لعنة الثراء (نوفيلا)

غلاف

📜 الفصل الأول 📜

الليلة التي بدأت منها اللعنة... صوت الموسيقى كان عالي، الأضواء تتراقص في قاعة السويفي الفخمة، والوجوه كلها تلمع بالبريق والثراء. دخلت شمس الهواري بثوب أسود بسيط، أنيق لكنه لا يشبه فخامة من حولها، ورغم كده كانت كل العيون تلتفت لها. اقترب منها خالد، ببدلته الغالية ونظرته المتعالية التي لم تتغير، تأملها من أعلى لأسفل بذهول وقال بسخرية: ــ واحدة زيك بتعمل إيه هنا؟ في حفلة السويفي؟ صاحب أكبر شركة في مصر وبره مصر كمان؟ كتمت شمس غيظها، عضّت على شفتها السفلى وهي تقاوم رغبتها في الرد الجارح، ثم ابتسمت بسخرية خفيفة: ــ الحفلة دي معمولة عشاني. ضحكة حادة قطعت الجو، كانت هايدي، بنت خالتها وخطيبته الجديدة، تقف بجواره تمسك بذراعه كأنها تؤكد ملكيتها له: ــ يا بنتي بطّلي كدب! انتي واحدة أبوكي مسجون وأمك ست غلبانة، وعيشتكم كانت بالعافية. انتي ناسية؟ كنتي بتشتغلي وإنتي بتدرسي عشان تعرفي تصرفي على نفسك! حفلة زي دي؟ لمين؟ لِوحدة زيك؟ ولا يمكن جيتي عشان ترجّعي خالد ليكي تاني؟ بس ياحرام... هو اختارني أنا. لم ترد شمس، فقط نظرت لها نظرة واحدة... فيها كل الغضب، وكل الوجع. لكن تلك النظرة كانت الشرارة التي فتحت أمامها أبواب الذاكرة... (قبل سنوات) في فيلا الهواري، كانت شمس وقتها في الثانوية العامة، ممددة على السرير تقلب صفحات كتابها، قبل أن ترفع رأسها بابتسامة دافئة: ــ بابا، وعدتني إنك تجيبلي عربية بورش لما أخلص الثانوية. فاكر؟ ضحك أحمد الهواري، رجل الأعمال الذي كانت الحياة تبتسم له دائمًا: ــ خلصي انتي الأول يا روح قلبي، وأنا أجبلك الدنيا كلها مش بس عربية. قاطعتهم صافيه، زوجته، وقلق واضح في ملامحها: ــ أحمد، سيب شمس تذاكر بقى. تعالى عايزاك في كلمتين. دخل معها إلى المكتب، وهناك تغير صوتهما. ــ أحمد، إنت فعلاً بعت كل ممتلكاتك عشان شحنة الخامات دي؟ وكمان مع مين؟ مع محمد أخوك وإيهاب السويفي؟ من غير ورق ولا عقد؟ نظرت له برجاء. ــ دي مغامرة كبيرة يا أحمد. ابتسم وهو يخفي توتره: ــ محمد أخويا، وإيهاب صاحبي من سنين، يعني مفيش خوف. دي صفقة العمر يا صفية. هنبقى من الأثرياء. بس بلاش كلام تشاؤم تاني. تنهّدت صافيه بيأس:ــ تمام... اللي تشوفه. خلف الباب كانت شمس واقفة، تسمع كل كلمة، وقلق غريب بدأ يتسلل لقلبها. مرت الأيام. وفي يوم وصول الشحنة، اهتز البيت كله على صوت أمها وهي تصرخ في الهاتف: ــ بتقول إيه؟ البوليس أخد أحمد ليه؟ حصل إيه؟ ألووو!! ركضت شمس نحوها بعينين دامعتين: ــ ماما، في إيه؟ بابا اتسجن ليه؟ لم ترد صافيه، ارتدت ملابسها بسرعة وهي تبكي: ــ يلا يا شمس، اسبقيني على العربية. في الطريق، كانت الدموع تملأ السيارة، وكل سؤال من شمس لا يجد جوابًا. وحين وصلتا لمقر الشرطة ، كان المشهد فوضويًا: صراخ، دموع، رجال شرطة. رأت صافيه شقيق زوجها محمد واقفًا في زاوية بعينين متباكيتين. ــ محمد! إيه اللي حصل؟ ليه أحمد في السجن؟ قال بصوت متصنّع الحزن: ــ والله يا صفية مش عارف أقولك إيه... أحمد وإيهاب اتخانقوا فوق سطح الشركة... وإيهاب وقع... ومات. الشرطة قبضت على أحمد وبتحقق معاه دلوقتي. صرخت صافيه وهي تلطم وجهها: ــ لأ! لأ يا أحمد... أنا قولتلك بلاش الصفقة دي! واندفع صوت إيناس السويفي، أرملة إيهاب، كالنار في المكان:ــ حق جوزي مش هسيبه! والله لسيب أحمد يعفن في السجن طول عمره لحد لما يندفن فيه! في زاوية أخرى، كان هناك فتى لم يتجاوز الخامسة والعشرين، اسمه عمر إيهاب السويفي، يجلس على الأرض ودموعه تنهمر بلا توقف. اقتربت منه شمس دون أن تدري من هو، فقط شعرت بوجعه. ــ اشرب شوية مية، واهدى. هز رأسه رافضًا، فقالت له بهدوء: ــ بابا دايمًا كان بيقولي إن الراجل اللي بجد، هو اللي يدور على حل لمشكلته... مش اللي يقعد يعيط ويستنى حد يحلها له. قالت كلمتها ومشت، تاركة ورائها زجاجتها، بينما عيناه تتبعانها بصمت طويل... كأن القدر وضع أول خيط بينهما. التحقيقات خلصت. ثبت أن أحمد الهواري تشاجر مع إيهاب السويفي بعد فشل الصفقة التي ضاعت فيها مائة مليون دولار، وانتهت المشاجرة بسقوط إيهاب من فوق سطح الشركة. حُكم على أحمد بالسجن المؤبد. وبقيت صافيه وابنتها شمس وحدهما... بلا مال، بلا بيت، وبلا أب. لكنها لم تبكِ كثيرًا. في تلك الليلة، وقفت أمام بوابة السجن الحديدية، رفعت رأسها نحو السماء وقالت بصوت مبحوح: ــ بابا... استناني . أنا هرجّعلك حقك... مهما حصل. حين يسقط الثراء... لا يبقى سوى الإرادة

📜 الفصل الثاني 📜

كانت شمس تحاول الموازنة بين دراستها الجامعية وتدريبها في شركة عمها. وفي أحد الأيام، وبينما كانت تسير مسرعة في طرقات الشركة حاملة بعض الملفات، اصطدمت برجل طويل القامة، نحيف البنية، ذا بشرة سمراء وملامح حادة. شمس وهي تلتقط أنفاسها بتوتر: آسفة جدًا... أنا مستعجلة. تركته وغادرت بسرعة، بينما ظلّ هو يراقبها ببرود وضيق. خالد في نفسه بتهكم: مش كفاية إنهم رفادوني مرتين في الشركة دي، كمان أقابل شوية أغبيا مش شايفين قدامهم! وبينما كان يهمّ بالمغادرة، سمع أحد الموظفين يهمس لزميله: الموظف الأول: مش دي بنت اخو صاحب الشركة؟ الثاني: أيوه، بس عمها مش بيديها أي ميزة، بيعاملها كأي موظفة... يمكن عشان لسه بتدرس. تبدلت ملامح خالد، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة. عندها فقط بدأت الفكرة تتشكل في رأسه… خطة للسيطرة على الشركة، من خلال تلك الفتاة. بعد أيام، ظهر خالد في الجامعة، وكأنه جاء صدفة. اقترب من “أميمة” صديقة شمس المقرّبة، وبدأ الحديث معها بخبثٍ مدروس. وفي دقائق، كانت أميمة قد حكت له كل شيء — عن ماضي شمس المؤلم، وعن شخصيتها القوية الصلبة، وعن رفضها الدائم لأي رجل يحاول التقرب منها. أميمة وهي تضحك: شمس دي مستحيل تقع في الحب، دي بنت عقلها أكبر من سنها بكتير. خالد بابتسامة واثقة: تمام… دي بقى اللي أنا عايزها. وبينما كان يراقبها تخرج من المحاضرة متجهة نحو أميمة، نهض من مكانه متصنعًا الصدفة. خالد بابتسامة خفيفة وهو يمد يده: هاي… أنا خالد، مخلص جامعة وجاي هنا أكمل ماجستير ميكانيكا. شمس وهي ترفع حاجبها ببرود وتنظر ليده: مبسلمش على رجالة. تركت يده المعلقة في الهواء وغادرت بخطوات ثابتة. شعر خالد وقتها بجرح في كبريائه… أول مرة بنت تكسره بالشكل دا. لكنها كانت بداية اللعبة. في مساء اليوم التالي، جلس خالد مع والدته في الصالة يحدثها بعزم: خالد: مفيش طريقة غير كده، البنت دي مش من النوع اللي بتكلم ولا بتخرج مع شباب، الحل إنّي أتقدملها رسمي. والدته بتفكير ماكر: فكرة مش بطالة… اتقدملها بس من غير شبكة ولا مهر كبير. لما تدخل شركتهم وتثبت نفسك وتوصل لمنصب مدير عام ، تبقى تعمل اللي انت عايزه… وبعدها لو زهقت منها، سيبها. في تلك الليلة، كانت شمس في غرفتها تفكر: شمس تحدث نفسها: يمكن زودتها معاه شوية… بس هو كمان بيكلمني ولا كأنه يعرفني من عشر سنين! بعد يومين: دوى جرس الباب. خرجت لتجد خالد ووالدته جالسين في الصالون، ووالدتها صفية تستقبلهم بابتسامة. صفية بفرح: يا نهار أبيض! نورتونا… اتفضلوا. شمس بذهول: أهلاً… خالد بثقة: بصراحة أنا هدخل في الموضوع على طول… أنا معجَب بيكي من أول مرة شفتك، مفيش في الزمن دا بنات بالأدب والاحترام دا. قلت لنفسي بدل ما ألف وأدور، أجي البيت من بابه. والدته بابتسامة متصنعة: شرف لينا إن شمس القمر تبقى خطيبة ابني، دي هتتدلع معانا. نظرت صفية إلى شمس وكأنها ترجّوها بالصمت، ثم قالت بابتسامة هادئة: صفية: ادونا فرصة لحد بكرة ونردّ عليكم. وبعد انصرافهم، جلست صفية توبّخ ابنتها بحزم: صفية: لحد إمتى هتفضلي ترفضي العرسان يا شمس؟ أنا مش هعيشلك العمر كله، البني آدم دا محترم ومامته باين عليها طيبة، وفاهمين يعني إيه بنت ناس. فكّري كويس. طوال الليل، ظلت شمس تقلب في كلام والدتها… وفي النهاية، قررت أن تعطيه فرصة. وبعد فترة قصيرة، تمت الخطوبة في جو بسيط. لكن الحسد لم يترك المكان، فهايدي — ابنة خالتها — كانت هناك تتصنع الابتسامة بينما الغيرة تشتعل في عينيها. أميمة بضحكة ساخرة: متبينيش غيرتك كده يا هايدي، حاولي تبتسمي شوية عشان شكلك وحش اووي! هايدي بغيظ: أغير منها؟ دي لسه بتشتغل متدربة في شركة عمها، وأنا الإتش آر في مجموعة السويفي! أميمة وهي تضحك: شركة عمها الي انتي بتتكلمي عنها دي. شركة السويفي هتموت وتدمج شركتها مع شركة الهواري بس عمها مش موافق .مهما تحاولي تعلي عليها هي بردو اعلي منك ههههههههه غادرت أميمة وهي تضحك، بينما ظلت هايدي مكانها تتلوى من الحقد. وفي داخلها وعدٌ خفي… أنها مش هتسيب شمس تتهنى، ولا بخطيبها، ولا بحياتها. بعد الخطوبة، جلس خالد مع شمس في جنينة البيت المعتاد، صوته متردد لكن نبرته فيها ضيق مكبوت. خالد (متنهد): شمس، حاولي تقنعي عمك أشتغّل معاكم في الشركة. مش مرتاح إنك اللي بتصرفي على كل حاجة بينا. شمس (بهدوء حزين): وأنا كمان مش مرتاحة يا خالد. بس أنت عارف، من بعد اللي حصل من خمس سنين وأنا وعمّي مقطوعين عن بعض. أنا شغالة عنده “متدربة”، مع إني متخرجة بامتياز، ولسه مش معترف بيا أصلًا. قبل ما تكمل، نادت عليها أميمة من بعيد، فاضطرت تقوم وهي بتعتذر بعينيها. خالد قعد لوحده، الغضب يغلي صدره . وهنا ظهرت هايدي — بابتسامة فيها خبث متغطي بدلع. هايدي (بصوت ناعم): هاي خالد... خالد (مندهش، يحاول يخفي إعجابه): هاي... هايدي: أنا آسفة لو سمعتكم بالغلط. أنا هايدي حسين... بنت خالة شمس، وHR في شركة السويفي. خالد (مندهش): شركة السويفي؟ دي شركة كبيرة جدًا! هايدي (تبتسم بخفة): آه... زي شركة الهواري بالظبط. بس عندنا معدات أحدث، وعندنا مكان فاضي لمهندس ميكانيكي شاطر زيك. خالد (يتحمّس): بجد؟ وتفتكري ممكن أشتغل هناك؟ هايدي: أنا اللي بمضي العقود، يعني القرار عندي. ممكن تبدأ من بكرة... والمرتب أكتر من اللي تتخيله. (تمد له كارتها بابتسامة مصطنعة) ده رقمي لو حبيت تعرف أي تفاصيل. سابت له الورقة ومشيت بخطوات محسوبة، وهو ما قدرش يشيل عينه عنها. في المساء، حكى لشمس كل اللي حصل، متحمس كطفل لاقى لعبة جديدة. شمس (بقلق واضح): هايدي؟! في شركة السويفي؟ خالد، إنت فاهم انت رايح فين؟ دي عيلة السويفي يا خالد... العيلة اللي أبويا قتل كبيرها! خالد (بتأفف): انتي مكبّرة الموضوع على الفاضي، شمس. دي شغلانة مش حرب. تفكيرك بصراحة... عقيم. الكلمة جرحتها أكتر من أي حاجة. ومن بعدها، بدأت المسافة بينه وبينها تكبر كل يوم. هايدي تتقرب، وهو ينساق وراها كأنه مسحور. ليالي كتير نامت فيها شمس ودموعها على الوسادة. وأميمة كل يوم تكلمها تحاول تخفف وجعها. أميمة (بلطف): ي بنتي، يمكن هو مشغول. فكّري في مستقبلكم. اعملي شوية حلويات و روحي له الشركة، يمكن يفرح بيكي. شمس (بتردد): يمكن فعلاً مضغوط... هعمل كده. لكن وهي قدام المراية، وقفت لحظة تتأمل نفسها. شمس (بصوت واطي): إزاي هدخل الشركة دي؟ دي بتاعة الناس اللي بابا قتل كبيرهم... بس محدش يعرفني، هسلّمه الحلويات وامشي على طول. دخلت شركة السويفي وهي متوترة، تحاول تبان واثقة. لكن رجال الأمن أوقفوها عند الباب. شمس (بانفعال): أنا جايه أقابل حد وامشي، مش طالبة مقابلة عمل! الأمن: مش هينفع يا آنسة، لازم الشخص نفسه ينزل. والشنطة دي لازم تفضل هنا لحد ما تخرجي. كانت هترد بعصبية، لكن صوت رجولي جه من وراها، حاسم وقوي: الصوت: في إيه؟ عاملين دوشة ليه؟ (ثم بنبرة آمرة) خليها تسيب الشنطة وتطلع. التفتت، فوقع نظرها عليه. رجل طويل القامة، أبيض البشرة، شعره أسود لامع، بدلة سوداء زادت من هيبته. نظراته ثابتة، باردة، كأنها بتفك أسرارها من أول مرة يشوفها. عمر السويفي. ابتلعت ريقها بخوف غامض، وخفّضت نظرها، ثم مشيت مسرعة نحو المصعد. وصلت للطابق الأعلى، دخلت مكتب الـHR تسأل عن خالد. لكن المشهد اللي شافته جمّد دمها. هايدي في حضن خالد. الدموع سبقت صوتها، شهقة خرجت غصب عنها، وركضت برا المكتب، مش شايفة قدامها. دخلت المصعد وهي بتبكي بحرقة، تضم نفسها في الركن كأنها بتحتمي من الدنيا كلها. وبين شهقاتها، لاحظت انعكاسه في باب المصعد... نفس الرجل. واقف بصمت، عيونه عليها، فيها نظرة غريبة — لا شفقة ولا قسوة... نظرة رجل غامض ،خليط من الفضول، والاهتمام، والقدر الذي بدأ يخط أول فصوله.

📜 الفصل الثالث 📜

كانت شمس تبكي في غرفتها بعد ما رأت في مكتب هايدي مشهدًا هزّها من الداخل. كانت تظن أن الحياة استنفدت كل صدماتها، لكنها لم تكن تعلم أن صدمة أخرى في طريقها إليها — خبر وفاة عمّها "محمد الهواري". مات بعد أن اكتشف أنه عقيم لا ينجب، وأن "ياسر" الذي كان يظنه ابنه ليس من صلبه. زوجته شادية هربت معه خارج البلاد بعدما سرقا ما استطاعا من أموال وذهب، تاركين خلفهم مؤسسة عملاقة تُقدّر قيمتها بمئتي مليار جنيه. وريثها الوحيد: شمس... البنت الوحيدة المتبقية من العائلة. في صباح اليوم التالي، جلست شمس في مكتب عمها داخل القصر، تحيطها أوراق وملفات لا تُعد. المحامي الخاص بالمؤسسة يقف أمامها، يفتح ملفًا سميكًا، وبصوته الهادئ بدأ يقرأ نص الوصية. المحامي: بناءً على الوصية الأخيرة للمهندس محمد الهواري، تؤول كل ممتلكاته وأسهمه ومؤسساته إلى ابنة أخيه شمس أحمد الهواري، لعدم وجود وريث شرعي سواها... توقف قليلًا، ثم أغلق الملف وتنفس ببطء. اقترب من الباب وأغلقه بإحكام قبل أن يتحدث بصوت منخفض. المحامي:يا شمس... في كلام ماكنش ينفع يتقال وعمك عايش. بس خلاص، الوقت جه. بصراحة... والدك اتظلم. شمس (بحذر): اتظلم إزاي؟ كمل. المحامي (بتردد): قبل تسليم الشحنة الخامات بيوم، عمّك اتفق مع القبطان إن التسليم يتأخر شوية. ورشّى واحد من رجال أمن الميناء علشان يبلغ إن التصاريح ناقصة، وإن الشحنة موقوفة مؤقتًا. النتيجة... إن الشحنة اتصادرت، وأبوك اتقبض عليه نتيجة لخناقه مع إيهاب وموته بالخطأ من علي سطح الشركه ، وكل واحد فيهم راح ضحية الخطة دي. وبعدها بيومين، استلم عمّك الشحنة لنفسه. كان كل واحد حاطط فيها كل ما يملك... بس هو أخد نصيب الكل واحتفظ بيه لنفسه . سكت المحامي وهو يتجنب النظر لعينيها. شمس (بصوتٍ واهن): يعني بابا اتسجن ظلم... واترمى في السجن وعمره ضاع بسبب خيانة من أخوه؟ أومأ المحامي بهدوء. المحامي: كل ده مكتوب بخط إيده في أوراق الخزنة السرية. وفيها كمان نتيجة التحليل اللي أكد إنه عقيم، وإن ياسر مش ابنه. علشان كده طلق مراته، وكتب كل التركة باسمك إنتي... الوريثة الوحيدة. سقط القلم من يد شمس، ارتجفت أصابعها وصوتها خرج متكسرًا من بين دموعها. شمس: علشان الفلوس... دمر حياة أبوي! حرمني منه، وساب أمي تغرق في الحزن، وخلاني أعيش سنين من الفقر والذل... وهو كان عايش في القصور! وقفت فجأة، دموعها بتختلط بالغضب في ملامحها. شمس (بحزمٍ مخنوق): كنت أتمنى يرجع للحياة... بس مش علشان أفرح بيه. علشان أقتله بإيدي. المحامي ظل صامتًا، يعلم أن ما قاله غيّر مسار حياتها إلى الأبد. رفع أوراق الوصية ببطء وهو يقول: المحامي: دلوقتي كل ده ملكك يا شمس. بس... الورث ده مش فلوس بس. ده لعنة تقيلة، وممكن تهدّي بيت أي حد يلمسها. نظرت له نظرة جامدة، بعين فقدت براءتها. شمس (ببرود): أنا عارفة. بس المرة دي... أنا اللي هتحكم في اللعنة. مش هي اللي هتحكمني. خرج المحامي، وبقيت شمس وحدها في المكتب. الساعة كانت بتدق بهدوء، وأوراق الوصية قدامها بتلمع تحت نور المصباح. مدّت يدها ولمستها، كأنها بتلمس تاريخًا مكتوب بالدم. من اللحظة دي... اتبدّل كل شيء.وشمس، اللي كانت ضحية الأمس، بقت صاحبة الثروة... وبداية "لعنة الثراء" فعلاً بدأت. منذ تلك الليلة تغيّر كل شيء في شمس أحمد الهواري. لم تعد تلك الفتاة المكسورة التي يطاردها ماضيها، بل أصبحت امرأة تعرف كيف تُخفي نفسها خلف ستارٍ من الغموض والقوة. قررت أن تبقى شخصية مجهولة في عالم رجال الأعمال، تدير شركات الهواري من بعيد دون أن يعرف أحد من تكون حقًا. لم تعد تريد الأضواء، بل تريد السيطرة. وبينما كانت تتصفح الملفات داخل مكتبها، وقعت عيناها على طلب رسمي من شركة السويفي لدمج شركتهم مع شركات الهواري. توقفت للحظة، والذكريات تنهش قلبها. الاسم وحده كفيل بإعادة كل الألم — فـ إيهاب السويفي هو الرجل الذي مات بسبب طمع عمها محمد الهواري، وهو نفسه والد عمر السويفي. ولاكن لم تنسي كلمات إيناس السويفي لوالدها وتوعدها له بالسجن مدي الحياه . همست لنفسها ببرود يخفي اشتعالها الداخلي: "يمكن دي أول خطوة علشان أرجّع حق بابا الي اتحرمنا منه طول العمر … ." وقّعت على الدمج، لتبدأ أول خيوط المواجهة بين الماضي والحاضر. وفي الجهة المقابلة، كانت شركة السويفي تجهز لأضخم حفل في تاريخها — حفل إعلان الدمج بين الشركتين. وفي ذلك اليوم، حضرت شمس الحفل كمن يدخل ساحة معركة. ارتدت فستانًا أسود ناعمًا، رفع شعرها بعناية، وتركت بعض الخصل تنسدل بخفة على وجهها. هيبتها كانت كافية لتجعل الجميع يلتفت نحوها دون أن تنطق بكلمة. عيناها العسليتان كغروبٍ لا ينتهي، تجمع بين الحزن والجبروت، وصوتها الهادئ يخفي خلفه سنوات من الألم المكبوت. بشرتها القمحاويه كالذهب الامع . وقوامها المتناسق كغزال شارد . دخلت القاعة بخطواتٍ واثقة، لتعلن بصمتٍ أن ابنة أحمد الهواري عادت… لكن هذه المرة، لا لتبكي على ما فُقد، بل لتأخذ كل ما سُلب منها — بالثأر والدهاء.

📜 الفصل الرابع 📜

أفاقت شمس من دوامة ذكرياتها على صوت ضحكاتٍ مستفزة تخترق أذنها. رفعت رأسها لتجد خالد وهايدي يقفان أمامها، نظراتهما مليئة بالشماتة والاستهزاء. قال خالد بضحكةٍ ساخرة وهو ينظر إليها من أعلى إلى أسفل: – لا اتلقيها بتدور على عريس غني يطلعها من المستنقع اللي هي فيه... ههههههه. تجمدت شمس مكانها، لم تعرف بماذا ترد، كل ما شعرت به هو طعنة في كرامتها، وحرارة تسري في وجهها من الخجل والوجع. همّت أن تدير وجهها وترحل، لكن يدًا قوية استقرت فجأة على خصرها، شدّتها برفق نحوه. صوت رجولي عميق اخترق الموقف وقال بثقةٍ هادئة لكنها حاسمة: – مين دول يا حبيبتي؟ مش تعرفيني عليهم؟ التفتت شمس بدهشة، لتجد أمامها عمر السويفي، يقف بثبات وابتسامة خفيفة لا تخلو من الجرأة. تلعثمت وهي تشعر بارتباكٍ شديد: – دا... دا خالد... كان خطيبي. ودي هايدي بنت خالتي... وخطيبته دلوقتي. لمحت في عيون هايدي لمعة دهشة وفضول وهي تهمس بنبرة مبهورة: – أستاذ عمر السويفي بنفسه واقف معنا... أما خالد، فاشتدّ وجهه غضبًا وتغيرت ملامحه وهو يجزّ على أسنانه: – هو حضرتك تعرفها عشان تحط إيدك على وسطها كده؟ رفع عمر حاجبه بنظرةٍ باردة كالسيف، وابتسم ابتسامة ساخرة: – لو دي حاجة هتريحك... تمام. تبقى خطيبتي ، ومش هنعزمك على الفرح ... متقلقش. خالد ارتبك للحظة، بينما تجمدت شمس لا تصدق ما تسمع. شدّها عمر برفق من يدها وغادر المكان دون أن يعطي فرصة لأي ردّ، تاركًا خلفه هايدي تشتعل غيرة، وخالد يغلي من الغضب والعجز. كان صوت الموسيقى يخفت خلفهما مع كل خطوة، والهواء البارد في الخارج يضرب وجهيهما. سحبت شمس يدها بعنف من قبضته وقالت بعصبيةٍ مكبوتة: – إنت مين؟! وإزاي تسمح لنفسك تعمل كده؟! أنا معرفكش! وقف عمر أمامها بثبات، عيناه تتفحصان ملامحها المرتجفة ووجنتيها اللتين احمرّتا من الخجل والغضب. قال بهدوءٍ غامض: – أنا عمر السويفي... صاحب شركة السويفي للحديد والصلب. تراجعت خطوة إلى الوراء، نظراتها متوترة: – وأنا مالي؟! دا مش مبرر اللي عملته! اقترب منها خطوة، صوته ناعم لكن يحمل قوة خفية: – عملت كده عشان أوقف المهزلة دي. توقف لحظة ثم أضاف بابتسامة جانبية: – وكنت سامع كل كلمة قالوها عنك... فقلت أساعدك، بطريقتي. نظرت إليه شمس بعيونٍ مضطربة، اختلط فيها الغضب بالدهشة والخوف، وقلبها ينبض بقوة لم تفهم سببها. ظلت تحدّق فيه في صمتٍ لبضع ثوانٍ، كأنها تحاول قراءة نيّته من خلف تلك النظرة الغامضة التي تخفي أكثر مما تُظهر. ذهبت شمس مسرعة، تركض كأنها تهرب من شيء يطاردها، بينما وقف عمر ثابتًا في مكانه يتابعها بعينين تشتعلان غضبًا. تجمدت ملامحه ، ثم تمتم بصوت منخفض لكنه حاد كالسهم: "دا انتي هتشوفي وشي ليل ونهار... لما آخذ حقي منك ومن أبوكي ومن عمك اللي مات. تبقي غبية لو مفكرة إنك ضحكتي عليا، وإنك ياعيني مهندسة بسيطة في شركة ابن عمك اللي ورث باباه... وانتي في الحقيقة وريثة عمك محمد الهواري الوحيدة! حتى لو قدرتي تتخفي عن الناس كلها، عمرك ما هتعرفي تتخفي عني." المكان: مكتب عمر السويفي – ليل الجو ملبّد، أنوار خافتة تنكسر على الزجاج، رائحة عطره تملأ المكان. يجلس عمر خلف مكتبه الكبير، أنامله تضرب سطحه ببطء، عيناه متعلقتان في اللاشيء. عمر (بنبرة حاسمة): "أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده... الخطة هتتنفذ الليلة." يصمت لحظة، يبتسم ابتسامة قصيرة فيها مزيج من الثقة والخطر. المكان: غرفة شمس – نفس الوقت الليل ساكن، والضوء المنعكس من الشارع يرسم ظلالاً على وجهها. تجلس على طرف السرير، تمسك صدرها، تتنفس بسرعة. تتذكر ما حدث في حفلة الدمج — كيف تقاربت من عمر رغم كرهها له. كانت حائرة بين الغضب والارتباك... بين الانتقام والرغبة الغامضة في إنصاف الحقيقة. في اليوم التالي – شركة الهواري تجلس شمس في مكتبها، تتفحص أوراق الدمج بتركيز. صوت خطوات ثابتة يقترب، ثم الباب يُفتح دون طرق. يدخل عمر كأنه في بيته، بهيبته المعتادة، يضع معطفه على الكرسي ويجلس بثقة. عطره يسبق كلامه، فتتجمد شمس للحظة، ثم تنهض بسرعة. شمس (بحدة): "انت ازاي تدخل وتقعد كده من غير ما تستأذن؟!" يرفع نظره إليها بابتسامة هادئة، صوته بارد وساخر: "انتي ناسيه إننا دمجنا الشركتين؟ يعني المكتب ده مكتبي زي ما هو مكتبك... وبعدين، وطي صوتك شوية. دا أنا قاعد في ملك أبويا، ولا إيه يا شمس الهواري... وريثة عمها الوحيدة؟" يتصلب جسدها، عينها تلمع بالغضب. تغلق الباب بسرعة حتى لا يسمعهم أحد، ثم تتقدّم نحوه بخطوات حادة. شمس: "انت بتقول إيه؟ أنا مهندسة في الشركة، الوريث الحقيقي هو ياسر، ابن عمّي!" يضحك عمر ضحكة قصيرة مستفزة، تنهك أعصابها أكثر. عمر: "الكلام ده تضحكي بيه على أي حد... إلا أنا. متقلقيش، مش هقول لحد. بس أنا ما جيتش النهارده عشان أفتح ملفات قديمة." تتراجع شمس خطوة للخلف، تحدق فيه بقلق. "أمال جاي ليه؟" ينهض ببطء من مكانه، يضع يديه في جيبيه، صوته منخفض كأنه يعرض صفقة خطيرة: "إيه رأيك... أخرج أبوك من السجن؟" تتسع عيناها، تنفلت منها أنفاسها. بجد؟! دا ممكن يحصل؟!" ابتسامته تتسع بثقة غامضة. "طبعًا ممكن... لأن إحنا اللي حطّيناه جوا." الكلمة تقع عليها كصفعة. ملامحها تتغير من الدهشة إلى الغضب، لكن قبل ما تنطق، يكمل هو بصوتٍ أكثر بطئًا: "بس بشرط..." تنتظر، عيناها متعلقتان به. "نتجوز." الصدمة تصيبها، لحظة صمت ثقيلة. ثم تنفجر بضحكة قصيرة، فيها سخرية وغضب مكتوم. شمس (باحتقار): "في أحلامك يا عمر." تلتفت خارجة من المكتب، بينما عيونه تلاحقها بثقة وهدوء. على وجهه ابتسامة خفيفة تدل أنه يعرف إنها هتضطر ترجعلُه مهما قاومت. صوت عمر بعد خروجها، بصوت خافت: "كلنا في اللعبة يا شمس... بس أنا اللي بحرك القطع." يجلس عمر السويفي في مكتبه الواسع، يطل من الزجاج على القاهرة الغارقة في أنوارها. وجهه هادئ... أكثر مما يجب. يرفع الهاتف ببطء، وصوته واثق، خالٍ من أي انفعال. عمر: "نفّذت المهمة؟" يرد صوت خشن من الطرف الآخر، مبحوح من أثر التدخين: "تمام يا باشا، زي ما أمرت. أول صفقة اتعطّلت، والموردين انسحبوا... واللي بعدها في الطريق." ابتسامة باهتة ترتسم على شفاه عمر: "ممتاز... خليك متابع كل التفاصيل، أنا عايز كل حاجة تقع بالهدوء... من غير ما حد يشك." يغلق الهاتف، يتركه على المكتب، ويستند إلى الكرسي بارتياح قاتل. عينيه تلمعان بنور الانتصار البارد. في مقر شركة الهواري صباح اليوم التالي... الفوضى تضرب المكان. أصوات الموظفين تتداخل، أوراق متناثرة، مكالمات غاضبة من العملاء، أجهزة الكمبيوتر تتعطل فجأة. موظفة: "السيستم وقع تاني! كل الملفات اتمسحت!" مدير الفرع: "اتصلت بالمهندس، بس بيقول إن في هاكر دخل السيرفر!" موظف آخر: "والموردين رفضوا يشحنوا الطلبية يا فندم... قالوا الحسابات فيها أخطاء!" في وسط الزحمة، تقف شمس الهواري، ملامحها متوترة لكن بتحاول تثبت نفسها. صوتها حاد، فيه توتر مكبوت: شمس: "كل واحد يهدى! محدش يسيب مكانه... أنا هحلّ كل حاجة." لكن في اللحظة دي، يدخل هايثم، المدير المالي، ووجهه باهت. يمد لها ورقة الاستقالة. هايثم: "أنا آسف يا شمس... بس أنا مش هقدر أكمل، الضغط زاد، والمشاكل دي ملهاش تفسير." تأخذ الورقة ببطء، عينيها تلمع بدهشة وألم. شمس (بصوت خافت): "إنت كمان يا هايثم؟" هايثم: "صدقيني... مش بإيدي." يخرج تاركًا صدى خطواته، والهدوء الغريب اللي بيلي العاصفة. شمس تقف وسط الفوضى، تشد نفسها وتحاول تتنفس، لكن جوّاها إدراك مرعب بيتكوّن: في حد بيهدم كل اللي بنته — بخطة، وبذكاء. تجلس على مكتبها، عينيها على شاشة الكمبيوتر اللي فيها رسالة خطأ حمراء كبيرة: “SYSTEM FAILURE – ACCESS DENIED” صوتها يخرج هامس، كأنها بتكلم نفسها: "ده مش صدفة... دي حرب." في نفس اللحظة، في مكتبه المظلم، عمر يتابع من بعيد تقارير السوق، يشوف اسم "الهواري" بين الأخبار السلبية في الشاشة الاقتصادية. يهمس بابتسامة باردة: "وده مجرد البداية يا شمس..." ليل ثقيل يخيم على شركة الهواري بعد أن غادر الجميع. صوت المطر بالخارج يطرق الزجاج كأنه يحاول تحذيرها. تجلس شمس وحدها وسط الأوراق الممزقة، الملفات المفتوحة، والمصائب اللي خربت كل حاجة في أيام قليلة. تلمح ورقة مطبوعة سقطت من بين الملفات... تسحبها بيد مرتجفة، تقرأ اسم شركة وهمية كانت سببًا في تعطيل أول صفقة — وفي آخر الورقة: توقيع إلكتروني واضح... "عمر السويفي." تجمد الدم في عروقها. تتنفس بسرعة، تغلي دموعها بالغضب، وتنهض بخطوات متوترة نحو باب مكتبه. تفتح الباب بعنف.

📜 الفصل الخامس 📜

عمر كان جالس على مكتبه، هادي كعادته، يدندن بصوت خافت كأن مفيش مصيبة في الدنيا. ترمي شمس الورقة على مكتبه بقوة. شمس (بصوت مرتجف من الغضب): "دي شركتك، صح؟ أنت اللي ورا كل دا! أنت السبب في خراب الشركة وانهيار الناس اللي شغالين هنا!" يرفع عمر عينيه ببطء، يلتقط الورقة، يبتسم ابتسامة خفيفة. عمر: "أهو كده بدأتِ تفهمي يا شمس." شمس: "ليه؟ ليه تعمل كده؟! فاكر نفسك بتنتقم؟! باباك مات في صفقة محدش كان له يد فيها! وانا كنت طفلة وقتها!" يقف عمر ببطء، يقترب منها خطوة بخطوة. نبرته باردة لكن عينيه تفضح وجعًا قديمًا. عمر: "أبوك ما اتحبس ظلم... هو السبب في موت أبويا. وأنا كل اللي بعمله إنّي باخد حقي... بس بطريقتي." شمس (بعينين دامعتين): "حقك؟ بتدمر شركة، وناس بريئة! دا دا مش حق... دا انتقام أعمى." يتنهد عمر، يقترب منها أكتر، صوته ينخفض كأنه يعرض عليها صفقة من الجحيم. عمر: "ومع ذلك، أقدر أوقف كل ده في لحظة... أوقف الخسائر، أرجّع اسم شركتك، وأطلع أبوك من السجن." تتراجع شمس خطوة، تهمس بخوف: "مقابل إيه؟" ابتسامة عمر تتسع، صوته ثابت، قاطع: "نتجوز." تصمت شمس لثوانٍ طويلة... وجهها خليط من الصدمة والاشمئزاز. تضحك ضحكة قصيرة مشوبة بالمرارة. شمس: "إنت مجنون." عمر: "يمكن. بس أنا المجنون اللي ماسك مصيرك بإيده... فاختاري يا شمس — توقفي الحرب، وتحرري أبوك... أو تكملي العناد، وتشوفي كل حاجة بتنهار قدامك." ينظر لها بثبات، هي تحاول تحبس دموعها لكن عينيها تفضح ارتجافها. تلتقط الورقة من على مكتبه وتغادر بسرعة، لكن خطواتها تتعثر، كأنها هاربة من فخ عارفة إنها هتوقع فيه. وعمر واقف، صوته يلحقها بهدوء قاتل: "فكّري كويس... أنا صبور، بس الزمن مش في صفّك." الليل ساكن...، إلا شمس الهواري، اللي بتتقلّب على سريرها كأن النار بتشتعل جواها. عقلها مش بيسكت… صوت عمر مازال بيرن في ودانها: “نتجوز… وإلا كل حاجة تنهار.” تضغط وسادتها على صدرها، دموعها بتغرق عينيها، وهي تهمس لنفسها في الظلمة: “هو بيبتزني… وأنا عارفة… بس بابا… بابا يستاهل أعمل أي حاجة عشانه.” تنهض بتعب، تتجه ناحية المرآة. تشوف ملامحها — مزيج من الضعف والقوة. تمد يدها تمسح دموعها، كأنها بتمسح آخر ذرة من الطفولة. “خلاص يا شمس… مش هتضعفي تاني. هتلعب لعبته… بس بطريقتك.” الصبح. في بيتها الصغير المليان دفء رغم الحزن. تجلس شمس مع صافيه والدتها، وأميمة صاحبتها القديمة. وشها شاحب، لكن عينيها فيها تصميم. صافيه تمد لها فنجان القهوة وهي تلاحظ التوتر في ملامح بنتها: صافيه: “مالك يا بنتي؟ وشك متغير من امبارح.” تتنفس شمس بعمق، تبص في عيون أمها وصاحبتها كأنها بتسلم سرّ خطير. شمس: “أنا هتجوز عمر السويفي.” الصدمة تملأ المكان. الفنجان بيتهز في إيد صافيه، وبتقول بصوت واهي: “إيه؟! إنتي جننتي يا شمس؟! دا هو اللي دمّرنا!” أميمة تفتح عينيها بدهشة: “دا بيقوله انه أكتر انسان معندوش قلب ولا ضمير.. هتعملي في نفسك كدا ليه ....، شمس (بهدوء غريب): “انا لسه مخدتش القرار انا متلغبطه” تدمع عيون أمها، تصرخ بحرقة: صافيه: “بس الجوازه دي ممكن تخرج محمد جوزي من السجن!” شمس: “انا كنت بفكر اخرج بابا بطريقه تانيه بس شكلها كدا مفيش طريقة تانيه .” تسود لحظة صمت، فيها خوف . أميمة تمسك يدها وتهمس: “خلي بالك منه يا شمس… عمر مش سهل.” في الناحية الأخرى من القصر، كانت رائحة العطر الفاخر تمتزج بحدة أصوات غاضبة قادمة من غرفة المكتب الكبير. وقفت "إيناس السويفي" أمام ابنها، عيناها تلمعان بالغضب والخذلان، وصوتها يرتجف لكنها لا تتراجع: – إنتَ اتجننت يا عمر؟! تتجوز بنت الراجل اللي خرب بيتنا؟ اللي تسبب في موت أبوك؟! هو دا اللي طلعت بيه من تعليمك وسفرياتك؟ رفع عمر عينيه بثبات، رغم أن صوته كان يحمل شرارة الغضب المكبوت:– كفاية ماضي يا ماما... أنا تعبت من اللوم ده. اللي حصل بين بابا والهواري انتهى. – انتهى؟! صرخت وهي تقترب منه خطوة بخطوة، – ولا عمره هيخلص! لأن الجرح ده مش هيتقفل طالما اسم الهواري لسه بيتقال! إزاي تفكر تتجوز بنتهم؟ إزاي؟ أدار وجهه عنها وقال بجمود: – خلاص يا ماما... القرار اتاخد. زواجي من شمس هيتم، سواء رضيتي أو لا. صرخت فيه بقهر وهي تدمع: – وأنا عمري ما هبارك الجوازة دي... حتى لو كان آخر يوم في عمري! وقف لحظة ينظر إليها بعينين غارقتين بالخذلان ثم قال بهدوء مرّ: – يبقى اعتبريها جنازتي، مش جوازتي. تركها وغادر بخطواتٍ ثقيلة، والباب يُغلق خلفه بصدى حاد كأنه إعلان حرب بين الأم والابن. وفي شقةٍ فخمة على النيل، كانت هايدي جالسة أمام خالد، وجهها متجهم، وعيناها تشعّان بالغيرة والحقد. ألقت الهاتف على الطاولة بغضب وقالت: – سمعت؟! ابن السويفي ناوي يتجوزها... شمس! دي البنت اللي كانت بتمشي حافية في مصنع أبوها زمان! ابتسم خالد بسخرية باردة وهو يسكب لنفسه كوبًا من العصير: – شكلها اتعلمت تمشي على السجاد دلوقتي. بس الغريب إن عمر السويفي يقع في فخها. هايدي، وقد اشتعلت غيرتها أكثر:– دي لعبت علينا كلنا طلعت هي الورثة الوحيده للهواري؟ اقترب خالد منها بصدمة وكأنه ادرك مدي خسارة بتركه لشمس ،صوته منخفض لكنه يحمل سمًّا: – يبقى نلعب لعبتنا احنا كمان . ونوقعهم في بعض .

📜 الفصل السادس 📜

رن هاتف شمس بصوت حاد كسر صمت الغرفة، نظرت للشاشة فظهرت الكلمة التي كانت تخشاها: أيمن اخو هايدي وابن خالت شمس . فتحت الخط بسرعة: – أيوه يا أيمن؟ جاء صوته مبحوحًا، يملؤه انكسار لم تعهده منه من قبل: – قابليني في الكافيه اللي تحت الشركة... عاوزك في حاجة مهمة جدًا. – تمام، دقايق وهكون هناك. ... كانت السماء تميل للغروب حين وصلت شمس إلى الكافيه، عينيها بتدور بين الوجوه حتى التقت نظراتها بنظرة أيمن. كان جالس وحيد، ملامحه شاحبة، ويده تعبث بفنجان القهوة الفارغ. جلست مقابله بصمت، لكن أيمن قطع الهدوء بصوت مرتجف: ألف مبروك يا شمس... ضحكت بمرارة وقالت: – مبروك على إيه يا أيمن؟ على الجوازة اللي شكلها حرب؟ ضرب الطاولة بقبضته بعصبية، فالتفتت إليه الأنظار من حولهم، قال بانفعال مكتوم: – أنا كنت معاكي خطوة بخطوة! من أول ما قررنا ندمج الشركتين ونلعب لعبتهم عشان نطلّع أبوكي من السجن. كنا ماشيين صح، ليه الدنيا اتقلبت؟ إزاي بقيتي إنتي اللي بيتلعب بيكي؟ أنا مش فاهم حاجة... أنا هتجنن! مدّت شمس يدها تحاول تهدّيه، وقالت بهدوء رغم اضطرابها: – اللى حصل حصل يا أيمن... مش هنقدر نرجّع الماضي. لكن نقدر نغيّر اللي جاي. نظر لها أيمن بعينين غارقتين بالخذلان، فأكملت شمس بثبات غريب: – أنا عايزاك مكاني في الشغل الفترة الجاية. مش عارفة عمر ناوي على إيه بعد الجواز، بس اللي متأكدة منه... إنه بيخطط لحاجة. وأنا محتاجة حد أثق فيه يحافظ على شركتي، ويكشف لي مين الخونة اللي زرعهم هناك. أومأ أيمن بصمت، والدموع بتلمع في عينيه. همس بصوت مكسور: – حاضر يا شمس... بس خدي بالك من نفسك، عمر مش سهل. ابتسمت بمرارة وقالت: – ولا أنا. في اللحظة دي، وعلى بُعد خطوات منهم، كان شخص مجهول يجلس بسيارة سوداء، عدسته تلتقط صورًا لشمس وهي تمسك بيد أيمن، والرسالة انطلقت بعدها بثوانٍ إلى هاتف عمر السويفي... 📩 “خطيبتك بتخونك... شوف بنفسك.” وقف عمر صامت، عينيه معلّقة على شاشة الهاتف، والصور قدامه بتغلي زي الجمر. إيده ترجف، بس صوته جواه أعلى من كل حاجة... صوت ما بين الوجع والغيرة. همس لنفسه بحدة: – أنا مدايق ليه؟ هي متهمنيش... ولا يخصني راحت فين ولا قابلت مين. بس صوته الداخلي، الصوت اللي عمر دايمًا بيحاول يسكتُه، قام يهمس له بسخرية مريرة: – لأ يا عمر، إنت مدايق... ومش عارف ليه؟ أنا أقولّك ليه... عشان راحِت تقابل واحد تاني غيرك، وعشان بكرة فرحكم، وهي لسه بتضحك معاه كأنها ناسيه إنك موجود. حاول يقاوم الإحساس اللي بيخنقه وقال بعصبية: – دي لعبة... جوازة مصلحة، مش أكتر. لكن الصوت جواه ما سكتش، زاد، وبقى كأنه بيصرخ في أذنه: – لعبة؟ يبقى ليه قلبك بيولع وانت شايفها معاه؟ ليه حسّيت إنك اتخنت؟ كنت فاكرها بريئة وطيبة، وغير اي بنت شفتها صح؟ بس الحقيقة... إنها زيهم كلهم. شدّ نفسه، وقام من مكانه بعنف، رمى الموبايل على المكتب وصوته بيغلي: – لأ... من النهارده مفيش تهاون تاني . وقف قدام المرآة، نظر لانعكاسه بعينين فيها نار الانتقام، وقال ببرود قاتل: – بعد الفرح... هتعرف يعني إيه تتلاعب باسم السويفي. أما "سارة"، ابنة عم عمر، فحين سمعت الخبر داخل غرفتها في الطابق العلوي من قصر السويفي، صرخت بقهرٍ مكتوم وهي تكسر مزهرية الزينة على الأرض: – لأ! عمر بتاعي أنا! هو اللي وعدني من وأنا صغيرة! جلست على الأرض بين شظايا الزجاج، ودموعها تسيل بصمت: – إزاي يختارها هي...؟ وفي الخارج، كانت القاهرة كلها تتحدث عن الخبر. الزفاف الذي هزّ القاهرة... لم تشهد القاهرة حفلًا بمثل هذه الفخامة من قبل. كل الأضواء كانت تتجه إلى قصر “السويفي” المطلّ على النيل، حيث اجتمع الأثرياء، ورجال الأعمال، والفنانين، والإعلام... فاليوم لا يحتفل الناس بزواج عادي، بل بزفاف الأسطورتين: عائلة السويفي × عائلة الهواري. كانت الكاميرات تتلاحق، والصحافة تملأ المكان بعناوين منمقة: "زفاف العام... اتحاد القوتين الأكبر في مصر!" شمس الهواري، بثوبٍ أبيض خيالي التصميم، مرصّع بحبات اللؤلؤ، تمشي بخطواتٍ بطيئة وثابتة نحو المنصة. العيون كلها تتبعها بانبهار، لكن خلف نظرتها الهادئة... كانت هناك نار لا تُرى. في الصف الأول، جلست "إيناس السويفي" متحجرة الملامح، تصفق مجبرة بينما عيناها لا تفارقان ابنها. في القاعة، كان عمر واقف في بدلته السودا، هيبة لا تُوصف، لكن عينيه ثابتة على الباب اللي هتدخل منه شمس. كان قلبه بيدق، بس مش من شوق... من غليان. وفي اللحظة اللي شافها فيها داخلة، اتجمّد الزمن. الجمال نفسه وقف يتفرج. خطواتها بطيئة، ثابتة، وابتسامتها فيها براءة، بس هو شايف فيها غير كده... شايف الخيانة اللي زرعها الغضب في خياله. همس لنفسه بمرارة: – ابتسمي يا شمس... ابتسمي دلوقتي، قبل ما تشوفي الوجه الحقيقي لعمر السويفي بعد الفرح. اقتربت منه، تمد يدها بارتباك، أمسك يدها بقوة، قوة فيها وعد خفي لا أحد سواه يفهم معناه. تعالت التصفيقات... الكاميرات... الموسيقى... لكن بين أيديهم، كان في صراع صامت، بينها وهي تحاول تفهم البرده اللي في عينيه، وبينه وهو بيخفي جواه عاصفة هتغيّر كل شيء بعد الليلة دي. وفي لحظة تبادل الخواتم، انحنى عمر هامسًا في أذنها بصوت خافت ما بين الوعيد والدهشة: – مبروك يامدام شمس السويفي .....

📜 الفصل السابع 📜

هدأت الأصوات في القصر، والكل غادر إلا الصمت... ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق العاصفة. شمس كانت واقفة أمام المرآة، تفك دبابيس شعرها بيد مرتجفة، وعيونها معلقة بانعكاسها… مش شايفة عروسة سعيدة، شايفة بنت مغصوبة على مصير اختاروه غيرها. دخل عمر بهدوء، خطواته بطيئة، لكنها تملأ المكان هيبة وغموض. وقف خلفها، قرب منها بهدوء، عينيه تلمع بخلطة من الغضب والرغبة والارتباك. قال بصوت منخفض لكنه حاد:– عروستي خايفة مني؟ ما ردتش، بس ضمت إيديها على بعض. اقترب أكتر، همس بجانب أذنها: – متخافيش... مش هأكلك. بس يا خسارة، كنتي المفروض تبقي أسعد وحدة الليلة دي... مش كأنك رايحة تنفذي حكم إعدام. استدارت له ببطء، عينها فيها مزيج من الانكسار والكرامة: – أنا عملت اللي كان لازم أعمله... علشان بابا، علشان شركتنا، علشان أخلص من كل دا. ضحك ضحكة قصيرة لكنها مؤلمة: – يعني اتجوزتيني صفقة؟ تمام... بس لازم تفكّري كويس إن الصفقة دي دلوقتي بقت ملكي أنا. اقترب خطوة تانية، رفع يده يلمس خدها، هي أغلقت عينيها بخوف واضح. وبينما كان يقترب أكتر، تساقطت دمعة صافية من عينها، نزلت ببطء على خدها، واصطدمت بإصبعه. توقف عمر فجأة... كأن الدمعة دي كانت صفعة على وجهه. اتسعت عيناه، وسقطت أنفاسه الثقيلة. تراجع خطوة للخلف، وراح ناحية الشرفة وفتحها، الهواء البارد ضرب وجهه، وكأنه بيحاول يطفّي النار اللي جواه. همس لنفسه بصوت متكسر: – إزاي أقدر أكرهها وهي بالشكل ده؟ دمعتها كسرت كل اللي بنيته سنين. بس لأ… مش هضعف، مش دلوقتي. أنا لسه ليّا حساب قديم لازم يتصفّى. نظر لها من بعيد، كانت لسه واقفة مكانها، دموعها بتنزل في صمت، وشكلها بريء لدرجة توجع القلب. ترك الغرفة، والباب أغلق خلفه ببطء، وسابها وحيدة، بين خوفها منه… وحيرتها فيه. في صباح اليوم التالي ، استيقظت شمس على صوت خافت جاي من تحت، ضحكات متقطعة... ونغمة أنثوية فيها دلال متعمّد. نزلت السلالم بخطوات هادئة، وشعرها منسدل ببساطة، لابسة فستان بيت خفيف، فيها ملامح تعب وجهها هادي، لكن في عينيها آثار سهر طويل. بس كرامة كبيرة ساكنة في عينيها. عند السفرة... كانت إيناس السويفي قاعدة بكامل أناقتها، وبجانبها بنت شابة جميلة، لابسة لبس أنيق ومتبرج، سارة ابنت عم عمر ،بتضحك وهي بتميل ناحيته، متعمدة تلمس إيده كأنها صدفة. قالت سارة بدلال: –لسه فاكرة إنك بتحب القهوة السادة، عملتهالك بإيدي. رفع عمر عينيه، نظرها ببرود وقال بابتسامة خفيفة: – دايما عارفة انا بحب ايه . ضحكت سارة بخفة وقالت: – أكيد، هو فيه حد يقدر ينساك . شمس جلست في صمت، لم ترد، ولم تُظهر أي انفعال، مدّت يدها بهدوء وبدأت تفطر كأن المشهد لا يعنيها. لكن عمر كان عينه عليها، يتابع كل حركة وكل نظرة. كان متوقع تشوفه وهو بيتكلم مع سارة، تغير ملامحها، تغار، أو حتى تنفعل. بس هي… كانت هادية لدرجة استفزته. ضحك عمر بخفة مصطنعة، ثم التفت لشمس اللي كانت قاعدة بهدوء، تحاول تركز في فطورها من غير ما تبص لحد. كل كلمة كانت بتخترقها زي السكين، بس كبرياءها منعها ترد. وقفت بهدوء وقالت بصوت متماسك:عن إذنكم، هطلع ألبس عشان الشغل. رد بسرعة وبنبرة صارمة خلت الجو يتجمد: – مفيش شغل. وقفت مكانها، التفتت له بدهشة مكتومة: – تقصد إيه؟ نهض عمر من مكانه، ومشى بخطوات هادئة بس كلها غضب مكبوت، وقف قدامها وقال بصوت منخفض بس حاد: – قلت مفيش شغل. من النهارده إنتِ مش هتنزلي شركتك، ولا هتتحركي من هنا إلا بإذني. ردت بحدة وهي تحاول تسحب إيدها لما مسكها قدامهم: – إيدك يا عمر، ماينفعش كده. ضغط على إيدها بقسوة خفيفة وسحبها بإتجاه غرفتهم أغلق الباب وقال ببرود: – انسي إنك كنتي شمس الهواري… دلوقتي إنتِ شمس السويفي، ومكانك هنا، مش وسط موظفينك وأيمن حبيب القلب. شهقت بخضة، عينيها اتسعت: – إنت... إزاي عرفت؟! اقترب منها خطوة بخطوة، صوته منخفض لكنه قاطع زي السكين: – أنا بعرف كل حاجة. حتى لما بتتنفسي من غير إذني، بعرف. ارتبكت، دموعها بدأت تلمع، قالت وهي تحاول تشرح: – عمر، الموضوع مش زي ما إنت فاكر، أيمن... قاطعها بصوت حاد: – كفاية! مش عايز أسمع اسمه على لسانك تاني. من النهارده… – شمس ودموعها لا تسيطر عليها : تمام وبالنسبة لاتفقنا انك هتخرج بابا من السجن . عمر وهو يترك يدها ويجلس علي حافة السرير بإبتسامه ساخرة : الموضوع مش سهل كدا دي قضيت قتل لسه فيه اوراق كتير محتاجنها عشان يخرج . شعرت شمس بخنجر يدخل في صدرها من الصدمه والغدر من عمر وتركته وذهبت .... عينه كانت لسه معلقة بباب الأوضة اللي خرجت منه شمس، وجواه إحساس غريب مش فاهمه... "ليه وجعها وجعني؟" في مكتب خالد... كان قاعد على الكرسي وابتسامة خبيثة بترسم على وشه وهو بيكلم في التليفون: – ألو يا أستاذ عمر، أنا آسف أزعجتك بدري كده، بس في مصيبة حصلت في المصنع. الأجهزة والمعدات اللي شركة الهواري باعتها فيها أعطال خطيرة، المهندسين بيقولوا تصليحها شبه مستحيل، ولو هنبدّلها دي خسارة بالملايين. سكت لحظة وهو يسمع صوت عمر المشحون غضب، ضحك بخفة وقال وهو بينهي المكالمة:– تمام، هستناك هناك يا فندم... بس الحقهم قبل ما الدنيا تولّع. في فيلا السويفي، كان عمر بيغلي غضب، قام بسرعة وهو بيكلم نفسه: – هي فاكرة إني هسيبها تلعب باسمي؟ دي أولها خسارة ومشاكل؟ دا اللي كنت متوقعه من بنت الهواري. أمسك مفاتيحه وخرج بسرعة.... في المصنع... الضجيج عالي، العمال متوترين، وشركائة متجمعين المهندسين واقفين حوالين الماكينات اللي واقفة عن العمل، وأصواتهم كلها فيها خوف. وقف عمر قدامهم بعصبية واضحة: – أنا عايز تفسير! إزاي أجهزة لسه جديدة فيها كل الأعطال دي؟ خالد وهو يهمس في داخله ، عشان انا الي عملت كدا لعبت وفيهم عشان يعطلو وتلبس شمس المصيبه دي. رد أحدهم بخوف: – الأستاذ أيمن هو اللي بيتابع المعدات دي يا فندم. رفع عمر موبايله واتصل بيه فورًا: – أيوه يا أيمن، أنا في المصنع دلوقتي، والمعدات اللي شركتك باعتها كلها بايظة. أنا مش جاي أسمع أعذار، أنا جاي أحملك كل الخسارة اللي حصلت بسببك وبسبب شركتكم. اتسع صوت أيمن في الطرف التاني، متوتر: – أستاذ عمر، أرجوك اهدى، أكيد في سوء تفاهم، في نفس اللحظة... كانت شمس في أوضتها، بتقف قدام المراية وهي بتحاول تربط شعرها، عينها لسه فيها أثر حزن من كلام عمر الصبح. سمعت رنة الموبايل، شافت اسم أيمن. – أيوه يا أيمن، في إيه؟ – شمس، لحقينا، عمر في المصنع وبيقول إن المعدات كلها بايظة، وبيحملنا المسؤولية. شهقت بخوف وقالت بسرعة: – إيه؟ مستحيل! كل حاجة كانت تمام وقت الشحن. – تعالى بنفسك شوفي، الموقف بيولع. قفلت الخط وبدأت تلبس بسرعة، رغم كلام عمر الصبح: "مفيش شغل"، لكن إحساسها بالمسؤولية كان أقوى من أي تهديد. قالت لنفسها وهي بتخرج: – لو هو فاكر إنه هيمنعني من الدفاع عن شركتي، يبقى مش عارف شمس الهواري كويس.

📜 الفصل الثامن 📜

في الطريق للمصنع، كانت بتسمع في ودنها صوت عمر وهو بيهينها الصبح، وصوت أبوها في ذاكرتها بيقول: "اسم الهواري ماينحنيش، حتى لو الدنيا كلها وقفت ضده." شدت نفسها أكتر، وكل خطوة كانت بتقربها من مواجهة جديدة، مش بس مع عمر… لكن مع المؤامرة اللي بدأت تتنسج حواليهم بخيوط غدر دقيقة. في المصنع... كان الجو متوتر، العمال متجمعين حوالين الماكينات اللي اتعطلت، والشركاء الاثنين لعمر واقفين حواليه في دايرة قلق وغضب. قال حسام، أحد شركائه، بنبرة ضاغطة: – يا عمر، الوضع خطير جدًا، الأجهزة دي لو باظت هنخسر ملايين، والشركة بتاعة الهواري لازم تتحمل كل دا. رد تامر بعصبية: – دا شغل هاويين، ازاي يبيعولنا معدات بايظة بالشكل دا؟ وقف عمر صامت، عينيه في الأرض، دماغه مش قادرة تربط الأحداث. كل اللي بيدور جواه: "هي اللي عملت كده... أكيد دا اتفاق بينها وبين أيمن. عشان يورطوني." قبل ما يفتح بقه، سمع صوت خطوات سريعة داخلة من بوابة المصنع، وصوت أنثوي ثابت: – ولا خطوة من حد! محدش يقرب من الماكينات دي! التفتوا جميعًا... كانت شمس الهواري داخلة بثقة، لابسة بدلة عمل بسيطة، شعرها مربوط، وعينيها فيها تصميم يخوف. اتجمد عمر في مكانه، عينه اتسعت بدهشة ودهشة غضب معًا. "إزاي؟... مش أنا قلت مفيش شغل؟" اقتربت منه بخطوات سريعة، وقالت بنبرة باردة بس قوية: – انت بتلوم شركتي على حاجة مش ذنبها، خليني أشوف الأول قبل ما تحكم. حاول عمر يوقفها: – شمس، ما تعمليش شو قدام الناس.... قاطعت كلامه بثقة: – أنا مش بعمل شو، أنا بحمي اسمي. انحنت على الماكينة، بصت بدقة، لمست مفاتيح التحكم، وبدأت تفحص الأسلاك بعين خبيرة، كأنها حافظاها سطر بسطر. كل العيون كانت عليها، العمال، الشركاء، عمر نفسه، وحتى خالد اللي واقف في الخلفية بعيون مشتعلة غيرة وحنق. بعد خمس دقايق فقط، دوّى صوت الماكينات وهي بتشتغل من جديد. الضوء الأحمر اتحول للأخضر، وصوت التشغيل غطّى على أنفاس الدهشة في القاعة. صرخ أحد المهندسين بدهشة: – اشتغلت! يا جماعة الماكينات اشتغلت! ضحك تامر وهو مش مصدق: – مستحيل... هي عملت إيه؟ دا كنا فاكرينها بايظة خلاص! وقفت شمس ووجهها فيه هدوء المنتصر: – الأعطال دي مش صدفة... حد قاصد يبوز الوصلات عشان يبان إنها مشكلة تصنيع. بس الحمد لله... انكشفت اللعبة. اتجهت بنظرة حادة لعمر وقالت: – قبل ما تحكم على شركتي أو علىّ، اتأكد الأول مين اللي فعلاً بيحاربك.في حوليك خونة كتير واتجهت بنظرها بإتجاه خالد . سكت عمر، مش قادر يرد. الدهشة، الغضب، والإعجاب امتزجوا جواه في لحظة واحدة. نظرات شركاؤه كانت كلها انبهار، وأحدهم قال بهدوء: – شمس دي... فعلاً اسطورة زي ما بسمع . أما خالد، فكان بيعض على شفايفه وهو بيقول في سره: "دي أول ضربة... بس مش الأخيرة يا شمس." وعمر… كان لسه عينيه معلقة بيها، بيتابع كل حركة وكل نظرة حواليها. وكل ما يشوف نظرات الإعجاب من اللي حواليه، يحس النار بتولع جواه أكتر. "هي ليه كل مرة بتثبتلي إنها مش زي ما كنت فاكر؟" أغلق عمر باب المكتب خلفه بعنف، وصوت ارتطام الباب دوّى في المكان كإنذار. خطا نحوه بخطوات سريعة، وقبل أن تنطق، قبض على معصمها بقسوة، وسحبها نحوه حتى ارتطمت أطرافها بكنبة الجلد الداكنة. قال بصوت غليظ يفيض غضبًا: – أنا مش قلت مفيش شغل؟! هو أنا كلامي ما بقاش ليه معنى عندك؟ حاولت أن تنهض، لكن قبضته كانت لا تزال تمسكها بثبات. نظرت إليه بعينين فيها وجع وكرامة، وقالت بصوت متماسك رغم الارتجاف: – نزلت أدافع عن اسمي... مش أكتر. ضحك ضحكة قصيرة، مرّة، وقال بسخرية لاذعة: – اسمك؟ ولا اسم الشركة اللي عايزة تبتزّني بيها؟ جاية تدوري على بطولة قدام الناس؟ تجمدت ملامحها وقالت: – خليني أقولك حاجة... اللي عمل الأعطال دي مش غبي، حد فاهم كويس في الميكانيكا، خبير مش مبتدئ. يعني مثلًا... خالد. رفع حاجبه بابتسامة خبيثة، وقال وهو يتراجع خطوة:يمكن بتحاولي تنتقمي منه؟ عشان سابك، واختار بنت خالتك؟ ولا لسه وجعك أنه فضّلها عليكي؟ في لحظة اندفاع، وقفت شمس بسرعة، اقتربت منه بخطوات غاضبة، وأمسكت ياقة قميصه بقوة، صوتها خرج من أعماقها، حادًا ومليئًا بالكرامة: – خالد؟! ده أحقر وأدنى من إني حتى أبصله أو أفكر فيه! تجمّد عمر في مكانه، نظره ثبت على ملامحها المشتعلة، عيونها اللامعة بالغضب والدمع الخفي. وفي لحظة غريبة، شعر إن قلبه اتخبط بشيء ما... شيء مش فاهمه. لكن سرعان ما أخفى اضطرابه، وهمس ببرودٍ يخفي وراءه اضطرابًا حقيقيًا: – خدي بالك من نبرتك يا شمس... سحبت نفسها من قربه وقالت بثبات: – أنا شمس الهواري محدش يقولي اعمل ايه.. ابتسم عمر ابتسامة قصيرة، فيها مزيج من السخرية والإعجاب المكبوت: – واضح إنك ناسية إنك دلوقتي "شمس السويفي"، مش الهواري. ردت وهي تتجه نحو الباب دون أن تنظر خلفها: – واسم الهواري عمره مهنساه. خرجت بخطوات سريعة، وتركت خلفها رائحة عطرها الممزوجة بحرارة الموقف. أما هو... فظل واقفًا مكانه، يحدّق في الباب المغلق أمامه، وصوتها يتردّد في رأسه كصدى لا يريد أن يصمت. "ليه كل مرة بتقربي مني بفقد السيطرة علي نفسي؟"

📜 الفصل التاسع 📜

في صباح اليوم التالي في فيلا السويفي نزلت شمس بهدوء، لكن الغضب كان واضح في عينيها رغم محاولتها التماسك. خطواتها كانت ثابتة، أنيقة كعادتها، بس في كل خطوة فيها وجع مكتوم وكرامة موجوعة. في الصالة، كانت إيناس السويفي جالسة على الأريكة الملكية، تشرب قهوتها بهدوء مصطنع، وسارة بنت عم عمر جالسة بجانبها تضحك بخفوت وكأنها كانت في انتظار اللحظة دي. رفعت إيناس عينيها ببرود وقالت بنغمة خالية من أي دفء: – صباح الخير يا مدام شمس، واضح إن الشغل مش سايبك حتى بعد الجواز، ولا أنا غلطانة؟ شمس بابتسامة خفيفة حاولت تخفي وراها غضبها: – صباح النور، أنا متعودة أكون مسؤولة عن شغلي… الجواز مش نهاية حياتي. سارة بتصنع الدلع: – بس في بيوت كتير يا شمس، الستات بتختار تركز على جوزها مش الشغل. يمكن علشان جوزها يستاهل التعب ده. نظرت لها شمس بنظرة فيها استعلاء صامت وقالت بهدوء قاتل:وده يعتمد على نوع الجواز… ضحكة خفيفة خرجت من إيناس، بس كانت مليانة سخرية: – واضح إنك فاهمة الجواز غلط، انتي دلوقتي بقيتي من بيت السويفي، وده معناه إنك لازم تمثلي العيلة، مش تفضلي تجري ورا مصانع وأرقام. ردت شمس وهي ترفع رأسها بثقة: – تمثيل العيلة بيكون بالشرف والمجهود، مش بالسكوت والخضوع. إيناس وضعت الفنجان على الطاولة بقوة خفيفة، نبرتها بدأت تتبدل: – انتي فاكرة نفسك مين عشان تتكلمي كده؟ ده البيت ده ليه تاريخه، وانتي دخلتيه بالحرب، مش بالمحبة. شمس وقفت في مواجهتها مباشرة، نظرتها حادة لكن مؤدبة: – وأنا عمري ما سعيت لمحبة حد، أنا اتجوزت عمر بإرادته، وبدون فضل من حد. ولو وجودي هنا بيضايقك، فده مش مشكلتي… سارة تقاطعها بتهكم: – ياااه، ثقة زيادة شوية مش كده؟ انتي ناسية إن عمر نفسه... لكن شمس رفعت يدها توقفها بحدة: – متجيبيش سيرة عمر في كلامك، أنا وعمر بينا اللي يخصنا، وانتي آخر واحدة ممكن تتكلمي عنه قدامي. سارة اتجمدت مكانها، وإيناس نظرت لشمس بدهشة ممزوجة بالغضب،بس شمس اكتفت بابتسامة هادئة وقالت: – بعد إذنكم، عندي حاجات أهم من الكلام ده. ثم تركتهم وغادرت، لكن عيني إيناس تابعتها بكرهٍ واضح وهمست لسارة: – الست دي لازم تعرف إن البيت ده له قوانينه… وأنا هعرفها الطريق بنفسي. رجع عمر السويفي البيت متأخر، ملامحه مشدودة وصوته الداخلي متعب. ما إن دخل الصالة، حتى لمح نظرات أمه “إيناس” الغاضبة، وسارة جالسة بجانبها تمثل دور البريئة الحزينة. رفع حاجبه وقال بنبرة متوترة: – في إيه؟ شكلكم مستنييني على نار. إيناس بصوتها الحاد: – احنا مستنيينك فعلاً… علشان تسأل مراتك بتتكلم معايا إزاي. وقف عمر مكانه، اتجمد، حاول يخفي دهشته وقال ببرود متعمد: – قصدك إيه يا ماما؟ سارة بسرعة وبدموع مصطنعة: – هي كانت بتزعق لطنط جامد ، واتكلمت بأسلوب صعب قوي، وقالت كلام… يوجع! نظرة عمر انتقلت بينها وبين أمه، قلبه بدأ يدق بسرعة غريبة. بس قبل ما يرد، أمه قالت بحدة: – البنت دي متربيةش على احترام الكبار، جايه هنا تتعالى علينا، تقول كلام كأنها صاحبة البيت! ابتلع عمر غضبه بصعوبة، وصوت داخله بيقوله: “هي عملت كده ليه؟ هي جاية تطلع غضبها علي ماما .” لكن سرعان ما غطّى كبرياؤه على تردده، اقترب من السلالم وصوته ارتفع: – شمس!! خرجت شمس من فوق بهدوء، ملامحها مرهقة، بس عينيها فيها كبرياء واضح. نزلت السلم بخطوات ثابتة، وقفت قدامه وسألته بهدوء: – في حاجة يا عمر؟ ردّ بعصبية مكتومة: – آه، في حاجات كتير. سمعت إنك اتكلمتي مع ماما بأسلوب مش محترم، دا حقيقي؟ ردت ببرود وهي تبص له في عينيه مباشرة: – أنا ما قللتش أدبي يا عمر، لكن شكلك متعود إن أي كلمة صدق تبقى وقاحة. شدّ نفس عميق، وصوته بقى منخفض بس مليان غضب: – بلاش الأسلوب ده وأنا واقف قدامك، أمي ليها احترامها، وأنا مش هسمحلك تتعدي حدودك. اقتربت منه خطوة وقالت بنغمة هادئة لكنها جارحة: – وأنا كمان ليّ حدود يا عمر، مش هسمح لحد يهنيّني أو يقلل مني… حتى لو كانت أمك. الصمت نزل على المكان زي السكين. نظرات إيناس كانت مشتعلة، وسارة بتمسك يدها تمثّل القلق وهي بتراقب المشهد بشماتة خفية. عمر بص على شمس بعينين مش قادر يحدد فيها الغضب من الإعجاب، وقال بحدة: – واضح إننا محتاجين نتكلم لوحدنا… فوق. صعدت شمس قبله دون كلمة، بينما سارة همست لإيناس بابتسامة ماكرة: – واضح إن النار ولعت يا طنط… بس اللي هيتحرق مش احنا . عمر دخل الغرفة بخطوات سريعة وثقيلة، عينيه مشتعلة بالغضب، صوته منخفض لكنه حاد: – كل مرة بتعملي كده… بتخليني أفقد أعصابي، شمس! شمس كانت واقفة متوترة، عينيها حاقدة وحزينة في نفس الوقت، حاولت تهدئه: – عمر، أنا… لكن عمر قاطعها بغضب لا يخفى: – كفاية! أنا مش قادر أتحمل جنانك ده أكتر من كده! اقترب منها بخطوة فيها غضب... شمس شعرت بالخوف من الغضب اللي بيشع من كل حركة فيه، لكن فجأة دمعة نزلت من عينها، دمعة صادقة من شعورها بالظلم. شمس تراجعت خطوة، بعيدا عنه، تحاول تهدئته بنفسها، لكن في اللحظة دي النور في الغرفة طفى فجأة. الظلام خيم بسرعة، والفوبيا اللي عندها من الضلمة سيطرت عليها، قلبها بدأ يخفق بسرعة، وشمس، بخوف وارتجاف، مدت إيديها وامسكت في هدوم عمر بقوة، تبحث عن الأمان. عمر شعر بتأثير قربها، دمعتها، وفزعها، وحضنها ارتجف بين يديه، رغم غضبه، ما قدرش يبعدها عنه، صوتها المرتجف وهمستها: – ما تسيبنيش… الظلام… أنا… عمر شدها شويه نحوه، عينيه كانت مليانة غضب، لكنه كمان مليانة شعور غريب لم يعرفه من قبل، همس ببطء، بين الغضب والدهشة: – مش هسيبك… مش دلوقتي… اللحظة كانت مشحونة، غضب عمر مع دمعة شمس، خوفها من الظلام، وقربها الجسدي منه خلق مزيج من التوتر والرغبة، اللي خلاه يقف للحظة يتأملها وهو مش قادر يحرك نفسه، وكأن قلبه بيحاول يقرب منها وعقلة بيمنعه.

📜 الفصل العاشر 📜

الليل كان قاتمًا، والنجوم لا تجرؤ على اللمعان. نسيم بارد يتسلل من بين قضبان البلكونة، والأرجوحة تتأرجح برفق تحت أقدام شمس المتوترة وعمر . شمس متمسكة بعمر بقوة، وعيونها تلمع بالدموع والخوف: شمس: "أنا… أنا تعبت، عمر… مش قادرة أتحمل اللعبة دي… قول لي، إنت عايز إيه؟ طلع بابا من السجن وطلقني… أنا ذنبي إيه بكل اللي حصل؟ ليه تعاقبني أنا؟" عمر يحدق فيها بصمت، عيونه السوداء لا يستطيع أحد قراءتها، كأنها مرآة من الصخر. صوته هادئ، لكنه يخترق قلبها ببرودته: عمر: "مش إنتي اللي كنتي المقصودة… عمك هو اللي كان الهدف. لكنه مات… وللأسف، إنتي وقعتي قدامي. شمس بحيره وتسائل : وقعت قدامك ازاي ..... عمر بصوت هادئ : لما روحتي لخالد الشغل وجبتيلو الكيك. الأمن جابلي البوكس وقاللي إنك إنتي اللي سبتيه… كلت منه… معرفش إيه اللي حسيت بيه وقتها… بس كنت مبسوط… طعمه دخل قلبي… وخليت حد يدور وراكي عشان أعرف إنتي مين… وكل حاجة اتكشفت بعدها." شمس، صوتها يرتجف، تحاول تتراجع لكنها متمسكة بيه أكثر، كأنها خايفة إن يتركها: شمس: "… طب هنفضل متجوزين لحد امتي …؟" ابتسامة جانبية، شريرة لكنها مسيطرة، ترتسم على وجه عمر، وكأن الظلام كله يحميه ويزيده قوة: عمر: "مين قالك إني هسيبك؟… حتى لو باباكي خرج من السجن… مش هسيبك أبداً." شمس وهي تنظر لعمر بعيون بريئه مليئة بالخوف والحيره: ليه حبتني ؟ عمر وهو يبتعد عنها ويقف ناحية السور : لا بتسليني صمت رهيب يخيم على البلكونة، نسيم الليل يتسلل بينهما، والأرجوحة تتأرجح ببطء، تحمل كل الرهبة والحب والغضب بين شمس وعمر. رن هاتف عمر فجأة، أضاءت الشاشة بضوء خافت، فرفعه ليجد الخبر الذي كان يخشاه: كل ما حدث في المصنع لم يكن حادثًا… بل كان بفعل فاعل. خالد، خطيب شمس القديم، بتعاون مع هايدي، خططوا لكل شيء. صوته صار حازمًا وهو يرد على المكالمة: عمر: "تمام… متخلوش لهم أي فرصة للشغل مع اي حد و متخليش أي شركة تقبل بيهم." أنهى المكالمة، الهاتف عاد ليصمت بين يديه، فالتفت إلى شمس التي ما زالت جالسة على الأرجوحة، مكسورة ومغبرة من التعب والخوف. عيونها تبحث عن الأمان في عينيه، لكنها تجد صرامة وقوة. نزلت شمس ببطء من على الأرجوحة، تقترب منه، تخفض صوتها وكأنها تتحدث لروحها قبل أن يكون له نصيب في الكلام: شمس: "أنا كنت صح… خالد اللي عمل كده…." عمر نظر إليها، قلبه يمتلئ بمزيج من الحماية والغضب، ومسك يدها برفق لكنه بحزم، كأنها تقول له: أنا هنا… وأنا أقوى بوجودك. صمت الليل حولهما، لكن في عتمته كان هناك شعور بالتحالف، شعور بأنهما سويًا ضد كل مؤامرة، وأن الظلام لا يستطيع أن يخيفهما ما دام كل منهما يقف بجانب الآخر. فجأة، أضاء ضوء المصباح في البلكونة، كأنه يكشف كل تفاصيل المكان. النور جعل الظلال تتراجع، ووجوههم تظهر بوضوح لأول مرة منذ ساعات. شمس وعمر اكتشفوا فجأة كم هما قريبان… المسافة بينهما أقل من أن تتحمل، وقلب كل واحد بدأ يدق بسرعة غير معتادة. بدأ توتر غريب يملأ الجو، كأن الهواء نفسه مشحون بالشحنة الكهربائية. دون أن يقول أحدهما كلمة، بدأ كل منهما يبتعد بخطوات مترددة، كل واحد يحاول أن يخفف من حرارة اللحظة، يخلق مسافة آمنة بينهما. عمر اتجه نحو السور، يلهث قليلاً، يسيطر على نفسه، بينما شمس تراجعت ببطء نحو الباب، يداها ترتجفان قليلاً، وعينيها لا تفارق وجهه. وقف كل منهما في مكانه لثانية، يتنفسان بعمق، ثم بدون أي كلام، فتح كل منهما الباب وخرج من البلكونة، تاركين المساحة بينهما مليئة بالهدوء الغريب، والقلوب ما زالت مشتعلة. غادرت شمس المكان بخطوات متثاقلة، تتجه نحو الحمام لتستحم، محاولة أن تمسح عنها كل توتر اللحظة السابقة. بعد دقائق من الماء الساخن، خرجت مرتدية البشكير حول جسدها، الشعر مبلل، تتساقط منه قطرات المياه لتلمع على بشرتها تحت ضوء الغرفة الخافت. بينما كانت تجفف شعرها ، لفت انتباهها شيء على رف مكتبة الغرفة… زجاجة موضوعه بعناية، مرتفعة عن متناول اليد. نظرت حولها، ثم وضعت وسادة على الكرسي لتصل إلى الزجاجة. رفعت شمس نفسها بحذر، ولكن فجأة، اختل توازنها. ارتعشت، فارتدت خطواتها للأمام، وفجأة وجدت نفسها تسقط بين أحضان عمر الذي عاد لتوه إلى الغرفة، حالتها جعلتها خجولة للغاية؛ البشكير يلتف حول جسدها بشكل ملفت، ووجهها يحمر خجلاً. عمر نظر إليها بدهشة وإعجاب، عينيه تتحركان بين وجهها وجسدها بتمعن ويدها الممسكة بالزجاجة، يتفحصها بدقة، وكأن الزمن توقفت للحظة واحدة. شمس شعرت بحرارة الخجل تتصاعد، لكن عمر، باندفاع سريع، رمى شمس على السرير بخفة، لكن بحزم، ثم أخذ الزجاجة بين يديه، عيونه تتوهج بالغضب: عمر: "دي غالية عليا أوي… إنتي مش فاهمة قيمتها؟" شمس، ممسكة بالبشكير، تلفه حول جسدها بإحكام، تحاول الدفاع عن نفسها بصوت مرتجف لكنه حازم: شمس: "بس دي بتاعتي! بص… اسمي وشعار العيلة مختومين تحت… ! بس أنا معرفش إزاي جات عندك… أنا ضيعتها من زمان!" عمر نظر إليها للحظة، عينيه تحاول قراءة صدقها، لكن الغضب على الزجاجة لم يختفِي. الزجاجة بين يديه كانت أكثر من مجرد قطعة؛ كانت ذكرى، سر، جزء من قوته .... عمر ماسك الزجاجة بإحكام، عيناه مركّزتين عليها، لكن عقله بعيد… بعيد جدًا. فجأة، بدأت ذكريات قديمة تتسلل إليه، يوم المحاكمة، هو قاعد على الرصيف، حزين، محطم… شخص أتى وساعده، أعطاه الأمل، وكانت يدها ترفع عنه كل شيء… نظر إلى شمس، الواقفة أمامه، ممسكة بالبشكير، شعر بشيء غريب يضغط على صدره. قلبه خفق بشدة دماغه بدأت تربط الأحداث ببعض، اليوم الذي فقد فيه والده، اليوم الذي شعر فيه أنه وحيد في العالم… كل شيء كان مرتبطًا بهذه الفتاة الصغيرة التي كان يبحث عنها منذ سنوات…( شمس الهواري) لكنه لا يعرف إذا كان يريد أن يقترب أم يبتعد… كل شيء بدا معقدًا، كل شيء أصبح متشابكًا بين الماضي والحاضر… بين الحب والخيانة… ترك الزجاجة من يده فجأة، وتقدّم نحوها بخطوات ثقيلة كأنها تُساق إليه من قدر قديم. تراجعت شمس إلى الخلف بخوف: "عمر… بتقرب ليه؟ فوق بقى!" اقترب منها أكثر، صوته منخفض لكنّه يحمل ما يشبه الانفجار المكتوم: "أفوق من إيه؟ نسيتي إنك مراتي؟ ولا نسيتي إنك ملكي أعمل فيكي اللي أنا عاوزه؟" حاولت دفعه بيديها الصغيرتين، لكن قبضته كانت أقوى. "لا، مش ناسيه… بس مش هاسمحلك!" قالتها بنبرة مرتجفة، عينيها تمتلئان دموعًا وخوفًا وشيئًا آخر لم تفهمه. عمر أغلق عينيه، وضمّها إلى صدره بقوة، صوته خرج هامسًا من بين أنفاسه: "نامي يا شمس… نامي قبل ما أعمل حاجة هتندمّي عليها، وأنا كمان." تصلّبت للحظة، ثم استسلمت لوهنها. سكنت بين ذراعيه، بينما أنفاسهما تهدأ شيئًا فشيئًا، كأن العاصفة هدأت داخلهما فجأة. ناما أخيرًا في صمتٍ غريب، كأن الزمن قرر أن يمنحهما هدنة قصيرة… قبل أن يعاود الألم والقدر لعبته من جديد ✨ صباح جديد في فيلا السويفي استيقظت شمس على دفء غريب يحيطها. احتاجت ثوانٍ لتدرك أنها لا تزال بين ذراعي عمر، يضمّها كما لو كانت جزءًا منه، أنفاسه تهدأ عند عنقها، وصدره يتحرك بإيقاع نومٍ عميق. تسارع نبضها وهي تبتعد بخفّة، تحاول ألا توقظه، وتبحث عن ملابسها على عجل. كان عمر ما زال غارقًا في نومٍ عميق، أنفاسه هادئة، وجهه يبدو أقل قسوة مما اعتادته… كطفلٍ أرهقته الحروب. جلست على حافة السرير للحظة تتأمله بصمت، لكن صوته قطع سكون الغرفة دون أن يفتح عينيه: "شكلي عجبِك وأنا نايم." تجمّدت شمس مكانها، الدم يتدفّق في وجنتيها بحرارة الخجل، فقامت مسرعة لتغادر، لكن يده امتدت وأمسكت بمعصمها بقوة مفاجئة. جذبها نحوه حتى أصبحت وجهاً لوجه، عينيه مثقلتان بالنوم، لكن نظرته كانت ثابتة وواضحة: "اعملي حسابك يا شمس… أنا هنام كده كل يوم." ترك يدها، قام متثاقلاً من السرير، أخذ المنشفة ووضعها على كتفيه، ثم دخل الحمّام دون أن يلتفت. ظلت هي في مكانها، أنفاسها متلاحقة، لا تدري أهو تهديد او اعترافا غريبا بالملكية .... في الأسفل، داخل فيلا السويفي كانت إيناس السويفي، تجلس في الصالة الواسعة تحتسي قهوتها في هدوءٍ أنيق، وبجوارها ساره، تتحدثان عن عشاء الشركاء الذي سيُقام الليلة في أحد أفخم مطاعم القاهرة. ابتسمت ساره بمكر وهي تقول: "أناو عمر هنروح العشا النهارده… زَيّ كل مرة. انا أكتر واحدة بعرف اتصرف وسط الناس دي." هزّت ايناس رأسها بموافقة صامتة، بينما بريق الرضا يلمع في عينيها. وفي تلك اللحظة، نزلت شمس من على الدرج بخطوات مترددة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلونٍ هادئ، وشعرها منسدل على كتفيها بلمسة أنوثة خجولة. توقفت الأحاديث لثوانٍ، وتحوّلت النظرات نحوها… مزيج من استغراب وازدراء مكتوم. قالت ساره بنت العم بنغمة ساخرة: "هو عمر نايم فوق؟ اصل مش عاوزا يتأخر عليا عشان عندنا معاد عشا بليل واكيد ناوي يسيبك ؟ أصل كل سنة بروح انا وهو بس، وما ينفعش نغيّر النظام كده فجأة." شمس لم تجب، نظرت إليها بصمتٍ ثقيل، لكن الكلمات سقطت عليها كالسكاكين. لكن قبل أن تنطق، دوّى صوت عمر من خلفها وهو ينزل الدرج بخطوات واثقة، شعره ما زال مبتلًا بعد الحمّام، ورائحته تعبق في المكان. اقترب منهم وقال بهدوءٍ يحمل حدّة خفية: "للأسف يا جماعة، المرة دي مش هينفع." نظرت إليه ساره بنت العم بدهشة: "مش هينفع إزاي؟ ليه؟" ابتسم عمر ابتسامة جانبية وهو يمد يده ليمسك بيد شمس أمام الجميع: "عشان بقيت متجوّز. ومفيش حد هيحضر العشا ده غير مراتي… شمس." سادت لحظة صمت ثقيلة، والدهشة مرسومة على وجوه الجميع. الأم، التي لم تتوقع منه الجرأة في إعلان زواجه امامها بكل فخر ، رفعت كأس الماء ببطء وقالت ببرودٍ متزن: "أيوه… صح. هي مراته فعلاً." نظرت شمس إليه، لا تدري هل تشكره أم تخاف منه أكثر، بينما نظرات النساء حولها تمزج بين الغيرة والاستنكار. أما عمر… فاكتفى بابتسامة غامضة، تحمل انتصارًا يعرف هو وحده معناه.

📜 الفصل الحادي عشر 📜

في شركة السويفي، كان الصباح يبدو عاديًا… أوراق على المكتب، أصوات الهواتف، حركة الموظفين. لكن عمر لم يكن هنا تمامًا. جالس على مقعده، ربطة عنقه مفكوكة قليلًا، وعينيه معلّقتان في فراغٍ لا يراه أحد سواه. كل ما يراه هو صورة شمس، وهي نائمة بين ذراعيه في هدوءٍ لم يعرفه من قبل. ملمس شعرها، أنفاسها القريبة من صدره، وارتجافتها الصغيرة حين احتواها الليلة الماضية… كل تفصيلة كانت تسرق تركيزه، وتعيده إلى تلك اللحظة التي لم يكن فيها رجل أعمال ولا وريثًا للثراء، بل فقط رجلًا فقد السيطرة لأول مرة. رفع يده ليمررها على وجهه، محاولًا أن يطرد الصور من ذهنه، لكن عطرها ما زال عالقًا في أنفاسه. ابتسم بخفة، ابتسامة نصفها رضا ونصفها حيرة. "هي بقت جزء من اللعبة… ولا أنا اللي دخلت لعبتها؟" سؤال لم يجد له إجابة، فغاص أكثر في الأوراق، وكأنه يهرب من قلبه نفسه. . 🌸 في الجانب الآخر من المدينة... كانت شمس تمشي بخطوات متسارعة في أحد المولات الراقية، حقيبتها الصغيرة تتدلّى من كتفها، ونظراتها تتفحص الواجهات بتركيزٍ لم تعهده في نفسها من قبل. بجانبها كانت تسير أميمة، صديقتها، تنظر لها بابتسامة ماكرة لا تفارق وجهها. أميمة، وهي تمسك بيدها نحو أحد المتاجر: "بصي يا شمس، انتي النهارده لازم تطلعي احلي واحده … الليله دي مش عاديه." ضحكت شمس بخفة وهي تدخل معها: "يا بنتي ده مجرد عشا عمل عادي ." أميمة نظرت لها وهي ترفع حاجبها بسخرية: "عشا عمل؟ مع عمر السويفي؟. بس شكلِك المره دي... متغير." شمس توقفت للحظة، تنظر لانعكاسها في مرآة المحل. "متغير؟" أجابت أميمة وهي تلمس قماش فستان لامع : "أيوه… المره دي بتلعبي اللعبة وانتي مستمتعة. كنتي الأول بتحاربي، دلوقتي بقيتي بتحبي الخطر اللي فيها." صمتت شمس، وابتسامة صغيرة تسللت إلى وجهها دون أن تدري. ربما كانت محقّة. شيء ما في نظرات عمر حين يقترب، في صوته لما ينادي اسمها، صار يحرّك داخلها ارتباكًا غريبًا بين الخوف والرغبة. "اللعبة دي كانت انتقام… بس يمكن بقت أكتر من كده." اختارت فستانًا بسيطًا، أنيقًا، بلونٍ هادئ يعكس رقيها دون مبالغة. حين خرجت من غرفة القياس، نظرت إليها أميمة بانبهار: "ده مش فستان عادي … دا اتعمل مخصوص ليكي." ضحكت شمس بخفة، ثم قالت وهي تصلح شعرها أمام المرآة:يمكن فعلاً المره دي، أنا اللي هلعبها على طريقتي." وبينما كانت تمشي نحو صالون التجميل، كانت في داخلها تشعر بشيءٍ جديد يتحرّك… لم تعد تخاف من اللعبة، بل صارت تنتظر الجولة القادمة منها. بعد ما أنهت شمس جولتها مع أميمة، عادت إلى الفيلا وهي تحمل حقيبة أنيقة فيها الفستان الذي اختارته بعناية. كانت تشعر بتوترٍ غريب، مزيج من الحماس والخوف. دخلت غرفتها، أغلقت الباب خلفها، وبدأت تستعد. الماء الدافئ انسكب على كتفيها كخيوط من الراحة، وقطراته اللامعة على بشرتها القمحاوية اللامعة كانت كأنها تضيء وحدها. جففت شعرها برفق، تركته ينسدل في تموّجات ناعمة، وأضافت لمسات خفيفة من المكياج تكشف جمالها أكثر مما تخفيه. وقفت أمام المرآة بالفستان الجديد — لونه بين البيج والذهبي، بسيط لكنه يفعل ما لا تفعله الفخامة. حين نظرت لانعكاسها، لم ترَ شمس الهواري القديمة، بل امرأة مختلفة... أكثر هدوءًا، أكثر قوة، و... أكثر سحرًا. وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة فجأة. دخل عمر دون أن يطرق، متجهًا نحو خزانةٍ في الجهة الأخرى، لكنه تجمّد في مكانه. عيناه التقتا بها — لحظة صامتة، لكنها قالت كل شيء. كانت تقف أمامه، النور ينعكس عليها فيرسم على بشرتها الذهبية لمعة خفيفة تشبه بريق الغروب وشعرها ينسدل حول وجهها كظلّ من الحرير. عمر لم يتكلم. نظراته وحدها كانت كأنها تلمسها من بعيد. اقترب خطوة… ثم أخرى. الهواء بينهما تغيّر، صار أثقل، كأن كل أنفاسه محمّلة بما لم يُقال. قال بصوتٍ خافت، فيه نغمة انبهارٍ حقيقي: "كل مره بتبهريني … بس النهارده حاجه مختلفة." نظرت له شمس للحظة، قلبها يخفق بسرعة من شدة التقارب. ابتسمت بهدوءٍ مرتبك وقالت محاولة تخفيف التوتر: " عشان العشا ؟" ردّ بابتسامة جانبية وهو يقترب أكثر، صوته ينخفض: "لو دي استعداداتك لعشا عمل… أنا مش عايز أتخيل لو خرجن الوحدنا." صمتت شمس، تراجعت خطوة، لكنها لم تبتعد كفاية. مد يده ليعدل خصلة شعر سقطت على وجهها: "انهاردا عاوزك تبقي الزوجه المثالية الي بتموووت في جوزها ." ابتسمت ابتسامة صغيرة، ورفعت نظرها نحوه بثقةٍ لم تكن عندها من قبل: "وأنا بطّلت أمثل من زمان ." ظلّ ينظر إليها لحظة، قبل أن يدير وجهه ببطء ويقول بصوتٍ خافت: "يلا… العشا مستني." تحرّكت شمس خلفه، بخطواتٍ هادئة، لكنها كانت تعرف أن الليلة دي مش زي أي ليلة… ركبت شمس السيارة إلى جوار عمر، وصوت محركها ينساب في صمت المساء كأن القاهرة نفسها تتهيأ لمشهد جديد في لعبتهما الغامضة. كان الطريق مضاءً بأنوار المدينة، لكن عمر لم يكن يسمع شيئًا، كل ما يدور حوله بدا باهتًا مقارنة بتلك النظرات التي تأتيه من الطرف الآخر للطاولة فارس كان يبتسم ابتسامة خفيفة، فيها خليط من التحدي والذكريات القديمة، والمرأة الجالسة إلى جواره كانت تُلقي بعينيها على عمر كل بضع ثوانٍ، كأنها تختبر أثرها القديم عليه. شمس كانت تلاحظ ذلك. تبتسم هي الأخرى ابتسامة هادئة، تُخفي خلفها زوبعة من الأسئلة. من تكون؟ ولماذا تغير وجه عمر كلما تبادل النظرات معهما؟ صوت الكؤوس وهي تُرفع خفف من توتر اللحظة، قبل أن يبدأ حسام في الحديث بنبرة إعجاب حقيقي: "على فكرة يا جماعة، أنا لسه فاكر اليوم اللي شمس دخلت فيه المصنع عندنا. المكن كله كان واقف، والمهندسين قاعدين حاطين إيديهم على خدودهم، وولا واحد فيهم عارف العطل فين. خمس دقايق يا عمر… خمس دقايق بس، والبنت دي حلّت الكارثة!" ضحك تامر وهو يهز رأسه موافقًا: "أقسم بالله افتكرتها بتهزر، دخلت تمسك لوحة التحكم كأنها بتعزف بيانو، وبعدها المكن اشتغل كأنه مكنة جديدة لسه طالعة من المصنع!" الزوجات نظرن إلى شمس بانبهارٍ واضح، وابتسمت إحداهن بخجل: "أكيد إحساسك حلو جدًا، إنك تكوني صاحبة أكبر شركة في مصر، ومرات تاني أكبر شركة! يعني أنتي عمليًا مسكتي السوق كله." ضحكت شمس بخفّة، محاولة أن تبدو عادية، لكن الثقة الهادئة في صوتها كانت أقوى من أي كلمات: "الإحساس حلو لما تتعبي وتشوفي نتيجة تعبك… مش علشان الفلوس، بس علشان تحسي إنك بتعملي فرق فعلاً." كان فارس يراقبها بصمتٍ طوال الوقت. كل حركة، كل نظرة، كل كلمة كانت تُثير داخله شيئًا لم يشعر به منذ زمن. نظر إلى زوجته الجالسة بجانبه — تلك التي كانت يومًا انتصاره على عمر — وفجأة أدرك أنها لا تساوي شيئًا بجانب تلك المرأة التي تجلس أمامه الآن… امرأة فيها هدوء الملوك، وقوة من خاضت النار وخرجت منها أكثر بريقًا. ابتسم وقال بصوتٍ فيه مكر خفيف: "واضح يا عمر إن مراتك مش بس جميلة، دي كمان عبقرية. بصراحة، حظك حلو جدًا." تجمّدت الابتسامة على وجه عمر، لكن نظرته لفارس كانت كافية لتقول: إوعى تجرب تلعب في المنطقة دي. أما شمس، فابتسمت بأدب وقالت: "الحظ ملوش علاقة بالنجاح يا أستاذ فارس… الحظ يمكن يوصلك، بس المجهود هو اللي يخليك تفضل واقف." زي عمر كدا بمجهوده قدر يخالي شركة السويفي هي رقم واحد عالميا . ضحك الجميع، لكن فارس ظلّ ينظر إليها بطريقة لا تُخطئها عين، مزيج من إعجاب وفضول وتحدٍّ قديم يحاول أن يُبعث من جديد. عمر مدّ يده تحت الطاولة، وأمسك بيدها بخفةٍ لكنها قبضة تحمل رسالة واضحة: "وكأنه يشكرها لانها تسانده ." رفعت عينيها نحوه في هدوءٍ لم يخلُ من الطمأنينه . تبادل النظرات بينهما كان كافياً ليجعل فارس يدرك أنه قد خسر بالفعل أمام عمر . فالفتاة التي خسرها عمر قديمًا، لم تعد تُقارن بالمرأة التي تجلس أمامه الآن — شمس الهواري، التي تجمع بين الذكاء والجمال والقوة… وتعرف جيدًا كيف تحرق خصومها بابتسامتها فقط. كسر الجو الهادئ صوت مايا زوجة فارس، وهي تميل برأسها نحو عمر بنغمة ناعمة متعمّدة: "الأغنية اللي بتحبها شغالة يا عمر… تحب ترقص؟" التفتت شمس نحوها فورًا، نظرتها طويلة، تنتظر أن يرفض… تتمنى، ولو لمرة، أن يخذل كل من حوله ويختارها هي بالصمت. لكن عمر رفع حاجبه بابتسامة باردة وقال بثقةٍ متعمدة: "ليه لأ؟" وقف، ومد يده لمايا التي نهضت بسعادة ظاهرة، ووسط دهشة الطاولة، اتجها إلى ساحة الرقص. الموسيقى كانت هادئة، أضواء خافتة تلعب على ملامحهم. مايا تبتسم له، تحاول أن تستعيد منه شيئًا من ماضيٍ تظنه ما زال باقيًا، لكنه كان بعيدًا عنها كأنها ظلّ من حياةٍ لم تعد تخصّه. رقصا بصمتٍ مشحون. عيونهما تتكلم أكثر من الكلمات. اقتربت منه وقالت بنبرة خافتة لكن حادّة: "ذوقك اتغير أوي يا عمر." رد بابتسامةٍ قصيرة، وعينيه تتنقلان بين ملامحها: "للأحسن طبعًا… أنا نفسي مش مصدق إزاي كنت ممكن أوقع نفسي الوقعة دي وأتجوزك." بس الحمد لله إنك مشيتي ورا فارس واتجوزتيه… أصل أنا متعود إنه ياخد اللي أنا أرميه." كانت كلماته كصفعةٍ عنيفه ، صدى الجملة سقط علي مسمعيها كالصاعقه. أما هو، فكان يراقب عيون شمس من بعيد. كل حركة، كل التفافة، كل نظرة تتجنبه بها كانت تُشعل بداخله نيرانًا يعرف أنها ستنفجر قريبًا. ومع ذلك، استمر في الرقص — لا رغبةً في مايا، بل اختبارًا لشيءٍ ما في داخله وفيها. وعندما انتهت الأغنية، صفّق الحضور بحرارةٍ مجاملة، بينما نظر فارس إلى المشهد بابتسامةٍ متوترة، يحاول أن يخفي خلفها الغليان. عاد عمر إلى الطاولة بخطواتٍ هادئة، ملامحه لا تكشف شيئًا. توقفت عيناه على شمس — كانت ساكنة، تحاول أن تبدو متماسكة، لكن أصابعها كانت تعبث بكأسها بلا وعي. انحنى نحوها وقال بصوتٍ منخفضٍ لا يسمعه سواها: "يلا بينا." نظرت له، لم تقل كلمة، فقط قامت بخطواتٍ رزينة، رفعت رأسها كأنها لم تُكسر للحظة. خرج الاثنان من القاعة وسط نظراتٍ تتبعهم — نظرات فضول، غيرة، وبعض الحسد. وفي الخارج، حين أُغلق باب المطعم خلفهم، ساد صمتٌ كثيف. الهواء بارد، لكن ما بينهما كان يغلي. هو يمشي أمامها بخطواتٍ ثابتة، وهي خلفه،نظرتها تتوهج بكل شيء لم يُقال. فتح لها باب السيارة دون أن ينظر إليها، وقال بنبرةٍ هادئة تخفي تحتها الكثير: "اركيبي، شمس." جلست في المقعد بصمت، لكن عينيها ظلتا عليه — على الرجل الذي يعرف تمامًا كيف يُشعلها… ويكسرها في اللحظة نفسها. في غرفة النوم… هدوء غريب يسبق العاصفة. شمس كانت واقفة قدام المرآة، تفك حُليها قطعة قطعة، بحركات سريعة متوترة. كل صوت معدني يصدر من السلسلة أو الأقراط كان كأنه طعنة جديدة في صمت المكان. دخل عمر بعد دقائق، خلع جاكيت بدلته بهدوء، ووضعه على المقعد، ثم التفت إليها. قال بنبرة عادية كأن ما حصل في المطعم مجرد مشهد عابر: "مالك ساكته كده؟" نظرت له من خلال انعكاس المرآة، عينيها تلمع بشيء ما بين الألم والكرامة المكسورة: "أنا ساكته علشان لو اتكلمت… مش هعرف أوقف نفسي." اقترب منها خطوة بخطوة، وصوته بدأ يميل للسخرية الخفيفة:"واضح إن الموقف مضايقك أوي… ليه؟ مايا كانت بترقص، وأنا سايرتها. بس." التفتت له فجأة، ووجهها احمرّ من الغضب المكبوت: "بس؟! هي كانت حبيبتك القديمة يا عمر! اللي فارس خطفها منك… والنهارده رقصت معاها قدام مراتك!" تقدمت نحوه خطوة، عيناها تشتعلان: "قدام مراتك يا عمر! اللي المفروض تكون هي الوحيدة اللي تلمسها، والوحيدة اللي تحترم وجودها، مش تتعامل كأنها ديكور!" أراد أن يرد، لكن نظرتها أسكتته. كانت واقفة قدامه بكل ما فيها من أنوثة وغضب، شعرها المنسدل على كتفيها، وصوتها المبحوح من الانفعال يخترق سكون الغرفة أنا يمكن ما كنتش أول حب في حياتك، بس المفروض أكون آخر وجع فيها… مش واحدة تتفرج على جوزها وهو بيرقص مع اللي كسرت قلبه زمان!" اقترب منها عمر ببطء، وصوته انخفض: "غيرانة يا شمس؟" نظرت له بحدة، والدموع بدأت تلمع في عينيها: "غيرانة؟ لا… أنا موجوعة، موجوعة إنك ما احترمتش اللي بينا. أنا كنت فخورة بيك قدام الناس كلها، وانت كنت فخور بنفسك وانت بترقص معاها!" مدّ يده نحوها، جذبها نحوه بقوةٍ مفاجئة، وكأنّه يحاول أن يُسكِتها بأنفاسه لا بكلماته. تقاومه بعصبية، تدفعه، تضربه بيديها المرتعشتين، لكن قبضته كانت ثابتة، مزيج من الحب والاحتياج. اقترب ليسكتها بقلة طويله استسلمت لها . ارتبكت، الخجل تسلل إلى ملامحها، نظراته الحادة تخلخل ما تبقى من تماسكها. ثم أفلتها فجأة، كأنه هو الآخر خاف من نفسه قبلها. ابتعدت عنه بخطواتٍ سريعة، أنفاسها تتلاحق، ووجهها يشتعل. التقطت منشفتها ودخلت الحمّام دون كلمة واحدة… وتركت خلفها صمتًا يئنّ بين الحنين والندم.

📜 الفصل الثاني عشر 📜

ضوء الصبح كان باهت، شمس ضعيفة لدرجة إن حتى الشمس الحقيقية ماقدرتش تدي اليوم دفء. فيلا السويفي كانت غارقة في سكون غريب، سكون يسبق العاصفة. شمس كانت قاعدة على طرف الكنبة، شعرها مبعثر، وإيديها بتترعش وهي ماسكة الموبايل. عمر واقف قدامها، ملامحه مش قادرة تخفي الحزن، لكن صوته خرج ثابت رغم ارتعاشه الخفي: "شمس… استحملي. لسه جايلي خبر من إدارة السجن دلوقتي… والدك—" صوته انكسر قبل الكلمة الأخيرة. نظر إليها، وقرأة ما بعينيه من كلام. اقترب منها، جلس قدامها على ركبتيه، عيونه بتغرق في عيونها، وهو بيهز رأسه بهدوءٍ موجع. "اتوفّى من نص ساعة… السجن اتصل بيا أول ما حصل." الهواء اتسحب من الغرفة. الموبايل وقع من يدها، نظرتها تجمّدت كأنها بتحاول تصدق، لكن مفيش صوت بيخرج منها. وبعد لحظة، انهارت. صرخت بصوتٍ مكبوت، وجسمها اتهاوى عليه وهي بتبكي بعنف: "باباااا… لااااا!" عمر ماقالش كلمة، مد إيده وضمها ليه بقوة، ساندها وهي بترتعش بين ذراعيه، صوته واطي جدًا:"اهدّي يا شمس… أنا هنا. أنا معاكي." كانت بتبكي لدرجة إن أنفاسها بتتقطع، وعمر كل اللي بيعمله إنه يمسح على شعرها بهدوء، صوته يرتجف مع كل كلمة: "أنا مش هسيبك، سامعاني؟ مش هسيبك أبدًا." رفعت وجهها المبلول دموع، عينيها بتدور على أي أمل: "هو كان لوحده يا عمر؟ محدش كان معاه؟ محدش سمعه وهو بيتوجع؟" ابتلع ريقه بصعوبة، وحاول يسيطر على صوته: "قالوا إنه مات بهدوء… يمكن ربنا رحمُه، شمس." أغمضت عينيها، ودموعها بتنزل أكتر، ثم همست وهي بتحاول تتنفس: "بابا كان مظلوم… ومات مظلوم." ضمها عمر أكتر، كأنه بيحاول يحتوي الحزن كله عنها. ما قالش حاجة، بس ملامحه قالت كل شيء: وجع، خوف، وشيء أعمق من الاتنين… حب مكبوت بيحاول ما يبانش. وبين أنفاسها المتقطعة، وصمته اللي بيحميها من الانهيار، مرّ الصبح على فيلا السويفي حزينًا… كأنه هو كمان حِسّ بالخسارة. اليوم مرّ ببطءٍ موجِع، كأنه يرفض ينتهي. الشمس كانت تميل نحو الغروب، والهواء البارد بيحمل ريحة تراب وموت. تمّت كل الإجراءات أخيرًا، وخرج جثمان أحمد الهواري من السجن بعد سنين من الظلم. صندوق خشبي بسيط، لكنه كان أغلى من كل كنوز الدنيا عند شمس وأمها. الطريق للمقابر كان صامت. صافيه ماسكة المصحف بإيد مرتعشة، وشمس ساكتة، عينيها شاخصة في اللاشيء، بينما عمر بيسير جنبها، خطوة بخطوة، عيونه مش بتسيبها لحظة، يحاول يحميها من نظرات الناس، ومن همسات اللي كانوا بيقولوا كلامًا ما يُقالش في حضرة الموت. وصلوا، والمقبرة مفتوحة في انتظار وداعٍ أخير. لما نزلوا الجثمان، صرخة صافيه اخترقت الصمت: "ارجع لي يا أحمد… ازاي تمشي وتسيبني لوحدي؟! ده أنا وعدتك نستنى براءتك سوا!" انهارت، وجسمها اتهاوى، فاندفع عمر بسرعة، ساندها بذراعه، وغمغم بصوتٍ مبحوح: "اهدّي يا خالتي… هو دلوقتي في راحة، والله في راحة." شمس كانت واقفة ثابتة… لا صرخة ولا دمعة. بس في عيونها بحر هادي ظاهريًا، جواه إعصار. كل ما حاولت تقترب من القبر، عمر مدّ إيده قدامها بلطف، مش بيمنعها… بس بيحاول يسندها. بعد ما الكل غادر، فضلوا هما التلاتة: شمس، صافيه، وعمر. الهدوء كان خانق، والسماء بدت قريبة كأنها هتطبطب عليهم. صافيه مسحت دموعها وقالت بصوتٍ مبحوح: "تعالوا نرجع البيت يا ولاد… المكان ده يوجع." في الطريق، محدّش اتكلم. كل واحد غرق في أفكاره، وصوت أنفاسهم هو اللي كان بيملأ العربية. لما وصلوا بيت الهواري القديم، استقبلهم عبق الذكريات. صافيه دخلت أولًا، بصت حوالينها وقالت وهي تختنق: "كل حاجة زي ما هي… حتى ريحته لسه هنا." جلست بصعوبة، وقالت لعمر وهي تمسح دموعها:"شكرًا يا ابني… وقفتك النهارده مش هتتنسي." ابتسم بخفوت، وردّ باحترام: "ده أقل حاجة أعملها لراجل بحجمه." ثم نظرت شمس إليه، عيونها مبلولة لكنها ثابتة، وقالت بصوتٍ واطي: "استنى يا عمر… في حاجة لازم تشوفها." دخلت غرفه أبوها القديمة، رجعت بعد دقائق شايلة ملف أوراق قديم، لونه اصفر من الزمن، وقالت وهي بتفتحه قدامه: "الملف ده… سابهولي عمي بعد ما مات . فيه الحقيقة كلها ." عمر مدّ إيده، أخذ الورق بحذر، بدأ يقرأ أول صفحة، وعينيه اتسعت تدريجيًا. وقف عمر بعد ما خلص قراءة الأوراق اللي سابهالها عمّها… الأوراق اللي كانت كفيلة تمسح تهمة سنين عن اسم أحمد الهواري. رفع نظره لشمس، والغضب كان باين في عينيه أكتر من أي كلام: "أوراق بالشكل ده… كنتِ مخبياها ليه؟ إزاي ما وريتهاش ليا قبل كده؟" صوته كان حاد، بس وراه وجع… وجع سنين من كرهٍ مبني على غلطة مش بتاعته. ردّت شمس بعصبية وهي الدموع بتنزل بحرقة: "عشان مكنتش هتصدقني يا عمر! كنت هتفكر إني مفبركه الورق دا ، إني بحاول أستعطفك وتحن على بابا… بس لأ، أنا حبيت أوريهالك دلوقتي… عشان تحس بالذنب." اقترب منها خطوة، ملامحه اتبدلت ما بين صدمة ووجع مكتوم، وهي كملت بنبرة مكسورة: "تحس بالذنب إنك سبت راجل بريء يموت في السجن… لأنك كنت بتكره بنته." اتجمد المكان للحظة… تجمّد عمر مكانه، عينيه معلّقة فيها، والكلمات اللي خرجت منها كانت زي صفعة على وشّه. صوتها بيرن جواه، بيهزّ كل قناع لبسه من سنين. أنا… أنا فعلاً كنت أقدر أطلّع الحقيقة… بس كنت شايف اسم الهواري كفاية عشان أصدّق الكذبة."ونسيت أسأل نفسي لو أنا كنت فعلاً بدور على الحقيقة… ولا بدور على انتقام يخليني أنسى وجعي." مرت أيام ثقيلة بعد دفن أحمد الهواري، أيام مليانة وجع وصمت وعيون ما بتعرفش ترتاح. لكن وسط الغبار دا، كانت حاجة صغيرة بتتكوّن بين عمر وشمس… مشاعر مش مفهومة، فيها خوف، فيها وجع، بس فيها كمان دفء بيخترق الجليد. حدش فيهم قال كلمة، لكن نظراتهم كانت بتحكي. هو بيشوفها وهي بتتحمل ألم أمها، وهي بتقف مكان أبوها بشجاعة. وهي بتشوفه وهو بيحاول يصلّح اللي اتكسر، من غير ما يتكلم كتير. لكن… كل ده اتقلب في لحظة. جاله اتصال، وصوته اتغير. “المستثمرين انسحبوا يا عمر… المشروع كله وقع.” الصدمة كانت زي الخنجر. في لحظات، حلم عمر الأكبر — المنتجع الصحي اللي كان هيثبت بيه نفسه ويغسل بيه اسم السويفي — وقع. وفارس… كان بيضحك في الكواليس. عرف عمر بعد كده إن فارس هو اللي لعبها، نشر إشاعات وسط المستثمرين إن المشروع خاسر، وإن الشركة على حافة الإفلاس ولأول مرة من سنين، عمر السويفي حس إنه بيغرق. لكن اللي ما كنش متخيله حصل… في عز انهياره، ظهرت هي. شمس دخلت مكتبه، ووشها هادي بشكل غريب، حاطة ملف على المكتب قدامه. “دي كل السيولة اللي عندي في الشركة… هتموّل بيها مشروعك.” بصّ لها بدهشة، وصوته اتكسر: “شمس… إنتِ بتقولي إيه؟ دا ممكن يوقف شغلك كله!” قالت بهدوء مؤلم: “مش مهم شغلي دلوقتي، المهم إنك ماتقعش. أنا عارفة إنك مش بتطلب مساعدة، بس المرة دي… اسمحلي أكون سندك.” وقف، حاول يرد، لكنه لقى نفسه ساكت. اللي قدامه مش مجرد شريكة ولا خصمة قديمة… دي ست بتقدم له نفسها كلها — ثقة، حب، تضحية — من غير ما تطلب حاجة.عينيه لمعت وهو بيبص فيها، كأنه أول مرة يشوفها بجد. همس: “أنا كنت فاكر إن القسوة هي القوة… بس إنتي علمتيني إن الطيبة هي اللي بتكسب.” سكت لحظة، وبعدين قال بصوت واطي جدًا: “أنا خسرت كتير يا شمس… بس شكلي أخيرًا ابتديت أكسب .” وساد الصمت… صمت كله دفء وأمان، كأنهم أخيرًا وصلوا للحظة اللي كانت الرواية كلها بتقودهم ليها — لحظة إنقاذ… مش بس في الشغل، لكن في قلوبهم كمان. بعد مرور أشهر من العمل الشاق .... كانت الليلة مختلفة عن أي ليلة سبقتها. أنوار المنتجع الصحي العملاق تلمع في السماء، الموسيقى الهادية تملا المكان، وصوت الضيوف يمتزج بالتصفيق والضحكات… شركة السويفي والهواري القابضة أصبحت الاسم اللي الكل بيهابه ويتكلم عنه. كل الصحف كتبت عن النجاح الأسطوري، “المنتجع الصحي الذي غيّر مفهوم السياحة العلاجية في مصر.” لكن وسط الزحمة والتهاني… كانت عيون عمر بتدور على شخص واحد. هي. شمس. اللي وقفت جنبه لما الدنيا كلها كانت ضده. اللي حبت فيه الإنسان قبل الثراء، وشافت فيه الرجولة وسط رماد الكبرياء. ولما دخلت القاعة، بلون فستانها الأحمر الناري اللي عكس ضوء المكان على بشرتها القمحاوي اللامعة، كأنها تجسيد للنجاح نفسه.العيون كلها اتلفت ليها، بس عمر هو الوحيد اللي كان شايفها بشكل مختلف — شايفها "شمسه". اقترب منها، همس في أذنها وسط الزحام: “عايز آخدك مكان، بعيد عن الناس دي كلها.” نظرت له بدهشة، بس عينيه كانت صادقة… ومليانة حاجة مختلفة. وافقته بصمت، وخرجوا سوا من القاعة، لحد ما وصلوا للسويت الفخم في أعلي جناح بالمنتجع. الباب اتقفل وراهم… وساد صمت غريب، دافي، مليان شوق سنين. وقف قدامها، وهو بيقول بصوت واطي لكنه ثابت: “كل اللي عملته، كل تعب السنين… كان علشان أوصل للحظة دي. مش النجاح، ولا الشهرة، لكن إني أبص في عينيكي، وأقولك الحقيقة اللي كنت بخاف منها زمان.” اتسعت عيناها، لكنه كمل:أنا بحبك يا شمس. مش من دلوقتي، من أول مرة شفتك فيها في قاعة السويفي، وانتِ داخلة بثقة وعناد وأنا مش قادر أشيل عيني عنك.” الدموع لمعت في عينيها، صوتها خرج هامسًا: “وأنا كنت بحبك… حتى وإنت بتوجعني.” ابتسم بخفة، خطوة منه كانت كافية يختصر بيها المسافة بين خوفهم القديم وحبهم الجديد. ضمها إليه، بدون تردد، كأنه بيحضن عمر الطفل اللي اتأذى، وشمس البنت اللي اتحرمت من الأمان. الليلة دي ما كانتش مجرد احتفال بنجاح مشروع… كانت ميلاد جديد لقلوبهم. خارج السويت كانت الأضواء والضحكات، لكن جواه… كان في سلام، ودفء، ونهاية اللعنة اللي بدأت بالثراء، واتطهّرت بالحب..

تعليقات

المشاركات الشائعة