طيف (نوفيلا تكميلية لرواية علاقات سامه)

غلاف

📜 المقدمة 📜

نختار دروبنا قانعين أنها خيارنا الوحيد ولا نملك سواه، بعضنا يملك من البصيرة ما يجعله يصيب والبعض يتملكه هواه ويزين له شيطــانه سبيل الهــلاك، وبين هذا وذاك تتباين الطرق وتتشابك، وبالرحلة إما يستقيم الطُّريق أو يعوج فتضل السبيل وهنيئًا لمن يصل والعقبى لمن يصرع شيطـــانه ويرديه قتــيلًا.

📜 الفصل الأول 📜

(فخ مزدوج) وقف بقلب المنزل يتملكه الغضب ضاق بأفعالها ذرعًا ولم يعد يتحملها، لم تحترم اتفاقهما بأن يتعاملا برقي ويدعا ذرائعهما وينحياها جانبًا من أجل عُدي ابنهما الغالي، لكنها أحيانًا تتعمد خرق الاتفاق بسفور وكأنها تذكره أنها الأقوى، بل أحيانًا يظن أنها تريد إحياء صراعهما من جديد ها هي تتأخر اليوم عامدة وتتجاهل اتصالاته جميعها، قطع سيل أفكاره دلوفها بخيلاء وتبختر، تلاقت نظراتهما فقابلت غضبه بلا مبالة واستخفاف، هدر بصوته الغاضب والذي جَـاهَد لألَّا يتنامى لسمع حلا وعُدي: - كنتِ فين؟ ومش بتردي على التليفون ليه؟ تجاهلته تمامًا واتجهت لأقرب أريكة اعتلتها بعدم اكتراث لسؤاله، نظرت له بهدوء يناقض حالته -التي يحاول كبتها - ثم اردفت بما لا يتعلق بسؤاله: - عندي لك خبر استحاله تتوقعه. قطب حاجبيه مرتابًا وصوت داخله يخبره بقدوم كارثة: - مش المحروسة الصغيرة جالها عريس. - تقصدي بنتي؟! لو حقيقي كلِّمك أنتِ ليه؟!! - يمكن أنا اللي كلمته، أو تبع معارفي. - البنت صغيرة قولي له طلبه مرفوض. - تؤ، مش مرفوض، مش تسأل مين الأول. ساد صَمْت مُرتَقَب لم يدُم طويلًا فقد أخرجت هاتفها مُظهرة صورته على شاشته وابتسمت بظفر مع تراجعه خطوة للخلف وكأن معرفة هوية الشخص زلزلت كيانه وصــدمته، اتسعت بسمتها المنتصرة مع صراخه عليها بغَضَبٍ هادر: - قولت لك ميت مرة بنتي بره اللي بيحصل بينا، أنتِ اللي ورا طلبه. - أيوه، أنا اللي سعيت له، وبلغته موافقتك كمان. - أنتِ بتستعبطي! مين فوضك تتكلمي عن بنتي. - أنا في مقام المحروسة أمها، هجوزها واحد له مركز وسلطة مش هنا بس لا له سلسة علاقات متشعبة في دول عربية وأجنبية كمان. - فاكرة ممكن أسلم بنتي لواحد معروف عنه يعمل أيه في كل اللي اتجوزهم، ده بيقطع لحمهم، أخباره متصدره الصُّحف الأجنبية، ابعدي عن بنتي يا ريفال، احسن لك وركزي في ابنك عُدي بدل ما أنت رمياه للخدم وحلا هي اللي أخده بالها منه ابنك بيقولها يا ماما وبيخاف منك، فوقي، ابنك عنده أربع سنين ما عادش صغير. - بس ما تقولش ابني، طالع نسخة منك، لا عارفة ازاي ولا امتى حملت؟! ولا ليه كملت؟! كان المفروض اجهض أول ما عرفت بحملي منك.. مش موضوعنا، أنا بلغته بالموافقة، لو تقدر بلغه بالرفض. نطقت آخر جملة بســخرية شامِــتة، ثُمَّ تركته لتصعد غرفتها، تابع رحيلها وقد انعقد وجهه بغضب وتفكير، فعليه إيجاد حل جذري وسريع؛ فرِعُونة تفكيرها صعَّدت صراعهما واعطته ابعاد أكثر سُمِّيَّة ودناءة، وكما عهد من نفسه بالسنوات الأخيرة تجسد له طيف من الماضي بذكرى لحديثه مع والدته «أنت مش قد دعوة المظلوم؛ ما فيش بينها وبين ربنا حجاب، لو مراتك فوضت أمرها لله في عمايلك ربنا هيقتص منك بقدره وعزته، ربنا أقسم أنه ينصر المظلوم ولو بعد حين، الظالم ربنا يقتص منه دنيا وآخرة يا شهاب، أنت ترضي على بنتك ده؟!» دون أن يشعر وجد نفسه يجيبها كما لو كانت جانبه بعدما سحب شهيق عميق: - آه يا أمي.. بعترف إني تعبت، زي ما دوقتها العذاب زمان اتزرعت في الجحيم من سنين ولسه ما وفتش حسابي، النار بتكبر قربت تطول حلا.. لأ، حلا لأ. انقضى الليل ولا زال على جلسته ولم يتوقف عقله لحظة واحدة عن التفكير، مع سماعه لأذان الفجر توضَّأ ولجأ إلى الله لا يعلم بما يدعو أو كيف! صرخات مكتومة بجوفه وأعينه معلقة بالأعلى وكأنَّه اخترق البناء ناظرًا للسماء، طالت جلسته حتى شق الضياء الأفق فدلف للغرفة، وجدها تهندم ملابسها وتعدل وضع حجابها الذي يظهر تسريحة شعرها ببذخ، طالعته من انعكــاس المرآة ببسمة شامتة متشفية، فرغم أنه لا يحني هامته ويقف دومًا بشموخ وكِبر مهما حدث إلا أن انكسار روحه وشبح قهره سكنا نظرته وعجز عن إخفائهما فباتت بقمة نشوتها وخيلائها. التحمت النظرات بحرب صامِتة ختمتها بكلماتها التي سبقت خروجها من المنزل: - ما عرفتش تنام.. لقيتها مقفِّلة من كل النواحي صح! مبارك يا أبو العروسة. نظر في أثرها بغموض صامت، ثم اتجه للمرحاض واستعد للخروج، لم تكن وجهته العمل؛ فقد قرر تحرير أبنائه من سجن حياتهما، سيبعدهما عن الجحيم، وقف بسيارته أمام مكتب حجز التذاكر حجز رحلة طيران لحلا وأخيها إلى دولة أجنبية بعيدة يستوجب طول رحلتها أخذ هدنة في منتصف المسافة «ترانزيت» ومن خلال دولة التزانزيت حجز لهما وجهتين أخريين أحدهما للعودة إلى مصر هكذا رأى تشتيت فكرهم، ومن حسن تصاريف القدر أن وجد هذه الرحلة بمنتصف اليوم التالي، أتم الخطوة الأولى فتوجه مباشرةً إلى مدرسة ابنينه، وقد بدأ الإجراءات ليكملا دراستهما هذا العام عن بعد عبر الانترنت، كان هذا الجزء الأول من خطته. وقف بسيارته في منطقة جبلية خالية سوى من بعض سيارات شحيحة ينظر للفراغ مِن حوله، يشعر أنه على شفا هاوية سحيقة، لا يأمل سوى أن يسقط وحيدًا دون أذية ابنينه، ارجع رأسه للخلف يفكر في الجزء الثاني لخطته والذي لم يحسمه بعد «إلى مَن يوكل تربيتهما»، رغم كل ما يكنه لوالده إلَّا أنه لا يستطيع إيكال تربيتهما له، يكفي شهاب واحد بالدنى، ويكفى حلا عذابًا؛ لذا حسم قراره ولن يتراجع عنه، بدَّل شريحة الهاتف للرقم الجديد الذي اشتراه على سبيل الاحتياط؛ فلم يعُد يدرك إلى أي مدى وصل جنون زوجته، نظر لساعته يتأكد من حلول وقت خلوة والده اليومي بعيدًا عن زوجته، ثُمَّ هاتفه. على الجهة الأخرى تعالى رنين هاتفه برقم دولي غريب، صاحب شعور كريهة بحدوث أمر سيء لابنه، أجاب بنبرة قوية ثابتة كاسمه تناقض انقباض دواخله، وسرعان ما تحول قلقه إلى غضب: - أنتَ اتجننت يا شهاب، واعي لكلامك! - أنا متأكد من اللي بقوله جدًا، وعايزك تبدأ في الإجراءات بسرعة، معاك التوكيل اللي عملته قبل ما اسافر ولو عايز أي أوراق تانية هحاول اجهزها. - يبقى اتجننت فعلًا يا شهاب، يا أما في كارثة عندك ومخبيها. - صدقني يا بابا مفيش وقت أحكي أي حاجة، عايز كلامنا ده يكون سر بينا بعيد عن مراتك، مش عايز أي حاجة توصل لأهل ريفال، أوعدني يا بابا. - في كارثة فعلًا ووراها مراتك، ورايح تعمل كارثة تانية وتسلم ولادك لطليقتك، مش هي دي الغير أمينة على تربية بنتك، واللي لوثت شرفك! أغمض عينيه بألم، طعنها بشرفها زورًا فعاقبه الله بريفال وسفورها، بلع غصَّته ثم أردف: - بابا، ولادي هيتربوا مع طيف لحد ما أرجع، عايز كل حاجة تتم بشكل رسمي بسرعة وسرية. - ده أنتم متفقين على كده. - لأ، ما تعرفش حاجة لا هي ولا جوزها. - أفرض رفضت. - استحالة، هي تتمنى وجود حلا ومش هتشوف عُدي غير أخو حلا. - طيب قولي المشكلة عندك أيه وأنا أحاول احلها. - صعب يا بابا بالأصح مستحيل، لازم اقفل ما تتصلش على أي خط لو في حاجة مهمة ابعت رسالة وأنا هتصل.

📜 الفصل الثاني 📜

(صدمة متتالية) تلألأت دموع الفرح بمقلتيها وهي تحتضن مولودها، يقف مؤنس جوارها بقلب يتراقص طربًا مِنحَة جديدة مِن الله تؤكد ارتواء قلبه بعد ظمأ سنوات عجاف ولَّت، اعترض صغيرهما حازم بكلماته الطفولية: - أنا شيل النون ومش يقع حازم كبير. أجابته طيف بابتسامة: - لا يا حبيبي هو اللي صغير قوي. - هو يكبر متى؟ عايز شيل حمزة. أدعى مؤنس الاعتراض: - وأنت خلاص قررت تسميه حمزة أنا أبوه وأنا اللي اسميه. - احنا ظباط زي بعض مس نختلف قصاد ماما. - مش مقتنع، الظابط الصغنن يسمع كلام رئيسه سيادة المقدم، ولا أيه؟ - سوفت رأسه مس بابا، وبعدين أنت وماما مس عارفين وأنا سايف حازم حمزة حلا حلو. آزرت طيف صغيرها: - الصراحة يا مؤنس الاسم جميل أنا كمان من رأي حضرة الظابط الصغنن. - اتنين واحد كسبنا الماتس. - خليهم تلاتة صفر أنا كمان موافق. مال مؤنس على فراشها قبل رأس المولود ثم غاص بمقلتي طيف وتحدَّث برجاء حاسم: - فرحتي بالمولود وأنك بخير هما اللي نسوني رعب الشهور اللي فاتت، أنا وأولادك محتاجين لك يا طيف ما تعيشناش الإحساس ده تاني، زمان كان نفسي في طفل واحد دلوقت معايا تلاتة ولدين وبنت والحمد لله على كده. طالعته بأعين باسمة شاكرة دومًا يشعرها أن حلا ابنته أيضًا ليس بالكلمات فقط، بل بالأفعال وباحتوائه لهم، لم تجد من الكلمات ما يفيه حقه؛ عاشوا فترة صعبة طوال أشهر حملها لازمت الفراش معظمها، بل لازمت المشفى وبالرغم من ذلك كادت تفقده وحياتها بضع مرات، قطع تواصلهما البصري طرقات هادئة عقبها دلوف سارة. - حمد الله على السلامة يا طيف، أخيرًا انتهت فترة القلق كلنا أتوترنا وأنا أصلًا مش ناقصة ومجننة الدكتور معايا، بقيت أنا وهو محتاجين دكتور نفسي. - الله يسلمك يا سارة، تعالي شيلي حمزة وقولي شبه مين. - ماما معاكِ يا سارة! سألها مؤنس فطالعته آسفة وأومأت صامتة، نظرت طيف له مشفقة؛ فوالدته حتى الآن ترفضها ولم تدخل بيتهما إلا مرات معدودة وللضرورة القصوى، طالعته باحتواء ماثل كلماتها: - خد حمزة يا مؤنس طلعه لها تشوفه. تحدثت عينيهما تشكو تعتذر وتحتوي، خرج مؤنس ومعه طفليه فجلست سارة جانبها تعترف بداخلها أن طيف هي جائزة مؤنس. - مالك يا سارة، شكلك في حاجة. - يا سيتي خليكِ في نفسك شوية حتى وأنت هنا بتدوري على اللي حواليكِ. - ما تتوهيش الكلام، أوعي تكوني سيبتي الشغل تاني! - قصدك عاشر أنا بطلت أعد. تنهَّدت بعمق وتحدثت بكلمات تقطر وجعًا: - الناس مش سيباني في حالي وسيرة كمال ملازماني مش راحمني لا عايش ولا ميت، بشوف نظرته الخبيثة في عيون الرجالة اللي حواليا في الشغل اللي شايفني مطمع واللي يعايرني بمرضي واللي دور لحد ما عرف تاريخي معاه ويلمح أنه ممكن يكون بديله، ولمَّا ادافع عن نفسي وأفضحهم يقولوا عليا تجننت، الكل بيصدقهم خصوصًا لمَّا يقولوا اسم وعنوان الدكتور النفسي. - وأيه الجديد يا سارة، ده مش هيتغير إلا لما أنت تكوني قوية من جواكِ، وتتجاوزي كل ده. - صعب قوي أنت مش متخيله اللي عشته أنا كنت في السما وكمال شدني لسابع أرض، أنا بخاف أدخل الأوضة اللي وصِلِّي فيها آخر مرة بعيش كل اللي حصل يومها، كتير لما أنام ألاقيني في أوضة الفيلا وهو يمارس كل مرضه عليا، أنا لسه محبوسه معاه هناك واللي بينكم هنا أطلالي، محتاجة بابا قوي هو مصدر قوتي الوحيد وأخدها معاه لما مات. عادت ترسم بسمة مفتعلة تخفي خلفها أوجاعها وحاولت إضفاء بعض المرح على نبرتها: - لا مش عايزين نكد هو مؤنس خد الولاد وهاجر ولا ايه. - أنت قوية يا سارة وهتعدي كل ده أنا واثقة. - أنت طيبة قوي يا طيف. تعتلي فراشها نصف جالسة يظنها الرائي تتابع الهاتف وبالواقع تفكيرها يحلِّق بذكرياتها المؤلمة وعقلها سارح بحُبٍ يطرق باب قلبها دون هوادة وهي تعْمَد على غلقه وإقفاله بإصرار، طرقات هادئة طويلة عجزت عن اختراق شرودها اضطر صاحبها للدلوف دون سماح: - الناس اللي اشتغلت وما بقيناش قد المقام عشان تقعدي معانا، مش قصدي اخضك بقالي ساعة بخبط ولما زهقت قولت سرحانة كالعادة ومش هتسمع وكان لازم الاقتحام. - تعالى يا حسن، ده أنتَ مقامك عالي يا أخويا. - بحب كلمة أخويا منك بترضينا احنا الانتين، مش هتبطلي تحبسي نفسك لوحدك، فاكراني مش واخد بالي. - عشان تاخدوا راحتكم، مش كفانية ما رضتش تخليني أنا وبابا نرجع شقتنا وقاعدين معاكم، عايزني كمان اكتم على نفسكم طول الوقت. - وأنتِ حد اشتكى لك استحالة نيرة تكون زعلتك. - أبدًا والله نيرة دي حبيبتي، أنا بحس يا حسن و... - أنا فاهم يا سعاد ومش هفتح معاكِ موضوع ياسين تاني هسيبك على راحتك، على العموم مامته لقت له عروسه وراح يشوفها وهيجي بعد شوية يقولي الأخبار، لو هتضايقي أخرج أقابله بره. لم تستطع إخفاء صدمتها التي تحولت إلى توتر وعصبية طفيفة، كبح حسن بصعوبة بسمته من حالتها التي فضحت مشاعرها، واصطنع عدم ملاحظته لحالتها وهو يستمع لحروفها التي خرجت مهزوزة يشوبها بعض المرارة: - هزعل ليه يا حسن! كويس أنه أخيرًا قرر يشوف حياته. رنا إليها بنظراته يسبح بأعماقها وشقَّ عليه مكابرتها وألمها البادي بصوتها، لكنه آثر الصمت كي لا يزيد وجعها. - حبيت أعرفك عشان ما تتفاجئيش بوجوده، تعالي يلا اقعدي معانا بابا منتظرنا بره. جلست معهم بعقلٍ مغيَّب وعقل غارق بحربٍ لا نهاية لها فطرفيها يأبيا الرُّضُوخ، واقعة هي بين مشاعر صادقة تحاول التحرر وبين عقل يطالبها بوأد مشاعرها؛ لأنها لشخصٍ يستحيل أن يغفر لها خطيئة الأمس، لم تشعر بمرور الوقت سوى مع ارتفاع جرس المنزل متزامنًا مع كلمات حسن: - ده بالتأكيد ياسين. دلفت نيرة للداخل واستقبل حسن ضيفه ودعاه للدخول، رحب به والده ووقفت سعاد تطالعه لوهلة بصمت مرتجف حتى جمعت شتاتها: - مبروك يا سيادة الرَّائد، ربنا يتمم بخير. انسحبت بخطوات حاولت ادعاء تمهلها، تبعتها نظرات ياسين ووالدها، وكما يحدث بكل زيارة له يتبادل ثلاثتهما أطراف الحديث ثم ينسحب الأب لغرفته. - ما قولتش يا سيدي أخبار العروسة أيه؟ - ما تفكرنيش يا حسن أنا روحت بس عشان خاطر الست الولدة حلفت عليا لو ما روحتش لتقاطعني، لولا كده ولا كنت اتحركت. - طيب وبعدين هتفضل كده! - ما تقول لأختك عارف أنا تقدمت لها كام مرة لحد دلوقت! معقول ما فهمتش أني متمسك بها. - قولت لك طيف مشكلتها هيفضل بينكم. - حسن، حسن، بلاش أسلوبك ده، الموضوع ده تكلمنا فيه لما زهقت واهو سايبها لحد ما تقتنع، أنا عارف أنها كانت صغيرة وندمت وخلصنا. ترقرقت الدموع بمقلتيها وسمحت لنفسها بتحرير بعضها؛ لعلها تطفئ ليهــيب روحها، مر الوقت عليها رتيبًا تناشده الإسراع وترجوا مقلتيها الغرق بدوامات النوم لتهرب من نفسها ومن الحياة، لكن كأنَّ اليوم لا يريد الانقضاء ومستمر حتى يقضي على كل طاقتها، جففت دمعاتها مع سماع طرقات حازمة على باباها أيقنت أنه والدها فتحركت تستقبله ببسمة مهزوزة. - حبيت أقعد معاكِ شوية قبل ما أنام ولا تعبانة نخليها بكرة. - تعبي يهون وحضرتك معايا. تفرس روحها لوهلة، ثم فتح لها ذراعيه بحنان بدعوة صريحة لبتها راغبة، مرت عليهما لحظات احتواء وحنان داوت من ألمها الكثير، لم تبكِ عينيها لكن روحها انتحبت وصرخت مُعلنة وجعًا ما عادت تتحمله، ولم تنتبه لما يعانيه والدها وكلمات التي أعدها من أجلها والتي تذكره بعجزه وتقصيره اعتدلت في جلستها ومقلتيها تشكره بامتنان احتاجت بشدة لهذا العناق. - ما تفكريش يا سعاد أني محملك مسئولية اللي حصل لك لوحدك، يمكن مش قادر اعترف لنفسي قبلك أن معظم الوزر عليا، طول الشهور اللي فاتت شايفك حابسة نفسك فاكرة أنك بتكفَّري عن ذنبك. اغمض عينيه يستجمع قوته ثُم استرسل: - طول الوقت اللي فات كنت عاجز اني أكلمك مش لأني زعلان منك لأ، لأني للأسف كنت عاجز أفصل بينك وبين أمك اللي داست على كرامتي كزوج وأب، بعترف إني تأخرت عليكِ لتاني مرة بس الفرق أني المرة دي متأكد إن حسن معاكِ وفي ضهرك سند بجد. مرت ثوانٌ صامتة ثم استرسل من جديد: - عيشي يا بنتي، مش هقول لك انسي هقول اتعلمي من اللي حصل، ياسين كلمني كذا مرة عايز يتقدم لك، وقبل ما تقولي أي حاجة أنا عارف سبب رفضك، واللي ممكن يكون كافي لو حد غيره مكانه، إصراره وانتظاره السنين دي كلها معناه أنه فعلًا عايزك وقادر يفصل، لو كان عنده شك أو ذرة قلق كان بعد من زمان، لكنه منتظر ويجدد طلبه كل فترة، لو عايزة نصيحتي اقبلي اتخطبوا وسيبي قلبك يقرر واحنا حواليكِ، وده مش قرار دي نصيحة فكري فيها، وأعرفي أن حبسك لنفسك مش حل. نمت بسمة أمل برعم صغير زيَّن وجهها رغم دموعها التي اججت ثـوْرة حيرتها وقلقها وصوت داخلها يحثها على الموافقة. خرجت طيف من المشفى بعد إلحاح كثير منها واطمئنان مؤنس على اسقرار حالتها والمولود، ورد مؤنس اتصال أصابه بالعجب بالبداية ثم بالشرود والحيرة التي كبحها سريعًا كي لا تنتبه طيف، التي ظنت حالته ناجمة عن لقاء والدته اليوم وعزوفها عن رؤيتها. - أنت نازل يا مؤنس؟ - مشوار مهم وراجع بسرعة ظهر فاجأة يا حبيبتي مش هتأخر تحبي أودي حازم لماما لحد ما أرجع. - لا خليه معايا وطمني يا مؤنس. - حاضر، مش هتأخر إن شاء الله. شردت طيف بوجه باسم مع ذكرى ما فعله مِن أجلها قبل حملها بحازم حين حكت له عن منال أختها، ظنت حينها أنه واساها فقط ببضع كلمات لكنه فاجأها بما أعده لها فقد ذهب معها لزوجها وأخذ ما بقى من متعلقات أختها المتوفاة معطيًا لها إيَّاه، ثم ذهبا لزيارة مرقدها وهناك وقف بعيدًا بمسافة تمنحها الحرية للحديث دون قيود، ولم يقترب إلَّا حينما كادت تنهار باكية آزرها وواساها ثم رحلا، ومن وقتها يأخذها لزيارتها من حين لآخر، عادت من ذكراها تتنهد براحة، لا تعلم لما طفت هذه الذكرى الآن، ابتسمت بامتنان تشعر به دومًا جهة زوجها واتسع ثغرها ببسمة حنونة مطالعة طفليها الغافيين جوارها ثم أرجعت رأسها للخلف لتنال بعض الراحة. بمقهًى فخم يجلس مؤنس رفقة اللواء ثابت والد شهاب، وقد انعقد وجهه ببعض الارتياب والحيرة. - مش فاهم. - أيه في اللي قولته مش واضح، في ورق عايز المدام تمضيه تنازل لها عن الحضانة، كده واضح! - ليه دلوقت؟ حلا مسافرة مع ولدها ودراستها هناك، يا ريت يكون الكلام واضح والأفضل ما ينكونش فيه أذى لطيف أو بنتها. - مش هأذي حفيدتي أكيد ومراتك ولا فارقة معايا. - استغفر الله! فهمني عايزين أيه؟ يعني أيه الغرض من التنازل عن الحضانة دلوقت؟ - شهاب عايز كده وكمان حلا وأخوها هيكملوا دراسة في مصر وشهاب مش نازل وعايز يسهل لها التعاملات الرسمية فهمت. - وأخوها!!! - ما عنديش تفاصيل أكتر لو مش عايز حفيدتي في بيتك عادي بس ابقى بلغ المدام برغبتك. نهض وقد أيقن أنه لن يستطيع معرفة المزيد. - تمام، شوف الوقت اللي عايزها تكون موجودة فيه امتى ويا ريت الإجراءات تخلص بسرعة؛ هي لسه تعبانة من الولادة. أومأ له فتحرك مؤنس دون أن يلاحظ الحقد الذي اعتلى وجه اللواء ثابت وهو يستنبط السعادة التي تنعم بها طيف عكس ابنه شهاب. بدولة شقيقة، عاد شهاب يتلحَّف بالغموض وعلى عكس المعتاد تنتظر ريفال عودته تعتلي أريكة البهو تريد التشفي فيه، ظنته سيعود منــكَـسِر مهــزُوم، لكنها الآن لا ترى سوى معالم مبهمة غائمة ورغم ذلك تحدثت بكل كلمات التحدي المتشفية، لم يُجِب أي مِن كلماتها فقط رمقها بنظرات تشابه حالته قبل أن يتجه لغرفتهما، اغتاظت منه ظنَّت أنها نالت منه ووجدت يكابر بكل طاقته، تحركت بخيلاء إلى غرفتها وبالداخل وجدته يستعد للنوم تجاهلها تماما وخلد لفراشه مغلقًا جفونه وعقله بقمة نشاطه يحدد خطواته التالية مع حلول الفجر، وعلى وجهه بسمة هازئة؛ توقع فعلها وحرصها أن تعود قبله لتشمت به؛ فعاد مبكرًا بعدما هاتف والده أعد حقائب سفر أبنائه بنفسه ووضع داخلهما جميع أوراقهما الثبوتية وكل ما ظنهما سيحتاجان له، ثم خرج مجددًا ولم يعُد إلَّا متأخرًا. راقب الساعة يحسب دقاتها حتى أعتلت الشَّمس الأفق ذهب شهاب لعمله وتلته ريفال، التي لم تتوقع أن يعود شهاب عقب خروجها رافق ابنينه إلى المطار وظل هناك حتى حلَّقت الطائرة بالأفق دعا الله كثيرًا أن يحفظهما ويبعدهما عن بطش ذاك الرجل السَّـادي بمكانته وثرائه. كعادتها وقت المكائد تعود مبكرًا وتبقى بالبيت لتستمع بكل لحظات اللعبة، مع دلوفها وجدته يتلذذ بطعامه يشاهد أحدى المسرحيات المصرية القديمة يضحك بصخب مع كل مزحة بشكل مبالغ فيه، ألقت عليه بعض الكلمات الهازئة ثم اتجهت للأعلى لتبدل ملابسها، لكن باب غرفة ابنها المفتوح مع غرفته الخالية منه والتي بدت خالية من الحياة جعلتها تخطو إليها بشعور مختلط بين الغرابة والقلق مع خطوتها الأولي داخلها لاحظت اختفاء جميع أغراضه الظاهرة، فاتجهت لغرفة حلا تتوقع وجوده رفقتها فوجدت غرفتها خالية منها ومن أغراضها أيضًا، انتفض قلبها هلعًا وعقلها يتسائل: ماذا فعل شهاب؟ فتحت خزانة حلا؛ فصَفَـعَها الواقع الخزانة تكاد تكون خالية، أسرعت لغرفة عُدي وبالتحديد خزانته ولم تجد بها سوى الفراغ، هوى قلبها أرضًا واتجهت ساقها إلى شهاب، الذي رمقها يتشفّى بها مستمتعًا بهَلَعِها المتراقص على وجهها. - عُدي وحلا فين؟ - ليه؟ - رد عليَّا، هما فين؟ - بعيد عن ايدك وعن ايد صاحبك اللي دايرة على حل شعرك معاه ومستغفلاني، وبردو عن ايد العريس. - ضيعتنا، مش هيسيبنا هيقــتلنا ومش هيفكر حتى. - مش هيوصل لولادي وأنتِ مش فارقة معايا، آه نسيت أقول لك أنتِ طالق بالتلاتة، طلقتك بالسفارة الصبح، لمي هدومك وعلى بيتك. - مفيش مكان بعيد، أنت مش فاهم ولا حتى أبوك يمنعه، أنا بكلم مين أصلا، أبو عبد الله هو أبو عبد الله. أسرعت للخارج وأدارت سيارتها متجهة لأبو عبد الله بعدما هاتفته لتقابله، قصت له ما فعل شهاب وورطتها التي وقعت بها. - وش لك ريفال؟! خبرتج لا تسوين، روحتي ريفال وراح تكسرين جلبي عليتج. - ساعدني يا أبو عبد الله، يرضيك تسيبني. - ما أجدر فوتتج أموت ولا سوي هذا. اتصالات عِدة أجراها وأخرى استقبلها وبعد مضي وقت طويل لم يعرفا قدره أستطاع أن يتدبر لها سفر على أحد السفن غير الشرعية كي لا يدرج اسمها على قوائم السفر فيصل الأمر لهذا الثَّري العربي، ورغم سير الأمور بسلاسة شديدة وبساطة إلا أن الارتياب سكن قلبه يحدِّثه بوقوع كارثة وما زاد شكه قرب موعد إبحار السفينة والذي كان بصباح اليوم التالي، لكن لا شيء مادي يؤكد إحساسه ولا يمكنه الرفض فسرعة هروبها سينجيها من بطش الرجل. عاد إلى فيلته شديدة الفخامة والضخامة التي تشبه السَّرايات بأثاثها الراقي شديد الفخامة وإضاءتها الغنَّاء الوضَّاءة وجد زوجته تجلس بانتظاره تتراقص على وجهها الشماتة لا تحمل نفسها عناء مُداراتها، تحدثت بتعاطف مبالغ به وزائف مبطن بسخرية واضحة: - وش لونها حبيبت جلبتچ؟ كيف سويت هيك بو عبد الله؟ تتركها وسط البحر! لا، لا والله خيبت ظنِّي فيتچ! - والله عجلي مانه فيّ، حلين عني هالحين. - وش فيتج عصبي! أبغى فرجيتچ شي وبعدها راح حِل. بضع ضغطات على هاتفها تُظهر على شاشته ما تريد، ثُمَّ ناولته إياه ببسمة ظافرة؛ فارتسمت الصَّدمة على محياه وهو يرى ريڤال معصوبة العينين مكبَّلة الأيدي ويرتسم الذُّعر على معالمها يرتجف بدنها كريشة في مهب الريح وهي تُسلَّم كأمة مقابل المال إلى أُناس مُبْهَمة معالمهم، ولم يحتَج لمن يخبره أنهم تجار البشر وتسمى أعمالهم بـ «الدارك ويب» وما تخفيه مِن فظـــائع. ضحكة رنانة صدرت منها أخرجته من شروده البائس عقبها كلماتها الشَّـامتة: - وش ظنِّيت راح اتركها تسوي ما تبغى هيك! لا، كنت اسوين لها شي زين، لتكون عبرة لمَن يحاول يأذين أو ياخذ شي حجي، أما عيالها فمشان جلبي الزين سويت مع الرِّيال اتفاج وايض زين، صفجة يعجدها ويانا مشان يخلي الصبي والصبية بعيد، وش رأيتج في زوجتج؟! لم يستوعب عقله الصدمة بعد تحرك بعقل غائب ولسان يهذي، وقلب ينعي ضياع حبيبته دون رجعة، بغفلة منه تسربت من حياته دون عودة.

📜 الفصل الثالث 📜

(عودة الغائب) حركة طفيفة بالغرفة ايقظتها من غفوتها فتحت جفونها فوجدت مؤنس يتحرك بخفة كي لا يوقظها، لاحظت شروده الذي حال دون أن ينتبه لها، لاح بعقلها وجود سبب أخر قوي يؤرِّقه غير الذي توقعته ويبدو أنه كبير ليشغل تفكيره إلى هذا الحد، جلس بالمجلس غارق في شروده وانتبه على صوتها: - مالك يا مؤنس؟ أيه اللي شاغلك قوي كده؟!!! التفت إليها غاص بمقلتيها وعقلها غارق ببحثه عن سبب يقنعه، ومع تزايد تساؤلاتها غير المنطوقة وحتمية مصارحتها بدأ إخبارها: - عندي لكِ خبر هيفرحك ويكمل فرحتنا. تأهبت ملامحها بشغف. - حلا هتوصل بكرة هي وأخوها وهيستقروا هنا معانا. لحظات صمت مرت وعقلها يستوعب الخبر، هل تحقق حلمها بأرض الواقع بعد سنوات شـقـاء وعَـذَاب، ترى! أحقيقة هي؟ أم أن شهاب يتلاعب بها؟!! - بجد يا مؤنس! - أيوة، كنت مع اللوا ثابت بلغني أنه محتاجك الفترة الجاية عشان أوراق الوصاية ووضع قانوني يخلي عُدي يقعد معانا. - عُديِّ! مش مصدقة إن ده يحصل بسهولة كده، الحمد لله! طيب أنت قلقان ليه؟ - مش مطمن يا طيف ومش فاهم يقصدوا أيه!! ممكن نيتهم تكون صافية فعلًا ولا دي لعبة منهم. - لعبة إزاي؟ - مش عارف فكرت كتير ومش عارف، طيب ليه دلوقت. - تفتكر شهاب مش عايز حلا معاه. - ممكن يكون عنده مشكلة أو حياة جديدة مش هينفع وجود ولاده فيها، الغريب أن هسيب لك ابنه كمان ومن جبروته ما فكرش يسألك حتى أو يسألني. - متضايق؟! - الوضع غريب يا طيف، أبو بنتك باعت ابنه اللي هو ما فيش صلة دم بينه وبينك عشان يعيش معانا ومش عارفين لأمتى. - بتفكر ترفض. - مش هينفع ممكن وقتها يوقف ورق حلا ويعند، كلمي سارة تستأذن بكرة من الشغل وتيجي تقعد مع الولاد. - سارة سابت الشغل تاني وهتيجي من بدري تقعد معايا. - كويس، أنا كلمت طارق وأنا جاي عشان هكون معاكِ، طيف ما تسمحيش لأي حد يضايقك ولو بنظرة، أي حاجة تضايقك ارفضيها بقوة اتفقنا. - ربنا يخليك ليا يا مؤنس. ثلاثة أيام انقضت بين متابعة رحلة سفر ابنينه وانتظار رد فعل العريس المرفوض مع فقد أي اتصال أو معلومات عن طليقته ريفال ولم يحاول حتى الاتصال بها، وبمساء اليوم الرابع جلس بمجلس الفيلا الصغير يشعر أن المكان رغم سعته يطبق على أنفاسه أصبح وحيدًا دون زوجة وأهل أو أبناء، سؤال واحد بات يسيطر على تفكيره هل وفَّى جميع يونه أم لا زال بعضها عالق بعنقه؟!! وكأن إجابة سؤاله أتته دون مجهود ارتفع جرس باب المنزل ودوى فتحت الخادمة فدلف للداخل بضع رجال بعضهم يبدو تمريض إحدى المشافي من ملابسهم البيضاء، يتقدمهم شخصٌ ذو هيبة ومهابة وقف قبالته بعلياء فوقف شهاب في مقابلته: - أي خدمة؟! - أنت شهاب. - أيوة. - ردك وافانا وهذا رد سموه. لم يستوعب شهاب كلماته بالبداية حتى اقترب منه طاقم التمريض قيدوه وسحبوه خلفهم ففطن أن هذا ثمن رفض الزيجة، وفرض عقله سؤال ما الذي سيفعلونه به؟ وإلى أين ستؤول به الطرق؟ داخل سيارة المشفى التي تتحرك به منذ فترة لم يحاول حسابها، توفقت أخيرًا فتحرك معهم باستسلام تام يعاين المكان بنظره، مشفى راقٍ محاط بمساحات خضراء واسعة، ذو مدخل رخامي فخم وهنا ظهر أمامه أسم المشفى يليه كلمة النفسي، تملكته الصَّدمَة طالع الوجوه حوله يستشف نواياهم دون فائدة، تحركت قدماه معهم مسيَّرة رواق ثم مصعد ثم رواق آخر وبعد بضع خطوات لمح لافتة مكتوب عليها «الحالات الحرجة»، تفاقمت صدمته وتساءل عقله: أهناك المزيد؟! فتجيبه اليافطة التالية «حالات تحت الملاحظة الخاصة (خطر على النفس)» لم يحتاج أي منهم للحديث، قائدهم تحدث مع الطبيب أشار بمقلتيه حيث شهاب فتحدث الطبيب للتمريض باللغة الإنجليزية لتعدد الجنسيات بالمشفى: - سوف نبدأ الآن بجلسة طويلة مكثفة. عماله متعددة الجنسيات كما في باقي الدولة، وبهذه المشفى تتحدث لغة المال أيضًا يفعلون ما يطلب منهم طالما لا توجد مساءلة قانونية ولن تُغضب أصحاب السمو عدا ذلك بنقودك تُطاع، وهو صاحب سمو يذلل له القانون ولا يطبق عليه؛ لذا وقع شهاب بالشِّرْك وأحكم وثاقة ولا يعلم سوى الله كيف سيتحرر منه. ألم هائل يسري داخله كل ما به يرتج، أعضاؤه تصطدم ببعضها، فكيه يكادا يتحطما من شدة اصطكاكهما، حريق شب بجسده وعذاب عاث به وطال، وبعد وقت شعر أنه بات أبدي انتهت الجلسة وأنهت طاقته، وكل شيء يخبره أن كل هذا ما هو إلاَّ بداية الطريق. استقبال حافل هذا ما وجدته حلا بدلوفها منزل والدتها، بعد رحلة متعبة مقلقة؛ فقد تحملت مسئولية أخيها بمفردها طوال فترة السفر، ورغم أنه يطيعها إلا أن توترها وخوفه أربكاهما وجعل الرحلة متعبة وغير مريحة، نال أخوها الصغير من الترحيب حظًا وافرًا رغم صمته المترقب وتوجسه منهم مما جعله يزيد تشبثه بحلا محافظًا على صمته، يتابع طيف التي تغمر أخته الكبرى بالأحضان والقبلات الحارة بشوق طفل بخلت عليه والدته بحنانها واحتوائها فلم يعيش مع والدته ريفال أي من هذه المشاعر، بل كانت تعنفه دومًا وتنبذه. راقبت طيف نظرات الصغير باحتواء وكلما تلاقت الأعين ابتسمت له بحنان. لم تكن طيف فقط مَن يتابع عُدي بصمت؛ فهناك آخر بنفس عمره تقريبًا شعر بوجود منافس له تسربت داخله الغيرة؛ فالتصق بأمه متعلقًا يشابه فعله ويطالعه بتحدي طفولي، توقف الترحاب وحل صمت متزيِّن ببسمة متراقصة على وجوه الجميع حتى مؤنس نسى قلقة وتوجسه مع غمرة المشاعر السعيدة التي أحاطتهم جميعًا، يكفي البهجة التي تشع من مقلتي طيف، التي انتهبت على كلمات الصغير الذي همس بأذن حلا بخفوت فسمعته رغم حرصه على العكس. - ماما، أبي آكل وأنام. أجابت طيف بابتسامة: - أنا عاملة كل الأكل اللي حلا بتحبه، يا رب يعجبك! تعالوا ناكل وتناموا شوية أيه رأيك؟! انكمش الصغير وازداد تعلقه بحلا فردت ببسمة مجهدة: - معلش يا ماما هو مش اجتماعي شوية ولسه ما اخدش عليكم. - بكرة ياخد علينا ويبقى واحد مننا، أوضتك جاهزة كنا هنغيرها بس قولنا لما تيجي تختاري اللي يعجبك، لكن مؤنس ضاف سرير لعُدي في أوضة حازم. - خليه ينام معايا المرة دي يا ماما يتعود على المكان بس. - اللي تشوفيه يلا ناكل وبعدها ارتاحوا. رفعت حلا حقيبة سفرها على فراشها بدَّلت ملابسها، ثم أخرجت ظرف من حقيبتها شردت به تتذكر كلمات والدها «حلا أنت بقيتي كبيرة، عارف أنك قوية أنا مُعتمد عليكِ ومتأكِّد أنك لا يمكن تخزليني، الظرف ده لماماتك، تأكدي إن كل خطوة عملتها قصدت بها مصلحتك، حتى لو الغرض منها ما تحققش، ما ترجعيش هنا إلا لو أنا اللي قولت لكِ» تنهدت بثقل؛ افتقدته ولم يمر على بعده سوى يومان لم يكتمل ثالثهما، خرجت لوالدتها الجالسة مع مؤنس بالصالة. - ماما، بابا باعت لك الظرف ده. عادت لغرفتها دون كلمة إضافية كما طلب والدها، شعرت طيف بالقلق أمَّا مؤنس فضرَبَـته الغيرة وكأن الآخر يذكره بوجود رابط قوي متين بينهما رغمًا عن أنفه، التفَّت إليه طيف بوجهها بحيرة فنحى مشاعره جانبًا طالعها باحتواء وحثها بمقلتيه لفَضِّ المظروف، ففعلت وجدت داخله ظرف صغير وبعض الأوراق الثبوتية والقانونية الخاصة بحلا وأخيها، فتحت الظرف الأخير ووجدت جواب محدود الكلمات بعملية شديدة: «السلام عليكم مع الجواب تحويل بكل الفلوس اللي حوشتها السنين اللي فاتت باسم حلا، اشتري لهم شقة قريبة منك وافرشيها زي ما يحبوا، حتى لو مش هيقعدوا فيها والباقي خدي منه لكِ 100 ألف جنيه اللي ماما سابتهم لك وأنا اخدتهم، اللي هيفضل بعد مصاريف الجامعة والمدرسة أعملي لكل واحد منهم حساب بنكي بعد توزيع الفلوس حسب الشرع، ما تخليهمش يرجعوا هنا لأي سبب مهما كان، مش متوقع رجوعي قريب.» - أيه رأيك؟!! سألته طيف وقد نالت كلماته عجبها وحيرتها. - إنسان غريب ومش مفهوم، لكن في شيء مريب، كلامه مع رحلة الولاد، قطع لهم الرحلة لماليزيا قضوا يوم ومن هناك لهنا، زي ما يكون هربهم من حاجة أو بَعَدهُم عن قلق. - تفتكر عنده مشاكل هناك زيي اللي واجهته هنا! كان دايما في مشاكل مع زمايله وكل فترة خناقة. - لأ، لو الموضوع كده كان اترحل، أكيد في سبب. - المهم ان حلا بقت في حضني مش مصدقة يا مؤنس أنا فرحانة قوي قوي. - وفي هدية كمان طفل فوق البيعة! - مؤنس أنا عارفة إنك متضايق بس ده طفل ضعيف مالوش علاقة بأبوه، تفتكر ليه ينادي حلا بماما؟ أكيد بيدور على حنان الأم. عدة أيام مضت استطاعت طيف استمالت عُدي لها وأصبح يلقبها بـ «ماما طيف» لم تفرق في المعاملة بينه وبين حازم، تحاول محو شعور الغيرة الذي يسيطر على حازم ويطفو للسطح بين ساعة وأخرى، تقدم حازم من والدته وقد كتف ذراعيه بغضب كما مط شفاهه وعقد حاجبيه؛ فوضعت أخيه حمزة جانبها وقد انتهت من تبديل حفاضته: - الحلو زعلان ولا أيه! - أيوة ومس كلم دَيِّ تاني. - مش كان صاحبك من شوية. - هو اكدب قول حلا أخته وهو مس اخويا. - بابا حلا هو بابا عُديِّ فيبقوا أخوات، وأنتَ وحلا وحمزة ولادي تبقوا أخوات، لكن أنت وعُديِّ أصحاب بس، فهمت؟ - لأ، مس فهمت. - لما تكبر هتفهم لكن هو مش كداب. - أنت حبيه أكتر من حازم. - حازم حبيبي وهو زي حازم عشان خاطر حلا، تعالى أقولك سر وما تقولهوش لحد. - مش قول غير لبابا بس. - هو زعلان عشان بعيد عن باباه ومامته فلازم نطبطب عليه كتير. ادعت الحزن العميق عقب جملتها؛ فجعلته يشاطرها حالتها ثم اتسعت بسمته يخبرها وهو يعدوا إليه: - لازم العب معاه كتير، خلاص مس زعلان. عاد مؤنس من الخارج حدج طيف بنظرة لم تفهمها ثم دلف لغرفته؛ فتبعته متسائلة: - مالك يا مؤنس؟ - المشاكل بدأت، جد وجدة عُدي معترضين على وجوده معانا شايفين مكانه معاهم خصوصًا أن بنتهم مفقودة هناك ومش عارفين عنها أي حاجة. - طيب ما يسألوا شهاب، مش كفاية ما كلمش حلا من وقت نزولها حالتها وحشة وقلقانة عليه. سحب شهيق عميق يحمل من التوتر الكثير: - شهاب مفقود بردو آخر مكان تواجد فيه كان بيته ناس أخدوه ومشيوا وبعدها ما حدش يعرف عنه حاجة. - يعني أيه؟!!! - ما حدش فاهم حاجة، جد عُدي كلم واحد اسمه أبو عبد الله اللي انكر انه يعرف أي حاجة، وفي حالة توتر كبيرة سواء اللوا ثابت أو أهل عدي، في حاجة مش مفهومة. - وبعدين يا مؤنس، نعمل أيه؟! - ما فيش في أيدينا غير الانتظار، وأنا قولت لجده يسيب عدي هنا ويتفرغوا للبحث عن بنتهم. لم يكد يتم جملته حتى أتاه اتصال جعله يهرول للخارج بعدما استقبل خبر وقوع حادث كبير للواء ثابت ووالدي ريفال والدة عُدي، وبالطريق تلقى خبر وفاتهم جميعًا. في كافيتريا قرب المستشفى محل عمل حسن يجلس ياسين ينتظر قدومه وعلى وجهه الجدية القصوى وأمارات التفكير العميق، حضر حسن وجلس معه: - أيه يا ياسين قلقتني صوتك حسسني إن في كارثة. طالعه بنظرات جدية أكدت شعوره. - ما تتكلم، في أيه؟! - خرج يا حسن وبيحوم حواليها كمان أنا قلقان عليها شكله حطها في دماغه. - مين اللي ظهر وبيحوم حوالين مين؟!!! - اللي كان زميل سعاد في الجامعة. - اللي اتحبس! - أيوه، لازم الخطوبة تتم يا حسن ضروري الموضوع ما بقاش مشاعر وبس لازم أكون قريب أحميها منه، اقنعها يا حسن نكتب الكتاب عشان يبقى منطقي اتحرك معاها دايمًا، وأنت خلي بالك من مراتك وابنك، هو في فترة المراقبة أنا متابع كل تحركاته بس ما نعرفش هو ممكن يعمل أيه بالظبط. - تفتكر لو قولت لها كده هتوافق! أكيد لأ. - اتصرف الخطر حواليها، هو اتسجن ومستقبله راح يعني مستبيع ده غير إنه حسب ما عرفت اتلم هناك على شوية بلطجية وبقى منهم، أنت مستوعب حجم الخطر اللي هي فيه. عاد حسن للبيت متوتر مهموم حاول إخفاء حالته عن الجميع، لكن عيون والده استشفت وجود ما يقلق وبعد الغداء التقت نظرات حسن ووالده في حديث صامت ثم انسحبا لغرفة الأب ليتحدثا بحرِّيَّة، قص حسن لواده ما علم وكلاهما حمل من الظنون والقلق الكثير ثم شرد حسن متحدثًا: - أنا خايف عليها يا بابا، مش هقدر اقولها إنَّه خرج، ولا ينفع اسيبها كده مش عارف بالخطر اللي حواليها. - خطوبتها أمر لياسين بقت أمر ضروري، فاتحها واعتقدهتوافق بعد كلامي معاها، وبلاش تعرفها دلوقت بخروجه، كده كده هتعرف. - تفتكر هتوافق؟!! - الفترة اللي فاتت ترددها أقل وحدتها قلت وقت وجوده، كلامي معاها أثر فيها ولو صارحتها كرامتها هتمنعها توافق، هتفكَّر انه خطبها عشان يحميها من الماضي وبس وهتكبر الفجوة بينهم. - ولو عرفت بعدين؟ - سيبها على ربنا، المهم دلوقت أمنها. بعد حديث طويل مع والده دلف حسن إلى أخته باسمًا مخفيًا عنها كل هواجسه وقلقه، جدد على مسامعها طلب ياسين للمرة التي جهل عددها من كثرتها، وكما توقع والدها أجابته بصمت حائر لا يملك قرار بالاستقرار على أي شط، متأرجحة بين رفض قاتل لروحها وقبول محاط ببذور الشك، ولكن عرض حسن بإتاحة فرصة واحدة تستمتع لياسين قبل اتخاذ قرارها لاقى قبول لديها؛ فرتب لقاء قريب داخل حصون بيته، وفيه صَرَّح ياسين عن رغبةٍ لا يدعِيها ليقترن اسمها باسمه وشوقٍ لتكون هي جائزته عن صبره واحتفظ برغبة أخفاها داخله لحمايتها وأمانها؛ فحصد موافقتها لتروي ظمأ روحه وتردها إليه ردًا جميلًا. لم يهدر المزيد مِن الوقت حضر ووالدته ولخبطها والاتفاق على عقد القران والاعلان ثم الاستعداد للزواج، وبالرغم من موافقتها إلا ان شرودها وضياع بسمتها نما عمت يسري داخلها من حيرة لم يصعب عليه رؤيتها فطوال الأعوام الماضية أعد دراسة وافية عن كل ما تحمله خلجات وجهها من تعابير، ومع الخلوة المعتادة بهذه المناسبات بشرفة المنزل الواسعة وبابتعاد الجميع عن مرمى سمعهما سألها باحتواء: - سرحانة في أيه؟ في حاجة ضايقتك؟ نظراتها الحائرة والصَّامتة أجابته دون ناطقها. - زعلتي عشان كتب الكتاب.. خايفة مني؟! تفتكري ممكن أستغل الموقف. - فاكر التفاصيل صح؟ قلقان أنك تنسى حدودك وأن مشهقول لأ، بتحمي نفسك مني. زفر بسخط من تفكيرها، يريد حمايتها بالفعل من شخص مُدنس بوز الماضي والحاضر. - تفتكري لو شايفك كده ممكن افكر تكوني زوجتي شايلة اسمي ليه أصبر طول السنيندي خمس سنين مستني ترضي وفي الآخر تكون اللحظة اللي بستناها طول السنين دي. - عايز تعمل زيه بدري. - أنت إزازي تحطيني معاه في مقارنه، شايفة اني استغليتك وبحاول ادنسك شافاني زيه يا سعاد هي دي نظرتك ليا. - أنا آسفة. دخلت بنوبة بكاء جاهَـدت لكتمه، فزفر بيأس ناولة محرمة لتخفف دموعها تزامنًا مع كلماته: - اسمعيني كويس يا سعاد، حسن زمان كان حريص انه يحكي أساس الفخ اللي اتنصب لك بدون تفاصيل ما لهاش لازمة يعني كل اللي أعرفه أن زميلك استغل وحدتك عشان تمضي على العقد عشان تخرجي معاه، ومش هسألك عن أي حاجة حصلت لسببين، أولًا: لما قرَّبت منكم شوفت أخلاقك. ثانيًا: سمعت كلامه وشوفت رد فعلك يوم ما قبضنا عليه. وبعدين تفتكري لو عندي شك في أخلاقك ممكن أخد خطوة زي دي. أخيرًا توقف بكاؤها ورفعت إليه نظراتها الحائرة، ابتسم باتساع وهو يسترسل كلماته تطمئنها وتنزع بعض بذور الشك والقلق من داخلها: - مش يمكن عايز اكتب الكتاب عشان تبقي حلالي وأقدر اتغزل فيكِ واقولك قصايد غزل.. عشان اشوف كسفك ده من كلامي عشان امسك الكفوف اللي بتترعش دي واطمنها في دفا ايدي، عشان أوصف تسريحة شعرك ولونه في عيوني وأخليكِ ترفعي حصونك عليه تحميه من عيون الناس كلها عدايا أنا تسيبيه بحريته يجري يمين وشمال وينام على كتفي وأنا جنبك. - ياسين. - داب، ياسين داب هو وقلبه في هواكِ، أسير عنيكِ وهواكِ، ثقة كل اللي طالبه منك شوية ثقة وسيبي الباقي عليَّا، وعد أحافظ على قلبك واسقيه حب وحنان ورعاية عشان يطرح ورد وسعادة، موافقة. تمثل ردها ببسمها خجلة آملة بغدٍ مشرق، أراحته ولو مؤقتًا. بمنزل مؤنس شهقت طيف تحدِّج سارة بنظرات مصدومة: - مغقلة يا سارة بتتكلمي جد؟!! جليسة! بشهاداتك دي كلها هتشتغلي جليسة. - مفيش قدامي غير كده، وأنت شايفة ما فيش شغل إلا وحصلت لي مضايقات كتير خليني أساعد المحتاجين من المرضى يمكن ألاقي علاجي معَهم. - شوفي شغل تاني يا سارة أنت أصلا مش هتتحملي الناس الكبار خلقهم ضيق وعايزين طول بال وهدوء. - يمكن أحس بحضن بابا وسطهم، قولي لي بنتك عاملة أيه؟ - تعبانة يا سارة، بقت منطوية قوي وحزينة، يمكن عُديِّ متفاعل معانا أكتر منها، في عينيها سؤال دايم عن باباها لسانها مش بينطقه بس شايفاه وما عنديش رد. - لسه ما فيش أخبار عنه؟ - خالص، مؤنس سأل في السفارة هناك وما فيش أي معلومات. - حقك يا طيف ربنا اقتص لك منا كلنا. تأكدت طيف من ابتعاد الأولاد جميعًا ثم طالعتها بعتاب جلي: - ما تقوليش كده تاني، أنا أصلًا مسامحة وبعدين لو حلا سمعتك تفتكريني شمتانة في باباها، المهم عندي إن ولادي حواليا. اخفضت كلاهما رأسها فكل منها وجدت بحياتها ما لم تجد الأخرى، وزادت سارة بسؤال نفسها: ترى لو لم تقتل أبناءها أكانوا سيقفون جوارها الآن أم سيتخلون عنها؟! تلقى على هاتفه رسالة منها تخبره باعتذارها عن موعدها معه، وأنها تحتاج للاختلاء بنفسها بنزهة قصيرة تفرغ فيها ضغوط الفترة السابقة، وبالنهاية أخبرته أنها بالفعل غادرت العمل، سُبَّة بذيئة صدرت منه عقبها نهوضه السريع مغادرًا مكتبه وهو يتصل بها ويكرر الاتصال الذي لا يقابل بالإجابة، استقل السيارة وهو لا يعلم وجهته فتح تطبيق الواتس آب سجل لها بنبرة تنم عن مدي غضبه وقلقه وبلهجة حملت الكثير من الأمر تحدَّث: « ما تختبريش صبري أكتر من كده وردي يا سعاد» يعلم عنادها وما يصير بينهما ببعض الأوقات لكنها اليوم اليوم تعدت توقعاته، لا يخاف أفعالها هي يعلم حاجتها للتحرك بعيدًا عن سيطرته وتحكمه التي تراها تملكية، رفض أن يعلمها بالخطر المحيط بها كي لا تسيء تأويل ارتباطهما، لكنه الآن يعلن خطؤه، يتمنى ألا يمسَّها أي سوء. تلك الرنة التي صدحت من هاتفها مخصصة له وحده، متوقعة رد فعله التملكي كما تراه، خوفه عليها مرضي كما تراه أم هو تملُّك وسيطرة، سمعت رسالته قرأت بين حروفه خوفه المبالغ فيه عليها ما يجعله يضع حولها الكثير من الأسوار، كادت تغوص في دوامتها لولا تلك الطلة التي تلقي في نفسها -منذ انكشف لها وجهه الحقيقي- الخوف وأكمل حالتها ابتسامته الظافرة الشَّيْطانيَّة التي قبَّحت ملامحه فبدا لها مسخًا مخيف، مزج طلته بكلماته التي ألقت الرُّعُب بنفسها: - أعذريه ما عارف أني وراكِ يمكن كتب عليكِ بسببي. جاورها بحميمية يبدوان للحظة الأولى حبيبان، لكن من يركز في تعابير وجهها يرى رُعْـبًا شاحبًا فُرِض عليه السكون، غرس مديته بجَـسَدها حد الخطر يتلذذ بشحوب وجهها: - حضرت الظابط العريس الجديد ما قالكيش على خروجي، صح! يا ترى خايف يكون لسه جواكِ شوية حب ليَّا ولا مش عايز يخدش سمعك بحاجة تخصني؟! رؤيته حسمت لها جميع أسئلتها وفكت جميع طلاسم ياسين، الآن فقط علمت سبب أفعاله وأيقنت سببها الحقيقي، ودون تفكير وجدت إصبعها يضغط على علامة الميكرفون فسُجِل ما لفظ، وما يزال يُلْفَظ. - الباشا نسي إن واحدة غبية زيك شايفة نفسها مظلومة دايمًا بتوقع نفسها في الغلط وترميه على اللي حواليها، آه أخوكِ سامر باعت لكِ السلام من جهنم، بيقولك حصليه بسرعة عشان وحشتيه، أصله مات من كام يوم بجرعة زيادة أنا اللي وصلتها له بالسم الهاري، ما تقلقيش موتِّك هتاخد وقت عشان تتعذبي وتتوجعي بحق السنين اللي ضاعت من عمري في السجن وذله. ارتفع إصبعها بارتعاش عن الهاتف فارسل ما سجل، فانتبه على صوت وصول الرسالة وظهور علامة الاستلام والاستماع معًا؛ فاشتعل وجهه بغضب أسود، جذب الهاتف منها بعُنْفٍ هادر والقاه بالنيل الجالسان أمامه، ثم نهض وأمرها باتباعه دون لفت الأنظار؛ فأطاعته برهبة خَانِـعة. بعدما سجل رسالته ولم يصله رد حاول تجميع شتات أفكاره وتركيزه ليحاول توقع مكانها، وبيسر تذكر ملجأها الدائم منذ بداية عملها الجلوس على كورنيش النيل بنفس الرقعة كل مرة، تحرك أملًا العثور عليها هناك، وهو بطريقه وصله رسالة صوتية منها فاستمع لها وارتجف خافقه بقوة مع سماع نبرة الوعيد بكلمات الآخر، زاد سرعته وهو يتمنى صدق توقعه، وأتصل بزملائه يطلب منهم العون ولم يبخلوا عليه به. خطواتها متعثرة تشعر أنها على شفا السقوط بهوة سحيقة لا حياة بعدها، وكلما تعثرت ضغط على مِـديَته تجْــرحها وتلون ملابسها بقطرات دِمــائها يرهبها لتستعد للعذاب الكبير الذي تجهل ماهيته، وببقعة فقيرة مليئة بالقاذورات وجدت سيارة قديمة الطِّراز متهالكة مرصوفة جانبًا حثها على الركوب ثم بحركة مدروسة وسرعة فائقة كمم فاهها وقيَّد كفيها ثم دفعها أسفل الكرسي الخلفي ووضع فوقها حقائب سفر كبيرة وثقيلة تخفيها عن الأنظار. وصل ياسين للمكان الذي توقعه ولم يجدها لكنه وجد حقيبتها وتأكد أنها تخصها حين أخرج بعض محتوياتها، هاتف زملاءه الذي وعبر اتصالاتهم بالاستعانة برؤسائهم تمكنوا من خلال الكاميرات تتبع خطاهما الى السيارة ومنها الى طريق المقطم، أسرع إليها راجيًا من الله العون لإنقاذها ولم ينتظر سيارة الشرطة التي تحركت خلفها. اتصالات عدة من حسن تجاهلها فبما سيخبره كما أنه لن يضيع لحظة واحدة بإجابته؛ فنجدتها أولى غير آبه لقلق حسن ووالده الذين يعلمان بمرافقته لها كما أخبرهما مساء يوم أمس. وصل ياسين للمكان حسبما أخبره زملاؤه، لكن العتمة التي افترشت الأفق حالت دون رؤية واضحة، حاول تحسس المكان بنظرات ثاقبة فلمح سيارة تقف بمكان خالٍ قرب سفح المقطم، تحرك بحذر متلحف بغيام السماء ومغيب الشمس، وباقترابه المحسوب منهما سمع صدى صوت الآخر الغاضب يحدثها بتشفي واضح وهو يجذبها لخارج السيارة بعنف واضح. - كنتِ زعلانة من الوحدة وجيتي لي برجلك وأديدكِ هتموتي لوحدك برده، تحبي ابسطك الأول ولا تطلعي رحلتك للآخرة على طول؟! أيه رأيك.. أه صحيح ما أنا مكممك، بصي أنا الأول نربط الشنط دي في رجلك تسحبك معاها وترزعك في صخرة صخرة تموتي بالتصوير البطيء وتدوقي العذاب نقطة، نقطة. حبة من اللي شوفته في السجن. لم تعد ساقها تحملها فجثت على ركبتيها منتحبة وقد اغرقت دموعها وجهها بسخاء، فانتشلها صوت ياسين من دوامة أفكارها السوداء. - طاب ما تواجهني راجل لراجل بدل ما تتشطر عليها، ما أنا اللي سجنتك. - الباشا بنفسه، لا يا باشا أنا كفاية عليا أنها تموت بالطريقة دي وكمان قدام عينك عشان تتأكد إن عيل حشاش زيي علم على الباشا، مش ده كلامك يومها. - سيبها وخلينا راجل لراجل. - لأ، وخليك عندك بدل ما أطعنها قدامك وارميها من هنا. حاول ياسين قدر استطاعته هدر المزيد من الوقت حتى يصل إليهم زملاؤه، متوقعًا وصولهم الوشيك، ولم يخزلوه خلال فترة قصيرة مرَّت عليه دهرًا وبمراوغة منه وهجوم منهم استطاعوا تشتيته فوقع في قبضتهم. هرع إليها فك قيُودها حررها ثم جذبها إليه احتواها بين ذراعيه يبثها الأمان يرتد صدى نشيجها بصدره يخفي ارتجافها داخله. أصر على المرور بالمشفى للاطمئنان على حالتها الصحية قبل أن يرافقها للمنزل، وهناك فزع الجميع من حالتها، أمطروه بأسئلتهم بعد استسلامها للنوم، علموا تفاصيل ما حدث فغشيتهم الصدمة حتى قطعها حسن: - يعني اتقبض عليه تاني! - أيوه، والمرة دي خطف ومحاولة قتل. شعرت نيِّرة بالأسى على سعاد وعانته وما قد يترتب عليه، وارادت التأكد من إزالة الخطر: - كده الخطر اللي حواليها انتهى ولا لسه؟ - شبه انتهى، هو هيتحبس مش أقل من عشر سنين وانا هفضل وراه لحد ما ياخد حكم مشدد. بالأخير صدح صوت الأب الذي ثقل بحسرة: - سامر مات! وسعاد كان بينها وبين الموت خطوة! حلَّق الحزن الصامت لوهلة بينهم حتى طلب منهم الأب تركه مع ياسين منفردين، لكن حن رفض ترك والده وأصر على البقاء جانبه. - مفيش أي كلام ممكن يوفيك حقك يا ياسين، ومش بتكلم على النهاردة بس أنت وقفت جنب بنتي حتى لما كنت أنا أبوها بعيد ومغيب، وعارف أن وظيفتك حساسة.. عشان كده أنا برفع عنك الحرج لو عايز تطلق سعاد محدش هيلوم عليك. نهض ياسين متفاجئًا من كلماته: - اتطلقها، أكيد لأ، ولو عشان اللي جرى هي مجني عليها، وأنا كفيل بشغلي يا عمي، سعاد مراتي ولازم أكون جنبها لحد ما تعدي أزمتها دي ونتمم الجواز، أنا همشي وهاجي الصبح اطمن عليها. مرَّت بهم فترة حزن واكتئاب، حاولت سعاد الانعزال عنهم جميعًا، لكنهم لم يتركوها أو يسمحوا لها دعموها بحنانهم، خصوصًا ياسين حاوطها بحنانه الحازم وبعد فترة بدأت العودة لحياتها من جديد، دأب حسب على متابعة القضية وتوكيل محامي مشهور ذاع سيطه في مجاله. لم يكف والد حسن عن لوم نفسه يرى نفسه السبب الرئيسي لموت سامر ومعاناة سعاد.

📜 الفصل الرابع 📜

( نسيم الحُريَّة) احتارت طيف لا تعلم ما عليها فعله من أجل ابنته، تشعر بحزنها المتزايد وانطوائها الذي يصل حد العزلة، دلفت إليها وكالعادة وجدتها جالسة على فراشها سابحة بأفكارها بعالم أخر، تنهدت برثاء لحال اببنتها جلست جوارها وضمتها إليها بحنان: - وبعدين يا حلا هتفضلي كده! أكيد بابا عنده ظوف اضطرته يغيب عنك كده، أكيد مش بمزاجه. حدجتها بنظرات حائرة متمنيَّة، وحين لم تتلقَ طيف منها إجابة استرسلت تؤكد لها اضطرار والدها؛ فلم يخبروها بفقده أو بمعنٍ أصح اختطافه مجهول السبب بالنسبة لهم. - أنا وأنتِ متأكدين إن بابا ما حبش في حياته زيك أنتِ وعدي وجدتك الله يرحمها؛ يبقى غيابه ده مش بايده وإن شاء الله هتلاقيه في أي وقت راجع ويبرر سبب غيابه. - ليه يا ماما حياتي كده؟ ليه لازم أتحرم مِن حد فيكم؟ ليه ما كملتوش مع بعض؟ ليه قبلتي زمان وما قولتيش لأ؟ - يا حبيبتي، الدنيا مش بتمشي على هوانا وكل اللي بنمر به مقدر ومكتوب خطوات لازم نمشيها عشان نوصل لواقعنا ومنه للمستقبل، انفصلت عن بابا عشان محدش فينا كان مرتاح ولا حتى أنتِ، اخترنا نبعد عشان حياتنا تستقيم يمكن دخل بينا العند فترة بس في النهاية المشاكل بينا خلصت، بابا إن شاء الله راجع. - أنا السبب، سمعت جزء من خناقة بابا مع مامة عُديِّ صوتهم كان عالي. - ليه بتقول أنك السبب؟ أي زوجين ممكن يتخانقوا. غشيهما الصَّمت؛ فاستلقت حلا على فراشها متعللة بحاجتها للنوم، علمت طيف أنها تهرب من مواصلة نقاشهما؛ فانسحبت وقلبها يعتصر وجعًا؛ فطيف الماضي لا يريد تركها. عاد مؤنس من عمله مع بداية حوارهما فسمعه مُشفقًا على طيف، لا يلوم حلا فهي بالنهاية مراهقة تذوقت مرار الحرمان والتشتت منذ الصغر، تحلم بأسرة متكاملة دافئة. خرجت طيف من غرفة ابنتها تغلق الباب خلفها فاستقبلها مؤنس بين أحضانه يسمع صوت أنفاسها الهادر يشي بوجع قلبها. - هيجي يوم تفهم وتقدر يا حبيبتي، ما تزعليش، هي لسه صغيرة. - كل يوم بيمر بحس أنها بتحملني وز اللي بعده عنها، والله زمان كنت خايفة ابعد عنها يمكن لو كنت بطلت خوف، لو سيبت كل حاجة ومشيت كانت حياتي وحياتها اختلفت. - خطوات محسوبة ومتقدرة يمكن لو عملتي اللي بتقولي عليه كانت حياتكم دلوقت أسوأ، ربنا قدر حياتك تتغير وأنا حوالكِ عشان أحميكِ، تتفاءلي خير وخليكِ قوية. أيام تتوالى وشهور حتى اكتمل الحول، خلاله تعافت سعاد وأصر ياسين على إتمام الزفاف قبل الحكم بقضية خطفها محاولة قتلها التي أضيف عليها جريمة قتل أخوها سامر، كما حدد موعد للنطق بالحكم. أما شهاب فقد عانى كل أنواع التعذيب النَّفسي مع جلسات كهرباء زلزلت كيانه وتركت أثرها عليه شابت رأسه ووهن جسده. طبيب مصري جديد في مقتبل عمره، شهد له رؤساؤه بالكفاءة الذكاء واستطاع شفاء حالات عدة ميؤوس من علاجها، فنقل للمشفى الخاص الذي حُجِز به شهاب كما يحجز به من يرغبون بعقابه يعالج به علية القوم من يريدون علاجهم في صمت بعيدًا عن الأضواء، جلس مع المدير الأجنبي الجنسية بأوَّل يوم لتسلم العمل فخاطبه بلكنته الإنجليزية يرحب به ضمن فريق عمل المشفى: - أهلًا بكَ دوك. آدم، أتمنى لكَ التوفيق معنا، ونصيحة هامة يجب العمل بها «السِّرِّية التامة لجميع الحالات وإطاعة الأوامر لبعضها دون نقاش» لم يفهم الطبيب مقصد مديره بالبداية، لكن مع مرور الوقت وكما قابل حالات مرضية قابل أيضا مَن حوتهم جدران المشفى للتنكيل بهم وكانت فراشهم مشتعلة بالجحيم لهم، تلظى الطبيب بلــهيب ضميره وتأنيبه شعر أنه مثلهم وجوده بالمشفى عقاب على علم عشقه مارسه في غير محله، من أكثر الحالات التي نالت تعاطفه حالة شهاب، فمن خلال الكلمات الشحيحة التي خرجت من فم البعض على مدار بضع أشهر علم أن جريمته الوحيدة هي رفضه لتزويج ابنته من شخصية بعينها وحين سمع الطبيب اسم مَن تقدم علم سبب رفضه، تجسدت أمامه صورته لو كان هذا الثري تقدم لأخته أو أن حظه العسر جعله يصطدم به، بعد حيرة حسمها الضمير قرر الطبيب ترك المشفى، بل البلد كله، بدأ خطواته بسرية جمع حاجاته ورتب للسفرلأحد الدول االأجنبية، زعم أن السفر للسياحة وبنيته ذهاب بلا عودة، صوت داخله حثه على مساعدة شهاب للهرب ولأن لغة المال هي السائدة بالمشفى وجد مَن يعاونه. وجد ضمن متعلقات شهاب هاتفه، وبالبحث داخل الأسماء وجد رقم مسجل باسم والده، دوَّن الرقم واتصل به. جلست حلا بشرودها الذي يلازمها مؤخرًا، انتبهت على رنين هاتف جدها برقم غريب طارت فرحًا بالبداية وكادت تجيبه لولا تذكرها كلمات والدها وتحذيره، فتراجعت عما نوت ومع تكرار الرنين خرجت لوالدتها ومؤنس وناولت لهما الهاتف، أجاب مؤنس بحذر وكلمات مقتضبة، استمع للمتحدث بصمت ثم انهى الاتصال. - في أيه يا مؤنس؟ شهاب اللي اتصل؟! رغم انشغاله في دوامة أفكاره إلا أن نطقها باسمه أشعل غيرته لأبعد حد، فحدجها بشراسة أرجفتها منه لأوَّل مرة، نظر لحلا يطمئنها بكلماته: - خير يا حلا أخبار كويسة عن بابا يمكن يبقى معاكِ قريب. شرد بتفكيره طويلًا قبل أن يطلع طيف عن تفاصيل المكالمة وما يشغله أو بالأصح يقلقه، بعد تفكير متعمق قرر مؤنس التعاون من هذا الطبيب وخلال بضع أسابيع عاد شهاب لأرض الوطن يشعر بنسيم الحريَّة، بينما تحررت غيرت مؤنس وتفجرت بقرب غريمه السابق من حياتهم، لم تكن طيف غافلة عن الحــرب الناشبة داخله أهَّبت نفسها للتصدي لها والانتصار. لم يتوقع مؤنس مدى سوء حالة شهاب بالرغم من أن الطبيب أخبره بتدهور حالته، إلا أن رؤياه جعلته يشفق عليه حقًا، لكنه ما يلبس أن يتحول للحنق عليه؛ فما تعرض له جعله شديد العصبية يثور لأبسط الأسباب وأهونها. - مش موافق يا طيف، ما تحاوليش الموضوع منتهي. - يا مؤنس افهمني أرجوك! - اللي بتطلبيه مستحيل، إزاي مش فاهمة ولا مقدرة، أنت مش عارفة الوقت اللي بنقضيه عنده أنا حالتي بتكون أيه! أنا ليا طاقة ما تطلبيش حاجة أكبر منها. - يا مؤنس أنا كل اللي عايزاه أكون قريبة منهم، أنت رفضت نشتري الشقة قبل كده لأنهم معانا، أنا مش قادرة أبعد عن حلا عشان كده بقول يشتروا الشقة اللي تحتنا وأهو يبقوا قريبين مني، وأنت اللي ممكن تكلم أصحابها لأنهم زمايلك ويعملوا لك خاطر. تجهَّمت معالمه ولم يجيبها، فكررت رجاءها: - إني أشوفها مرة كل أسبوع واجعني يا مؤنس، عشان خاطري وحياة ولادنا! بالله عليك يا مؤنس وافق! - وكل ما أطلع أو أنزل اشوفه يا طيف وافتكر سنين عمري اللي سرقها مني! افتكر أنك كنتِ مراته واللي عمله فيكِ، افتكر العذاب اللي عشناه سنين، طيب اتحمل ازاي أنه يشوفك بسهولة في كل حركة لكِ أنه يسمع صوتك، الزيارة اللي بتحسيها قصيرة أنا بعيشها سنين وبتحرق بكل ثانية فيها. ذهلت من كم الوجع الذي يفيض من كلماته والعذاب الذي يتحمله مِن أجلها، التمعت عينيها بدموع لم تكن وجعًا، بل امتنانًا ومؤازرة، اقتربت منه غاصت بمقلتيه وتعابير وجهها تموج بمزيج المشاعر حب امتنان اعتذار وتقدير: - أنا آسفة، سامحني. أخذ كفها بين راحتيه وجذبها ليجلسا، رنا إليها بمقلتيه التي فاضت حنانًا كما حروفه: - أنا حاسس بكِ ومقدر والله، طول الأيام اللي فاتت وأنا بفكر في حل مناسب وهو كان قدامنا فعلًا بس كنا مركزين في اتجاه تاني. لم يحتاج للقسم أو للحديث فلا يوجد مَن يفيها قدرها مثله من يهتم ويراعي ويحيطها بالحب والحنان غيره، دوما يلقبها بحبيبته وهي تشعر بها وتتوغل داخل لكنها عاجزة عن نطقها، قطع شرودها استرساله: - الشقة الفاضية اللي قدام شقة سارة اللي أجرتها السنة الي فاتت؟ فاكراها! - أيوه. - لسه فاضية، في نفس الشارع والعمارة قصاد العمارة، يعني سهل الولاد يجولك كل يوم وأي وقت وسارة هتكون قريبة ولو فعلًا هتكون جليسة ومساعدة نفسية لشهاب فده بردوا هيكون مناسب جدًا. - أنتَ عظيم قوي يا مؤنس حقيقي نفسي أعمل أي حاجة أرد جزء صغير من كل اللي بتعمله علشاني. كفكف دموعها التي انحدرت على وجنتها بنعومة مرددًا: - ما تبكيش أبدًا، وجودك جنبي كفاية، وولادي منك دول أعظم هدية، من الصبح بدري هكلم أصحاب الشقة وأحاول أقنع صاحبها يبيعها بدل الإيجار، شرطي يا طيف ما تروحيش أنت للولاد ولا حتى لسارة هم اللي يجوا هتروحي لازم أكون معاكِ. أجابته ببسمة وعناق طال تحدثت خلاله المشاعر بسخاء. خلال شهر واحد أشترى شهاب المنزل وفرش كما رغبت حلا، احترمت طيف مشاعر مؤنس ورغبته، أصبحت سارة جليسة لشهاب هي المسؤولة عن متابعة حالته وتنفيذ تعليمات الطبيب، تقضي معه معظم وقتها تتحمل نوبات غضبة قد فعلت من قبل مرغمة مع كمال والآن تفعلها كممرضة معه، منذ بدأت تتعامل معه عن قرب طرح عقلها عدة أسئلة عما عاناه هناك وسببه هل ندم عمَّا فعله بطيف سابقًا؟ عن زوجته أو بالأدق طليقته وأم ابنه كما أخبرهم، مع الوقت وعلى استحياء فتحوا باب الحديث عن الماضي، كلاهما قص للآخر أجزاء متناثرة من حياته تشابها ببعضها وتوازيا بالبعض الآخر وإن اختلفت أسبابهما. وجدت نفسها مع حكاياته عمَّا عاناه من أجل ابنته وكيف حاوطها باهتمامه ورعايته بدأت تعقد مقارنات بينه وبين والدها وشعرت بتطابقهما، ومع هذه الفكرة وجدت نفسها تميل للقرب منه أكثر تود الدنو إليه وقضاء أوقاتها جواره حتى انها أحيانًا كلما نظرت له ترى والدها في هيئته، تتداخل بعينها الصور، وما لفت انتباهها وربما انتباه من حولهما أنه يثور في غيابها ويهدأ بمجرد حضورها وكأنها هي الوحيدة التي تشعر به وتتحمل نوبات هيــاج، أو ربما لأن كلاهما انعكاس لمرآة الآخر. مرَّت بهم الأيام وتوالت وتعاقبت الأسابيع أكمل بضع شهور، زاد الارتباط الروحي بين شهاب وسارة، لكنهما حافظا على صمتهما ربما الحرج غلف مشاعرهما أو احتياجهما فلم يستطيعا البوح بما كمن بأعماقهما، لكن القدر أخفى لهما ما حرك ركود صمتهما، جار لهما لم يقتنع بدور سارة كممرضة وظن ما هو أكثر، تلاطمت ظنونة بدنس وقَـذَارة، كثرت مضايقاته لها سكتت مجبرة كي لا تؤثر أفعاله على سمعتها، لكن الجار لم يكتفِ وقرر بأحد الليالي طرق بابها لينهل من محرماتها ظنًا منه أنها تفعل المثل مع شهاب وتاريخها يشهد أنها فعلت كما الغَـانــيات مع زوجها الراحل. صراخ شديد قدم من شقتها المقابلة له، ايقظ مَن بالبيت جميعًا، اندفع بجسد لا يطاوعه يرتعش باهتزاز كبُرج ضَرَبَه زلزال شديد، طرق باباها وحين لم تجيب حاول كسره ومع تجمع الجيران ساعده البعض حتى اقتحموا المكان وراعهم ما وجدوا وما طالها من بطش الآخر والذي بدا للجميع غير متزن، حاول شهاب بحالته البائسة التهجم عليه فحال بينهما الجيران. أسرع مؤنس وطيف إليهم بعد مكالمة حلا، وتلاهما الطبيب النفسي المعالج لها، الذي تعجب مِن إصرارها على حضور والدها حتى ظن أن عقلها قد شتَّ منها، لكن زال عجبه حين تشبثت شهاب تلقبه بوالدها، وجد شهاب نفسه يصارحهم برغبته في الارتباط بها بحمية وحماية. انتظر حين مرت ازمتها النفسية، ثم جدد رغبة في الزواج منها، تعجبت والدة مؤنس من تصاريف القدر فسارة وافقت على طلبه وتجزم انها رأت بعينيها خجل عروس بكر وفرحتها تتراقص باستحياء داخلهما، حينها فقط زادت الأمور بعينيها وضوحًا كما استطاعت مباركة زواج مؤنس ودخول بيته راضية بعدما اطمأنَّت على سارة مع مَن رغبت، مَن يصونها. كلَّما مر الوقت زاد جفاء شهاب تجاه ابنه عُدي، لاحظت طيف من خلال حكايات الصبي معها عن تفاصيل يومه الذي يتخلله تعنيف شهاب له وإن عكف على ألا يؤذيه جسديًا، لم تفهم سبب فعله فشهاب يحرص على التعامل مع حلا بمودة وحنان شديدين، زاد الأمر سوءا بعد أن حملت سارة بعد أشهر ذهبت خلالها لأطباء كُثُر وجميعهم أجمعوا على صعوبة حدوثه، وعلى قدر سعادتهما وبهجتهما بقدر حزن الصغير لازدياد غلظة والده معه، سألت طيف سارة عن السبب فأخفضت سارة وجهها خزيًا ولم تجب، التزمت طيف الصّمت حتى اليوم الذي أتت إليها حلا بوجه هجرته الدِّماء: - مالك يا حلا؟ مالك يا عُديِّ زعلان ليه؟ طال صمتهما وطالعت عديِّ بأسى، فطلبت طيف منه مرافقة حازم وحمزة ثُمَّ سألت حلا عن سبب حالتها: - بابا هيدخل عُديِّ ملجأ. - أيه!!! - سمعته بيكلم طنط سارة وبيقولها كده، أنا خايفة يا ماما، عُديِّ طيب وحظه وحش طنط ريفال كانت دايمًا سايباه، لو لقى نفسه في مكان زي ده هيموت، هو بابا ممكن يعمل كده. - مستحيل أنا همنعه بكل طاقتي استحالة ده يحصل، خليكِ هنا لحد ما ارجع وما تتكلميش قدام أخوكِ في حاجة اوعي يحس يا حبيبتي. بدلت ملابسها وهي تشعر بالغضب يتطاير من مقلتيها، انطلقت نحو منزل شهاب ولأوَّل مرة تشعر بالعدائية تجاه أحد، لدرجة عمتها عن رؤية مؤنس الذي تبعها غاضبًا. طرقت بابهما فاستقبلتها سارة التي أخفضت رأسها فقد علما أن حلا استمعت لحديثهما، حدجتها طيف بتأنيب وسخط ثم انفعت جهة شهاب تسأله بجدية غَاضِبَة: - اللي حلا سمعته ده صح ناوي تعمل كده في ابنك. - بتسألي ليه؟! - صح ولا لأ؟ - أيوة - بالسهولة دي، ربنا كرمكم بحمل الطب شايفه معجزة فبدل ما تحمدوا ربنا ترموا نعمة تانية وتغرسوها بالوحل. تساقطت دموع سارة بينما رد شهاب بغضب: - أنا حر أعمل اللي عايزة - لأ، مش حر هو حاجة من ممتلكاتك مش عايزها فترميها، ده انسان لحم ودم، زمان الحاجة الوحيدة اللي صبرتني حرصك وخوفك على حلا لدرجة اني تمنين أبويا يكون شبهك، لكن لو فكرت تأذي عُديِّ أنا اللي هقف في وشك. لم يتصور يومًا أن تقف طيف بوجهه كما الآن فبرغم ارتجافها واهتزاز قبضتها إلا أن نبرتها ثابتة قوية، لا يعلم إن كانت حالتها من فرط خوفها أم مِن فرط غضبها وعصبيتها، وجد نفسه يصرخ بوجهها فاضحًا جرحه: - كانت فَـاجِرة، أمه كانت مرافقة هناك، عُديِّ مش ابني أكيد منه هو. - يبقى تعمل تحليل نتأكد لو ابنك مش هسمح لك ترميه وأصلا وصايته معايا، ولو مش ابنك أنا هتكفل به ومش هتلمح ضفره بعد كده. - بأي حق تطلبي؟ مش خايفة! قلبك قوي! - مش طلب ده اللي هيحصل، أنا سكت عن حقي زمان ضعف مش هنكر، لكن طفل ضعيف زيه استحاله أسيبه لمصير أسود، لأ مش خايفة، وأيوه قلبي قوي، عشان لقيت اللي يقويني ويرفعني مش يذلني، حاوطني برعاية واهتمام مش حصار وإرهــاب، عشان ربنا رزقني بإنسان. لجم لسانه داخل جوفه لا يعلم أسعد من موقف طيف وهجومها للدفاع عن ابنه المشكوك به أم غضب من فضح حرجه. وبالخارج وأمام باب المنزل وقف مؤنس وبقدر غضبه السابق حين رآها تصعد لبيت شهاب بقدر سعادته بها وهي تتحدى شهاب دون رهبة، لا ينكر حنقه عليها فشهاب هذا ردود أفعاله غير متوقعة، لكن ما وصفته به جعل قلبه يتراقص بأحشائه، وبخروجها التقت مقلتيهما في حديث صامت عميق ثم رفع مؤنس ساعده وحاوط كتفها بحماية كرد واضح وتأييد لقرارها. وجدت طيف الأمان والحب داخل أسرتها حصنها بالحياة فهزمت ضعفها وانتصرت قوتها، بل أصبحت درعًا حاميًا لغيرها؛ فداخل كل منا الضعف والقوة، النصر والهزيمة، الأمل واليأس وحولنا عالم يهوى ضعفنا يزرع بنا اليأس ويأكل عزيمتنا، وحصننا هو الأسرة هي درعنا الحامي فيا كل راعي اتقي الله في رعيتك فإنك مسؤول ومُساءَّل عنها.

تعليقات

المشاركات الشائعة