سفاح بدون جريمة (نوفيلا)
📜 المقدمة 📜
لم يكن سفاحًا كما يظن الجميع، بل كان كاتبًا ضاع بين فصوله. كتب الجريمة حتى صدقها، وصار الخيال مرآة للواقع، والواقع امتدادًا لرواية لم ينهها بعد. في كل سطر كان يزرع موتًا، وفي كل فصل يولد قاتل جديد، إلى أن خرج أحدهم من بين الصفحات. حينها لم يعد يدري من يطارد من؟ الكاتب أم الشخصية؟ الجريمة أم الحكاية؟ كل ما تبقى كان سؤالًا واحدًا يطارده: هل كان هو السفاح، أم كان مجرد ضحية لقصة كتبها بيده؟
📜 الفصل الأول 📜
(بداية المعاناة) تحركت أصابع أريان بسرعة على لوحة المفاتيح، وكأنها تركض على ممر ذهبي وراء أفكاره المتلاحقة، كتب السطر الأخير في روايته الجديدة خطط بين قوسين"تم الانتهاء، انتظروا النسخة الجديدة النهائية من سلسلة القاتل المحترف"، ثم تراجع إلى الخلف منهكًا وكأن ثقل العالم قد انزلق عن كاهله. ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه وهو يفكر بالنهاية التي خططها، كأنه يرى بعينيه جمهورًا يتدفق في قاعة مكتظة، يصفق بحماس ويطلب توقيعه بينما تلتقط الكاميرات الصور بجواره، وتلتمع الأضواء حوله. أغلق الحاسوب وتمدد على الفراش، مطمئنًا في عالمه الخاص، تاركًا مخيلته تسبح في حلم النجاح، سرعان ما غفا، واستشعر نفسه ينغمس في عالم سحري، يركض بين شخصياته الروائية: قاتل محترف ذو نظرات ثاقبة، وضحايا تتساقط كالأوراق تحت شجرة عتيقة، وظلال كثيفة تحاصر المكان وتحيطه بعباءة من الغموض والخطر. ************************ في اليوم التالي، استيقظ أريان باكرًا ليتوجه إلى موقع جريمة جديدة، مكلفًا بتغطيتها للصحيفة، كان الجو مشحونًا بالتوتر، وأصوات أجهزة اللاسلكي تتردد في أرجاء البناية التي طوقت بشريط الشرطة الأصفر، أبرز هويته للشرطي المناوب، الذي تفحصه بدقة ثم سمح له بالدخول بعد نظرة متفحصة. عندما دخل، صدمه المنظر: الجثة كانت ممددة على الأرض، محاطة ببركة دماء قانية تنبض بالحياة، رغم الفجيعة. يداها وقدماها مكبلتان بإحكام، وعلى صدرها طعنة غائرة، لكن لم يكن ما أثار انتباه أريان فظاعة المشهد فقط، بل الدقة المزعجة: زاوية السكين الحادة، وضعية الجسد الغريبة، وحتى طريقة تقييد الضحية، كل تلك التفاصيل كانت مأخوذة بدقة مقلقة من أحد فصول سلسلته الأخيرة. اقترب من الشرطي المكلف بالمعاينة وسأله بخفوت مشوب بالقلق: "ما الذي حدث هنا؟" رد الضابط بصرامة، صوته يحمل عبءًا من المعلومات القاسية: "القاتل استخدم صاعقًا كهربائيًا قبل أن يقتلها، ثم قطع إصبعها الأوسط، عمل بشع، لكن من الواضح أنه ليس عشوائيًا، من يجرؤ على ذلك يعرف تمامًا ما يفعله." ارتجف قلب أريان، يدفعه الخوف إلى حافة الهاوية، هذا ليس مجرد تشابه، لقد كتب نفس التفاصيل في إحدى رواياته، لم يكد يستوعب الأمر حتى لمح كتابًا موضوعًا قرب الجثة، غلافه كان مألوفًا جدًا، إحدى رواياته نفسها، مفتوحة على الصفحة التي تصف الجريمة ذاتها"الفصل الأول"، وكأنها سطور جرفته حروفها إلى الواقع. شعر بيد ثقيلة تربت على كتفه، استدار ليرى صديقه وزميله في الجريدة، ماكسيم، يحدق فيه باستفهام عميق: "أريان، ماذا هناك؟ هل وجدت شيئًا مهمًا؟" تلعثم أريان وهو يحاول إخفاء ارتباكه، الكلمات تتعثر في حلقه: "لا، ليس بعد، لكن هناك شيء غريب جدًا في هذه الجريمة." ماكسيم اكتفى بإيماءة صامتة، بينما ظل أريان غارقًا في صدمة لم يعرف كيف يخرج منها، الجريمة خرجت من بين صفحات رواياته، إلى أرض الواقع، وكأن الألم وكلمة "نهاية" اجتمعا في لحظة واحدة. ************************ في مكتبه بالجريدة، جلس أريان على كرسيه كأن ثقله تضاعف عشرات المرات، ألقى الصور واحدة تلو الأخرى فوق المكتب، ثم أعاد التقاطها بعصبية، كأنه يحاول أن يجد خطأً صغيرًا ينفي ما يراه، لكن لا، كل صورة كانت خنجرًا جديدًا يغرس في صدره. الطريقة، الزاوية، موضع الجثة، حتى تفاصيل تقييد الضحية، كانت كل صورة نسخة طبق الأصل مما خطه قلمه قبل أشهر، شعر ببرودة تتسرب إلى أطرافه، وقطرات العرق تتجمع على جبينه، ثم تسقط على الورق، تمحو الحبر وكأنها تدينه أكثر. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ من الذي قرأ نصوصي وتحول بها إلى واقع؟ أغمض عينيه، لكن الصور لم تختفي، بالعكس، التصقت بجفنيه كالكابوس العضال، كل نفس يلتقطه صار أثقل، وكل خفقة قلب تذكره أنه لم يعد مجرد كاتب، بل متورط في جريمة لم يرتكبها. ألقى الصور بعنف على المكتب، ونهض فجأة، فتعثرت الأوراق وسقط بعضها أرضًا، كأن الجريمة نفسها قد انزاحت عن الصفحات لتحط على الأرض، ارتجفت يده وهو يمررها على وجهه، ثم على عنقه، يبحث عن أي طريقة ليوقظ نفسه من هذا الجحيم، لكنه كان مستيقظًا أكثر مما يحتمل. ************************* بالمساء، عاد إلى شقته متأخرًا، فتح الباب بخطوات مترددة، يلتفت كل بضع ثوان نحو الممر وكأنه يتوقع أن يخرج شخص ما من الظلام، أغلق الباب خلفه وألقى بجسده المنهك على الأريكة، حيث ارتطمت أطراف أصابعه بمقعده الدافئ. لم تمر لحظة حتى سمع حركة خفيفة بالخارج، تجمد في مكانه، قلبه يقفز في صدره كطائر محبوس، اقترب بحذر من الباب، يده ترتجف على مقبضه وذهنه يعج بالسيناريوهات المرعبة، فتحه ببطء، وكأن كل بوصة من الزمن تتجمد، ليجد ماكسيم يقف هناك، ينظر إليه بحدة ممزوجة بالقلق، وجهه يتجلى كالعواصف. "أريان، ملامحك مرهقة، وعيناك تخفيان شيئًا، ما الذي يحدث؟" ارتبك أريان، تنفسه متسارع بشكل ملحوظ، لم يجد الكلمات بسهولة، اكتفى بالجلوس على طرف الأريكة، يدفن وجهه المثقل بالهم بين كفيه، كأنه يحاول طمس أفكار لا تحتمل: "ماكسيم، إنهم، إنهم ينفذون جرائمي المكتوبة، نسخة مشوهة من خيالي." جلس ماكسيم أمامه، يراقبه بعينين ثابتتين، تشعان بالتحدي والحذر: "وهل ستظل صامتًا؟ أم ستواجه ما يحدث؟" رفع أريان رأسه ببطء، وفي عينيه خليط من الخوف والذهول، كأنهما تقولان: كيف أواجه قاتلًا خرج من بين سطوري؟ ************************* استيقظ أريان على صوت المنبه يصر بعناد، لكنه ظل جالسًا على حافة السرير، رأسه مثقل بصداع يشبه مطرقة تضربه ببطء، حاول أن يقنع نفسه بأن الأمس لم يكن سوى صدفة غريبة، وأنه يستطيع طردها من ذهنه بالانشغال بيوم جديد. اتجه نحو المطبخ، أعد قهوته السوداء، جلس أمام شاشة التلفاز الصغيرة وهو يحتسي رشفة منها، لكن المذيعة على الشاشة نسفت هدوء الصباح بكلماتها: "عثر فجر اليوم على جثة فتاة في شقتها بوسط المدينة، تشير التحقيقات الأولية إلى أن الجريمة تحمل تفاصيل غامضة وغير مألوفة." شد انتباهه ذكر التفاصيل، رفع الصوت تلقائيًا، قلبه يدق بعنف، على الشاشة ظهرت صور من مسرح الجريمة: غرفة شبه مظلمة، طاولة مرتبة بعناية غريبة، وعلى الحائط رسمة بدت مألوفة بشكل مزعج. تجمدت يده التي تحمل الفنجان، لم ينتبه إلا بعد أن انسكب القليل من القهوة على قميصه، الرسمة، هي نفسها التي وصفها في الفصل الثاني من روايته، ليست شبيهة بها، بل مطابقة حرفيًا. تردد صدى فكرة مرعبة في رأسه: "هل يقرأ هذا القاتل روايتي حرفًا بحرف؟" وقف فجأة، بدأ يتنقل في الغرفة بارتباك، عيناه تتعلقان بأي شيء حوله كأنها تبحث عن مخرج، لم يعد يرى التلفاز، بل رأى صفحات كتابه تقلب أمامه ببطء، كل سطر يتحول إلى حقيقة على أرض الواقع. ضغط كفه على وجهه محاولًا استعادة أنفاسه، الخوف هذه المرة لم يكن على ضحية مجهولة، بل على نفسه أيضًا، إذا استمر القاتل في تتبع الرواية فصلًا بعد فصل، فهذا يعني أن الدور سيصل إلى المشاهد الأشد ظلامًا التي كتبها، مشاهد لم يتخيل يومًا أن تنفذ فعلًا. اقترب من مكتبه، سحب المسودة القديمة، وراح يقلب الصفحات بعشوائية، كل جملة بدت كأنها قنبلة موقوتة بانتظار أن تفجر في مكان ما بالمدينة. "ماذا لو لم أستطع إيقافه؟ ماذا لو كنت أنا من أعطيه خريطة كاملة لكل جريمة؟" الخوف تحول تدريجيًا إلى صدمة وذنب خانق، لكن خلفه ظل يلمع بريق مختلف: إحساس خطير بأنه أصبح مرتبطًا بالقضية أكثر مما ينبغي، وكأن حياة أشخاص مجهولين صارت على كتفيه. ************************ في مبنى الشرطة، كانت المحققة لورين جالسة أمام مكتبها، عيناها تحدقان في ملفين مفتوحين أمامها، أوراق وصور مبعثرة: الضحية الأولى، والضحية الثانية. أخذت نفسًا عميقًا وأمسكت القلم بين أصابعها، بدأت ترسم دوائر وخطوطًا على الهامش: نفس ترتيب الغرفة. نفس وضعية الجثة. نفس الرموز على الحائط. همست لنفسها: "هذا ليس صدفة، هذا شخص يتعمد التكرار." أخرجت صورة من مسرح الجريمة الأولى، وضعتها بجانب الثانية، وكأنها تنظر إلى نسختين من مشهد واحد بفارق بسيط في الإضاءة فقط، لورين كانت من النوع الذي لا يقتنع بالحلول السطحية، اعتادت أن تبحث عما وراء التفاصيل. طرق أحد الزملاء الباب: "لورين، القائد يريد تقريرًا أوليًا قبل المساء." "سيكون على مكتبه قريبًا." لكن الحقيقة أنها لم تكن مستعدة بعد لكتابة تقرير، كان هناك لغز يصرخ أمامها: لماذا يكرر القاتل هذه التفاصيل بعناية زائدة؟ ما الذي يدفعه ليجعل الجرائم أقرب إلى مشهد مكتوب مسبقًا؟ مدت يدها لملف قديم، فتحته على قصاصة ورق عثر عليها بجانب الضحية الأولى، بجوار تلك الكتاب، لم تكن الشرطة قد أولتها اهتمامًا كبيرًا، مجرد سطر غامض لم يفسر، أعادت قراءته ببطء، وفي عقلها بدأت صورة غريبة تتشكل: النص لا يشبه تهديدًا تقليديًا، بل يشبه مقطعًا أدبيًا. رفعت حاجبها، همست: "أدبي، ليس إجرامي، كأنها سطور من رواية." الفضول دفعها لطلب نسخة مطبوعة من نصوص تلك الكتاب، لكن ما كانت تبحث عنه أبعد من ذلك، كانت تريد أن تعرف: من أين استلهم القاتل هذه الدقة الغريبة؟ جلست للخلف في كرسيها، شبكت أصابعها أمام وجهها، وتركت عقلها ينسج الخيوط: "إذا كان هذا القاتل يقرأ، فهناك مؤلف ما يكتب." عيونها لمع فيها بريق الشك وهي تنظر إلى الصفحات أمامها، لأول مرة، لم تر قاتلًا فقط، بل ظل شخص آخر يقف خلفه، الكاتب. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت لنفسها: "إذن البداية لن تكون مع القاتل، البداية مع من أعطاه الكلمات." وبهذا تغلق لورين الملفين، بينما يدها تتجه تلقائيًا لكتابة كلمة واحدة على ورقة جديدة: "المؤلف." ************************
📜 الفصل الثاني 📜
(الهاوية) مسرح الجريمة يعج برجال الشرطة، أضواء الكاميرات الفوتوغرافية تلمع على الجدران الكئيبة، فيما امتزجت رائحة الدم برائحة المطهرات التي استخدمها الفريق الطبي. توقف أريان عند العتبة، قلبه يخفق بعنف، كأن كل خطوة إلى الداخل تقربه من هاوية يعرفها جيدًا، كتبها يومًا في إحدى رواياته. اقترب بخطوات مترددة، أبرز بطاقة الصحافة للشرطي، ثم انحنى قليلًا ليمر من تحت الشريط الأصفر، لكن ما إن وطئت قدماه أرض الغرفة حتى اصطدم بنظرة باردة كالسيف. المحققة لورين، بزيها الرسمي، وملامحها الحادة التي لا تعرف التردد، كانت تقف عند طرف الجثة، ذراعاها معقودتان، وعيناها تتفحصان كل من يقترب، لم يعجبها دخوله، ولم تنتظر أن يعرف نفسه. تقدمت نحوه بخطوات ثابتة، وقالت بنبرة صارمة: "توقف، من سمح لك بالدخول؟" ارتبك أريان، رفع بطاقته سريعًا، لكن صوته خرج مرتجفًا: "أنا، صحفي مكلف بتغطية الجريمة." لم يبد أن البطاقة خففت من صرامتها، بل اقتربت أكثر، كأنها تقرأ في عينيه قبل أن تقرأ ما كتب على الورق: "صحفي؟ عادة الصحفيون لا يقفون بهذا القرب من الجثة، ولا ينظرون إليها وكأنهم يعرفونها مسبقًا." تجمد أريان، جسده كله ارتعش، الكلمات التصقت بحلقه ولم يعرف بماذا يرد، أدار نظره بعيدًا عن الجثة سريعًا، محاولًا إخفاء ارتباكه، لكن لورين لم تفوت لحظة الذعر تلك. اقتربت أكثر، همست بحدة تكفي أن يسمعها وحده: "أنت لست هنا للكتابة فقط، ماذا تعرف عن هذه الجريمة؟" ابتلع ريقه بصعوبة، رفع البطاقة مرة أخرى كأنها درع ضعيف يحتمي به: "قلت لكِ، أنا صحفي، فقط أقوم بعملي." ظلت تحدق فيه ثوان طويلة، حتى شعر أن أنفاسه تسحب منه، ثم التفتت نحو الضباط الآخرين وقالت بصرامة: "تأكدوا من هويته، ولا تسمحوا له بلمس أي شيء." تراجع أريان خطوتين، وكأن الغرفة كلها تضيق عليه، لم تكن نظراتها مجرد شكوك عابرة، بل تحقيق غير معلن، شعر للمرة الأولى أنه المتهم، لا مجرد مراسل صحفي. ************************ ما إن ابتعد أريان بخطوات مرتبكة حتى تابعت لورين حركته بعينين ضيقتين، كأنها تسجل كل تفصيلة صغيرة: ارتعاشة يده، عرق جبينه الذي لم يمسحه، وحتى طريقته في التنفس التي بدت غير منتظمة. تقدمت بخطوات هادئة نحو الجثة، لكنها لم تنشغل بها بقدر انشغالها بما تركه هذا الرجل خلفه، التفتت إلى مساعدها وقالت بلهجة جافة: "دون ملاحظة: الصحفي أريان حضر قبل أن نتأكد من سماح القيادة بدخوله، وكان متوترًا بشكل غير مبرر." رد المساعد باستغراب: "لكن توتر الصحفيين طبيعي أمام هذا المنظر، أليس كذلك؟" رفعت حاجبها، نظرة حادة ارتسمت في عينيها: "الطبيعي أن ينكمشوا من الدم، أن يتجنبوا النظر مباشرة للجثة، أما هو؟ كان ينظر إليها كمن يعرفها مسبقًا، وكأن التفاصيل مألوفة لديه." سادت لحظة صمت، تخللتها أصوات الكاميرات التي تلتقط الصور، ثم أكملت بنبرة أكثر صرامة: "أريد تقريرًا كاملاً عن خلفيته، مقالاته، كتبه إن وجدت، أي شيء قد يربطه بهذه الجرائم." أومأ المساعد وهو يدون الملاحظة بسرعة، أما هي فظلت تحدق في مكان وقوف أريان قبل قليل، كأن ظله ما زال عالقًا هناك. أخذت نفسًا عميقًا ثم همست لنفسها: "لا أحد يرتبك هكذا بلا سبب، إما أنه يخفي شيئًا، أو أن هذه القضية تمسه أكثر مما نتصور." التفتت مرة أخرى إلى الجثة، إلى الرموز والدماء التي صنعت مشهدًا مكررًا بدقة مخيفة، وداخل عقلها بدأ خيط جديد يتشكل، يربط بين الجريمة، والدماء، وذاك الصحفي. ************************ خرج أريان من مسرح الجريمة بخطوات متسارعة، الهواء البارد صفع وجهه لكنه لم يفلح في تهدئة الاضطراب الذي يشتعل داخله، رفع يده إلى عنقه، شعر بنبضه يتسارع كطبل في معركة، وكلما تذكر نظرة المحققة لورين نحوه، تلك النظرة التي اخترقته كما لو كانت تحاول سحب اعترافه بالقوة، ازداد ضيق صدره. جلس على الرصيف المقابل، أخرج سيجارة لكنه تردد قبل إشعالها، يداه كانتا ترتجفان بشكل واضح، حتى أن أعواد الثقاب انزلقت من بين أصابعه وسقطت أرضًا، انحنى يلتقطها، لكن صوت مألوف أوقفه: "تبدو وكأنك عدت لتوك من ساحة إعدام." رفع رأسه ليجد ماكسيم واقفًا أمامه، يحمل بيده كوب قهوة ساخنة، مده إليه بابتسامة تحمل شيئًا من السخرية: "خذ، ربما ينعش هذا جثتك المتحركة." تناول أريان الكوب بصمت، ارتشف رشفة سريعة لكن حرارته لسعت لسانه، فشتم بخفوت، جلس ماكسيم بجانبه، وعيناه تدققان في ملامحه: "أخبرني، ما الذي يجري معك؟ منذ أن دخلنا ذلك المكان وأنت أشبه بمن شاهد شبحًا يعرفه شخصيًا." أريان تردد، الكلمات ازدحمت في رأسه لكنها اصطدمت بجدار الخوف، كيف يخبره أن الجريمة ليست فقط مألوفة، بل منسوخة من روايته حرفًا بحرف؟ أطرق للحظة، ثم قال بنبرة متقطعة: "المكان، التفاصيل، كل شيء هناك كان غريبًا، وكأنه مرتب بدقة مسرحية." ضحك ماكسيم بخفة: "هذه طبيعة القتلة المتسلسلين، يحبون ترك توقيعهم." لكن أريان هز رأسه بعنف، عينيه اتسعتا وكأنهما تحاولان إقناعه: "لا، ليس توقيعًا عشوائيًا، كان، كان أشبه بمشهد مكتوب من قبل." تجمدت ابتسامة ماكسيم تدريجيًا، ثم انحنى نحوه وقال بصوت منخفض: "أريان، هل تعرف أكثر مما تقوله؟" ابتلع أريان ريقه، التوتر في صدره تضاعف، وشعر للحظة أن الأرض من تحته تنزلق، ارتشف من القهوة مجددًا ليخفي ارتجافة شفتاه، ثم حاول رسم ابتسامة باهتة: "لا أعرف، ربما أتوهم، ربما عقلي يربط الأشياء بلا وعي." لكن ماكسيم ظل يحدق فيه، وكأنه لا يصدق كلمة واحدة. أخيرًا، ربت على كتفه وقال بنبرة جادة: "اسمع، إذا كان هناك شيء تخفيه، أي شيء، الأفضل أن تخبرني قبل أن تخبر الشرطة، أنا صديقك، وأستطيع مساعدتك، لكن إذا استمريت بهذا التوتر، فالمحققة ستلتهمك حيًا." ارتجف قلب أريان عند ذكرها، تذكر عينيها الثاقبتين، وكيف شعر لوهلة أنها قرأت داخله، غمز ماكسيم محاولًا تخفيف الجو: "ولا تنسَ، أنت أسوأ من يجيد الكذب، لورين ستكتشف ذلك فورًا." ابتسم أريان بخفة، لكن ابتسامته كانت مكسورة، تحمل وراءها رعبًا أكبر مما يظهر، بينما كان ينظر إلى كوب القهوة، لم ير انعكاس وجهه فقط، بل رأى وكأن جرائمه المكتوبة تواصل التمدد نحوه، تنتظر اللحظة التي ستحاصره تمامًا. *********************** عاد أريان إلى شقته بخطوات ثقيلة، وكأن الأرض تثقل قدميه عمدًا، ألقى بمعطفه على الأريكة دون أن ينظر خلفه، ثم أسند رأسه إلى الجدار محاولًا أن يلتقط أنفاسه، كان المشهد في مسرح الجريمة يلح على ذهنه بإصرار، الدماء الموزعة بنفس النمط، الكلمات المحفورة على الجدار، والنظرة الصارمة للمحققة لورين التي اخترقت أعماقه وكأنها تقرأ ما يخفيه. جلس إلى مكتبه، فتح حاسوبه، وبدأ يقلب بين الصور التي التقطها خلسة، كل صورة كانت بمثابة طعنة، تذكره بأن ما يكتبه في رواياته لم يعد مجرد خيال، بل أصبح واقعًا يطارده، حاول أن يقنع نفسه أن الأمر صدفة، أن القاتل ربما استلهم من كتاباته كما استلهم قراء آخرون من قبل، لكن صوته الداخلي كان أقوى، يهمس له بأن الأمر أكبر من ذلك بكثير. أغلق الحاسوب بعنف ونهض، سار في أرجاء الغرفة وهو يمرر يده في شعره بتوتر، لماذا كان مضطربًا هكذا أمام لورين؟ لماذا شعر وكأنها ستكتشف سره في أي لحظة؟ لم يخبرها باسمه الحقيقي ولا هويته ككاتب، ومع ذلك كانت نظراتها تتبعه بشك متزايد. توقف عند النافذة، فتحها لينال قليلًا من الهواء، لكن إحساسًا غريبًا اجتاحه؛ إحساس بأن هناك من يراقبه، التفت بسرعة إلى الشارع أسفل البناية، لم يجد شيئًا مريبًا، ومع ذلك ظل قلبه يخفق بعنف. عاد إلى المكتب وجلس، فتح درجًا صغيرًا وأخرج النسخة القديمة من كتابه الأول، قلب صفحاته بعشوائية حتى توقف عند فصل محدد، هناك، على الورق، وجد نفس الجملة التي رآها محفورة في مسرح الجريمة صباح اليوم، تجمدت عيناه، وأصابعه ارتجفت وهي تتلمس الحروف. همس لنفسه: "هذا مستحيل، كيف عرف؟" الذكريات تسللت إلى رأسه بقوة؛ الليالي التي كتب فيها هذه الكلمات، العزلة التي عاشها، والانهيار النفسي الذي كاد أن يبتلعه حينها، هل من الممكن أن يكون شخص ما قريبًا منه لدرجة أنه يعرف خفايا عقله المظلم؟ أم أن الأمر انعكاس لشيء أبشع، شيء لم يجرؤ على مواجهته بعد؟ ابتعد عن الكتاب وأغلقه بسرعة، كما لو كان يحمل لعنة، جلس صامتًا لدقائق، ثم رفع رأسه نحو السقف هامسًا: "هل يحاول أن يوجه رسالة لي؟" لكن لا أحد أجابه، فقط الصمت، وصوت عقارب الساعة يزداد ثقلاً، كأنها تعد الوقت المتبقي قبل أن ينكشف كل شيء. وفجأة، ارتجف هاتفه على المكتب، مد يده بتردد والتقطه، رسالة جديدة ظهرت على الشاشة، بلا اسم مرسل، فقط رقم مجهول، فتحها، فوجد كلمات قصيرة تقشعر لها الأبدان: "أعرف أنك كتبتها، وأعرف أنك ستكتب القادمة، انتهى الفصل الثاني." تسمر مكانه، قلبه يخبط في صدره كطبول حرب، والعرق يبرد على جبينه. سقط الهاتف من يده وارتطم بالأرض، لكن عينيه لم تتحركا عن الشاشة، قبل أن يلتقط أنفاسه، انطفأت أنوار المكتب فجأة، غرق المكان في عتمة خانقة، ومعها تسللت رائحة دخان باهتة من النافذة المفتوحة. همس لنفسه، صوته يرتجف: "لا، مستحيل يكون هنا!" ارتجف قلبه أكثر حين لمح من طرف عينه ظلًا عابرًا انعكس على زجاج النافذة، وكأن شخصًا ما كان يقف يراقبه بالفعل. ************************
📜 الفصل الثالث 📜
(الحقيقة المره) غرق أريان في الظلام، كل زاوية من غرفته تبدو وكأنها تتنفس، تقترب منه وتحيطه، قلبه يدق بسرعة لا تطاق، تنفسه متقطع، وكل حركة عادية للهواء كانت كأنها همس قاتل يهمس باسمه، رفع يده إلى فمه، يحاول إخفاء ارتجافه، لكن يده كلها ترتعش، حتى الأصابع لم تعد تحت سيطرته. كانت عيناه تتحركان بسرعة، تبحث عن مصدر الظل الذي شعر به منذ لحظة انطفاء الأنوار، ثم لمح شيئًا يتحرك بخفة على الجدار المقابل، ظل طويل ومرعب، يبدو أنه يراقبه من كل زاوية الغرفة، جسده تجمد، لا قدرة له على الحركة، وكأن قلبه يحاول الهروب وحده، تاركًا جسده رهينة للخوف. "من هناك؟" همس بصوت خافت، متقطع، بينما يرتجف جسده كله، لم يأتي جواب، فقط صمت ثقيل يملأ المكان، ووقع خطواته الهادئة بدا وكأنها تتابع نبضات قلبه. لحظة أخرى، ظل الظل يتحرك، يقترب ببطء، وكل جزء من غرفة أريان يبدو أكبر، أكثر ظلامًا، أكثر تهديدًا، حاول أن يتراجع، لكنه اصطدم بحافة الطاولة، صوت وقعها في الصمت أضاف مزيدًا من الرهبة. وفجأة، عاد الضوء، شعاع المصباح من الطابق السفلي اخترق الغرفة، وكشف الحقيقة، وارتجف أريان حين رأى: الظل لم يكن سوى ماكسيم، واقفًا بابتسامة باهتة، مفتاح الشقة بين أصابعه. "يا إلهي، ماكسيم!" قال أريان بصوت مرتجف، كأن صوته يخرج من أعماق رعبه. "كنت، كنت أظن." توقف عن الكلام، غير قادر على وصف مشاعره المختلطة بين الارتياح والخوف المستمر. ابتسم ماكسيم بخفة، يمد يده ليريحه: "هدئ أعصابك يا صديقي، لا يوجد شيء هنا سوى أنا، المفتاح معي، أردت أن أتأكد أنك بخير." جلس أريان على طرف السرير، يحاول أن يلتقط أنفاسه، وكل خفقة قلب تذكره باللحظات التي رأى فيها الظل يتحرك. نظر إلى ماكسيم، حاول رسم ابتسامة، لكنها كانت مهزوزة، تائهة بين الذعر والارتياح. "كنت، أشعر، وكأن هناك من يراقبني." قال أخيرًا، صوته منخفض، لا يزال مرتعشًا. "أعرف، أعلم شعورك." رد ماكسيم بنبرة هادئة، يضع يده على كتف أريان: "لكن لا شيء حقيقي يهددك هنا، فقط السيناريوهات التي يخلقها عقلك الآن." مد أريان يده إلى الطاولة حيث وضعت الصور التي التقطها من مسرح الجريمة، رفع صورة جديدة ببطء، وتوقف فجأة: كانت الغرفة في الصورة تبدو مألوفة جدًا، ولكن هناك شيء مختلف، شيء لا ينتمي لرواياته السابقة، على الحائط، رموز صغيرة تشبه توقيعًا خفيًا. صدم أريان حين أدرك أن الرموز نفسها كانت جزءًا من مشهد قد كتبه في روايته الأخيرة، ولكن هنا لم تستخدم كزينة، بل كتحذير: طريقة قتل جديدة، الضحية القادمة، وحتى لحظة التنفيذ. "انظر إلى هذا." همس أريان، صوته مشوب بالرعب: "هذه ليست مجرد نسخة، إنها رسالة، إنهم يقرأونني، يختارون ضحاياه طبقًا لما كتبته، لكن هذه المرة، هناك شيء مختلف، شيء لم أكتبه، بعد." نظر ماكسيم إلى الصورة بعينين متسعتين، ثم أشار إلى الرموز: "إذا كان ما تراه صحيحًا، فهذا ليس مجرد تقليد، بل تهديد مباشر، شخص يخطط للخطوة التالية ويترك لك إشاراته." ارتعش أريان، حاول ترتيب أفكاره، لكنه شعر بأن الخوف يغلق عقله، كل تفاصيل الغرفة، كل الصور، وكل رموز الدماء أصبحت حقيقية بشكل مخيف، وكأن هناك من يراقبه الآن، يختبر رد فعله، ويترقب اللحظة التي سيكشف فيها عن الضحية القادمة. ماكسيم وضع يده على كتفه مجددًا، "يجب أن تعرف، أريان، أن ما يفعله هذا الشخص ليس عشوائيًا، هو يحاكيك ويختبرك، ويترك لك خيوطًا لتتبعها، إذا أردنا النجاة، علينا قراءة هذه الرموز قبل أن يتحرك." أمعن أريان النظر في الصورة مرة أخرى، شعر بالبرودة تتسرب إلى أعماقه، والصدمة تتضاعف: كل رمز، كل زاوية، كل دمعة على الجدار كانت تحمل وعدًا بأن القادم سيكون أكثر رعبًا، وأكثر شخصية له شخصيًا. همس لنفسه، وهو يشعر بأن النبض يتسارع: "الخطوة التالية، الضحية القادمة، وكل شيء هنا مرتبط بي." ماكسيم، وهو يلاحظ ارتجافه، حاول تهدئته مجددًا: "ركز، أريان، كل شيء يبدو مخيفًا، لكن الخوف لن يحمي أحدًا، الرموز، الصور، حتى الدم، كلها خيوط سنستطيع فكها، خطوة بخطوة." ابتلع أريان ريقه، شعر بثقل لا يحتمل، وعرف أن كل ثانية تمر تقربه من مواجهة مباشرة مع قاتل يقرأ ذهنه، ويعرف كل خطوة يخطط لها، وأن كل مشهد كتبه في رواياته أصبح ساحة اختبار حقيقية. *************************** جلست المحققة لورين خلف مكتبها، الغرفة مضاءة بضوء خافت من المصباح المكتبي، والملفات والصور مبعثرة أمامها كأنها فوضى منتقاة بعناية، رفعت صورة واحدة من الضحية الأخيرة، حدقت فيها بعينين ثاقبتين، تحاول أن ترى ما وراء المشهد العادي، التفاصيل الصغيرة، زاوية الجثة، موضع الأدوات، حتى قطرات الدم على الحائط، كل شيء كان يبدو متعمدًا بعناية. أخذت صورة المسرح الأول، وأمسكتها بجانب الثانية، لتقارن الرموز المرسومة على الجدران، بدأت ترسم دوائر وخطوط على الهامش، محاولة إيجاد أي نمط، أي رسالة خفية بين الرموز. همست لنفسها بصوت منخفض: "ليس مجرد فوضى، هناك قصد، وهناك من يريد أن يخبرنا بشيء." رفعت صورة أخرى، تتبع كل خط، كل منحنى صغير، كل حرف مبهم، لاحظت أن بعض الرموز تتكرر بدقة، بينما بعضها الآخر يحمل اختلافات طفيفة، كأنها مفتاح لفك شيفرة دقيقة، قلبها بدأ يخفق بسرعة، الدم يندفع إلى رأسها، لكنها لم تحرك ساكنًا، عيناها لم تفارق الرموز. بدأت تدوين كل التفاصيل في دفتر ملاحظاتها: الرموز، ترتيبها، طريقة رسمها، وأي اختلاف بين المشهدين، شعرت وكأنها على وشك اكتشاف شيء كبير، شيء يربط بين القاتل والضحية القادمة. ثم لاحظت شيئًا جديدًا، لم يكن موجودًا في الجريمة الأولى: نمط غريب من النقاط والخطوط بين الرموز، كما لو أن القاتل يترك رسالة شخصية مباشرة لها، شعرت ببرودة تسري في جسدها، وارتجف كفها وهي تضع القلم على الورق. لم تكتفي بالنظر إلى الصور، بل بدأت تمشي بخطوات قصيرة في الغرفة، تراقب نفسها في المرآة، تتحقق من أي حركة غريبة، أي شىء غير متوقع، كل زاوية في الغرفة أصبحت مصدرًا لاحتمالات خطيرة، وكل صوت خارج نافذتها يثير لديها شعورًا بالخطر. رفعت رأسها، حدقت في الصور مرة أخرى، وفجأة شعرت بشيء يغير كل الحسابات: الرموز الجديدة على الحائط كانت تشير إلى موقع محدد داخل المدينة، مكان محتمل للضحية القادمة، قلبها ارتجف، شعرت بالرهبة والفضول معًا، كأن القاتل بدأ لعبة مباشرة معها، مستمتعًا بخوفها. أخذت نفسًا عميقًا، لكنها لم تستطع كبح شعور أنها مراقبة، شعور بأن شيئًا أو شخصًا يراقب كل خطوة لها، وربما كان القاتل حاضرًا أكثر مما تتصور، رمشة عين واحدة كافية لتغيير كل شيء. جلست على طرف المكتب، أمسكت القلم بشدة، محاولة وضع كل الرموز في سياق، لكنها لم تكن تتوقف عن التفكير في القاتل: من هو؟ كيف استطاع نسخ التفاصيل بدقة؟ وهل يعرف عنها أكثر مما يجب؟ رفعت يدها إلى الصور، حدقت فيها، وعينها تسقط على رمز جديد لم تره من قبل، محفور على الحائط بطريقة معقدة، قلبها تسارع، شعرت أن كل الدماء التي رأت في مسارح الجريمة لم تكن سوى مقدمة، وأن القاتل يستعد لفعل شيء أكبر، شيء شخصي. همست لنفسها: "هذا ليس مجرد قاتل، هذه خطة، رسالة، تحذير، وربما، استدراج." ************************* غادر ماكسيم بعدما تأكد من سلامة صديقة، جلس أريان طوال الليل يدقق بهذه الرموز محاولا فك شفراتها، أخذ نفسًا عميقًا، لكنه لم يهدأ، شعور الرهبة ما زال متغلغلاً في كل نبضة قلبه، أمعن النظر في الرموز والرسائل التي لاحظها على الصور والجدران في مسرح الجريمة، كأنها لغز محكم وضع خصيصًا له، بدأ يفك الشفرة، عيناه تتحركان بسرعة بين الخطوط والدوائر، وعقله يركض محاولًا ربط كل رمز بفصل من رواياته. ثم توقف فجأة، كما لو أن دماغه التقط خيطًا غير مرئي، ارتجف جسده كله: "هذه ليست مجرد رموز، إنها رسالة تحذير واضحة، والضحية القادمة محددة، وموعد قتلها معروف، والمكان، المكان مكتوب في التفاصيل الصغيرة، نفس نمط التفاصيل الذي استخدمه القاتل دائمًا." ارتجف أريان وهو يتنفس بسرعة، قبضته تشد أوراق الرموز، كل ثانية تأخير كانت تقرب الضحية من النهاية، لم ينتظر، اندفع خارج الشقة، قلبه كقنبلة موقوتة، كل خطوة تشعره بأن الدم يتسارع في عروقه، السيارات تمر من حوله، الأضواء تتراقص على الطريق، لكنه لم ير شيئًا سوى تلك الرسالة المشفرة في عقله، والرغبة الجامحة لإنقاذ الضحية قبل فوات الأوان. وصل إلى المكان الذي حدده في الشفرة، نفس الشقة القديمة في حي مهجور، لكن قلبه ارتجف حين رأى الباب مواربًا، ورائحة الحديد والدم تملأ المكان، دفع الباب بسرعة، وعيناه تتفحصان كل زاوية، لكن لم يجد سوى المشهد الذي يبعث الرعب في قلبه: الجريمة قد تمت بالفعل، الضحية جثة هامدة على الأرض، والرموز على الحائط لم تتغير، بجوارها ورقه صغيرة مكتوبه بعناية"تم الإنتهاء من الفصل الثالث"، كأن القاتل أراد أن يقول له: "وصلت متأخرًا." توقف أريان في منتصف الغرفة، رأسه يسبح بين الذهول والذعر، كل حرف من الرموز، كل خط في الرسالة، كان ينبض أمامه بالحقيقة المرعبة، لم يستطع الكلام، ولم يستطع التحرك، كان جسده مشلولًا بالصدمة، ولكن فجأة، حركة خفيفة في المكان جذبت انتباهه. استدار ببطء، ليجد لورين تقف هناك، سلاحها موجه نحوه بدقة قاتلة، عيناها لا تكذب: إنها تعرف أكثر مما يتصور، وتعرف أنه مرتبط بالجرائم بطريقة ما. "سلم نفسك، أريان!" قالت بنبرة صارمة، صدى صوتها يملأ الغرفة المظلمة، كل كلمة كانت كصفعة في وجهه. ارتجف أريان، قلبه كأنه سينفجر، صوته يكاد لا يسمع: "لورين، أنا، أنا فقط أحاول." حاول أن يخطو خطوة إلى الوراء، لكن الأرضية الخشبية أصدرت صريرًا، وأصبح الوعي بأن الوقت قد نفد يضغط عليه مثل سندان. لورين لم تزغ، لم تحرك إصبعها، فقط أبقت السلاح ثابتًا عليه، كأنها تتحدى أي حركة خاطئة منه. قفزت صرخة داخله، مزيج من الذعر، الغضب، والشعور بالهزيمة، وعيناه تتجولان في المكان، تبحث عن أي مخرج، أي خطة لإنقاذ نفسه أو إيقاف القادم من الكوارث، لكن كل شيء بدا وكأنه محاصر. وقف أريان مشدوهًا، أدرك أن كل لحظة تأخره كانت تزيد الأمور سوءًا، وأن القاتل لم يكن مجرد قاتل، بل لاعب معقد يلعب معه لعبة لم يفهم قواعدها بعد. وتمامًا عند هذه اللحظة، التفتت لورين بصرامة، ونظرت إلى أعماقه: "هذه ليست مجرد خطة، رسالة تحذير، وربما استدراج." تجمد أريان، كل عضلة في جسده تشد نفسها، وكل فكرة في رأسه تصرخ: ما الذي سيحدث بعد لحظة؟… *************************
📜 الفصل الرابع 📜
(قيود) الغرفة ضيقة، الضوء القاسي يتسلل من المصباح المعلق فوق الطاولة مباشرة إلى وجه أريان، كأنه يكشف كل خفقة قلب وكل ارتعاشة في جسده، وكل نفس يتنفسه يبدو صدى للتهديد القادم. لورين جلست مقابله، ملامحها حادة كالسكاكين، عينيها لا تفارق ملامحه، ونبرة صوتها تخترق الصمت: "أريان، توقف عن محاولة الكذب، كل شيء يشير إليك." ارتجف أريان، شعر وكأن الهواء قد انحبس في رئتيه. "لورين، أنا لم أفعل شيئًا! أرجوكِ استمعي إلي!" لكنها رفعت يدها، قاطعة كلامه بصرامة أكبر، دون أن تخفف حدة نظرتها: "استمع إليك أنت! ارتباكك، روايتك التي وجدت بجوار الضحيتين المقتولين، وجودك بجوار الضحية الثالثة لحظة القبض عليك، كل شيء ضدك، أريان! وكل حركة منك تؤكد ما أخشاه!" ارتعش جسده كله، حاول أن يرفع صوته، لكن الصوت بدا باهتًا أمام صرامة لورين: "لكن، هناك خطأ! شخص ما يحاول أن يوقعني! كل شيء منسق لإظهار أني القاتل!" ابتسمت لورين ابتسامة مريرة، وأشارت للشرطي القريب: "سأحتاج إلى دليل على ذلك، أي كلام دون دليل لن ينقذك، لا أعلم ما يدعيه، لكن الأدلة لا تكذب." أريان شعر بالضيق يتسرب إلى صدره، وكأن الهواء أصبح أثقل، كل كلمة من كلماتها تزن عليه وكأنها وزن حقيقي، يضغط على صدره: "لورين، أرجوكِ! أستطيع أن أنقذ الضحية القادمة! لدي معلومات مهمة!" ابتعدت نظرتها قليلاً، لكنها لم تضعف، كأنها تقرأ كل نواياه: "معلومات؟ إذا كان لديك معلومات، يجب أن تقدم الآن بطريقة تثبت براءتك، لكن تذكر، لا شيء يمر دون إثبات." ارتجف أريان، حاول السيطرة على صوته المرتجف: "أنا، يمكنني أن أخبرك بكل شيء، عن كل خيوط الجرائم، عن الرموز، عن كل شيء! أرجوكِ، أمهليني دقيقة واحدة فقط!" لورين رفعت حاجبها، وتحدثت بنبرة صارمة: "أريان، في هذه اللحظة، كل ما تقوله مجرد ادعاءات، لن أسمح لك بالتحرك بحرية، وسيتم وضعك في الزنزانة لحين التحقيق معك بالكامل، كل خطوة خارج هذه الغرفة ستفسر ضدك." اقترب أحد الشرطيين، أمسك بذراعه بهدوء لكنه بحزم، ودفعه نحو الباب المعدني: "أريان، الوقت انتهى." طرق قلب أريان بصدره بعنف، حاول أن يرفع صوته مرة أخرى: "لورين، من فضلك! استمعي! إنهم سيقتلون الضحية التالية، وأنا الوحيد الذي يعرف مكانها!" لورين لم تتحرك، لم تخفف حدة صوتها: "خذوه، والزم الصمت، التحقيق سيبدأ بعد قليل، وأي كلمة إضافية منك يمكن أن تزيد وضعك سوءًا." ضغط الباب المعدني خلفه، صوت الصلب المعدني يصم الآذان، ليجد نفسه في زنزانة صغيرة، مظلمة، وحيد، مع صوت خطوات الشرطيين يبتعد في الممر، رائحة المعدن البارد والدهر الطويل خلف القضبان تملأ المكان. أخذ أريان نفسًا عميقًا، حاول أن يهدئ قلبه، لكنه شعر بخفقان لا يهدأ، وارتعاشة مستمرة، جلس على المقعد الخشبي الصغير، يده تضغط على رأسه، يفكر بسرعة: كيف سيبرهن براءته؟ كيف سيوصل الحقيقة قبل أن تحدث جريمة أخرى؟ أغمض عينيه للحظة، واستجمع شجاعته، ثم همس لنفسه بصوت خافت: "لا مجال للتراجع، يجب أن أجد طريقة للخروج، يجب أن أنقذ الضحية القادمة." ************************** جلست لورين خلف مكتبها، عينها الثاقبة لا تفارق المساعدين الذين وقفوا أمامها في حالة من الترقب، الضوء الخافت من المصباح المكتبي يسلط شعاعه على الملفات والصور المبعثرة، كأن كل ورقة تختبئ وراءها سرًا جديدًا، على الطاولة كانت الصور الملتقطة من مسارح الجريمة، أوراق رواية أريان، والرموز المشفرة على الجدران، كل شيء يبدو وكأنه قطعة من لغز معقد لم تحل بعد. رفعت إحدى الصور، حدقت فيها بعينين ثاقبتين، وقالت بصوت جلي: "انظروا إلى هذا، المشهد الأول للضحية، كل التفاصيل دقيقة بشكل مذهل، وحتى الرموز على الحائط تتطابق مع ما نراه في روايته." أومأ أحد المساعدين بتردد: "لكن، هل هذا يكفي لإثبات تورطه؟ قد يكون مجرد صدفة، لا أكثر؟" ابتسمت لورين بسخرية مريرة: "صدفة؟ أليس من الغريب أن نجد الرواية الخاصة بأريان بجانب الضحيتين المقتولين؟ أليس من الغريب أن يكون متواجدًا بجانب الضحية الثالثة لحظة القبض عليه؟ كل هذه الأمور لا تحدث صدفة." أمسكت بكتاب أريان، قلبت الصفحات وأشارت إلى عبارة محفورة على الجدار في مسرح الجريمة: "انظروا هنا، الجملة الموجودة في الرواية، مطابقة لما كتب على الحائط! لا أحد يمكنه أن ينسخ هذه التفاصيل بهذه الدقة إلا من يعرفها جيدًا." اقترب مساعد آخر، حائرًا: "لكن، لماذا يترك دليل مباشر؟" نظرت إليه لورين بصرامة، عينها تضيق: "لأنه يظن أن لا أحد سيربط بينه وبين الجرائم، يعتقد أن ارتباكه أمامنا وتفاصيله الصغيرة ستبقيه بعيدًا عن الشك، لكنه ارتكب خطأً واحدًا، ترك كتابه، وترك نفسه في موقع الضحية الثالثة، هذه هي الأدلة التي تثبت تورطه." رفعت لورين صورة أريان وهو بجانب الضحية الثالثة، موضحة بحركة يدها: "انظروا إلى هذه اللحظة! شاهدوا كيف يظهر في المكان والزمان، ليس مجرد صدفة، إنه مرتبط بالجرائم ارتباطًا مباشرًا!" جلس أحد المساعدين، مازال مترددًا: "هل تعتقدين أن هذه الأدلة كافية لإقناع القيادة؟" أجابت لورين بنبرة حازمة: "أنا لا أترك مجالًا للشك، كل التفاصيل الصغيرة، كل ارتباك، كل خطأ تركه، هذا ليس مجرد تخمين، أريان هو القاتل، وكانت كل دقيقة تمر وهو بالخارج تعني أنه كان سيوجد ضحايا قادمة." رفعت يدها، وأشارت إلى دفتر الملاحظات الذي سجلت فيه الرموز والرسائل: "انظروا إلى الرموز، كل واحدة مرتبطة بحركة محددة، بحادثة معينة، كلها تقودنا إلى الحقيقة، كل شيء واضح لمن يريد أن يرى." تبادل المساعدون نظرات متوترة، بينما لورين تكمل: "أقولها مرة أخرى، هذا ليس مجرد ادعاء، هذه حقيقة مثبتة بالأدلة، أريان لا يمكن أن يهرب من هذا، أي محاولة لإنقاذ الضحية المقبلة دون التحفظ عليه ستفشل، لأنه يعرف كل التفاصيل مسبقًا." وقف أحد المساعدين، يهمس بصوت منخفض: "إذاً، يجب أن نحتجزه فورًا، قبل أي خطوة إضافية." ابتسمت لورين ببرود، عينها لا تزال تراقب كل حركة: "تمامًا، سيبقى محتجزاً داخل الزنزانة، والتحقيقات ستكشف كل شيء، وكل ثانية تمر تعني أنه قريب أكثر من كشف نواياه بالكامل." ************************** كان الظلام يخيم على الزنزانة كستار ثقيل، لا يرى من خلاله سوى خيط ضوءٍ ضئيلٍ يتسلل من الفتحة الصغيرة في الباب الحديدي، جلس أريان على الأرض، ظهره مسنود إلى الجدار البارد، ويداه مقيدتان بالأغلال المعدنية التي تترك أثرها على معصميه، كان يسمع وقع خطوات الحارس في الممر، وصوت المطر يتساقط خلف الجدران الحجرية، كأن الليل كله يعزف لحن الاتهام عليه وحده. رفع رأسه حين سمع الباب يفتح بصرير حاد، فدخلت لورين، بملامح صارمة لا تظهر سوى الجفاء، كانت تحمل ملفًا بين يديها، وقد بدا على وجهها الإصرار الكامل على ما تؤمن به، اقتربت منه، نظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت بهدوء متحكم: "هل لا تزال متمسكًا ببراءتك، يا أريان؟" ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت مبحوح من التعب: "براءتي ليست ما أتمسك بها، بل الحقيقة، وأنتِ ترفضين رؤيتها." فتحت لورين الملف ببطء، وأخرجت منه صورًا ثلاث، ثم رفعتها أمامه واحدة تلو الأخرى. "الضحية الأولى، والثانية، والثالثة، وجميعها مرتبطة بك، في كل مرة كنت هناك، تسبق الشرطة والبلاغات، روايتك وجدت بجوار الأولى، بصماتك على غلافها بجوار الثانية، وأنت نفسك وجدت بجانب الثالثة عند القبض عليك، أهذا كله صدفة؟" أطرق أريان رأسه قليلًا، ثم رفع عينيه نحوها بثبات غريب: "لو كنتِ في مكاني، لرأيتِ أنها ليست صدفة، بل لعبة، هناك من يستخدم كل شيء يخصني ليحرق اسمي، إنه يكتب بدماء ضحاياه ما لم أكتبه بعد." تقدمت خطوة، وضربت بيدها على القضبان المعدنية بقوة حتى ارتجت: "كفى أكاذيبًا! أنت تتحدث وكأنك تكتب فصلًا جديدًا من روايتك، ما من قاتل يعترف بأنه الجاني، لكنك مختلف، تحب الدراما حتى في سقوطك." زفر أريان نفسًا طويلًا، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد: "أنا لست القاتل، يا لورين، بل أنا من يحاول فهمه، الرموز التي يتركها في مسرح الجريمة كلها مقتبسة من فصول كتبتها منذ سنوات، كيف وصل إليها؟ من سلمه مفاتيح ذهني؟" ترددت لورين لحظة، كأنها سمعت في صوته صدقًا حاولت تجاهله، ثم قالت بصرامة متجددة: "كفى تلاعبًا بالعقول، كل قاتل بارع يحاول أن يبدو مفكرا، لكن الدليل لا يكذب، لقد حذرتك مرارًا من الانغماس داخل خيالك، وها أنت أصبحت واحدًا منها." وقف أريان، اقترب من القضبان حتى كادت جبهته تلامس الحديد البارد، وقال بعينين يملؤهما التحدي واليأس: "إذا كانت العدالة عمياء كما تدعين، فلتفتحي عينيها هذه المرة، القاتل ما زال طليقًا، وسيسقط آخرون ما لم تصغي إلي." أدارت وجهها عنه، وأغلقت الملف بقوة، ثم قالت بنبرةٍ جازمة: "انتهى الأمر، أريان، ستبقى هنا حتى يثبت التحقيق ما هو أوضح من الشمس، لقد اخترت طريقك، وسأكمل طريقي أنا أيضاً." لكن صوته لحق بها وهي تستدير نحو الباب، عميقًا، غاضبًا، يحمل ارتجافة الحقيقة: "الضحية القادمة ستكون غدًا! لا وقت لديكم، أنا أعرف مكانها! إنها ليست جريمة واحدة، بل سلسلة لن تتوقف ما لم تصدقيني!" توقفت لورين لحظة، يدها على مقبض الباب، دون أن تلتفت إليه، ثم قالت ببرود قاتل: "كل قاتل يدعي أنه يحاول إنقاذ أحد، حين يدرك أن نهايته اقتربت." صفقت الباب الحديدي بقوة خلفها، تاركة أريان وحيدًا في الزنزانة التي غمرها الظلام من جديد. جلس على الأرض، تنفس ببطء شديد، ثم رفع رأسه نحو الكاميرا الصغيرة في الزاوية، عيناه لم تعدا تحملان الخوف، بل الغضب الصامت والقرار. تمتم بصوت خافت يكاد يسمع بين الصدى والرطوبة: "إن كنتم لا ترون الحقيقة، فسأجبرها على الظهور، حتى لو اضطررت لتمزيق الظلام بأظافري." خارج الزنزانة، كانت لورين تمشي في الممر الحجري الطويل، خطواتها تتردد في الفراغ، لكن في صدرها كان شيء يتحرك، كأن كلمات أريان لم تغادر أذنها بعد، أخرجت الملف من يدها، نظرت إلى الصور مجددًا، ثم أسرعت الخطى كأنها تهرب من فكرة غير مرحب بها. *************************
📜 الفصل الخامس 📜
(توقيع غامض) باليوم التالي جلست لورين أمام مكتبها، الأوراق مبعثرة حولها كأنها أجزاء من لغز لم يكتمل بعد، عيناها المتعبتان تتنقلان بين الصور والرموز التي ما زالت تلاحقها منذ أيام، كلما حاولت طي الملف، كان وجه أريان يعود أمامها، صوته الخافت يطاردها كصدى لا يهدأ: "الجريمة القادمة، ستكون غدًا." شدت على قلمها بعصبية، محاولة طرد الفكرة، لكن الهاتف الأرضي قطع سكون المكتب برنين مفاجئ جعل قلبها يخفق بقوة، التقطت السماعة بسرعة: "محققة لورين، لدينا بلاغ، جريمة جديدة، نفس النمط السابق، والرموز تكررت على الجدران." تجمدت في مكانها لثوان، الكلمة الوحيدة التي تمتمت بها خرجت من بين شفتيها كأنها نصل بارد: "متى؟" "قبل نصف ساعة فقط، في المنطقة الشرقية." وقفت فجأة، الكرسي ارتطم بالحائط خلفها، وملف الأوراق تناثر على الأرض، لم تنتظر مزيدًا من التفاصيل، أمسكت معطفها وانطلقت نحو الباب بخطوات سريعة، وصوت المطر الذي بدأ يتساقط خفيفًا فوق النوافذ يزيد المشهد ثقلاً وغموضًا. حين وصلت إلى موقع الجريمة، كان الشارع مغلقًا بأشرطة الشرطة الصفراء، اقتربت بخطوات ثابتة، ورائحة الدم تختلط بالمطر، كأن المدينة كلها تنزف، انحنت بجانب الجثة، فتاة في العشرينات، نفس وضعية الضحايا السابقين، نفس الرموز المحفورة على الجدار خلفها، وجملة غامضة بخط دموي مائل: "كل سطر يحتاج إلى ضحية." رفعت رأسها ببطء، عيناها تتسعان بذهول، وكل كلمة من كلمات أريان تضرب رأسها كصدى بعيد يتكرر بلا توقف. "غدًا، الجريمة القادمة ستكون غدًا." تراجعت خطوة للخلف، يدها ترتجف وهي تمسح على جبينها، ثم التفتت نحو مساعدها الذي كان يقف قرب الباب. "من أبلغ عن الجريمة؟" "اتصال مجهول، سيدة قالت إنها سمعت صراخًا، ثم انقطع الخط قبل تحديد الهوية." "هل وجدتم أي أثر آخر؟ بصمات؟ شهود؟" "لا شيء، فقط الرموز ذاتها، وكل شيء منظم بدقة، كأن أحدهم أراد أن يترك رسالة واضحة لكِ أنتِ تحديدًا." وقفت لورين صامتة لثوان، أنفاسها تتسارع، والعاصفة في عينيها تشتد. نظرت إلى الجدار مرة أخرى، حيث تنزف الرموز الجديدة مع كل قطرة مطر تتساقط فوقها، ثم قالت بصوت منخفض كأنها تكلم نفسها: "لا يمكن أن يكون أريان هو الفاعل، هو في الزنزانة منذ الأمس." لكن سرعان ما عدلت نبرتها، كأنها ترفض ضعفها: "إلا لو كان لديه شريك، شخص ينفذ ما يكتبه." اقترب مساعدها بحذر: "أتعنين أن هناك قاتلًا آخر؟" رفعت نظرها نحوه، عيناها يكسوهما بريق الغضب والريبة: "ربما، لكن هذا لا يبرئه، بل يجعله أكثر خطرًا، من يخطط أخطر ممن ينفذ." بدأت تمشي ببطء داخل الغرفة، تتأمل الرموز، كل سطر محفور بدقة، كل تفصيل يشبه عمل فنان مهووس، توقفت أمام عبارة جديدة كتبت تحت الجملة القديمة، بخط صغير باهت بالكاد يقرأ: "كل ما يحدث الآن، كان مكتوبًا مسبقًا." تصلبت ملامحها، همست بصوت خافت، أشبه بوعد: "هذه المرة، لن أتركه يكمل قصته." التفتت نحو المساعد وقالت بحزم: "جهزوا تقريرًا فوريًا بالحادث، أريد مقارنة الرموز مع كل القضايا السابقة، وأرسلوا لي كل شيء عن أريان خلال الساعات الماضية، كل اتصال، كل زائر، كل كلمة قالها." "تمام، سيدتي." غادرت المكان بينما رجال الشرطة تتحرك خلفها في صمت، كان المطر يزداد حدة، وصوت الرعد يعلو في السماء كتحذير قادم، بينما لورين تضع يدها على جيبها، تتلمس المفاتيح، وكأنها تستعد لفتح باب جديد في قصة لم تفهم بدايتها بعد. ************************* كان السجن غارق في ظلمة ثقيلة لا يقطعها سوى ضوء مصباح يتأرجح في الممر الطويل أمام الزنازين، جلس أريان على الأرض الباردة، رأسه بين كفيه، يستعيد كل ما قاله للورين في ذلك التحقيق الأخير. كل حرف نطق به عاد يطن في رأسه كاتهام جديد. رفع عينيه نحو السقف، حيث يتدلى الضوء المرتعش كأنه على وشك الانطفاء، وهمس لنفسه: "قلت لها إن الجريمة ستحدث غدًا، حدثت، تمامًا كما توقعت، والآن من الضحية التالية؟" اقترب من قضبان الزنزانة، قبض عليها بكل قوته، وصرخ بأعلى صوته: "أيها الحارس! أريد التحدث إلى الملازم لورين فورًا!" لكن صوته ارتد بين الجدران الحجرية بلا جواب. ظل يصرخ مرة تلو أخرى حتى بح صوته، ثم جلس متكئًا إلى الحائط، أنفاسه متقطعة من التوتر واليأس. "لن يصدقني أحد، سيظلون يرون في الجاني حتى يسقط آخر ضحية." مرت لحظات من الصمت الثقيل قبل أن يسمع خطوات تقترب ببطء، لم يكن يعرف إن كانت قادمة نحوه أم لا، لكنه نهض على الفور، اقترب من القضبان، وصاح مجددًا: "أيها الحارس! الجريمة لم تنتهِ بعد! سيقتل مجددًا! لا تضيعوا الوقت!" ظهر ظل رجل خلف الممر، لم ير وجهه بوضوح بسبب ضعف الضوء، لكن خطواته كانت متزنة بشكل مريب، ليست خطوات حارس عادي. تقدم الظل ببطء، ثم توقف عند الزاوية، وصمت لثوان طويلة جعلت أريان يشعر بارتجاف داخلي لا مبرر له. "من هناك؟!" لم يأتي الرد، بل سمع أريان صفيرًا خافتًا، لحنًا بسيطًا تردده شفتان خفيتان، لحن مألوف، مألوف جدًا. ارتجف جسده دون وعي، وتراجع خطوة إلى الوراء. "ذلك اللحن، سمعته من قبل، أين؟" وقبل أن يلتقط أنفاسه، انطفأ الضوء فجأة، وغرقت الممرات في الظلام الكامل. تقدم إلى الأمام محاولًا التطلع عبر القضبان، فلم ير شيئًا سوى السواد. "هيا، أظهر نفسك!" لكن لم يتحرك، ولم يصدر أي صوت، وبعد لحظات مرت كالدهر، عاد الضوء ليومض للحظة قصيرة، كافية فقط ليلمح عند الزاوية زيا شرطيًا يتحرك مبتعدًا، دون أن يرى وجه صاحبه. اقترب أريان من القضبان يلهث، عينيه متسعتان: "ذلك ليس حارسًا، هذا من يعرف كل شيء." عاد يجلس على الأرض ببطء، رأسه يميل إلى الخلف متعبًا، ويده ترتجف على صدره، كان متأكدًا في تلك اللحظة أن ما يحدث خارج الزنزانة أكبر من مجرد اتهام. "لابد أن أخرج من هنا، قبل أن يسبقني هو." ارتفع صوته مرة أخرى، أقوى هذه المرة، مفعمًا باليأس والغضب: "أريد مقابلة الملازم لورين الآن! لدي ما ينقذ أرواحًا كثيرة! هل تسمعونني؟!" ************************* جلست لورين في مكتبها، والهدوء يخيم على المكان إلا من خفقات قلبها التي راحت تتسارع كلما أعادت النظر إلى الصور الملقاة أمامها على الطاولة. أمسكت أول صورة، الضحية الأولى، ثم الثانية، فالثالثة، وأخيرًا الرابعة. نفس الموضع، نفس العلامة، نفس الخاتمة التي تغلق كل مسرح جريمة كأن القاتل يوقع أعماله بدم بارد. وضعت الصور في صف متوازٍ، ثم بدأت تضع دوائر بالقلم الأحمر حول مواضع الجروح، تربطها بخطوط دقيقة فوق الورق. همست لنفسها بصوت متوتر: "الزاوية ذاتها، العمق ذاته، حتى ترتيب الأدوات في كل مسرح جريمة متماثل بدقة جراحية." ارتدت للخلف قليلًا، تنظر إلى اللوحة المعلقة على الجدار أمامها، خرائط، خيوط، وأسماء. أمسكت خيطًا أحمر، ربطت به مواقع الجرائم الأربعة، وما إن انتهت حتى تجمدت يدها. الخيوط رسمت شكلًا يشبه الحرف الأول من اسم أريان. شهقت، ثم وضعت يدها على فمها كمن يخشى أن يسمع صوته أحد، لكنها سرعان ما هزت رأسها بعنف وهمست: "لا، لا يمكن أن تكون صدفة." غير أن عقلها لم يمنحها فرصة للهروب، تذكرت كلماته في الزنزانة: "الجريمة التالية ستحدث غدًا." واليوم، حدثت، بالطريقة نفسها، بالترتيب نفسه، كيف يمكن أن يكون ذلك محض مصادفة؟ بدأت تدق بأطراف أصابعها على سطح المكتب بإيقاع متسارع، صوت أنفاسها يعلو تدريجيًا، ثم بدأت تسير بخطوات عصبية داخل المكتب. "إنه يعلم، لا بد أنه يعلم شيئًا، ولكن كيف؟!" عادت إلى الطاولة، التقطت أحد الملفات، قلبت صفحاته بسرعة، وكل سطر تقرؤه كان يعيد نفس الصور إلى ذهنها: الدم، الجرح، الرمز، والنهاية التي تتكرر كما في صفحات روايته. وضعت يدها على جبينها وأغمضت عينيها، وقالت بصوت متهدج: "إن كان يكتب ليقتل، فهو المجرم، وإن كان هناك من يقتل ليجسد ما يكتبه، فثمة شريك يختبئ في الظلام." فتحت عينيها على اتساعهما، كأنها أدركت خيطًا لم تلحظه من قبل. "شريك، نعم، هذا يفسر كل شيء." مدت يدها إلى درج المكتب، أخرجت رواية أريان، وضعتها أمامها بجوار الصور، وبدأت تقارن بين السطور وبين مواضع الجروح في الصور، تطابق بعد تطابق، حتى شعرت بالبرد يسري في أطرافها. وبينما تقلب الصفحات، سقط منها ظرف أسود صغير. لم تتذكر أنها رأته من قبل. فتحته ببطء شديد، فوجدت بداخله ورقة مطوية بإتقان، كتب عليها بخط غريب: "القاتل المحترف لا يترك أثرًا، لكنه يترك رسالة لمن يفهمها." "الضحية لا يخطئ عنوانها، يا لورين." تجمدت، وكأن الكلمات التصقت بعينيها. من أين جاء هذا الظرف؟ ومن يعرف اسمها؟" نظرت حولها، شعور ثقيل بالريبة زحف إلى صدرها، جعلها تتراجع خطوة إلى الوراء، تنظر إلى زوايا المكتب بعين مرتابة. "هذا ليس قاتلًا فحسب..." همست بصوت مرتجف: "إنه يلعب بي." ظلت تحدق في الورقة والرموز والصور المبعثرة أمامها، كأن كل شيء في الغرفة تحول إلى لغز حي يهمس باسمها دون أن تجيب. تجمدت نظرات لورين على الورقة للحظات طويلة، قبل أن تسقطها ببطء فوق الطاولة. امتزج الخوف بالشك في عينيها، ثم قالت بصوت خافت متماسك: "إن كان هذا تحديًا، فسأعرف من يجرؤ على اللعب بي." التقطت مفاتيحها، واندفعت بخطوات ثابتة نحو الباب، وعلى وجهها مزيج من الغضب واليقين، كأنها عازمة على مواجهة الحقيقة مهما كانت، وجهتها القادمة، الزنزانة. *********************** كانت الممرات السفلية للمقر تغرق في صمت ثقيل، لا يسمع فيها سوى صدى خطوات لورين الحادة على الأرض الخرسانية. الضوء الأبيض المتدلي من السقف يومض على فترات، وكأنه يحتضر، بينما يتسلل البرد من الجدران الحجرية، يلسع الجلد ويزيد التوتر في الهواء. توقفت أمام الزنزانة، وضعت يدها على مقبض الباب المعدني البارد، تنفست بعمق، ثم فتحته ودخلت. في الداخل، جلس أريان على المقعد الحديدي، ويداه مقيدتان، وجهه شاحب، لكنه لم يرفع عينيه إليها في البداية. تقدمت خطوة، وقالت بصوت صارم لا يحمل ذرة تردد: "حدثت جريمة جديدة اليوم، بنفس الطريقة، نفس التوقيع، ونفس الجملة المنقوشة على الحائط من روايتك." رفع أريان رأسه ببطء، وعيناه مليئتان بالإنهاك والخوف: "قلت لكِ إنها ستحدث غدًا، قلتها لكِ، لكنك لم تصدقيني." ضربت لورين الطاولة الحديدية أمامه بيدها، فارتجت أوراق الملف الذي كانت تحمله: "أتدرك ما يعنيه أن تتنبأ بجريمة قبل وقوعها؟! هذا لا يبرئك يا أريان، بل يدينك أكثر! أنت تعرف التفاصيل بدقة، وكأنك من كتبها بدم الضحايا!" وقف أريان فجأة، مقيد اليدين، ونظر إليها بثبات رغم ارتعاش صوته: "أنا لم أكتبها بدم أحد! هناك من يحاول تقليد ما كتبت، ينفذ كل مشهد كما تخيلته، شخص يعرف ما في رأسي! كيف لا تفهمين ذلك؟" اقتربت لورين خطوة للأمام، نظرتها تزداد صرامة، صوتها منخفض لكنه حاد كالسكين: "كفاك مراوغة، من يساعدك؟ من هذا الذي ينفذ الجرائم؟ لديك شريك، أليس كذلك؟ شخص يخرج ليكمل ما تخطط له من الداخل." هز رأسه بيأس، وضرب الجدار بقبضته المكبلة: "ليس لدي شريك! أقول لكِ، القاتل مندس بين رجالكم! رأيته بعيني، كان يرتدي زي الشرطة نفسه، لكنني لم أتمكن من رؤية وجهه." تراجعت لورين خطوة، التوتر يزحف إلى ملامحها دون أن تظهره، ثم قالت ببرود مصطنع: "هل تتوقع أن أصدق أن القاتل يسير بيننا ونحن لا نعرفه؟ هذه قصة جديدة من قصصك، أليس كذلك؟" اقترب أكثر حتى كادت جبهته تلامس القضبان الحديدية، صوته هذه المرة جاء هادئًا لكنه مليء باليأس: "أنا لا أروي قصة يا لورين، أنا أعيشها، كل شيء كتبته يتحول إلى واقع، حتى الفصول التي لم أكملها بعد، هناك من يستبقني." توقفت لورين، تحدق فيه بثبات، ثم قالت ببطء: "إذا كنت صادقًا، فأخبرني كيف عرفت موعد الجريمة؟" رفع نظره نحوها، ونبرة صوته حملت ما يشبه الاعتراف المؤلم: "لأن القاتل يتبع ترتيب الرواية نفسها، كنت أعلم أن الفصل الخامس يبدأ اليوم، والضحية الرابعة كانت مكتوبة بين السطور، لم أستطع إيقافه." تجمدت لورين في مكانها، أنفاسها اختلطت بالحيرة والغضب، ثم قالت بتوتر خافت: "وماذا بعد، الفصل السادس؟" أجابها وهو يحدق مباشرة في عينيها: "في نهايته، يسقط الجميع." سقط الصمت بينهما كثقل من الجليد، وبدأ ضوء المصباح فوق رأسيهما يومض بسرعة غير منتظمة، نظرت لورين إلى الأعلى بانزعاج، ثم إلى أريان بحدة، وقالت: "انتهى هذا الكلام، وستبقى هنا حتى تعترف بالحقيقة." لكن قبل أن تهم بالخروج، ارتج المصباح فجأة، ثم انطفأ تمامًا. غمر الظلام الغرفة، تلاه صوت فرقعة كهربائية عالية من الممر، وصوت صرخة مكتومة قادمة من بعيد. تجمدت لورين في مكانها، بينما دوى صوت أريان في الظلام، هادئًا ومخيفًا في آنٍ واحد: "لقد بدأ الفصل السادس." **************************
📜 الفصل السادس 📜
(الأختفاء) كان الصراخ يمزق سكون الممرات المعتمة، أصوات الجنود تتداخل مع وقع الأقدام المذعورة وارتطام الأجساد في الظلام. التيار الكهربائي انقطع تمامًا، والمكان غارق في فوضى تشبه الجحيم. لورين أمسكت بمصباح يدوي صغير وهي تتقدم بحذر نحو الزنزانات، خطواتها سريعة لكن قلبها كان أبطأ من أن يواكب الخوف الذي تمدد في عروقها. "أريان!" نادت بصوت حاد، "ابقَ في الداخل، لا تتحرك!" لكن الجواب لم يأتي، الهواء نفسه بدا كأنه يحتبس أنفاسه. بين الظلام الدامس، دوى صوت معدني خافت، ثم تلاه خبط على الأرض كأن شيئًا سقط للتو رفعت لورين المصباح باتجاه الصوت، وانعكس الضوء على الجدار، هناك، خيال رجل يحمل سكينًا، ملامحه مغطاة بقبعة داكنة، وجسده متصلب كالتمثال. ارتجفت أنفاسها، وسحبت سلاحها فورًا. "من هناك؟! ألقي السلاح وإلا أطلقت النار!" لم يتحرك. كانت المسافة بينهما تضيق كأن الجدران تنكمش من الخوف. خطوة، اثنتان، والسكين بدأ يلمع بلون الدم. صرخت مجددًا، لكن الرجل اندفع نحوها بسرعة خاطفة، حاولت إطلاق النار، فانحرفت الطلقة وارتدت على الحائط. في لحظة واحدة، كان قد أمسك بذراعها بقوة جعلت العظام تصدر فرقعة مكتومة، ارتطم جسدها بالجدار، وسقط المصباح أرضًا، لينكسر ضوءه على وجه نصفه مضاءة بالدماء والارتباك. رفعت لورين رأسها بصعوبة، ورأته، تلك العينان الباردتان اللتان لا تشبهان عيني بشر. حاولت الصراخ، لكن السكين هبطت على جانبها لتغرق في الظلام، تلتها ضربة قوية على رأسها جعلت الضوء ينطفئ في عينيها تمامًا. من خلف القضبان، كان أريان يصرخ: "لورين!! لا تقتربي منه! إنه، إنه نفس المشهد، نفس النهاية!" لكن صوته تلاشى وسط الصراخ والفوضى. اقترب منه الرجل ببطء، والبوابة الحديدية للزنزانة بدأت تفتح من تلقاء نفسها بصوت معدني بارد. حاول أريان التراجع إلى الوراء، عينيه لا تصدقان ما يراه، هذا هو المشهد الذي كتبه حرفًا بحرف في روايته. أراد أن يصرخ، أن يحذر، أن يستيقظ من كابوس يعرف نهايته، لكن شيئًا ما ضرب مؤخرة رأسه بقوة. سقط أرضًا، والدماء امتزجت بالغبار. خارج الزنزانة، كان يمكن سماع صوت خطوات بطيئة تبتعد في الظلام، ومعها سكين تجر على الأرض كأنها توقع اسم القاتل في الممرات وهو يحمل أريان على ذراعه فاقد للوعي. ثم، صمت ثقيل. وصوت الباب المعدني يغلق بهدوء، كأن الموت نفسه قرر أن يبدأ فصله الجديد. *********************** كان الضوء الأبيض في الغرفة قاسيًا كحد السكين. لورين فتحت عينيها ببطء، وارتجف جسدها مع أول نفس تسلل إلى صدرها، كأن الهواء نفسه كان غريبًا عنها، كل شيء بدا غائمًا، الأصوات، الجدران، حتى وجه الطبيبة الواقفه بجانبها. "لورين؟ هل تسمعينني؟" جاء الصوت هادئًا، لكنه حمل قلقًا خفيًا. حاولت أن ترد، لكن صوتها خرج مبحوحًا: "أ أريان، أين هو؟" تبادل الأطباء نظرات قصيرة، قبل أن تقترب منها الطبيبة قائلة بلطف محسوب: "أنتِ بأمان الآن، لا تقلقي بشأن أي شيء آخر." لكن لورين لم تصدقها، كان الألم في جانبها يؤكد أن شيئًا فادحًا قد حدث. حاولت النهوض، فشدها الأنبوب المغروس في ذراعها، وصرير الأجهزة جعل قلبها يخفق أسرع. "كان هناك رجل، في الممر، أريان كان في الزنزانة." تسارعت أنفاسها. "قولوا لي إنه بخير!" دخل العقيد ماكسويل، ملامحه متوترة، وملف صغير بيده، اقترب منها ببطء. "لورين، أريدك أن تهدئي وتخبريني بالضبط ما تتذكرينه." نظرت إليه بعينين متسعتين: "كان كل شيء فوضى، التيار انقطع، سمعت صوته، ثم..." ترددت، والدم تجمد في عروقها وهي تهمس: "ثم رأيته، السكين، وعينين مرعبتين." ساد الصمت لثوان، كأن الغرفة كلها توقفت عن التنفس. العقيد دون شيئًا في مذكرته دون أن يرفع رأسه. "وأريان؟" رفعت عينيها نحوه في رجاء. أغلق الملف بهدوء وقال: "لم نجد أثرًا له، ولا لأي جثة في الممرات." تجمدت لورين في مكانها، والبرودة تسللت إلى أطرافها. "ماذا تقصد!! اختفى؟" اقترب منها بخطوة: "كأن أحدهم محا وجوده من المكان كله، حتى كاميرات المراقبة، كانت معطلة تمامًا تلك الليلة." نظرت إليه، ثم إلى يدها التي ترتجف على الغطاء الأبيض، وهمست: "لا، لقد أخذوه، نفس الشخص الذي بدأ كل شيء." وخلف زجاج الغرفة، كان أحدهم يراقب بصمت، سيجارة تتوهج بين أصابعه، وابتسامة خافتة تتسع كلما ارتجفت لورين أكثر. ********************** لم تستطع لورين النوم تلك الليلة، رغم المهدئات التي ضخت في جسدها كالماء. كلما أغمضت عينيها، رأت السكين، والعينين الباردتين، وصوت أريان وهو يصرخ باسمها من خلف القضبان. كانت الممرات في المستشفى صامتة، لا يسمع سوى أزيز الأجهزة ونبض قلبها على الشاشة الخضراء. مدت يدها بهدوء، نزعت أنبوب المصل بارتجاف، ثم ضغطت على الجرح لتمنع الدم من التسرب. لم تعد تحتمل فكرة البقاء هناك، تنتظر تقريرًا جديدًا يبرر ما حدث. "اختفى" قالها العقيد ببساطة، وكأن رجلًا لم ينتزع من الواقع أمامهم. تسللت من السرير، قدماها حافيتان على أرض باردة كالجليد. ارتدت معطفًا خفيفًا وجدته على الكرسي المجاور، وأخفت وجهها بغطاء الرأس. خرجت من الغرفة بخطوات حذرة، مرت أمام ممرض غاف على مكتبه، ثم عبرت الممرات. حين وصلت إلى الباب الخلفي، رأت سيارة أجرة مارة امامها لوحت بيدها واوقفتها، ثم فتحت الباب الخلفي وجلست على المقعد، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتحرك السيارة بها. انعكست ملامحها في المرآة، وجه شاحب، عينان مرهقتان، لكن بداخلهما بريق مصمم لا يخطئه أحد. أمسكت هاتفها وفتحت الملف الأخير الذي أرسلته إلى القسم: صور الضحايا الاربعه، ملاحظاتها، التواريخ، وكل ما كتبه أريان في روايته. ضغطت على صورة أحدهم، نفس الجرح، نفس الزاوية، نفس الصمت في العيون. تمتمت بصوت خافض: "لن أصدق أنها صدفة بعد الآن." ************************ توقفت السيارة بي لورين أمام احدى المبانى، ترجلت منها وتحركت نحو، منزل أريان كانت الشقة في الطابق الثالث، والظلام يبتلع السلم كأنه فم يترصد الداخلين. صعدت بهدوء، المصباح اليدوي في يدها، والملف تحت ذراعها. حين وصلت إلى الباب، أخرجت مفتاحًا صغيرًا من جيب معطفها. كانت قد حصلت عليه من غرفة الأدلة خلسة، دون تصريح. ترددت للحظة، ثم أدارت المفتاح. أشعلت المصباح، لتنكشف أمامها فوضى صامتة: أوراق مبعثرة على الطاولة، كتب مفتوحة على صفحات ملطخة بالحبر، وسرير غير مرتب ما زال يحتفظ بانحناءة شخصٍ لم يغادره منذ زمن طويل. تقدمت نحو المكتب، أصابعها تتحسس دفاتر ملاحظات مغطاة بطبقة من الغبار، بينها وجدت ورقة منفصلة، مكتوب في أعلاها بخط واضح: "الفصل الأخير يبدأ حين تظنِ أنكِ وصلتِ للحقيقة." تجمدت نظراتها، حدقت في الورقة طويلًا. هل كتبها أريان؟ أم أن القاتل كان هنا قبلها؟ جلست على الكرسي، وأخذت تقلب الصفحات. كل صفحة تحمل وصفًا لجريمة مطابقة لما حدث، المكان، الطريقة، التفاصيل الدقيقة. لكن آخر سطر في آخر صفحة كان خاليًا، كأن الجملة الناقصة تنتظر من يكملها بالدم. وفجأة، دوى صوت خافت من الغرفة المجاورة. توقف نفسها للحظة، ثم أمسكت بسلاحها وتقدمت بخطوات بطيئة. دفعت الباب، الغرفة كانت شبه خالية إلا من لوحة كبيرة موضوعة على الأرض، مغطاة بقماشة. اقتربت، ورفعت الغطاء ببطء. تراجعت خطوة للخلف، الصدمة تعصف بها. كانت اللوحة تحمل وجوه الضحايا الأربعة، مرسومة بتفاصيل دقيقة، وإلى جانبهم وجهها هي، بنظرة جامدة وسكين غارق في الدم على كتفها. تسارعت أنفاسها، والمصباح بدأ يرتجف في يدها. من خلفها، جاء صوت خفيف لخطوة أرضية. استدارت فورًا، والسلاح في يدها، لكن المكان كان خاليًا. ظلت واقفة هناك، تسمع خفقات قلبها وحدها، حتى دوى في هاتفها إشعار جديد. رسالة من رقم مجهول: "ما رأيك في النهاية؟ لقد كنتِ البطلة منذ البداية." سقط الهاتف من يدها، والمصباح تاه ضوءه على الوجوه المرسومة التي بدت كأنها تبتسم لها ببطء. ************************ استعاد أريان وعيه على وخز بارد في خده، كأن أحدهم رش عليه قطرات ماء متجمدة. فتح عينيه ببطء، فوجد نفسه ممددًا على الأرض الخشنة، أنفاسه ثقيلة، وصدغاه ينبضان بألم مكتوم. رفع رأسه بصعوبة، فارتج جسده كله من الصدمة. كان في غرفة شبه مظلمة، تضيئها فقط لمبة صغيرة تتأرجح من السقف. رائحة العفن والحديد الصدئ تغزو أنفه، والبرد ينهش أطرافه. جلس متكئًا إلى الحائط، يحدق في الجدران التي تملؤها خربشات غريبة بخط أسود. اقترب قليلًا، حاول أن يفهم ما يراه، رموز، أحرف مبعثرة، كلمات مكررة كأن أحدهم كتبها وهو في حالة جنون. "الضحية، الخلاص، الدم، البطل الأخير." زحف ببطء نحو الطاولة الوحيدة في الغرفة، فوقها وضعت أوراق مبعثرة وصور مطبوعة. يده ارتجفت وهو يمد أصابعه إليها. كانت صور الضحايا الأربعة، بنفس الزوايا التي التقطت بها في تقارير الشرطة. لكن بين الصور، وجد ورقة بيضاء عليها اسمه، وتحته جملة مكتوبة بخط غليظ: «كل ما كتبته، سيتحقق» تراجع بخطوات مرتجفة، أنفاسه تتسارع. "لا، هذا غير ممكن، هذه مجرد رواية!" ارتطم ظهره بالحائط، عينيه تتحركان في كل اتجاه، يبحث عن أي مخرج، أي صوت، أي إنسان. لكن المكان ظل صامتًا. اقترب من الجدار المقابل، وهناك رأى شيئًا آخر، لوحة كبيرة علقت بعناية، عليها خريطة للمدينة. دوائر حمراء تحدد مواقع الجرائم السابقة. ودائرة خامسة لم تنفذ بعد، كتب تحتها: "القادم." تجمد الدم في عروقه، وأمسك رأسه بكلتا يديه. "لا، لا يمكن، هذا المشهد، هذا مشهدي الخامس في الرواية!" بدأت أنفاسه تخرج متقطعة، كأن الغرفة تضيق عليه ببطء. تراجع حتى جلس أرضًا، ظهره للحائط، عيناه زائغتان نحو السقف. اللمبة المعلقة بدأت تهتز أكثر، تصدر صوت طنين غريب. ثم فجأة، انطفأت. وفي الظلام الكامل، لم يسمع سوى صوت واحد... صوت حفيف ورقة تسقط على الأرض بجانبه. مد يده المرتجفة يلمسها، وبالكاد استطاع أن يقرأ ما كتب عليها: «القاتل ليس بعيدًا عنك يا أريان.» *************************
📜 الفصل السابع 📜
(المصيدة) كان الهواء في الغرفة راكدًا، باردًا كأن الزمن توقف داخله منذ زمن بعيد. مرت ساعات، أو ربما أيام، منذ آخر ما تذكره أريان، آخر ما علق في ذهنه كان تلك الورقة، والكلمات التي حفرت نفسها في ذاكرته: «القاتل ليس بعيدًا عنك يا أريان.» استيقظ الآن على صدى أنفاسه، وعلى ألم خافت في ضلوعه يذكره بأنه ما زال حيًا رغم كل شيء. تلفت حوله ببطء، كانت الغرفة كما هي، الجدران والخربشات التي تشبه هذيان مجنون. لكنه لاحظ شيئًا لم يكن هناك من قبل، كوب ماء نصف ممتلئ وقطعة خبز على الطاولة. شخص ما كان هنا. اقترب بخطوات ثقيلة، مد يده إلى الكوب، يلامس سطحه، الماء دافئ. أي أنه لم يمر وقت طويل على وجود الآخر. سمع من بعيد صريرًا خافتًا، كأن بابًا يفتح في آخر الممر. جف حلقه، ثم زحف نحو الجدار المقابل، حيث فتحات التهوية الصغيرة التي لاحظها سابقًا. انحنى، حاول النظر من خلالها، فرأى ظلاً يتحرك، طويلًا، نحيلًا، يحمل شيئًا في يده يلمع تحت الضوء الخافت. تراجع أريان وهو يهمس لنفسه: "من أنت؟ ولماذا أنا هنا؟" صوت وقع أقدام بدأ يقترب ببطء، منتظمًا كأن صاحبه يحفظ الطريق جيدًا. أريان أمسك قطعة من الحديد كانت على الأرض، استعد، لكن الخطوات توقفت فجأة خلف الباب المعدني. ثوان من الصمت، ثم انزلقت ورقة صغيرة من أسفل الباب. تردد قبل أن يمد يده ليلتقطها. فتحها، وبداخلها جملة قصيرة، مكتوبة بنفس الخط السابق: «كل فصل يحتاج بطله.» رفع نظره إلى الباب، عيونه تتسع، قبل أن يسمع صوت المفتاح يدور ببطء في القفل... ************************* كانت شاشة اللابتوب تنعكس على وجه لورين وسط العتمة، عيناها تتبعان النقاط الصغيرة التي تومض على الخريطة الإلكترونية أمامها. أدخلت الكود السري الذي كانت تستخدمه أثناء التحقيقات، نفس الكود الذي لم يعد يحق لها استعماله بعد إيقافها مؤقتًا عن العمل. لكنها لم تهتم. كل ما يهمها الآن هو الوصول إلى مكان أريان. النقطة الحمراء الصغيرة ظلت ثابتة لثوان، ثم بدأت تتحرك ببطء على الخريطة، في اتجاه ضواحي المدينة الشرقية، منطقة مهجورة كانت تستخدم سابقًا كمخازن عسكرية. "هناك." تمتمت وهي تضغط على الزوم لتحديد الموقع بدقة. أغلقت اللابتوب سريعًا، أخذت معطفها وسلاحها من على المقعد، وغادرت الشقة. جلست في سيارتها، أدارت المحرك، وبدأت القيادة نحو النقطة التي ترشدها إليها الإشارة. كل بضع دقائق كانت تنظر إلى جهاز التتبع الصغير المثبت على المقعد الجانبي، تتأكد أن النقطة لا تزال تتحرك. لكن مع اقترابها من الضواحي، بدأت الإشارة تضعف. المسافة تقل، والنبض في صدرها يزداد. عندما وصلت إلى نهاية الطريق، توقف الجهاز تمامًا. النقطة اختفت. نظرت حولها، كانت أمام بوابة حديدية صدئة، عليها لافتة باهتة: "منشأة رقم 47 – مغلقة منذ 12 عامًا." أطفأت المحرك، فتحت الباب، وخطت إلى الداخل بحذر. رفعت مصباحها اليدوي، تتبع آثارًا خفيفة على الأرض المغبرة، خطوات رجل حديثة، تقود إلى عمق الممرات. تمتمت بصوت خافت: "أريان، أرجوك كن هنا." توقفت فجأة عندما رأت شيئًا على الأرض. التقطته ببطء، وبمجرد أن وجهت الضوء نحوه، تجمدت في مكانها. كان يشبه دفتر الملاحظات الأسود الخاص بأريان، مغطى بطبقة خفيفة من التراب، وعلى غلافه آثار أصابع ملوثة بالدم. فتحت الصفحة الأولى، لم يكن فيها سوى جملة واحدة مكتوبة بخط أريان المألوف: "بدأ الفصل السابع." ارتجف المصباح في يدها، وابتلعت ريقها بصعوبة وهي تهمس: "يا إلهي، هو يعلم بوجودي." ************************** جلس أريان في زاوية الحجرة، يراقب الباب الحديدي الذي ما زال موصدًا منذ آخر مرة سمع فيها صوت القفل يدور. الورقة الأخيرة التي تسلمتها يداه. «كل فصل يحتاج بطله» كانت ما تزال على الأرض أمامه، تنظر إليه كعين خاملة تنتظر رد فعله. رفع رأسه، أرهف سمعه. من بعيد، سمع صوت خطوات بطيئة في الممر، أعقبها احتكاك معدن بحديد. تتصاعد الأنفاس من صدره في تتابع غير منتظم، كل خلية فيه تصرخ بالهرب، لكن عقله ظل يحاول الفهم. "لماذا يتركني حيًا؟ ما الذي يريده؟" أدار نظره في الغرفة، ثم لمح من جديد تلك الطاولة الخشبية الصغيرة التي فوقها كوب الماء والخبز، وإلى جوارها الآن، شيء جديد. علبة صغيرة من الحديد، مغلقة بإحكام، كأن أحدهم وضعها للتو. اقترب منها بحذر، يده ترتجف وهو يلمس سطحها البارد. على الغطاء، كانت هناك ورقة صغيرة مثبتة بدبوس صدئ: «افتحها حين تسمع الباب يفتح.» تراجع أريان خطوتين، قلبه يخفق كأنه يريد الخروج من صدره. جلس أرضًا، يحدق في العلبة، يحاول ألا يسمع الأفكار التي تضرب رأسه كالمطارق. لكن صوته الداخلي عاد يهمس في رأسه: "هذا اختبار، مثل ما كتبت تمامًا، كل خطوة محسوبة." اللمبة المعلقة في السقف بدأت تتأرجح ببطء، ثم صدرت من الخارج طقطقة مفاجئة، تلاها صوت باب يفتح ببطء في الممر. تجمد أريان، التقط العلبة بين يديه، أنفاسه قصيرة. أزال الورقة، ثم فتح الغطاء ببطء شديد. في الداخل، وجد مسجلًا صغيرًا، وجهاز إرسال بحجم علبة سجائر. ضغط الزر بارتجاف، فصدر صوت رجل مألوف، عميق، ثابت النغمة، لكن يحمل شيئًا خفيًا من السخرية: "هل بدأت تفهم يا أريان؟ كل هذا أنت من كتبه، أنا فقط أُعيد سردك، على طريقتي." توقف الشريط، وصوت أنفاسه يملأ الفراغ. رفع أريان رأسه نحو الباب الحديدي الذي فتح قليلًا. ومن خلال الفتحة الضيقة، تسلل ضوء خافت، وصوت خطوات جديدة، خطوات شخص آخر يدخل المنشأة من الخارج، ولوهلة، شعر أريان أن القدر قرر جمع فصول القصة معًا أخيرًا. ************************** كانت رائحة الصدأ والعفن تزداد حدة كلما توغلت لورين في الممر الطويل، الجدران متشققة، والأنابيب القديمة تتدلى من السقف كأنها شرايين صدئة نزعت من جسد ميت. ضوء مصباحها اليدوي كان يرتجف مع كل خطوة. توقفت لورين فجأة عندما سمعت شيئًا، صوت احتكاك معدني خافت، تلاه ارتطام باب في مكان قريب. انخفضت على الفور، وأطفأت نصف ضوء المصباح. "هناك أحد هنا." تمتمت بصوت يكاد لا يسمع، وهي تتحرك بخفة حذرة كأن الأرض نفسها قد تخونها إن ضغطت عليها بقوة. عند تقاطع الممرات، توقفت، أحد الممرين يقود إلى غرف مغلقة، والآخر إلى قاعة تخزين واسعة، وقد اختارت الاتجاه الأيمن، تتبع آثار خطوات واضحة على الغبار، خطوات رجل ثقيلة متقاربة. كل خلية في جسدها كانت تصرخ بأنها تقترب من الحقيقة، لكن قلبها كان يقرع في صدرها كناقوس خطر لا يتوقف. وصلت إلى باب معدني نصف مفتوح، دفعته ببطء حتى لا يصدر صوتًا. الهواء من الداخل كان أكثر برودة، والظلام أعمق. رفعت المصباح، فانعكس ضوؤه على شيء على الجدار المقابل. كلمات كتبت بخط أسود متعرج: "الفصل السابع، جاري أكتماله." شهقت لورين دون وعي، وضغطت بإصبعها على الزناد كمن يستعد لعدو خفي. الهدوء الذي تلا كان خانقًا، اقتربت من الجدار ولمست الحروف، كانت رطبة، لم تجف بعد. همست لنفسها: "أيعني هذا أنه لا يزال هنا؟" حين استدارت لتغادر، لمحت على الأرض كابلًا أسود يمتد من زاوية الغرفة نحو ممر خلفي. تبعته بعينيها حتى رأت في نهايته بابًا صغيرًا مغلقًا بإحكام، تعلوه لافتة مائلة بالكاد تقرأ: "غرفة التسجيل، يمنع الدخول." ترددت لحظة، ثم مدت يدها إلى المقبض. من خلف الباب، جاء صوت خافت، طقطقة أجهزة، ثم خربشة متقطعة على شريط تسجيل. فتحت الباب بحذر. الغرفة من الداخل كانت ضيقة ومليئة بالأجهزة القديمة؛ مسجلات، كاميرات مراقبة مكسورة، وأسلاك ملتفة على الأرض كأنها ثعابين نائمة. لكن ما شد انتباهها كان جهاز تسجيل لا يزال يعمل، يضيء ضوءه الأحمر. اقتربت بخطوات مترددة، وضغطت زر التشغيل. صدر الصوت مشوشا أولًا، ثم اتضح تدريجيًا: "كل شيء يسير كما كتب، لا تحاولي تغيير الفصول، يا لورين." تجمدت في مكانها. لم يكن الصوت مألوفًا، لكنه كان هادئًا على نحو مقلق، كأن صاحبه يراها في تلك اللحظة. ارتجفت يدها وهي ترفع المصباح نحو الكاميرا المثبتة أعلى الجدار، فلاحظت أنّ الضوء الأحمر الصغير ما زال يلمع. رفعت السلاح ببطء، وجهته نحو الكاميرا، وهمست بارتباك خافت: "من أنت؟" الصوت عاد مجددًا، أكثر قربًا هذه المرة، كأنه يهمس خلف أذنها مباشرة: "الفصل لم ينتهِ بعد." ************************* كان الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يملأ الغرفة بنصف عتمة، تبرز ملامح رجل يجلس في صمت تام، كتفاه مائلتان قليلًا نحو الأمام، كمن يحتمي بالظلام نفسه. على الطاولة أمامه، عشر شاشات صغيرة تعرض زوايا مختلفة من المنشأة، كلها تتبع خطوات امرأة تتحرك بحذر بين الممرات. أدار قرص الصوت قليلاً، فارتفع صدى أنفاسها المتوترة في مكبر الصوت. ابتسم بخفوت. "أخيرًا، لورين." كانت كلماته باردة، خالية من الانفعال، كأنها قراءة من نص محفوظ. مد يده إلى دفتر موضوع بجانبه، فتح صفحة محددة بعلامة حمراء. عند رأس الصفحة، كتب بخط واضح: "الفصل السابع، دخول البطلة." بدأ يدون أسفلها ملاحظات قصيرة بقلم رصاص: «تأخرت عشر دقائق عن الموعد المحدد، التوتر واضح في خطواتها، الصوت، كاف لتحفيز الخوف الأول» توقف لحظة، ثم رفع نظره إلى الشاشة المركزية حيث ظهرت لورين وهي تدخل غرفة التسجيل. فتح الميكروفون الصغير الموصل بالنظام الداخلي وقال بصوت هادئ متزن: "كل شيء يسير كما كتب." ثم أغلق الميكروفون، وأسند ظهره إلى المقعد. في الشاشات، شاهدها تتجمد، ترفع سلاحها نحو الكاميرا. تسلل إلى وجهه ظل ابتسامة، أشبه بارتياح مكتوم. "دائمًا ما يرفعون السلاح في اللحظة الخاطئة." مد يده إلى الشاشة التي تظهر الكاميرا المثبتة في غرفة أخرى. هناك، في زاوية مظلمة، كان أريان ما يزال جالسًا على الأرض، رأسه بين كفيه، يراقب باب غرفته المغلق. اقترب الرجل من الشاشة، لمسها بأطراف أصابعه كأنما يربت على صورة قديمة، ثم همس: "قريبًا ستلتقيان من جديد، تمامًا كما خططت." أدار زرًا جانبيًا على اللوحة، فبدأت الإضاءة في ممر لورين تخفت تدريجيًا، حتى غرق المكان في ظلام دامس. عندها، قال بصوت بالكاد يسمع: "لنر كيف تتعامل البطلة مع العتمة." وبينما تلاشت آخر خفقات الضوء في الشاشات، انطلقت من إحدى السماعات نغمة موسيقية قديمة، نفس المقطوعة التي اعتاد أريان الاستماع إليها أثناء الكتابة. أغلق دفتره بهدوء، ثم تمتم وهو ينهض من مقعده: "الفصل السابع انتهى، ولتكن ذروة الأحداث بالفصل الثامن." ***********************
📜 الفصل الثامن 📜
(صدي النهاية) كان الظلام يغمر الغرفة ككفن سميك، لا يرى فيه سوى خيوط ضوء حمراء متقطعة تنبعث من مصباح الطوارئ المعلق في السقف. جلس أريان على الأرض، يضم ركبتيه إلى صدره، وعيناه تتأملان الجدران التي صارت تنبض بضوء خافت كأنها كائن حي يستيقظ من سباته. لم يعرف كم مضى من الوقت منذ انقطعت الكهرباء. لكن ما يعرفه تمامًا أن شيئًا تغير. الهواء صار أثقل، والحرارة انخفضت على نحو غير طبيعي، حتى صار بخار أنفاسه واضحًا في العتمة. مد يده إلى الطاولة الخشبية الصغيرة، يبحث عن العلبة التي وجدها قبل قليل، لكنها لم تكن هناك. تجمدت أصابعه في الهواء، ثم التفت نحو الزاوية. العلبة الآن في مكان آخر، منتصف الغرفة، مفتوحة على آخرها، ومن داخلها يتصاعد ضوء باهت كوميض قلب يحتضر. اقترب منها بخطوات بطيئة، كل خطوة تصدر صدى غريبًا. وعندما انحنى، رأى في الداخل قطعة معدنية صغيرة تشبه عدسة تسجيل، تنعكس فيها ملامحه المشوشة. ما إن لمسها بطرف إصبعه حتى انبعث من الجدران طنين منخفض، أشبه بصوت كهرباء تسري في عروق الحديد. رفع رأسه ببطء، والعرق البارد يتصبب من جبينه. الجدران أمامه بدأت تظهر خطوطًا متقطعة من الضوء، ثم كلمات تتشكل تدريجيًا، كأنها تعرض على سطحها من جهاز خفي داخل الجدار: "كل قصة تحتاج نهاية." تراجع أريان خطوة إلى الوراء، عيناه تتابعان الأحرف وهي تتبدل أمامه ببطء، ثم تتحول الجملة إلى أخرى: "أم أنك تفضل أن تكتب نهايتك الآن؟" ارتجف صوته وهو يهمس: "من أنت؟! ما الذي تريده؟!" لم يأتي الجواب فورًا. بل بدأ الطنين يعلو أكثر، حتى صار كصوت أنين جماعي يخرج من المعدن ذاته. وفجأة، دوى صوت رجل عميق من مكبر خفي في السقف، صوته هادئ، لكن كل كلمة منه تنغرس في الصدر كسكين باردة: "أليس الكاتب هو من يقرر النهاية، يا أريان؟" شهق أريان، وهو يبحث بنظره عن مصدر الصوت. ارتطم بجدار معدني، وسمع خلفه أصواتًا أخرى، نقرات أقلام، تتابع متناسق، مألوف حد الألم. عرفها فورًا. إنها نفس النقرات التي كان يصدرها حين يكتب. تجمد في مكانه، وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا. تلك ليست مصادفة. شخص ما لا يقرأ ما كتبه، بل يعيد كتابته الآن، في اللحظة نفسها. رفع رأسه نحو مصدر الضوء الأحمر الخافت، وهمس بصوت مرتجف بالكاد يسمع: "هل، هل أنا من يكتب أم أنني مكتوب؟" ************************** توقفت لورين في منتصف الممر، مصباحها اليدوي انطفأ فجأة، تاركًا المكان يغرق في ظلام خانق لا يرى فيه سوى ومضات خافتة من لوحات الكهرباء على الجدران. شهقت، وضغطت بإصبعها على الزناد، بينما قلبها يطرق صدرها بعنف يكاد يسمع صداه في الفراغ. مدت يدها تتحسس الجدار البارد بجانبها، تبحث عن أي إشارة، أي صوت يدلها على طريق الخروج. لكن الصمت كان مطبقًا. ثم بدأ صوت خافت ينساب من بعيد، كأن أحدهم يجر شيئًا معدنيًا على الأرض. توقفت، استمعت بتركيز، فسمعت همسًا بالكاد يدرك: "لورين." تجمدت في مكانها. الصوت بدا قريبًا جدًا، أقرب مما يجب. أشعلت المصباح مرة أخرى، بضوء ضعيف متقطع، فظهر أمامها الممر خاليًا، إلا من الضباب الخفيف الذي تشكل من رطوبة الجو. "أريان؟" نادت بصوت خافت. لم يجبها أحد. اقتربت من أحد الأبواب الحديدية، دفعته فصدر صوت صريرٍ طويل، فدخلت بحذر. الغرفة كانت ضيقة، وعلى الجدار المقابل علقت عشرات الصور لأشخاص مجهولين، بعضها ممزق، وبعضها ملطخ بطلاء أحمر كأنه دم. وفي منتصف الجدار، وضعت صورة كبيرة، لأريان. اقتربت منها بخطوات مترددة، نظرت إلى ملامحه في الصورة. ابتلعت ريقها بصعوبة، ومدت يدها لتلمس الصورة. وقبل أن تفعل، سمعت صوت فتح جهاز تسجيل خلفها، ثم انطلق منه صوت متقطع: "لورين، لقد وصلتِ متأخرة." استدارت بسرعة، وجدت على الطاولة الصغيرة جهاز تسجيل مشابهًا لذاك الذي وجده أريان، وإلى جواره ورقة صغيرة، اقتربت منها بحذر، قرأت ما كتب بخط داكن حاد: "الخطوة التالية تبدأ عندما تنطفئ الأضواء." رفعت نظرها نحو السقف، والعرق يتصبب من جبينها. وفي اللحظة التالية، انطفأ الضوء تمامًا. صرخة مكبوتة خرجت من صدرها، حاولت تشغيل المصباح لكن بطاريته كانت فارغة. وفي العتمة، عاد الصوت من جديد، هذه المرة أقرب، كأن صاحبه يقف خلفها مباشرة: "أردتِ أن تنقذيه، فصرتِ جزءًا من قصته." التفتت بسرعة، لكن شيئًا لم يكن هناك. ************************ جلس أريان في ركن الغرفة، ظهره إلى الجدار المعدني البارد، يتابع بعينيه تلك الومضات الحمراء التي لم تعد تهدأ منذ دقائق. كل شيء في المكان بدا كأنه يترقب حدثًا ما، حتى الهواء نفسه كان يحمل توترًا خفيًا. منذ لحظة ظهور الجملة الأخيرة على الحائط، لم يسمع أي صوت جديد. لكن إحساسه بأن أحدهم يراقبه لم يفارقه. كان يسمع من حين لآخر حفيفًا خافتًا، أو وقع خطوة بعيدة سرعان ما تختفي. ربما كان عقله هو من يصنع الأصوات، وربما لا. أخذ نفسًا عميقًا، ونهض ببطء، يتفقد الغرفة بنظرات متوترة. لاحظ شيئًا لامعًا على الأرض بجانبه، كانت العدسة المعدنية نفسها التي وجدها في العلبة، لكنها لم تعد تشع ضوءًا، بل كانت تومض بخفوت كأنها تسجل. انحنى ناحيتها، وبصوت بالكاد يسمع، قال: "هل تسجل هذا أيضًا؟ أهذا ما تريد؟" لم يجبه شيء. لكن بعد لحظات، دوى في الممر صوت باب يفتح ببطء. التفت أريان بسرعة نحو مصدر الصوت، قلبه بدأ يطرق صدره بقوة. الخطوات كانت ثابتة، متزنة، تتقدم نحوه في الظلام. رفع صوته وهو يقول: "من هناك؟! أجبني!" صدى صوته ارتد في أرجاء الغرفة ثم تلاشى، لتجيبه الخطوات ببطء متزايد حتى توقفت خلف الباب مباشرة. كان يسمع أنفاسًا خافتة في الخارج، كأن شخصًا يقف على بعد بضع سنتيمترات فقط. اقترب أكثر، التصق بالأرض محاولًا النظر من أسفل الباب، فرأى ظلاً يتحرك، ليس ظل القاتل هذه المرة، الظل بدا مألوفًا، مألوفًا لدرجة جعلت صدره ينقبض. همس في نفسه: "مستحيل، لورين؟" طرق الباب بخفة، ثم بصوت مرتجف: "لورين! هل تسمعينني؟ أنا هنا!" لكن الرد لم يكن صوتها. بل صوت صفير حاد انطلق من الجدار الخلفي، تبعه صوت تشغيل أجهزة خفية، وإضاءة بيضاء قوية غمرت المكان للحظة. رفع أريان ذراعه ليحمي عينيه، وحين فتحهما من جديد، كان الباب أمامه مفتوحًا. الممر في الخارج خال تمامًا، إلا من آثار أقدام طازجة على الأرض المغبرة، تنتهي عند زاوية ضيقة. أخذ خطوة واحدة نحو الخارج، وقبل أن يتابع، سمع من مكبر الصوت العلوي نفس الصوت العميق القديم يقول: "احذر ما تتمناه يا أريان، فليست كل الأبواب تقود إلى الخلاص." تجمد في مكانه، والعرق يتصبب من جبينه. للحظة، ظن أنه يسمع همسًا أنثويًا يأتي من بعيد، لكنه لم يستطع تمييزه. ************************* الممر كان ضيقًا، يمتد نحو العتمة كأنه لا نهاية له. خطوات أريان كانت بطيئة، متوجسة، يمد يده إلى الجدار ليتكئ عليه كلما اختنق الهواء أكثر. في الجهة المقابلة، كانت لورين تمشي في الاتجاه ذاته، تتبع أثر الضوء الأحمر الخافت الذي يشير إلى المخرج الطارئ، لا تدري أنه يقودها إلى نفس النقطة التي يتحرك نحوها هو. كل واحد منهما يسمع وقع خطوات الآخر، يظنها صدى أنفاسه أو خدعة المكان، لكن الصوت يزداد قربًا، حتى صار يفصل بينهما جدار واحد. توقف أريان، وضع كفه على الحديد البارد، وفي اللحظة نفسها فعلت لورين الشيء ذاته من الجهة الأخرى. نفس الارتجافة سرت في أصابعهما، كأنهما تلامسا عبر المعدن. همس أريان، صوته مشوب بالذهول: "لورين، أهذا أنتِ؟" تجمدت هي، ارتجفت أنفاسها، ثم أجابت بنبرةٍ مرتعشة: "أريان؟ مستحيل، كيف، أين أنت؟" لم يمهلهما القدر وقتًا للفهم. صدر من السقف صوت صفير حاد، تبعه فتح آلي مفاجئ للباب الفاصل بينهما. اندفع هو للأمام في اللحظة التي رفعت فيها هي سلاحها، والتقيا في منتصف الممر، وجهان شاحبان، عيون متعبة، ونبض واحد خائف. تراجعت خطوة، فرفع يديه بسرعة: "لا تطلقي النار، أنا لست!" قاطعه صوت جهوري خرج من مكبر خفي في السقف، نفس الصوت الذي سمعه كل منهما في وحدته، هذه المرة أعلى، وأكثر حسمًا: "كفى، انتهى الفصل الثامن." تبادلا نظرة قصيرة، مختلطة بين الدهشة والرهبة، بينما انطفأت كل الأضواء دفعة واحدة. وفي آخر ومضة قبل أن يغمرهما الظلام، لاحظت لورين على الجدار خلفه جملة جديدة تكتب بالضوء الأحمر: "الفصل التاسع، يبدأ الآن." **************************
📜 الفصل التاسع 📜
(كشف الحقائق) عاد الضوء فجأة ليغمر الممرات بلون أبيض قاس بعد لحظات من العتمة المطبقة. أريان كان أول من تحرك، عيناه تتقاطعان مع لورين وسط الذهول والصمت الذي أعقب الصرخة الأخيرة. لم يقولا شيئًا، لكن كليهما أدرك أن ما يحدث لم يعد مجرد لعبة من ألعاب الخوف، كان الأمر يتجاوزهما معًا. في آخر الممر، انفتح باب معدني ضخم ببطء، يصدر صريرًا امتزج بصوت الهواء الداخلي و الخارجي. تبادلا نظرة خاطفة، ثم تقدما بخطوات مترددة نحو الباب، وكانت لورين تمسك بسلاحها. في الداخل كانت القاعة أوسع مما توقعا. شاشات قديمة تومض على الجدران، وأجهزة مراقبة تسجل مشاهد من زوايا مختلفة للمبنى. في منتصف القاعة طاولة معدنية كبيرة، عليها أوراق متناثرة وصور وخرائط تربط بين وجوه وأسماء بخيوط حمراء تمتد في كل الاتجاهات. تقدمت لورين أولًا، قلبت بعض الصور بيد مرتجفة، فظهرت صورة أريان بينهم، مرفقة بتقارير وتحاليل نفسية كتبت منذ أشهر. همست: "كان يراقبك منذ البداية." لم يرد أريان. كانت عيناه قد علقتا على شيء آخر، شاشة صغيرة في الركن الأيمن تعرض تسجيلًا من الزنزانة التي احتجز فيها. شاهد نفسه هناك، في لحظة استيقاظه الأولى، والكاميرا تقترب منه كأنها تتغذى على خوفه. تقدم بخطوات بطيئة نحو الشاشة، وصوته بالكاد خرج: "كان، يصورني؟" ردت لورين، بعينين متسعتين: "لا، هو لم يكن فقط يصورك، بل كان يكتب عنك." اقتربت من الطاولة، التقطت دفترا أسود يحمل نفس الشعار الذي وجد على غلاف دفتر أريان القديم. فتحت الصفحة الأولى. كانت مليئة بتواريخ وأوصاف دقيقة لكل ما حدث منذ اختفائه، حتى التفاصيل التي لم يكن أحد يعرفها. في أسفل الصفحة الأخيرة، سطر واحد مكتوب بخط داكن: "كل ما يكتب، يحدث." رفعت رأسها نحوه: "أريان، هذا ليس مجرد قاتل، إنه كاتب يتحكم في نهايات من يختارهم." ظل أريان صامتًا، ثم نظر إلى الشاشات التي بدأت فجأة تظهر مشاهد حية لهما الآن، داخل القاعة نفسها. صوته خرج مبحوحًا: "يعني أننا، داخل الفصل التاسع ما قبل الأخير؟" قبل أن تجيب، انطفأت الأضواء مرة أخرى. دوى صدى خطوات من الممر، وصوت مكبر خفي بدأ يتحدث بنبرة باردة مألوفة: "كنتما تبحثان عن الحقيقة، فهل أنتما مستعدان لقراءتها؟" نظر أريان إلى لورين، والذعر يتصاعد في عينيه، ثم ارتفع الصوت مجددًا، أقرب هذه المرة، كأنه يحيطهما من كل اتجاه: "مرحبًا بكما في النهاية التي كتبت بالدم." *********************** تجمد كل شيء للحظة، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. الصوت الذي دوى من مكبر خفي أعاد لأريان شيئًا كان يهرب منه منذ البداية، الذاكرة. بدأت الصور تتلاحق في رأسه بسرعة موجعة: وجه القاتل وهو يبتسم في الظلام، رائحة الورق القديمة، أصوات نقرات القلم، والمقهى الذي كانا يجلسان فيه سويًا قبل أن يتغير كل شيء. لورين نظرت إليه باستغراب: "أريان؟ ما بك؟" لكن ملامحه كانت بعيدة عنها كليًا. كان يرى أمامه نفسه قبل شهور، وهو يسلم ملفًا إلى رجل بملامح هادئة وابتسامة مراوغة، الرجل نفسه الذي كان يدعي أنه صحفي زميل، يساعده في تتبع قضايا القتل المتسلسلة. الآن فقط، تذكر الاسم جيدًا: ماكسيم. ذلك الاسم الذي ظل بجواره سنين طويلة. ترددت الكلمات في رأسه: "كل فصل يحتاج بطله، وكل بطل يحتاج نهايته." تذكر تلك الجملة بالحرف، فقد قالها له ماكسيم ذات ليلة أثناء نقاش عن الكتابة والقدر. لكن وقتها لم يدرك أن الجملة لم تكن مجازًا أدبيًا، بل وعدًا قاتلًا. أريان تراجع خطوة إلى الوراء، واضعًا يده على رأسه، والعرق يتصبب من جبينه. قال بصوت مبحوح: "هو، هو من بدأ كل شيء، لورين، لم يكن تحقيقًا صحفيًا، كانت تجربة، كان يكتب نصًا، وأنا كنت الشخصية الأولى فيه." اقتربت منه لورين بحذر: "أريان، ماذا تقول؟" "لقد استخدمني، صاغ حياتي على الورق، وكان يختبر كيف يمكن للكاتب أن يصنع القتل بالكلمات، ثم يعيده في الواقع!" صمت ثقيل خيم بينهما، كأنهم ينتظروا النهاية. رفعت لورين رأسها نحو الشاشات التي بدأت تعرض صورًا من لقاءات قديمة بين أريان وماكسيم في المقهى، في المكتب، وفي موقع الجريمة الأول. قالت بذهول: "هو كان قريبًا منك دائمًا." ابتسم أريان ابتسامة خافتة لا تحمل سوى المرارة: "قريبًا أكثر مما تتصورين، كنت أكتب وهو يعيش ما أكتبه، حتى عندما حاولت التوقف عن التحقيق، كان يدفعني من جديد، كأنني أكتب من يده لا من إرادتي." وفي تلك اللحظة، عادت الإضاءة فجأة لتكشف الجدار المقابل وقد كتب عليه حديثًا بخط أحمر متقطع: "ما بدأته بالكلمات، سينتهي بالدم." لورين شهقت، وبدأت أصوات الأجهزة تعود للعمل دفعة واحدة، أصوات تشغيل، ضوضاء متقطعة، وصوت الباب المعدني يغلق خلفهما. أريان رفع نظره نحو الكاميرات التي تدور ببطء نحوهم، ثم قال بصوت منخفض مفعم بالرهبة: "جاري تجهيز الفصل الأخير الآن." ************************ كان الصمت في الغرفة يشبه سكونًا يسبق العاصفة، تقطعه صفارات الإنذار البعيدة التي لم تبدأ بعد، كأنها تستعد لتعلن ولادة الكارثة. لورين كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، عيناها تتجولان حولها، بينما أريان وقف في منتصف الغرفة، يحدق في الكاميرا الصغيرة المثبتة في السقف. "هو يسمعنا الآن." قالها بنبرة خافتة، كمن يتحدث إلى شبح مألوف. وفعلًا، جاء الصوت، هادئًا، متقطعًا من مكبر خفي: "لطالما كنت تكره الصمت يا أريان، حتى في مقالاتك، كنت تملأ الفراغ بالكلمات خوفًا من مواجهة نفسك." تجمد أريان في مكانه، بينما انزلقت من الجدار نافذة مراقبة صغيرة ببطء، وخلفها أضاء ضوء أبيض كاشف. ومن خلاله ظهر ماكسيم. وجهه شاحب، عيناه غائرتان لكن يكسوهما بريق نشوة مريضة، في يده اليمنى مسدس، وفي اليسرى بطاقة هوية الشرطي ملوثة بالدم. ألقاها أمام الزجاج وقال بابتسامة متعبة: "لم يكن صعبًا أن أدخل المبنى لاختطفك، الشرطي الذي استقبلني كان طيبًا أكثر مما يجب، لكنه لا يحب أن يتألم طويلًا." شهقت لورين، بينما تجمدت نظرات أريان عند البطاقة، كانت لشريكه القديم في التحقيقات. صرخ: "ما الذي فعلته به؟!" "ما ينبغي أن يفعله الكاتب مع الشخصيات الثانوية، حذفها حين تنتهي مهمتها." أطلق ضحكة قصيرة، ثم أشار إلى الجدران من حوله: "أتعلم؟ كل هذا بدأ بسببك، كنت المثل الأعلى، الكاتب الذي يرى في القتلة مادة للبحث لا للكتابة فقط، أنا كنت أتعلم منك كيف أغوص في عقولهم، لكنك لم تفهم أني تجاوزت حدود الورق." تقدم أريان خطوة، صوته يتكسر من الغضب: "أنت قتلت خمسة أبرياء لتثبت وجهة نظر؟!" "خمسة؟" رفع ماكسيم حاجبه باستهزاء بارد. "بل خمسة فصول، كل جريمة كانت تجربة لكتابة شعور مختلف: الخوف، الندم، الغضب، الغفران، والآن نحن في الفصل التاسع قبل الأخير: النهاية الحقيقية." أريان حاول الاقتراب أكثر، لكن الزجاج الفاصل ارتج فجأة، ثم تراجع صوت ماكسيم من مكبر خفي آخر: "أتذكر عندما كتبت أول مقالك عن القتل بدافع الإبداع؟ كنت تصف الجريمة كفن، وأنا فقط كنت التلميذ النجيب الذي قرر أن يجعل من الفن واقعًا." تدخلت لورين، صوتها يرتجف لكنها حاولت الثبات: "أنت مريض، كل ما فعلته لم يكن سوى محاولة لتبرير هوسك بأريان!" ابتسم ماكسيم، نظر إليها كمن يرى دمية تتحدث: "بل كنت أبحث عن اعترافه بي، يا آنسة المحققة، كان يكتب عن العباقرة المنكسرين، لكنه لم ير العبقري الواقف أمامه." أشار إلى أريان بإصبعه، وصوته ازداد قسوة: "هو من خلقني، هو من كتب أول سطر في عقلي عندما قال إن الكاتب الحقيقي لا يخاف من الدم إن كان ضرورياً للحقيقة." سقطت الكلمات كرصاص بارد بينهما. تراجع أريان نصف خطوة، كأن شيئًا في داخله انهار فجأة. ثم رفع عينيه نحوه وقال بصوت خافت مبحوح: "أنت لست إلا تشوهًا مني، انعكاسًا لي انكسر في المرآه التي صنعتها الكتابة." ضحك ماكسيم، ورفع جهازًا صغيرًا في يده، صاعق تفجير مؤقت. "جميل، حتى النهاية تحب أن تتكلم بأسلوبك الأدبي، لكن لا تقلق، سأمنحك خاتمة تليق بروايتك الأخيرة." صفارات الإنذار انطلقت فجأة، والأضواء وميضت بعنف، واهتزت الجدران كأنها تستعد للانفجار. لورين أمسكت بذراع أريان بقوة، بينما ماكسيم بدأ يتراجع نحو الممر الخلفي المظلم وهو يقول: "الفصل التاسع يقترب من نهايته، والكاتب لا ينجو من نصه أبداً." ثم اختفى صوته داخل الظلام، تاركًا خلفه صدى ضحكته تمتزج بصوت الإنذار الصارخ. أريان التفت نحو لورين وقال بحدة حاسمة: "لن أدعه يكتب النهاية." ************************ كان صوت الإنذار يعلو في أرجاء المكان كصرخة تحتضر، والضوء الأحمر المتقطع يلطخ الجدران بلون الدم. سحب أريان يد لورين بقوة وهو يصرخ: "أسرعي!" اندفعا عبر الممر المظلم، الأرض تهتز تحت أقدامهما، والغبار يتساقط من السقف كرماد يتناثر على الأرض. رائحة الوقود المحترق تختلط بأنفاسهما، والموجات الحرارية تتراقص حولهما. تحدثت لورين بصوت متقطع وهي تلهث: "أهو جاد في تفجير المكان؟!" أجابها أريان بعينين يملؤهما الإصرار: "ماكسيم لا يهدد، إنه يكتب الفعل قبل أن ينطق به!" وصلا إلى باب معدني في نهاية الممر، فدفعه أريان بكل ما أوتي من قوة حتى انفتح محدثًا صريرًا حادا كأن المكان يصرخ معه. خلف الباب كانت غرفة تغمرها أضواء حمراء، وشاشات لا تحصى تعرض مشاهد مختلفة من المنشأة، ممرات، غرف مغلقة، وأجساد تتحرك وسط الدخان. وفي منتصف الجدار كانت شاشة كبيرة تومض فوقها أرقام العد التنازلي: 00:00:43 تقدم أريان إلى لوحة التحكم، ضغط الأزرار بعنف، لكن النظام لم يستجب. ظهرت على الشاشات رسالة موحدة: -تم تعطيل التحكم المحلي. تردد صوت ماكسيم من مكبر خفي في السقف، هادئًا: "ظننت أنك تستطيع إيقافي؟ كل ما كتبته سينتهي بانفجار نظيف، بداية جديدة لقصتي، ونهاية لكل ما تبقى منك." صرخ أريان وهو يضرب بيده على اللوحة: "لن أسمح لك!" اقتربت لورين منه، ارتجاف صوتها يفضح الرعب في داخلها: "أريان، لا يمكننا البقاء هنا!" رفع عينيه نحوها، وقال بحزم: "هناك مخرج واحد!" وأشار إلى فتحة تهوية ضيقة في الزاوية الخلفية. "إن نجحنا في الوصول إليها، فربما نعيش لنرى النور من جديد." بدأ العد يهبط بسرعة: 00:00:10 تسللت لورين أولًا داخل الفتحة، تلتها أنفاس أريان وهو يلتفت للمرة الأخيرة نحو الشاشة. كان وجه ماكسيم قد امتلأ الشاشة، عيناه تلمعان بهدوء بارد، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. قال بصوت خافت يخترق الضجيج: "الكاتب لا ينجو من قصته، يا أريان. النهاية تكتب بالدم، لا بالحبر." رد أريان بصوت مرتجف ولكنه ثابت: "النهاية لا يكتبها القاتل، بل من يجرؤ على مواجهته!" ثم جذب لورين بسرعة إلى الداخل، وأغلق الغطاء خلفه في اللحظة التي بلغ فيها العداد نهايته. 3... 2... 1... دوى الانفجار. اهتز المبنى بعنف، واندفعت موجة نارية هائلة مزقت الجدران، وسمع هدير كأنه زئير وحش يحتضر. تدحرج جسدا أريان ولورين داخل مجرى الهواء، حتى سقطا بعنف خارج المنشأة وسط غبار ولهيب متصاعد. رفع أريان رأسه بصعوبة، عيناه تتابعان ألسنة النار وهي تبتلع كل شيء. لورين كانت بجواره تلهث، والهواء من حولهما ثقيل، مشبع برائحة الحديد المحترق. ثم جاء الصوت مشوشًا، مبحوحًا، قادمًا من مكبر بعيد تحت الأرض، يقول ببرود مريب: "وهكذا، يغلق الفصل التاسع." تجمد كل شيء. الصدى الأخير للجملة امتزج بانفجار آخر في الداخل، قبل أن يخفت الضوء تمامًا ويبتلع الليل المدينة في صمت دامس. *************************
📜 الفصل العاشر والأخير 📜
كان الليل يبتلع بقايا المنشأة كما لو أراد محو كل أثر لما حدث. الدخان يملأ الأفق، والهواء مشبع برائحة الحديد والرماد، وصوت الانفجارات البعيدة لا يزال يردد صداه بين الجدران الممزقة. من بين الركام، تحرك جسد مغطى بالغبار ببطء، أنينه يختلط بصوت الشرر المتساقط من الأسلاك المقطوعة. نهض ماكسيم. وجهه ملطخ بالدم والتراب، إحدى عينيه نصف مغلقة، وشعره يحترق من أطرافه. لكنه، يضحك. ضحكة خافتة أولاً، ثم تتسع شيئًا فشيئًا حتى تتحول إلى قهقهة هستيرية تغرق المكان في جنون خالص. مد يده المرتجفة يلتقط قطعة زجاج من الأرض، نظر إلى انعكاسه المشوه فيها وقال بصوت مبحوح مليء بالبهجة المريضة: "حتى النار لا تجرؤ على إنهاء قصتي، أنا من أكتب النهاية." ثم تابع يحدث الظلام من حوله كأن المكان يستمع إليه: "أريان، هل تسمعني؟ لم تنتهِ بعد. كل قصة تحتاج سطرًا أخيرًا، وأنت، لم تكتب نهايتك بعد!" تقدم مترنحًا وسط الحطام، خطواته تترك أثر دم على الأرض. عقله لم يعد يميز بين الواقع والخيال، عيناه تتحركان في كل اتجاه كمن يرى فصولًا تتقاطع أمامه. همس بصوت متقطع: "الدم هو الحبر، والرماد هو الورق، والليل، آه الليل هو الغلاف المثالي!" وبينما كان يضحك، التفت فجأة حين سمع صوتًا ضعيفًا خلفه. كان أريان يحاول النهوض من بين الركام، ملامحه شاحبة، أنفاسه متقطعة، لكنه ما زال على قيد الحياة. رفع ماكسيم ذراعيه كمن يرحب بصديقه القديم، وقال بابتسامة عريضة تشق وجهه الممزق: "ها هو بطلي يعود من تحت الرماد، تمامًا كما توقعت. أتعلم؟ كنت أعلم أنك لن تموت قبل أن أكتب الجملة الأخيرة بدمك!" اقترب منه بخطوات بطيئة، وفي كل خطوة كان يتحدث لنفسه أكثر مما يتحدث إليه: "الجميل في النهايات، أنها تنقذنا من تكرار الأخطاء، لكن لا أحد يعلم أن الخطأ الأكبر هو النجاة." في الخلفية، كانت لورين تزحف ببطء بين الركام، تحاول تشغيل جهاز الإشارة الذي سقط أثناء الانفجار. أنفاسها ثقيلة، وكل حركة قد تنذر باكتشافها، لكنها لم تتوقف. أما ماكسيم، فكان غارقًا في عالمه الخاص، يحدق في أريان كمن يرى لوحة فنية يوشك على الانتهاء منها. رفع مسدسه، وأشار به نحو صدر أريان، صوته صار أكثر هدوءًا، لكن في نبرته حنان مريض: "لا تقلق، لن أؤلمك كثيرًا، النهاية يجب أن تكون أنيقة، نظيفة، كفقرة الوداع." ضحك مجددًا، ضحكة مبحوحة متقطعة، ثم أضاف وهو يخطو نحوه: "لكن قبل أن تموت، أريدك أن تعترف بشيء واحد... أنني كنت كاتبًا أفضل منك." وفي خضم ذلك الجنون المشتعل، تصاعد وميض أزرق خافت من زاوية الركام، إشارة بالكاد ترى وسط الدخان الكثيف. لم يكن أحد يعلم أن تلك الومضة الصغيرة، كانت البداية الحقيقية لنهاية. ********************** تقدم ماكسيم ببطء، المسدس في يده يرتجف كما لو كان امتدادًا لجنونه. كان أريان يحاول التماسك، يضغط على موضع النزيف في كتفه، لكنه بالكاد يستطيع رفع رأسه. ابتسم ماكسيم، وقال بصوت متهدج كأن كل كلمة تخرج من بين أنفاس مختنقة بالهوس: "انظر إليك الآن، البطل المكسور. كم صفحة احتجت لتصل إلى هذه اللحظة؟ عشر؟ مئة؟ أجل، هذا هو المشهد الذي كنت أبحث عنه منذ البداية." ضحك ضحكة قصيرة حادة، ثم أضاف هامسًا: "كنت تظن أنك تطارد قاتلًا، بينما كنت أنا من يكتب طريقك، خطوة بخطوة." رفع المسدس أكثر، صوبه نحو صدر أريان مباشرة، لكن قبل أن يضغط الزناد، التفت قليلًا إلى الفراغ وقال بصوت أقرب إلى الهمس المجنون: "أسمع التصفيق، الجمهور في رأسي لا يصمت أبدًا." كان صوت جهاز صغير خلف الركام قد وقد بهدوء، ومؤشره اللامع أرسل ومضة قصيرة في الظلام، إشارة الاستغاثة التي أرسلتها لورين، دون أن يشعر أحد. أما أريان، فقد رفع عينيه نحو ماكسيم بصعوبة، وقال بصوت مبحوح: "أنت، مجرد بطل مزيف لقصة لم تكتب بعد." تغير وجه ماكسيم فجأة، تلاشت ابتسامته، وحل محلها غضب مكتوم انفجر دفعة واحدة. صرخ، وصدى صوته ارتد بين الجدران المهشمة: "لا أحد يهين المؤلف في قصته!" أطلق النار. ارتج المكان، وسقط أريان أرضًا بلا حراك. ظل ماكسيم واقفًا للحظة، يراقب الجسد أمامه كما يراقب رسام لوحته الأخيرة. ثم همس لنفسه بابتسامة باردة: "النهاية، الفصل العاشر اكتمل." ضحك مجددًا، ضحكة عالية مليئة بالجنون، وانصرف يسير بين الرماد بخطوات هادئة، كمن أنهى مهمته المقدسة. في الخلفية، كانت لورين قد شاهدت المشهد كله من خلف الركام، يدها على فمها تكتم شهقة تكاد تفضحها، ودموعها تختلط بالتراب والدماء. لكنها لم تتحرك، ليس بعد. كانت تعلم أن النهاية لم تكتب بعد، ولم يكن ماكسيم يدرك أن الفصل العاشر، قد بدأ لتوه. ضحك ماكسيم ضحكته الحادة مرة أخرى، ثم توقف فجأة. أدار رأسه ببطء نحو خلف الركام، ابتسم ابتسامة باردة وهو يهمس: "كنت أعلم أنكِ تراقبين، أيها الملازم لورين." ثم بدأ يتقدم بخطوات ثابتة نحو لورين، كل خطوة منه تحدث صدى ثقيلًا في الممر، كأنها تعلن بداية فصل جديد من الجحيم. ************************ كان الصمت أثقل من الرصاص، لا يسمع سوى خفقات قلب لورين المتسارعة وهي تبحث عن سلاحها في العتمة. خطوات بطيئة أخذت تقترب، تتعمد أن تسمع، كأن القادم يستمتع بتغذية خوفها. ثم خرج ماكسيم من الظلام. وجهه شاحب، عيناه متسعتان بجنون، والدماء تلطخ ياقة قميصه كأنها وسام فخر. ابتسامته تلك، المائلة، المرتعشة، لم تكن ابتسامة بشر، بل مزيج من نشوة وخراب. قال بصوت أجش، متقطع كأنه يلهث بين كلماته: "الناس يخافون الموت، وأنا فقط أردت أن أعرفهم عليه، كل صرخة أسمعها جملة، وكل جثة فقرة جديدة، وأنتِ يا لورين، السطر الأخير في روايتي." رفعت سلاحها بثبات مصطنع، وقالت بحزم: "انتهى أمرك يا ماكسيم، لن تفلت هذه المرة." ضحك، ضحكة قصيرة ثم انفجر في نوبة من الضحك الهستيري، حتى ارتج صوته في جدران المكان: "انتهى أمري؟! يا مسكينة، أنا لم أبدأ بعد!" تقدم خطوة، ثم أخرى، حتى صارت المسافة بينهما لا تكفي لالتقاط الأنفاس. ابتسم ماكسيم ابتسامة باردة، ومال برأسه قليلاً كمن يستمتع بلحظة فنية نادرة، ثم قال بصوت أجوف يحمل نغمة الهوس: "أتعلمين ما المدهش في النهاية؟ أنها لا تأتي من الرصاصة، بل من الصمت الذي يسبقها، أنتم تموتون مرتين، مرة حين تخافون، ومرة حين أقرر أنكم انتهيتم." قالت من بين أسنانها: "كفاك هراء، لن أسمح لك أن تكتب نهاية جديدة بدماء الأبرياء." أجابها بابتسامة عريضة، وصوت يقطر سخرية: "بل سأكتبها أنا، سأسميها، الفصل الأخير، موت الأبطال، وانتصار الشر على الخير." ثم رفع سكينًا صغيرة كان يخفيها خلف معطفه، وانقض نحوها بسرعة مميتة. دوى صوت الرصاصة في اللحظة ذاتها. تجمد جسده في مكانه، والدهشة تتسع في عينيه قبل أن يسقط أرضًا، والسكين تنزلق من يده كأنها استسلمت هي الأخرى. الابتسامة التي لم تفارقه حتى الموت بقيت مرسومة على وجهه، تشهد على جنون لم يولد في لحظة، بل تراكم عبر فصول من الألم. وقفت لورين، أنفاسها متقطعة، والسلاح ما زال يرتجف في يدها. لم يكن انتصارًا كاملاً، بل صراعًا بين الحياة والندم. رفعت رأسها، نظرت إلى جسده، وهمست بصوت خافت متعب: "انتهى الفصل الأخير، أخيرًا." ************************ مرت الشهور كصفحات تطوى بهدوء بعد رواية طويلة أنهكت قارئها. المدينة استعادت ضوءها، والمركز أغلق ملف القضية، غير أن الصدى ظل عالقًا في ذاكرة من عاشوه. في إحدى الليالي الشتوية، كان أريان يجلس أمام شاشة حاسوبه، يتأمل الكلمات الأخيرة التي خطها بأنامله المرتجفة. أصابعه تسير على لوحة المفاتيح ببطء كما لو كانت تخشى أن تنهي الحكاية فعلاً. على الطاولة بجانبه فنجان قهوة بارد، وصور متناثرة من مسرح الجرائم القديمة، وأوراق تحمل بخطه عناوين فصول لم يكتمل معظمها. رفع نظره نحو الشاشة، قرأ الجملة الأخيرة بصوت خافت: "ظننت أني أكتب النهاية، لكني فقط كنت أتعلم كيف أبدأ من جديد، فالنهاية الحقيقية ليست ختام الحكاية، بل تصالح الكاتب مع ما تبقى منه." ابتسم بخفة، ضغط زر الحفظ، ثم أغلق الحاسوب. وفي تلك اللحظة، سمع وقع خطوات مألوفة قادمة من خلف الباب. فتحت لورين الباب بهدوء، تدخل بخطوات رقيقة، وجهها يشرق بابتسامة هادئة، وبطنها المنتفخ تشهد على حياة جديدة تنمو بداخلها. قالت وهي تقترب منه: "ما الذي تفعله في هذا الوقت المتأخر، أريان؟" التفت إليها، نظراته تلمع بصفاء لم تعرفه من قبل، ثم أجاب ضاحكًا بخفوت: "أضع النهاية، بيدي هذه المرة، قبل أن يكتبها أحد عني." اقتربت منه، وضعت يدها على كتفه وقالت بابتسامة دافئة: "وهل انتهت الحكاية حقًا؟" أجابها، وهو يضم يدها إلى صدره برفق: "ربما انتهت الجريمة، لكن الحياة دائمًا تبدأ من جديد." نظر إلى الشاشة المطفأة، كأنه يراها لا تزال تعرض أمامه، ثم أضاف بصوت مفعم بالسكينة: "هذه المرة، لست سفاحًا بلا جريمة، بل كاتب يعرف كيف يكتب النهايات." تبادل الاثنان نظرة طويلة صامتة، ثم عم المكان هدوء لطيف، لا يشبه الصمت الذي عرفاه من قبل، بل يشبه الخلاص. وفي الخارج، كان المطر يتساقط بخفة، يغسل شوارع المدينة، ويغسل معها كل الفصول التي مضت. &النهاية& $تمت بحمدالله$ **************************
📜 الختام📜
"لم يكن بحاجة إلى سلاح بعد الآن، فالكلمات صارت أكثر دقة من الرصاص. أدرك أن أخطر جريمة يمكن أن يرتكبها الكاتب، هي أن يمنح الحياة لخياله، وأن يترك الجنون يهمس له بما لا يجرؤ أحد على قوله. لم ينج من ظلامه، بل تعلم كيف يكتبه دون أن يقتل. انتهت القصة، لكن الجريمة ظلت تعيش بين السطور. فهو لم يكن سفاحًا بدون جريمة، بل كاتبًا عرف كيف يقتل بالكلمات."

تعليقات
إرسال تعليق