بقايا ورد (نوفيلا)

غلاف

📜 المقدمة 📜

لم يكن الغياب هو أصعب ما عرفته، بل كان الحضور الباهت، أن تكون موجودًا ولا يراك أحد، وأن تملأ المكان بظلّك فقط، وتعامل كأنك شفاف بلا ملامح. هكذا كانت تسير بينهم، كَطيف لا يملك حقّ الحياة، تُلاحقها النظرات المستهزئة كَسهامٍ لا تخطئ، وتتعقّبها الكلمات كَسيفٍ حاد يترك ندوبًا خفية داخل روحها. ولتزداد ندوبها ندوبًا، توهّمت أن للحب القدرة على إنقاذها؛ وأن الانكسار قد يُجبر تحت وطأة شعور دافئ، لكن كل ذلك زال حين صفعها الوهم بقسوة، إذ لم يجلب لها سوى مرارة مضاعفة، مرارة التعلّق بمن لم يلتفت إليها، ومرارة أنّها حتى لم تُختار في الحب. لتكون في النهاية نصف كائن، تتنفس بصعوبة كأن العالم يضيق من حولها، وتستسلم لفكرة أنها لم تُخلق لتُرى، بل لتكون ظلًا عابرًا. لكنها لم تكن تعلم أن الظلال تفضحها أحيانًا لحظة ضوءٍ عابرة، وأن الورد وإن ذبلت، يظل يحمل في أعماقه بذرة حياة تنتظر قطرة ماء، ويبقى شذاه عالقًا ببقاياه، بقايا ورد....

📜 الفصل الأول 📜

صفعة غير متوقعة... حتى اللحظة، لا تصدّق ورد أنها لا تعني له شيئًا، فقد كانت ترفض دومًا فكرة أن السنوات التي قضتها في محيطه لم تترك ولو أثرًا بسيطًا في قلبه، كانت تصدّق بعناد طفلة وباحتياج موجع، أن نظرة منه في وقتٍ ما نحوها لم تكن مصادفة، فمنذ مراهقتها كان كريم بالنسبة إليها بطلاً مغوارًا، فتتشبّث بفتات أملٍ سرّي همس داخلها، بأن كريم سيراها يومًا إنسانة تستحق الالتفات. لكن الحقيقة لم تكن كذلك أبدًا، فـ ورد لم تكن سوى ظلٍ باهت في الخلفية، وشخص عابر يمرّ دون أن يلحظه، وكان هذا أكثر ما ألمها، أن تكتشف أن وجودها في حياته لم يكن له معنى من الأساس، لا حبًّا ولا حتى كرهًا، بل لا مبالاة باردة لا غير. كما لم تتوقع ورد قط أن تكون صفعته قاسية إلى هذا الحد، ففي تلك الأمسية التي رأتها مصيرية، حين قرر والدها أن يخبرها أمام الجميع وخاصة كريم، بطلب صديقه يدها للزواج بأبنه، فوقفت ترتجف من فرط القلق الذي استولى عليها، في حين وقف كريم أمامها بملامح مستهزئة يرمقها بنظراتٍ ساخرة، وابتسامة باردة سخيفة تتلاعب فوق شفتيه، فَتغاضت عن ردة فعله الغريبة واغمضت عينيها عن رؤية الحقيقة الجلية أمامها، وركنت إلى جدارٍ هش كونته من ضباب أحلامها به ومن محاولاتها تبرير تجاهله لها، ليتهاوى الجدار بدوي بصخب، حين أردف كريم بكلمتٍ ساخرة اجتث بها ما تبقى منها: _ وافقي يا ورد قبل ما يفوتك قطر الجواز، والناس تقول عليكِ عانس. نطق كلماته ببرودٍ مميت، كما لو كان يسدد إليها طعنة مقصودة، يُريدها أن تصل إلى أعماقها بهدوءٍ قاتل، فارتجف فمها وكادت تعقب، لكنه لم يمنحها فرصة، وأكمل بضحكة خافتة تنضح بالسخرية، وهو يغمز إليها بطرف عينه: _ بس تعرفي؟ أنا نفسي أشوف فارس الأحلام إللي طلب إيدك وقرر يخطفك على حصانه، يطلع شكله إيه! توقّف قليلًا كأنه يستمتع بإذلالها، قبل أن يضيف بتهكم: _ ده مش بعيد يبقى صورة طبق الأصل عنك، قصير ولابس نظّارة أكبر من وشّه، ده هيبقى شكلكم مسخرة. أنهى كريم قوله بضحكة خالية من الدفء، بدت كَصدى قاسٍ ارتطم بقلبها، ثم ولاها ظهره وأضاف ببرودٍ لاذع وهو يتحرك بعيدًا عنها: _ وأرهنك أنه هيطلع معيوب، أصل بالعقل مين غير اللي دماغه ضاربة، هيفكر يبص لواحدة شبه الفار زيك؟ شحب وجه ورد، وشعرت بأنها فقدت السيطرة على كل شيء، نبضها الذي بات متقطعًا، بسبب ضحكته التي بدت كسكين حاد يمر على جُرح قديم لم يلتئم بعد، سكين فتح كل ندوبها القديمة التي حاولت طمرها في أعماقها منذ الطفولة، فكل كلمة غادرت فمه لم تكن مجرد إهانة، بل كانت إيذانًا بانتهاء أوهامها، واكتشافها للحقيقة بأبشع صورها، فازداد ارتجافها وأحسّت ببرودةٍ غريبة تزحف إلى أطرافها وبغصّةٍ تكاد تخنقها، بينما ظل صوت كريم يتردد في رأسها، ويمتزج بأصواتٍ أخرى هاجمتها من الماضي، ضحكات زميلاتها في المدرسة، وهمساتهم الخافتة عنها، وتعليقاتهم اللاذعة التي كانت تقتلها كل يوم. تذكّرت كيف كانوا يسخرون من نظارتها الكبيرة التي تبتلع ملامح وجهها، ومن قامتها القصيرة التي كانت سببًا في نعتهم لها بألقابٍ لم تفارقها حتى اليوم، والأكثر تذكّرت كيف جعلوها تخشى الابتسام خوفًا أن يلمح أحد أسنانها غير المرتّبة فتزداد سخريتهم منها. تذكّرت كل شيء في دفعة واحدة، فبدت وكأن الزمن تواطأ مع كريم ليعيدها إلى تلك الزاوية التي كرهت نفسها فيها، حتى حين ظنت أن الجامعة ستمنحها فرصة جديدة، وأن النضج سيجعل الآخرين أكثر إنصافًا، لكنها وجدت نفسها أمام نفس الوجوه ولكن بأسماء مختلفة، ومع كل تعليق كانت تسمعه، كانت ورد تنكمش أكثر داخل نفسها، وتتقوقع كصدفة صغيرة لتحتمي كي لا يراها أحد، مما جعلها تختزل وجودها حتى أنهت دراستها بشق الأنفس، لتدخل في عزلة فرضتها على نفسها كي لا تتعامل مع أحد. لكن الآن وبتلك اللحظة التي لم تتخيلها قط، أن يأتي الجرح هذه المرة من كريم؟ من الشخص الذي رأته دومًا طوق نجاتها؟ كان الأمر أكثر من مجرد خذلان كان سقوطًا، فلم تعد المسألة من وجهة نظرها مجرد تجاهل أو برود، بل قسوة صريحة وإهانة متعمّدة، واعتداء على كل ما تبقّى من كرامتها، فكلماته حملت توقيعه بأنها لا تستحق، خاصة حين تلفظ وهو يضحك بلقب فأرة، فشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها، فذلك اللقب طاردها منذ طفولتها ولم يغب يومًا، لكنه اليوم عاد ليكون أكثر وجعًا، لأن منه. حاولت ورد التغافل عن نظرات كريم الساخرة حين التفت إليها، وعن نظرات شقيقتها التي امتلأت بالشفقة، لكنها فشلت فأسرعت بمغادرة الغرفة وركضت نحو غرفتها بخطى متعثرة بعدما غشت الدموع عيناها، يطرق قلبها بعنف بسبب صراع أنفاسها وتهدجها، وبات كل ما تريده أن تُغلق الباب عليها وتختبئ كما تفعل دائمًا، وأن تذوب في عزلتها بعيدًا عن الجميع، لكن قبل أن تصل امتدت يد وأمسكت بذراعها بقوة، كانت يد شقيقتها سماح، التي وقفت تنظر إليها بملامح غاضبة وعيونٍ تفيض بقلق مستتر، وهي تخبرها بصوتٍ حاد مستنكر: _ اقفي هنا يا ورد وفهميني، أنتِ إزاي تجري بالشكل ده وتمشي، قبل ما تردي على السخيف اللي اسمه كريم؟ رفعت ورد رأسها ببطء ودموعها تلمع على وجنتيها، لكن قبل أن تجيب، تابعت سماح حديثها بصوتٍ يرتجف من شدة غضبها المكبوت: _ بصراحة أنا مش قادرة أفهمك! أنتِ لحد إمتى هتفضلي ساكتة كده؟ ولحد أمتى هتسمحي لكل واحد يرمي كلمتين في وشك ويمشي كأنك مش إنسانة؟ فهميني أنتِ ليه بتسيبيهم يتنمروا عليكِ وتوقفي ساكتة؟ لم تستطع ورد الحديث وخفّضت رأسها بخزي بعدما هربت الكلمات منها، فشعرت سماح بالعجز أمام ضعف شقيقتها الذي ينهشها، فمدت كفيها ووضعتهما على كتفي ورد وهزّتها قليلًا قائلة بصوتٍ امتزج فيه الألم بالرجاء: _ ردّي عليّا ورد وقوليلي، أنتِ لحد إمتى هتسمحي لكريم ولغيره إنهم يقلّلوا منك باسم الهزار؟ وبعد ما يجرحوك يقولوا مكنش قصدنا؟ ظلت ورد على حالة الصمت التي سكنتها، وزفرت بقوة فكلمات سماح أصابت قلبها، بينما وقفت سماح تتباع ملامح ورد البائسة، فأكملت بصوتٍ حنون رغم ما تشعر به من غضب وحنق: _ ولامتى هتفضلي أنتِ ذات نفسك تقلّلي من قدر نفسك بهروبك؟ زفرت سماح بيأس وهي تضيف: _ يا ورد الهروب عمره ما هيغير أي حاجة، إلا لو أنتِ اللي أخدتِ الخطوة الأولى وبدأتي. انكسر صوت سماح في النهاية، فقسوتها التي تحدثت بها نبعت من خوفها على شقيقتها، في حين زفرت ورد بأسى ورفعت عينيها وشفتيها ترتعشان، تحارب دموعها وأردفت بصوتٍ واهي بالكاد يسمع: _ أنا… أنا مش بعرف أرد يا سماح، بخاف وبحس برعشة وقلبي بيدق جامد ونفسي بيروح مني. رمقتها سماح بعينين تمتلئان بالشفقة، واحتضنتها بقوة وهمست في أذنها بصوتٍ مبحوحٍ من شدة التأثر: _ أنا خايفة عليكِ يا ورد، ضعفك وسلبيتك وهروبك من المواجهة، هيضيعوا عمرك من بين إيديكِ، والناس اللي أنتِ خايفة منهم عمرهم ما هيشوفوا، إلا اللي أنتِ بتقدميه ليهم عن نفسك، فلما يشوفوكِ بضعفك ده واستسلامك، هيكملوا ويدوسوا عليكِ أكتر. أدركت سماح أن وقع كلماتها قد يكون قاسيًا وقد يزيد من رهبة شقيقتها ومخاوفها، فتداركت وأضافت بمحبة: _ أنتِ جميلة ورقيقة يا ورد، وقلبك ده جوهرة، واللي يعرفك صح يعرف إنه كسب كنز ميتقدّرش بتمن، عشان كده أنتِ لازم تتغيري، لازم تتعلمي تواجهي وتردي باللي تحرجي بيه اللي قدامك بالذوق، ومن غير ما تجرحي نفسك ولا قللي من كرامتك. أبعدت ورد نفسها قليلًا عن شقيقتها، وهمست بصوتٍ متقطّع: _ أنا حاولت يا سماح بس مقدرتش، طب تعرفي أنا كان نفسي أقدر أرد وأواجه زي ما بتقولي، بس اللي بيحصل معايا إن في اللحظة اللي بحس فيها بالإهانة، كل حاجة جوايا بتتجمد، وبحس نفسي صغيرة جدًا ومش متشافة، والأكتر إني بحس نفسي أضعف من إني أتكلم، وبحس لساني زي ما يكون أتشل، وبلاقي نفسي غصب عني بهرب، بهرب قبل ما أبقى المهرج اللي هيبقى فرجة والكل يضحك عليه، وأهرب قبل ما أسمع اللي يوجعني. انفجرت دموع ورد رغمًا عنها بعدما أحست بمرار غصتها وألمها المتكرر، فزفرت سماح بألم وأحاطت وجهها بكفيها بحنان، ومسحت دموعها بأطراف أصابعها قائلة: _ مش مشكلة إنك تخافي، المشكلة إنك تفضّلي عايشة في الخوف. ابتسمت سماح بحزنٍ وأكملت بدفء: _ بصي يا ورد أنتِ هتتغيري، لأ لازم تتغيري، وأنا معاكِ وجنبك في كل خطوة لحد ما تبقي إنسانة تانية، إنسانة عارفة قيمة نفسها، وبتعرف إزاي تواجه، بس المهم إن من جواكِ تكوني عايزة تتغيري. تسلل إحساس بالراحة إلى قلب ورد حين أنهت شقيقتها حديثها، حينها سمحت لدموعها أن تنهمر بحرية، لكنها تلك المرة لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع ارتياح بأنها باتت أخيرًا قادرة على التنفّس دون خوف. … منذ أيام ومازالت كلمات والده تتردد داخل ذهنه، يشعر أن شيئًا ما بداخله تغير، فنظرات والده باتت أكثر رجاءً، وصمته أكثر ثِقلاً، حتى في ذاك المساء، حين دعاه ليجلس معه، كان صوته هادئًا لكنه أخفى بعمقه قرارًا لا يحتمل النقاش، ولم يتوقع تميم أبدًا أن حديث والده البسيط سيفتح أمامه بابًا جديدًا، بابًا نحو حياة لم يختر ملامحها، لكنه وجد نفسه يقف على أعتابها، فقط لأن قلب والده طلب منه أن يثق به كالعادة. وها هو يجلس أمام والده محاولًا التماسك، بينما أخفى داخله اضطرابًا عنيدًا تصاعد داخل صدره في صمتٍ، فقد كان كل شيء في الجلسة هادئًا أكثر من اللازم، حتى عقارب الساعة التي تطرق بدقاتٍ رتيبة، بدت وكأنها تهمس في أذنه بأن الوقت لم يعد ملكه بعد الآن، وأنه على وشك أن يبدأ حياة لم يخترها بنفسه. تردّد تيم للحظة قبل أن يتكلم، وحمحم بصوتٍ خافت يخشى أن تنفضح حيرته، وقال: _ بابا أنا موافق، وعلشان أكون صريح معاك خليني أقولك إني وافقت بس علشان أنا بثق في اختياراتك، ولازم تعرف إني بموافقتي اتنازلت عن حقي إني أختيار شريكة حياتي بنفسي، بس علشان أرضيك. رفع والده بصره إليه، وملامحه تنبض بمزيجٍ من الراحة والفخر، وابتسم وأشار إليه ليقترب منه، وما أن لبى تميم طلبه ربت شاكر على كتفه بحنانٍ يقطر أبوةً، وقال بصوتٍ مفعم بالسكينة: _ كنت متأكد إنك هتوافق، علشان عارف قلبك قبل عقلك، وبصراحة أنا ما كنتش هوجّهك لأي حاجة، إلا وأنا متأكد إن فيها خير ليك. تنهد شاكر بهدوء وأضاف بصدق: _ وصدقني يا ابني ورد دي بنت طيبة، طفلة بريئة ما تعرفش حاجة عن زيف الدنيا، ولا خبثها. تسللت كلمات والده إلى قلبه بهدوء، لكنها في الوقت نفسه تركت داخله ارتباكًا خفيًا وتساؤل، لماذا يتحدث والده عنها بتلك العاطفة؟ كأنه يرى فيها شيئًا أبعد من مجرد زوجة مناسبة لابنه، فعلى ما يبدو وكأنها تمسّ في داخله حنينًا قديمًا، أو رقة افتقدها في الناس من حوله. تعلّق بصر تميم بوجه والده، وتأمل التجاعيد الدقيقة حول عينيه، تلك التجاعيد التي حفرها الزمن والمرض معًا، فأحس بثقلٍ يجثم فوق صدره، وتساءل للمرة الثانية أكان قراره بالموافقة نابعًا من اقتناعه؟ أم كان استسلامًا منه أمام ضعف أبيه الذي لم يحتمل أن يخذله؟ هنا قطع والده شروده وهو يواصل حديثه برجاء أبٍ وضع ما تبقى من طمأنينته بين يد ابنه: _ بص يا تميم، أنا كل اللي طالبه منك إنك تدي نفسك الفرصة تعرف ورد صح، وتتعامل معاها بشخصيتك وتحكم قلبك وعقلك، علشان ورد محتاجة اللي يفهمها مش يحكم عليها، وصدقني أنت لما تعرفها كويس هتلاقيها فتحت لك قلبها، وهتشوف بنفسك إنك كسبت ملاك. ظل تميم صامتًا للحظة ثم أومأ برأسه موافقًا، وابتسم محاولًا إخفاء ضجيج مشاعره المتشابكة، وغادر الغرفة كمن يهرب من مواجهة نفسه، واتجه إلى حجرته بخطواتٍ بطيئة، يشعر أن كل خطوةٍ تُثقل صدره أكثر. وما أن جلس على طرف فراشه، حتى مال وأسند رأسه إلى كفيه، وغاص في بحرٍ أسئلة التي لا تنتهي، هل فعلًا وافق لأنه مطمئن لاختيار والده؟ أم لأنه لم يعد يملك طاقة للجدال؟ وهل ما فعله يُسمّى حبًا وبرًا بوالده، أم استسلامًا لظروفٍ لا يستطيع مقاومتها، لعلمه بمرض والده وأن قلبه لم يعد يحتمل الخلاف، وربما كان هذا وحده كافيًا ليكسر صلابته القديمة، ويجعله يختار طريقًا يرفضه، فقط كي يرى في عيني والده ذلك الوميض الهادئ الذي يُشعره بالأمان، بينما ضج داخله صوتٌ آخر يهمس بحدة: _ طيب وأنت يا تميم؟ وأحلامك القديمة وصورتك الخاصة للحب؟ معقول هتتنازل عن كل ده! طب وشغفك اللي كنت بتتكلم عنه دايمًا، بأن حبك هيبقى زي المعجزة فحياتك! ابتسم بمرارة وهو يتذكر نفسه قبل سنوات، فقد كان ذلك الشاب المندفع المؤمن أن الحب هو أصدق ما يمكن أن يمنح الإنسان معنى، أما الآن وبعد أن رأى تبدل الأقنعة من حوله، وتغيير القلوب لولاءها وفق المصلحة، صار لا يثق بشيء، حتى عاطفة الحب بدت له مثل صفقةٍ يُعاد تقييمها كل فترة. اعتدل تميم فوقع بصرة على فنجان قهوته البارد فوق الطاولة، فمد يده نحوه وتأمله للحظات وهو يتمتم: _ يا ترى أنا وافقت علشان فقدت الشغف، ولا علشان الدنيا علمتني إني أتعامل بعقلي بس؟! لكن رغم كل ما حاول إقناع نفسه به، كانت هناك ومضة صغيرة داخله لم تنطفئ، ومهما حاول تجاهلها، كان يشعر بها كنبضةٍ خافتة تقول: _ وماذا لو كانت ورد مختلفة؟ ارتفع حاجباه قليلًا، وكأنه فاجأ نفسه بهذا السؤال، لتتدافع أسئلة أخرى بداخله، هل يمكن فعلًا أن تكون مختلفة؟ وأن تحمل بين طيّاتها ما يبعث الحياة في قلب أنهكه الخذلان؟ ظل تميم على وضعه للحظاتٍ طويلة غارقًا في صمته، ثم رفع رأسه وحدّق في سقف الغرفة، ونظر إليه نظرة غائمة حملت شيئًا من الأمل والسخرية في آنٍ واحد، لترتسم على شفتيه في النهاية ابتسامة شاحبة وهو يردف بصوتٍ أقرب إلى الهمس: _ يمكن صحيح مخترتش، وسبت القدر هو اللي يختار لي، علشان عندي يقين إنه أكيد مخبّي لي حاجة أنا مش شايفها دلوقتي، حاجة حاسس أنها هتبقى البداية اللي عمري ما كنت متخيلها. أنهى تميم همسه وأغمض عينيه، وأطلق تنهيدة يخبر بها عقله، إن قلبه رغم كل شيء ما زال يؤمن أن هناك دومًا فرصة أخيرة للحب عليه التمسك بها. بينما في مكانٍ آخر، كانت ورد تُطفئ آخر دموعها، لتبدأ دون أن تدري أول خطوة نحو التغير.

📜 الفصل الثاني 📜

خطوة بعيدة عن الواقع.. جلست ورد بجوار والدها تحاول إخفاء ارتباكها، تعبث بأطراف أكمام قميصها الفضفاض، ليقينها أن اللحظة أتت رغم دعائها الخافت ألا تأتي، اللحظة التي ستقع فيها أعين تميم عليها للمرة الأولى، فبات قلبها يخفق بعنف، تشعر وكأنها ترتكب جرمًا لم تُهيأ له. في حين ولج تميم برفقة والده، وتبادل التحية مع والدها ثم ألقى نظرة سريعة نحوها، فنهضت ورد بصعوبة وهي تتجنب التقاء عينيه، وهمست بتحية قصيرة بالكاد تُسمع، جلس تميم قبالتها فلاحظ ارتجاف أصابعها وهي تُحاول أن تُمسك بكوب الماء دون أن يُسقط منها. بتلك اللحظة ابتسم الأبوان وتبادلا حديثًا وديًا، وبعد برهة من الوقت قررا ترك المساحة لهما كي يتبادلا بعض الكلمات، فراقب تميم مغادرتهم وهو ملتزم بالصمت الذي فرضته ورد عليه منذ دخوله الغرفة، لكنه قرر أن ينهيه فحمحم قائلًا بصوتٍ هادئ ليجبرها على الحديث معه: _ أخبار دراستك إيه يا ورد؟ رفعت نظرها نحوه باضطراب للحظة وجيزة ثم أعادته سريعًا إلى الأرض، وأجابته بخفوت: _ أ أنا مش بدرس، قـ قصدي خلصت دراستي. ساد صمت قصير زاد من أرتباكها وتوترها، حتى خُيل إليها أن دقات قلبها باتت مسموعة له، في حين راقبها تميم وأدرك حالتها وتفهمها، فابتسم ابتسامة صغيرة مطمئنة، وقال محاولًا كسر الجمود السائد بينهما: _ شكلك بتحبي الهدوء زي ما بحبه، وشكلنا كده هنعرف نفهم بعض. تسمرت الكلمات في أذنها، فهي غير معتادة على أن سماع كلمات تحمل معنى إيجابي، فارتبكت واحمر وجهها، ولم تجد ردًا سوى عقد يديها في حجرها بقوة، بينما تأملها تميم بصمت، فأمامه تجلس فتاة خجولة منكسرة إلى حدٍ ما، يشع صادقها من عيناها، أما ملامحها فهي خالية تمامًا من أي تصنّع أو محاولة لإبهاره، فهي لم تسعى لتزيين ملامحها كما تفعل أغلب بنات جنسها أو تتكلف بثيابها، بل جلست أمامه بوجه خال من أي تبرج أو زيف، رأها وكأنها كتاب مفتوح فضح خوفه قبل أسراره. أما ورد فحاولت الهروب بعينيها من النظر إليه، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها لكنها في نفس الوقت استغربت، فلأول مرة تجلس برفقة أحد ولا يسخر من تلعثمها أو ارتباكها، بل على العكس بدا وكأنه يقدّرها كما هي. وما إن استقرت جلستهم رغم الصمت السائد ونظرات الترقب، حتى دلف كريم إلى الغرفة، تحمل ملامحه مزيجًا من الاستغراب والانزعاج، فقد رسم في مخيلته صورة خاطئة عن الشاب الذي تقدّم لورد، شخص باهت يشبهها في انطوائها وارتباكها، لكن المفاجأة أن تميم بدا عكس كل ذلك؛ فهو وسيم وأنيق وواثق من نفسه، في تلك اللحظة زفر كريم بضيق وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة صفراء، أخفى خلفها ضيقًا غائرًا، واقترب يصافح تميم بحرارة مصطنعة، وعرفه بنفسه والتفت لأول مرة في حياته نحو ورد، وصافحها بخفة فبدا وكأنه تذكر فجأة أنها موجودة في الحياة، وقال بصوت حمل نبرة ساخرة مموهة: _ على فكرة يا تميم ورد بنت عمي دي وردة العيلة، عاملة زي البرعم الأخضر، محتاجة لواحد حساس ومرهف الإحساس زيها علشان يعرف يراعيها. تسمرت عينا ورد عليه لا تصدق ما سمعت، فكريم الذي لم يراها يومًا وانضم إلى فريق المتنمرين الساخرين منها، فجأة وصفها بوردة العائلة والبرعم الأخضر مرهف الحس؟ لم تدر ورد أن صدمتها انعكست على وجهها بشكل جلي، وجعلت تميم يلتقط ردة فعلها، فنظر إلى كريم بثبات وأردف بصوتٍ هادئ واثق: _ عندك حق، ورد فعلًا إنسانة مرهفة الحس، وأنا أوعدك إني أحتوي برائتها ورقتها بقلبي وحبي ليها، فمتقلقش. جاءت كلمات تميم كتحدي واضح زاد من ضيق كريم، الذي ارتبك قليلًا ثم انسحب وهو يرمق تميم بنظرة خبيثة قبل أن يغادر، في حين وقفت ورد تتابعه بعينيها وجلست دون انتباه، ولم تعي إقتراب تميم منها وجلوسه بجوارها، إلا حين حرك أصابعه فوق سطح الطاولة ليجذب انتباهها، فالتفتت نحوه ببطء وعينيها تلمع بالدموع، فأردف تميم بهدوء مفاجئ: _ على ما أظن إن في حاجة جواكِ عايزة تبلغيني بيها، مش كده؟ أومأت بتلقائية وخفضت رأسها هربًا من نظراته، فأردف تميم يعقب عما استشفه من ضعفها البين: _ من ملاحظتي، أسمحي لي أقول إن حبك لكريم حب من طرف واحد. أومأت بألم وهي تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها، فزفر تميم وأضاف: _ تصدقيني لو قلت لك، إن كلامه اللي سمعتيه دلوقتي، مش معناه أبدًا إنه بيبادلك نفس المشاعر. اهتزت شفتا ورد وهي تهمس بانكسار بعدما أدركت هول ما فعلت: _ على فكرة أنا مش وحشة، وكنت هقولك على موضوع كريم، علشان مكنتش حابة أتعرف عليك وأنا بخدعك. نظرت ورد نحوه لترى وقع كلماتها عليه، فأومأ تميم ليحثها على مواصلة اعترافها قائلًا: _ كملي يا ورد أنا سامعك، وعلى فكرة أنا عمري ما هحكم عليكِ من موقف، فاتكلمي براحتك وأنتِ واثقة إن كل كلمة هتقوليها هتبقى فأيد أمينة. تنهدت ورد، فللمرة الأولى تشعر بتلك الراحة التي تسللت إلى داخلها، فعقدت كفيها معًا وأردفت: _ أنا كبرت وأنا شايفة كريم فارس أحلامي، وسامته وطريقة كلامه خلتني أحبه من صغري، كنت فاكرة إني لما أكبر هيشوفني وهيحبني، وهنعيش سوا زي أبطال الروايات الرومانسية، لكن للأسف أكتشفت إن الواقع بعيد جدًا عن أحلام اليقظة والوهم اللي كنت غرقانة فيهم، وإن كريم عمره ما شافني ولا حتى فكر فيا، بس اللي حصل دلوقتي لغبطني، أصله لأول مره يقول عني حاجة زي دي، وأول مرة فحياتي أسمع وصف عني زي اللي وصفني بيه. زفرت ورد بخيبة حين تذكرت حياتها، فهمست بانكسار: _ أصلًا أنا مش بسمع أي كلمة كويسة عني، أنا بس بسمع تنمر الناس عن ملامحي ونضارتي، وشكل أسناني وطريقة كلامي. استمع تميم إليها وتأمل ضعفها العاري أمامه، وأدرك كم هي هشة فأردف: _ واضح إنك مقابلتيش فحياتك، إلا الناس الناقصة اللي بتكمل الناقص والمفقود في حياتها بكسر غيرها. حدقت ورد بملامح تميم بدهشة، فكلماته وضعت تبرير مختلف تمامًا لحالات التنمر التي تعرضت لها، تبرير لم يأت إلى عقلها يومًا، فزاد تميم من حيرتها حين أومأ لها وأردف: _ أول مرة حد يقولك الكلام ده مش كده؟ أومأت قائلة: _ فعلًا دي أول مرة أسمع تفسير زي تفسيرك. ابتسم تميم بحنو وقال: _ واضح إننا هنبقى أكتر من أصدقاء، وعليه أنا هسمح لنفسي إني أتكلم معاكِ بحرية أكبر، فأيه رأيك؟ تنهدت ورد بأرتياح وابتسمت قائلة: _ وأنا يشرفني إننا نكون أصحاب. هز تميم رأسه وأردف: _ طالما وافقتِ، فخلينا متفقين إن أي كلام هقوله ليكِ هو نصيحة، لا هو نقد ولا تنمر، تمام. وافقته ورد بتردد فأضاف تميم مسرعًا كي لا يتيح لها الفرصة بالتفكير والانسحاب: _ قوليلي يا ورد أنتِ ليه محاولتيش تتغيري، يعني تعملي ليزك وتشيلي النضارة اللي مخبية لون عينيكِ، وليه مفكرتيش تروحي لدكتور أسنان وتعملي تقويم، بدل ما تخبي ابتسامتك الرقيقة بإيدك؟ توسعت عينا ورد بدهشة وهمست: _ أنت عايزني أعمل عملية تجميل؟ هز تميم رأسه نافيًا كلماتها وأردف: _ ده أنا أبقى مجنون لو قلت لك تعملي تجميل وأنتِ بالجمال ده، لم يدرك تميم وقع كلماته على نفس ورد التي أجفلت تمامًا وأحمر وجهها للمرة الأولى من الخجل وليس الخزي، فنظرت إليه تنظر إليه تنتظر سماع ما لديه، بينما ابتسم برقة وأضاف مسترسلًا: _ لعلمك أنتِ مش محتاجة تغيري ثوابت ربنا عز وجل خلقك بيها، واللي بتكلم عنه ده بعيد تمامًا عن التجميل، أنا بتكلم عن علاج علشان تقدري تعيشي حياتك من غير خوف أو رهبة. ازداد اعجاب ورد بتميم، فكلماته مهدت طريقها الذي رسمته لها شقيقتها، وأحست أنه جاء في الوقت المناسب ليدعمها ويدفعها للتغيير، ليزيدها تميم اقناعًا بأضافته: _ لعلمك العلاج ده هيغير طريقة كلامك وتنفسك، وهيريّحك من جواكِ. تأملته فهو استطاع بسهولة اختراق قفلًا صدأ داخلها لم يجرؤ أحد على لمسه مسبقًا، ولأول مرة ارتسمت على شفتيها ابتسامة حقيقية، لم تخفيها يديها كما تفعل، فبادلها تميم الابتسامة وهو يمد يده قائلًا: _ ودلوقتي خليني أعرّفك بنفسي، أنا تميم شاكر محاسب، وجيت النهاردة علشان أتعرف عليكِ. ارتبكت ورد وتلاشت ابتسامتها، وسحبت يدها من بين يده ما أن تذكرت حقيقة وجوده، فلاحظ تميم تغيرها وأدرك سببه، فأضاف بحزم فاجأ كلاهما: _ والمستشار النفسي اللي هيساعدك علشان تتغيري، لحد ما توصلي لنسختك الأفضل. عقدت ورد حاجبيها بعدم فهم وتمتمت: _ مش فاهمة قصدك إيه؟ تنهد تميم وأجابها بجدية: _ هتفهمي كل حاجة، بس مش هنا. وقف، فوقفت هي الآخرى بتلقائية، فنظر في عينيها مباشرة وأردف بتوضيحٍ هامس: _ أنا عارف إنك مترددة وخايفة مني، وجواكِ أسئلة كتير عايزة إجابة عنها، وأنا هجاوبك على كل حاجة، بس دلوقتي خلينا نتفق على حاجة، أظن أنتِ عارفة سبب وجودنا هنا؟ وأظن إن كلها ثواني وهيدخل والدي ووالدك ويسألوا عن رأيك، فأنا بعد إذنك هطلب من والدك إننا محتاجين نقعد مع بعض مرة كمان، علشان نتعرف على بعض بشكل أكبر، وهطلب إنه يسمح لي أقابلك بكرة هنا أو برا على حسب ما يوافق، ولما أقابلك هفهمك وأوضح لك كل حاجة وهجاوبك على كل سؤال بيدور جواكِ، قولتِ إيه؟ لم تدر ورد لما وافقته على طلبه، فأبدى تميم سعادته، وحين ظهر والده اتجه صوبه وهمس إليه بطلبه، الذي وافقه عليه ورأه تفكيرًا عقلانيًا كاملًا من ابنه، وأفضى إلى صديقه بطلب ابنه الذي سرعان ما وافق. ولم تفهم ورد كيف استطاع تميم التسلل بصدقه إلى داخلها هكذا، وبينما هي شاردة ربت والدها على كتفها وأردف بابتسامة راضية: _ ها إيه رأيك يا ورد؟ خفضت رأسها وأجابته بحرج: _ اللي تشوفه حضرتك. ضمها محمود بحنان وقال بثقة: _ كنت واثق فقرارك، وصدقيني أنتِ عمرِك ما هتندمي، علشان تميم هو الراجل اللي هكون مطمن إنك عايشة فكنفه. … جلست ورد مطرقة الرأس بغرفتها، تتشابك يداها وتنفرج باضطراب على طرف السرير، فيما تابعت سماح حركاتها المتوترة بعينين مليئتين بالقلق، وحاولت كسر الصمت المرهق، فقالت بدهشة لم تستطع إخفاءها: _ حقيقي أنا لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب كلامك، ومش قادرة أصدق إنك قولتِ لتميم إنك بتحبي كريم، والأغرب واللي مش لاقيه له أي تفسير إنه عرض يساعدك؟ ارتجفت شفتا ورد قبل أن تهمس: _ أنا نفسي مش عارفة إزاي قدرت أقول له الكلام ده يا سماح؟ عارفة أنا فجأة لقيت قصادي واحد واضح، فمعرفتش أكذب عليه ولا أخدعه، خصوصًا لما حسيت قد إيه هو كويس، فلاقيت نفسي بقوله، علشان يبقى ضميري مرتاح، ما أنا لا يمكن كنت هسمح لنفسي إني أغشه بمشاعر مش حساها. لزمت ورد الصمت لثوان بعدما ازداد فضولها وترقبها لما يريد تميم اخبارها به، ونظرت لشقيقتها وأقرت: _ أنا كمان اتفاجأت زيك لما لقيته بيقول إنه هيساعدني. زفرت سماح ببطء، وحدّقت في عيني أختها المرتبكتين وأردفت: _ طيب أنتِ مش شيفه إن تصرفه غريب، يعني معقول واحد زي تميم يجي يتقدم لبنت، ولما تقول له إنها بتحب غيره، يقول لها تمام هساعدك تتغيري، بصراحة مش لاقية تفسير لتصرفه، خصوصًا إني سمعت عنه إنه شخص ناجح في حياته وله احترامه بين الناس، رغم إنه يعتبر مش كبير في السن. تنهدت سماح وربتت كتف شقيقتها وأضافت: _ عمومًا بكرة كل حاجة توضح، وأكيد هو هيقولك على السبب اللي خلاه يعرض عليكِ المساعدة الغريبة دي. وضعت ورد كفيها على وجهها، بمحاولة بائسة منها بإخفاء ارتباكها، قبل أن تهمس بخفوت: _ أول مرة أحس إني عايشة فدوامة يا سماح، دوامة واقف فوسطها كريم، لا هو عايز يمد إيده ويساعدني ويخرجني من الدوامة، ولا راضي حتى يسيبني أغرق، هو بس مكتفي إنه واقف يتفرج عليا وأنا بحارب علشان ألفت نظره ليا. أمسكت سماح بكتفي ورد وضغطت عليهم برفق، وأردفت بصوت محفز: _ ورد إحنا على اتفقنا مش كده، أنتِ هتتغيري وأنا هفضل جنبك وهساعدك، وأظن الفرصة بقت أكبر معاكِ علشان تتغيري بعد كلام تميم وعرضه، فأرجوكِ بلاش تضيعي الفرصة دي من إيدك، وخليكِ شجاعة واتمسكي بالمساعدة اللي اتقدمت لك، وفنفس الوقت لازم تدي لنفسك الفرصة إن تقيمي مشاعرك بطريقة صح مع مرة تحسي فيها إنك فعلًا أتغيرتِ. سكتت سماح للحظة وهي تترقب ملامح شقيقتها وأضافت بهدوء حذر: _ وعلى فكرة أنا فعلًا تمنى إنك تدي لنفسك الفرصة وتتعرفي على تميم صح، يعني عايزاكِ تفتحي قلبك لإحتمالات حب جديدة، بدل ما تفضلي حابسة مشاعرك وقلبك بوهم كريم. تنهدت سماح وأعربت على قلقها وتوجسها أن تضيع شقيقتها تلك الفرصة من يدها، قائلة: _ صدقيني يا ورد أنتِ لو محاولتيش تشوفي اللي حواليكِ بطريقة صح، وتعرفي تفرقي بين اللي بيمحي شخصيتك واللي بيستغلك، وبين اللي عايزك تعيشي لنفسك قبل أي حد، هتخسري، مش بس هتخسري المساعدة اللي أنتِ محتجالها، لأ أنت كمان هتضيعي فرصة إن قلبك يتغير ويعرف إزاي يختار صح. رفعت ورد بصرها ببطء، يلمع داخل عيناها خليط من الخذلان والارتباك، بينما ترددت كلمات سماح في أعماقها، كجرس يذكّرها أن طريق تغييرها ما زال مفتوحًا، إن تجرأت على السير فيه. في صباح اليوم التالي لم تصدق ورد ما حدث معها، في البداية موافقة والدها على مقابلة تميم خارج المنزل بمفردها، ولكن أكثر ما زادها دهشة تدخل كريم ورفضه طلب تميم، وزجر والدها له وتحذيره من المساس بتميم أو التعرض له، وليت الأمر توقف عند هذا، ولكن أن تراه يتوارى خلف نافذة غرفته يراقب مغادرها برفقة تميم لهو المستحيل بعينه، استمر شرود ورد حتى أعادها تميم إلى واقعها معه بقوله: _ إحنا وصلنا، انزلي يا ورد علشان نلحق نخلص كلامنا، قبل ما والدك يرن علينا ويقول لنا اتأخرنا. أومأت بحرج وتبعت خطواته إلى داخل المطعم وجلست أمامه، ليبادرها تميم بقوله: _ بصي يا ورد أنا فاهم إن جواكِ حرب دايرة، وبتسألي أزاي واحد متقدم لي عايز يساعدني على التغيير، خصوصًا بعد ما اعترفت له إني بحب واحد تاني!. أومأت ورد بحرج وهي تتهرب من النظر لعينيه، فابتسم تميم وأردف بما زادها حيرة: _ طب ولو قلت لك إني مش بس هساعدك يا ورد لحد ما تتغيري، لأ أنا هساعدك لحد ما كريم يلاحظك ويحبك، ويعترف إنه كان غبي لما غمض عينه عنك، هتقولي إيه؟ هبت ورد على قدميها وقوفًا وقد اتسعت عيناها، فوقف تميم بحرج وأشار إليها بالجلوس قائلًا: _ ورد أقعدي وأهدي أنا لسه مخلصتش كلامي معاكِ. ازدردت لعابها وجلست بحرج وأومأت، فزفر تميم وأردف: _ بصي يا ورد أنا كمان عندي أعتراف ليكِ، لازم أعترف لك بيه علشان نكون واضحين مع بعض. سألته ورد بحرج وهي تستجمع شجاعتها للنظر بعينه: _ اعتراف إيه؟ ابتسم تميم وأثنى على محاولتها وأردف: _ هتصدقيني لو قلت لك إن برغم أني عديت التلاتين إلا إني مدخلتش فأي علاقة حب قبل كده؟ لاحظ تميم حيرتها فاستأنف حديثه قائلًا: _ تقدري تقولي إني مؤمن إن مشاعر الحب لازم تكون للإنسانة الصح اللي تستحقها، واللي مينفعش أخونها بإني أحب أي واحدة والسلام، علشان كده فضلت عازب طول السنين دي، لإني ملقتش اللي أحبها، وبصراحة لما والدي كلمني عنك أنا كنت هرفض، لكن طريقة كلامه عنك ولمعة عينه وهو بيحكي قد إيه بريئة ورقيقة، حسيت بمسئولية ناحيتك وإني لازم أتعرف على الإنسانة اللي شاركتني مشاعر والدي. ابتسم تميم بحرج وهو يفرك لحيته وأضاف: _ وللحق مقدرش أنكر إن والدي له كامل الحق إنه يرشحك ليا، ولولا إني لاحظت اضطرابك أول ما كريم دخل علينا الأوضة ونظراته ليكِ، اللي خلتني أحس إنه أول مرة يشوفك، وطبعًا غير الكلام اللي قاله وردة فعلك، كل ده خلاني أفهم اللي بيدور حواليا، وده طبعًا غير اللي عملتيه بمنتهى الشجاعة والقوة، وإنك أثبتِ لي للمرة التانية إن والدي كان على حق لما كلمني عنك، بصراحة كل ده زود إحساسي بالمسئولية ناحيتك، وفرض عليا ولو إنسانيًا إني لازم أساعدك لحد ما تحققي اللي أنتِ عايزاه والأهم إنك تكوني مقتنعة وواثقة مليون في المية إنه هو اللي أنتِ عايزاه، علشان كده طلبت أقابلك وأخترت برا البيت علشان نكون براحتنا في الكلام. راقبته ورد لثوان قبل أن تتنهد وتقول: _ بصراحة أنت تخطيت كل توقع ليا أنا وسماح أختي. سألها تميم بفضول عن شقيقتها، فأبتسمت ورد وأخذت تقص عليه ما دار بينها وبين شقيقتها، واتفاقها معها على التغير الذي أيدت وبشدة مساعدة تميم لها، فأومأ تميم حين توقفت عن الحديث وقال: _ واضح إن أنا وأختك عندنا نفس التفكير، بأنك لازم تتغيري الأول والأهم علشان نفسك قبل أي حد، ودلوقتي أنا عايز أسمعها منك يا ورد، هل أنتِ موافقة إنك تتغيري؟ أومأت ورد بابتسامة واسعة وهي ترفع كأس الماء نحو شفتيها، فبادلها تميم الابتسامة قائلًا بمكر طفيف: _ ومستعدة تتخطبي لي في سبيل التغيير ده! غصت ورد وهي تبتلع الماء وسعلت بشدة، حين سمعت قول تميم وأحمر وجهها، فاتسعت ابتسامة تميم وغمز إليها بعدما قدم لها محرمة ورقية وأردف: _ مالك أتفاجئتي كده ليه؟ أومال أنتِ فاكرة أنا هقدر أساعدك وننفذ خطتنا إزاي؟ ما أحنا لازم نرتبط علشان أقدر أساعدك. أوقف تميم كلماته ورمقها بجدية، قبل أن يضيف بنبرةٍ هادئة وهو ينظر إليها بثبات: _ خصوصًا لو عايزة مساعدتي علشان تلفتي انتباه كريم ليكِ. حدّقت ورد فيه بدهشةٍ صامتة، فبدت أمامه وكأنها لم تفهم ما يقصده، وشردت للحظات لتقيم الموقف بعقلها قبل أن تقول بترددٍ خافت: _ تساعدني؟ أهو أنا بقى عايزة أفهم أنت هتستفاد إيه لما تساعدني خصوصًا بموضوع كريم؟ غام وجه تميم للحظات قبل أن يستعيد هدوءه ويقول: _ هستفيد إني هبقى ساعدت أختي وصديقتي ورد، إنها تعيش حياتها اللي تستحق تعيشها بسعادة، ودلوقتي خلينا نتفق على الخطوط العريضة للخطة. أنهى تميم قوله ونظر إليها، يشعر بالحيرة من نفسه، فَرغم يقينه أن خطته محفوفة بالجنون، إلا أنه أراد أن يكتشف بنفسه ما الذي يمكن أن تصنعه ورد حين تُمنح فرصة لتكتشف ذاتها؟ وبينما كانا يضعان الخطوطَ الأولى لخطةِ التغيير، لم تدرِ ورد أن تلك الجلسة ستكون نقطةَ تحوّلٍ في حياتها، وجلست تستمع إلى صوته الرخيم وهو يحدّثها عمّا عليها فعله، لتجد نفسها في نهاية اليوم تجلس إلى جواره في طريق العودة إلى المنزل، وعلى وجهها ابتسامةٌ واسعة، لا تدري سببًا لها، ودون أن تُحاول هذه المرة أن تخفيها كما اعتادت من قبل.

📜 الفصل الثالث 📜

ورد كما لم تعرفها من قبل.. مرّت الأسابيع على ورد بهدوءٍ بعد خطبتها لتميم؛ تلك الخطبة التي لم تكن مجرد حدثٍ عابر، بل أشعلت نيران الغيرة في قلب كريم، وكسرت شيئًا من كبرياء شقيقته إشراق، التي رأت أن رجلًا مثل تميم لا يليق أن تكون عروسه ورد، بل هي من يجب أن تفوز به، ورغم محاولاتها المستميتة لاستمالته ولفت انتباهه، إلا أنها فشلت فشلًا ذريعًا، خاصة حين قابلها تميم بجمودٍ حادٍّ وطلب منها دون مواربة أن تبتعد عنه وتكفّ عن إزعاجه، بل زادها بأسًا حين أخبرها بصرامة أنه لا يراها أصلًا، فالنور الذي تملكه ورد أغشى بصره عن رؤية أي امرأةٍ سواها. وعلى الجانب الآخر، بدا وكأن الزمان قرر أن يمنحهما فرصة لالتقاط أنفاسهما بعد البداية المرتبكة، إذ لم تعد ورد تلك الفتاة المتوترة التي تخشى النظر في المرآة أو مواجهة الناس بابتسامتها، بل صارت أكثر هدوءًا واطمئنانًا، وأكثر تصالحًا مع نفسها، بينما كان تميم يراقب هذا التحول بصمتٍ عجيب، يخشى أن يفسده بكلمة. ومرّت الأيام التالية بعد عملية الليزك كنسمةٍ دافئة في حياة ورد؛ فقد كانت تتبع تعليمات الطبيب بحذر، تضع القطرات بانتظام، وتحتمي من الضوء بنظارتها الوهمية التي صارت جزءًا من ملامحها الجديدة. وفي الشركة التي تعمل بها إلى جانب تميم، استقبلها الجميع بابتسامةٍ حين عادت، لكن نظرةً واحدة من تميم نحوها، كانت كفيلة لتشعرها أن غيابها لم يكن أبدًا عابرًا، فهو لم يقل شيئًا فقط أومأ برأسه وهو يراها تدخل، لكن تلك الإيماءة كانت كافية لتربكها طوال اليوم، لتزداد ارتباكًا حين أصر تميم في نهاية الدوام على مرافقتها إلى المنزل، فلم تمانع رغم اعتراضها الواهي. ومع مرور الوقت بينهما، صار أمر مرافقة تميم لها من المنزل إلى شركته والعكس عاديًا بالنسبة إليها، أو هكذا أقنعت نفسها بعد موجة التشتت التي أصبحت تتخبط داخلها، والذى زاده أنه ذات يوم وهو يقلها معه إلى شركته، لمح تميم الأوراق بين يدا ورد وهي مندمجة في قراءتها، فعقب بابتسامةٍ خفيفة: _ هو مش المفروض تريحي عينك زي ما الدكتور طلب منك؟ أبعدت عيناها عن الأوراق وأجابته ضاحكة: _ بحاول أراجع العرض قبل الاجتماع اللي بعد بكرة، علشان أكون ملمة بكل حاجة وجاهزة. هز تميم رأسه وقال: _ قولي إنك خايفة وبتحاولي تشتتي خوفك بالشغل. ضحكت حين أدركت نجاحه بقراءة أفكارها، وسألته عن الأمر، فأجابها وهو ينظر إليها بتمعن: _ مش قراءة أفكار، بس تقدري تقولي إني بقيت عارف طريقتك. خفق قلب ورد وهي تراقبه، فبرغم أن كلماته خلت من الغزل، إلا أنها لمستها ببساطتها وصدقها، لكن أكثر ما أربكها هو حفاظ تميم على المسافة التي وضعها منذ البداية، التي لم يتجاوزها يومًا، ومع ذلك بات الأقرب إليها. ولم تدر ورد أن تميم رغم تحفظه، لم تملّ عيناه من النظر إليها، ولا هدأت خفقات قلبه حين تجلس بجواره ويسمع صوتها، فبات يدرك ما تفكر به دون أن تتكلم، وهام بنظراته بها لينتشله من شروده حركتها العفوية وهي تفرك صدغها، فلاحظ تميم التعب المرتسم على ملامحها وقال بجدية: _ سيبي الورق من إيدك، عينِك كده هتتعب. ضحكت ورد لتخفي ما تشعر به من ألم وقالت: _ حاضر يا دكتور تميم، ما تقلقش هسيب الورق خلاص. أومأ مبتسمًا وهو يشير إلى عيناها قائلًا: _ كله إلا عيونك يا ورد، دول أمانة فحافظي عليهم. نظرت له للحظة، ولم تدرِ لماذا شعرت أن صوته تلك المرة حمل شيئًا أعمق من مجرد كلمات، فظل عقلها عالقًا في نبرته الهادئة، وفي نظرته المستقرة التي تلمع ببريقٍ غامض. وصلا المكتب وجلست ورد تراجع بعض الأوراق، ولكنها عادت وشردت وهمست بحيرة: _ هو أنا ليه حاسة إن في حلقة مفقودة، من يوم ما جيت المكتب وأنا حاسة بحاجة مش مفهومة، خصوصًا قبول الناس اللي شغالين مع تميم لوجودي بينهم رغم أني معنديش أي خبرة، و... ابتلعت ورد لعابها وهمست باسم تميم، فبدت وكأنها تجادل نفسها قبل أن تضيف: _ تميم...أهو تميم ده هو اللغز نفسه، أنا مش عارفة إزاي خلاني بعد ما كنت بخاف لما بشوفه عصبي ولا بيزعق، أبقى مرتاحة لوجوده، لأ وبقيت كمان بحب أقعد معاه، والأهم إني بقيت بحس بالأمان لمجرد أنه موجود في أي مكان في المكتب، و... قطعت ورد حبل أفكارها فجأة وهي تسأل نفسها باتهام: _ وإيه يا ورد؟ إيه معقول هتتعلقي بتميم وتنسي حبك لكريم؟ كريم اللي بتتغيري علشانه، واللي دلوقتي بقى هو اللي بيحاول يقرب منك ويقعد معاكِ ويفتح الكلام علشان تفضلي قاعده جانبه؟ أغمضت ورد عينيها بعدما أحست بضيقٍ ثقيلٍ يحتل قلبها، لكنها سرعان ما هزّت رأسها لتطرد الفكرة، وعادت لمراجعة الأوراق، أما تميم فجلس خلف حاسوبه يتظاهر بالعمل، فهو لم يستطع قراءة كلمة واحدة مما أمامه، فعينه لا تفارق النظر إليها، يتابع في صمتٍ طريقتها المرتبكة وهي ترفع شعرها عن وجهها، وتحريك تلك النظارة الوهمية التي اعتادت ارتداءها، كدرعٍ خفيف تخفي به ثقتها الجديدة، ليفاجأ نفسه بسؤاله إياها: _ هو أنتِ لسه مصممة تلبسي النظارة دي؟ أبعدت ورد عيناها عن الأوراق ونظرت نحوه مبتسمة وقالت: _ ما أنا قلت لك إنها بقت جزء من شخصيتي، وبعدين مش حابة ألفت النظر للتغيير اللي حصل معايا دلوقتي. ابتسم تميم وقال بهدوء: _ عمومًا شخصيتك مش محتاجة لأي حاجة تسختبي وراها، هي كده واضحة بجمالها الطبيعي. عمّ بينهما صمتٌ خفيف، فخفضت نظرها بخجلٍ واضح، وتظاهرت بالانشغال، بينما تسللت إلى قلبها نغزة دفء غريبة، فتميم لم يقل شيئًا صريحًا، لكنها شعرت أن نظرته مختلفة، تنهد تميم أخيرًا وقطع الصمت بقوله وهو ينهض: _ أنا نازل أجيب قهوة، تحبي تاخدي معايا حاجة؟ ترددت ورد لثوانٍ قبل أن تهمس: _ لو ممكن شاي باللبن. ضحك بخفة وعلق: _ كنت عارف إن ده طلبك. أنهى تميم قوله وغادر المكتب وقد ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتيه، ولم يدرك أن ابتسامته تلك كانت بداية اعترافٍ صامتٍ لم يسمعه أحد، حتى هو نفسه بأنه سقط في هوى تلك الوردة، وحين عاد أخبرها بأنه أكد حجز موعدها لدى طبيب الأسنان، فارتسم القلق على وجهها، فترك تميم فنجان قهوته جانبًا والتفت إليها قائلًا بلطف: _ بصي الخوف اللي شايفه طبيعي ومفيش منه قلق، المهم تحافظي على الحد الطبيعي ونتقبل التغيير، اتفقنا؟ نزعت ورد نظارتها ووضعتها أمامها قائلة بامتنان: _ بصراحة يا تميم، أنا مهما شكرتك على اللي بتعمله معايا مش هعرف أوافيك حقك، و... قاطعها تميم دون وعي حين وضع إصبعه على شفتيها ليمنعها من إكمال حديثها، لكنه سرعان ما اعتذر بحرجٍ بالغ، واستدار عنها يستغفر، وظل على حاله لدقائق قبل أن يعود ويسألها بصوتٍ متغيّر وقد تبدل تمامًا وامتعضت ملامحه: _ أنا نسيت أسألك عاملة إيه مع كريم؟ يا ترى في جديد؟ ولا لسه واقف زي الصنم معاكِ؟ لم تجد ورد ما تقول، فالوضع ظاهريًا يبدو كما هو، بينما نظرات كريم التي باتت تلاحقها كانت تقول غير ذلك، كانت تخبرها بتغير شيئًا ما داخله، ولكنها لا تستطيع الجزم به. أما كريم، فقد بدا يومه عاديًا، لكن داخله لم يكن كذلك؛ فمنذ رأى ورد من دون نظارتها، يوم خطبتها تحديدًا، حين وضع تميم الخاتم في إصبعها وقبّل يدها، شعر بشيءٍ ينهش قلبه، ومنذها وهو لا يكف عن التفكير فيها، فـ ورد التي كانت يومًا الفأرة القبيحة صارت أنثى مختلفة، مشيتها باتت أكثر ثقة، وصوتها أهدأ وأرق فيكاد يذيب عظامه حين يسمع همساتها، وعيناها صارتا لامعتين بلونٍ غريبٍ يخطف النظر، حتى ظنّ في البداية أنه وهم، لكنه أصبح يكتشف شيئًا جديدًا فيها كل يوم يجعله يتمناها أكثر. غادر كريم غرفته واتجه إلى مكان ورد المفضل، بعدما علم بعودتها إلى المنزل، فوجدها تجلس غارقة في القراءة، فتنهد بقوة وتقدّم منها وقال: _ إزيك يا ورد؟ رفعت رأسها وابتسمت بخفة وهي تضم الرواية إلى قلبها وأردفت: _ الحمد لله، إزيك أنت يا كريم؟ أجابها بهدوء: _ الحمد لله. أنهى قوله وجلس أمامها وتأملها طويلًا قبل أن يقول دون مواربة: _ تعرفي إن اللوك ده لايق عليكِ جدًا، بصراحة زي ما تقولي كده إن التغيير اتعمل علشانك أنتِ. ضحكت بهدوء وهي تضع روايتها فوق المنضدة أمامها بهدوء: _ مش شايف أنك بتبالغ فكلامك ده. هز رأسه بالنفي وهو يضيف، بينما عيناه تجول ملامحها بتمعّن: _ مش ببالغ بس أنتِ شكلك بقى مختلف عن الأول بكتير، بقيتِ واحدة تانية. تنهدت بحيرة من نفسها، فهي دومًا ما تمنت سماع كلمات الثناء منه، ولكن الآن وبعد أن نالت مبتغاها أحستها مجرد كلمات فارغة لا معنى لها، لذا أقرت بحقيقة ما تشعر به بتلك اللحظة قائلة بصوتٍ هادئ: _ على فكرة أنا زي ما أنا، وكل اللي أنت شايفه مجرد علاج علشان صحتي، وعلشان أعرف أتعامل مع الدنيا بهدوء ومن غير زعل. استمع إليها باهتمام وحين أنهت قال: _ لا يا ورد ده مش مجرد علاج، ده حتى النضارة اللي أنتِ لبساها شكلها بقى مختلف عليكِ عن الأول، بقت مديالك جاذبية وسحر. مدت ورد يدها بتلقائية ونزعت النظارة عنها وحدقت بها وأردفت: _ بيتهيئ لك كل الموضوع أني غيرت الشكل بس. تعمد كريم أن يميل بوجهه نحوها وهو يهمس معقبًا على قولها: _ بصراحة بقت حلوة ولايقة عليكِ جدًا يا ورد. احمرّ وجهها حرجًا وأبعدت نظرها، بينما خفق قلبها بخفةٍ مألوفة، إذ أحست أن كريم رآها أخيرًا، لكن قبل أن تستوعب إحساسها، باغتها بقوله: _ على فكرة أنا كنت ناوي أكلمك من فترة، يعني كنت عايزك تيجي تشتغلي في الشركة معانا وتسيبي شغل التدريب اللي عند تميم. على الرغم من سعادتها، إلا أن ورد أحست بخوفٍ غريب يعتريها، لمجرد تفكيرها بالابتعاد عن تميم، فازدردت لعابها وأجابته بصوت مرتبك: _ بس أنا مرتاحة يا كريم، ومش عايزة أسيب شغلي ولا تدريبي مع تميم. وقف كريم بحدة لرفضها طلبه وأردف: _ يعني إيه مش عايزة تسيبيه؟ جرى إيه يا ورد يعني عاجبك الناس اللي بتسأل أنتِ ليه سايبة شغل العيلة ورايحة تشتغلي مع واحد غريب عننا؟ انتفضت ورد بحدة لا تدري سببًا لها، وأجابته بانفعال ما أن سمعت كلمته الأخيرة: _ بس تميم مش غريب يا كريم، تميم خطيبي. أنهت ورد كلماتها ورفعت يدها اليمنى أمام وجهه، فأشاح بوجهه عنها وأردف: _ غلطة وهتتصلح قريب يا ورد، صدقيني غلطة وهتتصلح. ... بدأت ورد تتجهز لعلاج التقويم، فنظرت إلى تميم الذي جلس يتابع شيئًا ما على شاشة حاسوبه وقالت: _ على فكرة الدكتور قال إنه هيبدأ من الأسبوع الجاي إن شاء الله، بس هيبقى فيه شوية تعب. رفع تميم رأسه عن الشاشة، وسألها باهتمامٍ صادق: _ وجع ولا تعب عادي؟ رفعت كتفيها بحيرة وأردفت: _ مش عارفة الصراحة، بس تقريبًا هيتعبني في الأكل والكلام شوية أول كام يوم. قال تميم بهدوء وهو يراجع ملفًا أمامه: _ لو حابة الفترة دي تقضيها في البيت أنا معنديش مانع، شوفي أنتِ حابة إيه ونعمله، لإن المهم عندي راحتك أنتِ يا ورد. لامستها كلماته بعمق، فابتسمت بصمتٍ وهي تنظر إليه، فللمرة الأولى تشعر أن أحدًا يضع راحتها في حسبانه دون مقابل. ومع بداية التقويم، بدأت ورد تشعر بعدم ارتياحٍ في الحديث، فلزمت الصمت أكثر وجلست في غرفتها، خاصة بعدما تعرضت لتنمر إشراق بسبب الكمامة التي ترتديها، لكنها لم تمض الكثير من الوقت بحزنها، إذ فاجأها اتصال تميم وسؤاله عن سبب سماعه لنبرة حزن بصوتها، فتهربت من الإجابة، فأخبرها بحزمٍ: _ تمام يا ورد أنا بكرة هستناكِ في المكتب، علشان نكمل الشغل ومتقلقيش مش هخليكِ تتكلمي. أنهى تميم الاتصال فجأة، ثم وضع هاتفه جانبًا وهو يلعن كريم وأسرته، وكل من سولت له نفسه التنمر على غيره، فقد بات يدرك أن لكريم يدًا في حزنها. وتوالت الأيام بعدها، وذات مساء بينما كانت ورد تحاول إنهاء عرضٍ تقديمي على الحاسوب، كانت الحروف تتراقص أمامها من شدة إرهاقها، فسمعت صوت تميم يقول من خلفها: _ واضح إنك محتاجة بريك. رفعت ورد رأسها وابتسمت بخفّة وقالت: _ مش فاضل غير شريحة واحدة وأخلص، بعدها هاخد بريك طويل. اقترب تميم منها قليلًا ونظر إلى الشاشة، وقال بصوتٍ جاد: _ لو ركزتي أكتر من كده هتوجعي عينِك، بصي قومي خدي خمس دقايق راحة، وبعدين أرجعي كملي شغلك. تنهدت ورد وهي تخلع النظارة وقالت: _ معاك حق أنا فعلًا محتاجة لراحة، خصوصًا أني حاسة بلسعة فعيني. ابتسم وهو يعود إلى مكتبه وأردف: _ قلت لك قبل كده، عيونك دي أمانة لازم تحافظي عليها وتراعيها. جلست ورد بعدها في المطبخ الصغير المُلحق بالمكتب، تحتسي مشروبها الدافئ وتفكّر بجدية تميم في تعامله معها، فهو لا يترك مجالًا لسوء الفهم بينهما، وفي الوقت نفسه تجده حاضرًا دائمًا عندما تحتاج دعمًا أو طمأنينة، ليحدث داخلها توازن أربكها، وجعلها لا تعرف إن كانت ترتاح لوجوده معها كمدير، أم لشيئ آخر لا تجرؤ على تسميته. وتوالت الأسابيع، حتى أصبحت جلسات المراجعة بينهما شبه روتين ثابت كل يوم ثلاثاء وخميس، يجلسان أمام الشاشة، تتحدث ورد بحذر بسبب التقويم، فيستمع تميم بصبرٍ غريب لا يقاطعها، فقط يدوّن ملاحظاته بصوته الهادئ، لتزداد حيرة حين لاحظت أنه لا يرفع عينيه عنها أثناء العمل، لكنه في اللحظة التي تلتفت فيها نحوه، ويشيح ببصره فورًا وكأنّه يخشى أن تُقرأ عينيه. وذات مساء، كانا يعملان على ملفٍ صعب يتطلب مراجعة طويلة، ولم تستطع ورد مقاومة تعبها فأسندت رأسها إلى يدها، وقالت بإرهاقٍ: _ تميم أنا مخي قفل خلاص. ضحك تميم بخفة، وقال: _ عادي، ده دايمًا بيحصل مع أول مشروع جديد. سألته وهي تحاول كسر الصمت: _ هو أنت دايمًا كده هادي حتى وسط الزحمة؟ رفع نظره إليها، للحظةٍ قصيرة، لكنها كانت كافية ليجعلها تتلعثم وهي تكمل جملتها: _ قصدي يعني لما كل حاجة تبقى متوترة. أجابها ببساطة: _ الهدوء مش اختيار ده تدريب. سألته بحيرة: _ تدريب؟ هز رأسه بتأكيد وأردف: _ أيوه، وعمومًا بكرة تتعلمي تتحكّمي في نفسك أكتر وبعدها هتعرفي إزاي تتحكمي في الموقف. أحسّت ورد أن كلماته لم تكن مجرد نصيحة، بل وصفًا دقيقًا له، فهو يعرف كيف يضبط انفعالاته، لكنها لم تعرف أن هدوئه هذا يخفي تحته ضجيجًا مكتومًا لا يعترف به حتى لنفسه.

📜 الفصل الرابع 📜

وتبدل الحال... بدأ تميم يلاحظ تغير ورد الواضح، فابتسامتها صارت مختلفة تحمل ثقة لم تكن موجودة من قبل، وصوتها أصبح أكثر توازنًا، كان فخورًا بذلك، لكنه في الوقت نفسه شعر بوخزةٍ غريبة لا يعرف تفسيرها، كان يخبر نفسه كل ليلة أنه مجرد صديق في حياتها، يمد لها يد المساعدة كي تفوز بحب حياتها، وأن إعجابه بتحولها شيئ طبيعي، ولكنه يعود وينكر تلك الفِكرة، حين تحتل أفكاره وعقله ما أن تغادر مكتبه، ويبدأ بتذكر ضحكتها أو طريقتها في مسك القلم، فبات يرسل لها كل مساء تقريبًا رسالة بسيطة يسألها: _ هاخلصتي قراية الفصل؟ فتجيبه: _ لسه، هكمّله وأنام. فيكتب: _ متتأخريش في السهر، وخلي بالك من عينِك. لم يضف تميم المزيد، ولم يدر في الوقت نفسه أن ورد باتت تنتظر المزيد كما ينتظر القلب نبضه المنتظم بعد تعبٍ طويل، فكانت تضحك على نفسها، وتقول إنها مجرّد عادة، لكنه في الحقيقة لم يعد مجرّد صوتٍ يطمئنها، بل حضورًا يلاحقها حتى في صمت الليل. وفي أحد الأيام، وقفت ورد أمام مرآة مرحاض الشركة الخارجي، تلمس تقويم أسنانها بإصبعها بحذر، وتحاول أن ترى إن كان هناك أي تحسّن في شكل أسنانها، فدخلت إحدى المبرمجات وأخبرتها أن تميم يسأل عنها، فارتبكت ونزعت النظارة من وجهها لتعدّلها، ثم أسرعت بالخروج، واتجهت نحو مكتبه وولجت لتراه يمسك ملفًا ويشير إليها دون أن يرفع عينيه عنه: _ وقّعي هنا بس قبل ما نبعته. اقتربت وهي تحاول ألا تلتقي عينيه، رغم إحساسها بنظرته القصيرة العابرة، ليصدمها بقوله: _ شكل التقويم متعبكيش النهارده. رفعت عينيها بدهشة وسألته بحيرة: _ أنت عرفت إزاي؟ أجابها بابتسامة خفيفة: _ صوتك مش متأثر زي الأول. ضحكت بعدما فهمت قصده لكنها شاكسته قائلة: _ اعترف إنك ساحر وبتعرف تقرأ الأفكار. أخبرها وكأنه يحدّث نفسه: _ ياريتني كنت ساحر ولا بعرف أقرأ الأفكار، كنت أكيد هعرف المستخبى عني. لم تفهم قصده تلك المرة، لكنها شعرت أن هناك شيئًا ما خلف كلماته لم يُقال، شيء أشبه بالرغبة الخفية في إجراء حديث لا يجرؤ عليها، والتي تبدلت مع مرور الشهور لتفاهم صامت لا يحتاج إلى كلمات، فباتت تفهم من نبرة صوته إن كان غاضبًا أو مرهقًا، وهو يفهم من نظرتها إن كانت بخير أو تحاول إخفاء تعبها، لكن في الوقت نفسه، كان كل منهما يحافظ على حدود واضحة لا تُكسر، فلم يطلب تميم منها يومًا شيئًا يتجاوز العمل، ولم تحاول هي أن تُدخل نفسها في عالمه الخاص، رغم فضولٍ خفي بدأ يكبر بداخلها. فقد كانت تعرف أنه يعرف عن كريم، وتراه أحيانًا يغيّر الموضوع كلما جاء اسمه في الحديث، فتشعر بوخزة غامضة في قلبها لا تعرف معناها، تجعلها تقول لنفسها أنها مجرد حساسية من المقارنة، لكنها في داخلها تدرك أن الأمر أعمق من ذلك. أما تميم، فكان يعيش صراعًا صامتًا مع نفسه، كان يحاول إقناع قلبه أن ما يشعر به مجرد تقدير لإنسانة مجتهدة، لكن قلبه كان يخذله كل مرة، كلما رآها تضحك ببساطة أو تجلس منهمكة في الشرح، كان يشعر برغبةٍ في أن يظل يراقبها، فقط ليطمئن أنها بخير، لكنه في كل مرة يوقف نفسه عند الحدّ، ويقول في داخله: _ هي بتحب كريم، وأنا آخر حد ممكن يظلمها بارتباك مشاعري. وفي صباح أحد الأيام، كانت تراجع معه تقريرها الأخير قبل نهاية فترة التدريب، قالت وهي ترتب الأوراق: _ أنا مش مصدقة إن الشهور دي كلها عدّت كده بسرعة. أجابها بابتسامة جانبيه: _ هو الوقت كده، بيجري لما بنبقى ماشيين في طريق الصح. اتسعت ابتسامتها وسألته: _ معنى كلامك إنك راضي عن شغلي؟ أومأ بجدية وأكدها بقوله: _ أكتر من راضي ياورد. استمعت إلى صوته الرخيم بارتباك لا تدري سببه، وتنهدت وهي تخبره بخجل: _ شكرًا يا تميم على كل حاجة عملتها علشاني، شكرًا على صبرك وتعاونك، وشكرًا إنك كنت سبب إني أحس بالأمان. رفع نظره إليها ولأول مرة شعر أن الكلمات تخونه ولا يجد ما يجيب به، فأكتفى بابتسامةٍ صامتة، بينما مرّ في عينيه شيء لم تفهمه ورد، ليبدد صفاء اللحظة صوتًا مألوفًا سحب الأرض من تحت أقدامهم حين نادى بلهفة: _ ورد؟! التفتت ببطء، لتجد كريم يقف أمامها بثقته المعتادة، وابتسامته التي تعرفها جيدًا؛ ابتسامة كانت تُسقط دفاعاتها يومًا، لكنها اليوم أربكتها أكثر مما أسعدتها، فنظرت نحوه بحرج وسألته بحيرة: _ كريم! خير أنت بتعمل إيه هنا؟ تغاضى كريم عن محاولة ورد احراجه وضحك بخفة قائلًا: _ مفيش يا ستى كل الحكاية إن كان عندي مقابلة في شركة جانبكم، فقلت أعدي عليكِ ولو فاضية نروح سوا. تجمّدت الكلمات على لسانها ولم تدر كيف تصوغ رفضها بلباقة، ولم تنتبه لتميم الذي وقف على بُعد خطوةٍ واحدة، يُراقب الموقف بعينين هادئتين تخفيان أكثر مما تُظهران، ليزداد الموقف عبثًا حين مدّ كريم يده إليه قائلاً بابتسامةٍ رسمية: _ معلش يا تميم نسيت أسلم عليك. لوهلة ظنت ورد أن تميم سيسدد لكمه لوجه كريم حين كور قبضته، ولكنه بدلًا عن ذلك أعرض عن يد كريم الممدودة وأردف بصوتٍ فاتر: _ عادي أنا كمان نسيت. أغضبت ردة فعله كريم، فقرر إلا يدع الموقف يمر هكذا دون أن يكون صاحب اليد العليا، فأدار بصره نحو ورد وقال بأمر: _ مش يلا بينا يا ورد. رفعت ورد حاجبيها بدهشةٍ مكتومة، وقالت محاولةً كسر التوتر: _ يلا على فين يا كريم أنا لسه ورايا شغل، وبعدين أنا ميعاد أنصرافي لسه بدري عليه. اكتفى تميم بابتسامةٍ مقتضبة بينما قالت نظرته الكثير، ووقف يتابع ما يدور بصمت، في حين أشتعلت عينا كريم وزفر بقوة وأردف: _ عادي يا ورد لو استأذنتي وروحنا سوا، ولو خايفة إن تميم يخصم لك الساعة اللي باقية فأنا هعوضهالك و. منعته ورد من إكمال كلماته السخيفة حين أجابته بحدة: _ كريم لو سمحت بطل سخافة وروح، أنا لسه ورايا شغل لازم أخلصه عن أذنك. فاجأته ورد بانصرافها، بينما وقف تميم كما هو ينظر إليه بسخرية، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة، زادت من سخط كريم الذي استدار وغادر دون كلمة، في حين وقف تميم في مكانه يتابعه حتى اختفى، حينها سمح لأنفاسه الغاضبة بالتحرر من أسر صدره، وحاول تجاوزها وهو يخطو نحو مكتبه المشترك وورد بثبات، الذي ما أن رأته ورد حتى سألته بترقب: _ زعلان؟ أجابها بلامبالاه: _هزعل ليه؟ هو في حاجة حصلت تزعل؟ شعرت بوخزةٍ خفيفة في صدرها، فزمت شفتيها بضيق قبل أن تقول: _ تميم بلاش اسلوبك ده، أظن إن مينفعش بعد الفترة الطويلة اللي عشناها سوا تستخف بيا، اتفقنا. ابتسم وقال بهدوءٍ لا يخلو من مرارة: _ تمام يا ورد تقدري تعتبريني زعلان ومش زعلان، بس خليكِ واثقة إني مش زعلان منك أنتِ. غادر برفقتها متجهًا إلى غرفة الاجتماعات مجددًا، وبعد صمتٍ طويل كسرته ورد بقولها: _ على فكرة، أنا أتفاجئت بطريقته المتسفزة زيك، فمتزعلش بقى. ردّ تميم بلهجةٍ خافتةٍ كأنه يحدث نفسه: _ بقى مستفز، طب إزاي وهو من أول يوم شوفته فيه وهو مستفز ولا يطاق، بس هقول إيه النفس وما تريد. توقف تميم عن حديثه وولج إلى غرفة الاجتماعات ليمنع ورد من سؤاله عما يعنيه. وفي تلك الليلة، عاد كلٌّ منهما إلى بيته مثقلاً بالأفكار، فجلست ورد أمام المرآة ونزعت نظارتها وحدّقت في انعكاسها تقول: _هو أنا اتعلقت بيه بجد، ولا ده مجرد ارتياح لوجوده؟ أما تميم فجلس بمكتبه، ونظر إلى هاتفه كثيرًا، ثم أطفأ الشاشة وقال لنفسه بصوتٍ منخفض: _ أظن كفاية يا تميم لحد كده، أنا شايف إنه بلاش تمشي خطوة زيادة في الموضوع ده، علشان متبقاش النتيجة هي وجع قلبك أكتر من كده، وأظن إن أوان تفكر أنك تنسحب بهدوء زي ما دخلت بهدوء. ولم يدر تميم أن القدر قد رتب كل شيء، فمن بعد تلك الواقعة، بدأت المسافة تتسع ابتعادًا بين تميم وورد دون أن يدركا، حتى جاء يوم العطلة، إذ تفاجأ بدعوة والد ورد له بقضاء يوم العطلة برفقته، فوافق رُغمًا عنه. وها هي العطلة حلت سريعًا... وبمنزل عائلة ورد، لم تدر لِما أحست بدفء عم أرجاء المنزل بولوج تميم وبصحبته والده، وبعد ترحيبٍ قصير جلست برفقتهم في الردهة الفسيحة المطلة على الحديقة الصغيرة، وبات الحديث يتنقّل بخفة بين أخبار العمل والذكريات، بعدها بدأت تتابع أمور الضيافة وبعد انتهائهم من تناول طعام الغذاء، تحركت ورد بهدوء باتجاههم تحمل أقداح القهوة، تفوح منها رائحة البن الطازج التي ملأت المكان، ووضعت الفناجين أمامهم، ثم قدّمت واحدًا لتميم وهي تقول بابتسامةٍ خفيفة: _ فنجان القهوة ده ليك يا تميم، زي ما بتحب تشربها مظبوطة. في تلك اللحظة ظهر كريم من العدم، ومد يده والتقط الفنجان، قبل أن يصل إلى يد تميم وهو يقول بمرح مفتعل: _ ياه على الحظ، أخيرًا هشرب فنجان قهوة من إيدك يا ورد، شكلك كنتِ حاسة إني جاي علشان كده عملتِ الفنجان ده بحُب. غمز إليها بسخافة، فتجمّد المشهد لجزء من الثانية، جزء أشعل ارتباك ورد تمامًا، وجعلها تهز رأسها نفيًا لتلك الكلمات التي ألقاها كريم بفظاظة، وسارعت تعتذر: _ أنا آسفة جدًا يا تميم، ثواني أعملك فنجان غيره. أنهت قولها واتجهت نحو المطبخ بخطى ساخطة، تتظاهر بالانشغال حتى تُخفي اضطرابها وغضبها الكامن داخلها، بينما جلس كريم متكئًا على الأريكة، يتأمل فنجان القهوة بين يديه وكأنه يستعرضه، ثم اعتدل فجأة وقال وهو يبتسم بخبثٍ متعمد: _ والله يا جماعة، طول عمري أقول إن قهوة ورد دي ليها طعم مميز، دايمًا بتعرف إزاي تظبط المزاج. حاول محمود أن يخفف من سخافة الموقف وحمق كريم فأردف: _ ما أنت عارف يا كريم إن ورد طول عمرها بتحب تعمل القهوة. التفت محمود وخص صديقه بكلماته بعدما فشل في لفت انتباه كريم لفعلته، قائلًا: _ فاكر يا شاكر ورد وهي صغيرة، لما كانت تمنع والدتها الله يرحمها إنها تعمل لنا القهوة، وتصمم هي اللي تعملها. أومأ شاكر وهو يشير لتميم خلسة ليهدأ، بينما راقبه كريم بمكر فقال وهو ينظر لتميم نظرة جانبية: _ هو القهوة بس ياعمي، أومال بقى لو داقوا أكل ورد هيقولوا إيه؟ فاكر المحشي اللي عملته في رمضان؟ تخيل أنا لسه فاكر ريحته لحد دلوقتي، ولا طاجن البامية بالموزة، ياااه الواحد ريقه جري ونفسه يقوم يطلب منها تعمله أكلة كده من بتوع زمان. بدى غضب تميم جليًا على ملامحه رغم صمته، فعضلات فكة المتوترة والمشدودة تمامًا، أنذرت الجميع بقرب إنفجاره، خاصة حين مد يده إلى كوب الماء وتناوله، وهو يقول بهدوءٍ عاصف: _ باين إنك حافظ تفاصيل كتير عن ورد يا كريم. ضحك كريم بخفة وأجابه بتلاعب: _ طبيعي يا سيدي، ما البيت ده يعتبر بيتي التاني، وورد بنت عمي وياما قعدنا سوا واتكلمنا، يعني من الأخر كده تقدر تعتبرني أقرب حد ليها بعد عمي طبعًا. ظهرت ورد في تلك اللحظة وهي تحمل فنجانًا آخر، ووضعته أمام تميم بخجلٍ واضح، وجلست في مقعدها بالقرب منه دون أن ترفع نظرها نحوه وهي تقول بصوتٍ خافت: _ آسفة على اللي حصل، أنا مكنتش متخيلة إنه هيعمل كده، و... قاطعها تميم بلطفٍ جاد: _ ولا يهمك، مفيش حاجة حصلت علشان تعتذري منها يا ورد. قال كلماته بينما نظراته كانت أبعد عن اللطف بكثير، فخلف هدوئه اشتعلت غيرة حارقة لم يعرفها من قبل، فقد تعمد كريم بأن يذكره مع كل كلمة تفوه بها بأن ورد لن تكون له أبدًا، وأن وجوده في حياتها ليس إلا وجود مؤقت مرهون بإشارة منه. بينما لاحظ محمود ثِقَل الجو من حولهم، فحاول كسر الصمت بحديثٍ خفيف مع صديقه عن أيام العمل القديمة، بينما رحل عقل تميم بعيدًا عن المجلس، رحل إلى حيث جلست ورد، تُشيح ببصرها عنه كمن تهرب من نظراته، لتُسكن في قلبه غصةً مريرة، ولكن ولسوء حظه حين حانت منه نظرة جانبية إليها، لمح ابتسامتها المرتبكة وهي تحاول إخفاءها خلف فنجان قهوتها، فأسرع ونظر إلى وجه كريم ليرى كيف تعلق بصره بوجه ورد، فظنها ابتسامةً سرية متبادلة بينهما، فتبدّل سخطه إلى غضبٍ صامت، غضبٍ فتك بتماسكه، فنهض فجأة عينيه تتنقّلان بينهم بنظراتٍ مضطربة، ليقول في النهاية بصوتٍ متحشرج حاول أن يضبطه: _ عمي أنا... خفق قلب ورد بخوفٍ مباغت، وشعرت بقبضةٍ باردة تعتصر قلبها، حين وقعت عيناها على أصابع تميم اليسرى وهي تجذب الدبلة من إصبعه، فوقفت بدورها، تحدّق فيه بعيونٍ دامعة ترجوه بصمتٍ ألا يفعلها، لكن تميم لم يعي رجائها الصامت، فقد بلغ صراعه ذروته فنزع الدبلة ببطءٍ كمن يقتلع شيئًا من قلبه، وقال بتماسك واهي بينما داخله يشعر بالانكسار: _ أنا آسف، أنا مش هقدر أكمل، عن إذنكم. لم ينصرف تميم بل تلاشى من المكان كما يتلاشى الأمل الأخير، في اللحظة نفسها التي ظهرت سماح على عتبة المكان، فرأت المشهد الأخير بعينيها، فاندفعت نحو كريم ووقفت أمامه ، تصرخ في وجهه بغضبٍ مكتوم: _ ارتحت كده لما فرقت بينهم و... كادت تضيف المزيد، لكن ورد منعتها من إكمال حديثها، وقالت بثباتٍ بدا مناقضًا لانهيارها الداخلي: _ كريم مالوش دخل بحاجة يا سماح، ده نصيب وأنا مش زعلانة، عن إذنكم. ألقت كلماتها وأسرعت بخطاها المرتجفة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بإحكام. أما شاكر الذي أصابه الذهول بسبب تصرّف تميم، اكتفى بصمت مُوجع واستأذن وغادر بخطواتٍ ثقيلة، تاركًا وراءه بيتًا خيّم عليه الصمت كأنما فقد شيئًا لا يُعوّض. وبغرفتها أسندت ورد ظهرها إلى بابها، كأنها تستند إلى آخر ما تبقّى لها من قوة، قبل أن تنزلق ببطء إلى الأرض بأنفاسٍ متقطعة، وانهمرت دموعها بصمتٍ لا صوت له خشية أن يسمع أحد انكسارها، دقائق وأعتدلت وقوفًا والتقطت هاتفها بارتباك، وبدأت تبحث عن اسمه الذي عاندها هو الآخر وتاه بين الأرقام بأصابع مرتجفة، وبقلبٍ دق داخلها بعنفٍ موجع، ضغطت اسمه وانتظرت، فرنّ الهاتف طويلًا ثم انقطع، فأعادت الاتصال مرة واثنتين وثلاث، حتى جاءها الرد البارد القاطع: _ الرقم الذي تحاول الاتصال به مغلق الآن. تجمدت للحظة تحدّق في الشاشة بعينين مبللتين، لا تصدّق أن من كان بالأمس الأقرب من نبضها، قد أغلق الباب في وجهها دون كلمة، فاسندت الهاتف إلى صدرها وهمست بصوتٍ مبحوح: _ ليه تميم؟ ليه؟ غامت الرؤية أمامها وهي تستعيد كل لحظة مرت بينهما؛ نظراته التي كانت تُطمئنها، وصمته الذي كانت تفهمه دون كلام، وابتسامته التي كانت تشعرها بالأمان، والذي بات ذكرى موجعة، لا بل حلمٌ جميل أفاقت منه على خيبةٍ لا تُحتمل، فغطّت وجهها بكفيها وانفجرت في بكاءٍ حار، بكاءٍ اختلط فيه ندمها بالخذلان، وهي تهمس من بين شهقاتها: _ أنا اللي كنت غبية، أنا اللي كنت فاكرة إن وجوده دايم، وإنه مش هيخذلني ويمشي. بترت كلماتها حين سقطت الدبلة الصغيرة من بين أصابعها على الأرض، فتدحرجت حتى استقرت قرب الباب، تذكّرها بأن ما انتهى لن يعود، فنظرت إليها طويلًا، ثم أغمضت عينيها وقالت بصوتٍ واهنٍ: _ خلاص يا تميم، يمكن فعلاً أنت الصح وأنا اللي للمرة التانية أخترت غلط. انهت همسها المؤلم وساد الغرفة صمتٌ ثقيل، لا يُسمع فيه سوى أنينها المكتوم، وأنفاسها المتقطعة. بينما سارع تميم بعدما غادر بخطواتٍ متعثرة، هربًا من مشاعره التي تطارده وترجوه العودة والتراجع عما فعل، أسرع بأنفاسٍ تتلاحق وحرارة صدره تتسابق وخطاه، بعدما بات الغضب والخذلان يتصارعان داخله ليمزقاه، وركب سيارته وأغلق بابها بعنفٍ، وأسند رأسه إلى الخلف، محاولًا التقاط أنفاسه وهو يتأمل يده وإصبعه الخالي، وأثر الدبلة الذي تمنى لو يبقى إلى الأبد، ليتنهد في النهاية هامسًا بمرارة: _ أنت عملت الصح يا تميم، كان لازم تنسحب قبل ما الغلط ده يكبر أكتر من كده ويستفحل. سخر قلبه منه، فأدار وجهه إلى النافذة، ونظر إلى الشارع الممتد أمامه بلا وِجهة، لتهاجمه ملامحها وهي تقف أمامه بعينيها الممتلئتين رجاءً، فشدّ قبضته على المقود بقوة، وأغمض عينيه كي لا يرى تلك النظرة وأردف بحدة أشعلها الغضب: _ أنساها، ورد بتحب كريم، وهو ده اللي كانت عايزاه من الأول، فياريت متنساش إن أنا كنت مجرد وسيلة علشان توصل للي هي حباه. تفوه بتلك الكلمات بقوة، لكنها بدت قوة خاوية أمام قلبه الذي لم يصدقه، وانفجر ليرد عليه بحدة: _ بالذمة أنت مصدق نفسك، طب هي لو كانت فعلاً بتحبه كانت هتبصلك بالطريقة دي؟ كانت هترتعش لما شافتك بتخلع الدبلة ليه؟ ضرب المقود بيده بغضبٍ مكتوم، وأطلق تنهيدةً طويلة أختزل بها كل ما لم يستطيع قوله، وأمسك هاتفه في النهاية، مترددًا بين رغبته في الاطمئنان عليها والخوف من مواجهة نفسه، فتحه لكنه توقف تمامًا حين ظهرت رسالة جديدة على شاشته، وكان اسم ورد يسطع أمام عينيه كطعنةٍ ناعمة، فتردّد قبل أن يفتحها ولكنه حسم أمره وقرأ سؤالها بصوتٍ خافت مرتجف: _ ليه عملت كده يا تميم؟ ظلّ ينظر إلى رسالتها طويلًا، وعقله يقاتل قلبه في صمتٍ مرير، فقد أراد أن يرسل لها اعتذاره عن فعلته، ولكنه محى سريعًا حروف اعتذاره، وبدلها بجملةٍ باردة تحميه من نفسه، كتبها بإصرارٍ متصلّب يخفي خلفه وجعه: _ أظن إني نفذت اللي عليّا يا ورد، وادّيت دوري زي ما اتفقنا، وبالنسبة لانسحابي فالوقت ده، فأنا شايف إنه الأفضل لينا، خصوصًا إن الفترة الجاية هكون مشغول ما بين المكتب والسفر، وبعدين أحنا اتفقنا إنك متسمحيش لأي حاجة إنها تسرق فرحتك، ومبروك ليكِ يا ورد إنك وصلتي للي كنتِ بتسعي له، وفزتي بقلب كريم اللي بتحبيه، وعلشان أكون أتميت واجبي ناحيتك، فأتمنى تحافظي دايمًا على الخط الفاصل اللي كنت حريص عليه بينّا، خصوصًا إنك قريب هتبقي على ذمة راجل، وده يستحق الاحترام. توقف لحظة قبل أن يضغط على إرسال، ونظر إلى رسالته كمن يوقّع على نهاية لا يريدها، ثم أرسلها وأغلق الهاتف دون أن يسمح لنفسه بالتراجع. وفي الجهة الأخرى، جلست ورد تحدّق في الشاشة، تحدّق في حروفه الباردة التي اخترقت روحها أكثر مما كانت تتوقع، لكنها تلك المرة لم تبك، لا بل كفكفت دموعها العالقة وسكنت بصمت غريب، صمت جليدي احتل داخلها فتجمدت، وبعد مرور دقيقة همست بصوتٍ حازم: _ تمام يا تميم متقلقش رسالتك وصلت. وببرود لا حدود له ضغطت ورد بإصبعٍ ثابت على زر الحذف، وحذفت كلماته من هاتفها، لا لأنها نسيت بل لأنها أيقنت أن ما انكسر داخلها لن يُصلَح بعد الآن. وخارج الغرفة وقفت سماح، تستجمع شجاعتها بعد المشهد الذي رأته منذ دقائق، حين خلعت ورد دبلتها هي الآخرى، فشعرت سماح بقلبها يسقط أرضًا، لكنها لم تجرؤ على التدخل إلا بعدما غادر والد تميم، وها هي تطرق الباب برفق، ثم دخلت دون أن تنتظر إذنًا، لتجد ورد جالسة على الأرض، تستند بظهرها إلى الفراش، بينما استقر هاتفها فوق الأرض، فاقتربت منها بخطواتٍ حذرة، وجثت إلى جوارها قائلة بصوتٍ مرتعش: _ ورد طمنيني تميم قالك إيه؟ ظلت ورد على حالها مغمضة العين، وأجابتها بصوتٍ هادئ غريب: _ قال كل اللي كنت محتاجاه علشان أفوق. مدّت سماح يدها وتمسكت بيدها الأخرى، وسألتها بتردد: _ حبتيه يا ورد؟ تفاجأت سماح ببرود ورد الشديد، خاصة حين سحبت يدها ونظرت نحوها، وابتسمت بمرارة واضحة تقول: _ كنت فاكرة إني حبيته، زي ما كنت فاكرة إني بعرف أتعامل بالعقل، بس الظاهر إني لا بعرف أتعامل بالقلب ولا بالعقل. تنهدت ورد وأضافت بصوتٍ بالكاد يُسمع: _ عمومًا متقلقيش عليا يا سماح أنا تقبلت الموقف، لأ مش بس اتقبلته ده أنا عملت له كمان دليت من حياتي. بادلت ورد النظرات مع شقيقتها وأضافت بعدما أشاحت بوجهها بعيدًا: _ أنا مش عايزاكِ تشغلي نفسك بيا بعد النهاردة يا سماح، وعايزاكِ بس تعيشي حياتك وتهتمي بأولادك ومتخافيش عليا، متخافيش على ورد، علشان أنا أتغيرت الحمد لله وبقيت أقوى من الأول وأنضج. في تلك اللحظة فقط، أدركت سماح أن ورد لم تنهَر لأنها فقدت تميم، بل لأنها فقدت نفسها القديمة معه، فقدت الجزء الذي صدق إن للحب وجود.

📜 الفصل الخامس 📜

أنا بدايتك أنت... كعادته كلما وجدها تجلس في مكانها المفضل، ينضم إليها دون استئذان، بتلك اللحظة رفعت ورد عينيها لجزء من الثانية ورمقته بفتور وأعادته إلى روايتها، بينما تساءلت سرًا أين ذهبت تلك الخفقة التي ظنت أنها سبب سعادتها كلما رأت كريم؟ وأين ذهبت اللهفة وهي تبحث بعيناها عنه؟ وأين ذهبت تلك المشاعر التي فاضت عيناها بالدموع من أجلها ليلًا؟ تعجبت ورد، ولكنها سرعان ما ابتسمت حين تفهمت الحقيقة وكادت تهمس بها، إلا أن صوت كريم حال بينها حين أردف محمحمًا: _ ورد أنتِ لسه زعلانة مني بسبب الموقف اللي حصل مع تميم؟ زفرت بقوة وأغمضت عيناها، فهي لا تريد سماع أي حديث بما يخص تميم، فعادت وفتحت عيناهاونظرت إليه ونفت برأسها قائلة: _ لأ يا كريم أنا مش زعلانة، بالعكس أنا فرحانة إنك أظهرت خوفك عليا قصاده، علشان يعرف إن عندي أخ يوم ما يزعلني ولا يضايقني هيقف له. انتبهت ورد لكلماتها التي تحدث وكأن لتميم وجود بحياتها، فعادت وصححت بجمود: _ قصدي كنت هتقف له، بس خلاص كل ده معدش له أي معنى ولا لزوم، يعني لا اعتذارك ولا كلامي، فريح نفسك واعتبر إن محصلش حاجة. تلاشى الهدوء من وجه كريم، وحل غضبه حين استمع إلى كلمة أخ، فقطب حاجبيه وأردف بحنق: _ أخ؟ هو مين اللي أخ يا ورد، على فكرة أنا مش أخوكِ ولا هكون أخوكِ، أنا... قاطعته ورد بهدوءٍ مستفز: _ بلاش أخ لو هتضايقك، وخليها بصفتك اللي هي ابن عمي ولا تزعل نفسك. مسح كريم وجهه بحدة وجلس أمامها وأردف: _ ورد أنا كنت عايز أعترف لك بحاجة، وعايزك تسمعيني وو... تردد كريم لوهلة فعقدت ورد حاجبيها وأردفت بتساؤل: _ وإيه يا كريم، قول عايزني أسمعك فأيه؟ ازدرد كريم لعابه وبادلها النظرات التي اسكنها مشاعره نحوها، ولدهشة ورد من نفسها مجددًا تغاضت عن النظر إليه وهمت بالوقوف فمنعها كريم وأردف: _ ورد متهربيش مني لو سمحتِ، أنا ما صدقت إني أعرف أتكلم معاكِ، وبعدين أنا عارف كويس إنك فاهمة وعارفة أنا هقول إيه، ومتأكد إن مشاعري وصلت لك، بس اللي مش فاهمه ليه بتهربي مني ومن مشاعري؟ رغم إني متأكد إنك بتبادليني نفس المشاعر. بهتت ملامح ورد كليًا وودت لو لم توافق على وجوده معها، وهمت مرة أخرى بالوقوف، فمنعها كريم وأردف بهمس: _ أنا بحبك يا ورد. هزت ورد رأسها بالنفي وأردفت بتصحيح: _ لا يا كريم أنت مش بتحبي ولا عمرك حبتني، ولا أنا حبيت فيوم، ولو على اللي كان جوايا ليك، فده عمره ما كان حب، صدقني مكنش حب أبدًا يا كريم. تنهدت ورد وأضافت بجدية صادقة: _ أنا أكتشفت يا كريم إن كل المشاعر اللي كنت بكنها ليك، واللي كنت بحسها ناحيتك كانت مجرد تعود، تعود لوجود ابن عمي قصاد عيني. ابتسمت ورد لنفسها بمرارة، وهي تتذكر تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تراها كل صباح في المرآة، والتي سعت كثيرًا لجذب انتباهه، وسخرت من حالتها تلك، وأضافت وهي تلتقط بضع أنفاس بجمود: _ ابن عمي اللي كنت بشوفه كل يوم وكل ساعة، واللي كنت بشوفه بعين طفلة وقلب مراهقة اتعلقت بيه وهي مش فاهمة يعني إيه حب، ويعني إيه قلب بيدق علشان قلب تاني عايش بيه. لمعت عينا ورد وازداد نبض قلبها لإدراكها أخيرًا معنى الحب، فالحب هو تميم، أجل تميم فهو المعنى الحرفي بالنسبة لقلبها الذي نضج مع الأيام وتفهم الحب، تميم الذي تقبل شخصها كما هي دون تغيير، فهي أكتشفت على مدى الأيام والشهور المنصرفة، أن كل ما فعله لها تميم، كان يضعها على الطريق لتجد ما فقدته من ثقة بالنفس، تميم الذي هوى ضحكتها وملامحها التي لا يظهر منها إلا قدرٍ ضئيل من خلف نظارتها، أحبها بقصر قامتها وبكل عيوبها التي رددها الآخرين على سمعها طوال سنوات، أحبها كما هي قبيحة الملامح كانت أو جميلة، أنيقة أو مشعثة، أحبها وعلمها كيف تحب نفسها أولًا، حين وصل إدراك ورد إلى تلك النقطة تنهدت بارتياح وأردفت: _ دور على واحدة تانية غيري يا كريم وحبها، حبها الحب اللي يكملك ويسندك وقت ضعفك، ويطيب وجعك ويخفف عليك وحدتك، دور عليها وأنت مغمض عينك عن الملامح والشكل والمظاهر الخداعة، وخلي عندك يقين إن المظاهر دي ممكن فـ لحظة تزول، وميفضلش بينك وبين اللي هتشاركك حياتك، إلا المودة والرحمة والسكن. تابعها كريم بدهشة فمن تجلس أمامه لم تكن ورد أبدًا، بل إنسانة جديدة كليًا في كل شيء، إنسانة ولدت أمامه وحبت بين قدميه وتسلقت ساقه، ودعته للعب معها كثيرًا، لكنه عفى نفسه عنها دومًا وابتعد ورأها دون المستوى، لا بل رأها ظلًا يتلاشى كلما أنعكس بريق خادع أعمى بصيرته عنها، نعم أعماه كي تكون تلك الوردة النادرة محفوظة تمامًا لتميم. تنهد كريم وأومأ بتفهم ليدرك أن ورد الصغيرة، علمته درسًا في المشاعر التي ظن أنه يتربع على عرشها، فابتسم وأردف: _ أنتِ كبرتِ كده أمتى يا ورد؟ ابتسمت بحرج وقالت: _ أنا مكبرتش يا كريم، أنا نضجت عن الأول وفهمت، وبعدين موضوع التغيير ده مش غريب، علشان كلنا بنتغير ودي سُنة الحياة. للحظة عاد كريم كما أعتاد أن يكون وقال معلقًا على كلمتها الأخيرة: _ ممكن يكون معاكِ حق، بس عمومًا أنا شايف أني مش محتاج تغيير، وراضي عن نفسي كده. نظرت إليه بصمت فكريم سيظل كما هو، يتحدث بنفس طريقته القديمة، بينما أدرك كريم من نظراتها خطأ ما تفوه به فأعتذر قائلًا: _ معلش بقى اعذريني، أنا لسه متعودش على التغيير ده، عمومًا أنا حابب أعزمك على الغدا يوم الجمعة الجاية، صدقيني وجودك هيفرق يا ورد. هزت رأسها بالنفي وأردفت بجدية: _ مش عارفة إن كنت هقدر أحضر ولا لأ، علشان عندي شغل، في مخطط بحاول أرسمه علشان أقدمه لبابا، فخليها بظروفها من غير زعل ماشي. تاملها كريم للحظات ورأى أن المسافة بينه وبين ورد لم تعد تقاس بالخطوات، بل بالوقت الذي لم يشهدها خلاله وهي تنضج وتتفتح. أما ورد فنظرت إليه وهي تشعر بخفة غريبة في قلبها، كأنها تخلّت عن حلمٍ ثقيل كان يكبلها، لتنتبه لوقوف كريم وقوله: _ عمومًا أنا همشي ومش هطوّل عليكِ، بس حطي فاعتبارك أني بتمنى نرجع زي زمان. ابتسمت ورد بهدوء وأجابته بثقة بعدما أدركت تحقق أمنية شقيقتها: _ إحنا عمر ما كان بينا حاجة علشان نرجعها دلوقتي زي زمان يا كريم. غادرها كريم وهو يشعر بخسارته لشيئٍ ثمين، في حين ظلت ورد تنظر إلى أثر وجوده بعد مغادرته للحظة، وأشاحت بوجهها ومدت يدها وسحبت هاتفها، ونظرت إليه لثوانٍ قبل أن تفتح أحد التطبيقات، وكتبت بثقة: _ أحيانًا لما بنتغيّر مش اللي حوالينا اللي بيبعدوا، لأ إحنا اللي بنشوفهم على حقيقتهم، فـ بنرجعهم لمكانهم الأصلي. دونتها وأغلقت الهاتف وتنفست بعمق، وابتسمت بامتنان وهي تفكر بتميم، فحتى وإن بات وجوده غياب سيظل له الفضل لِما أصبحت عليه الآن. ... مرّ عام لم تدرِ ورد كيف انقضى، مرّ بكل حلوه ومرّه، بكل لحظات ضعفها وبكائها، وبأصداء ضحكاتها التي ملأت أرجاء بيتها، مرّ بعزلتها التي ظنّها الجميع عودةً لما كانت عليه، ومر حين فاجأتهم بأن تغيّرها لم يكن زائفًا، فقد كانت ورد أكثر هدوءًا، لتعلمها أن الفقد لا يُميت بل يُنضج، وأن الخسارات تُعيد ترتيب القلب ليعرف من يستحق البقاء فيه، كما لم تعد تبحث عن إجاباتٍ للأسئلة القديمة، ولا تنتظر اعتذارًا لن يأتي. وفي كل صباحٍ كانت تفتح نافذتها، ترتشف قهوتها بصمتٍ، وتبتسم لنفسها أمام انعكاسها على الزجاج، تبتسم لتلك الفتاة التي وقفت من جديد رغم ما كسرها، بعدما أدركت أخيرًا أن القوة ليست في عدم الانكسار، بل في القدرة على النهوض كل مرةٍ بعده. ومن مكانه تابعها تميم، فهو لم يغفل عنها للحظة، ولم يغمض عينه عنها يومًا، وأعجبه ما بدت عليه رغم خوفه الدائم عليها، رآها تبتسم بإحدى الصور التي نشرتها على أحد التطبيقات دون تكلّف، وتتحدث بثقة بأحد الفيديوهات، وتضحك كما لم تفعل من قبل، فشعر بوخزةٍ خفية في صدره، وبمزيجٍ من الفخر والحنين والوجع، ازداد حين رأها تغادر تلك المكتبة التي اعتادت زيارتها منذ سنوات، تحمل في يدها كيسًا ورقيًا أدرك أنها حتما وضعت داخله رواية جديدة، رأها وهي تخطو بخطواتٍ هادئة فوق الرصيف المبتل بندى المساء، ولكنه توقف لوهلة حين رأى ما ترتديه، فورد عادت إلى ما كانت ترتديه قديمًا بثوبها الفضفاض، ونظارتها المستديرة التي اعتادت ارتدائها رغم زيفها، ليدرك أن ورد ستبقى هي نفسها، ورد التي أحبها ويحفظها عن ظهر قلب. ودون أن يعي حسم قلبه وعقله القرار دون الرجوع إليه، فوجد نفسه يخطو بتمهل نحوها، حتى أصبح على بعد خطواتٍ منها، ليتفاجئ بنفسه يقول: _ لسه بردوا مصمّمة تلبسي النضارة دي؟ توقفت ورد عن سيرها فجأة، والتفتت إليه واتسعت عيناها بدهشةٍ لم تستطع إخفاءها، لثوانٍ شعرت وكأن صوت قلبها سبق صوتها، قبل أن تهمس بابتسامة صغيرة: _ تميم...! أومأ بابتسامةٍ هادئة وأردف: _ واضح إنك لسه بتحبي كل حاجة زي ما هي. ضحكت بخفوت وقالت: _ يمكن علشان الحاجات دي هي اللي بتفكرني أنا مين. _ وهو أنتِ محتاجة لحاجة تفكرك أنتِ مين يا ورد؟ سألها وهو ينظر إليها نظرة طويلة، ثم أضاف: _ أنا شايف إنك عرفتي نفسك أكتر من زمان، والأهم إنك اتقبلتِ نفسك بكل ثقة. خفضت نظرها نحو ما تحمله بين يديها وقالت: _ أكيد أتقبلت نفسي والحمد لله. تنهد تميم بروية وأشار إلى ما تحمله وقال بابتسامة جانبية: _ دي رواية جديدة؟ هزت رأسها بالتأكيد وأردفت: _ أيوه، ما أنت عارف الحاجة الوحيدة اللي متغيرتش فحياتي هي حبي للرويات والقراءة. أومأ تميم ووقف لدقيقة يحدق بها بصمت، قبل أن يُفاجأها بسؤاله: _ إلا قوليلي يا ورد لو نهاية الرواية معجبتكيش بتعملي إيه؟ رفعت نظرها إليه وقد تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيها، وفي عينيها تلك اللمعة القديمة التي لم تغب رغم كل شيء، وأجابته بثقة: _ بغيرها يا تميم وبعيشها زي ما أنا حابة إنها تتعاش. ابتسم تميم وهو ينظر إليها مطولًا، يحاول أن يؤكد لنفسه أن لقائه بها حقيقي وعقب على قولها بمحبة: _ لسه زي ما أنتِ يا ورد. أجابته بابتسامة دافئة: _ طبعًا لسه زي ما أنا، أومال عايزني أكون حد تاني ولا إيه؟ هز رأسه بالنفي وأردف: _ لا أوعي يا ورد، أرجوكِ خليكِ زي ما أنتِ ورد العفوية فكلامها وتصرفاتها، ورد اللي حتى بعد ما عملت ليزك، مش هاين عليها تقلع النضارة علشان بتحس بالحنين ليها، ورد اللي لما تاكل شيكولاته كتير بتحتفظ بالغلاف وتكتب تاريخ اليوم اللي اشترتها فيها، ورد اللي بكل رقة وبرائة بتلعب فشعرها وتبرمه وتحطه ورا ودنها لثانية قبل ما تسحبه وتلعب فيه من تاني، ورد اللي ابتسامتها أحلى من ابتسامة الموناليزا، ورد اللي... التقط تميم بضع أنفاس وعينه لا تغرب عن النظر إليها وأضاف: _ ورد اللي وجودها لوحده كفيل إنه يغيّر أي مكان تبقى فيه، حتى من غير ما تتكلم. صمت قليلًا بعد كلماته، بعدما تفاجأ من نفسه لسرده تلك التفاصيل، التي تدفقت بداخله من مخزن ذاكرته إلى لسانه، في حين نظرت إليه ورد وقد ارتبكت كليًا، بينما خفق قلبها على نحوٍ لم تختبره منذ زمن، ثم قالت بخفوتٍ متردّد: _ لسه فاكر ورد يا تميم؟ ابتسم ابتسامة خفيفة، أخبرتها ما لم يستطيع قوله، فأشاحت ببصرها سريعًا وهي تخفي ارتباكها، فتنهد تميم وقال بصدق معبرًا عما بداخله: _ ومين يقدر ينساكِ يا ورد؟ سرت بينهما لحظة صمتٍ ثقيلة كأنها اعتراف غير معلن، قبل أن تردّ ورد بهدوءٍ متزن يخفي خلفه اضطرابًا دفينًا: _ بس أنا نسيت يا تميم، نسيت علشان أعرف أعيش. لم يُجِب، فقط اكتفى بنظرةٍ طويلة إليها، نظرة حملت امتنانًا ووجعًا في آنٍ واحد، ثم قال بصوتٍ خافت: _ سامحيني يا ورد على هروبي وانسحابي و... توقف تميم حين أحس بأنها ليست الكلمات التي ود قولها، بينما أومأت ورد بابتسامةٍ هادئة، ورفعت يدها تعدّل نظارتها كعادتها، وقالت وهي تهمّ بالابتعاد: _ أنا أسفة يا تميم لازم أمشي علشان أتأخرت. راقبها وهي تبتعد بخطواتٍ ثابتة، حتى غابت وسط الزحام، وظل واقفًا في مكانه يحدّق في الطريق الفارغ أمامه، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة وهمس لنفسه: _ الظاهر إني مكنش المفروض استنى سنة بحالها قبل ما أظهر تاني يا ورد، واضح إني حسبتها غلط. عادت إلى منزله تحمل خليط من مشاعر الحب والسعادة، فظهوره اليوم عنى لها الكثير، بل وجعلها تشعر بتغيّر شيء خفي في داخلها، فلم تعُد ورد كما كانت، فصار اليوم يحمل معنى جديدًا، وصارت ملامح الأيام الماضية أخف وطأة، فبدت وكأنها استعادت جزءًا من ذاتها المفقودة، بتلك اللحظة التي التقت فيها عينا تميم بعينيها. أما تميم، فكان يحاول أن يبدو مشغولًا، بينما في أعماقه اشتعلت رغبة حقيقية في البدء من جديد، لم يدر متى أو كيف، لكنه أيقن أن انتظاره هذه المرة لن يطول. وكأن القدر استجاب لدعوته الخفية، ففي مساء اليوم التالي أبلغه والده إن صديقه محمود، قرر إقامة حفل بمناسبة نجاح آخر صفقة له، حفل لم يكن في نظر تميم مجرّد دعوة عمل، بل بوابة جديدة ستفتح لتعيد إليه ما فقده ذات يوم. وحل المساء المنتظر... كانت القاعة غارقة في أضواءٍ ناعمة وموسيقى خافتة تُلامس القلوب أكثر مما تُطربها، فجأة توقفت الموسيقى للحظة، وعلت أصوات التصفيق حين صعد والد ورد إلى المسرح يشكر الحضور، ويعلن امتنانه لكل من شاركه نجاح الصفقة الأخيرة، ثم التفت نحو ابنته بابتسامة فخر وطلب منها الصعود بجانبه، في الوقت نفسه الذي وقف تميم يراقبها من بين الحضور، كأن اللحظة خُلقت لهما وحدهما، فجأة وقعت عيناها عليه، فتوقّف كل شيء حولها للحظة، كأن الزمن نفسه توقّف ليتركهما يواجها كل ما تهرّبا منه طويلًا. اقترب منها بخطواتٍ مترددة، يخفق قلبه كما لو كانت المرة الأولى التي يراها فيها، حتى صارت المسافة بينهما كافية لأن تسمع دقات قلبه، ووقف أمامها وقال بصوتٍ خافت: _ ورد... جاء ندائه بهمس يحمل مشاعر غائبٍ عاد إلى وطنه أخيرًا، فرفعت ورد وجهها ونظرت إليه، بينما وقف تميم يلتقط أنفاسه يهيء نفسه لاعترافٍ طال تأجيله، وقال بصوتٍ مرتجف اختلط فيه خجله بالشوق: _ يمكن أكون آخر شخص تتوقعي تشوفيه النهارده، بس كان لازم أجي. نظرت إليه بصمت، فتابع بتوضيح: _ كان لازم أجي علشان أعتذرلك وأطلب منك تسامحيني على انسحابي، وعلى السنة اللي سبتك فيها لوحدك. نظرت إليه للحظة، تشعر بالتيه بين الدهشة والحنين، لذا فضلت الحفاظ على حالة الصمت التي تلبستها، ووقفت تتابع النظر إليه، فزفر تميم وتنفّس بعمق وقال بعدما خفق قلبه يحثه على استكمال حديثه: _ أنا عارف إن اللي عملته كان غباء، انسحابي من حياتك بالطريقة السخيفة اللي عملتها، والسنة اللي سبتك فيها من غير ما أوضح لك أي حاجة، بس والله يا ورد ما كنت بهرب، كنت بس خايف أكون سبب ضغط عليكِ، كنت عايزك تشوفي نفسك من غير ما وجودي يأثر على قرارك. هزت رأسها بالنفي وقالت بصوتٍ بحزن: _ بس اللي حصل يا تميم ما كانش انسحاب ده كان رفض، لكن اللي وجعني وكسرني، هي رسالتك ليا، وتلميحك ليا إني أحترم نفسي ومحاولش أتواصل معاك. توقفت قليلًا، وصوتها بدأ يرتعش مع كل كلمة: _ أنا قعدت شهور مش فاهمة أنا غلطت في إيه، كل يوم كنت براجع كل تصرف عملته، وكل كلمة، وكل لحظة مرت بينا، علشان أفهم أنا ممكن أكون عملت إيه يخليك تكتب لي كلامك ده وتسيبني بالطريقة دي. خفض تميم نظره بخزي وندم، فهو يعلم أن لها كل الحق لتخرجه من حياتها، لكنه علل فعلته لشدة حبه وغيرته عليها، وأن ليس على العاشق حرج، فقال بخفوتٍ يقترب إلى الهمس: _ أنا اتعاقبت يا ورد أكتر ما تتخيلي، ويمكن أكتر واحد ظلم نفسه لما بعد عنك، كنت فاكر إن البُعد هو اللي هيريّحك، بس اكتشفت إنه كان عقاب ليا أكتر من أي حد، السنة اللي فاتت دي كانت أصعب سنين عمري، أنا كنت بصحى كل يوم أسأل نفسي: يا ترى عاملة إيه دلوقتي؟ لسه زعلانة؟ لسه بتقرأ ولا بطّلت؟ اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بمرارة خفيفة، بينما تابع هو: _ أنا ماسبتكش ولو للحظة كنت بتابعك، وكنت بروح المكتبة وأجيب الروايات اللي بتحبيها، وأطلب منهم يعرضوها مخصوص، علشان لما تدخلي ما تحسيش بحاجة ناقصة، كنت بحاول أكون حواليكِ من غير ما تعرفي، علشان متحسيش إني بعدت عنك. رفع عينيه نحوها وأضاف بنبرةٍ مخنوقة: _ كنت بتابعك بس مكنتش قادر أقرب، وده كان أصعب من البُعد نفسه. تسمرت نظراتها عليه، وارتجفت أنفاسها حين سمعت صدقه، فقررت تحريره من ندمه، بينما لزم تميم الصمت ليمنحها الوقت الكافي لتتنفس من بين دموعها التي لمعت بعيناها، وزفر بقوة وهو يخرج من جيبه خاتمًا صغيرًا وقال: _ أنا جاي النهارده علشان أعتذر، وعلشان أطلب منك فرصة نبدأ فيها من جديد، من غير خوف ولا وجع. ظلت ورد صامتة لثوانٍ، تحدّق فيه وفي الخاتم، قبل أن تقول بنبرةٍ هادئةٍ: _ أنا عارفة إنك كنت متابعني يا تميم، صحيح مش من الأول بس عرفت بعد كده إنك مريت بنفس اللي مريت بيه وحبست نفسك وبعدت عن الناس، وبعدين فوقت لحالك لما عرفت إني رفضت كريم، وقررت بعدها إنك تلازمني زي ضلي، كل ده عرفته من عمو شاكر، اللي صعب عليه يشوفني مكسورة بسببك، ولولا كلامه مكنتش عرفت أخرج من العزلة اللي دخلتها بسببك. تنفست بعمق وأضافت: _ وهو بردوا اللي خلاني أفهمك صح، وإنك بعدت علشان تديني حرية الاختيار مش علشان رافضني، بس ده ميمنعش إني بردوا زعلانة منك وواخدة موقف، علشان كنت محتاجة أعرف كل ده منك أنت مش من غيرك. رفع تميم نظره نحو والده، وأردف بصوتٍ متهدّج: _ أنا مش عارف أرد لك جميلك معايا إزاي، حقيقي أنا اللي فخور إن ليا أب زيك، أب كان عنده حق لما قال لي إن ربنا زرقني بكنز اسمه ورد. أردف تميم بكلماته لوالده وعاد ينظر إلى ورد، واقترب منها خطوة وقال: _ ورد أنا بحبك من أول مرة شُفتك فيها، ويمكن من قبل ما أشوفك أصلاً، بحبك من أول ما سمعت اسمك على لسان والدي، وكنت عارف إنك مختلفة، وإنك هتكوني الجوهرة اللي هداني ليها ربنا. لم تعقب ورد على كلماته في البداية، واكتفت بابتسامة صغيرة ابتسامة لمعت بامتنانها الصريح لوجوده بحياتها، لتجيبه في النهاية بصوتٍ دافئ حمل نضج التجربة: _ عارف يا تميم أنا لو ما كنتش اتغيرت، وفضلت عايشة تحت رحمة التنمر والخوف، كنت فعلًا هخسر حاجات كتير، كنت هخسر حياتي ونفسي وثقتي بنفسي، وكل حاجة حلوة ممكن أحققها. ازدادت ابتسامة ورد ثقة وهي تسترسل بما أدركته برحلتها للتغيير: _ كنت هخسر لما فكرت إن كلام الناس مهم، لكن الحقيقة إن كلام الناس مالوش أي أهمية، طالما ماشيين على تعاليم دينا وواثقين فنفسنا. ابتسم تميم وهو ينظر إليها بإعجابٍ وطمأنينة، وقال بخفوتٍ صادق: _ عارفة يا ورد أنتِ عاملة زي إيه، زي العنقاء قامت من وسط رماد الورد بكل عنفوان وبدأت حياتها. نظرت إليه ورد بعينين يملؤهما الدفء ورددت بانبهار: _ أنا عنقاء يا تميم. أومأ وهو يقترب منها خطوة، وأردف بصوتٍ خنقته العاطفة وهو يمد لها يده: _ بحبك والمرة دي مش ناوي أسيبك تغيبي عن عيني ولو للحظة. ترددت لحظة، ثم ابتسمت، ووضعت يدها في يده، فوضع خاتمه بإصبعها ورفع راحة يدها إلى شفتيه، وطبع قبلة كانت كلمسة فراشة بباطن يدها. فجأة تسلل صوت تصفيقٍ خافتٍ في الخلفية وضوءٍ الألعاب النارية يتلألأ فوقهما، فشعرت ورد بأن العالم أخيرًا ابتسم لها، ليس لأنها تغيّرت لتُرضي أحدًا، بل لأنها صارت هي كما أراد الله لها أن تكون، وأغلقت عينيها للحظة وفتحتها على بدايةٍ جديدة، بداية تشبه الحلم، لكنها هذه المرة، حقيقة. أما كريم، فظل واقفًا بعيدًا يراقب المشهد، وفي داخله شيء تغيّر، بعدما أدرك أن الجمال ليس المظهر الجذاب المنمق، ولا ما يخطف العين من بريقٍ زائف، إنما الجمال يكمن في الروح التي بإمكانها احتواء القلب حين ييبتعد الجميع عنك، تنهد وابتسم لنفسه وهم بالمغادرة، بعدما قرر بدأ رحلته للبحث عمن تستحق أن تشاركه الحياة. تمت...

تعليقات

المشاركات الشائعة