قصر خازون

غلاف

📜 المقدمة 📜

لم يكن القصر سوى هيكلٍ مهجورٍ على أطراف المدينة، مكسوًّا بالأتربة والعناكب، تغفو نوافذه المتصدعة على ظلامٍ عميق كأنها لم ترَ الشمس منذ عقود. اعتاد أهل البلدة المرور من أمامه بخطواتٍ مسرعة، يتجنبون النظر إلى جدرانه المتداعية، وكأن مجرد الالتفات نحوه يُمكن أن يوقظ ما يختبئ في داخله. ثلاثون عامًا مضت على المذبحة التي حوّلته إلى لعنةٍ يتناقلها الناس همسًا في المقاهي والطرقات. الأب الذي قيل إنه ذبح أسرته ثم أنهى حياته، ترك وراءه أسئلة أكثر من الأجوبة، وغموضًا لم تجرؤ الشرطة نفسها على سبر أغواره. الملف أُغلق بسرعة، وأُسدلت ستارة الصمت، لكن القصر ظلّ شاهدًا أبكم على مأساة لم تُروَ كاملة. لم تكن "ليلى" ـ الصحفية الشابة التي تستهويها الحكايات المطموسة ـ تصدّق أن ما يُروى محض خرافات. كلما طالعت أوراق الجرائد القديمة، وكلما تعمقت في تقارير التحقيق المتناقضة، ازداد يقينها بأن الحقيقة لا تزال حبيسة بين جدران ذلك القصر. كان قرارها جريئًا: ستدخل البيت الذي لم يجرؤ أحد على طرق بابه منذ الحادثة. ستُعيد فتح القضية التي هرب منها الجميع.

📜 الفصل الأول 📜

لم تكن مقاهي الفيوم القديمة غريبة عن "رفعت قاسم" الصحفي المتقاعد، فقد اعتاد أن يطوي أيامه بين جدرانها منذ تقاعده، يستعيد بصمتٍ ماضٍ أثقل كاهله أكثر مما ودّ. جلس في الركن البعيد من المقهى المطل على بحيرة قارون، يراقب انعكاس الغروب على صفحة الماء، وكأن بينه وبين ذلك المشهد حوارًا صامتًا لا ينتهي. اقتربت خطوات مترددة، ثم وقفت أمامه شابة تحمل في ملامحها مزيجًا من الحماسة والعناد. كانت "ليلى" قد قطعت الطريق من الاسكندرية إلى الفيوم خصيصًا للقائه، بعد أن سمعت عنه من زميلٍ قديم يصفه بـ "المحقق الذي يكره النهايات السهلة". قال رفعت وهو ينهض مرحّبًا: – " تفضلي بالجلوس، لقد تأخرتِ قليلًا." جلست ليلى مقابلةً له، ثم وضعت على الطاولة دفترًا صغيرًا امتلأت صفحاته بالملاحظات. بدا صوتها ثابتًا وهي تقول: – "أعلم أنّك تابعت قضية "قصر خازور " منذ ثلاثين عامًا، جئت لأطلب مساعدتك؛ أريد أن أعيد فتح الملف." تأملها بعينين ضيّقتين، وكأنما يقيس معنى كلماتها، ثم أجاب بعد برهة: – "يا ابنتي، هناك قضايا لا تُفتح، لأن ما خلفها أصعب من أن يُحتمل. لقد أُغلق الملف بقرار رسمي، وما ستجدينه داخله لن يكون سوى جدران باردة وصدى قديم." ردّت بثباتٍ يخالف الارتعاش الخفي في أصابعها: – "أقبل المخاطرة، كل الأدلة تشير إلى أنّ الأمر لم يكن انتحارًا كما سُجّل، هناك فراغات، وتناقضات، و أحاديث لم يلتفت إليها أحد." صمت رفعت طويلًا، ثم انحنى للأمام وقال بصوتٍ خفيض: – "إن قررتِ الدخول إلى ذلك القصر عليك أن تكوني مستعدة لأن تسمعي أكثر مما تحتملين." ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه، لكنها لم تحمل شيئًا من الدفء، أشعل سيجارة وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أكمل: – "لقد اعتدتُ أن أرى العناد في عيون الصحفيين الشباب، لكن ما أمامي الآن ليس مجرد عناد بل تهوّر." حاولت ليلى أن تقاطعه، غير أنه رفع كفّه بحزمٍ وأردف: – "إن كنتِ تبحثين عن قصة تُملأ بها صفحات جريدتك، فابحثي عن غير هذا القصر. فما حدث داخله أكبر من أن يُختزل في مقال، وأشدّ من أن يُحتمل بعقلٍ واحد." سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أكثر خشونة: – "أنا لن أرافقك." تسارعت أنفاسها للحظة، لكنها تماسكت وقالت بجرأةٍ ظاهرة: – "حسنًا، لن أجبرك على العودة إلى ماضيك. لكنني سأدخل القصر بمفردي. إن كان هناك من سرٍّ يُخبئه، فسأكشفه، حتى وإن اضطررتُ إلى تحمل النتيجة وحدي." ارتعشت أصابعه وهو يطفئ سيجارته ببطءٍ في المنفضة، ثم رفع بصره إليها، بعينين يعلوهما بريق غامض، وقال: – "حين تُبصرين الظلام لأول مرة في ذلك القصر تذكّري أنني حذرتك." نهض من مكانه، تاركًا خلفه طاولة يتصاعد منها دخان السجائر، وليلى تحدّق في أثره بعينين متقدتين. أدركت أنّ الطريق قد انفتح أمامها، حتى وإن أُغلق باب المساعدة. القصر ينتظرها، وهي على وشك أن تخطو نحوه. راجعت ليلى خطواتها عائدة إلى شقتها الصغيرة التي استأجرتها في وسط مدينة الفيوم، في أحد العمائر القديمة المطلة على القصر مباشرة. لم يكن اختيارها فوضويًا، بل عمدت أن يكون بيتها المؤقت في مواجهة غايتها، لتراقب كل حركة وتفصيل دون عناء. دخلت الشقة بخطواتٍ مثقلة، وقد ظلّ صوت رفعت قاسم يتردّد في أذنيها: حين تُبصرين الظلام لأول مرة في ذلك القصر تذكّري أنني حذرتك." جلست للحظة على الأريكة المهترئة، قبل أن تقف متجهة نحو الشرفة. أزاحت الستائر الثقيلة التي حجبت الضوء والهواء، فانفتحت أمامها إطلالة كاملة على القصر المهيب. وقفت واجمة، عيناها تتأملان البوابة الحديدية التي غمرها الصدأ، والشرفات العالية التي غطتها نباتات متسلقة. بدا القصر كجسدٍ نائم لم يوقظه الزمن. وضعت يدها على حاجبها لتقي عينيها من وهج الغروب، وأطلقت زفرة متوترة. راودتها كل الأقاويل التي سمعتها: – "أصوات بكاء تُسمع ليلًا." – "أضواء تظهر في الطابق العلوي ثم تختفي فجأة." – "ظلال تتحرك خلف النوافذ، رغم أن القصر مغلق منذ ثلاثين عامًا." ارتجفت قليلًا وهي تفكر: هل يمكن أن تكون تلك مجرد خرافات شعبية، أم أنّ ثمة حقيقة دفينة؟ وفجأة، وبينما كانت تحدق في النوافذ السوداء، أحسّت كأن ستارة في الطابق الثاني تحرّكت ببطء، ثم عادت لتسكن من جديد. تسمرت قدماها، وعيناها اتسعتا في صدمة… أكانت مجرّد هبّة ريح، أم أنّ القصر قد بادلها النظرة بالفعل؟ أغلقت الستارة بعجالة، ثم أسندت ظهرها إلى الحائط، تتنفس باضطراب. وضعت كفّها على صدرها تهدئ خفقان قلبها، وتمتمت لنفسها: – "غدًا سأدخل." ******* في صباحٍ جديد، بدت الحياة في المدينة تمضي على وتيرتها المعتادة، ولكن قلب ليلى ظلّ مثقلًا بما يشغله. استيقظت من نومٍ متقطّع أرهق جفونها، إذ ظلّ القصر حاضرًا في ذهنها حتى في أحلامها. نهضت بخطواتٍ متزنة، تؤدي روتينها اليومي في إعداد قهوة سريعة وترتيب أوراقها، علّها تُبعد عن نفسها وطأة التفكير. قطع انشغالها صوت رنين هاتفها الذي انبعث فجأة، فمدّت يدها لتلتقطه عن الطاولة الصغيرة، لترى اسم والدتها يتلألأ على الشاشة. ارتسمت ابتسامة سريعة على وجهها، وضغطت زر الإجابة على الفور. – "صباح الخير يا أمي." – "صباح النور يا ابنتي، كيف حالك هناك؟ هل تأقلمتِ مع المكان؟" ساد بينهما حديث قصير دافئ، تبادلا فيه السلام والاطمئنان، بينما كانت نبرة الأم لا تخلو من قلق مكتوم. تذكّرت ليلى أنها أخبرت والدتها بأنها ذاهبة إلى الفيوم لإجراء بحثٍ ميداني معتاد حول موضوعات متفرقة، شأنها شأن رحلاتها السابقة إلى محافظات أخرى. كان الأمر مألوفًا لدى أهلها، لذلك لم يثر سفرها هذه المرة ريبة كبيرة. لكنها، بالطبع، لم تذكر شيئًا عن القصر أو ماضيه الغامض. لم ترغب أن تُثقِل قلب والدتها بما قد يزرع الرعب في بيتهم، فاختارت أن تُبقي السرّ طيّ الكتمان، حتى ولو كان ذلك على حساب راحة بالها هي. أنهت المكالمة بعد كلماتٍ مطمئنة، وأغلقت الهاتف ببطء، ثم تركت تنهيدة ثقيلة تفلت من صدرها. حدّقت للحظة في دفاترها المبعثرة، وهمست لنفسها: – "لا عودة الآن… لقد بدأت الطريق." وما إن وضعت الهاتف جانبًا، حتى جلست إلى مكتبها الصغير ترتّب أوراقها من جديد. ولكن شرودها لم يدم طويلًا؛ إذ دوّى رنين الهاتف مرة أخرى، قاطعًا أفكارها المضطربة. نظرت إلى الشاشة، فتجمّد بصرها للحظة، كان الاسم واضحًا: "رفعت قاسم". كانت قد حصلت على رقم هاتفه من نفس الزميل الذي أخبرها عنه، ترددت أناملها قبل أن تضغط زر الإجابة، ثم جاءها صوته الجهوري، هادئًا كعادته، لكنّ خلفه أميالاً من التوتر: – " صباح الخير يا آنسة ليلى، أظن أنّك لم تُغيري قرارك بعد." ابتلعت ريقها، وأجابت بحذر: – "لم أعد أملك رفاهية التراجع يا أستاذ رفعت." ساد صمتٌ قصير، قطعه صوته العميق: – "إذن استمعي إليّ جيدًا، لا تدخلي القصر وحدك، على الأقل انتظري حتى نلتقي." ارتفعت حاجباها دهشة: – "لكنك رفضت مساعدتي بالأمس!" أجاب بعد تنهيدة ثقيلة: – "نعم، لكنني أدركت أنّك ستذهبين مهما كان الثمن، وأنا لا أريد أن أسمع اسمك في خبرٍ أسود يُضاف إلى أرشيف ذلك المكان." غمرها شعور متناقض بين الارتياح والقلق، ثم همست: – "متى نلتقي؟" قال بصوتٍ محسوم: – "مساء اليوم، عند الساحة المقابلة للقصر." وقبل أن تضيف كلمة أخرى، أنهى المكالمة تاركًا وراءه أسئلة أكثر من الأجوبة. أمسكت الهاتف بيدٍ مرتجفة، وعيناها تتعلّقان بموعدٍ لم تكن تعلم إن كان سيقرّبها من الحقيقة أم من الهاوية. *******

📜 الفصل الثاني 📜

كان الليل قد ابتلع شوارع الفيوم، ولم يبقَ في السماء سوى قمرٍ يتسلل ضوؤه بين الغيوم. توقفت ليلى أمام القصر، تأملت اللافتة التي كُتب عليها بخطٍ عريض « قصر خازور »، أصبح قلبها يخفق بسرعة وهي تتأمل الواجهة المظلمة التي تفرض هيبتها على المكان. لم يكن وجودها هنا مألوفًا، فالكل يعرف أن الاقتراب من هذا المبنى بعد منتصف الليل أمر غير محمود، لكنه كان الموعد الوحيد الذي يمكنها فيه أن تراقبه بعيداً عن عيون المارة. لم تمضِ دقائق حتى سمعت وقع خطواتٍ ثابتة تقترب من الخلف، التفتت بقلق، لتجد رجلاً جاوز الخمسين، ملامحه الصارمة تزداد وضوحًا تحت ضوء القمر، كان هو رفعت قاسم، المحقق والصحفي المتقاعد الذي طالما سمعت عنه. توقف بجوارها، ونظر أولًا إلى القصر قبل أن يوجه بصره إليها، وقال بنبرة هادئة: – "مساء الخير، يبدو أننا وصلنا في الموعد المناسب يا آنسة ليلى." ابتسمت ابتسامة متوترة وردّت: – "لم أجد وقتًا أفضل، لا أريد أن يرانا أحد هنا." أومأ برأسه وهو يثبت عينيه على البوابة الحديدية الصدئة: – "أتفهم ذلك، مكان كهذا يجذب الأسئلة أكثر مما يعطي الإجابات." ساد الصمت لثوانٍ، لم يقطعه سوى حفيف أوراقٍ تساقطت من الشجر و تطايرت مع الهواء، وضع رفعت يديه في جيب معطفه وأكمل بنبرة عملية: – "أخبريني، ما الذي يدفع صحفية شابة للوقوف أمام قصر مهجور في ساعة كهذه؟" ابتسمت ليلى بخفة، وقالت وهي تحاول أن تُظهر ثقتها: – "أظن أنك تعرف الإجابة يا أستاذ رفعت، لم آتِ هنا صدفة، حين رفضت طلبي أول مرة، كنت أظن أنك ستغلق الباب تمامًا، لكنك عدت واتصلت بي، وهذا يعني أن فضولك لم يكن أقل من فضولي." ارتسمت على وجهه نصف ابتسامة سرعان ما تلاشت، ثم قال: – "لم يكن فضولًا فقط، آنسة ليلى. بل قلق، هذا المكان له سمعة سيئة، وأنا عادة لا أقترب من شيء لا أعرف حدوده، لكن، ربما لم يعد عندي ما أخسره." أطرقت برأسها للحظة، قبل أن تقول بجدية: – "أنا لا أبحث عن قصة مثيرة فحسب، بل عن حقيقة. هناك أقاويل تتردد منذ سنوات، وأنا أريد أن أعرف لماذا ظل هذا القصر مطمورًا تحت طبقات من الخوف." رفع رفعت نظره عبر السور الحديدي، يتأمل النوافذ المظلمة وكأنها عيونٌ تحدّق بهما، ثم قال بصوت منخفض: – "الحقيقة يا آنسة ليلى أحيانًا تكون أثقل مما يتوقعه المرء. لكن بما أنني هنا الليلة، فدعينا نرَ ما الذي يمكن أن نجده." اقترب خطوة من البوابة، ألقى نظرة على القفل الصدئ، ثم التفت نحوها: – "هل أنتِ مستعدة حقًا للدخول؟" ترددت أنفاسها للحظة، لكنها أجابت بحزم: – "نعم." ساد الصمت مجددًا، لم يقطعه سوى صرير حديدي حين لمس رفعت السلسلة المتهالكة التي تغلق البوابة. في تلك اللحظة، بدا وكأن الزمن توقف حولهما، وأن الفيوم كلها قد سلَّمت روْحها للنوم، إلا هما والقصر. مد رفعت يده بثباتٍ ظاهري، بينما عينيه تحملان توترًا لم يخفَ عن ليلى. ضغط على السلسلة المتهالكة، فانفرطت بحركة مفاجئة كأنها لم تحتمل مقاومة السنين. تبادلا نظرة سريعة، بين خوفٍ دفين وإصرارٍ لم يعد هناك مفرّ من التراجع عنه، ثم دفع رفعت البوابة لتُصدر صريرًا طويلًا اخترق صمت الليل. خطت ليلى أولى خطواتها إلى الداخل، وجدت قلبها يخفق بعنف حتى شعرت أن صوت ضرباته قد يوقظ القصر من سباته. وجهها كان متوترًا، عيناها تدوران في كل زاوية كما لو كانت تبحث عن شيء محدد، بينما يديها ترتعشان رغم محاولتها إخفاء ذلك. أما رفعت، فملامحه بدت جامدة، لكن أسفل تلك الصرامة كان يتصارع شعورٌ قديم يعرفه جيدًا،كان خليط من الحذر والفضول، تمامًا كما كان يشعر حين يدخل مسرح جريمة لأول مرة. كان أول ما واجههم هو الظلام الكثيف، لذا كان لا بد من وجود حامل ضوء، ليبصروا به المكان، وهذا ما لم تنسى ليلى حضوره. مرّا عبر ممرٍ طويل، جدرانه عارية متآكلة، تتدلّى منها قطع من الطلاء القديم كأوراقٍ ذابلة. كان الهواء أشد مما توقعا، يحمل رائحة العطن والصدأ، ومع كل خطوة يعلو صدى أقدامهما، كأنه إعلان بقدوم دخيلَين. صعدا الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق الأول و تحت أقدامهما شعرا بانحناءاتٍ تنذر بالسقوط. في الأعلى، وجدوا قاعة واسعة، أرضيتها مغطاة بطبقة من الغبار السميك، وعلى الجدران آثار إطارات صور نُزعت منذ زمن، تاركة مربعات باهتة من اللون. همست ليلى: – "كأن أحدًا محا كل أثرٍ كان هنا." فرد رفعت دون أن يلتفت: – "أو كأنهم أرادوا ألا نتذكر ما كان معروضًا." تابعا الصعود إلى الطابق الثاني، حيث الممرات أضيق، وأبواب الغرف متقابلة على الجانبين. كل باب بدا كعينٍ مغلقة، تخفي وراءها أسرارًا تنتظر من يجرؤ على فتحها. توقفت ليلى أمام أحدها، مدت يدها بخوف، لكنها ترددت قبل أن تلمس المقبض، التفتت إلى رفعت، فوجدت عيناه مثبتتين على الباب الآخر، كأن شيئًا ما لفت انتباهه هناك، لم يدم طويلاً وتابع الصعود. وأخيرًا، وصلا إلى الطابق الثالث، حيث سقف القصر العلوي. كان المكان مختلفًا؛ النوافذ المكسورة تسمح للهواء البارد أن يندفع بعنف، حاملاً أصواتًا مشوشة كأنها وشوشات متقطعة. هنا، تسارعت أنفاس ليلى، بينما تجمدت نظرة رفعت وهو يراقب الظلام الثابت على الجدار. فقال بصوت منخفض، كأنه لا يريد أن يسمعه حتى نفسه: – " أشعر أنّ هذا المكان يحمل أشياء ثقيلة يصعب حتى النطق بها. " كان الممر العلوي يلفّهما بهدوءٍ خانق، حتى بدا وكأن القصر يحبس أنفاسه معهما. فجأة، دوّى صوتٌ حاد كارتطام زجاجٍ بالأرض، اخترق صمت المكان فأحدث رجفة في الجدران العتيقة. تجمدت ليلى في مكانها، عيناها اتسعتا وارتجفت شفتاها: – "أسمعت ذلك؟!" التفتت إلى رفعت، فوجدته واقفًا ثابتًا، لكن ملامحه مشدودة، عينيه تضيقان بترقب، وجسده يتأهب كما لو كان في مسرح جريمة. لم ينطق بكلمة، فقط أشار لها أن تتبعه بحذر. هبطا الدرج بسرعة، وقع أقدامهما يعلو فوق صرير الخشب، حتى وصلا إلى الطابق الأرضي، توقفا فجأ، وهناك، بجانب أحد الأبواب الخشبية المتهالكة، تناثرت شظايا كوب زجاجي مكسور، كأن يدًا غير مرئية ألقت به للتو. انحنت ليلى قليلًا، يديها ترتجفان وهي تحدق في القطع المتناثرة، ثم قالت بصوت قلق: – "لكن!، لا يوجد أحد هنا سوانا." اقترب رفعت من الباب، عيناه تتفحصان كل تفصيلة، الخشب القديم الذي بدا وكأنه يتحرك، المقبض الذي تهدل بفعل الصدأ، والظلام الكثيف الذي يتسرب من الفجوة أسفل الباب. أدار وجهه نحو ليلى وقال بنبرة هادئة لكنها مشدودة: – "الزجاج لا ينكسر وحده يا آنسة، لا بد أن شيئًا ما كان هنا." تراجعت خطوة للوراء، و قلبها يخفق بعنف، بينما ظل رفعت واقفًا أمام الباب، يمد يده ببطء نحو المقبض، كأنه يزن المجهول الذي قد ينتظره خلفه. مد رفعت يده نحو المقبض، لكن قبل أن يضغطه لمح خيالًا سريعًا يتسلل بالقرب من الباب، جسم صغير له ذيل طويل انعكس مع ضوء القمر المتسلل من إحدى النوافذ. شهقت ليلى شهقة عالية، وصرخت دون وعي: – "آه! هناك شيء!" رفع رفعت يده فورًا، وأشار إليها بالصمت، عيناه تحملان تحذيرًا صارمًا. بقي واقفًا بترقب، حتى تأكد من أن ما رآه لم يكن سوى قطة سوداء، عيناها تلمعان بلونٍ مخيف وهي تراقبهما قبل أن تركض مسرعة نحو الخارج. اقترب هو نحو ليلى ببطء ، وهو يهمس بخفوتٍ شديد، لكن نبرته تحمل تفكيرًا عميقًا خرج على لسانه: – "مجرد قطة، ولكن السؤال الآن، كيف دخلت إلى هنا؟ جميع الأبواب مغلقة، والنوافذ كذلك، عدا نوافذ الطابق الثالث المحطمة!." أكمل بتقرير واقعي: _"حتى وإن كان كذلك، فكيف تسنّى لها أن تصل إلى هناك؟ القصر لا يحيط به أي منزل يمكنها القفز منه!" حدقت ليلى في عينيه بقلقٍ أكبر، لم يعجبها تفسيره، بل زادها رعبًا. عادت بنظرها إلى الباب المغلق، وكأنها تخشى أن يخرج منه ما هو أبشع من قطة. وبينما كانا يتناقشان بخفوت داخل القصر، كانت الحياة بالخارج تسير على نحوٍ آخر؛ ثلاثة شبانٍ في منتصف عقدهم الثاني مرّوا في تلك اللحظة أمام البوابة الحديدية. كانوا يتحدثون بمرحٍ مكتوم، حتى قطعهم صريخ ليلى الذي انطلق منذ لحظات. توقفوا فجأة، تبادلوا النظرات بوجوهٍ شاحبة، ثم ضحك أحدهم ضحكة عصبية وقال: – "أرأيتم؟! تلك هي أصوات الأشباح التي تحرس القصر! هل يعقل أن بشريًّا يدخل هذا المكان عند منتصف الليل؟!" هزّ الآخر رأسه بثباتٍ مصطنع: – "لا يمكن، لا أحد يجرؤ على ذلك. هذا صراخٌ من عالمٍ آخر، ليس لنا به شأن." وتابعوا سيرهم بخطواتٍ سريعة، يتجنبون النظر إلى الداخل، وكأن مجرّد التحديق قد يستدعي عليهم لعنة القصر. أما ليلى، فكانت لا تزال واقفة قرب رفعت، أنفاسها متلاحقة، وصوت القطة الغامض يطارد عقلها، بينما رفعت ظلّ صامتًا، يضع يده مجددًا على المقبض، يتردد بين أن يفتحه أو أن ينتظر قليلًا. دخل رفعت وليلى الغرفة بعد تردد قصير، ليتضح أنها مجرد غرفة قديمة، تملأها رائحة الرطوبة والغبار، والجدران متآكلة تحمل آثار الزمن، وعلى الجانب الأيمن من الغرفة توجد ستارة سوداء اللون غطت الجدار بأكمله، وبعض قطع الأثاث المتهالك ملقاة هنا وهناك، ككرسي مكسور وخزانة فقدت أبوابها. لم يكن هناك ما يثير الريبة، بل بدا المكان عاديًا، كأي غرفة مهجورة منذ سنوات طويلة. أخذ رفعت يفتش بين الأركان والأدراج الفارغة، بينما جلست ليلى على حافة الكرسي المكسور وقد بدت علامات الضجر على ملامحها. قالت بحدة منخفضة: ــ "استاذ رفعت، لا يوجد شيء هنا، لقد سئمت وأريد الخروج الآن." لكنه لم يلتفت إليها، وظل ينقب بتركيز شديد، وكأنه يبحث عن شيء بعينه، حتى توقف أمام صندوق خشبي صغير نصف مغطى بالتراب. مد يده ونفض عنه الغبار ببطء، ثم فتحه بحذر. كانت هناك مجموعة من الصور القديمة، وقد اصفرّت أطرافها بفعل الزمن. أمسك إحداها وأشار بها نحو ليلى قائلاً: ــ "انظري، هذه صورة صاحب القصر، السيد توفيق." تقدمت ليلى بخطوات مترددة واقتربت لتنظر جيدًا. كانت صورة لرجل بملامح صارمة يرتدي بدلة قديمة الطراز. أخرج رفعت صورة أخرى وابتسم ابتسامة حزينة وهو يضيف: ــ "وهذه حفيدته، خديجة." ظهرت في الصورة طفلة صغيرة ذات عيون واسعة، تحمل براءة لا تخطئها العين، ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا، وشعرها مربوط بضفيرة وحيدة تتدلى على كتفها. ارتجفت ليلى فجأة دون سبب واضح، وأحست أن العيون الصغيرة في الصورة تحدق فيها مباشرة. مدت يدها لتلمس الصورة لكنها ترددت وسحبت يدها بسرعة، بينما بقي رفعت يحدق مطولًا، وكأن عقله بدأ يربط بين تلك الطفلة والسر الذي يخفيه هذا القصر. راح رفعت يزيح بعض الأتربة عن الرف الخشبي المهترئ، ليجد دُفترًا قديماً، أوراقه مصفرة وحوافه متآكلة، وكأن الزمن التهم نصفه. التقطه بحذر ونظر إلى ليلى قائلاً: ــ "أظن أننا أمام شيء مختلف هذه المرة." اقتربت ليلى بسرعة، وعيناها تتسعان بفضولها الصحفي المعتاد: ــ "افتحه، ربما نجد ما يفسر شيئًا من غموض هذا القصر." بدأ رفعت يقلب الصفحات الأولى، فوجد بعضها ممزقًا من المنتصف، وكأن هناك من تعمد أن يخفي ما كُتب فيها. أما الصفحات الباقية، فقد احتوت على سطور قصيرة غامضة، مكتوبة بخط يدٍ مرتبك: "لم أعد أطيق هذه الجدران، فكل زاوية منها تفضح ما لا يراه الآخرون….. نظراتها لا تخفى عليّ، وتلك الضحكات المبطنة لا تخدعني… ليتني أستطيع أن أصرخ بالحقيقة، لكن أي يد ستصدقني؟" تبادلت ليلى ورفعت نظرات الحيرة، ثم تمتمت ليلى: ــ "من الذي كتب هذا؟ ولمن كان يوجه كلماته؟" قلب رفعت صفحة أخرى، فإذا به يرى سطرًا آخر: "هاشم مسكين، غارق في طيبته، لا يرى أن النار تلتهم بيته. أما أنا؟، فلا أملك إلا أن أراقب بصمت." شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها، فأطبقت يدها على ذراع رفعت: ــ "هذا يزداد غرابة، وكأن الكاتب يتحدث عن خيانة أو سرٍ مدفون." أكمل رفعت تقليب الأوراق ببطء، حتى توقفت يده عند صفحة أُرفقت بها صورة قديمة، بالأبيض والأسود، لفتاة في أواخر عقدها الثاني، ترتدي فستانًا أنيقًا، وقد كُتب أسفلها بخط واضح: "سعاد". شهقت ليلى بدهشة: ــ "ومن تكون هذه؟!" ابتسم رفعت بخفوت، وكأنه يسترجع ما يحمله في ذاكرته من معلومات قديمة: ــ "هذه سعاد، زوجة هاشم الابن الأكبر للسيد توفيق. وأم خديجة الحفيدة." نطقت ليلى بدهشة أكبر: ــ "إذن، الكاتبة ربما تكون هي؟" أغلق رفعت المذكرة لوهلة، ونظر إلى ليلى بعينين تفكران بعمق: ــ "أو ربما كان شخصًا آخر يراقبها، ويسجل ما رآه." ساد الصمت من جديد، ولم يُسمع سوى صفير الريح يتسلل عبر النوافذ المحطمة، وكأن القصر نفسه يتربص بأسراره، رافضًا أن يكشفها بسهولة. جلس رفعت على أحد المقاعد المتهالكة، يثبت المذكرة بين يديه، بينما اقتربت ليلى أكثر كأنها تخشى أن تفوّت حرفًا واحدًا. قلب رفعت الصفحات حتى توقّف عند مقطع جديد، مكتوب بخطّ أكثر ارتجافًا من السابق، كأن الكاتب كان متوتّرًا وقتها: "اليوم لم أعد أحتمل… واجهتهما. كنت أعلم أن الصمت يقتلني أكثر مما تفعله خيانتهما. نظراتهما لا تخطئها عين، وخطواتهما المريبة في أرجاء هذا القصر ما عادت تخدعني. جمعت شجاعتي وناديت حسن أمامها، وقلت له ما كنت أخشى قوله؛ أنه خان دم أخيه." توقف رفعت للحظة وهو يقرأ، فارتجفت ليلى، و تمتمت بخوف: ــ "إذن، هو الجد توفيق من كتب هذه المذكرات؟" أومأ رفعت برأسه: ــ "يبدو كذلك." ثم تابع القراءة بصوت خافت: "أنكرا… كما توقعت. قالت بجرأة باردة إنني أتخيل، وإن العمر أثقل بصري وعقلي. وحسن، بدم بارد، أقسم أمامي أنه لم يمد يده إلا بالخير. كدت أضربه، لكنني تراجعت. ما الدليل؟ كلمة شيخ عجوز أمام قسم شاب ماكر، وامرأة بارعة في التمثيل. لو نطقتُ بهاشم، لن يصدقني. لقد أعمته محبته لها." اشتدت أنفاس ليلى، حتى شعرت أن جدران الغرفة تضيق عليها: ــ "يا إلهي، لقد كان يعرف، لكن لم يكن بيده حيلة." أكمل رفعت القراءة، وصوته يزداد ثقلًا: "عدتُ إلى غرفتي، وكتبت، كتبتُ لأن الكتابة هي السجن الوحيد الذي لا يقدرون على كسره. لو وجدت هذه الأوراق يومًا يا هاشم ، فاعلم أنني رأيت الحقيقة، لكني عجزت عن فضحها." أسند رفعت ظهره إلى المقعد، يزفر ببطء وهو يحدق في المذكرة: ــ "إذن المواجهة حدثت بالفعل، لكن بدون نتيجة. الحقيقة دفنت بين الجدران، ومعها سرّ أكبر مما تخيلنا." نظرت ليلى إلى الصور المبعثرة بجانب الصندوق، ثم إلى المذكرة بين يدي رفعت، وقالت بصوت مضطرب: ــ "هذا يعني أن ما نراه ليس إلا بداية الخيط، وأن ما لم يُكتب، وما تمزّق من هذه الصفحات، قد يحمل ما هو أخطر بكثير." ساد الصمت، بينما تسللت من بعيد طرقعة خشب في سقف القاعة، كأن القصر نفسه استيقظ على أسراره، رافضًا أن تُحكى حتى النهاية قلب رفعت صفحة جديدة، وقد بدا أن الحبر أثقل في الكتابة، وكأن اليد المرتجفة لم تعد تقوى على الكتمان. قرأ بصوت خفيض: "لم أعد أحتمل وجودها في بيتي… سعاد. لا أراها إلا لعنة حلت على هذه العائلة. غرورها يقتلني، وخيانتها تحرقني، ولولا ضعفي أمام هاشم وخوفي على قلبه النقي، لقلت ما عندي أمام الجميع. لكنها ستكون السبب… السبب الذي يفرق بين أبنائي." توقفت أنفاس ليلى للحظة، وشعرت بوخز في صدرها من شدة وقع الكلمات. أما رفعت فواصل القراءة: "لكنني لست وحيدًا. ثمة من يراني بصدق، حفيدتي الصغيرة خديجة. يا لها من روح ناصحة، رغم أن عمرها لم يتجاوز العاشرة. عيناها تقرأ ما يخفى على الكبار، ولسانها يسأل ما لا يجرؤ غيرها على قوله. لقد رأت بعينيها ما حاولتُ إخفاءه عن أخيها. كم مرة سألتني: لماذا تغيب أمي حين يسافر أبي؟ ولماذا تضحك مع عمي حسن أكثر مما تفعل مع أبي؟" شهقت ليلى دون أن تشعر: ــ "حتى الطفلة كانت تشك، أيعقل أن تكون خديجة هي مفتاح اللغز كله؟" أغلق رفعت المذكرة ببطء، وقد ارتسمت على ملامحه غمامة من التفكير العميق، ثم قال: ــ "يبدو أن هذه السطور لن تنتهي بخيانة عابرة، ثمة ما هو أبعد، وربما أشد قسوة." ساد الصمت لبرهة، لا يُسمع فيها سوى صرير الريح وهي تلامس النوافذ المحطمة. ثم رفع رفعت رأسه فجأة ونظر إلى ليلى بعينين حاسمتين: ــ "يكفي هذا الآن. لا بد أن نغادر قبل أن يطلع النهار. إن رآنا أحد هنا فستكون مشكلة كبيرة، خاصة أن دخول هذا القصر محظور بأمر الحكومة، ومقرر أن تدخله هيئة الآثار قريبًا." ترددت ليلى، فقد بدا شغفها أعظم من أن يُكبح، لكنها أيقنت في نبرة صوته أن الأمر خطير. جمعت الصور والمذكرة على عجل، بينما حمل رفعت الصندوق الصغير بين يديه، واتجه نحو الباب. خرجا من الغرفة بخطوات حذرة، وكل ظلّ على الجدران يضاعف ارتجاف قلب ليلى، إلى أن وصلا إلى مدخل القصر. حين دفع رفعت الباب المتهالك ليخرج، ألقت ليلى نظرة أخيرة إلى الداخل، وهمست في نفسها: ــ "هذا المكان… لن يتركنا بسلام." ثم تبعته إلى الخارج، حيث كان الليل يوشك أن ينسحب، والسماء تميل إلى زرقة الفجر الأولى. ******

📜 الفصل الثالث 📜

خرجوا من القصر بخطوات حذرة، يحاولون ألا يُحدثوا جلبة قد تُلفت انتباه أحد. كان الليل قد بدأ ينسحب رويدًا، وخيوط الفجر تلوح في الأفق، فتبادلوا نظرات صامتة تحمل الخوف والارتباك. وما إن ابتعدوا عن بوابة القصر حتى تنفّس رفعت بعمق وقال بصوت خافت: _"علينا أن نعود الآن، لا ينبغي أن نتأخر أكثر، فإن طلع النهار ووقع بصر أحد علينا، لن نجد مخرجًا من هذه الورطة." أومأت ليلى برأسها، بينما قلبها ما زال يخفق بشدة من أثر ما قرأته. تفرّق كلٌّ منهم في طريقه، وكلّ واحد يحمل في صدره ثِقلاً لا يعرف كيف يضعه. صعدت ليلى إلى شقتها، وما إن دخلت حتى سمعت أذان الفجر يتردّد من المآذن في الخارج. أغلقت الباب خلفها سريعًا، وألقت بحقيبتها جانبًا، ثم أسرعت إلى الحمّام لتتوضأ. وقفت على سجادة صلاتها، رفعت يديها، وأدّت الفريضة بقلب مشوش، كأنها تناجي الله أن يكشف لها غموض ما وقعت فيه. بعد أن سلّمت، جلست قليلًا تحدّق في الفراغ، أفكارها تتزاحم: _"لو استطعت أن أُكمل خيوط تلك الرسالة، لو جمعت الأحداث معًا، سيكون حدثًا صحفيًا لم يسبقني إليه أحد، قد يكون البحث الأكبر في مسيرتي." لكن عينيها غلبهما النعاس، فتمدّدت على فراشها واحتضنت المذكرة بين يديها، كأنها تخشى أن تُسلب منها في غفلتها. ومع طلوع النهار، بدأ الشارع من حولها يدبّ بالحياة. أصوات باعة ينادون على بضاعتهم، عربات الكارو تجرّها الخيول على الطريق الحجري، أطفال يركضون بأحذية ممزقة، وصوت امرأة تنادي من شرفتها على ابنها. كان الصخب يتعالى شيئًا فشيئًا، لكن داخل الغرفة كان الصمت سيدًا، لا يُسمع فيه سوى حفيف أوراق المذكرة وهي تتحرك بين أصابع ليلى التي استيقظت لتجدها ما زالت في يدها. جلست في السرير، فتحت الصفحة الأولى من جديد وبدأت تقرأ بصوت منخفض، كأنها تخشى أن يشاركها أحد أسرارها: _"توفيق...، يصف حزنه ومرارته، يلعن تلك المرأة سعاد التي أرادت تمزيق العائلة، ثم يكتب عن خديجة، حفيدته الصغيرة، ويقول إنها رغم صغرها كانت أذكى من أن تُخدع بتصرفات أمها." توقّفت لحظة، همست لنفسها: _"وكأنها كانت تشك؟، حتى وهي في العاشرة فقط! ، ما الذي كانت تراه في أمها؟" تنهدت وأغلقت المذكرة برفق، ثم نظرت من نافذتها إلى الشارع حيث الحياة تجري في الخارج على سجيتها، في حين كان عقلها محاصرًا بقصر قديم وذكرى عائلة تفرّقت. أغلقت ليلى المذكرة بقوة، وشعرت أن صدرها يضيق. لم يعد بوسعها أن تواجه هذا وحدها. التقطت هاتفها بسرعة، ضغطت على اسم رفعت، وانتظرت حتى جاءها صوته المرهق: _"ألو... ليلى؟" _"نعم، هذه أنا، استمع إليّ سيد رفعت، لا يمكننا أن نؤجل الأمر أكثر، عليّ أن أراك." _"الآن؟" _"بل اليوم، قبل أن يتسرب هذا السر من بين أيدينا. الأمر يزداد تشابكًا." صمت لثوانٍ، كأنه يُفكر في عواقب اللقاء، ثم قال بصوت عازم: _"حسنًا، لنجتمع. ولكن ليس في أي مكان عام، يجب أن يكون بعيدًا عن العيون." _"إذن، ما رأيك في المقهى الصغير عند منطقة السواقي القديمة؟، يرتاده الكثيرون، ونستطيع أن نتحدث بهدوء." _"اتفقنا، سأكون هناك خلال ساعة." أنهت المكالمة، ووضعت الهاتف جانبًا، بينما قلبها يخفق كأنها مقبلة على امتحان مصيري. غسلت وجهها، وارتدت ملابسها على عجل، ثم وضعت المذكرة في حقيبتها كأنها تحمل كنزًا. خرجت من البناية إلى الشارع المزدحم، رائحة الخبز الساخن تتسلل من المخبز القريب، وعربات الكارو تواصل سيرها ببطء. بينما كان هناك حشد هائل من الناس أمام أحد الفروع الخاصة بشريحة الهاتف، وكأنّهم يوزعون الهدايا لا استقبال العملاء. أحسّت للحظة أن كل ما حولها يمضي بشكل طبيعي، بينما عالمها الداخلي ينهار تحت ثقل الأسرار. في الوقت ذاته، كان رفعت يجلس في شرفته، لا يزال ذهنه مشغولًا بكلمات الرسالة وصورة خديجة الحفيدة. يتمتم لنفسه: _"كيف تُزرع الشكوك في قلب طفلة؟ ماذا رأت بعينيها لتتجرأ على أمها؟" شدّ معطفه على كتفيه، ثم نهض مغادرًا، وعيناه تحملان عزيمة رجل لم يعد يخشى الغوص في الماضي مهما كان مظلمًا. في مساء ذلك اليوم، جلست ليلي في أحد المقاهي الموجودة داخل منطقة المسلة، المكان الذي ينبض بالحياة والهدوء في آن واحد. كان المقهى يكتظ بروادٍ عاديين؛ أسر صغيرة، وبعض الشباب يتسامرون، وأصوات فناجين القهوة تختلط بوقع خطوات المارة في الخارج. غير أن قلبها كان يضجّ بتوتر مختلف، فكل تفكيرها منصبّ على المذكرة التي وضعتها بعناية داخل حقيبتها. لم تمضِ دقائق حتى أبصرت "رفعت قاسم" وهو يقترب بخطوات ثابتة، عينيه تحملان ذاك المزيج الدائم من الصرامة والترقّب. جلس قبالتها بصمت، طلب فنجان قهوة سادة، ثم ألقى نظرة خاطفة نحو حقيبتها قبل أن يرفع عينيه ليسأل بنبرة منخفضة: ــ "أحضرتِها معكِ، أليس كذلك؟" أخرجت ليلي المذكرة ببطء، وضعتها بينهما على الطاولة، ثم همست: ــ "نعم، لكن لا أعلم إلى أي مدى يمكن أن تقودنا هذه الأوراق." مدّ رفعت يده إلى المذكرة، قلّب صفحاتها بحذر، عيناه تتفحصان السطور المائلة بخط الجد توفيق. صمت طويل ساد بينهما، لم يُقطعه إلا صوته العميق وهو يقرأ: ــ "سعاد امرأة تحمل في قلبها نارًا لن تخمد، غرورها يلتهم كل من يقترب منها، وخوفي الأكبر أن يضيع أبنائي بسببها، غير أنّ خديجة الصغيرة، على صغر سنها، ترى ما لا يراه الكبار، نظراتها تُدرك ما يخفى عن الجميع. " توقفت أنفاس ليلي لوهلة، ثم قالت وهي تضع كفها على الطاولة: ــ "هل تصدق؟! حتى هو كان يلمّح إلى أن الطفلة خديجة قد رأت شيئًا أو على الأقل شعرت بخيانة أمها." رفع رفعت عينيه عن الصفحات، حدّق فيها للحظة وقال: ــ "الأمر لم يعد مجرّد شائعاتٍ إذن، لكنه أيضًا ليس دليلًا كافيًا. ما بين السطور فراغ أكبر مما بين الكلمات. نحن بحاجة إلى بقية هذه المذكرات، وإلا فكل شيء سيظلّ لغزًا مبهمًا." أطرقت ليلي تفكر، ثم تمتمت: ــ "إذن الخطوة القادمة، أن نبحث عن الأوراق الممزقة، لا بد أنّها ما زالت موجودة في مكان ما داخل القصر." ارتشف رفعت رشفة صغيرة من قهوته، ثم قال بنبرة مترددة ولكنها حاسمة: ــ "سنعود إلى قصر خازور، ولكن هذه المرة علينا أن نكون أكثر حذرًا. الليل يخفي الكثير، لكنه قد يكشفنا أيضًا." أخذ رفعت يقلب صفحات المذكرة ببطء، حتى توقف عند مقطع أثار انتباهه، فاعتدل في جلسته واقترب من الضوء المنبعث من المصباح المعلّق فوق الطاولة، وقرأ بصوتٍ منخفض: ــ "خازور لم يعد كما كان، الجدران ابتلعت نارًا لا تطفأ، والسقف شهِد صرخات لم يسمعها أحد. لقد احترق بيتنا، ولا أعلم أي يدٍ خفية أشعلت لهيبه. " تجمّدت ملامح رفعت للحظة، رفع عينيه نحو ليلي ثم أعاد النظر إلى الورقة، كأنما يشكّ في عينيه. قالت ليلي بسرعة، وعيناها تتسعان بدهشة: ــ "هل تقرأ ما أقرأه أنا؟! هو يتحدث عن احتراق القصر!" أغلق رفعت المذكرة ببطء ووضع كفه عليها، ثم تمتم بجدية: ــ "لكن هذا مستحيل، الجميع يعرف أنّ الحريق وقع منذ خمس سنوات فقط، أي بعد وفاة الأسرة بأكملها. كيف يكتب توفيق عن احتراق القصر بينما كانوا لا يزالون على قيد الحياة؟" أطرقت ليلي وهي تضع أصابعها على جبينها، وصوتها متردد بخليط من الخوف والفضول: ــ "هل يعقل أن يكون هناك حريقان؟ واحد قديم لم يسمع به أحد، ثم ذلك الذي أتى على القصر بعد موتهم؟" هزّ رفعت رأسه ببطء، يراقب الناس من حوله ليتأكد أن أحدًا لا يستمع، ثم عاد يهمس: ــ "إن صحّ ذلك، فالأمر أعقد بكثير مما توقعنا. هذا يعني أن النار كانت تلاحقهم منذ زمن بعيد، وأن الحريق الأخير ليس البداية، بل النهاية فقط." شحب وجه ليلي أكثر، وشدت على حقيبتها بقوة وهي ترد: ــ "لكن لماذا لم يُذكر شيء عن ذلك الحريق الأول؟ لماذا أخفاه الجميع؟" أعاد رفعت فتح المذكرة وأخذ يقلّب الورق من جديد، ثم قال بعينين متحفزتين: ــ "توفيق لم يكتب مَن أشعل النار، وهذا الصمت أخطر من أي اعتراف. إن عرفنا من هو، سنعرف سرّ العائلة بأكملها، وربما سبب اللعنة التي تحيط بالقصر." ارتجفت ليلي للحظة، ثم تنفست بعمق وقالت: ــ "إذن… علينا أن نعود الليلة نفسها. لا بد أن نجد بقية الأوراق الممزقة. هي وحدها التي ستفسر لنا هذا التناقض." رفع رفعت بصره إليها، للحظة بدا كمن يفكر في التراجع، لكن سرعان ما قال بنبرة حازمة: ــ "الليلة إذن، سنرى خازور مرة أخرى." ******

📜 الفصل الرابع 📜

وبالفعل، في الليلة التالية تمامًا لدخولهما الأول القصر، وتحديدًا عند الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وقف رفعت وليلى مجددًا أمام البوابة الحديدية العتيقة لقصر خازور. غير أن ما أثار دهشتهما هذه المرة هو القفل الحديدي الضخم الذي أُحكم إغلاقه على البوابة، رغم أنه لم يكن موجودًا ليلة أمس. تبادلا النظرات في حيرةٍ وقلق، قبل أن تقول ليلى بنبرةٍ منخفضة: _"هل يُعقل أن يكون أحدهم علم بدخولنا البارحة؟" أجابها رفعت وهو يتأمل القفل بإمعان: _ "لا أظن، المكان مهجور منذ سنوات، وحتى الجيران لا يقتربون منه، ثم إن القفل يبدو جديدًا نسبيًا، انظري إليه، لم يتآكل بعد!" اقتربت ليلى أكثر، وضوء المصباح الصغير في يدها يرتعش، وانعكس على سطح الحديد البارد، فبان عليه أثر بصماتٍ حديثة كأن أحدهم لمسه منذ وقتٍ قريب. همست: _ "ربما جاء أحدهم بالأمس بعدنا مباشرة، أو ربما..." قاطَعها رفعت بنبرةٍ حذرة: _"أو ربما لم نكن وحدنا داخل القصر تلك الليلة." سرت قشعريرة خفيفة في أطراف ليلى وهي تتراجع خطوة للخلف، تتأمل البوابة التي بدت وكأنها تُخفي خلفها أسرارًا لا تنام. ثم تابع رفعت بعد لحظة صمت: _ "لن نستطيع الدخول من هنا، علينا أن نبحث عن مدخلٍ آخر، النافذة الخلفية التي رأيناها بالأمس ربما تكون ما زالت مفتوحة." أومأت ليلى بالموافقة دون أن تنطق، وكأن رهبة المكان بدأت تتسلل إلى أعماقها شيئًا فشيئًا، ليتوجها سويًا إلى الجهة الخلفية، حيث الظلال تبتلع أطراف القصر شيئًا فشيئًا، والليل يزداد ثِقلاً فوق صدريهما. توجَّه الاثنان إلى الجهة الخلفية من القصر، تتسلَّل خطواتهما بين الأعشاب اليابسة وصوت الريح الذي كان يُصدر صفيرًا غريبًا وكأنه أنينٌ قادم من الماضي. وحين وصلا إلى النافذة الأرضية التي رأوها في الليلة السابقة، وجدا أن عليها قُفلاً آخر، لكن هذه المرة بدا عليه القدم والتآكل، كأنه وُضِع منذ زمنٍ بعيدٍ ثم تُرِك للنسيان. تبادل رفعت وليلى نظراتٍ طويلة، تتناوب فيها الحيرة والشك. قالت ليلى بصوتٍ خافت: _ "كأن أحدهم يُريد أن يمنعنا من الدخول، أو أن يُوهمنا بذلك." ظل رفعت صامتًا برهة، يُحدِّق في القفل بعينٍ فاحصة، ثم قال بعد تفكيرٍ عميق: _ "لا أظن أن الوقت مناسب الآن، لا نعرف من فعل هذا ولا متى، وربما يكون هناك من يراقب المكان." نظرت إليه ليلى باستغرابٍ وهي تقول: _ "لكننا لم نرَ أحدًا حين جئنا، ولا سمعنا حركة حول القصر!" ابتسم رفعت ابتسامةً باهتة وقال بثبات: _ "الذين يخفون أسرار هذا المكان يا ليلى، لا يظهرون بسهولة. أرى أن نعود الآن، وغدًا نراقب القصر من بعيد، نرى من يأتيه ومن يقترب منه. حينها فقط سنعرف من الذي أعاد إغلاقه." سكتت لحظة، ثم أومأت موافقة وقد بدا على وجهها بعض الارتياح رغم الخوف الذي لازم نظراتها، وقالت: _ "حسنًا، ولكن إن كان هناك أحد بالفعل يأتي إلى هنا، فذلك يعني أن القصر لم يكن خاليًا كما نظن." رد رفعت بنبرةٍ غامضة: _ "بل كان خاليًا، إلى أن بدأنا نحن نُنبِش في ماضيه. " ثم تحركا بخطواتٍ بطيئة مبتعدين عن القصر، بينما كان الليل يُخفي خلف جدران خازور أسرارًا أخرى تستيقظ مع كل محاولة لنبشها. بعد أن اتخذ الاثنان قرارهما بالرجوع إلى منازلهما ريثما يجدان حلًا مناسبًا، توجَّها بخطواتٍ حذرة نحو الخارج، يتقدَّمهما صدى أنفاسٍ متوترة ووقع أقدامٍ يختلط بصوت الريح. وحين وصلا إلى سور البوابة الخارجية للقصر، لمح رفعت من زاوية عينه ظلًّا لرجلٍ يتحرك بخفةٍ وسرعةٍ خاطفة خلف أحد الأشجار اليابسة القريبة من السور. توقف فجأة، فارتبكت ليلى وسألته بصوتٍ مرتجف: _ "ما بك؟" لم يُجب، بل أشار بيده نحو الاتجاه الذي تحرك فيه الظل، وهمس: _ "هل رأيتِ ذلك؟" تجمدت ملامحها وهي تُحاول النظر في نفس الاتجاه، لكن الظلام الكثيف لم يمنحها سوى ظلالٍ متداخلة، تُمزّقها نسمات الليل. _"رأيت ماذا؟!" تحرك رفعت بخطواتٍ سريعة، وتبعته ليلى رغم خوفها، حتى وصلا إلى الجهة التي رأى فيها الظل، إلا أن المكان كان خاليًا تمامًا. لا أثر لأي أحد، سوى بعض أوراق الشجر الجافة التي تناثرت تحت أقدامهما، وصوت بابٍ بعيدٍ يُغلق فجأة وكأنه صدى من داخل القصر. قالت ليلى وهي تُحاول تمالك نفسها: _ "هل تتصور أن هناك أحدًا يعيش هنا فعلًا؟!" أجاب رفعت بنبرةٍ ثقيلةٍ متوترة: _ "لا أعلم، لكني متأكد أن ما رأيته لم يكن خيالًا." نظرت نحوه بقلقٍ بالغ، ثم قالت: _ "ربما علينا أن نكون أكثر حذرًا من الآن فصاعدًا، يبدو أن هذا المكان لا يريدنا أن نقترب منه أكثر." رمقها رفعت بنظرةٍ غامضة، ثم قال وهو يشيح ببصره عن القصر: _ "بل أظن العكس يا ليلى، هو من يُريدنا أن نعود." وغادرا المكان بخطواتٍ مسرعة، بينما ظلّ القصر خلفهما كجسدٍ يختزن أنفاس الماضي، يُراقبهما بصمته الأبدي. *****

📜 الفصل الخامس 📜

في صباح اليوم التالي، وفي منزل الأستاذ رفعت قاسم الكائن في منطقة المسلة، إحدى مناطق محافظة الفيوم، كان يجلس شاردًا يفكر بعمق في قضيته الراهنة، والتي على الرغم من قِصر مدتها، إلا أنها شغلت حيزًا كبيرًا من تفكيره. أخذ عقله يسترجع الأحداث الماضية التي أثارت دهشته، فبرغم مرور ثلاثين عامًا على قضية قصر الفيوم، وعلى شغفه الكبير وقتها بالعمل عليها، إلا أن ذلك الشغف لم يخمد ولو للحظة واحدة في رغبته بالبحث خلفها ومعرفة السر الخفي وراءها. هل حقًا أسرة ذلك القصر جميعها قد ماتت كما شاع عنهم؟ أم أن هناك بقايا منهم ما زالت على قيد الحياة؟ هل السيد توفيق، صاحب القصر، هو من قتل من فيه ثم أقبل على الانتحار؟ أم أن للحقيقة وجهًا آخر لم يُكشف بعد؟ قطع تفكيره صوت ابنه الأكبر عِمْران، صاحب التسعة والعشرين عامًا، وهو محامٍ رزين وحكيم في كل القضايا التي يتولاها، إذ قال بنبرةٍ قلقة: _ "أبي، ما بالك شاردًا اليوم أكثر من المعتاد؟" انتبه له رفعت، وتخلّى عن شروده قائلًا بابتسامةٍ باهتة: _"لا عليك يا بُني، فقط منشغل ببعض أحداث المدينة، وارتفاع الأسعار الذي يزداد يومًا بعد يوم." ابتسم عمران بخفةٍ وقال مازحًا: _ "منذ متى تهتم يا أبي بأخبار الغلاء؟! أنت رجلٌ لا يزعجه سوى الغموض!" ضحك رفعت بخفوتٍ وهو يشيح ببصره عن ابنه: _ "وهل الغلاء أقل غموضًا من القضايا التي أتعامل معها؟ لا تعلم من المسؤول ولا إلى أين يتجه الأمر!" اقترب عمران منه وجلس أمامه قائلًا بنبرةٍ تحمل مزيجًا من القلق والفضول: _"أبي، أرجوك لا تقل إنك عدت لتفكر في تلك القضية القديمة مجددًا، قصر خازور!" ساد الصمت لوهلة، نظر رفعت إلى وجه ابنه نظرةً متأملة، ثم قال بهدوء: _ "أيعقل أن تمر ثلاثون عامًا على لغزٍ دون أن يُفك؟! لا أستطيع تجاهله يا عمران، لا سيما بعد ظهور دلائل جديدة." قطّب عمران حاجبيه متسائلًا: _ "دلائل جديدة؟ أية دلائل؟" أجابه رفعت وهو ينهض متجهًا نحو مكتبه ليُخرج المذكرة التي وجدها مع ليلى: _"هذه، وجدناها أنا وصحفية شابة تُدعى ليلى أثناء تفقدنا للقصر، يبدو أنها مذكرات صاحب القصر نفسه، السيد توفيق." تأمل عمران الغلاف القديم المتهالك، ثم قال بنبرةٍ حذرة: _"أبي، هذا المكان خطر، ومغلق بأمر من الجهات المختصة، ما الذي دفعك للعودة إليه بعد كل هذا الوقت؟" أجابه رفعت وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: _"ربما لأن الفضول لم يمت داخلي بعد، وربما لأن ما كُتب هنا سيُعيد فتح جرحٍ لم يُغلق قط." قال عمران محاولًا تهدئته: ـ "أتعني أنك ستعود إلى هناك مجددًا؟!" رد رفعت بثقةٍ خافتة: ـ "ليس وحدي هذه المرة، بل مع من تملك نفس الإصرار على كشف الحقيقة." قطع حديث رفعت مع ابنه رنين هاتفه الموضوع على الطاولة الخشبية أمامه، فأمسكه سريعًا ونظر إلى الشاشة، لتظهر أمامه اسم ليلى عبد الحميد، فابتسم ابتسامةً خفيفة وقال قبل أن يجيب: _ "تلك هي الآنسة ليلى، أظنها لم تستطع الانتظار." ردّ قائلًا بصوتٍ هادئ: _ "مرحبًا ليلى، خيرًا إن شاء الله؟" جاء صوتها متسارعًا يحمل شيئًا من التوتر: _ "أستاذ رفعت، كنت أراجع بعض الوثائق القديمة في أرشيف المحافظة، ووجدت شيئًا غريبًا يخص قضية قصر الفيوم." اعتدل رفعت في جلسته وقد ارتسمت على وجهه ملامح الاهتمام: _ "وما هو؟" قالت ليلى: _ "بحسب السجلات الرسمية، الحريق الذي دمّر القصر حدث بعد وفاة العائلة بخمسٍ وعشرين سنة بالضبط، لكن، لم يُذكر في أي تقرير سبب الحريق أو حتى مصدره، وكأن النار اشتعلت من تلقاء نفسها!" تأمل رفعت كلماتها لثوانٍ ثم قال بنبرة متزنة: _ "غريب حقًا، القصر كان مغلقًا طوال تلك المدة، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منه. لا بد أن هناك شيئًا لم يُذكر عمدًا." صمتت ليلى لحظة ثم أضافت: _ "هل تعتقد أن ما رأيناه بالأمس له علاقة بهذا؟ أعني الظل الذي ظهر عند السور؟" زفر رفعت ببطء وقال: _ "كل ما رأيناه وكل ما سنراه له علاقة بهذه القصة يا ليلى. أنا متأكد أن القصر لم يُغلق كما يظن الناس، بل ما زال يحتفظ بأسراره حتى اليوم." ردت ليلى وقد اختلط في صوتها الحماس بالحذر: _ "هل نفترض إذًا أننا سنعود إلى هناك؟" ابتسم رفعت ابتسامة خفيفة وقال بثقة: _ "ليس افتراضًا، بل قرارًا. هذه المرة سنعود ومعنا ما نحتاجه من دلائل ووثائق. لن نترك القصر حتى نعرف الحقيقة كاملة." أغلق رفعت المكالمة مع ليلى ووضع الهاتف بهدوء، ثم التفت إلى عِمْران بنظرة جادة أقرب إلى التقرير منها إلى الطلب، وقال بنبرةٍ حازمة: _ "عِمْران، استعد، أريدك أن تكون طرفًا جديدًا في هذه القضية. أودّ أن أستفيد من ذكائك وتحليلك الدقيق." اتسعت عينا عِمْران دهشة، ثم قال مستنكرًا: _ "كيف ذلك يا أبي؟! أنا لا أمتلك حتى وقتًا قصيرًا لأشغل نفسي بهذه الهراءات. عذرًا، ولكنني لا أملك الشغف ذاته الذي تملكه، ولا أؤمن أصلًا بأن وراء هذا القصر سرًّا يستحق البحث!" ابتسم رفعت ابتسامة خفيفة لا تخلو من الغموض، ثم قال بهدوءٍ وثقة: _ "كنتُ في مثل عمرك يا عِمْران، لا أصدق إلا ما أراه بعينيّ، حتى أدركتُ أن بعض الحقائق لا تُرى بل تُكتشف." تنهّد عِمْران وهو يقول بمللٍ واضح: _ "أبي، أنا رجل قانون، أتعامل مع وقائع وأدلة ملموسة، لا مع أساطيرٍ تُروى في المقاهي القديمة!" ردّ رفعت وهو ينهض من مقعده متجهًا نحو النافذة: _ "وما تظنه أسطورة اليوم، قد يكون غدًا دليلًا على حقيقةٍ دفنها الخوف، ستأتي معي يا عِمْران، ولو لمرةٍ واحدة فقط، وبعدها احكم بنفسك." ظلّ عمران صامتًا للحظة، ينظر إلى والده نظرة مزيجٍ من الحيرة والإصرار، قبل أن يقول في نهاية المطاف: _ "حسنًا، ولكن لتكن المرة الأخيرة التي أشاركك فيها شيئًا كهذا." أدار رفعت وجهه نحوه مبتسمًا وقال بهدوءٍ غامض: _ "أعدك يا بني أنها لن تكون الأخيرة." *****

📜 الفصل السادس 📜

في الليلة الثالثة، وقبل منتصف الليل بقليل، كانت ليلى تنتظر في ساحة القصر، تتأمل المكان بعينٍ يختلط فيها الفضول بالخوف. كان الليل ساكنًا إلا من حفيف الأشجار وصوت الرياح وهي تمرّ عبر فتحات السور القديم. رفعت رأسها حين لمحت ضوءًا يقترب من بعيد، ولم تلبث أن تميّزت ملامح الأستاذ رفعت وهو يقترب بخطواتٍ ثابتة، وإلى جواره شاب بدا عليها لأول مرة. تبادلت مع رفعت نظرة سريعة تحمل سؤالًا صامتًا مضمونه من يكون هذا الشاب، فأشار بعينيه نحو الشاب وكأنه فهمها دون كلام. ابتسم بخفة وقال وهو يقرّب المسافة بينهما: _"أقدّم لكِ عِمران، ابني الأكبر، قررت أن ينضم إلينا، فقد نحتاج إلى عقلٍ جديد في هذه القضية." نظرت ليلى إلى عمران بنظرة متفحّصة، فبادلها نظرة مترددة تنمّ عن ضجرٍ واضح. ثم قال ببرود: _"أبي لم يترك لي خيارًا، كنت أفضل قضاء هذه الليلة في مكتبي بدلًا من مطاردة خرافة قديمة." أطلقت ليلى ضحكة خفيفة وهي ترفع حاجبيها قائلة: _"خرافة؟ صدّقني، بعد ما رأيته في الليلتين الماضيتين، ستغيّر رأيك." رمقها عمران بنصف ابتسامة، ثم التفت إلى أبيه قائلًا: _"هلّا أخبرتني ما الذي سنفعله بالضبط الآن؟" رد رفعت وهو يفتح كشافه الصغير موجّهًا ضوءه نحو البوابة: _"سنراقب المكان أولًا، لا نريد تكرار ما حدث في المرة السابقة، شيءٌ ما يحدث هنا يا عمران، شيءٌ لا تفسير له." ساد صمتٌ لثوانٍ، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهم وصوت احتكاك أوراق الشجر المجاور لهم. ثم قالت ليلى وهي تشير نحو النافذة الخلفية: _"القفل الذي كان هنا بالأمس، اختفى." تبادل الثلاثة نظرات الدهشة، وتقدّم عمران بخطوةٍ بطيئة نحو النافذة ليتحقق منها بنفسه، ثم تمتم بنبرةٍ هادئة: _"حسبما فهمتُ من أبي ونحن في الطريق، أنكما ليلةَ أمسَ وجدتما الأبوابَ والنوافذَ مغلقةً بأقفالٍ قوية، لذا لم تستطيعا الدخول. إذًا، من الذي قام بإزالة القفل مرةً أخرى؟" تبادلَ رفعتُ وليلى النظراتِ ولم ينطق أيٌّ منهما، فتابعَ عمرانُ حديثه قائلًا بنبرةٍ أقرب إلى التقرير منها إلى السؤال: _"أظنّ أن هناك من علمَ بدخولكما القصر، فبات يتلاعب بكما أو يحاول إخافتكما. من المؤكد أنّ شخصًا ما يريد أن يمنعكما من الدخول بكلّ السبل، أليس كذلك؟" أجابه والده وهو يتحرك نحو البوابة الداخلية للقصر: _"هذا ما سيُجيب عليه الباب الداخلي للقصر فورَ رؤيتِنا له." تحرّك الثلاثة نحو البوابة الداخلية للقصر، وكان رفعتُ أولَ من صعد السلالمَ الخشبيةَ المتهالكةَ بفعل الزمن والغبار. تفحص البوابة بحرصٍ والتي اتضح خلوها من أيِّ أقفالٍ جديدة أو قديمة! كانت ليلى هي أول من تحدث هذه المرة، فقالت بدهشةٍ واضحة: _"كيف هذا!، أستاذ رفعت، ألم تكن البوابة مغلقة ليلة أمس؟، أشعر أن رأسي سينفجر من كثرة الأسئلة العالقة به." تنهد رفعت بيأس، لمَ يزداد الأمر سوءًا؟ من له مصلحة في حيرتهما؟ تحدث عمران وهو يدفع البوابة ويهمّ بالدخول: _"دعونا نترك تلك التساؤلات لوقتٍ لاحق، هيّا بنا الآن ندخل القصر حتى تفعلا ما جئتما لأجله، ثم أعود إلى المنزل لأن لدي ما هو أهم." تقدّم الثلاثة داخل القصر، وكانت نظرات الدهشة والتعجّب واضحة على وجه عمران تحديدًا، فهو رغم معرفته ببعض المعلومات عن هذا القصر والخرافات التي أُشيعت حوله، إلا أنه لم يُعر الأمر اهتمامًا من قبل، ولم يفكّر في دخوله ولو لمرةٍ واحدة. كان والده يراقبه بحذرٍ، محتفظًا بنظرات الرهبة والإعجاب التي ارتسمت على وجهه دون أن ينتبه له الآخر، إذ كان لرفعت رؤيةٌ خاصة في إشراك عمران معهم، فبرغم عدم اقتناع ابنه بالبحث في ماضي هذا القصر، إلا أنه الأكثر قدرة على مساعدتهما في فكّ الشفرات التي اعترضت طريقهما. أشارت ليلى إلى رفعت نحو الأعلى لتدعوه للصعود، غير أنه لم ينتبه لها، إذ كان تركيزه منصبًّا بالكامل على أحد الأبواب الخشبية المتهالكة، تحديدًا باب الغرفة التي تناثرت شظايا الكوب الزجاجي أمامها، وهي ذاتها الغرفة التي وجدا فيها مذكّرات الجد توفيق. اقترب منه عمران حين لاحظ شروده الطويل، ووضع يده اليمنى على كتفه متسائلًا بقلقٍ: _"أبي، ما الأمر؟ ما لي أراك شاردًا في هذه الغرفة هكذا، حتى إنك لم تنتبه لمناداة الآنسة ليلى لك؟" فاق رفعت من شروده القصير وانتبه لهما أخيراً، فقال بهدوئه المعتاد: _" لا شيء، لا عليكما فقط خُيل لي ظلاً لتلك الغرفة." تابع وهو يدنو إلى ليلى: _"هيّا بنا نستكشف الطابق الثاني جيّدًا، ففي المرّة الماضية لم تتح لنا الفرصة للدخول إلى جميع الغرف وفحصها بحرص." بدأ الثلاثة يصعدون السلالم الخشبية بحذرٍ وهدوءٍ يخالف رهبتهم في الزيارة الأولى لهذا القصر. وأثناء صعودهم لمحوا لوحةً كبيرةً على الجدار الموازي للسلالم، كانت تحمل صورةً تضمّ جميع أفراد عائلة خازور. كان السيّد توفيق يجلس على كرسيٍّ خشبيٍّ بنيّ اللون، تظهر عليه الفخامة والزهو، وعلى أحد جانبيه كان يقف ابنه الأكبر هاشم، تجانبه زوجته سعاد، وأمامهما تقف الصغيرة خديجة، بينما على الجانب الآخر يقف ابنه الأصغر حسن وقد وضع يده اليمنى في معطفه الأسود الثمين. كانت نظرات الغرور والثقة تتقد من عيني حسن، كما كان يُعرَف عنه آنذاك. تأمّلت ليلى الصورة لدقائق معدودة، ثم رفعت يدها اليمنى وأشارت إلى الجانب الذي يقف فيه حسن، وبعدها حوّلت اتجاه يدها نحو الجانب الآخر حيث تقف سعاد، وقالت بنبرةٍ طفوليةٍ تخالف الجوّ العام الذي هم فيه: _"أهذا الأزعر هو من خان أخاه مع تلك الشمطاء؟! لا ذوق لديه ولا حتّى أدنى فنٍّ في الاختيار." ضحك رفعت وعمران رغماً عنهما؛ فكانت ليلى تُظهر عدائيّتها الشديدة تجاه حسن وسعاد وهي تتحدث، وقد بدا ذلك جليًّا في ملامح وجهها المشدودة غضبًا وغيظًا. أشار لها عمران أن تتوقف وهو يحاول أن يخفض من صوت ضحكاته المسموعة، ثم تمتم بجدّيةٍ مصطنعة: _"آنسة ليلى، هلاّ توقفتِ عن الحديث بتلك التّفاهات التي لا جدوى منها الآن؟ والآن، هيّا بنا لنُكمل سيرنا، لا أعلم لماذا نتوقف كل بضع دقائق لنتحدث عن أمرٍ تافهٍ وخرافةٍ لا معنى لها!" رمقته ليلى بغيظٍ أشدّ لكلماته السامّة وعديمة الفائدة كما وصفتها، بينما خلفهما كان يقف رفعت يراقبهما بتسليةٍ واضحةٍ عليه. انتبه له عمران على الفور، فعدّل من وقفته ثم تمتم بضجر: _"لا أعلم حقًّا كيف استمعتُ إليك وأتيتُ معك إلى هنا! حتّى الآن لم أجد ما قد يثير حماسي للبقاء في هذا المكان ولو لخمس دقائق، فقط التّفاهات هي العامل الرئيس منذ أن وطئت قدماي هذا القصر الغريب." تابع قوله وهو يصعد إلى الأعلى، بينما رمق رفعتُ ليلى بأسفٍ لحديث ابنه الوقح من وجهة نظره، ثم أكمل هو الآخر صعوده للأعلى. تنهدت ليلى بغيظٍ وهمست تقلّد عمران بسخريةٍ خافتة: _"فقط التفاهات هي العامل الرئيس منذ أن خطَت قدماي هذا القصر الغريب! هاهاها، حقًا لا يوجد في هذا القصر ما هو أتفه منك، أيها الأخرق!" كادت تُكمل صعودها نحوهما بعد أن أفرغت ما في صدرها، حتى وإن لم يسمعها مَن تسبّب لها بتلك الحالة، إلا أن القدر كان له رأيٌ آخر؛ إذ عَلِقت تنورتها بأحد المسامير البارزة في الجدار بسبب قُربها الشديد منه، وعدم تثبيت المسمار بإحكام. حاولت انتزاعها بهدوء كي لا تتمزق، غير أن اللوحة الضخمة تحرّكت بيدها وكادت تقع عليها، فصرخت بخوف وهي تحاول تثبيتها في مكانها. في الأعلى، وبينما كان رفعت وعِمران يتحدثان بشأن القصر، سمعا صرخة ليلى. كان عمران أول من تحرك بسرعة نظرًا لكِبر سنّ رفعت وبطء حركته، فهبَّ نحوها حتى وصل، فرآها تُحاول جاهدة إسناد اللوحة التي أوشكت على السقوط. أسرع لمساعدتها في تثبيتها، لكن بقوّته الزائدة انخلعت اللوحة عن الجدار تمامًا. فما كان منه إلا أن أمسكها بإحكام، ثم أسندها على أرضية السلّم وأمال جانبها العلوي على الجدار. ما إن انتهى حتى حوّل بصره نحو ليلى وقال بغضب: _"ما الذي جعلكِ تقتربين من الصورة إلى هذا الحد؟! أهو رأسكِ هذا الممتلئ بالتفاهات والتعليق على كل ما لا فائدة منه؟!ماذا كان سيحدث لو لم أتحرّك إليكِ بسرعة؟! بل ماذا لو لم أكن هنا، وكنتِ وحدكِ مع أبي؟!هل كنتِ تُثيرين له المتاعب بهذه الصورة أيضًا ليلة أمس؟!" أغلقت ليلى عينيها بحزنٍ ولم تلتفت إليه، بل بقيت في مكانها تحدّق نحو حذائها تتأمّله بهدوءٍ مصطنعٍ حاولت بشتى الطرق أن تحافظ عليه. اقترب منهما رفعت، الذي لم يُعر كثيرَ اهتمامٍ للمشاجرة التي افتعلها ابنه دون سببٍ وجيه، بل ركّز انتباهه على بقعةٍ محدّدة. ظنّ عمران أن أباه يقترب منه ليؤنّبه على كلماته لليلى، فكاد أن يدافع عن نفسه بسرعة، غير أنّ نظرات والده إلى الجدار كان لها حُكمٌ آخر. حوّل بصره هو الآخر إلى الموضع الذي ينظر إليه والده، فأبصره يتأمل بابًا متوسّط الحجم على الجدار، كان مخفيًا خلف الصورة الضخمة للعائلة، والتي ما إن أُزيحت تمامًا حتّى انكشف الباب الخفيّ من ورائها. اقتربت ليلى هي الأخرى تحدّق بالباب في دهشةٍ، ثم قالت بحماسٍ مفاجئ، وكأنها لم تكن حزينة منذ بضع ثوانٍ فقط: _" يبدو أنه بابٌ سريّ! أحببت هذا! أظن أن وقت المغامرة قد حان أخيرًا!" قلّب عمران عينيه بضجرٍ واضح، وفي داخله يسأل الله أن يمدّه بالصبر والهدوء. اقترب الثلاثة من الباب، وقد اتّضح خلوّه من أيّ أقفالٍ. وضع رفعت يده على الباب ثم حرّكه برفق، فانفتح أمامهم، فتقدّم الثلاثة أكثر حتى أبصروا درجًا خشبيًّا باهت اللون تملؤه الأتربة والغبار. تحرّك كلٌّ منهم، وكانت ليلى أول من اندفع بحماسٍ نحو الدرج، فنزلته بخطواتٍ سريعة مفعمة بالفضول، ولحق بها كلٌّ من رفعت وعِمران. رأى الثلاثة غرفةً متوسطة الحجم تغمرها الأتربة من كل مكان، وعلى الجانب الأيمن تواجد مكتبٌ خشبيٌّ كبير الحجم، احتلّ معظم مساحة الغرفة، وبجواره خزانة صغيرة مغلقة الأبواب وقد امتلأت بالكتب. وعلى الجدار المقابل لهما وُجدت لوحةٌ ضخمة تضم أفراد عائلة خازور. تأمّلها عمران لبرهةٍ ثم قال بهدوء: _" أليست تلك هي الصورة ذاتها التي كان الباب مخفيًّا خلفها؟" فأجابته ليلى مؤكدة حديثه: _" نعم، هي نفسها، ولكن هذه اللوحة لا يظهر فيها وجه الطفلة خديجة!." تحرك رفعت نحو الجدار المعلّق عليه الصورة، ورفعها بحذرٍ ليتأكد من شكّه في وجود مخرجٍ سريٍّ آخر خلفها، ولكنه لم يرَ أمامه سوى جدارٍ مرَّ عليه الزمن لسنواتٍ فأضحى متهالكًا ومتهرِّئًا. تحرَّكَت قدما عمران نحو المكتب الخشبي، فلفت نظره دفترٌ أسودُ اللونٍ مزَيَّنُ حوافه بالذهب ومغطًّى بالتراب. مدَّ يده ونفَّض عنه الغبار ببطء، ثم فتحه بحذر. ما إن أَبْصَرَتْه عيناه حتى توقَّفت على كلمة واحدةٍ مكتوبةٍ بأحرفٍ كبيرة فجمَّدت نظراته للحظة، وهو يتأمّلها: «خازور» همس بها بحذرٍ، كأن نطق هذا الاسم صار لعنةً في ذاته. شعر بيدٍ قويةٍ تُوضَع على كتفه الأيمن، فتيقّن فورًا أنها يدُ أبيه؛ فالتفت إليه وهو يمدُّ يده بالدفتر الذي التقطه قائلاً: _ "وجدتُ هذا الدفتر على المكتب، ربما يفيدكما فيما تودّان معرفته." اختطفته ليلى بسرعةٍ من يده قبل أن يفكر والده في إمساكه مجددًا، فنظر إليها عمران بغلٍّ ظاهر، ثم ربّت والده على يده كأنه يواسيه على بلاءٍ جديد. لم تُعر ليلى لنظراتهم اهتمامًا، بل فتحت الدفتر بسرعةٍ وقَلَّبت صفحاته بفوضى، فلم تجد فيه ما يثير فضولها، فجميع الصفحات كانت بيضاء لا تحمل حرفًا واحدًا سوى الكلمة التي قرأها عمران والمكتوبة في أول صفحة من الدفتر. فأعادته إلى يدِ عمران قائلةً بلا مبالاة: _ "تفضّل، لا شيء به البتة؛ فكيف ينفعنا من لا فائدة فيه؟ أظنُّ أن رأسك هو من يمتلئ بالهراءات." هنا لم يَتَمالك عمران أعصابهُ؛ إذ شعر برغبةٍ جامحةٍ أن ينقضَّ عليها ويؤدِّي إليها ضربًا عنيفًا، لا يهمه إن استغرق ذلك عشرينَ عامًا أو أُحيل إلى حبلِ المشنقة، فهذه الفتاة أثارت غضبه ولم يَمرّ على وجوده معها سوى ساعتان فقط! أدرك رفعتُ نيته على الفور، فنحى وجهه إلى أذنِ ابنه وهمس برجاء: _ "تمالك نفسك هذه المرة فحسب، وأعدك أنها لن تفعل شيئًا يزعجك ثانيةً. أنت العاقلُ هنا يا عمران، لا أريد أن تتورط أكثر." سمع لأبيه ونفض عن ذهنه أفكاره العنيفة، وفي المقابل كانت ليلى تنظر إلى الأسفل هربًا من نظرات عمران الغاضبة، فآخر ما كانت تحتاجه الآن هو أن تستمع إلى كلماتٍ لاذعة من ذلك الأخرق. وأثناء ما كانت تُبصر الأرض، وقع بصرها على ظرفٍ أبيض اللون، يبدو أنه سقط من الدفتر حين كانت تقلّب صفحاته بعنف، ولم تنتبه له إلا الآن. لمحَه كلٌّ من عمران وأبيه في اللحظة ذاتها، لكن هذه المرة انحنى عمران بسرعة والتقطه قبل ليلى، أمسك به وهو ينظر إليها بانتصارٍ زائف، فبادلته نظرةً تفيض غيظًا، بينما كان رفعت يراقب ابنه بدهشةٍ من تصرفاته الغريبة، البعيدة كل البعد عن شخصيته المعتادة. ناول عمران الظرفَ لأبيه، فتناوله الأخير وهو يتفحصه بهدوء. همّت ليلى بالكلام، لكن يدَ عمران أشارت لها بالصمت في تحذيرٍ صارم. فتح رفعت الظرف فوجد بداخله بضع ورقاتٍ يبدو أنها مزّقت من دفترٍ آخر. فكر لبضع ثوانٍ في أمرٍ ما، ثم حرّك جسده ليصبح في مواجهة ليلى، وقال بنبرةٍ حازمة: _"أعطني دفتر مذكرات السيد توفيق الذي وجدناه في الغرفة الصغيرة." أخرجت ليلى الدفتر من حقيبتها على الفور ومدّت يدها إليه. التقطه منها وفتحه، أخذ يتأمل صفحاته لثوانٍ، ثم عاد يتفحّص الأوراق الممزقة مرةً أخرى، فأدرك بسرعة أنها تعود إلى الدفتر ذاته. أعاد الدفتر إلى ليلى ثانيةً وأمسك الأوراق بحذر، ثم قال بثقة: _"ليلى، هذه الأوراق نفسها التي مزّقت من مذكرات السيد توفيق. كنا نبحث عنها لنفهم السر وراء هذا القصر الغامض وما حدث بعد مواجهة السيد توفيق لابنه حسن وزوجة ابنه الآخر، سعاد." تفحّصت ليلى الأوراق بصدمةٍ لحظية، بينما قال عمران بعدم فهم: _"عن أي مذكراتٍ تتحدث يا أبي؟" شرح له والده باختصار: _"في أول ليلة لنا في هذا القصر، وجدنا هذا الدفتر، وبعدما قرأنا ما فيه، تبيّن أنه يعود إلى السيد توفيق، صاحب القصر. كتب فيه كثيرًا عن الأحداث التي دارت داخله، وكان من بينها خيانة ابنه الأصغر حسن لأخيه الأكبر هاشم مع زوجته سعاد. وعندما واجههما بالخيانة أنكراها، وأخبرته سعاد بأن العمر قد أثقل بصره وسمعه، ويبدو أنه يتوهّم ذلك. بعدها كتب السيد توفيق أن خديجة، ابنة سعاد وحسن، كانت تدرك خيانة والدتها مع عمها رغم صِغَر سنها. هذا كل ما تضمّنه الدفتر، بينما كانت بقية الأوراق ممزقة، ويبدو أننا الآن وجدنا الصفحات المفقودة الأخيرة." تبادلت ليلى وعمران النظرات المهتمة ذاتها، فاحترم رفعت فضولهما، ولم يكن هو أقلّ فضولًا وحماسًا لمعرفة ما تحتويه هذه الأوراق. قرأ الورقة الأولى، وكانت بداية ما لمحته عيناه، فبدأ يقرأ بصوتٍ خافتٍ سمعه كلٌّ من عمران وليلى: _" أتمنّى ألّا يتمكّن حسن من العثور على هذا الدفتر، فالعثور عليه يعني هلاك هاشم، وهذا ما لا أريده. كنت أظن أنّني إن عوّضت هاشم عن خيانة زوجته وأخيه بالمال، فإنّ ذلك سيخفّف عنه، لكنّ ما لم أضعه في الحسبان أنّ هذا التفكير كان العقبة وبداية الطريق في حرماني من ابني الأكبر!. " شهقت ليلى بصوتٍ مرتفع وقالت باندفاع: _" هل هذا يعني أنّ الجميع لم يمت في اليوم ذاته كما أُشيع من قبل؟!، وأنّ السيد توفيق لا يد له في قتل الجميع؟ " _" لِمَ التعجّب والاندهاش الآن؟ أليس من المفترض أنّكِ هنا لنفي تلك الإشاعة والبحث عن الحقيقة؟ بالطبع السيد توفيق صاحب القصر لم يكن هو من قتل أفراد أسرته ثم قتل نفسه لاحقًا كما أُشيع في الماضي. " كانت بضع كلماتٍ لاذعة نطق بها عمران، الذي ما عاد يحتمل غباء هذه الخرقاء كما نعتها سابقًا. رمقته بنصف عينٍ، ثم حوّلت بصرها نحو رفعت الذي تابع القراءة بهدوء: _" يا ليتني لم أكتب جميع ممتلكاتي لهاشم وقتها، فربما كان لا يزال على قيد الحياة حتى الآن. أعلم جيدًا من القاتل، فلا مصلحة لأحدٍ في وفاته سوى اثنين لا ثالث لهما، وهما سعاد وحسن. دائرة الشك لا تخرج عنهما. أعلم أنّ ابني قُتل بفعل فاعل، ولم تكن حادثة كما أخبرتني سعاد حينها. فأيُّ عقلٍ يصدّق أنّها وهاشم تعرّضا لحادثٍ وهو وحده من وافاته المنية لحظتها؟ أؤمن كلّ الإيمان بالقضاء والقدر، ولكن هل يُعقل أن تتعرّض فتاة لحادثٍ كبيرٍ دون أن يُصيبها خدشٌ واحد؟! كتمتُ شجني على ابني وصمتُّ، وابتلعني الحزن والخوف حينها، فربما يكون دوري هو القادم، من يعلم! خشيت في البداية على نفسي، لا أنكر، ولكن ما إن أبصرتُ نظرات حسن الخبيثة للصغيرة حتى أيقنتُ أنّ دورها قد حان هي الأخرى لا محالة!." قاطع عمران أباه هذه المرة قائلًا: _" هل يُعقل أن يقتل طفلة صغيرة لا تتعدى العاشرة من أجل المال؟ " أجابه رفعت بهدوءٍ وذكاءٍ جعلاه يُخفض رأسه خجلًا من سؤاله: _" حسبما فهمت من الرسالة، فإنّ توفيق كان شكّه الأكبر في الابن الأصغر حسن، فإذا صحّ الحديث، فمن يقتل أخاه طمعًا في المال، لا عجب أن يقتل طفلة صغيرة للسبب ذاته. " شاركتهم ليلى الحديث بجدّيةٍ هذه المرة، خالفت أفعالها الطائشة السابقة، فقد طغت الشخصية الصحفية على الكوميديا الهوجاء: _" إذا كان قد قتل أخاه لأنّ والده كتب له الميراث بأكمله ، وبالتأكيد سيرث هو بعد موته المال وكافة الممتلكات، فما ذنب الصغيرة خديجة حتى يفكر في قتلها هي الأخرى؟ " _" ذنبُها أنها سترثُ الثروة بعد وفاةِ أبيها، فإذا ماتَ حسنٌ وماتت من بعده ابنته الوحيدة، فستبقى الثروة لاثنين فقط: سعاد زوجته، وأخيه." تفوه بها رفعت، فأوضح لهما عمران قائلاً: _"إذا كان السيد توفيق قد كتب لابنه هاشم كل ثروته وهو حيّ، وكان التمليك قد تم فعلاً — أي نُقلت الملكية في حياته — فهذه تُعدّ هبةً لا وصيّة، وفي الإسلام لا يجوز أن يُخصَّ الأب أحد أبنائه بهبةٍ دون الآخرين إلا برضاهم، لقوله ﷺ: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». فالهبة هنا غير عادلة وتُعتبر باطلة أو موقوفة على موافقة باقي الورثة بعد موته. وإن فرضنا أن الهبة لم تكن عادلة أو لم تُستكمل قانونيًا — أي كتبها ولم يُنقل الملك فعليًا أو لم تُسجَّل رسميًا — ففي هذه الحالة تظل الأموال باسم الأب وتُوزَّع بعد وفاته ميراثًا طبيعيًا. أقصد أن تمليك الأب لأحد أبنائه دون الآخر ودون رضاه يُعدّ في ديننا باطلاً ولا يُؤخذ به." قالت ليلى بنبرة حادة يغلبها الأسى: _"وهل ذلك الأزعر كان يدرك كل هذه الأمور؟!، من كانت في نفسه نيةٌ للقتل، لا أظنه يُدرك ما ينص عليه دينُنا من عدلٍ ورحمة. لو فهم ذلك لما أقدم على قتل أخيه بدمٍ بارد." قال رفعت وهو يطوي الورقة الأولى: _"لا تنسي أننا حتى الآن لسنا متأكدين من أن حسن هو من قتل هاشم، فكل ما بين أيدينا مجرد أقاويلٍ دوّنها رجلٌ أحاطه الشك من كل جانب، وقد تعودنا ألا نُسلّم إلا بالأدلة، فلا نُراهن على الظنون."

📜 الفصل السابع 📜

طوى رفعت الأوراق الموجودة بيده، ثم أعاد وضعها داخل دفتر المذكرات مرةً أخرى. كانت الشكوك تنتابه تجاه أمرٍ ما، لكنه لم يُلقِ له بالًا في الوقت الحالي. رمق الجميع بنظرةٍ حذرة، ثم قال وهو يتحرك مغادرًا بالفعل: _"هيا بنا الآن، لا أظن أن هناك ما قد يثير اهتمامنا بعد." قاطعه عمران قائلًا وهو يدعوه للتريّث: _"تمهّل يا أبي، فكما فهمت، كنتما تبحثان عن تلك الأوراق ووجدتماها في هذه الغرفة، لكن ربما نجد ما هو أهم إذا بحثنا أكثر. فمن الأحمق الذي يُخفي غرفةً كهذه ليُخبّئ بضع أوراقٍ ممزقة فقط؟" أخذت ليلى تفكر في حديثه لبضع ثوانٍ، ثم هزّت رأسها نافية وقالت وهي تنضمّ إلى رفعت: _"أنا مع الأستاذ رفعت، هيا بنا نغادر. أشعر أننا قد نجد ما هو أهم في الأدوار العلوية من القصر، فقبلاً لم تتح لنا الفرصة للبحث في غرف الدور الثاني." رفع عمران كتفيه دلالةً على قلة حيلته، ثم تبع والده وليلى وهما يخرجان من الغرفة بالطريقة نفسها التي دخلا بها. وما إن استقرّ الجميع على الدرج مرةً أخرى، حتى لمح عمران هذه المرة ظِلّ شخصٍ يتحرك بسرعة، ويبدو أنه كان يراقبهم، لكنه غادر مسرعًا فور إدراكه لخروجهم. جَرَى عمران خلفه محاولًا اللحاق به، بينما كان والده يناديه متسائلًا عن سبب ركضه. وفور وصوله أمام إحدى الغرف الأرضية — وللمصادفة كانت الغرفة نفسها التي وُجدت فيها مذكّرات الجد توفيق — لم يجد شيئًا هناك، شعر أن عيناه تخيلت ذلك ، كل شيء في موضعه الدقيق، لا أثر لوجود أحد، ولا حتى لظلٍّ متبقٍ من اللحاق بذلك الشخص المجهول. وقف عمران في منتصف الردهة متأملًا، يتفحّص الجدران كمن ينتظر أن تبوح له بسرٍّ ما. اقترب والده ببطء وهو يلهث من أثر الجري، وقال بنبرةٍ تحمل القلق: _"ما الأمر يا عمران؟ لِمَ تجري بهذا الشكل؟" أجابه عمران وهو ما يزال يُلقي بنظراته المتفحصة في أرجاء المكان: _"رأيت ظلًّا يتحرك نحونا، كان يتعقبنا منذ أن غادرنا الغرفة المخفية، لكنّه اختفى بمجرد أن لاحظ خروجنا." تقدّمت ليلى خطوةً إلى الأمام، تنظر نحو الأركان المظلمة وقالت بنبرةٍ حذرة: _"هل أنت متأكد؟ ربما كان مجرد خيال انعكس من ضوء الخارج." هزّ رأسه نافياً، وقال بثقةٍ ممزوجة بالحيرة: _"لا، كنت واثقًا مما رأيت، لم يكن خيالًا. كان هناك شخص هنا بالفعل." ساد الصمت للحظات، لا يُسمع سوى أنفاسهم المتقطعة وصوت الريح يتسلل من بين الشقوق القديمة في الجدران. ثم قال رفعت وهو يتنهد: _"كفانا هذا القدر لليوم، فلنغادر القصر الآن، وسنعود لاحقًا بعدما ننتهي من قراءة الأوراق المستجدة يبدو أن في الأمر ما يستحق الحذر." لم يُجادله أحد، فقد شعروا جميعًا بأن شيئًا غامضًا يحيط بالمكان، شيئًا يتربّص بهم بصمتٍ مريب، كأن الجدران نفسها تُخفي قصةً لم تُكتَب بعد. ****** انضمَّ عمران إلى والده، يشاركه الجلوس على الأريكة المريحة في منزلهما. فبعد أن اطمأنَّ على عودة ليلى إلى شقتها المؤقتة، عاد هو ووالده إلى منزلهما الذي يبعد نحو خمس عشرة دقيقة عن القصر. أخذ عمران زمام الحديث قائلًا بتعجبٍ مازح: _"أبي، أودّ أن أسألك شيئًا: كيف استطعتَ تحمّل تلك الفتاة طيلة هذا الوقت دون أن ينفلت منك شعورك رغمًا عنك؟!" ضحك والده، فبانت أسنانه البيضاء وهو يقول برضا: _"مثلما استطعتُ تحمّلك تسعًا وعشرين عامًا دون اعتراض." لم تُعجب الإجابة عمران، فصاح باعتراض: _"أبي!" تعالت ضحكات رفعت مرةً أخرى على أفعال ولده الصبيانية البعيدة عن شخصيته الجادّة، فمال يربت على يده الموضوعة بجواره، وقال مُراضيًا: _"اهدأ، أمزح معك فحسب. سأخبرك بشيءٍ... هذه الفتاة لطيفة للغاية، وبرغم أنني لم ألتقِ بها إلا ثلاثة أيام، إلا أنني علمت أنها شغوفة بعملها، وحماسها لا ينطفئ أبدًا. تذكّرني بذاتي حين كنتُ في مثل عمرها. لذا، لا تضعها في بالك على الدوام، والأهم ألا تحكم عليها نتيجة لاجتماعٍ عابرٍ معها لساعتين فقط. بنيَّ، أنا أثق بك وبعقلك الرزين، وأعلم تمام العلم أنك القادر على مساعدتنا في فك هذا اللغز. لديك من الخبرة ما يكفي للوقوف بجوارنا، لذا أرجوك، أَجّل تشاجركما الآن، حتى ننتهي من هذا، ولن تراها بعد ذلك مطلقًا." تنهد عمران، وأجاب والده باستسلام: _"حسنًا، أبي، لك هذا." ابتسم له رفعت بحبٍّ وحنان، وكاد أن يُكمل حديثه، إلا أن صوت زوجته صفاء، والدة عمران، قاطعهما من الداخل وهي تنادي عليهما. نهض رفعت أولًا وقال وهو يغادر الصالة: _"يبدو أن والدتك قلقت في نومها، لذا سأذهب لأجاورها. وأنتَ، ادخل غرفتك وخذ قسطًا من الراحة، فغدًا سيبدأ العمل الصعب." ***** في الوقت ذاته، وتحديدًا في منزل ليلى المؤقت، وكعادتها في الآونة الأخيرة، كانت تراقب القصر من شُرفتها المقابلة له منذ عودتها مع رفعت وعمران. ظلّت لنصف ساعةٍ تراقب القصر، فلم تجد ما يثير شكوكها، فالجميع نيام، والمحلات مغلقة، ولا يُسمع صوتٌ سوى صفير الرياح العاتية وهي تُحرّك أوراق الشجر من جذوعها. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحًا حين همّت بإغلاق أبواب الشرفة لتدلف إلى الداخل وتغفو قليلًا، غير أنها، في اللحظة الأخيرة، لمحت رجلًا يتلفّت حوله كل ثانيتين، ليتأكد من أنّ أحدًا لا يُراقبه. ظنّت في البداية أنه لصٌّ سرق أحد محلات الحيّ الذي تقيم فيه، غير أنها ما إن دقّقت النظر حتى عرفته فورًا، إنه السيد ربيع، الرجل الخمسينيّ وصاحب محلّ البقالة البسيط المجاور للباب الرئيس للقصر. كانت قد صادفته من قبل، وقد لاحظت كيف كان يُطيل النظر إليها كثيرًا، لكنها لم تُعر الأمرَ اهتمامًا آنذاك. تابعته ببصرها بضع دقائق متواصلة، حتى رأته يدلف من البوابة الرئيسية للقصر، ليختفي بعدها عن أنظارها تمامًا.

📜 الفصل الثامن 📜

أمسكت ليلى هاتفها لتُحادِث السيد رفعت وتُطلِعه على المستجدّات. ظلّت متردّدة لبعض الوقت في الاتصال به نظرًا لتأخر الساعة، لكنها حسمت أمرها أخيرًا وضغطت على رقمه الظاهر أمامها على الشاشة. استمعت إلى رنين الهاتف لثوانٍ، ثم فُتح الخط من الطرف الآخر، وصوت عمران يقول ببرود: _"ماذا الآن؟ أظن أن الوقت متأخرٌ جدًا للاتصال بأبي." شتمت ليلى في سرّها وأغمضت عينيها غيظًا، وضغطت على شفتيها حتى لا تقول ما لا يُحمَد عُقباه، ثم أجابته ببرودٍ مماثل لنبرته: _"أعتقد أنني هاتفت السيد رفعت وليس أنت، لذا فهو وحده من يملك الحق في الحكم على ملاءمة اتصالي به الآن أو لا." تمتم عمران بشتمةٍ خافتة لم تصل إلى مسامعها، فقد كان لا يزال مستيقظًا يجلس على فراشه. كان النوم يُعانده، فرغم رغبته في أخذ قيلولةٍ قصيرة تُمدّه ببعض النشاط، أبت عيناه ذلك. وما زاد الأمر سوءًا هو تصاعد رنين هاتف أبيه الذي — وللصدفة — كان قد نسيه معه قبل أن يذهب لغرفته ليلًا، فلم يرد أن يزعج نومه بإعادته إليه. لكن تلك المصيبة كما وصفها أزعجت راحته أكثر، وهي تتابع قائلة: _"والآن، إن كان السيد رفعت مستيقظًا، فأرجو أن تسمح لي بالتحدث إليه في أمرٍ هام." أجابها بهدوءٍ مصطنعٍ يخالف ما يعتمل في صدره من غيظٍ مشتعل: _" أبي نائمٌ الآن، فالشمسُ على وشك أن تُشرق، وقد تجاوزت الساعة الرابعة صباحًا، ولا أحد يُجري مكالماتٍ في مثل هذا الوقت المبكر!" تمتمت ليلى بيأسٍ وهي تقول بصوتٍ خافتٍ سمعه عمران من الطرف الآخر: _" كيف سأُخبره بالمستجدّات الآن؟ لا أستطيع الانتظار بعدما اكتشفتُ أحداثًا جديدة." تساءل عمران بفضولٍ لم يستطع كبحه: _" ما الأمر؟ وما هي الأحداث المستجدّة؟ فحتى الساعة الواحدة والنصف كنا معًا، ولم يحدث جديد سوى ذلك الظلّ الذي رأيته." أخبرته ليلى بما رأته دون أن تُخفي عنه شيئًا، فهتفت بسرعةٍ خشية أن تنسى تفصيلاً: _" بعد أن عدنا من القصر وذهب كلٌّ منّا إلى منزله، كنت أراقب القصر في حوالي الثانية صباحًا، وأثناء ذلك لمحتُ العمّ ربيع، صاحب محلّ البقالة المجاور للقصر، كان يُلقي نظراتٍ متلفّتة حوله كمن يخشى أن يراه أحد، ثم دلف إلى القصر واختفى عن أنظاري. انتظرتُه في الشرفة حتى خرج عند الثالثة تمامًا. حتى الآن لا أعلم ما الذي دفعه إلى الدخول، ولا سبب بقائه داخله ساعةً كاملة." ردّ عمران بدهشةٍ واضحة في نبرته وهو يقول: _" ما مصلحته في دخول القصر في تلك الساعة المتأخرة؟ ولماذا انتظر ساعةً كاملة بداخله؟!" تابع وهو يقول بشكٍّ ظاهر في نبراته: _"أشعر أنه هو نفسه الشخص الذي خُيِّل إليّ ظلُّه أثناء تواجدنا في القصر. اسمعي، مرّي علينا في الساعة العاشرة صباحًا، سأكون في انتظارك في منزلنا. يجب أن نُكمل قراءة الأوراق التي وجدناها في الغرفة المخبّأة، لعلّنا نفهم منها بقية الأحداث الغامضة. وفي المساء من اليوم ذاته، سنراقب القصر من بعيد من شقتك. الآن سأرسل لكِ عنوان المنزل، نتقابل غدًا بإذن الله." بدت الحيرة على وجه ليلى، وتردّدها في الموافقة على الذهاب لمنزله و انعكس هذا في صوتها وهي تقول بارتباك: _"لا مانع عندي من كل ما قلت، لكن... هل يستلزم الأمر أن أذهب إلى منزلكم غدًا؟" تنهد عمران، ومسح وجهه بكفّه اليمنى، ثم قال بنبرةٍ مراضية: _"ليس بالضرورة، لكن عندما عدنا مساءً، فُوجئتُ بمرض أمي، وشقيقتي غير موجودة لتتولى رعايتها، لذا لا يمكنني تركها بمفردها في المنزل. وبالتالي، لا يوجد حل آخر سوى أن تأتي أنتِ إلى هنا." تأثرت ليلى بكلماته، وحزنت لما أصاب والدته، فوافقت الحضور وهي تتمنى لها الشفاء العاجل. ***** وفي الساعة العاشرة والنصف صباحًا، دوّى صوت الطَرق على باب منزل السيد رفعت مُعلنًا قدوم ليلى. مضت دقائق تبادلت خلالها التحية والسلام مع الجميع، وتمنت الشفاء للسيدة صفاء، والدة عمران. عرض عليهم السيد رفعت الجلوس في إحدى الغرف الفارغة إلا من بعض الكراسي، لتكون أكثر هدوءًا وملاءمة للحديث. فمنذ الصباح، كان عمران قد أخبره بكل ما قالته ليلى في الليلة السابقة، فوافقه على الفكرة، إذ لم يكن بوسعه ترك زوجته المريضة في هذا الظرف. جلس الجميع في أماكنهم، وبادر رفعت بالحديث قائلًا: _"نعتذر لكِ يا آنسة ليلى على ما سببناه من عناءٍ ومجيءٍ خصيصًا إلى هنا، ولكن كما أخبركِ عمران، لا يمكننا ترك السيدة صفاء بمفردها." ابتسمت ليلى بمجاملةٍ، ثم قالت بهدوءٍ: _"لا عليكَ يا أستاذَ رفعت، أتمنّى لها الشفاء العاجل." ردَّ عليها بابتسامةٍ وصمت، فتقدّم عمران وهو يُحَرِّك الأوراق التي بين يديه قائلاً: _"دعونا نستغلّ ثباتَ والدتي الآن ونقرأ ما لم نستطع قراءته البارحة." وافقاه الاثنان، فبدأ عمران يقرأ الورقة الثانية بصوتٍ خافتٍ، تحسبًا ليفاق والدته : _"كنتُ أعلمُ نيةَ حسن تجاه الصغيرةِ خديجة، لذا حاولتُ جاهِدًا أن أحميها منه. كان والداي — هاشم وحسن — يعلَمَان كلّ الأماكن السرّية والمخابئ داخل القصر باستثناء مكانٍ واحدٍ لا يعرفه إلا شخصان: أنا ومن أنشأه. كان ذلك مخبئي السّريّ الذي أخفيته عن أبنائي. في شبابي حلمتُ بمخفى مماثلٍ للطوارئ، وعندما أتيحت لي الفرصة لم أتردّد لثانيةٍ واحدة في إنشائه. أخبرت الصغيرةَ خديجة بهذا المكان السريِّ، وجعلتها تقسم ألا تخبر أحدًا به. وما إن ازدادت نظراتُ حسنِ نحو الطفلة واستمرّ بقاؤه في القصر لأيامٍ متوالية، أدركتُ أنه يفكّر في أمرٍ كبير. طلبتُ من سعاد أن تأخذ الصغيرةَ في رحلةٍ ريفيّة أو تزور أهلَها في محافظة القاهرة، فكان همّي كيف أُخفي خديجة عن أنظار حسن بوسائلَ متنوّعة. لكن ما لم أضعه في الحسبان أنّي بذلك سَلَّمْتُها لهما على طبقٍ من ذهب." زمّت ليلى شفتيها وقالت بارتباكٍ: _"ماذا يعني ذلك؟ لم أفهم المقصود تمامًا." تمتم عمران بسخريةٍ لم تَسمعها إلا والده: _"وكأنّكِ تفهمين أصلًا!" ابتسم الأب لابنه ولم يُظهر انزعاجًا مما سمع، ثم أوضح قائلاً: _"المقصودُ أنَّ سعاد حين أخذت الصغيرة أمام السيد توفيق — إما لزيارة أهلها أو لرحلة ريفية — لم تُحدِّد له الوجهة بدقّة. وقد تكون كذبت عليه ثمّ سلّمَتِ الطفلةَ لحسن." شهقت ليلى بغضبٍ، ثم انفجرت بلسانٍ حادٍّ: _"تلك الشمطاء! كيف تفعل هذا بابنتها الوحيدة وهي تدرك مصيرها على يد حسن؟ لو كانت أمامي الآن لَقطعتُ شعرها وجلدُها، لَجعلتها تتمنى لو لم تُولد!" ضحك عمران ووالده عليها بيأس، ثم أشار رفعت لابنه أن يستكمل القراءة مرة أخرى. تابع عمران القراءة بعدما أمسك بالورقة التالية: _"في اليوم التالي من ذهاب سعاد وبرفقتها الصغيرة إلى إحدى القرى الريفية بالفيوم، رأيتها تدخل القصر بمفردها، لا حقائب معها ولا خديجة. وقفتُ من مقعدي أتأملها بدهشة من عودتها السريعة، وما كدت أن أتحدث حتى رأيت حسن هو الآخر يجاورها الوقوف، وكلاهما ينظران إليّ بنظراتٍ مختلفة وخبيثة. كانت نظرات الكره تنبع من عيني حسن حتى شعرت بها تكاد تقتلني، بينما سعاد كانت تنظر إليّ بشماتةٍ واضحة. حاولت الثبات في موضعي ووجهت إليها سؤالي عن الصغيرة، فأجابت كاذبة بأنها تركتها برفقة والدتها في القاهرة وعادت اليوم لأن لديها بعض الأعمال المهمة. كنت أعلم أنها تكذب، ولكن لم أُبدِ ذلك، فقط أومأت لها برأسي وتركتهما وغادرت المكان ذاهبًا إلى غرفتي." هتفت ليلى بفضول فور أن لاحظت توقف عمران عن القراءة: _"هيا تابع، ماذا بعد؟ ما الذي حدث بعدها؟" أجاب عمران وهو يطوي الورقة بعدما وصل لنهايتها: _"لا يوجد شيء آخر في الورقة، فقد أنهيت قراءتها. سنرى الورقة الأخيرة إذًا." فتح الورقة الثالثة والأخيرة وقرأ: _"حينها تركتهما وصعدت إلى غرفتي، أخذت دوائي وقررت أن أستريح، ولكن كان لابني رأيٌ آخر، إذ صعد خلفي وجلس بجانبي على الفراش، ودون مقدمات سألني سؤالًا واحدًا لم أستطع الرد عليه حتى الآن: «بابا، أود أن أسألك عن شيء... لماذا أحببتَ هاشم أكثر مني؟ بل لماذا زوّجته سعاد رغم معرفتك بإعجابي بها؟ والأهم، لِمَ هو المفضل لديك دومًا؟»" توقف عمران عن القراءة عندما وصل لنهاية الصفحة ولم يجد بها شيئًا آخر، فتحدث بحنق: _"انتهت الكلمات من الورقة، ولا توجد رسائل أخرى. كيف سنتمكن من فك هذا اللغز الآن؟" أجابه والده بهدوءٍ حكيم: _"بل الآن بدأنا في فك اللغز يا عزيزي." تعجب عمران من إجابة والده، وشارَكته الدهشة ليلى التي لم تستطع الصبر، فقالت بتسرّعٍ فضوليّ: "وكيف ذلك يا أستاذ رفعت؟ كيف نكون قد بدأنا في حلّ اللغز، ولا يوجد شيء آخر يساعدنا على فهم ما حدث في الماضي؟" أرضى رفعت فضولَهما وأجاب بثقة: "إذا استطعنا معرفة المكان السري الذي يقصده السيد توفيق، فسنجد عنده كل الإجابات التي نبحث عنها، وسَتحلّ جميع الألغاز. فما دام قد حرص عليه إلى هذا الحد، فلابد أن ما أُخفي فيه كان أعظم." *******

📜 الفصل التاسع 📜

أثناء غروب الشمس، وقبل أذان المغرب بدقائق قليلة، كان رفعت وعمران يجاوران ليلى في الشرفة المطلة تمامًا على القصر. ناولت ليلى كُلًّا منهما كوبًا من الشاي الساخن، وقالت وهي تبصر السيد ربيع واقفًا أمام محلّ البقالة الخاص به: _"في كل دقيقة يزداد فضولي لمعرفة ما الذي كان يفعله في القصر تلك الليلة المتأخرة، وماذا كان يصنع هناك بعدما قضى ساعة كاملة في الداخل." ردّ رفعت بثبات، وهو يتأمل الرجل البسيط الذي تجاوز عقده الخامس، يرتدي جلبابًا أسود وعمامة بيضاء تكسو رأسه، وحوله الزبائن ينتقون ما يريدون من بقالته: _"في المساء، سنلقى الإجابات عن كل تلك الأسئلة." ***** أتمَّ المساءُ سيره سريعًا، وأثناء ما كان رفعت وعمران يراقبان المكان بحذر، شاهدا الرجل الخمسيني المدعو بـ"الحاج ربيع" يُغلق محل بقالته، وفي يده عدة أكياس متوسطة الحجم يبدو أنه ملأها ببعض المشتريات من متجره. وكما فعل في الليلة الماضية – تمامًا كما وصفته ليلى – ظلَّ يلتفت يَمينًا ويسارًا ليتأكد من عدم وجود من يراقبه، ثم فتح الباب الرئيسي للقصر ودخل بسرعة. قال عمران بسرعة وهو يدفع والده برفق: _"هيا يا أبي، حان الوقت لمعرفة ما الذي يفعله هذا العجوز في هذه الساعة المتأخرة داخل القصر." استمع له رفعت، وانضمت إليهما ليلى التي كانت قد اطمأنت على عائلتها عبر الهاتف، وتحرك الثلاثة تجاه القصر آملين أن تكشف لهم هذه الليلة ما غاب عنهم طويلًا، وأن تكون آخر ليلة في رحلة بحثهم عن حلٍّ لهذه القضية. دخل الجميع من البوابة الداخلية للقصر، يتحركون بخفّة كي لا يستمع إليهم ذلك العجوز. كاد رفعت أن يتقدم بخطواته، لكن عمران أشار إليه أن يثبت مكانه فور أن لمح ظلًّا في نهاية الممر. اتبع الثلاثةُ الظلَّ بحذرٍ بالغٍ حتى لا يُنتبه لوجودهم، فرأوه يدخل الغرفة الأرضية ذاتها التي وجدوا فيها مذكرات الجد توفيق. اقترب عمران من الباب وأشار لوالده وليلى أن يبقيا في الخلف. كان الباب مواربًا، ويبدو أن السيد ربيع نسي إغلاقه وراءه. وقف عمران إلى جواره مباشرة، وقد ساعده ظلام المكان في إخفاء موضعه تمامًا. رآه يقف بجوار أحد جدران الغرفة، ثم أزاح الستار المعلَّق عليه، فبان الحائط خلفه. ضيّق عمران عينيه متسائلًا في نفسه عمّا يفعله هذا الرجل الغريب، ثم رآه يرفع الجدار من أسفله، والذي اتضح أنه لم يكن حائطًا حقيقيًا، بل فاصلًا مزيفًا يخفي وراءه ممرًّا طويلًا. دخل منه الحاج ربيع واختفى عن أنظار عمران، الذي أشار لوالده على الفور ليلحق به هو وليلى. ركضوا جميعًا بخفة خلفه، فرأوه ما زال يسير داخل ذلك الممر الطويل حتى توقف في منتصفه، حرّك جسده نحو الجدار الأيسر وتابع سيره، فتبعه عمران وعيناه لا تغفلان عنه لحظة، حتى رآه يفعل بالجدار الذي أمامه ما فعله بالحائط الأول في الغرفة السابقة. ما إن رفع العم ربيع الحائط الثاني حتى انكشفت أمامه غرفة ضيقة تتسلّل إليها أنفاس الحياة بصعوبة، في الجانبِ الأيمن منها يتواجد مرحاض صغير الحجم. وفي وسطها، كانت ترقد سيدة في مطلع عقدها الرابع، نحيلة الجسد إلى حدٍ يُثير الشفقة، على فراشٍ متهالكٍ بالكاد يحتمل ثقلها الواهن. كان الشحوب يكسو ملامحها كغلالة باهتة، غير أن ملامحها احتفظت بذلك الجمال الهادئ الذي لا يزول رغم قسوة السنين. تقدّم ربيع بخطواتٍ حذرة نحوها، وفي عينيه بريقٌ متردد بين الخوف والحنين، غير أنّه لم يكد يفتح فاه بكلمةٍ واحدة حتى باغته صوت وقع الأقدام خلفه. التفت في ذهول، ليجد عمران ورفعت وليلى قد دخلوا إلى المكان، تتوزّع على وجوههم الدهشة والارتباك وأكثرهم كانت الصدمة!. تجمّد المشهد للحظة، لا يُسمع فيه سوى أنفاسٍ متلاحقة، قبل أن يتقدّم رفعت خطوةً نحو السيدة الراقدة، يحملق فيها بتمعّنٍ كمن يحاول استدعاء وجهٍ من أعماق الذاكرة. وبصوتٍ خافتٍ مبحوح، قال كمن اكتشف للتوّ سرّاً دفيناً: _"إنها... تشبهها... تشبه تلك الطفلة خديجة... حدّ التطابق!" تجمد العم ربيع في موضعه، وسقط ما بيده من أكياسٍ أرضًا محدثًا صوتًا خافتًا تردّد صداه في الممرّ الضيق، اتّسعت عيناه في ذهولٍ تامّ وهو يري رفعت وعمران وليلى يقفون أمامه، ملامحهم تحمل مزيجًا من الدهشة والارتباك والحذر. كانت أنفاسه تتسارع وهو يحاول تبرير الموقف، لكنّ الكلمات خانته، وبقي صوته حبيس حنجرته كأنّه يخشى أن يفضح سرًّا ظلّ يخبّئه لسنوات طويلة. تقدّم رفعت بخطواتٍ بطيئة، عيناه تتجوّلان بين وجه الرجل المرتبك وتلك المرأة الراقدة علي الفراش المتهالك. كانت نحيلة للغاية، شاحبة الملامح، لكنّ ملامحها رغم الوهن ما زالت تحتفظ بذاك البريق الغريب في عينيها، ذلك البريق الذي رأه يومًا في وجه الطفلة "خديجة". تجمّد في موضعه، تراجعت أنفاسه لوهلة، كأنّ الزمن عاد به إلى الوراء، إلى تلك اللحظة التي اختفت فيها الطفلة دون أثر، مثل باقي أفراد أسرتها، تركت وراءها سؤالًا لم يجد له إجابة حتي اليوم. قال بصوتٍ مبحوحٍ وقد انخفضت نبرته حذرًا: _"مَن هذه المرأة يا عم ربيع؟" لم يُجب الرجل، بل ازدادت ارتجافة يديه، وأخذ يشيح ببصره عنهم محاولًا تجنّب المواجهة، لكنّ رفعت لم يمنحه الفرصة للفرار من السؤال، اقترب أكثر حتي صار أمام الفراش مباشرة، نظر إليها مطولًا وكأنّه يبحث عن ملامح الماضي المنسيّ بين خطوط وجهها المنهك، ثمّ قال في دهشةٍ لا تخلو من يقينٍ خافت: _"إنها... إنها تشبه خديجة... الطفلة التي اختفت منذ ثلاثون عاماً ، وقيل أنها قتلت حرقًا علي يد جدها السيد توفيق. " تبادلت ليلى وعمران نظراتٍ متوترة، بينما اتّسعت حدقتا العم ربيع وكأنّ ما قاله رفعت قد مزّق جدار صمته، ارتعشت شفتاه وهمس بصوتٍ مرتجفٍ بالكاد يُسمع: _"بالطبع ليست هي خديجة، إنها قريبتي وكنت أخفيها هنا لأسبابٍ تخصني، والوقت ليس مناسب للتحدث عن ذلك " اقترب عمران منه بخطوةٍ حاسمة وقال بصرامةٍ مكتومة: _"بل هذا هو الوقت المناسب يا سيد ربيع، كل الأسرار يجب أن تكشف الآن، من هذه السيدة؟ ولماذا تخفيها هنا في هذا المكان الغير ادمي؟." ساد الصمت للحظة، لم يُسمع سوى صوت أنفاسهم المتلاحقة، وصرير الريح الخفيف الذي تسرّب عبر الشقوق القديمة في الجدران، إلى أن رفع العم ربيع رأسه ببطء، ونظر نحو رفعت نظرةً منهكةٍ تُخفي خلفها سنين من الكتمان، وقال بصوتٍ أقرب إلى الهمس: _"هذه السيدة لم يمكن لأحد التعرف عليها بسهولة، لأنها السر الذي أخفاه السيد حسن قبل موته بخمسة عشر سنة. " ثمّ أشار بيده المرتجفة نحو المرأة الراقدة قائلًا: _"إنها السبب في كل ما حدث، إنها البداية والنهاية معاً."

📜 الفصل العاشر 📜

ظهرت الصدمة بوضوح على وجوه الجميع عقب حديث الرجل المسن، إذ تبادلوا نظرات يكسوها الذهول والاستفهام، غير أنّ الشعور السائد كان الشفقة لما آلت إليه حال المرأة. كانت تغفو بعمقٍ، غافلةً عمّا يدور حولها تمامًا، ترتدي عباءةً سوداء وشعرها الأسود ينسدل على الوسادة التي ترقد فوقها، بينما ازدادت الهالات السوداء تحت عينيها وضوحًا. خفضت ليلى جسدها حتى جلست على الأرضية الباردة في تلك الغرفة، تتأمل المرأة المجهولة التي لا تزال هويتها غامضة عنهم حتى الآن. وفي المقابل، أمسك عمران يد الرجل المدعو "ربيع" بقوة طفيفة، وقال بتحذير صارم: _"الآن، أخبرنا عمّا تعرفه عن هذا القصر، وعن تلك السيدة التي ترقد على الفراش بلا حولٍ ولا قوة. كيف تكون السرّ الذي أخفاه السيد حسن قبل موته بخمس عشرة سنة؟ هل تقصد أنّه لم يمت مع باقي أفراد أسرته قبل ثلاثين عامًا، بل مات بعدها بخمس عشرة سنة فقط؟! ابدأ بالحديث، ولا تُخفِ حرفًا واحدًا مما تعرفه، فأنا الآن أمامي جريمةٌ مكتملة الأركان، ويمكنني الزجّ بك في السجن لتنال العقوبة التي تليق بك نظير حبسك لتلك المرأة كل هذه السنوات!" ابتلع الرجل ريقه بصعوبة من شدّة الصرامة في صوت عمران ونظراته الثاقبة، فلم يجد بُدًّا من البوح بما يعرفه. بدأ حديثه مترددًا، وصوته يختلط بالخوف والندم: _"عندما كنت في بداية عقدي الثاني، كنت أعمل سائقًا لدى السيد حسن، ابن السيد توفيق، صاحب القصر. كنت أعلم كل نزواته وأعماله المشبوهة، لكنني لم أملك الجرأة على البوح بشيءٍ منها. لزمت الصمت كعادتي، حتى سمعتُ، مثل سائر الناس، أن السيد هاشم قد تعرّض لحادثٍ مروّعٍ أودى بحياته، وكانت ترافقه حينها زوجته سعاد، التي نجت بأعجوبة كما قيل وقتها. مرّت أشهرٌ قليلة، وبدأ الناس يسمعون أصواتًا مرتفعة من داخل القصر، تدلّ على وقوع شجارٍ عنيف بين أفراد تلك الأسرة. إلى أن جاء يومٌ لا أنساه ما حييت، كانت العاصفة تعصف بكل ما تجده أمامها، والرياح تضرب النوافذ بقوةٍ تكاد تخلعها. في تلك الليلة طلب مني السيد حسن أن أعود إلى منزلي لأنه لا يحتاجني، فامتثلتُ لأمره، تركت السيارة في جراج القصر وعدت إلى منزلي، الذي لا يبعد سوى خمس دقائق سيرًا على الأقدام." صمت قليلًا ليلتقط أنفاسه، بينما كانت العيون الثلاثة شاخصةً نحوه، يتابعونه بفضولٍ وحذر، كأنهم يعيشون تلك اللحظة معه. ثم أكمل بصوتٍ تأثرَ بما يرويه: _"في اليوم التالي، تفاجأ الجميع بأن القصر قد احترق من الخلف، لكن تمت السيطرة على الحريق قبل أن يمتدّ إلى باقي أجزائه. ذهبت في الصباح إلى السيد حسن، كعادتي كل يوم، لأرافقه حيث يشاء، إلا أن الخادمة أخبرتني أنه مرهق بسبب الحريق الذي نشب ليلة الأمس ولا يرغب في رؤية أحد. أتذكر أنني لم ألمحه بعد ذلك أبدًا، ولم أرَ أحدًا من أفراد تلك الأسرة الغريبة. مرّ يومان لم يحدث فيهما جديد، حتى جاء اليوم الثالث، حين وجدنا عناصر الشرطة تحيط بالقصر من كل جانب. والأقاويل التي سمعناها حينها ما زالت تردد في أذهاننا إلى اليوم؛ قالوا إن السيد توفيق قتل جميع أفراد أسرته — حسن، وسعاد، والصغيرة خديجة، وحتى الخادمات اللاتي كنّ يعملن هناك — ثم أنهى حياته. الغريب أن الشرطة وجدت الجثث متفرقة في أماكن مختلفة من القصر؛ كانت جثة السيدة سعاد في المرحاض الملحق بغرفتها، ملقاة على الأرض وقد اختنقت بكيسٍ بلاستيكيٍّ شفاف، وملامح الرعب مرسومة على وجهها. أما السيد حسن، فوجدوه راقدًا على فراشه وبجواره وسادةٌ خُنق بها. وأما السيد توفيق، فوجدوه في إحدى غرف الدور الأرضي — تلك الغرفة التي قادتكم إليها أقدامكم قبل قليل — جالسًا على كرسيٍّ خشبي، ويده تقبض على مسدسٍ كاتمٍ للصوت خرجت منه طلقةٌ اخترقت ما بين حاجبيه." تساءلت ليلى بفضول وقد غمرها الرعب: _"والصغيرة خديجة؟" تابع الرجل حديثه دون أن يرفع عينيه عن الأرض: _"وجدو جثتها محروقة، بل كانت مفحمة حتى لم يتعرف عليها أحد، كانت ملقاة في المطبخ الواقع بالدور السفلي. مضت خمسة أشهر على تلك الحادثة التي تداولتها الصحف والجرائد في كل مكان، وامتد صداها حتى إلى بعض الدول العربية. هدأت ألسنة الناس عن الحديث، وخفتت الأقاويل، فأُغلق القصر حينها بأمر من الحكومة، ولم يقترب منه أحد حتى الآن... باستثنائكم أنتم." توقف لحظة، ثم أكمل بصوت متردد: _"و بينما كنت جالسًا على فراشي في غرفتي البسيطة، طرق أحدهم الباب بهدوء. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، فتعجبت، إذ أعيش بمفردي، لكنني نهضت لأفتح، فرأيت ما أفقدني القدرة على الكلام لعشر دقائق كاملة... كان السيد حسن واقفًا أمامي بكامل صحته، ويده ممسكة بالصغيرة خديجة. حين أفقت من صدمتي، دخل منزلي بحذر، وهو يتلفّت حوله كمن يخشى أن يراه أحد، أجلس الصغيرة على أحد المقاعد المتهالكة، ثم أمسك بيدي الباردة كالثلج، وبدأ يحدّثني ببرودٍ غريب، يروي ما فعله وكأنه لم يرتكب مجزرة بشرية منذ أشهر قليلة." تدخل رفعت وقد أصبح يدرك أغلب خيوط ما حدث: _"ولماذا ذهب إليك أنت بالتحديد، وهو يعلم أنك لم تكن سوى سائقه الخاص؟" أجابه العم ربيع وهو يشيح بوجهه خجلاً: _"لأنني كنت الشاهد على كل أفعاله المخزية السابقة، وبما أنني لم أنطق من قبل بما رأيته، فقد كان على يقين أنني لن أفعل الآن. قصّ عليّ كل ما حدث، بدءًا بقتله لزوجة أخيه سعاد وخنقها داخل المرحاض، وانتهاءً بقتل والده السيد توفيق. سألته وقتها: كيف قتل أباه، وقد كانت بصمات المسدس راجعة لأبيه لا له؟ فأجابني أن والده هو من أنهى حياته فعلاً، لكنه هو من خطط لذلك منذ البداية." هتف عمران بدهشة وقد بدأ يفهم خيوط المأساة: _"كيف ذلك؟" فأجاب العم ربيع: _"قال إنه كان يضع له دواءً محرّمًا دخوله إلى مصر، سُمًَّا ممتدّ الأثر لا يقتل سريعًا، فظل يضعه له في الطعام والشراب مدة ثلاثة أشهر. ومع مرور الوقت بدأ مفعوله يظهر على السيد توفيق. وفي الليلة الحاسمة، نشب بينهما شجار عنيف، اعترف فيه حسن لأبيه أنه من قتل أخاه هاشم، وزوجة أخيه سعاد قبل ساعة، وأنه ينوي قتل الصغيرة خديجة أيضًا. وكان الأقسى على الأب أن يسمع اعتراف ابنه بأنه كان يقتله ببطء منذ أشهر، فما إن انتهى من كلامه حتى أخرج مسدسه الخاص من أحد أدراج المكتب، ووضعه على جبينه بعزمٍ وحسرة، ثم ضغط الزناد. قال حسن إنه حاول منعه، لا حبًّا فيه ولا ندمًا، بل لأن انتحاره سيفسد عليه ما خطط له، غير أن والده لم يصغِ إليه، وخرجت الطلقة لتستقر بين حاجبيه فسقط ميتًا في الحال. ظل حسن مشدوهاً للحظات، ثم أيقظ عقله الشيطاني خطةً بديلة، فحوّل الجريمة لتبدو كأن والده هو الفاعل والمنفذ، لكن ما لم يحسب حسابه كان الصغيرة خديجة، التي كانت تقف خلف الباب تسمع وترى كل ما حدث. كانت الصدمة أقوى من قدرتها على الاحتمال، ففقدت النطق تمامًا منذ تلك الليلة." تحدث عمران، وهو يبدو مشدود الانتباه على المتابعة: _"تابع… وماذا كان مصير الطفلة بعدما رأت ما لا ينبغي أن تراه؟" استكمل العمُّ ربيع حديثه بأسفٍٍ: _"فقدت الوعي من شدة الصدمة، فحملها حسن وخبأها في هذا المكان الذي نقف فيه الآن. وحتى هذه اللحظة لم أعرف كيف علم بهذا المخبأ. أخبرني ذات مرّة أن والده — السيد توفيق — له مكانٌ سريّ لا يعرف موقعه أحد، لكنه استطاع اكتشافه، وفعلاً أخفى الصغيرة هناك. بعد ذلك أرسل إليه شخصٌ كان قد اتفق معه من قبل جثةَ فتاةٍ بالغةٍ من العمر عشر سنوات، واشترا باروكة تُشبه شعر الطفلة في اللون، وضعها على رأس الجثة وأشعل النار فيها حتى تفحمت؛ فبدت للجميع كأنها خديجة، حيث تعذّر التعرف عليها نتيجة التفحّم. ثم صعد حسن إلى غرفته وتمثّل أمام الناس أن الفاجعة قد حدثت وأن والده قد أقبل على خنقه الوسادة، وكان متفقًا مع أحدهم على إيهام الناس بأن صاحب القصر هو من ارتكب الجريمة، ثم أنهى حياته. حتى الآن لا أعلم كيف أوهم الجميع بموته أو ماذا فعل بجثته المصطنعة بعد إخراجها من القصر، كحال باقي الجثث." تساءلت ليلى بحزنٍ وقد عجز عقلها عن استيعاب الفجيعة: _"وماذا فعلتما بالصغيرة خديجة؟" أجابها العمُّ ربيع وهو يواصل بسردٍ موصوفٍ: _"أخرجها حسن من القبو السريّ، وغادر بها إلى محافظةٍ أخرى حتى لا يتعرّف عليهما أحد. وبعد مرور خمسة أشهر أعادها حسن إليّ وأخبرني بكل ما فعل، وطلب مني أن أُخفيها هنا وأرعاها يوميًا، وكان يرسِل النقود يوميًا بوفرة كي لا أفضح أمرها أو أمره. واقترح عليّ أن أشتري محلَّ البقالة القريب من القصر لأكون قريبًا منه دائمًا دون لفت الأنظار. سار الأمر هكذا حتى أتمّت الصغيرة خمسةً وعشرينَ عامًا، ثم سمعت بخبر موت حسن المفاجئ الذي تغيّر مظهره بعد إجراء جراحة تجميلية غيرت ملامحه تمامًا." قال عمران بهدوءٍ يحاول إخفاء ما في داخله: _"وعندما عرفت بموت حسن ألم يحن وقتها الوقت لتخرج الصغيرة من هذا المكان وتذهب بها إلى قسم الشرطة وتبوح بكل ما جرى؟" تنهد العمُّ ربيع بخوفٍ شديدٍ فأجاب: _"كنتُ خائفًا آنذاك من الجميع؛ خشيتُ أن ألقى أشد العقوبات، كما أني لم أكن واثقًا أن أحدًا سيصدّق قصةً تبدو كخيال. من سيصدّق أن حسن هو من قتل الجميع بينما الدلائل تشير إلى غيره؟ من سيصدّق أن خديجة التي رأوها جثةً لا تزال على قيد الحياة؟ ومن سيصدّق أن الرجل الذي افتعل المجزرة قد غيّر ملامحه وعاش بين الناس بعد ذلك؟" انفعلت ليلى غيظًا وغضبًا من حديثه قائلةً: _"يعني خِفتَ على نفسك وتعايشتَ مع الوضع بشكلٍ عادي، ولم تشفق على هذه الفتاة للحظةٍ واحدة؟! حرمتماها من أبسط حقوقها، فعمُّها قتل أباها وعائلتها بأكملها، أفقدها النطق، واستكمل جرائمه بزجِّها في هذا المكان المقرف! كان بين يديك فرصة لتُعَوِّضها ولو قليلًا عمّا عايشته، إلا أنك لم تختلف عن حسن، بل أكملتَ ما بدأه هو! لعنةُ الله عليكم جميعًا، ليتكم تتعفّنون في الجحيم! لا أصدق ذلك... أشعر أن رأسي يكاد ينفجر من كثرة هذه الحقائق المفجعة!" وجَّه رفعت سؤاله بحدةٍ محسوبة: _"ولِمَ أبقى حسنُ الصغيرةَ على قيد الحياة؟ لماذا لم يقتلها مثل البقية؟" مسح العم ربيع وجهه بتوترٍ ظاهر وقال: _"لا أعلم الحقيقة تمامًا، لكن في مرةٍ كان يشرب أمامي فأثمل، وبدأ يسبّ والده قائلًا إنه كتب لأخيه كلَّ أملاكه من قبل، ثم تفاجأ بأن توفيق كان يختبرهم جميعًا وكذب عليهم، وكتب للصغيرة خديجة كلَّ ما يملك. استنتجتُ أنه أبقاها على قيد الحياة حتى تكبر فتتنازل له عمّا تملك، وهذا بالفعل ما حدث حين أتمّت الثامنة عشرة." لاحقه رفعت بسؤالٍ آخر: _"وأصواتُ البكاء التي كانت تُسمَع ليلًا؟ والأضواء التي كانت تظهر في الطابق العلوي ثم تختفي؟ والظلال التي تتحرك خلف النوافذ؟ كلّ تلك الأشياء التي تحدّث عنها الجميع، ما حقيقتها؟ وأخيراً الحريق الأخير الذي وقع منذ خمسِ سنواتٍ مَن اٌفتعله؟" رد العم ربيع قائلًا: _"كان لا بد أن يصدق الناس أنّ القصر تسكنه الأرواح والجن، حتى لا يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه خوفًا مما يظنونه لعنةً أو أرواحًا هائمة. ففكّرنا أنا والسيد حسن في تنفيذ هذه الخطة، فجلبنا سماعاتٍ ضخمة وأوصلنا بها أصواتًا مخيفة يسمعها جميع أهل الحي فيرتعبون، أمّا الظلال التي كانت تُرى خلف النوافذ فكنتُ أنا من يفتعلها، والأضواء كان يُشعلها السيد حسن في اللحظة ذاتها ليُعزِّز الوهم أكثر، أما بالنسبة للحريق الأخير، فأنا من تسببتُ به؛ ولكن حدث ذلك دون قصدٍ مني." سأله عمران رغم علمه المسبق بالإجابة: _"هل كنتَ أنتَ من يراقبنا عندما دخلنا القصر قبل يومين، وكنتَ تضع الأقفال تارةً وتنزعها تارةً أخرى؟" أجابه ربيع موافقًا: _"نعم، كنتُ أنا. حاولتُ تشتيتكما وإخافتكما بشتى الطرق فور أن لاحظتُ اختفاء مذكّرات السيد توفيق، لكنكما لم تتراجعا، بل جئتما الليلةَ واكتشفتما السرَّ المخبأ منذ ثلاثين عامًا، السرَّ الذي لم يعلم به أحدٌ قبلكما." صمتوا جميعًا، واكتفت نظراتهم بوصف ما يعيشونه الآن من صدمةٍ، عدمِ تصديقٍ، جنونٍ، حزنٍ، حسرةٍ، شفقةٍ… مشاعرُ متباينةٌ تكاتفت على وجوههم المصعوقة لما استمعوا إليه من حقائق لا يصدقها عاقلٌ أو مختلّ! هتفت ليلى وهي تنظر إلى تلك الراقدة، التي كانت عيناها الباهتتان تحدقان في السقف بشرودٍ عميق، غير منتبهة لما يدور حولها: _"والآن ماذا بعد؟ ما الخطوة التالية؟ وتلك الراقدة على الفراش، غير الواعية لحديثنا، ما مصيرها؟" تحدث عمران بغضبٍ وهو يمسك بربيع بقوة، ويسلمه لأبيه الذي أحكم قبضته عليه: _"لا توجد خطوة تالية، انتهت جميع الخطوات، ولا يوجد حلٌّ آخر سوى تسليم تلك الحُثالة لقسم الشرطة ليعترف بكل جرائمه." ارتعب العم ربيع، وارتعش جسده بخوفٍ بالغ وهو يقول راجيًا: _"لا، لا، لا تفعل ذلك أرجوك! لم يكن أمامي طريقٌ آخر أسلكه، فعلت ذلك رغماً عني!" لم يهتم أحدٌ بما يقوله، بل خاطبه رفعت بصرامةٍ: _"أمام ضابط الشرطة يمكنك أن ترجوه وتطلب العفو منه، وإن عفا عنك ولم يعاقبك، فاعلم أن عقاب الآخرة أشد وأقسى." حمل عمران تلك الغافية بتعبٍ بين ذراعيه، وتحرك بها إلى خارج ذلك المكان الموحش، وفي الخلف أمسك والده بهذا الجاحد بقوةٍ وإحكامٍ حتى لا يتمكن من الهرب، وخلفهما كانت ليلى تسير شاردةَ الفكر، لا يصدق عقلها ما استمعت إليه، وقلبها يبكي على تلك المأساة. زارت أغلب المحافظات، وكتبت أحداثًا صحفية عن حوادث كثيرةٍ ومتنوعة، لكن هذه كانت أغربها وأفجعها. خرج الجميع من ذلك المكان المظلم بالطريقة ذاتها التي دخلوه بها، ولم يتوقف عمران عن السير حتى تجاوز بوابة القصر، وخلفه أبوه وليلى. كان الحي ساكنًا إلا من صوت صرير أوراق الشجر، وكانت وجهة عمران محددة؛ الوصول إلى سيارته المركونة أمام البناية التي تقيم بها ليلى. لم يُعر اهتمامًا لنظرات الناس المتعجبة ممن يحملها بين يديه، وازداد تعجبهم حين رأوا رفعت يُمسك بالعم ربيع جارهم وكأنه مجرمٌ أُلقي القبض عليه. ورغم علامات الاستفهام التي ارتسمت على وجوههم، لم يجرؤ أحدٌ على السؤال. أخيرًا، اقترب عمران من سيارته، ففتح الباب الخلفي وآمال بجسده ممددًا تلك الغافية بحذرٍ على الكرسي، ثم أدخل والده ذاك المسنّ بقوةٍ، مجبرًا إياه على الانصياع له، فجلس بجوار خديجة، وجلس رفعت إلى جانبه، بينما استقر عمران خلف عجلة القيادة، وجاورته ليلى بالمقعد الأمامي الآخر. فور أن سكن الجميع أماكنهم، انطلق عمران بسرعةٍ كبيرة. وبعد عشر دقائق توقفت السيارة أمام إحدى مستشفيات منطقة كيمان فارس بمحافظة الفيوم. أخبر أباه أن ينتظره في السيارة، وحمل السيدة خديجة بمساعدة ليلى. تقدما حتى وقفا أمام الباب الداخلي للمشفى، وتتابعت الإجراءات المكثفة حتى انتهى الأمر بليلى ترافق السيدة بالمشفى، وعمران يعود مرةً أخرى لأبيه، واعدًا إياها بالرجوع سريعًا. انطلق مجددًا بسيارته إلى وجهته التالية، وبالخلف كان الرعب سيد الموقف بالنسبة للعم ربيع؛ شفتاه ترتجفان خوفًا ولسان حاله يلعن نفسه في الساعة التي قَبِلَ فيها طلب حسن. وصل عمران إلى قسم الشرطة، ونزل من السيارة ممسكًا بالمجرم بإحكامٍ، بمساعدة أبيه. وصلا إلى أحد المكاتب بالجانب الأيمن من القسم، وقال عمران للعسكري الماثل أمامه: _"من فضلك، نريد الدخول إلى الضابط يوسف في أمرٍ عاجلٍ للغاية." تطلع العسكري إلى الرجل الذي بين أيديهم، ثم عاد بنظره إلى عمران قائلًا: _"أخبره بمن يريد لقاؤه؟" قال عمران بهدوءٍ: _"أخبره أن عمران رفعت قاسم، المحامي، يريد رؤيته." تركهم الشرطي ودخل إلى قائده، ولم تمضِ سوى بضع دقائق حتى خرج يدعوهم للدخول. دخل عمران أولًا، فوقف الضابط احترامًا له، صافحه عمران بحرارةٍ نظرًا لمعرفتهما السابقة، وبعد أن تبادل التحية مع رفعت أيضًا، وجه الضابط أنظاره المتسائلة إلى ذلك الرجل المرتجف في الخلف، فأوضح له عمران وهو يجلس بعد إشارة الضابط: _"هذه قصةٌ طويلة، سيدي، وأنا في عجالةٍ من أمري لسردها عليك." فأذن له الضابط بالبدء بالحديث، تنحنح عمران قليلًا قبل أن يبدأ، بينما كانت عيناه تتابع ارتجاف العم ربيع الذي بدا كمن يوشك على الانهيار. قال بصوتٍ ثابت رغم اضطراب أنفاسه: _"منذ يومين فقط كنا نبحث عن ماضي قصرٍ قديم في مديتنا هجره الجميع خوفًا من قصصٍ نُسجت حوله، واليوم أقف أمامك حاملاً بيدي نهاية حكايةٍ دامية عمرها ثلاثون عامًا." مال الضابط يوسف للأمام باهتمامٍ بالغ، وأسند ذقنه إلى كفيه قائلاً: _"ثلاثون عامًا؟! أكمل يا أستاذ عمران، أريد أن أفهم كل شيء بدقّة." تابع عمران: _"هذا الرجل، العم ربيع، كان شريكًا في جريمةٍ فاقت الوصف. ساعد القاتل الرئيسي — المسمى حسن توفيق — على إخفاء ابنة أخيه الطفلة “خديجة” بعد أن قتل والدها وعائلتها بأكملها. الجميع ظن أنها ماتت، وصدر لها شهادة وفاة، بينما كانت في الحقيقة محتجزة في قبوٍ مظلم داخل القصر. ثلاثون عامًا من العزلة، من الخوف، من انعدام الحياة، حتى عثرنا عليها الليلة وهي في حالةٍ يُرثى لها." رفع الضابط يوسف حاجبيه بدهشةٍ حادة: _"هل تقول إن الفتاة ما زالت على قيد الحياة؟" _"نعم سيدي، نُقلت الآن إلى مستشفى بمنطقة كيمان فارس، والطبيب يؤكد أن حالتها حرجة، لكن هناك أمل في نجاتها. أما هذا الرجل... فقد اعترف لي ولشهودٍ آخرين بكل ما حدث، وبأن حسن توفيق تظاهر بموته قبل سنوات ليُخفي جريمته." أخرج عمران من حقيبته ملفًا صغيرًا، وضعه أمام الضابط وهو يقول: _"هذا كل ما جمعناه من أدلةٍ وشهادات، أرجو أن تبدأوا فورًا بالإجراءات القانونية." أخذ الضابط نفسًا عميقًا، وأشار لأحد العساكر قائلًا: _"ضع هذا الرجل في غرفة الاحتجاز، لا أريد أن يخرج من هنا قبل أن أستمع لكل كلمة منه بنفسي." أومأ العسكري، فتراجع العم ربيع خطوتين وهو يقول بصوتٍ مرتعش: _"سيدي... صدقني، لم أكن أملك خيارًا آخر، كنت أخاف... كنت عبدًا لأوامر حسن!" رد الضابط يوسف بصرامةٍ قاطعة: _"الصمت الآن، ستتحدث حين أطلب منك ذلك." اقتادوه خارج المكتب، وبقي عمران ورفعت أمام الضابط الذي أسند ظهره للكرسي وقال بنبرةٍ مندهشة: _"ما سمعتُه يفوق كل تصور، سنحتاج إلى أمر من النيابة للتحقيق في موقع القصر، وفتح ملف القضية القديمة التي أُغلقت على أنها قتل جماعي." تبادل عمران ورفعت نظراتٍ حازمة، ثم قال عمران بثقةٍ لا تخلو من الغضب: _"افتحوا القبر المزيف الذي دفن فيه “حسن توفيق”، وستجدون الحقيقة بأكملها." ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن ينهض الضابط يوسف قائلًا: _"إن صحّ ما تقول، فهذه ليست مجرد جريمة، بل مأساة إنسانية كاملة. سنعيد فتح القضية فورًا." ******* بعد أن غادر العم ربيع غرفة التحقيق، خرج عمران ورفعت من القسم بصمتٍ ثقيل يقطعه صوت خطواتهما المتسارعة نحو السيارة. كانت الأفكار تتزاحم في رأس عمران، وكأن عقله يرفض أن يستوعب حجم ما سمعه طوال الساعتين الماضيين . قاد السيارة نحو المستشفى مجددًا، والليل بدأ ينسدل على المدينة كستارٍ كثيف يخنق أنفاسها. لم يتحدث أحدهما بكلمة طوال الطريق، إلى أن وصلا إلى البوابة الرئيسية، فنزلا مسرعين نحو الطابق الذي ترقد فيه خديجة. استوقفتهما الممرضة أمام الغرفة قائلةً بصوتٍ هادئ يحمل شيئًا من الحذر: _"أرجو ألا تُطيلوا المكوث، حالتها غير مستقرة." أومأ عمران شاكرًا، ثم دفع الباب ببطءٍ شديد. كانت الغرفة تفيض برائحة المطهّرات، والضوء الأبيض الباهت ينسكب على وجه خديجة الشاحب. بدت كمن أُنهِكَت روحها قبل جسدها، نحيلة إلى حدٍ يوجع القلب، وعيناها نصف مغمضتين كأنهما تريان العالم ولا تراه في آنٍ واحد. جلست ليلى إلى جوارها تُمسك بيدها برفقٍ، بينما اقترب عمران مترددًا وسأل الطبيب الذي كان يقف بجانب السرير: _"كيف حالها الآن، دكتور؟" تنهد الطبيب وأجاب بصوتٍ منخفض: _"من الناحية الجسدية، نُحاول إنعاشها بالعلاج والغذاء، لكنها... تعاني من صدمةٍ عصبية حادة. حاولنا التحدث إليها، إلا أنها لا تنطق بكلمة واحدة. يبدو أن فقدانها للنطق ناتج عن صدمة نفسية قديمة جدًا، ترسّخت في وعيها حتى بات الكلام عبئًا على جهازها العصبي." قال رفعت بقلقٍ ظاهر: _"وهل يمكن أن تستعيد قدرتها على الكلام؟" أجابه الطبيب وهو يضع يده في جيبه بتأنٍ: _"ربما، لكن الأمر ليس سهلاً. ما مرت به يُعرف في الطب النفسي باسم (اضطراب الكرب ما بعد الصدمة)، وهو اضطرابٌ يُصيب من شهدوا أو عاشوا أحداثًا تفوق قدرة العقل على الاحتمال. في مثل حالتها، قد تتكرّر الكوابيس، أو تستعيد المشاهد القديمة بصورةٍ فجائية، وقد تفقد الإحساس بالزمن والمكان، بل وتدخل في نوباتٍ من الذهول التام." اقترب عمران من السرير بخطواتٍ بطيئة، نظر إلى وجهها طويلاً وقال بصوتٍ خافتٍ كأنما يخاطب نفسه: _"ثلاثون عامًا وهي سجينة الماضي، لم تخرج من القبو إلا لتسكن قبوًا آخر داخل عقلها!. " سرت رجفة في يد ليلى وهي تُربّت على كفّ خديجة بحنانٍ ابنة حنونة، ثم همست: _"سنُعيد لك صوتك، وحقك، وكل ما سُلب منك، أعدك بذلك." اكتفى عمران بالنظر إليها نظرةً طويلة، ثم التفت إلى أبيه قائلًا: _"علينا ألا نُضيع الوقت، يجب أن نُبلغ النيابة فورًا بحالتها، فهذه الشهادة — وإن كانت صامتة — قد تنطق بالعدل يومًا ما." غادر الثلاثة الغرفة، بينما بقيت خديجة على حالها، تحدّق في السقف بعينين خاليتين من التعبير، وكأنها ترى ما لا يُرى… الماضي كله يمر أمامها في صمتٍ مؤلم لا صوت له. *****

📜 الفصل الحادي عشر والأخير 📜

الفصل الحادي عشر والأخير في صباح اليوم التالي، كانت الفيوم بأكملها تضجّ بالخبر، وكأن المدينة لم تعرف النوم تلك الليلة. انتشرت القصة بين ألسنة الناس كالنار في الهشيم، وتحوّل اسم "قصر خازور" إلى العنوان الأبرز على كل لسان. الصحف تصدّرت صفحاتها الأولى بعناوين صارخة: "كشف لغز القصر المسكون بعد ثلاثين عامًا من الغموض" "الناجية الوحيدة من مذبحة خازور تُكتشف حيّة" "ثلاثة عقود من الحبس في سردابٍ مظلم.. والفاعل يعترف" أما القنوات الفضائية، فقد جعلت من الحادثة مادةً دسمة تتناقلها البرامج الإخبارية ومنصّات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة. مقاطع الفيديو، الصور، التحليلات، والآراء المشتعلة اجتاحت كل مكان، حتى بات الناس يتجادلون في تفاصيل القضية وكأنهم شهود عليها. وفي أحد المقاهي الشعبية، كان صوت أحد الرجال يعلو قائلًا بانفعال: _"ثلاثون عاماً أيها الناس، ثلاثون عاماً وهى محبوسة، هذا لا يمكن أن يكون بشراً حتى يفعل ذلك!" فيرد عليه آخر وقد اعتلت وجهه علامات الذهول: _"والعجيب بالأمر، أن لا أحد شك، ولا حتى سمعنا عنها منذ يوم الحريق!، إنها بالفعل قضية القرن." في تلك الأثناء، كان قسم الشرطة في حالة استنفار غير مسبوقة. الأوراق تتناثر فوق المكاتب، والضباط يتنقلون بسرعةٍ بين الغرف، والهواتف لا تتوقف عن الرنين. جلس الضابط يوسف خلف مكتبه بوجهٍ متجهم، يتصفح ملفات القضية التي تكدّست أمامه، وإلى جواره عمران يراجع أقوال العم ربيع التي سجّلتها النيابة في الليلة السابقة. رفع يوسف نظره قائلًا: _"النيابة أمرت بتحويل المتهم إلى السجن الاحتياطي لحين استكمال التحقيقات، وسيُعرض على المحكمة خلال أيام. أما الفتاة، فستبقى تحت الرعاية الطبية والنفسية حتى تستعيد وعيها الكامل." أومأ عمران موافقًا وقال بصوتٍ منخفضٍ يحمل حذرًا: _"لكن، سيدي، لا أظن أن القضية ستُغلق بسهولة، فهناك الكثير من الغموض بعد... كيف عاش حسن طوال تلك السنوات باسمٍ مستعار دون أن يُكشف؟ ومن ساعده في تزوير الأوراق الرسمية؟ لا بد من البحث في الماضي أكثر." أجابه يوسف بنبرةٍ جادة وهو يضمّ يديه فوق المكتب: _"أنت محق، تلك ليست مجرد جريمة قتلٍ وحبسٍ قسري، بل شبكة كاملة من التلاعب والفساد. وسنكشفها قطعةً قطعة، مهما طال الزمن." ***** خارج القسم، كانت الكاميرات تحيط بالمكان من كل صوب، والصحفيون يتدافعون للحصول على أي معلومة جديدة. وفي المشفى، كانت خديجة لا تزال ترقد صامتة في فراشها الأبيض، غير مدركة أن العالم الخارجي قد عاد ليتحدث باسمها، وأن قصتها — التي بدأت بالصمت — صارت الآن صرخةً مدوّية تملأ البلاد. ****** في صباح اليوم التالي، اشتعلت الأحاديث في كل مكان، وتحوّلت الحكاية إلى قضية القرن التي شغلت الرأي العام. امتلأت الصحف والمواقع والقنوات بخبر المرأة التي حُبست ثلاثين عامًا داخل قصر «خازور»، وبأن الجاني الحقيقي قد مات منذ خمسة عشر عامًا بعد أن عاش متخفيًا باسمٍ آخر. أُدين العم ربيع بعد التحقيقات التي أجراها الضابط يوسف، واعترف بكل ما اقترفه، فحُكم عليه بالسجن المؤبد. لم يحاول الدفاع عن نفسه، ولم يبدِ اعتراضًا، فقط جلس صامتًا، شاردًا بعينين تائهتين كأنهما تُفتّشان في الماضي عن نقطة البداية التي أودت بكل شيء. وفي زنزانته الصغيرة، كان يهمس كل ليلة باسم خديجة، كأنه يطلب منها الغفران في عالمٍ لن يصله منه سوى صداه. وفي المستشفى، كانت خديجة ترقد في صمتٍ مؤلم، لا تنطق حرفًا واحدًا منذ لحظة إنقاذها. أكّد الأطباء أنها تُعاني من اضطراب كربٍ ما بعد الصدمة؛ عقلها حُبس في لحظةٍ لم تبرحها منذ الطفولة، تعيش الذكرى كأنها ما زالت تحدث الآن، بين خوفٍ متجذّر وصمتٍ لا يُكسر. وهكذا انتهى السر الذي دفنته الجدران، لكن أثره لم ينتهِ بعد… إذ بقي في النفوس ما هو أعمق من الحكاية نفسها. منذ أن انتشرت القصة، صار اسم "ليلى" يتردد في كل مكان، تتناقله الألسن كما لو كان أسطورة أُعيد بعثها من رمادها. الصحف كتبت عنها، البرامج استضافتها، ومواقع الأخبار ملأت صفحاتها بصورتها وهي تبتسم ابتسامة لا تعكس ما في داخلها. ترقّت سريعًا، وصارت من أشهر الصحافيين في الوسط، لكن داخلها ظلّ ساكنًا كبحرٍ هدأ سطحه، فيما تضج أعماقه بالعواصف. كانت تكتب، نعم، غير أن الحروف فقدت دفأها، والقصص التي ترويها لم تعد تُدهشها كما كانت. فمنذ أن خرجت من ذلك القصر، لم يعد العالم كما تعرفه، ولم تعد هي كما كانت. كل ليلة، حين تسكن المدينة ويغفو ضجيجها، كانت تجلس أمام المرآة، تحدّق في انعكاسها طويلاً كأنها تنتظر منه أن يبوح بشيء… بشيء لم تستطع هي فهمه بعد. مضت أيامٌ قليلة ظلّت فيها خديجة تحت رعاية الأطباء، ساكنة الملامح كأنها تستريح من كل ما أنهكها عمرًا. كانت ليلى تزورها يوميًّا، تجلس جوارها تراقب سكونها وتحدّثها رغم علمها بأنها لا تسمع. لكن في صباحٍ هادئ، حين دخلت الغرفة كعادتها، لاحظت شيئًا مختلفًا… ابتسامة هادئة استقرّت على وجه خديجة، ويدٌ متجمدة ما زالت تمسك بطرف الغطاء كأنها همّت بالرحيل بهدوء. اقتربت ليلى بخطواتٍ مرتجفة، وضعت يدها على يدها الباردة، ثم رفعت رأسها نحو السماء هامسةً بصوتٍ متكسّر: _"رحلتِ أخيرًا يا خديجة... رحلتِ كما عشتِ، صامتةً تحملين سرك إلى ما بعد الحياة." خرجت من الغرفة بخطواتٍ مثقلة، والدموع تترقرق في عينيها، لكن في داخلها شعور خفي بالسكينة… كأن روح خديجة تركت في المكان أثرًا من سلامٍ لم تعرفه يومًا في حياتها. ***** بعد أشهرٍ من انقضاء الحادثة، وقد عادت ليلى إلى الإسكندرية، إلى مدينتها التي لطالما وجدت في هوائها طمأنينةً تُشبه حضن أمٍ غابت طويلًا. كانت تجلس برفقة عائلتها على شرفة المنزل المطلّة على البحر، النسيم يلاعب خصلات شعرها، وصوت الموج ينساب إلى أعماقها كأنّه يُعيد ترتيب فوضاها الداخلية. وفي خضم هذا السكون، تعالت نغمة هاتفها لتكسر الصمت. نظرت إلى الشاشة، ترددت لحظة، ثم أجابت. جاءها صوت عمران، مفعمًا بخفّته المعتادة معها في الأوان الأخيرة: _" من الواضح أن الشهرة لم تغير بكِ شيئًا يا أستاذة ليلى! " ابتسمت رغمًا عنها، وقد سرى في ملامحها دفء غريب لم تشعر به منذ زمن، ثم ردّت بنبرة هادئة: – "وعلامَ أُغيّر، يا عمران؟ ما زلتُ أبحث عن القصص التي لا يريد أحد سماعها." ضحك بخفوتٍ عبر الهاتف، ثم قال: – "يبدو أن القصص كانت سببًا في لقائنا، فشكرًا لها." ضحكت ليلى هي الأخرى، تنظر إلى الأفق حيث يلتقي البحر بالسماء قائلةً بخفة: _"بل شكرًا للقدر يا عمران، لولاه ما كنت تعرفت على شخصيةٍ جميلة ولطيفة مثلك. " تمت بحمد الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة