذهب أبي؟ هل غضب من شيء؟ هل اختبأ عني وبات لا يريدني؟ لم تُجِب الجدة بل صمتت برهة، ثم نظرت في عينيها الصغيرتين، وقلبها ينزفٌ.... فمهما سوف تخبرها لن تعي الجواب. فأكملت شام بنبرتها الطفولية: _ لقد وصلنا بعض من الخبز، يا جدتي…خبز يكفي ليُسكِت أصوات بطوننا المتضوّرة قليلًا، لكنه لا يُشبِعُ. أعلم. ثم التفتت إليها، وقد اشتدّ الصوت في صدرها كمن تذكر شيئًا مفزعًا، وأضافت وهي تشدّ على طرف ثوبها: _لا تقولي لي أنه ذهب للتغطية من جديد، وسيعود… ثم هزّت رأسها، كمن فقد صبره وقالت: _لقد مللنا التغطية، فلقد تكلّست الحقيقة حتى صارت ضبابًا، وبات الكل يعي ونحن فقط الذين لم نعي بعد…فإن كان حيًّا، فأين هو؟ وإن كان قد مضى… ثم صمتت قليلًا، ورفعت عينيها المبلّلتين نحو سقف الغرفة، لتهبط عبراتها التي غزت مقلتيها وبرزت إلى السطح. لم تُجِب الجدة، بل أغمضت عينيها برهة، كأنها تحاول الاختباء داخل نفسها، تنقب في الذاكرة، وتبحث فيها عن إجابة لتلك الشفاة السائلة. تنهدت تنهيدة طويلة، بجوفها كسرة وأنين قلب أم، ثم سألتها بصوت خافتٍ: _بُنيّتي... ماذا يعمل أبوكِ؟ رفعت شام رأسها قليلًا، رغم ارتجافها، وأجابت: _ صحفيًا. فابتسمت الجدة، ابتسامة حزينة، ثم هزّت رأسها برفق وقالت: _أحسنتِ… وذاك الصحفي، يا صغيرتي، دفَع ثمن نقل الحقيقة بالروح.
📜 الفصل الثاني 📜
لم تَعِ شام شيئًا مما تفوَّهت به جدّتها، فلقد كانت الكلمات أكبر من وعيها، وأثقل من طفولتها. فحدّقت في وجه الجدة بعينين حائرتين، لكن العجوز لم تنتظر سؤالًا. بل مالت نحوها، ومسدت على شعرها بحنو، ثم قالت بصوتٍ متهدّج: _شام... هل سمعتِ عن تلك الطائرات السابحة في عرض السماء؟ وحوشُ الموت، يا صغيرة، التي تعبر فوقنا ولا تُبقي على الأرض ذرًا حيًا... سكتت برهة، وكأنها تختنق بما تتفوه به، ثم أضافت: _ إنها يا صغيرة لا تطرق بابًا، ولا تفرّق بين حالمٍ أو عابر، ولا بين يقظ أو نائم، ولا بين بيتٍ أو ردم، ولا بين طفلٍ أو هرة، ولا بين سقف أو أرض، ولا بين شيخ أو صبي، ولا بين سقيمٍ أو صحيح، ولا بين حي أو جمادٍ. تمرُّ فوقهم وتبتلع كل شيء يحاوطهم... ثم تترك وراءها صمتًا لا يُشفى بل ينزف حتى الإبادة، بدخان أسود يعلو ويعلو حتى يصل إلى عنان السماء، فتغدو معه الأرواح صاعدة إلى الجنان بلا حساب. فتشبّثت شام بيد جدّتها، وناظرتها بعينين مرتجفتين، ثم صرخت: _ولكن يا جدّتي... أنس! سيرونه! ماذا سنفعل؟ علينا إنقاذه، لا يمكن أن نتركه وحده! فضمتها الجدة إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول احتضان كل جَزَعِها وطفولتها المفقودة في لحظة غادرة، وهمست وهي تمسح على رأسها: _كفاكِ، يا ابنة وقُرّة عينِ أنس. _نحن يا شام نندثر، نعم... لكننا نترك في رماد رفاتنا براعم صغيرة، تنمو، وتزدهر، وتُحارب... من أجل هذا. سِيري معي... واقتادتها ثم توقفت وجثت على الأرض، وأمسكت بعضًا من حبات ذاك التراب المتناثر على الأرض حول شجرة الزيتون القاطنة في وسط الباحة، ثم أخذت تُسقِطها من كفها ببطء، واحدة تلو الأخرى، كأنها تنثر حروف وحكايات هذا الأخضر وسألتها: _هل أدركتِ الآن، يا شام؟ رحل أنس ... نعم، لكنه دافع، وحارب، وسقط... من أجل هذه الحبات. ثم رفعت مقلتيها نحو السماء، وصوتها المتهدّج يتابع: _ لقد ذهب أنس...لكنه لم يمت. _فأنس هو أنا... وأنتِ... وكلّ من ينهض بعد السقوط، ويقاوم من أجل تراب هذه الأرض. تذمّرت شام، ورفعت رأسها عاليًا، ثم قالت بانفعالٍ مكبوت: _جدّتي... حقًا، أنا لا أفهم شيئًا مما تتفوهين به! ثم رمشت بعينيها، كأنها تحاول طرد دمعة تغزو إلى سطح عينيها، وتابعت بصوتٍ متكسّر: _كلّ ما أريده الآن... فقط... أن أسقط بين ذراعيّ أنس، وأُخبّئ وجهي بين طيات ضلوعه، وأشمّ رائحته الذكية التي تدغدغ أنفي. ثم سكتت برهة، فانفلتت منها شهقةٌ صغيرة، وأردفت: _لم أطلب شيئًا كبيرًا... فقط أردت أن يعود، ولوهلة، للحظة واحدة... أعدكِ أنني لن أطلب أكثر. هل هذا كثير على طفلة تشتاق لأبيها؟ فاقتربت منها الجدة بلبٍ نازف، ومسحت تلك الدموع الهابطة على وجنتيها بأناملها المرتجفة، ثم قالت برفقٍ يموج بحنو: _أقبلي، يا ابنتي... واجلسي بقربي. وسأروي لكِ حديث ما لم تسمعيه من قبل، حكاية حاول الكثيرون طمسها. سكتت للحظة، ثم شبكت كفيها فوق صدرها، ونظرت بعيدًا كما لو أنها تستدعي الماضي، أو كأنها تُخرجه من ذاكرتها التي أضحت مخضرمة بفعل ما عاصرته، بتلك الحكاية التي تواترت من جيل إلى جيل، حكاية من آلاف الحكايات المنسية التي سترويها لها، فقالت: _يا ابنتي... هذه الأرض التي نعيش عليها تُدعى فلسطين. هي أرض الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، أرض التين والزيتون، أرضُ مريم الصديقة العذراء الْبَتُول عليها السلام، ونبي الله عيسى عليه السلام، وأرضُ سيدنا محمد ﷺ حين أسرى الله به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. هل سمعت عن القدس يا شام فيها يقبع المسجد الأقصى الذي تشد إليه الرحال. لقد بُني هذا المسجد يا ابنتي بعد بيت الله الحرام بأربعين سنة، وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وفيه الصلاة كألف صلاة، فيه مهبط الوحي، ومنتهى رحلة الإسراء، وبداية رحلة المعراج فقد عرج بنبينا ﷺ منه إلى السماء، فرأى عليه أفضل الصلاة والسلام من آيات ربه الكبرى. ودفن فيها عدد من الصحابة منهم الصحابيان الجليلان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس -رضي الله عنهما- وقيل بعض التابعين. فقالت شام: _جدتي، هذا كلام كبير علي لا أفهمه... ولكن هناك سؤال... كيف بدأت فلسطين؟ _ولِمَ وحوش الموت يطاردون الصغير قبل الكبير؟ والجماد قبل الحي؟ تنهّدت الجدة، ثم نظرت في عيني شام نظرة عميقة، وأجابت: _هذه الأرض، يا بُنيّتي، لها تاريخ عريق، لا يُقاس بالسنوات، بل يُحفظ بالدماء والقلوب… فهي زهرة المدائن وعروس الشام، هي القدس يا شام. ووحوش الموت هؤلاء، يا صغيرتي، هم الذين لا يرون الإنسان إنسانًا. ولا في الجماد كائنًا؛ فكل شيء بالنسبة لهم هو مجرد هدف، وجد ليمحى ويُدمر، فيطاردون الطفل كأنه خطر جم، ويهدمون البيوت كأنها مجسمات في لعبة ما، يخافون من صمودنا وبقاءنا يا ابنتي، لأنهم يعرفون أنهم يسرقون الأرض من أصحابها فيُسكتوننا بالطغيان. ثم أضافت، بصوتٍ منخفض كأنها تهمس لها بسرّ: _وحوش الموت، يا ابنتي، يدَّعون أن أرضنا هذه هي إرث لهم وأنها أرض آبائهم وأجدادهم ووعد من الله لهم. فسألتها شام: _وكيف أتى وحوش الموت إلينا يا جدتي؟ فأجابت الجدة: ــ في القديم، كان هناك نبيٌّ من أنبياء الله يُدعى سيدنا إبراهيم عليه السلام، هاجر من بابل إلى فلسطين، بأمرٍ من الله سبحانه وتعالى. وكان له ولدان: سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق عليهما السلام فخرج من نسل سيدنا إسماعيل ذرية امتدت إلى سيدنا محمد ﷺ، ومن نسل سيدنا إسحاق عليه السلام خرج سيدنا يعقوب عليه السلام، وكان يُسمّى بإسرائيل. وقد كان لدى سيدنا يعقوب عليه السلام اثنا عشر سبطًا، أي اثنا عشر ولدًا، ولكل ولدٍ نسل. ومن هنا أتى قوم بني إسرائيل، فقد سكنوا بجانب من كان يقطن من الناس في أرض فلسطين من الشعوب الأخرى. ثم عندما أصاب الناس القحط في المجاعة الأولى واستمرت لعدة سنوات عجاف، هاجر بنو إسرائيل إلى مصر للمرة الأولى، وكان حينها سيدنا يوسف عليه السلام يقطن فيها وبيده مقاليد البلاد. فسكنوها، وقطنوا في منطقةٍ ما خُصِّصت لهم في أقاصي مصر. ومع مرور الوقت، كانت تحدث مضايقات من ملوك مصر لبني إسرائيل، حتى تم اضطهادهم بشكلٍ عنيف. فأرسل الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى عليه السلام، فدعا فرعون إلى الإيمان بالله، وأن يرفع العذاب عن بني إسرائيل، ويسمح لهم بالخروج من مصر، فأبى فرعون ذلك بكبر وتجبر، واستمرَّ في تعذيب بني إسرائيل. ولما أمر الله سيدنا موسى عليه السلام بأن يخرج ببني إسرائيل من مصر، أراد فرعون قتل سيدنا موسى عليه السلام ومن معه بغيًا وعدوًا. فنجى الله سيدنا موسى عليه السلام ومن معه، فشق لهم البحر وعبروه، وهلك فرعون وجنوده في اليمّ. وقد قيل إن مدَّة مكثهم في مصر كانت أربعمائة وثلاثين عامًا. وبعدما أنجى الله بني إسرائيل من عدوهم فرعون وقومه، مرَّ بنو إسرائيل على قوم يعبدون أصنامًا، فقالوا من جهلهم وسفههم لسيدنا موسى عليه السلام " ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ " فقال لهم نبي الله موسى عليه السلام " إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ " ثم قال لهم بصيغة الاستفهام للإنكار والتوبيخ " أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ"، وذكرهم بنعمة الله عليهم إذ أنجاهم من فرعون وقومه، وما كانوا فيه من الهوان والذلة. ثم بعد ذلك لما أراد الله إنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعية، واعد سيدَنا موسى عليه السلام ثلاثين ليلة، وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة. في حينها أضلَّ السامري بني إسرائيل، وصنع لهم عجلاً كان قد سبك من الذهب الذي استعاره بنو إسرائيل من المصريين عند خروجهم من مصر، ودعاهم إلى عبادته، فعبدوه في تغيّب سيدنا موسى عليه السلام، فحذَّرهم سيدنا هارون عليه السلام ونهاهم عن ذلك. فرجع سيدنا موسى عليه السلام إلى قومه بنو إسرائيل غضبان أسفًا، لما علم أنهم عبدوا العجل، فأنَّبهم على ذلك وأحرقه ثم ذره في اليمِّ، وحكم عليهم بأمر من الله بأن يقتل كل عبدة العجل أنفسهم؛ ليتوب الله عليهم. ثم بعدها بفترة دعا سيدنا موسى عليه السلام قومه إلى قتال الجبابرة، وهم قوم كانوا من الحيثانيين والفزريين والكنعانيين، وكانوا يسكنون الأرض المقدسة، فأبى بنو إسرائيل القتال وجبنوا عنه. فحكم الله أنها " مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ" فظلوا تائهين المدة التي قضى الله عليهم. وفي هذه الفترة توفى الله سيدنا موسى عليه السلام، وكان سيدنا هارون عليه السلام قد مات قبله. وبعد انقضاء المدة المحكوم على بني إسرائيل فيها بالتيه، فتح بنو إسرائيل الأرض المقدسة بقيادة سيدنا يوشع بن نون عليه السلام. وهو غلام سيدنا موسى عليه السلام. وقسمت الأرض المفتوحة على أسباط بني إسرائيل، فأعطى لكل سبط منهم قسمًا من الأرض، وجعل على كل سبط رئيسًا من كبرائهم، ثم جعل على جميع الأسباط قاضيًا واحدًا يحتكمون إليه فيما شجر بينهم. ثم جاء عهد سيدنا داود وسيدنا سليمان عليهما السلام، وكان عهدهما أزهى العهود التي مرت على بني إسرائيل. ثم جاء عهد الانقسام بعد وفاة سيدنا سليمان عليه السلام حيث قسمت الأرض المقدسة إلى دولتين نشأ بينهما حروب وعداء. أفسدوا في الأرض وحرفوا التوراة، فكلّما جاءهم ما لا يرضون، حرّفوه. وفعلوا كل ما هو مسيء، ثم عصَوا الله، فتمردوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء، فـلعنهم الله. وسلط الله عليهم عدوهم، وقيل إنه بُختنَصَّر، فاستباح بَيْضَتَهم، وخرب بيت المقدس، ثم جاس خلال الديار وأذلهم، فقتل وأسر جلهم، وتشرذم الباقون في الأرض. ثم بعدها بفترة جاء الفرس، وأطلقوا سبايا اليهود، وعادوا مرة إلى الأرض المقدسة. ثم بعدها جاء الرومان، واستولوا على الأرض، وحينها ولد سيدنا عيسى عليه السلام في بيت لحم، فلقد بعثه الله سبحانه وتعالى ليهدي الفئة الضالة من بني إسرائيل، فكذّبوه وعصوه وتآمروا مع الوثنيين ليقتلوه، فرفعه الله إليه. ثم بعد فترة من الزمن، شرد الرومان اليهود. وتشرذم اليهود مرة أخرى يتيهون في الأرض. ثم بعث الله خاتم النبيين محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمره أن يتوجه بالقبلة ناحية المسجد الأقصى، فكان أول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين حتى فتحت فلسطين في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، وظلت خاضعة للمسلمين لقرون، إلا من فترات احتلت فيها، ثم حررت مرة أخرى في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي. _ فوحوش الموت، يا صغيرتي، يدعون أن الله وعدهم بإرث فلسطين، وأنها ستكون لنسل سيدنا إبراهيم، وأن حدود أرض الميعاد تمتد من النيل إلى الفرات. وأنّ رفات الهيكل يقبع تحت المسجد الأقصى، ويجب إقامة بنائه وإحياؤه. وأنّ عرقهم سامي، وهم أحفاد بني إسرائيل. ثم في صباح يوم ما جاءوا إلينا بسفنهم عبر البحر غازين لبلادنا وأرضنا، أرض فلسطين. وظل الصراع قائم بين من يريدوا أن يعيشوا بسلام على أرضهم، وبين من جاءوا من بعيد يريدون أن يملِكوا تلك الأرض بالقوة، والطغيان… هؤلاء هم "وحوش الموت" أرادوا أن يمحو كل هو جميل في تلك الأرض، لكن رغم كل ذلك، تبقى هي حية هنا. وأشارت إلى موضع قلبها وأكملت: _حيث الزيتون والريحان، حيث النضال والصمود، حيث الكرامات ورائحة الجنان التي تفوح من الأجساد، حيث أنس أبيك البطل وعمك إسماعيل وجدك يحيى، حيث الأبطال والشهداء، حيث طيور الجنان ترفرف بجناحيها وتسكت أصوات تضور بطونها، بطعام الجنات، حيث لا مشقة يا شام... فدخلت أمُّ شام مسرعة دون أن تطرق الباب، وألقت بجسدها كله داخل الغرفة والفزع يقتنص جل ملامحها، ثم صرخت بوجلٍ، كأن الصوت يفرُّ من قلبها قبل لسانها، وأخذت تتلفت بعينيها يمنة ويسرة كأنّ الرعب يلاحقها من زقاقٍ إلى آخر ثم هتفت بجزع: _ أمي… أمي! هيا انهضوا…! إنهم آتون صوبنا.... لا بقاءَ لنا هنا… علينا النزوح. فصرختِ الجدة بصوتٍ متكسّرٍ: ــ لن أبرح موضع أنس! وأقطن في غيره، إن شئتِ أنتِ فاذهبي، ففيه يا ابنتي… أرى أنس. ارتعشت الأم من قولها، فحملت شام وهي تلهث، ثم نظرت نحو الجدة الجالسة قرب النافذة، وقالت: _ بالله يا أمي لا أتحمل يكفينا تجرع مرارة الفقد... لم ترد ولم تلتفت حتى. ثم بعدها ببرهة، هتفت بصوت خافت، كمن يُحدّث غائبًا أمامه: _ إن رحلتُ، من سيضيئ هذا الركن؟ ففيه... جلس آخر مرة، وضحك لي آخر مرة، بكى هنا...عند قدمي على أصحابه الذين ارتقوا... لا أقدر...فلا تقتليني يا ابنتي مرتين. فتقدمت الأم نحوها باكية، وأمسكت يديها المتجعدتين، ثم ترجّتها وقالت: _أمي... لا وقت، سيهدمون البيت على رؤوسنا، لو كان هنا أنس لم يكن ليرضى أن تمكثي هنا وتموتي هكذا! من أجل شام يا أمي...بالله عليك هيا... لم تكمل ودوت أصوات القذائف فوقهم في الأصداء تعلو وتعلو، حتى وصل صداها إلى عنان السماء، والكل في الخارج يركض ويصرخ، أطفال ونساء، رجال وشيبة، جميعهم، يركضون في العراء حفاة، يجرّون أقدامهم المتثاقلة ولا يعرفون إلى أين؟ فأصوات القذائف في الأعالي لم تصمت، بل واصلت العواء، عواء يعلوه عواء، حتى بت تشعر أن الصوت التالي سيستقر فيك، في منتصفك بلا هوادة، كأنهم وحوش ضارية وستلتهم كل ما تبقّى منك بين أنيابها الجائعة.... تحوّلت أزقة الطرقات الضيّقة إلى غبار من الدخان الأسود المنبعث من تحت ركام البيوت المتساقطة، لا تبصر في داخلها شيء غير، وجوهٌ شاحبة لونت بالغبرة، بعيون متّسعة حد الجحوظ لا تسأل، لا تفهم، فقط تهرب. وأمهات يصرخن بأسماء أطفالهن الذين تاهوا بين الزحام وأنقاض الردم، وأطفال يشدّون أطراف ثياب أمهاتهم كأنهم يتمسّكون بأخر أمل لهم في هذه الحياة. يبكون ويصرخون ولا يعون، وفي داخلهم، ذلك السؤال الجلي: ما الذي اقترفناه؟ ورجلٌ يدفع بوالدته القعيدة على كرسي متحرك، وامرأة حبلى تسير متكئة على عصا تصرخ وتنادي على زوجها، وجرحى ينزفون وأحياء تحت الأنقاض. يعلوهم جميعًا صوت القذائف الذي، يكاد يُمزق الهواء، بغبار يتصاعد كستار من الدخان الذي يخفي المدينة أسفل جناحيه، فتنطفئ في عيون أهلها كأنها لم تكن بالأمس، أو ذات يوم. تراجعت أم شام بفزع، وقد تجمّدت حين أبصرت تلك الأهوال التي في الخارج من النافذة، فهتفت بجزع: _يا الله… ما هذا؟! هل هذه مدينتنا؟! أين الناس؟ أين البيوت؟! لم يبقَ شيء… لم يبقَ شيء! فجثت أمامها والدموع تنحدر على وجنتيها، يدندن صوت القذائف في أذنيها، كأن الأرض من تحتها تئن وتهتز تحت وطأتها، فأمسكت كفيها بلهفة ثم قالت بحرقة: _ بالله عليكِ يا أمي... يكفينا، والله إنه لمريرٌ عليّ كما هو مريرٌ عليكِ. لكن… من أجل شام، من أجل ما تبقّى، من أجل إرث أنس… صورته، اسمه، صوته… هيا، سريعًا… علينا المغادرة والهرب، علينا النزوح إلى مكان آخر. _ هيا، هيا! اجلبن معكن ما تسطعن حمله! هيا يا أمي. فوقفت شام في الزاوية، تتشبث بدميتها التي أحضرها لها أنس، ثم أخذت تنظر إليها تارة، وإلى أمها المذعورة تارة أخرى، وإلى ذاك الباب المفتوح على المجهول. وهمست: ــ هل سنغادر من دون أنس؟ ثم صاحت وقالت: _ ولكن ألن ننتظر أنس يا أمي، جدتي، خالتي. لكن أحدًا لم يجب. _شام! نادتها جدتها بصوتٍ مختنق بالحسرة. فهبت إليها شام راكضة ثم قالت بشفتيها الصغيرتين: _نعم، جدتي؟ فأمسكت الجدة يدها بقوة وقالت: _إياكِ وترك يد أمك… وأخاكِ. هل فهمتِ؟ فهزّت شام رأسها بالإيجاب، والدموع تترقرق في عينيها. ثم اقتربت منها الجدة، وضمّتها إلى صدرها كما لو أنها تحاول أن تزرع بعضًا من الأمان المسلوب في قلبها، ثم أبعدتها وقالت: _ لا بأس يا صغيرة سنتجاوز كل هذا…ولكن عديني يا شام أن تحفظي العهد. ثم جذبتها بسرعة تفوق عمرها، واتجهوا جميعًا إلى الباب.
📜 الفصل الثالث 📜
فتح الباب على مصراعيه، ليتلحفهم الغبار بأول عناق يلامس أجسادهم ويعمي أبصارهم؛ لكن ليس في الوقت متسع للرؤية أو التأمل. عليك فقط وضع هدفٍ واحدٍ نصب عينيك، وهو الفرار. دفعتهم الجدة جميعًا خارج الباب، فرهفت آذانهم أزيزِ تلك الوحوشِ الطائرةِ تكشّر عن أنيابها في أعالي السماء، مستعدّةً للافتراس والانقضاض، ليصبحوا في برهةٍ مجرّد شذراتٍ تتطاير في الهواء، كأن لم يكونوا ذات يوم يخطون على حباب هذا التراب، كأن لم يشارك عبقُ رائحتهم الهواءَ ذاتَ مرة، كأن لم يكن لكم وجود من الأساس، كانوا فقط سراب. فزع الكل وحاولوا الاختباء، ثم قُذِفَتْ عليهم عدة أشياء، من تلك التي تبحث عن ناجين أو بقايا أحياء، لتحوّلهم إلى فتات. إنه إعلان صريح بالنهاية التي لا تستأذن أحدًا. فقط تهبط من الأعلى كالغضب الأعمى، بحمم تسقط ولا تخطئ، لا تفرّق بين بيتٍ أو مأوى، بين رضيعٍ أو أرملة، بين دعاءٍ أو صدى صرخة مستغيث. كأنها لا تصيب الجدران فحسب، بل تخترق عمق المكان، تمزّق ملامحه، وتُبعثر أسماء من كانوا يحيَون فيه... كأنهم لم يكونوا هنا. فتتحوّل أرصفة الأزقة تلك إلى مصيدة، تتناثر فيها الشظايا، كأنها أفواه فتحت شدقيها، لتبتلع كل مَن كان يخطو على هذه الأرض في سبيل النجاة. مبلّلةٌ بحُمْرةٍ دافئة، سالت من تلك الأرواح، التي كانت من لحظة تنبض بالحياة. لم يكن هناك شاهد على تلك الأرواحٌ التي تتناثر ولم تكن تحمل بين كفيها سوى حقائب، غير أعين تلك النوافذ الفارغة التي بقيت شاهدة على ما حدث. على ذلك الحيّ الذي كان يضجّ بالحياة، وأصبح الآن مجرّد ماضٍ مُشوَّه، تحمله شذرات الرياح على هيئة أنين، يتردّد صداه بين الجدران على استحياء. كأنه يعتذر بصمت لمن سكنوه... أو ربما لأنه لم يستطع أن يوفر الحماية لهم. في الطريق...كان كل من تبقى، يفر. يركض. فالكل يحمل ما استطاع حمله، من ذويه، من أمتعة، من ذكريات من شيء يبقيه على قيد الحياة. الكل ينزح، الكل يُحاول الفرار. لكن لا أحد يسأل عن أحد. لا أحد يلتفت لأحد، الكل يمضي بلا استثناء. فهناك صراعان الآن... صوت القذائف، وصوت وقع الأقدام فوق التراب، لكن صوت وقع الأقدام هو ربح ذلك السباق، فالجميع يركض في سباق حياةٍ جماعي، لا فائز فيه سوى من نجا بنفسه بنفسه فقط. ففي تلك اللحظة، لم يعد هناك متسع لقول أبحث عن جارتي، خالي، رفيقتي، فقط يهرعون كغرباء يتزاحمون نحو المجهول، يحملون في خلدهم أمل البقاء. فهذا هو التطبيق العملي لشعار: ــ اِنْجُ بنفسك... فقط. هذا في هولِ اللحظةِ الأولى؛ أمّا في الثانية، فستجد السواعدَ قد وَعَتْ أنك ما زلتَ محاصرًا، وسوف تحاول أن تُنقذك ولو بحياتها، حتى ولو كنتَ بين الأنقاض. فتمتمت الجدة وسط هذا الهلع وقالت: _ ما أشبه الليلة بالبارحة لقد اعتدتُ سماع ذلك الأزيز فوق رؤوسنا... فهو ليس جديدًا عليّ. قبل سنين، سقط بيتنا الأول، وبقينا. ثمّ سقط بيتنا الثاني ونزحنا، ثم في الثالث كتبنا أسماءنا على الجدران. فما الحجارة تبقينا ولا الأزيز يخيفنا، نحن يا ابنتي بنينا بقسوة الهدم، وقسوة الفقد، وقسوة النزوح، فتلك القلوب التي تسكننا لا تعرف للهزيمة موطنًا. ثم رفعت يدها، ومرّرتها ببطء فوق رأس شام، وقالت: _ رؤوسُنا لا تنحني، إلا لمن خلقنا. لا للرصاص، ولا للجدران التي تنهار، ولا لتلك الوحوش السيارة، فنحن أبناء هذه الأرض يا ابنتي...تذكري يا شام نحن أبناء هذه الأرض. توقف المسير، فقد أنهكت الأقدام من السير طوال هذا الطريق الممتد على مد البصر، الذي قيل عنه أنه هو الممر الآمن من الشمال إلى الجنوب. فعند أحد حواجز وحوش الموت، كان هناك المشهد يفوق الوصف. مئات، بل آلاف، من الموقوفين على الجانب...شباب، رجال، نساء، وحتى شيوخ طاعنون في السن، جميعهم ينتظرون دورهم في نيل الرحمة من وحوش نزع من داخلها معنى تلك الكلمة في الأساس. كان الصمت سيد الموقف، يصاحبه تلك الأنفاس المتقطعة، وصدى بكاء خافت لطفل، التصق بصدر أمه المرتجف من الخوف. فالجموع باتت مترقبة، لا يُسمع حسيسها، فوجوههم أضحت شاحبة، بعيون لا ترف، تخشى إذا رفت أن يُسلَّط عليها لجام الطغاة. كأن أرواحهم انسلّت من أجسادهم، وما بقي فوق التراب ليس سوى أصداء لبشرٍ خائفين، مذعورين. تقدّم أحد الوحوش منهم بخطوات ثابتة، لم يكن يحمل سلاحًا، لكنه كان يحمل ما هو أشد منه سلطة الاختيار. فأخذ يبصر بعينيه القاسيتين تلك الوجوه المرتجفة ويبتسم بخيلاء، كأنهم أرقام، لا أناس، أو هم من مشهد في أحد الألعاب الإلكترونية، يشير بإصبعه نحوهم بعنجهية لهذا وذاك... ويقول: _أنت، وأنتِ، والباقي انتظر. ولا أحد يجرؤ على الاعتراض، فالرصاص في هذا المكان أسرع وسيلة من السؤال.. وحين حان الدور عليهم، تملقهم ذلك الوحش جيدًا، ثم تقدّم نحوهم بخطاه البطيئة، ورمقهم من أعلاهم لأسفلهم بنظرة طويلة. كأنّه يزن أرواحهم قبيل أجسادهم. ثم ابتسم تلك الابتسامة المقيتة، وهمهم بكلمات من لغته الغريبة، فلم يفُهم غير آخر كلمة "أنس" حينها ارتجفت القلوب، وشعشعت الرهبة في الأوصال، لكن قبل أن يشير بأصبعه، نُودي عليه فجأة من الخلف، فاستدار وذهب...وتركهم معلّقين في حالة من الترقب، بين السؤال والإجابة، بين الرهبة والشفقة بين الدعاء والتوسل في الخفاء. فمرت عليهم اللحظات بطيئة حد الثقل، فلقد كانت بالدهر كله، يتصبب من جبينهم عرق بارد، تصاحبه أنفاس في ثناياها فزع جم وألم عنيف يعتصر بيت الداء. هنيهات، ثم أتى وحش آخر، مختلف في الهيئة، لكنه لا يقل وحشية عن سابقه، ألقى عليهم نظرة سريعة، ثم رفع يده نحو الجنوب، وقال بعربية ركيكة: _اعبروا. ترددوا قليلًا، ولم يصدقوا...لكنهم عبروا، فكل خطوة كان يخطونها بدت كما لو كانت ثقيلة بحمل الجبال. حتى إذا عبروا الحاجز، انهارت كل جدران الخوف والتوتر الذي توغل في صدورهم، ورفعوا أيديهم إلى السماء، ثم ابتهلوا بالتكبير حامدين الله، وتابعوا المسير نحو الجنوب… حيث لا وعد بالنجاة، لكن يكفي أنه ليس موتًا مؤكدًا ولا فقد جديد من الأحبة. في المنتصف وصلوا، إلى أحد المناطق التي أُشيع أنها آمنة بعض الشيء، ولجأوا إلى أحد مدارس الإيواء، بحثًا عن جدارٍ لا يهدم عليهم غيلة، وبعض من الأمان والزاد. ففي الداخل، كان يقطن هناك في كل زاوية حكايات لم تُروَ، وشهادات مروعة من الناجين الأحياء... يلفظها الصمت قبيل اللسان، وتتسرّب من العيون لا من الأفواه، بأنين، تصدّع من مرارة تجرعه لألم الفقد، وبكاء ظلّ عالقًا داخل الأعين، تبصره فقط حين تسأله سؤال. لم يكن الليل قد أوشك على الانقضاء، حتى تبدّدت أكذوبة "الأماكن الآمنة" كغبار تذروه الرياح. فصوت أزيز جديد يعلوهم، بات يحلق في السماء. ارتجف الجميع. فأخذوا يتفرّقون في الزوايا ويلهثون ركضًا، باحثين عن مأوى يقيهم مما هو آت. فتصاعدت الهواجس داخل الصدور كدخان كثيف، اهتزت له جل الحنايا من هول الترقب، لتطبق تلك الوحوش عليهم وتقطع اختيار القرار، وتنهمر أشياء صغيرة فوقهم من السماء تُسمّى بالمسيرات، تفتّش عن نبضٍ هنا أو خفقة قلب هناك، لتسحقها وتحوّلها إلى شظايا أو رماد. فتبعثرت الخطوات، واندفعوا إلى الداخل مذعورين. أغلقوا الأبواب والنوافذ، وأطفأوا المصابيح، ثم كتمت الأنفاس، وتحصّنوا في الزوايا المعتمة، يترقبون بأعين مذعورة أن تمرّ دون أن تبصرهم، أن تخطئهم... أن تُبقيهم بلا فقد جديد، فقط أحياء. فأضحوا، في لحظة واحدة، ظلالاً لاهثة تلوذ بأي مكان للاحتماء، تتشبث بالحياة من بين أنياب ضوارٍ توحشت وتلونت بلون الهلاك. مرت لحظات عصيبة، بدت مهلكة بعض الشيء، كأن الدهر كله مر عليهم دفعة واحدة. فأضحت الأنفاس محبوسة بأفئدة تنبض كطبول حرب، فالكل يجزع مَن أن يأخذ غيلة. ثم، هنيهات وانصرفت تلك الوحوش الطائرة كما أتت، محلّقة نحو هدف صيدٍ جديد، تاركة خلفها صمتًا هشًا، كجدار متهالك مهدد بالانهيار. حين خفّ هدير الأجنحة، واضمحلت من السماء، دفعتهم الجدة خارج الباب بعجلة، بعينين كانتا تمتلئان بالذعر والخوف عليهن، ثم صرخت فيهن: _اهربن! ولا تلتفت إحداكنّ! ثم أمسكت بمقبض الباب بيديها المرتجفتين، وشرعت تغلقه خلفهنّ. فصرخن بصوت واحد، مذعور، مرتجف: _ ماذا تفعلين؟! لكن الباب كان قد انغلق نصفه، وصوتها جاء من خلفه: _ اهربن إلى أرض أكثر أمانًا هيا... هذه فرصتكُن، لا تضيعنها. فصرخت شام ملأ صدرها وقالت: _ لن أترككِ يا جدتي! سيغضب أنس إن لم يجدكِ معنا! صفعةٌ أصابت قلبها بضراوة، فلقد أُطلقت الكلمات كالسهام من حلقٍ يرفض الفراق. فأغمضت عينيها بمرارة ارتعشَت لها شفتيها، ثم همست: _وأين أنس، يا ابنتي؟ فتهدّلت قواها، وانفرج الباب أكثر، لتندفع إليها "شام" وتُحاوطها بيديها الصغيرتين. ثم رفعت إليها مقلتيها البريئتين، وهمست: _ وكيف سمحتِ لهذا الفؤاد أن يترك "شام" الصغيرة؟ فانحنت الجدة حتى وازتها، فتلمّست "شام" تلك الوجنة المتجعّدة بيدٍ مرتعشة، ثم أدارت برأسها صوب الباب، وقالت: _ وكيف نذهب إلى مكانٍ آخر دون أن نكون معًا؟ فهزّت الجدة رأسها ببطء، كمن يحاول الإمساك بتلك الكلمات المتعثرة خلف الثنايا على شفتيها وهمست: _لم أترككِ يا شام، لكن الفؤاد تاه بين الطرقات، وضلّ حين غابت ضحكته عن الدار. فتعلّقت "شام" بعباءتها، ثم نظرت إلى يديها وسألتها بعفوية لم تعي مرارة الفقد بعد: _هل يؤلمكِ رحيله هكذا؟ فابتسمت الجدة، وغمرت عينيها نظرة حنين له، ثم جلست، فجلست "شام" بجانبها فقالت لها وهي تمسد على خصلاتها الناعمة: _ حين يغيب… كلّ شيء في داخلي يؤلمني. ثم أردفت، وهي تضع كفّها على صدر شام: _ هو هنا، كما أنت هنا في صدري. لن تبرحا هذا المكان أبدَا. ساد الصمت لبعض الوقت ثم رفعت "شام" بصرها، وهمست: _ إذن… لن نغادر إلى أي مكان دون أن نكون معًا؟ فأجابت الجدة، وهي تنظر نحو الباب الذي ما زال نصف مفتوحًا: _ للهِ دَركِ يا ابنةَ أنس، كيف أدحضتِ كل محاولاتي! عنيدةٌ كأبيكِ. فهمست شام: _عنيد وهل كان أنس عنيدًا… مثلي؟ ابتسمت الجدة وقد سبحت بخطوة هادئة إلى الماضي ثم قالت: _ بل أكثر… لكنه كان يحمل عناده فوق كتفيه، ويطارد به حلمه حتى آخر رمق. أتمنّى أن تشبهيه في المستقبل يا شام. أطرقت "شام" برأسها، وهي تتأمل حديثها، ثم تمتمت: _ لكنني لا أعرف الكثير عنه…حدثيني عنه يا جدتي. تنهّدت الجدة، وقالت: _ هو لم يرحل تمامًا، يا ابنة أنس… ترك جزءًا ما منه فيكِ، في عينيكِ حين تضيئان، وفي عنادكِ الطفولي حين تصمّين أذنيكِ عن كل ما لا يوافق قلبك. ضحكت شام ثم رفعت رأسها، وقالت ببراءة: _ إذن… هل ترين فيه الآن، وأنا أمامك؟ وضعت الجدة كفّها على وجنتيها، ونظرت في مقلتيها طويلاً، ثم أجابت: _أراكِ… وأراه. أنتما لا تفترقان في عيني يا صغيرة. فارتمت شام بين ذراعيها، تشبع أنفاسها من عبق رائحتها، وتسكن ظمأ قلبها الولهان به، والحنين إليه الذي يزداد ولا يضمحل. انقضى يومان بالكمال، والهدوء الحذر يسود الأرجاء، مستقرّ لا إلى السكينة تمامًا، ولا إلى الخوف الصريح. فكل شيء بدا وكأنه يسير على رؤوس الأصابع، يتنفس دون أن يوقظ شيئًا. لكن في صباح اليوم الثالث........... استيقظ الجميع على أمر لم يكن يقطن في الخاطر. فالسماء، التي كانت بالأمس شاهدة على لحظات من الهدوء الحذر، بدأت الآن تُمطر منشورات. أوراق بيضاء تتدلّى من الأعلى، تهبط ببطء مميت، برسائل سالت من بين أنياب الضباع. فالتقطت الجدة إحداها، وقرأت الكلمات التي دونت فيها بخطٍ أسود جاف: _هذا المكان محاصر. عليكم الخروج الآن. سنبدأ في محوه بعد أربعٍ وعشرين ساعة من وقت إلقاء التحذيرات. عمّ الذهول بين الجميع. فلم يصرخ ولم يبكِ أحد. فالصدمة وحدها كانت تتحدث بين المقل. فاقتربت شام من جدتها التي تجمّدت في مكانها، وأخذت تنظر إلى الورقة التي سقطت عند قدميها بعدم فهم، ثم رفعت رأسها نحو الجدة وسألتها بصوت مرتجف: _ما معنى "م ح و" يا جدتي؟ لم تُجب الجدة، لكن يدها كانت ترتجف وعقلها لا يتوقف عن التفكير. ثم نظرت إلى الحقيبة التي لم تفرغ بعد، وقالت: _ربما… آن أوان الرحيل. لكن "شام" تمسّكت بذراعها بقوة، وصرخت: _لم أفهم ماذا تعني؟ أنتِ قلتِ إننا لن نفترق! ناظرتها الجدة مطولًا حتى ساد الصمت طويلاً، فخُيّل لـ شام أن الجدة غابت في شرودٍ لا عودة منه ثم نظرت إليها الجدة بعينين غامتا بالحزن، وهمست: _ لا نفترق يا ابنتي… لكن أحيانًا نختبر علينا الآن التفكير بموضوعية. علينا الآن أن نفترق، يا شام. فرفعت الطفلة رأسها بدهشةٍ وخوف وقالت: ــ لن نفترق؟ يكفي أن أبي لم يعد؟ ارتجفت الجدة، كأن الطفلة أعادت إليها صدى غيابه الذي لم يهدأ بعد، فمدّت كفيها، وأمسكت بوجنتيها، ثم قالت: _ يا صغيرتي… بعض الغياب لا نختاره، وبعضه نرتضيه كي لا نفقد كلّ شيء. فردّت شام وهي تشهق: _لكنكِ وعدتِ… فأومأت الجدة، بعينين أرهقهما الحنين والقلقٌ الذي لا تبوحه الكلمات، ثم قالت: _ عليا الآن ألا نتجمّع في مكانٍ واحد يا شام… فلو فُقِد أحدُنا، بقي الآخر، وأكمل المسير… ثم بات يدعو له، ويرثيه كلما أتاه في الوجدان.. ابتلعت "شام" تلك الغصة التي ما زالت تجهل ماهيتها، وتمتمت: _لكننا وعدنا ألا نفترق… فاقتربت منها أكثر، ثم طبعت قبلة على جبينها، وقالت: _ أترين هذا الباب سيظل مواربًا يا شام… لكننا… سنمضي في طرقٍ مختلفة، علّ بعضنا ينجو أو كلنا ثم نجتمع بعد الفراق. ثم ناولتها شيئًا صغيرًا… قلادة من الخرز الذي بدا قديمًا بعض الشيء لكنه ثري في قيمته المعنوية، وقالت: _هذه كانت من أمي، حين كان أول نزوحٍ لي وأنا صغيرة… سأعطيكِ إياها الآن، فحافِظي على هذا الإرث، يا ابنتي. ثم ربطتها الجدة حول عنقها، كأنها تُسلّمها عهدًا، لا مجرد ذكرى. فتأملت "شام" تلك القلادة التي حول عنقها، كانت بسيطة، بألوان بدت باهتة بعض الشيء، لكنها تظل شاهدة على كلّ ما مرّ من حكايات وأحداث.
📜 الفصل الرابع 📜
لم يكن في السماء غيمٌ، لكن الشمس لم تكن دافئة، تجرّ خيوطها الباهتة بصمتٍ فوق أطراف البيوت المنهارة، كأنها تودّعه واحدًا تلو الآخر، وتضمّ مع ظلالها المنسحبة أنفاس من سيرحلون أو رحلوا. بدا الجو المحيط كما لو أن الحزن يكسوه، ففي ساحة مدرسة الإيواء، بدأ الناس يتجمّعون، يحملون ما استطاعوا حمله حقيبة، بطانية، ...، ...، ... فتعلّقت "شام" بطرف عباءة جدّتها، ووقفت بجانبها لا تبرحها إلى أي مكان، ولا تُفارق حتى يدها … كأن فيها كل ما تبقّى لها. فأخذت الجدة نفسًا عميقًا بخيشومها، وكأنها تستنشق رائحة المكان للمرة الأخيرة، وتعبأ صدرها من هبّات رائحة الشمال، ثم انخفضت حتى صار وجهها موازيًا لوجه "شام" وقالت: _ ابنتي… عي ما سأقوله جيدًا. ستبدئين اليوم رحلتكِ، يا صغيرتي… كما بدأتُ أنا يوم أعطتني أمي هذه القلادة. فاحتضنتها شام بقوة، والدموع في مقلتيها تُهدد بالهبوط ثم همست بوجل: _ لن أذهب من دونكِ. فرفعت وجهها بكفيها، ومسحت عبراتها العفيفة تلك بإبهامها وقالت: _ ستذهبين…وستحملين الراية فما نحن إلا جيل يسلم جيل. ثم أشارت إلى الطريق، حيث كان الناس يتوزّعون في مجموعات صغيرة وقالت: _إياكِ أن تُفلتي يدَ أمك أو أخيك. وإن لم نلتقِ في الدنيا ثانية، ففي الجنة يكون الملتقى. وانفلتت يد الجدة من يد شام، لكن ليس بقسوة، بل برجفةٍ خفيفة انسلت من حناياها كما تنسلّ الروح حين تهمس بالرحيل. وخطت شام أولى خطواتها نحو النزوح، إلى فراق جديد، وخلفها تركت، قلب كاد ينفطر من فرط الألم…لكن صوت أزيز ما عاد ليحلق فوقهم من جديد، فهرولت الأقدام والعيون لا تجرؤ على الالتفات، يسيرون كسرايا، بين العرايا، فكل ما حولهم كان خراب. سارت شام تتبع أمها على غير هُدًى، في طريقٍ مزدحم بالوجوه المذعورة، والخطى المتردّدة، بالأجساد التي تحمل بيوتها على ظهورها، فقد بات الحِمل لا ينوء بها، إذ فقدت الظهورُ عهدها بالراحة منذ أن ودّعت السكون. بالسير نحو المجهول، فكلٌّ منهم كان يحمل الأمل ويشعشع في عينيه، كما تُحمل حقيبة صغيرة… قابلة للسقوط في أي لحظة. فبكت شام من ألمٍ أخذ يتسرّب ببطء إلى عظام قدميها الصغيرتين، فلم تعد تقوى بعد على السير، فأخذت تصرخ من هول ذاك الألم الذي لا تقدر على تحمله، فنظرت إليها الأم نظرة خاطفة وقالت: _ تحمّلي يا ابنتي... لا يمكننا التوقف الآن، إن أزيزهم يمزّق أنفاسنا ويخطو في عرض السماء فوق رؤوسنا! فصرخت شام: _ما أستطيع... ثم تهاوت قدماها أسفلها، فاندفعت الأم سريعًا لتسحبها، ثم حملتها، لتزيدها ثقلًا فوق أثقالها............... أقبل الليل وأرخى سدوله، ثم هل بحواشيه القاتمة مدثرًا وضح النهار وشظايا أحلام كانت ترفرف في أن تنال بضعًا من الأمان حتى ولو بدافع الإنسانية، لكن الأقدام ما زالت تواصل السير في العراء، تهتدي في طريقها بوميض كشافاتها الخلوية ذات الأضواءٍ الباهتة التي تنثر أشعتها على استحياء. هنيهات وعمّ صراخٌ عاصف في أنحاء المكان، ثم فجأة اندفع الناس يهرولون في كل اتجاه، بفوضى ووجوه مذعورة، بعويل أضحى يصم الآذان، وأجساد حائرة لا تدري أين المفر أو السبيل للنجاة. حاولت الأم أن تستفهم عمّا يجري، فجاءها الخبر قبل أن تنطق، ثمة قذيفةٌ سقطت على جمعٍ في مقدمة السريّة... وهناك شهداء. لم تعِ شام من كل ما قيل سوى كلمتين صراخ وشهيد. وبعدها جاء البكاء، العويل، والركض في كل اتجاه. وأضحى أن هناك وجوهًا في تلك اللحظة لن ترى طرف الجنوب ولو حتى لثوان. فلم يشفع لهم ولوجه وسكونه الذي تلحفهم، وكأن الذئاب قد انتظرت حلول الليل لتفتك بالفرائس التي تقطن تحت قبضتها وما زالت في مرمى أنظارها بحكم البطش والطغيان. فصرخت شام كما لم تصرخ من قبل، فها هي تفزع من أن تتجرع مرارة فقد جديد. لم تدرك ماهية أوله فكيف بجديده. رغم الذين رحلوا، ورغم من أصيبوا، لم يجرؤ الباقون على التوقف. فلقد كان عليهم الاستمرار، رغم كل هذا الألم، ورغم كل هذا الدمار. وهل الصبح ودثر وعر الليل وما حويه من ألم، وها هم قد اجتازوا تلك النقاط الشائكة مع وحوش الموت. ثم في الطريق، وجدوا بضعًا من النازحين ينصبون الخيام، والأمهات يبحثن عن الحليب لأولئك الصغار الذين يصرخون، وبعض من الرجال يفتّشون في الوجوه العابرة والحاضرة عن وجهٍ لم يعود، أو كان هنا ولكن السؤال الذي ظل عالقًا هل نجا؟ فاقتربت من شام امرأة طاعنة في السن، بظهر مقوس حنته قسوة السنين، فمدت لها الأخرى كسرة خبز، ثم قالت: _لقد أرهقنا النزوح، ولم نعد نقوى عليه... أما آن لنا ببعض الراحة؟ فلم يتبقَّ من أسرتي الكاملة غيري، يا صغيرة. فإن ارتقيت، تذكريني بكسرة الخبز هذه، وادعي لي، فلم يتبقَ لي أحدٌ أعرفه كي يرثيني. فأومأت لها شام وأحنت رأسها دون كلام. فقالت المرأة: _ ستجدين هنا من يشبهني... فنحن جميعًا تعودنا على حمل بيوتنا وأكفاننا على ظهورنا، أينما رحلنا يا صغيرة. لم تُجب، فهي لم تفهم شيئًا مما تفوهت به العجوز غير التقاطها تلك البسمات المرسلة نحوها فقط، فشكرتها ومضت. ثم، حين اقترب الغروب، جلست شام عند جذع شجرة بعيدة قليلًا عن الضجيج الذي يعلو المكان. كان الهواء باردًا، يتقاذف بهبات سريعة، فيلفح تلك الوجنتين الصغيرتين بنسمة قاسية باردة كنسمات الحرب تلك، ومع كل نفحة كانت تصيبها، كان هناك شيء آخر يلفح قلبها؛ همسات من التساؤلات المتشابكة التي تدور في صدرها، وتتعالى ثم تتكاثر، كأنها أسراب من العصافير الصغيرة تبحث عن إجابات لذلك الجمع الذي لا ينتهي من التساؤلات. تنهدت ثم مدّت يدها دون وعي إلى ذلك العقد المعقود حول عنقها وتلمسته بحنين لها وهمست: _عساك بخير يا جدتي. مضى هذا الليل مضي هادئ، كالسراب الذي يعبر بلا أثر، دون فقد، بترقب حذر، ثم مع بزوغ أول خيوط الفجر، حل الصباح، ليعلن عن بداية جديدة للذين اختاروا أن يلوذوا نحو الجنوب. ساعات ودنوا من أطراف الجنوب، لتعلو البسمات على ثغور تلك الوجوه، كأنها إشراقة لشمس حلت بعد ليل طويل. كان التكدس في الجنوب يعوق حركة القادمين إليه، فقد كان الوصول إلى أبسط الأشياء، فيه شيء من العسرة، ولكنه الأقل، فرغم المعاناة كان يبث شيئًا من الأمان في الصدور المنكوبة القاطنة فيه أو الفارة إليه. بحثوا عن دور يمكن أن تستقبل القادمين من الشمال وأطرافه، حيث كانت تلك الوجوه تتطلع إلى مأوى بعد ذلك الانهاك الشديد والألم الذي انتابها. مضى شهران بالكمال وانقطعت فيهم أخبار الشمال عن الجنوب بفعل الحصار. وهل عليهم هلال رمضان، حيث كانت الزينات ترفرف أعالي الدور، بألوان مشرقة، يتوسطها ذلك الفانوس المتوشح بتلك الألوان، الأحمر والأبيض والأسود، وذاك الأخضر الخلاب، بإضاءة ملونة تنير عتمة الطرقات، فتنبض الأرصفة بالحياة وبالموائد التي نصبت استعدادًا للسحور الأول، ويتناثر شذى طيب رائحة الكنافة النابلسية في الأجواء، مصاحبًا لتلك القطايف المحشية بالزبيب والمكسرات. تجمع الأحباب الذين عرفوا بعضهم خلال تلك المحنة، ومن لم يعرفوا بعضهم، فالمصاب واحد. لكن الأصعب كان العودة إلى الذكريات، إلى رمضانات ماضية، حيث كانت تلك الكراسي الشاغرة، لأحبابٍ رحلوا دون وداع، حيث رحلوا جائعين، خائفين، مذعورين. تاركين فراغًا في القلوب لن يملؤه أي مقابل أو يمحيه غفران. رحلوا ولم يتبقَّ لهم غير الذكريات التي نسجت فقط في الذاكرة.. فتنقلت بعينيها بينهم تتذكر تلك اللحظات التي كانوا فيها حول المائدة، مجتمعين، بضحكاتهم التي كانت تعلو، وعباراتهم التي كانت تملأ الأجواء دفئًا، كيف كان كل شيء يبدو بسيط وجميل، ولكنه اندثر الآن مع تفرق الأحباب.. ثم بعد أول سحور، وفي أول صلاة فجر، انقشع ذلك الأمان المزعوم، وحلّ ما لم يكن في الحسبان. فأصوات القذائف وأزيز تلك الوحوش علا فوق صوت الصرخات والاستغاثات، فكل دوي قذيفة كان يشق سكون المكان، ويشتت كل شيء في طريقه ويحوله إلى شظايا تتطاير في الهواء. وكل صرخة استغاثة كانت تنادى من تحت الركام، لتشعر بالصراخ وصدى القذائف، في أعماق أعماق أذنيك، فيضنيك عجزك وأنت تشاهد كل هذا أمامك، بلا مقاومة أو أدنى حراك. حينها فقط سيغشى البصر حابسًا لتلك العبرات، وتقطن فيك تلك الغصص التي تتقاتل في حلقك، في أسفل الأسفل خشية الخروج، وتتكاثر في داخلك الآهات. حتى تتلاشى كلها في هواء تلك المدينة التي نكبت. كانت ألسنة النيران تتصاعد بدخانها الأسود في عدد من الأحياء، وأصوات السيارات لا تكف عن الصراخ، تملأ الآفاق. كان بزوغًا داميًا. احتدمت فيه النيران بكل زاوية، لتلتهم البشر والجماد، حتى عج الهواء وصار مشبعًا بأبخرة الأحباب الذين رحلوا إلى السماء. ازداد الألم لهيبًا داخل الصدور، وخنقت الصرخات داخل الحناجر، فإن أردت بعضًا من النجاة المزعومة، فعليك الاستمرار في أن تحيا، فهنا لا يمكنك البكاء على الأطلال، لأن الوقت لن يسعفك، فبلحظة يمكن أن تصبح أنت الخبر ذاته، أو أن تستقبل خبر جديد، وأنت بعد لم تتداوى من الخبر الذي حل بالأمس. فنحن قوم جاورنا الألم، والألم بات رفيقنا وقطن في لبّنا، لكن الحرب لم تنتهي بعد. لم يظل الجنوب على هدوئه الذي اتسم به في تلك الأوان، بل تحول إلى رقعة أخرى من الشمال، ليصبح السكون الذي ساد أرضه ظلًا أو سرابًا. ازدادت التوترات فيه، فبدأ الكل بالنزوح مجددًا، نحو المنتصف، حيث كان الجميع يأمل في العثور على ملاذ جديد وسط ضباب هذا الاضطراب. وفي الطريق، هنا، عجز اللسان عن الكلام، فعن أي هول يمكن أن تتحدث، وعن أي مأساة يمكن أن تقص، هل عن الأجساد المتفحمة، أم عن المتشرذمة، أم الضائعة في العرايا بين الطرقات متناثرة. أم الأشلاء التي تكال بالمكيال كي يفرق بين الطفل والشاب، أم السبي لكل حيّ أو جماد. أم الترْحال والنزوح بين الجنوب والشمال، أم الجوع الذي أهلك الكبار قبل الصغار، أم عن مواطن القتل من أجل حفنة من الطحين، أم عن شلالات الرصاص والأحزمة النارية، أم عن الروبوتات المفخخة، أم الأطراف المبتورة والأحلام المكسورة، أم عن اليقين بأن الله وحده هو رافع البلاء. أم عن التخاذل، نعم الخذلان من أخ قبل الجار، وابن العم قبل الغريب. هل أحدثكم عن الكرامات ورائحة المسك التي فاحت من رفات الأجساد. أم الدعاء والنحيب الذي كان في عنق الليل وهو يتصاعد إلى الواحد القهار. هنا، ستجد كل ما تشتهيه نفسك، وكل ما مُثّل لك في هوليوود الساحرة وبوليوود الملونة، وحتى ذلك الحبار ستجده هنا حيًّا في غزة اليتيمة، حيًّ في فلسطين الأبية. هل رأيتم الخراب في البيان، والطرقات، والمرافق، والآلات؟ في المزروع في الأرض والحصاد، أصبح كله ركامًا فوق ركام، بني على جثامين مفقودين تحت الأنقاض، بني على أحلام وردية اندثرت بين رماد الحطام. كم سيتخيل عقلك وأنت تسير بين ركام، يمتد بطول مد بصرك، لونه لون الرماد؟ وتغادره بينما هو لا يغادرك، كخريفٌ أخرفت أوراقه وظل شاحبًا بلا حياة، سوى من شمس تنير سماءه في الصباح. فتدرك بعينيك كم هذا الخراب والدمار، وبقمر معتم يخفي قليلًا من هول تلك الأنقاض في المساء، التي تذهب بالعقل وتعجز اللسان وتشيب لها الأبدان. في المأساة، يا صديقي كلنا سواسية، توشحنا بالعجز بكل دناءة، فما أصعب أن تقرر أن تنجو بنفسك فقط. ورغم علمك بالهلاك والمصير القاتم، يبقى في داخل ذهنك أنت فقط، في رؤياك الداخلية، قاطنًا على عرش قلبك المتخاذل...... وفي المنتصف حين نزحوا من الجنوب، تلاقت شام مع جدتها مرة أخرى، وبقيتا معًا حتى توقفت الحرب نسبيًا. ثم قرروا العودة إلى الشمال، حيث يتفقدون الدور إن كانت ظلت صامدة، أو قد دمرتها الحرب، وليسري عليهم كل ما يسري على البشر هناك من فقدٍ، وجوعٍ، ونزوح................... ومرت الأيام بيسرها وعسرها ثم ........... _جدتي، جدتي! لقد اجتزت الاختبارات! قالتها شام، والبسمة تغزو وجنتيها، ثم اقتربت من الجدة وقبلت راحتيها. فربتت الجدة على ظهرها، والسرور يكاد يشع من أسارير وجهها، ثم قالت: _هنيئًا لكِ يا ابنة أنس، لقد وعيتِ وكبرت يا شام. وحان الآن أن أسلمك إرثنا ووصية والدك الشهيد. نظرت إليها برهة ثم ترقرقت الدموع في عينيها، حبستها ومدت كفيها لتتسلم تلك الوصية، رهبة ما أصابتها وهي تمد كفيها ببطء نحوها، التقطتها بوجل ثم دلفت إلى غرفتها. جلست على حافة السرير مستكينة بعض الشيء، تحاول أن تشحذ بعض القوى من داخلها، بصرتها وهي بين كفيها، فلمعت عبرة غزت عينيها، أخذت شهيقًا عميقًا ثم شرعت تفتحها، لكن شيئًا ما توجس بداخلها. فتوقفت لبرهة ثم فتحتها، فكان نصها: هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة. إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن وحوش الموت قد نجحوا في قتلي وإسكات صوتي. بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، منذ فتحت عيني على الحياة، في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة "المجدل" لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ. عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف. أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم. أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام، فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل وصواريخ وحوش الموت، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران. أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة. أُوصيكم بأهلي خيرًا، أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم. وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة. أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي. أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء. وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان. أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل. إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى. اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي. سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل. لا تنسوا غزة… ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول. أنس جمال الشريف 06.04.2025 ترقرقت العبرات في عينيها وهبطت على تلك الوصية يصاحبها نشيج شجي يبرز من غور ثغرها، ليكون شاهدًا على جرحٍ ما زال يحيا ولم يبرأ، أو لن يبرأ. طوتها وهي تتمزق داخليًا، ثم وضعَتها برفق بجانب تلك الرسائل التي ما زالت تكتبها له منذ أن وعَت الكتابة. أحضرت ورقة، ودونت فيها...رسالة جديدة من رسائلها التي ما زالت تكتبها له فكان نصها: _وأكتب إليك شكواي بمرارة الحنين، وأبحث عنك بين المقل، فأعود ومعي خيبتي، وظل رؤياك يحيطني، فأبقى يا أبي صريعةَ الاشتياق، بنيران تضرم داخل صدري. ما عساي أن أفعل؟ كيف أجدك وقد اندثرتَ مثل السراب، بلا أثرٍ؟ أشتاق إليك حقًا يا أبي، أعدك أن أظل على العهد مقبلة غير مدبرة، أحبك يا قدوتي ويا فخري.
📜 الفصل الخامس 📜
بعد 7 سنوات............ المراسلة الصحفية "شام أنس الشريف" كانت تقف بنفس نظراته الجادة، المتلحفة بالقوة، فقد اكتسبتها من طفولة عاشتها بين اليتم والنزوح والحرب ومرارة الفقد. وقفت بثبات أمام الكاميرا، ثم تفوهت تلك الشفتين التي كانت تدندن معه سابقًا: _مرحبًا بكم مشاهدينا في هذا البث الخاص. نحن الآن في قلب مدينة القدس، حيث وقعت اشتباكات مروعة في الساعات الأولى من صباح اليوم. الحادث، أسفر عن سقوط شهداء ومصابين، ويواصل فريق الطوارئ عمله في موقع الحادث. ثم التفتت بناظريها نحو القبة الخضراء، وأخذت شهيقًا عميقًا من هواء ذاك المسرى، ليهبط داخل رئتيها بحنين ويثلج تلك الثغور المتأججة بداخلها. أدارت ناظريها بغير رغبة، فكم كانت تتمنى لو تطيل النظر إليه، لا لتسرقه خلسة، عاودت نحو موقع الحادث، ثم قالت: _كما ترون خلفي، هناك آثار واضحة للدمار نتيجة الانفجار الذي هز الأنحاء وفقًا لما أكده المسؤولون، وقد تم نقل المصابين إلى المستشفيات القريبة من القدس، حيث تم تأكيد وفاة عدد من الشهداء حتى الآن. ثم اقتربت من المكان الذي يشهد حركة مكثفة من رجال الدفاع المدني والإسعاف، وأضافت: _هناك إجراءات أمنية مشددة في محيط المكان، وسوف نوافيكم بأهم الأخبار عن كثب حيث في هذه اللحظات، الاشتباكات ما زالت و ......... علينا العودة الآن إلى الخلف فالر............انقطع البث. كانت لحظات عصيبة تتأجج في المحيط، فلقد احتدت الاشتباكات، وكان عليها أن تتراجع عدة خطوات إلى الوراء. ثم عادت مرة أخرى إلى البث وقالت: _في هذه الأوقات العصيبة، تبقى الأسئلة عالقة على الألسنة، التي تبحث عن إجابات شافية، لكن كل ما يمكننا الآن التأكيد عليه هو أن فرق الإنقاذ تبذل جهودًا كبيرة لإجلاء المصابين وضمان سلامة الجميع. نعود الآن إليكم في الاستوديو مع الزميل محمود حسن الشافعي. كانت معكم الصحفية شام أنس الشريف. _شكرًا لك، شام، على هذه التغطية الحية. وسننتظر المزيد من التفاصيل _شكرًا، محمود. ونحن هنا في موقع الحادث، سنواصل متابعة تطورات الأحداث على الأرض وسوف نوافيكم بكافة المستجدات أولًا بأول. لم يتوقف هاتفها عن الرنين، بمحاولات متتالية ولم يكن هناك جواب. ترددت يديها على شاشة الجوال أتجيب أم لا، وحين أجابت، جاءها ذلك الصوت الملائكي هاتِفًا: _ أمي، أين أنتِ؟ متى سوف تعودين؟ جدتي تكاد تنهار من البكاء خوفًا عليكِ. كان صوتًا صغيرًا بريئًا لا يعرف سوى الاشتياق. جحظت عيناها للحظة، فقد شعرت بشيء غريب يثقل على فؤادها، وكأن هذا الصوت الذي وصلها من ابنتها الصغيرة التي لم تكمل بعد سنواتها السبع، كان يئن في آذانها. _أمي، أين أنتِ؟ تكرر السؤال مرة أخرى، كأنها تتوسل لها بأن تعود، أن تعود قبل أن ينهار كل شيء من حولهم، فأمها لن تتحمل فقد جديد، فهي لم تتعافى بعد من فقد الأمس. فأجابت بصوت به حزن عميق: _ أنا هنا، يا صغيرتي… أنا هنا. لا تقلقي عليّ، فإني بخير.. كان صوتها المجهد يخرج متهدّجًا، يخفي خلفه ارتجافة الحنين لهم التي سكنت حروفها وبثّتها في كلماتها، بأنفاس دافئة كانت تحاول أن تجعل ذلك الحنين، يعبر كل تلك المسافات لهم، لعله يطمئن قلب تلك الصغيرة التي لا تعرف أمًّا غيرها، وأمّها التي تودّ لو تعيدها إلى أحشائها، خوفًا من فقدها. ساد الصمتٌ لبرهة، فأعقبه نشيجٌ خافت، يصاحبه همسة ارتجف صداها بين الحنين والفزع، ثم قالت بصوتها الصغير: _اشتقتُ إليكِ، أمي... قلبها كاد أن يتوقف عن الخفقان للحظة، وكأن تلك الكلمات التي سمعتها بأذنيها عادت بها سريعًا إلى زمن اندثر إلا من الذاكرة، حيث كانت تردّدها له كلما اشتاقت إليه، شعرت بمرارتها للتو. يا لذلك الثقل، رباه، من هول هذا الشعور المقيت! فهي الآن تتجرّع نفس تلك المرارة التي تذوقتها سابقًا، وكأن تلك الفجوة لم تنحسر بل اتسعت أكثر من أي وقت مضى. فكيف يمكن للغياب أن يخفف من وطأة الحنين؟ فصوتها الذي كان ينساب عبر الهاتف بدا كنسمة باردة في ليلةٍ دافئة، يحمل في طياته ألمًا يتجاوز الكلمات، ويترنح بين الفواصل، فهي تشتاق لها لأكثر من مجرد حضور جسدي؛ تشتاق لها وحدها كما تشتاق هي إليه، تشتاق لذلك الأمان الذي لا يتحقق إلا بين ذراعيه هو. فما أقسى ذلك الشعور في أن تيتم وأنت طفل لم تتجاوز بعد الخمس سنوات، وتحمل مرارته طوال مدّ عمرك. كيف يمكن لروحٍ صغيرة أن تتحمل غيابًا بهذا الحجم؟ كيف يمكن لقلب بريء أن يتحمل هذا الفراغ اللامحدود الذي يخلفه الفقد؟ ثم جاءها ذلك الصوت الذي أجهدته الفواجع وهتف: _ يكفي يا ابنتي وعودي، فلقد وفيتِ بالعهد يا ابنة أنس. تفوهت هي بتلك الكلمات لترفع أخيرًا عن كاهلها ذلك الحمل الثقيل الذي حمّلتها إياه، ولكن كيف يكون هذا دعوة للراحة والأرض ما زالت تناضل؟ فلم يكن العهد الذي قطعته بالأمس بأن تحمل هذا الإرث فقط، بل كان عهدًا بالمضي على نفس منهاجه، بنضال لا يتوقف، نعم كان العبء ثقيلًا، لكنها تحملته بكل ترحاب، وكأنها لا تعرف للسكون مَوئِلاً. فلقد احتضت الأرض، وعانقت كل لحظة مرّت بها من عناءٍ، ثم ها هي تفتح ذراعيها بمدهما مجددًا، وتشرع في أن تتقبله من جديد بكل ما فيه. وقفت باعتدال ثم أخذت شهيقًا عميقًا من هواء القدس مرة ثانية ولم تزفره بقوة بل زفرته ببطء، تمنت لو استطاعت أن تبقيه أكثر، ثم همست: _فما نحن إلا جيل يسلم جيل، وما نحن إلا شهيد يعزي شهيد. فكلنا فداء لهذا الوطن. فداء لأرض التين والزيتون، فداء لأرض الشهداء. فوداعًا مؤقتًا إلى حين العودة واللقاء مجددًا يا هواي، يا قدس الأبية. فإني في محرابك ولهانة، وفي هبات أنفاسك عاشقة، وفي رحابك الطاهر مستكينة. فلقد حملت في طياتها عزمًا لا يتزعزع، وإيمانًا عميقًا بأنها ماضية فيما خطّ به نهجه وخطّ في قلبها، وأن هذا الجيل الذي يحمل هذا الإرث معها، سواء بأجسادهم أو بأرواحهم، هو جيل لن يتخلى عن العهد، مهما كان نزيف التضحيات............ بعد عدة شهور................... _أمي، ما هذا الذي تتصفحينه؟ أراكِ بين الحين والآخر تقتنصين الفرصة وتطالعينه، حتى تولد لدي شغفٌ لأراه. فابتسمت شام وقالت لها: _تعالي، واجلسي بقربي. ثم فتحت أولى صفحاته........... فكان بها صور مرفقة وفي أسفلها دونت تلك الكلمات من أجلنا... من أجلنا... من أجلنا... أوقفوا حربًا بها قلوبنا تنزف. نحن عصافير، فما ذنبنا حتى نرى أعشاشنا تُقصف؟ حروبكم قد دمّرت دارنا، وأحرقت بالنار أشجارنا، وشرّدتنا، فرّقت شملنا، ولم نعش – يا ناس – أعمارنا. توقفوا... توقفوا... واسمعوا بكاءنا، في الليل كم يُوجِعُ، كم يُفزعُ! أفزعتم النجوم فوقنا، أحزنتم البدر الذي كان يسطع. دعوا لنا مساحةً كي نرى طريقنا، طريقنا بحلمنا أزهر. نظلّ أطفالًا، ومن حقّنا – يا أيها الكبار – أن نكبر. صمودنا بالأمس والحاضرين، حكاية مستقبل الزاهرين، دخوله تمضي بأسرها دور إلى طموحها الباهرين. أنا هي........... من أجلنا... من أجلنا... من أجلنا... أوقفوا حربًا بها قلوبنا تنزف. نحن عصافير، فما ذنبنا حتى نرى أعشاشنا تُقصف؟ تلمستها بأناملها، ثم همست بصوتٍ يسكنه الحنين: _تلك، يا صغيرتي، ذكرى من قناتي المفضّلة. أُنتجت حين كان عمري خمس سنوات فقط، فلقد كانت سبيستون صوتَنا الطفولي الذي كان يصرخ، ويعبّر عن ألمنا حين عجزت الكلمات. ثم سكتت للحظة، وعيناها تجولان بين الصور المعلّقة في ذاكرتها وتلك الصور المرفقة أمامها، وتابعت: _ هؤلاء بعضٌ من الأطفال الذين رافقونا في تلك الحرب... بعضهم رحل، وبعضهم بقي، لكنّ صدى صرخاتهم ما زال حيًّا، وينبض بتلك الكلمات التي دونها قحطان بيرقدار. فاقتربت طفلتها منها أكثر، ثم وضعت رأسها على كتفها، وكأنها تحاول أن تلتقط نبض تلك الذكريات، وأن تعي ما وراء تلك الحروف المتألمة. فابتسمت شام بخفوتٍ ثم قالت: _ربما لم نكن ندرك آنذاك ما يعنيه أن نحمل وطنًا في صرخاتنا الصغيرة، كنّا نصرخ فقط من فرط الألم حينها... لم نكن نعرف أنها ستبلغ حتى تصل إلى عنان السماء. ثم قلبت الصفحات بهدوء، وكأنها تحمل بين يديها قصصًا مفقودة أو قصصًا ظلت ندوبها تحيا على مرِّ تلك السنوات المنصرمة، وأكملَت بصوتٍ يحمل شجنًا عميقًا: _ وهذه ريشات أيادٍ ماهرة. وثّقت بعضًا من صور الحرب كي تظل شاهدة على مر وعاصرناه. _ففي كل رسمة كانت تقطن هناك قصة، متوشحة بشبح الحرب الذي يتسلل ويعبر بين خطوطها، بين الأنقاض، وفي وجوه الأطفال الذين اندثروا في زحمة القصف، والأحلام التي بترت، والأحباب الذين ظل ذكراهم بين الصور. وأشارت إلى قلبها وقالت: _وهنا يا بنيتي. ثم تلمست تلك الصورة بحنين له، وهمست: _ هذا هو جدك، بطل من الأبطال الذين كانوا آنذاك... لم يبقَ لي من ذكراه غير تلك الصور ووصيته هذه، وبعض من الذكريات التي تعشعش وتقطن في داخلي أينما رحلت. وبعض من وهج طفولتي المقهورة، وأبخرة من رائحة الحرب، التي ما زالت عالقة بأنفي إلى الآن. لكن رغم كل ذلك الألم، ما زلنا ننشد أن نحيا بأمان، فنحن أبناء هذه الأرض التي تنزف، أرض تحمل في طياتها قصصًا من النضال الذي لا ينحسر ولا ينهزم، أرضًا أنفاسها، أرواح تصعد، وتضحيات تقدم، لكنها تبقى صامدة شامخة رغم كل تلك الجراح. ويتولد بجوفها بصيصًا من الأمل مع ولوج كل صباح، ومع كل طفل يولد، ومع كل شجرة تنبت من جديد فوق أطلال تلك الحرب، ومن بين تلك الأنقاض المكومة هنا وهناك، فيشعشع بوهج ضيائه وينثره في الأنحاء، لينير عتمة ظلت طويلًا وليظل شاهدًا على أن هذه الأرض لا تقبل الاندثار. فمن أجلهم... أوقفوا حربًا بها قلوب تنزف .... فتحية لكل أنس.... ويحيا كل من ناضل. تمت بحمد الله

تعليقات
إرسال تعليق