غريب في جسدي
📜 إهداء 📜
إلى من سبقني إلى هذا الجسد، وسكنه كما أسكنه الآن، وترك لي فيه ما يشبه أثر الحلم بعد انقضائه. إلى من سيأتي بعدي، حاملاً الذاكرة نفسها بثوبٍ جديد، يخطئ في نطق اسمي، ويظن أنه مختلف. إلى الذاكرة التي عاشت أكثر مما عشنا، وإلى الغياب الذي يشبهني أكثر من أي وجهٍ رأيته في المرآة. إلى أول فكرةٍ ظنّت نفسها حرّة، فوجدت القيود في مكانٍ آخر من الرأس. وإلى آخر شعورٍ لم أعرف إن كان حقيقيًا، أم مجرد صدى لِما تمنّيت أن أعيشه. إلى الوعي الذي لا يولد في الرأس، بل في الظل. وإلى الظلّ الذي لم أعد أفرّق بينه وبيني. وربما… لم أكن يومًا وحدي هنا
📜 المقدمة 📜
من نحن حقًا؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه كلّما طُرح، ارتدّ كالسهم في صدر صاحبه. هل نحن وجوهنا في المرآة؟ أم ذلك الصوت الخافت في الداخل الذي لا يسمعه سوانا؟ هل "أنا" هي هذه الأصابع التي ترتجف حين أخاف، أم هذا الحزن الذي يتسلل إليّ بلا موعد؟ أأكون ما أختار، أم ما يُفرض عليّ؟ ما أشعر به، أم ما أهرب منه؟ لا أدري حقًا. الذات التي نتحدث عنها بثقة… ربما لا تكون أكثر من صدى لذكرياتٍ وُلدت قبلنا، لأصواتٍ لم نخلقها، ولأفكارٍ زرعها فينا العالم ونحن نيام. ربما لسنا سوى تراكماتٍ لم نخترها. لغة لم نبتكرها، عائلة لم ننتقها، تجارب هبطت علينا كمطرٍ موسميّ، ولم يكن لنا خيارٌ سوى أن نبتلّ. فمن ذا الذي يجرؤ بعد كل ذلك على القول إنه يعرف نفسه؟ الجسد يشيب، يُباع، يُخدع، يُؤجَّر. العقل يشيح بوجهه كلما اختنق بالذاكرة. لكن ماذا يبقى؟ هل "نحن" هو العقل؟ أم الوعي؟ وماذا لو استُبدل هذا العقل يومًا بآخر جديد؟ عقلٌ يحمل ذكرياتٍ ليست لنا، ورغباتٍ لم نعرفها من قبل. هل سنظلّ "نحن"؟ هل تظلّ "أنت"؟ وإذا تبدّل العقل، فمَن الذي يرث الهوية؟ أهو الجسد الذي بَقِيَ، أم الذكريات التي سُرقت منه؟ وماذا لو استيقظت يومًا تحمل عقلًا جديدًا، تتذكّر حبًّا لم تعشه، وخيانةً لم ترتكبها، وتشعر بندمٍ لا تعرف سببه؟ هل تكون ما زلت نفسك، أم صرت غريبًا في جسدك؟ هل تموت الذات مع أوّل كذبةٍ تُزرع في الذاكرة؟ أم أنها تذوب في مزيجٍ من أوهامٍ وحقائق، لا يفصل بينها إلا درجة الإيمان؟ نحن نظنّ أننا نختار… لكن من الذي يختار فعلًا؟ أفكارنا التي نظنّها حرّة، قد تكون أوامر قديمة تتخفّى داخلنا. نتّبعها لأننا سمعناها مرارًا، فصرنا نعتقد أنها صوتنا. وما الواقع أصلًا؟ أهو ما نلمسه، أم ما لا نستطيع إنكاره؟ وربما — فقط ربما — ما نراه حقيقيًّا ليس سوى انعكاسٍ في عقلٍ آخر. قد نحيا الآن داخل حلمٍ لم نبدأه نحن، أو أسوأ من ذلك… داخل جسدٍ مستعار. كل شيءٍ فينا قابلٌ للاستبدال… إلا الخوف. هو الشيء الوحيد الذي لا يُورَّث، ولا يُفسَّر، ولا يُعاش بالنيابة. الخوف يولد منّا، ويعرّينا أكثر من أي مرآة. حين يشتدّ، تنكشف حقيقتنا، ويصير الوعي نفسه جرحًا مفتوحًا. الوعي ليس نورًا كما نحبّ أن نصدّق، بل شقٌّ في جدار العتمة يتسرّب منه كل ما نحاول إخفاءه. الأفكار ليست دائمًا أبناءنا، بل أحيانًا طفيليات تنمو داخل رؤوسنا دون إذن. وما بيننا وبين أنفسنا ليس صلحًا دائمًا، بل هدنةٌ مؤقتة، نخاف أن تنتهي لأننا نعرف ما ينتظرنا بعدها. وربما… هناك شيءٌ آخر يسكننا بصمت، شيءٌ لم نخلقه، لكنه استيقظ معنا. مرحبًا بك في الحكاية، حيث لا شيء يشبه ما تعتقده. لا ماضٍ، لا ذات، ولا يقين. هنا… تبدأ اللعبة.
📜 الفصل الأول 📜
كان الليل يتسلّل ببطء، كمن يخاف أن يوقظ أحدًا. يزحف على الجدران المليئة بالشروخ، ويغلف الهواء برائحة الرطوبة والغبار. كل شيء في الشقة بدا كأنه ينتظر شيئًا لن يأتي. جلس مروان سامي على حافة السرير، عاري القدمين، محدّقًا في الحائط المقابل. كان الحائط قد تشقّق مثل وجهٍ أنهكه العمر، ومع ذلك ظلّ صامتًا، يحتفظ بأسراره جيدًا. ثمانية وعشرون عامًا فقط، ومع هذا يشعر أنه عاش أكثر مما يجب. الشقة ضيقة، والحي رماديّ لا يعرف النهار من الليل. وظيفته في المكتب أشبه بحبسٍ يوميّ، يلتهم أعصابه بصمت. حتى الأحلام، تلك التي كانت تسنده، صارت هشّة مثل ورق مبتلّ. مدّ يده إلى علبة الدواء على الطاولة الصغيرة. قلبها بين أصابعه دون سبب واضح. نسي أن يأخذ جرعته منذ يومين... أو ربما لم ينسَ. ربما تركها عمدًا، كنوعٍ من العقاب الهادئ. فتح الغطاء ونظر إلى الحبوب البيضاء الصغيرة. كم تشبه النجوم حين يراها في السماء، بعيدة... لا تُطال. كم مرة فكّر أن يبتلعها دفعة واحدة؟ أكثر مما يتذكّر. وفي كل مرة كان يصل إلى الحافة، ثم يتراجع. ليس لأنه يريد الحياة، بل لأنه لا يجرؤ على الموت. قال في نفسه بصوتٍ بالكاد يُسمع: - "جبان..." الكلمة خرجت منه كأنها تنهيدة ثقيلة أكثر من كونها شتيمة. أغلق العلبة، وضعها جانبًا، ثم نظر إلى معصمه الأيسر. الندبة القديمة ما زالت هناك، خط باهت لا يزول. تذكار من محاولة فاشلة، تذكّره بما وعد الطبيب يومها: - "لن تكررها، أليس كذلك؟" أومأ وقتها، لكنه الآن لا يعرف إن كان وعد نفسه بشيءٍ فعلاً، أم مجرد نفاقٍ جديد. الفكرة لا تموت، فقط تنام قليلًا، وتعود حين تضعف. مدّ يده إلى الدرج، أخرجه ببطء. كانت شفرة الحلاقة تلمع تحت الضوء الباهت، ببرودٍ لامبالٍ. حملها بين أصابعه، شعر بارتجافٍ طفيف في قلبه. الغريب أنه لم يكن خوفًا، بل إحساسًا غريبًا بالحياة، كأن هذه اللحظة وحدها أعادت إليه نبضًا كان ميتًا. هل تكون هذه النهاية؟ هل ينطفئ كل شيء الليلة؟ لكنه سمع فجأة صوت الجرس يصرخ، قاطعًا صمته الحميميّ. تجمّد في مكانه لحظة، ثم وضع الشفرة على الطاولة بسرعة. من يطرق الباب في هذا الوقت؟ تقدّم بخطوات مترددة، فتح الباب، فوجد نديم يقف هناك، بابتسامته المعتادة وعلبة بيتزا تحت ذراعه. قال نديم وهو يدخل كأنه صاحب المكان: - " مرحبًا أيها البائس! لماذا لا ترد على هاتفك؟" - "كنت... مشغولًا قليلًا." - " مشغول؟ في ماذا؟" لم يجب. لم يسأله نديمأكثر. كان يعرف متى لا يجب أن يسأل. فتح العلبة ووضعها على الطاولة الصغيرة قرب السرير. - " عشاء الأبطال!" جلسا متقابلين. تناول مروان قطعة بيتزا دون شهية، بينما راح نديميتحدث بحماس عن تحقيقٍ صحفي جديد، وعن مديره الذي يكرهه، وعن فتاةٍ التقاها مصادفة في المقهى. كان مروان يستمع… أو هكذا بدا. في الحقيقة كان ينظر إلى فم نديميتحرك، دون أن يسمع شيئًا. الكلمات تمرّ بجانبه كهواء بارد. لاحظ نديمشروده فتوقف وقال: - " أنت لا تستمع إلي، أليس كذلك؟" رفع مروان عينيه إليه وقال ببطء: - " آسف… لا أدري. أشعر أنني… عالق." - " عالق؟ في ماذا؟" - " في كل شيء. في هذه الشقة، في نفسي، في أيامي التي تتشابه كأنها نسخة واحدة. كأنني أعيش تحت الماء. أتنفس بصعوبة، ولا أستطيع الصعود." بقي نديمصامتًا لحظة، ثم قال بهدوء وهو يضع يده على كتفه: - " مروان، ما تحتاجه ليس دواءً. أنت تحتاج أن تغيّر شيئًا فعلاً." ابتسم مروان بسخرية خفيفة: - " تغيير؟ جربت كل الطرق الممكنة." - " ربما لم تجرب الطريقة الأهم." - " وما هي؟" - " أن تصدّق أن فيك ضوءًا." ضحك مروان بخفوتٍ كمن يسمع نكتة حزينة: - " الضوء؟ داخلي؟ لا أرى غير العتمة يا كريم." - " لأنك تنظر في الاتجاه الخطأ." سكت الاثنان. سمعا صوت المطر الخفيف على النافذة. قال نديمبعد لحظة: - " لا أعرف ما هو الحل، لكنك تحتاج أن تفتح بابًا جديدًا... أي باب، حتى لو لم تعرف إلى أين يؤدي." لم يعلّق مروان، فقط أومأ برأسه، كمن يسجّل جملة لا يعرف معناها بعد. حين رحل نديمبعد ساعة، بقي أثر كلماته يتردّد في ذهنه: - "باب جديد... حتى لو كان نحو المجهول." جلس على الكرسي وحده، الغرفة نصف مظلمة، والهواء رطب، والشفرة ما زالت على الطاولة تلمع كأنها تراقبه. قال بصوتٍ خافتٍ كمن يكتشفها للمرة الأولى: - " بداية جديدة... ربما." أغلق عينيه، واستمع إلى المطر يطرق الزجاج، كأنه يهمس له: ما زال هناك وقت. *** استيقظ مروان على رنين المنبّه. صوتٌ قاسٍ كأنه صفعة يومية تُجبره على أن يتذكّر أنه ما زال هنا. ضغط الزر ببطء، ثم بقي ممددًا، يحدّق في السقف. هل ينهض؟ أم يترك اليوم يمرّ وحده؟ رأسه ثقيل، كأن الليل ما زال معلقًا داخله. ربما من البيرة التي شربها مع كريم، وربما من تلك الأفكار التي ظلت تدور بلا توقف حتى الفجر. الساعة تشير إلى السابعة. أمامه ساعة ونصف ليصل إلى عمله، إلى المكتب الرمادي الذي يحفظ أسماء الجميع وينسى وجوههم. قام متثاقلًا. الماء البارد صفع جسده حين فتح الصنبور، فارتجف. للحظة، لم يعرف إن كان هذا جسده أم جلد شخصٍ آخر يسكنه. ارتدى قميصًا باهتًا وبنطالًا رماديًا. الألوان امتداد لمزاجه كما لو كانت تعرفه أكثر مما يعرف نفسه. أعدّ قهوته على عجل. لم يكن جائعًا — الحياة نفسها فقدت طعمها منذ زمن. خرج إلى الشارع، والهواء الخريفي يلسع وجهه كتنبيهٍ متأخر. السماء رمادية بلا وعد. في طريقه إلى المترو، كان يسمع أصوات المارة، خطواتهم المتعبة، بائعًا ينادي بصوتٍ أجشّ: - "جرائد الصبح!" كل شيء يبدو مألوفًا أكثر مما ينبغي. داخل العربة، الزحام يبتلعه. تمسك بعمودٍ معدنيٍّ وراح يراقب وجوه الناس. كلهم يحملون التعب نفسه، لكنّ أحدًا لا يعترف. أصوات متداخلة، موسيقى رخيصة من سماعةٍ قريبة، رائحة عرق، طفل يبكي في الطرف الآخر. أغمض عينيه محاولًا الهروب من الضجيج، لكن الضجيج الذي في رأسه كان أعلى. ثم سمع الصوت. غريب، واضح، مختلف عن كل الأصوات: - "هل سئمت من حياتك؟ هل تشعر أنك عالق؟ هل تحلم ببداية جديدة؟ شركة عقل جديد تمنحك الفرصة لتبدأ من الصفر — استبدل عقلك، وابدأ حياتك من جديد!" فتح عينيه فورًا. تجمّد مكانه. هل سمع هذا حقًا؟ نظر حوله. لا أحد يهتم. الركاب في صمتهم المألوف، لا أحد رفع رأسه. رفع بصره إلى الشاشة أعلى العربة، فرأى إعلانًا بنفس الكلمات. رجلٌ أنيق يبتسم بثقةٍ باردة، وخلفه شعار كتب تحته بخطّ عريض: - "اشترِ عقلًا جديدًا وابدأ من جديد." ارتعش قلبه. الجملة بدت كأنها موجهة له شخصيًا. في المحطة التالية، دخل رجل في الأربعينات، أنيقٌ بشكلٍ مبالغ فيه، رائحة عطره فاخرة جدًا على عربة مترو مزدحمة. جلس بجانبه، أخرج هاتفه. على شاشته، نفس الشعار: عقل جديد. تردّد مروان، ثم قال بصوتٍ خافت: - " عذرًا... أيمكن أن أسألك سؤال غريب؟" رفع الرجل رأسه بابتسامة واثقة: - " تفضل." - " الإعلان الذي ظهر على الشاشة... عن شركة اسمها "عقل جديد"... هل تعرفهم؟" - " بل أكثر من ذلك، أنا أحد عملائهم." تجمّدت ملامح مروان لحظة: - " عملائهم؟ يعني... أنت جربت فعلاً؟" ضحك الرجل ضحكة قصيرة: - " جربت، ونجح الأمر. غيروا حياتي من جذورها." - " كيف؟" - " كنت مدرّس رياضيات بائس، أعيش على فتات الراتب، مكتئب إلى حد الغرق. ثم أجريت العملية." أومأ مروان كأنه لا يصدّق: - " عملية؟" - " نعم، استبدلت عقلي. استيقظت بعد يومين بعقل رجلٍ آخر، خبير مالي ناجح. احتفظت باسمي وذكرياتي الأساسية، لكني صرت أرى العالم بمنطقه. أصبحت مختلفًا، أقوى، أكثر ثقة." - " وماذا حدث لذلك المدرّس؟" ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة، غامضة: - " اختفى. أو ربما ما زال بداخلي، لا أعرف. لم أعد أهتم. الماضي أحيانًا مثل جلد قديم، عليك أن تتخلص منه." توقف القطار، وقف الرجل بهدوء، وأخرج بطاقة من جيبه: - " هذه بطاقتي، إن قررت أن تجرب. أخبرهم أن سامر الشاهين أرسلك." أخذ مروان البطاقة بيدٍ مرتجفة. الورق كان أثقل مما بدا. قال سامر وهو يهمّ بالنزول: - " لا تترك الخوف يسرقك. أحيانًا، يجب أن نموت قليلًا لنبدأ من جديد." ثم خرج. ظل مروان ممسكًا بالبطاقة، ينظر إلى اسمه اللامع تحت شعار الشركة. لم يكن يعرف إن كان يشعر بالفضول أم الرعب، لكن قلبه خفق بطريقةٍ لم يفعلها منذ زمن. نظر من النافذة، فرأى وجهه منعكسًا على الزجاج، غريبًا عنه. قال لنفسه بصوتٍ خافت: - " عقل جديد... ربما هذا ما أحتاجه فعلًا." *** توقّف مروان أمام البرج الزجاجي اللامع، والنهار في قمّته، والشمس تضرب في الواجهات فتجعلها كأنها ألواح من لهب بارد. للحظةٍ شعر أنّ الضوء نفسه محبوس داخل هذا البناء، وأنه لو اقترب أكثر سيسمع للزجاج أنينًا خافتًا من شدّة السكون. المبنى بدا له غريبًا عن المدينة التي يعرفها، يعكسها دون أن ينتمي إليها، كمرآة ترفض أن تعترف بما ترى. تراجع خطوة، ثم تقدّم أخرى. لم يكن متأكدًا مما يخشاه بالضبط؛ المبنى؟ أم ما ينتظره في داخله؟ أم نفسه؟ على يمين الباب المعدني لافتة صغيرة، محفور عليها بخطٍّ أنيق: - "شركة عقل جديد – بداية مختلفة". قرأها أكثر من مرة، شعر وكأنها تكلّمه وحده. جملة قصيرة، لكنها تسري في داخله مثل همسٍ قديم: - "ادخل… واترك كل ما كنت عليه." ظلّ واقفًا لحظاتٍ طويلة. الأرض صلبة تحت قدميه، لكن قلبه لم يثبت؛ كأنه يقف على جسرٍ يتأرجح فوق هواء. تذكّر المكالمة التي تلقّاها البارحة، تلك اللهجة الهادئة على الطرف الآخر، وكيف أجابوه قبل أن يُكمل اسمه. لم يكن يعرف ما يخيفه أكثر: أن يعرفوه، أم أن ينتظروه بالفعل. مدّ يده أخيرًا نحو الباب الزجاجي. فتحه بخفّة، فاندفعت نحوه نسمة باردة من هواءٍ لا رائحة له إلا النظافة المعدنية، رائحة تشبه غرف العمليات. امتزجت بموسيقى خلفية خفيفة، نغمة ثابتة كنبضٍ إلكترونيٍّ لا يتعب. في الداخل، كل شيء يلمع. الأرض من الرخام الأبيض، الجدران تعكس الوجوه بلا ظلال، والضوء موزّع بعدلٍ يجعل المكان بلا زوايا. خلف المكتب، جلست موظفة ترتدي بدلة رمادية وابتسامة دقيقة، كأنها رسمتها صباحًا أمام المرآة. قالت بهدوء محسوب: - "مرحبًا بك، سيدي. كيف يمكنني مساعدتك؟" تردّد قليلًا، ثم أجاب: - "عندي موعد مع أحد المستشارين… من شركة عقل جديد." لم تبحث في أي قائمة، لم تسأله عن اسمه حتى، بل اكتفت بأن أمالت رأسها قليلًا وقالت بابتسامةٍ أوسع: - "بالطبع، سيد سامي. نحن في انتظارك." سكت لحظة، قلبه ضرب ضربة واحدة قوية. لم يذكر اسمه لأحد. ومع ذلك لم ينبس بكلمة، فقط أومأ برأسه واتجه إلى المصعد كما أشارت. داخل المصعد الزجاجي، انعكست صورته من كل الجهات. رأى وجهه يتكرّر، يتشظّى، يتداخل، كأن كل طبقة من الزجاج تُعيده في زمنٍ مختلف. كلّما ارتفع أكثر، صغرت المدينة تحته وتحوّلت ألوانها إلى رمادية باهتة. خُيّل إليه أنه يترك حياته القديمة في الأسفل، تُطوى ببطءٍ داخل درجٍ من الزجاج، بينما يصعد هو إلى مكانٍ لا يشبه شيئًا مما يعرفه. عند الطابق الخامس والعشرين، انفتح الباب على ضوءٍ أزرق باهت، يشبه الضوء الذي يسبق الحلم بقليل. الجدران ملساء، عليها شاشات تعرض وجوهًا بشرية تبتسم وشعارًا واحدًا يتكرر: - "ابدأ من جديد… لا شيء يقيّدك سوى الماضي." اقتربت منه شابة ترتدي بدلة زرقاء بنفس درجة الضوء المحيط، شعرها مربوط بعناية، وابتسامتها محسوبة كأنها جزء من الزي الرسمي. قالت بصوتٍ لطيف لا دفء فيه: - "مرحبًا بك، سيد سامي. أنا ندى، مساعدة المستشار الشخصي. تفضل معي، من فضلك." سار خلفها في ممرّ طويل لا يُسمع فيه إلا وقع الخطوات، ثم أدخلته إلى غرفةٍ واسعة مضاءة بإضاءة ناعمة. الجدران مكسوّة بخشبٍ فاتح، والمكان برمّته يوحي بالسكينة القسرية. جلس على مقعدٍ جلديٍّ بنيٍّ ناعم الملمس، ومدّت أمامه كوبًا دافئًا دون أن تقول شيئًا، ثم غادرت. بقي وحده. استمع إلى صوت جهاز التكييف يهمس كأن المكان يتنفّس. مرّت الدقائق بطيئة، باردة. ثم فُتح الباب. دخل رجل خمسينيّ، طويل، ذو نظراتٍ ثابتة، يلبس بدلة داكنة وربطة عنق رمادية. كانت حركته مطمئنة أكثر مما يجب، كأن كل خطوة منه محسوبة بالثواني. مدّ يده بابتسامةٍ قصيرة وقال: - "أهلًا بك، سيد سامي. أنا الدكتور فارس، المستشار الشخصي لبرنامجك." صافحه مروان، وشعر أن يد الرجل باردة ببرودٍ غريب، أقرب إلى يدٍ بلا دم. جلسا متقابلين على طاولة خشبية عريضة، فتح فارس ملفًا جلديًا، قلّب بعض الأوراق، ثم قال بصوتٍ متزنٍ وهادئ: - "أفهم أنك مهتم ببرنامج تبادل العقول؟" تردّد مروان لحظة، ثم قال: - "نعم… أريد أن أبدأ من جديد." ابتسم فارس ببطء، كمن يؤكد لنفسه شيئًا يعرفه مسبقًا. - "وهذا ما نحن هنا لأجله. بداية جديدة… نقية، بلا خوف، بلا ماضٍ." قلب الأوراق مرة أخرى ثم رفع رأسه نحوه: - "اطّلعت على بياناتك. الحقيقة أنك مرشّح مثالي. لدينا معايير دقيقة جدًا، ولا يصل إلينا إلا القليل ممن يملكون الشجاعة الكافية لقتل ذواتهم القديمة." سكت قليلًا. الجملة الأخيرة جعلت مروان يبلع ريقه بصعوبة. قال بصوتٍ خافت: - "وماذا سيحدث لعقلي القديم؟ بعد… العملية؟" أجاب فارس بثقةٍ ناعمة: - "سيُنسخ بالكامل. كل التفاصيل، الذكريات، المشاعر، وحتى ردود الفعل العصبية. سنحفظه في وسائط آمنة تحت إشرافنا الكامل. لن تفقده، فقط ستتحرّر منه." تنهّد مروان ببطء. - "والعقل الجديد؟ من أين يأتي؟" ابتسم الطبيب ابتسامةً دقيقة لا تصل إلى عينيه: - "لدينا مصادرنا. متبرّعون… أو لنقل شركاء في التغيير. لكن التفاصيل تبقى سرّية تمامًا، حفاظًا على الطرفين." ثم أضاف وكأنه يهمس له: - "ما يهمك هو النتيجة. ستحصل على عقلٍ حيّ، قويّ، ممتلئ بالقدرات التي تحتاجها. ستستيقظ لتجد نفسك شخصًا آخر… شخصًا لا يخاف." سكت مروان طويلًا. شعر أن الكلمات تتسلّل إلى أعماقه مثل بخارٍ ثقيل. قال بعد تردّد: - "هل هناك مخاطر؟" ضحك فارس ضحكة قصيرة هادئة: - "الخطر جزء من أي ولادة جديدة. لكن لا تقلق، لم نفقد أي عميل منذ ثلاث سنوات. فقط قد تواجه أحلامًا مشوّشة في البداية… وستزول." ثم أدار الجهاز اللوحي أمامه، ضغط على شاشة، وبدأ يعرض مقطع فيديو. وجوهٌ كثيرة تتكلم، تبتسم، تشكر الشركة. لكن في عيونهم شيء غريب… كأنهم يتحدثون من وراء زجاجٍ غير مرئي. قال الطبيب وهو يراقبه: - "انظر إليهم… كانوا مثلك تمامًا. والآن يعيشون حياة لم يتخيلوها." مروان لم يجب. ظلّ يحدّق في الشاشة، يحاول أن يجد في الوجوه أثرًا للندم، لكنه لم يجد شيئًا سوى هدوءٍ مصطنع. سأل أخيرًا بصوتٍ مبحوح: - "وإن لم أحبّ عقلي الجديد؟ هل يمكنني استعادة القديم؟" لحظة صمت قصيرة مرّت بينهما. ثم أجاب فارس بنبرة هادئة جدًّا: - "للأسف… لا. العملية نهائية. ولهذا نطلب من عملائنا التأكد قبل التوقيع." فتح درج الطاولة وأخرج ملفًا أبيض أنيقًا، وضعه أمامه بعناية: - "هذه اتفاقية الإجراء. خذ وقتك في القراءة." تناول مروان الأوراق، قلبها بعينين متردّدتين. العبارات القانونية كثيرة، الكلمات باردة، لا شيء فيها يدلّ على الإنسان. رفع رأسه ونظر إلى النافذة الزجاجية الكبيرة، المدينة تتلألأ في الأسفل، بعيدة كأنها حلمٌ قديم. قال بصوتٍ خافتٍ كأنه لا يوجّهه لأحد: - "سأفعلها… أريد عقلًا جديدًا." رفع فارس رأسه ببطءٍ، ثم ابتسم: - "قرار شجاع يا سيد سامي. قليلون فقط يملكون الجرأة على قتل ذواتهم القديمة." جلس مروان بلا حراك، يتأمل الورقة أمامه. لم يعد يسمع شيئًا، لا صوت الموسيقى، ولا همهمة المكيّف. كان هناك فقط ذلك الإحساس الخفيّ بأن شيئًا ما في داخله ينكسر، وشيئًا آخر يولد مكانه. لكنّه لم يكن يعرف بعد أيّهما هو الإنسان الحقيقي. *** مرت الأيام الثلاثة التالية ببطءٍ غريب، كأن الزمن نفسه صار يتردّد قبل أن يخطو خطوة واحدة. كان مروان يتحرّك داخل شقته كما لو أنه يسير في حلمٍ ثقيلٍ لا يريد أن يستيقظ منه. يفتح باب الغرفة، ثم يغلقه بعد لحظة بلا سبب. أحيانًا ينسى لماذا نهض أصلًا. كان كل شيء من حوله عاديًا… أكثر من اللازم، حتى العادي نفسه صار يزعجه. الهواء بدا أثقل، كأنه يحمل في طيّاته قلقًا خفيًا لا يُرى، لكنه يُحَسّ في الصدر مثل ثقلٍ لا يُفسَّر. في النهار كان يتجوّل بلا هدف واضح، يلمس الأشياء بعشوائية، يغيّر أماكنها، ثم يعيدها كما كانت. أحيانًا يقف أمام النافذة دقائق طويلة لا يرى فيها شيئًا محدّدًا. الشارع تحته يبدو غريبًا، كأنه لم يسلكه يومًا. وفي الليل، كانت عيناه تفيقان أكثر من مرة، بلا سببٍ منطقي. كأن هناك شيئًا في داخله يرفض النوم… يرفض أن يثق في الصباح. حين أخبر مديره في العمل أنه سيأخذ إجازة قصيرة لإجراء "عملية بسيطة"، قالها بوجهٍ جامد، ببرودٍ لا يشبهه. كانت الكلمة تخرج من فمه كأنها لا تخصه. لم يسأله أحد عن التفاصيل، وهو لم يكن يتمنى أن يفعل أحد. من ذا الذي يمكنه أن يفهم ما هو مقدمٌ عليه؟ حتى هو نفسه لم يفهمه بعد تمامًا. لم يخبر صديقه كريم، ولا حتى نفسه، بما ينوي فعله. كان داخله جزء صغير، لكنه عنيد، لا يزال يقاوم فكرة الاعتراف. وكأن الاعتراف نفسه يجعل الجنون أكثر واقعية. ومع ذلك، كان يشعر في قرارة قلبه أن هذا الجنون تحديدًا… هو الشيء العاقل الوحيد المتبقي له. قضى الأيام الثلاثة التالية في ترتيب أشياء صغيرة لا يراها أحد مهمة سواه. سَدَّد الفواتير، نظّف الأركان، تخلّص من أوراقٍ قديمة، وملابس لم يلمسها منذ سنوات. حتى الكتب التي كان يحتفظ بها بعنادٍ غريب، جمعها في صندوق ووضعه إلى جانب الحائط. كانت حركته هادئة، منظمة أكثر من العادة، وكأنها طقوس وداعٍ باردة. أحيانًا يتوقف فجأة وينظر حوله. الصمت الذي يملأ البيت لم يكن صمتًا عاديًا، بل صمتًا يشبه لحظة ما قبل الانطفاء. كان يدرك في أعماقه أن الرجل الذي اعتاد أن يكونه لن يعود بعد اليوم، وأن الموت لا يأتي دائمًا بانقطاع النفس، بل أحيانًا بانطفاء الوعي… وولادة وعيٍ آخر مكانه. فكر: هل يمكن أن يولد الإنسان مرتين؟ ثم ابتسم بخفةٍ حزينة، ولم يُجب. في تلك الليلة الأخيرة، جلس إلى طاولته الصغيرة، والضوء الخافت ينسكب على الورق كأن المصباح نفسه يودّعه. ظلّ يحدّق في الورقة الفارغة وقتًا لا يعرف كم طال، ثم بدأ يكتب بخطٍ متردد، كمن يتعلّم الكتابة لأول مرة. لم يكن متأكدًا لمن يكتب بالضبط، لكنه كتب إلى "من سيستيقظ بعده". كتب له عن خوفه، عن السبب الذي دفعه لاختيار هذا الطريق، عن رغبته في بداية جديدة خالية من الثقل الذي يجرّه منذ سنوات. توقّف أكثر من مرة، فرك جبينه، ثم أكمل. وفي النهاية كتب جملة قصيرة، لكنها بدت له كأنها وصيته الحقيقية: - "إن كنت تقرأ هذه الكلمات، فربما صرتَ شخصًا أفضل… لا تخذلنا." قرأها مرتين، ثم طواها ببطءٍ ووضعها في درج الطاولة، كأنه يدفن شيئًا عزيزًا عليه. مع أول خيط ضوء في الصباح، استيقظ. لم يكن متأكدًا هل نام فعلًا أم قضى الليل بين الغفوة واليقظة. غسل وجهه بماءٍ باردٍ أيقظ كل عصبٍ في جسده. ارتدى ملابس مريحة كما أوصوه، ولم يأكل شيئًا. وقف أمام باب شقته لحظة طويلة. كل زاوية بدت له كذكرى: فنجان قهوة نصف ممتلئ، كتاب مفتوح على صفحةٍ لا يتذكّرها، رائحة عطرٍ خافتة في الممر. شعر أن البيت كله يراقبه، يودّعه بصمتٍ ثقيل. مدّ يده إلى المفتاح، أغلق الباب، ولم يلتفت. في الأسفل كانت سيارة الشركة بانتظاره. السائق لم يتكلم، وهو لم يجد ما يقوله. الطريق إلى المستشفى بدا أطول من المعتاد، كأن الزمن نفسه تمدّد داخله. المباني تمر ببطءٍ، والسماء رمادية بلونٍ باهت. حين وصل، استقبله المكان ببرودةٍ لامعة: جدران بيضاء أكثر من اللازم، ضوء أزرق ناعم، موسيقى خافتة لا معنى لها. شعار الشركة "عقل جديد" يضيء على الجدار الأمامي بخطٍ أزرق أنيق، يراقبه كعينٍ لا ترمش. قادوه إلى جناحٍ خاصّ. الإضاءة فيه خافتة والهواء بارد بطريقةٍ مريحة، كأن الغرفة تتنفّس بثقة. ارتدى ثوب المستشفى وجلس على السرير. الممرضة الشابة التي دخلت بعد قليل كانت هادئة أكثر من اللازم، تبتسم ابتسامة صغيرة كأنها مدرّبة على الاطمئنان. وضعت الجهاز على معصمه وقالت برقةٍ رسمية: - "الدكتور الحكيم سيزورك بعد قليل." رفع رأسه بدهشةٍ خفيفة. - "الدكتور الحكيم؟ مؤسس الشركة نفسه؟" أومأت برأسها بابتسامةٍ محسوبة: - "نعم، إنه يشرف بنفسه على بعض الحالات الخاصة… وأنت أحدها." ثم غادرت بخفةٍ، تاركة وراءها هواءً خاليًا من المعنى. بقي وحده، يتأمل الفراغ. الكلمة الأخيرة علقت في رأسه: خاصة. ترددت داخله كتحذيرٍ غامض. ماذا يعني أن أكون حالة خاصة؟ لم يجد جوابًا، فقط ازداد ضيقًا. لم يمضِ وقت طويل حتى فُتح الباب. دخل رجل طويل القامة، أنيق الملامح، شعره الرمادي مصفّف بعناية ووجهه هادئ إلى حدٍّ مريب. صوته منخفض، لكنه يحمل يقينًا لا يُجادَل. مدّ يده بابتسامةٍ صغيرة: - "سيد سامي، أنا الدكتور رامي الحكيم. يشرفني أن أكون المشرف المباشر على عمليتك." صافحه مروان، فشعر ببرودةٍ غريبة في كفّه، كأن الدم تجمّد للحظة. قال بصوتٍ متردد: - "شكرًا لك يا دكتور… لكن لماذا أنا بالذات؟" ابتسم الحكيم بخفةٍ لم تصل إلى عينيه: - "ملفّك النفسي مميز. لديك ذكاء مرتفع، حسّ تحليلي، ودرجة نادرة من الحساسية الإدراكية. هذه الصفات تجعل عقلك ذا قيمة لنا… وللآخرين أيضًا." كلمة للآخرين جعلت قلبه يرتجف. أحسّ للحظة أنه ليس مريضًا، بل مشروع تجربة. سأل بصوتٍ خافت: - "هل العملية… آمنة؟" قال الطبيب بثقةٍ زائدة الهدوء: - "أجرينا مئات العمليات الناجحة. لا شيء يدعو للقلق." ثم وضع يده على كتفه في حركة ودّية بدت له مصطنعة إلى حدٍّ مؤلم. - "ستبدأ حياة جديدة يا سيد سامي. حياة أنظف، خالية من العطب." لم يجد مروان ما يقوله. أومأ فقط، كمن يسلّم أمره لقَدَرٍ لا يعرف إن كان رحيمًا أم لا. فتح الطبيب ملفه، قلّب أوراقًا، ثم رفع رأسه قائلًا: - "سنبدأ بعد نصف ساعة. سيأتي طبيب التخدير بعد قليل. هل لديك سؤال أخير؟" تردّد مروان، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ بالكاد خرج: - "هل… سأبقى أنا؟ أعني، هل سأعرف من كنت؟" رفع الحكيم نظره إليه وتأمله لحظةً طويلة قبل أن يجيب ببطء: - "ستبقى بعض الملامح… بعض الأساسيات فقط. اسمك، لغتك، طريقتك في المشي ربما. أما البقية… فستُعاد كتابتها. ستكون أنت، ولكنك… لن تكون تمامًا أنت." صمت مروان لحظةً بدت بلا نهاية. ثم قال بهدوءٍ غريب: - "أنا مستعد." ابتسم الحكيم ابتسامة صغيرة وأغلق الملف: - "إذن… إلى اللقاء على الجانب الآخر." وغادر الغرفة بخطواتٍ هادئة كأنها لا تُصدر صوتًا. بعدها بدقائق دخل طبيب التخدير. صوته عملي، خالٍ من العواطف. تحدّث قليلًا ثم غرز الإبرة في ذراعه. شعر مروان بدفءٍ يسري في عروقه، ثم بخفةٍ غريبة كأنه يغوص في ماءٍ ناعمٍ شفاف. الممرضة كانت تقف بجانبه تتابع المؤشرات بابتسامةٍ ساكنة. حاول أن يبتسم لها، لكن الأشياء بدأت تفقد شكلها. الضوء الأزرق ذاب في بياضٍ واسع، الأصوات خمدت، ثم سقط كل شيء في العتمة. حين فتح عينيه من جديد، كان الضوء مختلفًا. أبيض ناعم، بلا مصدر واضح. لا يعرف إن كان صباحًا أم حلمًا. حاول أن يحرّك رأسه فشعر بثقلٍ في داخله، كأن شيئًا ما أُعيد ترتيبه هناك. جاءه صوت أنثويٌّ هادئ من جانبه: - "أهلًا بك، سيد سامي." التفت بصعوبة، فرأى ممرضة تقف قرب شاشةٍ تتابع مؤشراتٍ لا يفهمها. قال بصوتٍ خافتٍ مبحوح: - "أين… أنا؟" - "في جناح التعافي. العملية انتهت بنجاح قبل ساعات." كلمة العملية ارتدت في رأسه كصدى بعيد. حاول أن يتذكّر، فتدفقت صور متقطعة: توقيع على ورق، ضوء أزرق، وجه الحكيم، ثم فراغٌ طويل. سألته الممرضة بابتسامةٍ مهنية: - "هل تتذكّر اسمك؟" تردّد قليلًا، كأن الحروف تهرب منه، ثم قال ببطء: - "مروان… مروان سامي." ابتسمت وسجلت شيئًا في الورق أمامها: - "ممتاز. هذا مؤشر جيّد جدًا. الدكتور الحكيم سيزورك بعد قليل." غادرت، وبقي وحده. أغمض عينيه محاولًا التقاط خيطٍ من ذاكرته، لكن ما جاءه لم يكن له. وجوه غريبة، أماكن لم يزرها قط، أصوات متداخلة، صراخ، ومشاهد عنفٍ لا يعرف مصدرها. رأى نفسه – أو من يشبهه – يمسك سلاحًا بمهارةٍ لا يملكها، يوجّه ضربة قاتلة دون تردد. ثم صورة واحدة طغت على كل شيء: رجل يسقط من شرفةٍ عالية، وهو – مروان أو ذلك الآخر – يراقبه ببرودٍ تام، بلا خوف، بلا ندم. صرخ فجأة: - "لا!" انفتح الباب في اللحظة نفسها، ودخل الدكتور الحكيم بخطواتٍ محسوبة، يحمل ملفًا في يده. - "أهلاً بك يا سيد سامي. يبدو أنك استيقظت في الوقت المناسب." قال مروان بصوتٍ مرتجفٍ يختلط فيه الغضب بالذعر: - "دكتور… هناك ذكريات ليست لي! أشياء… عنف، دماء!" لم يتغيّر وجه الحكيم. فقط ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال بهدوءٍ مريب: - "هذا طبيعي في الأيام الأولى. أحيانًا تختلط الطبقات القديمة بالجديدة. لا تقلق، سيزول ذلك مع الوقت." - "لكنها ليست ذكرياتٍ عادية! إنها… كأنها حياة شخص آخر!" اقترب الطبيب خطوة واحدة، نظر إليه نظرةً فيها شيء من الفضول، شيء من الرضا أيضًا: - "كل تجربة تختلف عن الأخرى يا سيد سامي. المهم الآن أنك بخير… والعملية نجحت." تركه وغادر، وبقي مروان يحدّق في السقف الأبيض. الضوء فوقه كان مؤلمًا، كأنه لا يضيء بل يعرّي. شعر أن رأسه لم يعد ملكه، وأن شيئًا في داخله ينبض بإيقاعٍ غريب. همس بصوتٍ بالكاد يسمعه أحد: - "من أنا؟" لكن الغرفة لم تُجب. وظلّ غير متأكد بعد… إن كان الصوت الذي نطق به للتوّ، صوته حقًّا.
📜 الفصل الثاني 📜
مرت ثلاثة أيام منذ العملية. ثلاثة فقط... لكنها بدت كأنها عمرٌ ثقيل يجرّ نفسه ببطء. كأن الزمن نفسه تردد في المرور. خرج مروان من المستشفى بعد يومٍ واحد فقط، يحمل حقيبة صغيرة امتلأت بالأدوية والتعليمات، كأنها حقيبة حياة جديدة لا يعرف كيف يتعامل معها. قال له الطبيب الحكيم إن الأيام الأولى ستكون الأصعب، وإن الصداع والدوخة واضطراب الذاكرة طبيعي. لكن أحدًا لم يخبره عن الجزء الآخر من المعادلة… عن الصراع الذي سيبدأ في الداخل، عن الصوت الذي سيتسلل إلى رأسه دون إذن. استيقظ صباح اليوم الرابع على صوت المنبّه. لم يكن يريد أن ينهض، لكن الصداع أجبره. الألم مختلف هذه المرة… حاد، عميق، يشبه شخصًا يحاول أن يشق طريقه من الداخل للخارج. جلس على حافة السرير، يمرر كفه على وجهه كمن يحاول أن يتذكر شيئًا ضاع منه. من أنا؟ مروان سامي، 28 عامًا، مهندس برمجيات. الكلمات واضحة، منسقة، محفوظة. لكن خلفها، بين فراغات الذاكرة، شيء آخر يتحرك… اسمٌ غريب: فادي الريماوي. 35 عامًا. محترف… محترف ماذا؟ لا يدري. وقف أمام المرآة في الحمّام. نظر إلى وجهه. مألوف، لكنه بدا غريبًا في الوقت نفسه. عينان بنيّتان، أنف مستقيم، ذقن مربّع قليلًا… نعم، هذا هو وجهه. لكن، هناك شيء لا ينسجم. كأن الملامح تنتمي لشخصٍ آخر يسكنه مؤقتًا. قال بصوتٍ خافت وهو يراقب انعكاسه: - "مروان سامي." توقف لحظة، ثم أعادها ببطءٍ أكبر، كمن يقسم: - "أنا مروان سامي." لكن في عمق الرأس، تردّد صدى مختلف. صوت هادئ، واثق، غريب… - "وأنا… فادي الريماوي." تجمّد للحظة. لم يعرف إن كان الصوت حقيقيًا أم وهمًا. أغلق عينيه بقوة، حاول أن يطرده، أن يثبت أنه ما زال يملك زمام نفسه. ثم تناول مسكّناته، ودخل تحت الماء البارد. أراد أن يوقظ عقله، أن يغسل رأسه من كل ما علق به من أفكار. لكن الماء لم يغسل شيئًا… بالعكس، كل قطرة بدت وكأنها تهمس باسمه الآخر. خرج بعد دقائق، يلفّ حول خصره منشفة، شعره يقطر ماءً. لاحظ شيئًا غريبًا. حركاته أصبحت مختلفة، أكثر دقة، أكثر تحكمًا. كأنه لم يعد يتحرك بعفويته المعتادة، بل بوعيٍ دقيق بكل تفصيل. في المطبخ، أراد أن يصنع قهوته. أمسك السكين لقطع الخبز، لكن يده توقفت فجأة. تأمل السكين للحظة. لا يعرف لماذا، لكنه شعر براحة غريبة في ملمسها المعدني. وفجأة، قبل أن يفكر، ألقاها نحو لوحة الفلين على الحائط. انغرست في منتصفها تمامًا. ظل ينظر إليها مشدوهًا. كيف؟! من أين جاءت تلك الدقة؟ لم يكن يومًا رياضيًا، ولا حتى يجيد رمي شيء. - "ما الذي يحدث لي؟" قالها بصوتٍ منخفض، كأنه يخاف أن يسمعه أحد… أو أن يسمع نفسه. جلس على الأريكة، محاولًا أن يهدأ. كلام الطبيب عاد إلى ذهنه: - "العقل الجديد سيحدث تغييرات تدريجية، مهارات جديدة قد تظهر." لكن هذا؟ هذا لم يكن طبيعيًا. من هو فادي أصلًا؟ ولماذا يشعر به وكأنه يعيش بداخله؟ فتح حاسوبه المحمول، كتب الاسم على محرّك البحث: فادي الريماوي. لا نتائج. لا صفحات. لا صور. لا وجود. جرب أن يكتب "شركة عقل جديد". ظهر موقع أنيق، ألوانه مريحة، وشعارات تسويقية براقة. لكن خلف الواجهة… لا شيء. لا تفاصيل، لا عناوين حقيقية، لا أسماء موظفين. أغلق الجهاز بعصبية. كل شيء يبدو كأنه ستار يخفي وراءه شيئًا أكبر. مد يده نحو كوب الماء، لكنه لاحظ أن أصابعه ترتجف. هل من الخوف؟ أم من شيء آخر؟ لا يعرف. رنّ الهاتف فجأة. على الشاشة: كريم. صديقه الأقرب. تردد للحظة قبل أن يجيب، ثم ضغط زر الاتصال. - "مروان! أخيرًا! أين كنت يا رجل؟ لم ترد على مكالماتي!" - "كنت… مريضًا قليلًا." - "مريض؟ ماذا حدث؟" - "مجرد إنفلونزا قوية، واحتجت بعض الراحة." صمت نديمللحظة، ثم قال بنبرةٍ غريبة: - "صوتك مختلف. هناك شيء ما." توقف مروان عن الكلام. نديميعرفه أكثر من أي أحد. هل لاحظ التغير؟ - "أنا بخير، فقط متعب قليلاً." - "سآتي للعشاء الليلة. لا أعذار." لم يجد ما يرد به. - "كما تشاء." وانتهت المكالمة. ظل الهاتف في يده قليلًا. يشعر أنه يحمل وزنه كله. لماذا يخاف من أن يراه كريم؟ ولماذا يشعر أن اللقاء سيكشف شيئًا لا يريد الاعتراف به؟ فتح خزانته، ارتدى أول ما وجده أمامه: جينز وقميص أسود. توقف لحظة. هو عادةً يفضل الألوان الفاتحة. لماذا اختار الأسود؟ ابتسم بارتباك. - "مجرد صدفة، لا أكثر." لكن في داخله، لم يكن متأكدًا. في الممرّ، التقى جارته العجوز، السيدة فاطمة. - "صباح الخير يا مروان! تبدو شاحبًا اليوم." - "مجرد صداع بسيط، سأكون بخير." ابتسمت بخفة، لكن نظرتها لم تكن مطمئنة. - "صوتك غريب… هل أنت بخير حقًا؟" لم يرد. دخل المصعد سريعًا. كأن ضيق المكان أرحم من اتساع نظرات الناس. في الخارج، الهواء البارد صافحه. أخذ نفسًا عميقًا. للحظة، شعر أن المدينة ما زالت كما هي: مزدحمة، صاخبة، مليئة بالحياة. لكنه في العمق، شعر أن كل شيء تغيّر. ثم رآه. رجل يقف على الجانب الآخر من الشارع، يرتدي معطفًا رماديًا ونظارة شمسية. لا يتحرك. فقط يراقبه. تسارعت دقات قلبه. لكن الغريب أنه لم يخَف. كان مستعدًا… بطريقٍ لا يفهمها. انعطف بسرعة نحو شارع جانبي، ثم إلى زقاق ضيق. اختبأ خلف حاوية صدئة. الهواء هناك كان خانقًا، يحمل رائحة القمامة والرطوبة. ظل ينتظر. بعد لحظات، ظهر الرجل نفسه. يتلفّت، متردد. تقدّم مروان بخفة، أمسك بذراعه، ولوى معصمه، ثم دفعه بقوة نحو الحائط. - "من أنت؟ لماذا تتبعني؟" قالها بصوتٍ لم يعرفه من قبل. خافت، لكنه حازم. - "آه! توقف! لست أتبعك!" - "تكذب." ضغط أكثر. "من أرسلك؟" - "لا أحد! أرجوك!" تركه فجأة. الرجل ركض مبتعدًا، يتعثر في خطواته. ظل مروان واقفًا مكانه، يراقبه حتى اختفى. نظر إلى يديه. كانتا ترتجفان، لكن ليس خوفًا. بل من نشوةٍ غريبة. نشوة قوة لم يختبرها من قبل. همس لنفسه: - "من أنا؟" ثم بصوتٍ أخفض، كأنه يخاطب شيئًا داخله: - "ماذا فعلت بي يا فادي؟" عاد إلى شقّته مسرعًا. كل شيء فيها بدا مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد. الجدران، الأصوات، حتى تنفّسه نفسه. جلس على الأرض، يسند ظهره إلى الحائط. مرّت في ذهنه صور كثيرة، أصوات، ملامح لا يتذكرها تمامًا. هل فادي موجود فعلاً؟ أم أنه مجرد ظلّ زرعوه في رأسه؟ كانت المعركة قد بدأت فعلًا. معركة صامتة، في الداخل. مروان في مواجهة فادي. رجلان في جسدٍ واحد، وكلٌ منهما يريد النجاة. ولم يكن أحد يعرف بعد… أيّهما سيبقى في النهاية. *** عاد مروان إلى شقته، وأغلق الباب خلفه بعنفٍ جعل الجدران ترتجف قليلًا. الصوت ارتدّ في المكان كأن الشقة نفسها تستيقظ معه بعد غياب. وقف لحظة في الظلّ، يستمع لصدى الباب وهو يتلاشى. قلبه كان يطرق صدره كأنه يحاول الهروب. يداه ترتجفان. لا يدري أهو خوف؟ أم شيء آخر أعمق من الخوف؟ أخذ نفسًا طويلًا، لكن الهواء كان ثقيلًا، ساكنًا، كأن الجدران تحتفظ بأنفاس سابقة لم تُخرجها بعد. كل شيء بدا متجمّدًا. الستائر لا تتحرك، الضوء الخافت ينساب على الأثاث، والغرفة كلها تبدو كأنها تراقبه بصمتٍ واعٍ. جلس على الكرسي، ثم نهض. لم يعرف لماذا. لا يستطيع الثبات. في رأسه صور متقطعة، كأن أحدهم يعيد له مشهدًا لم يعشه من قبل: يده تمسك بذراع رجل في زقاق، ضربة في الكتف، التواء، سقوط. كل شيء واضح… وواثق… ومخيف. من أين جاءت تلك المهارة؟ لم يتدرّب. لم يتعلّم. ومع ذلك، جسده كان يعرف بالضبط ما يفعل. همس لنفسه بصوت خافت: - "فادي الريماوي..." الاسم خرج من فمه كأنه كلمة سحرية. سكت بعدها طويلًا. لماذا هذا الاسم بالتحديد؟ من يكون؟ ولماذا حين ينطقه يشعر بشيء يتحرك داخله، شيء يعرف أكثر مما يجب؟ تحرك بخطوات بطيئة نحو غرفة النوم. الخشب يئنّ تحت قدميه. فتح خزانة الملابس. لا يعرف تحديدًا ما يبحث عنه، فقط يشعر أن شيئًا ما هناك… ينتظره. بدأ يفتّش بعشوائية، يفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر. أصابعه تصطدم بخشب بارد، وصوت الاحتكاك يوقظه من شروده. ثم رآها. حقيبة صغيرة في آخر رفّ، مغطاة بطبقة من الغبار الخفيف. توقف لحظة. لم يتذكر أنه اشتراها يومًا. مدّ يده، سحبها ببطء، فتح السحّاب. ملابس سوداء، قفازات جلدية، نظارات داكنة. كل شيء منظم بعناية غريبة، كأن من وضعها كان يعرف أنه سيعود إليها يومًا. تردّد. قلب الملابس قطعة قطعة. ثم لمح في القاع شيئًا لامعًا. قطعة معدنية باردة. أمسكها. مسدس أسود صغير. ومعه كاتم صوت. تراجع خطوة للخلف. اصطدم بحافة السرير. كاد يسقط المسدس من يده. ثم سقط فعلًا. الصدمة جعلت صوته يخرج مبحوحًا: - "من أين…؟" وقف يحدّق فيه. لم يمتلك سلاحًا قط. لكن جزءًا آخر منه… يعرف هذا المسدس. يعرف وزنه، ملمسه، حتى الطريقة التي يُمسك بها. كأن ذاكرته الجسدية تنبض بالحقيقة رغم رفض عقله. جلس على حافة السرير، يدفن وجهه بين كفيه. البرودة تتسلل من المسدس إلى جلده رغم أنه لم يعد يمسكه. - "يا إلهي…" همس، ثم رفع رأسه. عينيه فيهما مزيج من الذهول والرفض. - "ماذا يحدث لي؟ هل أنا…؟" لم يُكمل الجملة. الكلمات اختنقت. رن جرس الباب فجأة. الصوت اخترق الصمت كصفعة. ارتجف. قلبه بدأ يركض داخله بلا اتجاه. نظر إلى الساعة. السادسة مساءً. كريم. تحرّك بسرعة، أعاد المسدس إلى الحقيبة، أغلقها بإحكام، وأخفاها بين الملابس. ثم مسح وجهه بيديه، يحاول أن يُعيد نفسه القديمة. ابتسامة بسيطة، تنفّس هادئ. أو هكذا حاول. فتح الباب. - "مرحبًا أيها المريض!" دخل نديممبتسمًا، يحمل أكياسًا مليئة بالطعام. رائحة البرجر والبطاطس المقلية ملأت الشقة فورًا، رائحة دافئة لكنها خانقة في آن واحد. كأنها تُغطي شيئًا آخر في الجوّ… شيئًا لا يُراد له أن يُشمّ. - "أحضرت لك علاجًا سحريًا… برجر من مطعمك المفضل!" ضحك نديموهو يضع الأكياس على الطاولة. مروان حاول أن يبادله الابتسامة، لكنها خرجت باهتة. - "شكرًا… لم يكن عليك." رمقه نديمبنظرة فاحصة. - "تبدو أفضل مما توقعت… في الواقع، مختلفًا." تجمّد مروان لحظة. - "مختلف؟" - "نعم، لا أدري… في وقفتك، في نظرتك، حتى نبرة صوتك. كأنك شخص آخر." ابتلع مروان ريقه، وحاول أن يُظهر اللامبالاة. - "ربما الإنفلونزا تؤثر على الناس بطرق غريبة." قالها وهو يحرّك أصابعه على سطح الطاولة دون قصد. كان يحاول أن يهرب من عيني صديقه. جلس نديمعلى الأريكة، ومدّ له كيس الطعام. - "تعال، كل. لا فائدة من الجوع والتفكير المفرط." جلس مروان مقابله. بدأ يأكل ببطء. لم يكن يشعر بطعم الطعام أصلًا. كل حركة من نديمتذكّره بما يحاول إخفاءه. صمت قصير. ثم بدأ نديمالحديث كعادته: عن العمل، عن الأخبار، عن فريقهم المفضل. مروان يجيب بجمل قصيرة. أحيانًا لا يرد. أحيانًا يبتسم فقط. يحاول أن يقلّد نفسه القديمة. الصوت، الإيماءات، حتى طريقة الضحك. لكنه في داخله يشعر أنه يُمثّل دورًا على خشبة مجهولة. - "إذن، متى ستعود إلى العمل؟" توقف مروان عن المضغ. حدّق في الطاولة. العمل… لم يفكر في ذلك. لا يتذكر حتى آخر مشروع عمل عليه. هل سيتذكر البرمجة؟ الأكواد؟ الناس؟ - "ربما الأسبوع القادم… ما زلت متعبًا قليلًا." قالها بصوت منخفض. نديمظلّ ينظر إليه. في عينيه مزيج من الشكّ والقلق. - "أنت لست على طبيعتك يا مروان. هناك شيء تخفيه." سكت مروان. لم يعرف بماذا يجيب. ثم قال بخفوت: - "أنا بخير. فقط… متعب." - "هل هي الأدوية؟ الاكتئاب؟" تردّد. تذكّر ماضيه القريب. تلك الأقراص الصغيرة التي كان يأخذها قبل النوم ليهرب من نفسه. لكنه لم يشعر الآن بذلك الثقل القديم. بل على العكس… يشعر بشيء يشبه اليقظة. أو الخطر. - "لا. الأمر مختلف هذه المرة. مجرد… فترة انتقال." رفع نديمحاجبيه. - "انتقال إلى ماذا؟" - "إلى شخص آخر ربما." قالها مروان بنبرة أقرب إلى الهمس، وكأنه لم يقصد أن تُسمع. نديمضحك بخفة، ظانًا أنها مزحة. - "ها قد بدأت أخيرًا تسمع نصيحتي! كنت دائمًا أقول لك: كن أكثر ثقة، أكثر حزمًا." ابتسم مروان بتعب. - "أحيانًا نحتاج إلى صدمة… كي نتغير." - "صدمة؟" كرر كريم، بعينين ضيقتين. رن هاتفه في تلك اللحظة. نظر إلى الشاشة، اعتذر، ثم خرج للردّ. ظل مروان واقفًا مكانه بعد أن أغلق نديمالباب خلفه. لم يتحرك. ظل يسمع صوته وهو يتحدث في الممر، ثم خطواته تبتعد، حتى غاب تمامًا. عندها فقط سمح لنفسه أن يتنفس بعمق، وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال الزيارة. جلس على الأريكة، وضع كفيه على وجهه. الهدوء الذي ملأ الغرفة لم يكن مريحًا، بل مخيفًا. كان يسمع دقات قلبه بوضوح… كأنها قادمة من داخل الجدران لا من صدره. فكر قليلًا. لماذا كان نديميشكّ فيه بهذه السرعة؟ هل تغيّر حقًا إلى هذا الحد؟ ربما. أو ربما صار يرى نفسه بعيون مختلفة الآن. لم يعد متأكدًا من شيء، حتى صوته بدا غريبًا في أذنه. قام ببطء، وسار نحو غرفة النوم. الظلام هناك كان أثقل. فتح المصباح الجانبي، الضوء الأصفر انسكب على السرير والحقيبة. اقترب منها. تردّد للحظة، ثم جلس أمامها كمن يواجه اعترافًا مؤجلًا. فتحها من جديد. المسدس كما تركه، يلمع بخفوت. الملابس ما زالت مرتبة، النظارات، القفازات. لكن الآن رأى شيئًا لم ينتبه له أول مرة: محفظة صغيرة أسفل القاع. أخرجها. بطاقات كثيرة، بعضها بأسماء مختلفة. صور، أوراق نقدية، رخصة قيادة مزورة باسم “فادي الريماوي”. قرأ الاسم ببطء، وكل حرف منه يترك طعمًا معدنيًا في فمه. - "من أنت بالضبط؟" قالها لنفسه، وهو يقلب المحفظة بين يديه. لا إجابة. فقط صمت يرد الصدى. ثم لمح هاتفًا قديمًا في زاوية الحقيبة. رفعه، ضغط على زر التشغيل. الشاشة أضاءت بلون أزرق باهت. طلب كلمة مرور. فكر لحظة. جرب تاريخ ميلاده، فشل. جرب تاريخ ميلاد فادي… لا يدري حتى من أين جاءه هذا الحدس، لكنه كتبه: 15/07/1990. الشاشة انفتحت فورًا. تراجع في مكانه قليلًا. شعور غريب بالرهبة. كأن الهاتف نفسه يعرفه أكثر مما يعرف هو نفسه. بدأ يتصفح بسرعة. رسائل قصيرة. رموز غير مفهومة. أسماء محفوظة دون أرقام. ملفات صور. فتح أحدها. وجمد. صورة له. أو بالأحرى لفادي. يقف بجانب الدكتور رامي الحكيم. كلاهما يبتسم، يحملان كأسين من الشمبانيا، في مكان يبدو كمكتب فخم أو مختبر خاص. لم يستطع أن يزيح عينيه عن الصورة. كانت حقيقية جدًا. - "مستحيل…" تمتم بصوتٍ مبحوح. عاد يتصفح الصور الأخرى. وجوه غريبة، مواقع، سيارات، خرائط. كل شيء يبدو كجزء من قصة لا يعرفها، لكنه في قلبها. أغلق الهاتف بسرعة. وكأن الحرارة صعدت من الشاشة إلى جلده. جلس على الأرض، يسند ظهره إلى السرير. حاول أن يهدأ. لكن رأسه كان مزدحمًا. صور متداخلة، أصوات، صدى خطوات في الأزقة، نظرات رجال لا يعرفهم. كلها تتصارع في ذاكرته، كأن عقله يُعاد ترتيبه من جديد. رفع عينيه نحو السقف. - "هل أنا فادي؟ أم أن فادي… بداخلي؟" قالها بصوتٍ خافت، لكنه سمعها كأنها ليست منه. فكر في الدكتور الحكيم. في الشركة. في كل ما حدث منذ بداية المشروع. ربما الجواب هناك. ربما هذا هو الباب الذي يجب أن يفتحه، مهما كان خلفه. نهض ببطء. اقترب من الحقيبة مرة أخرى، أخذ المسدس. البرودة في قبضته لم تعد غريبة. جرب وزنه، كأنه يختبر ذاكرته العضلية. نعم… هو يعرف هذا السلاح. يعرفه كما يعرف يده. - "يجب أن أعود إلى الشركة…" تمتم، ثم توقف. فكر للحظة، نظر إلى المرآة أمامه. انعكاسه لم يكن يبدو كمروان تمامًا. وجهه متعب، عيناه أعمق، ونظرة جديدة فيهما… نظرة لا تخصّه. اقترب من المرآة أكثر. لم يبدُ خائفًا كما في البداية. بل كان هناك شيء يشبه القرار، أو التحدي، أو ربما… الخضوع لقدرٍ لم يختره. قال بصوتٍ خافت: - "يجب أن أتعلم كيف أكون أقوى منه… أقوى من فادي الريماوي." ظل ينظر إلى صورته لثوانٍ طويلة، ثم أغمض عينيه. الظلام خلف الجفون بدا أكثر صدقًا من الضوء أمامه. لم يعرف بعدها إن كان فعلاً قد أنقذ نفسه… أم ضيّعها إلى الأبد. *** استفاق مروان على صوت طرقٍ خفيفٍ على باب شقته. ظلّ لثوانٍ يحدّق في السقف قبل أن يستوعب ما يحدث. قلبه ما زال يركض، كأن شيئًا في داخله لم ينم أصلًا. الأيام الأخيرة أرهقته… لم يعد يميز بين ما رآه فعلاً، وما تخيّله فقط. كلّما حاول ترتيب أفكاره، تفرّت منه مثل الرمل بين الأصابع. نهض متثاقلًا. تعثّر في طريقه إلى الباب، نظرة سريعة من العين السحرية... امرأة. بدلة رسمية، شعر مربوط، وجه جادّ لا يعرفه. لكن هناك شيء، لا يعرف كيف يصفه — إنذار داخلي. إحساس فادي، ربما. - "من؟" قالها بصوتٍ خرج أكثر ارتجافًا مما أراد. - "سيد سامي؟ أنا المحققة سارة نجم من الشرطة. أحتاج التحدث معك لبضع دقائق." تجمّد للحظة. الشرطة؟! لماذا؟ هل اكتشفوا العملية؟ أم… فادي؟ - "لحظة واحدة، أرجوكِ." رمى نظرة سريعة حوله. الحقيبة، المكتب، آثار الأوراق، أي شيء قد يفضحه. كل شيء مخفي… تقريبًا. أخذ نفسًا عميقًا وفتح الباب. المرأة كانت تقف بثباتٍ عجيب، بطاقة التعريف في يدها. نظر إليها، ثم إلى الأرض، ثم إليها مجددًا. حاول أن يبدو طبيعيًا. - "نعم، أنا مروان سامي… كيف يمكنني مساعدتك؟" صوته بدا ثابتًا، لكنه كان يسمع داخله صوتًا آخر يرتجف. - "هل يمكنني الدخول؟" تردّد قليلاً، ثم أفسح لها الطريق. - "تفضلي." أشار نحو الأريكة. - "قهوة؟ شاي؟" - "لا، شكرًا." قالت وهي تفتح دفترها الصغير. صوت القلم على الورق كان كأنه إيقاع توتره. - "سيد سامي، هل تعرف شخصًا يُدعى ماجد الخطيب؟" تجمّد للحظة. الاسم لم يوقظ ذاكرته، لكنه أيقظ شيئًا آخر. صورة غائمة، وجه أصلع، ندبة قرب العين اليمنى. ذاكرة فادي… أم هلوسة؟ - "لا أظن. من يكون؟" - "رجل أعمال. سقط من شرفته قبل ثلاثة أيام." لم يقل شيئًا لثوانٍ. سقط من شرفة؟! تلك الصورة… التي رأى فيها جسدًا يهوي من علو. هل كانت حقيقية إذن؟ - "هذا… مؤسف. لكن لا أفهم ما علاقتي به." قالها ببرودٍ مصطنع، فيما يداه ترتجفان على ركبتيه. المحققة أخرجت هاتفها، عرضت عليه سجل مكالمات. اسمه هناك. رقمه، الساعة، التاريخ. - "أين كنت مساء الثلاثاء الماضي بين الثامنة والعاشرة؟" ابتلع ريقه. الثلاثاء… يوم العملية. - "كنت في المستشفى. أجريت عملية." - "عملية؟ أي نوع؟" صمَت. كلمة واحدة قد تدمّره. - "روتينية… بسيطة." - "هل لديك ما يثبت ذلك؟ تقرير؟ إيصال؟" نهض، تظاهر بالبحث. - "ربما يمكنكم التأكد من المستشفى." - "سنفعل." قالتها بابتسامة باردة، كأنها تعرف أنه يكذب. وقفت استعدادًا للمغادرة. قبل أن تخرج، سألت: - "هل لاحظت تغييرات في سلوكك مؤخرًا؟ فقدان ذاكرة؟ تصرفات غريبة؟" - "لماذا؟" - "مجرد سؤال روتيني." ثم غادرت. حين أُغلق الباب خلفها، جلس ببطء على الأريكة. شعر أن الهواء ثقيل، كأن الجدران تراقبه. كل شيء يدور في رأسه بسرعة مؤلمة. ماجد الخطيب… رجل ميت. وفادي… هل له علاقة؟ هل أنا فادي؟ أم مروان؟ أم كلاهما؟ فتح الحاسوب. بحث عن الخبر. عناوين متكررة: "رجل أعمال يسقط من شرفته"، "الشرطة تحقق في ملابسات الحادث." لكن هناك سطر صغير جعله يحدّق طويلًا: "الضحية كان أحد المستثمرين في شركة التكنولوجيا الطبية (عقل جديد)." الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ كل شيء. شعر ببرودة تسري في أطرافه. بدأ يمشي في الشقة بلا وعي، خطوات قصيرة، سريعة، كأنها محاولة للهروب من فكرةٍ لم تكتمل. - "عقل جديد…" همس. كل شيء متصل. فادي، الخطيب، الدكتور الحكيم… وأنا وسطهم، بلا خريطة. لم يستطع الانتظار. قرر الذهاب إلى الشركة. لكنه لا يستطيع أن يذهب كـ"مروان". فتح الحقيبة، أخرج هوية باسم "سمير الحسن". ربطة عنق زرقاء، نظارات، شارب مستعار. تأمل وجهه في المرآة. لم يعجبه… لكنه كافٍ. - "يمكنك فعلها." قال لنفسه بصوتٍ شبه مسموع. أخذ المسدس ووضعه في جيبه الداخلي. توقف لحظة، استمع لصمت الشقة… ثم خرج. مبنى "عقل جديد" بدا من بعيد مثل كتلة زجاجية ضخمة تعكس المدينة كلها. كلما اقترب، شعر أن النوافذ تراقبه. دخل البهو. - "لديّ موعد مع الدكتور فارس." الموظفة رفعت نظرها. - "آسفة، لا يوجد موعد بهذا الاسم." ابتسم. ابتسامة فادي. - "ربما نسي تسجيله. هل يمكنك الاتصال به؟" أومأت الموظفة، واتصلت. هو بدوره كان يراقب المكان: الكاميرات، الحراس، المخارج. كل تفصيلة. ثم لمح الدكتور فارس يغادر المصعد مسرعًا نحو سيارة أجرة. تبعه. المدينة كانت مزدحمة. أضواء، أصوات، وجوه لا تلتفت. تتبع السيارة حتى توقفت أمام مطعم فاخر. دخل خلفه، جلس في زاوية. رأى فارس ومعه امرأة. حاولا التحدث بهدوء، لكنه شعر أن الحديث عن شيء أكبر منهما. وفجأة… التفتت المرأة. نظرة واحدة فقط، ثم اتسعت عيناها. عرفته. رغم التنكر… عرفته. نهض بسرعة، ترك النقود على الطاولة، وخرج. رأى رجلين ضخمين يتحركان نحوه. لم ينتظر. الهواء البارد صفَع وجهه حين خرج. توقف في منتصف الرصيف، يحاول التقاط أنفاسه. كل شيء ينهار حوله، أو داخله، لا يعرف. همس لنفسه، بصوتٍ بالكاد يُسمع: - "من أنا فعلًا؟… وماذا يحدث لي؟" *** عاد مروان يشعر بالذعر. لا، ليس مجرد خوفٍ عابر. شيء أعمق، أشبه بقبضةٍ باردة حول صدره. الهواء نفسه بدا ضيقًا. محاصر. الرجلان الضخمان عند مدخل المطعم، وخلفه الدكتور فارس وتلك المرأة الغامضة. كل الجهات مغلقة. كل الأصوات خافتة. قلبه يخفق كأنه يحاول الهرب من ضلوعه. نظر حوله، بعينين تائهتين تبحثان عن مخرجٍ واحدٍ فقط. ثم لمح باب المطبخ في الجانب الآخر. ضوء أبيض خافت، حركة طهاة، بخار، فرصة. لم يفكر. لم يحتج أن يفكر. انطلق بين الطاولات بخفةٍ لم يعرفها عن نفسه من قبل، كأن جسده صار يعرف ما يفعل وحده. حاول ألا يلفت الانتباه، يمرّ بجانب النُدُل، بأطباقٍ تهتزّ فوق الصواني، يتنفس بصعوبة. وفجأة سمع صوت كراسي تُسحب خلفه. التفت بخفة: إنهم يتبعونه. لا وقت. دفع باب المطبخ بقوة، فارتطم بالجدار المعدني وأصدر طنينًا عاليًا. عيون الطهاة اتسعت بدهشة، أصواتهم ارتفعت. رائحة الزيت الساخن امتزجت بخوفه. تجاوزهم بسرعة، يزيح صواني الطعام وأبخرة الطهي من أمامه. صوت خلفه يصرخ: - "توقّف!" لم يلتفت. لم يجرؤ. كان أحد الرجلين قد دخل المطبخ بالفعل. دفع باب الخدمة الخلفي وخرج. الهواء البارد صفَعه. وجد نفسه في زقاقٍ ضيقٍ تملؤه صناديق قمامة وأصوات قططٍ تبحث عن طعام. ركض بأقصى ما يستطيع، قدماه تضربان الأرض بإيقاعٍ غاضب، يتنفس بصوتٍ مسموع، كأن كل نفسٍ قرارٌ بالنجاة. انعطف يمينًا، ثم يسارًا. شارعٌ مزدحم. وجوه كثيرة. عيون لا تعرفه، لكنه يخافها. قلبه يلهث كما لو كان له عقلٌ منفصل يفكر بالهرب. سمع خطواتٍ سريعةٍ خلفه. التفت للحظة، الرجلان هناك. يقتربان. لا يركضان عبثًا. محترفان، كل خطوة محسوبة. - "يا إلهي… من هؤلاء؟ ولماذا أنا؟" لم يجد جوابًا. فقط الهروب. اندفع إلى داخل مركزٍ تجاري مزدحم، أضواء قوية، موسيقى خفيفة، رائحة العطور والوجبات السريعة. اختفى بين الأجساد، يصعد السلم المتحرك، يلتفت كل بضع ثوانٍ. في الأعلى، قفز فجأة إلى درج الطوارئ ونزل مسرعًا، خطواته ترتطم بالحديد. يحاول أن يربكهم، أن يضيع في الفوضى. خرج إلى شارعٍ جانبي أكثر هدوءًا، توقّف للحظة، يستند إلى جدارٍ بارد، يحاول التقاط أنفاسه. فكر. لا، لم يفكر… فقط سأل نفسه بلا صوت: من هؤلاء؟ ولماذا يطاردونه؟ وكيف اكتشفوا أنه ليس فادي حقًا؟ لكن لم يكن هناك وقت للأسئلة. سيارة سوداء توقفت عند مدخل المركز التجاري. رجل ثالث خرج منها، يحمل جهازًا لاسلكيًا، يتحدث بسرعة، ينظر حوله. كل شيء منظم أكثر مما يحتمل. لم يعد الأمر مصادفة. "محطة المترو." الفكرة ومضة نجاةٍ وحيدة. انطلق نحوها. ركض كأنه يهرب من نفسه. تجاوز البوابات بالقفز، تجاهل صرخات موظف الأمن. نزل الدرج بسرعة تكاد تسقطه. وصل إلى الرصيف لحظة إغلاق الأبواب. قفز داخل العربة، قبل أن تُغلق عليه تمامًا. التفت للخلف، فالتقت عيناه بأحد مطارديه عند طرف الرصيف. القطار تحرك، والزجاج بينهما صار جدارًا من الغضب الصامت. تنفس مروان بعمق. مرة. مرتين. ثم جلس على مقعدٍ قريب. شعور بالنجاة… مؤقت فقط. هو يعلم ذلك. نظر حوله. ركاب عاديون: رجل مسنّ يقرأ جريدته، امرأة تهدهد طفلها، مجموعة مراهقين يضحكون بلا مبالاة. كل شيء طبيعي جدًا، وهذا ما يخيف أكثر. ظلّ صامتًا، يراقب انعكاس وجهه على زجاج النافذة. وجهٌ غريب. ليس وجهه تمامًا، ولا وجه فادي أيضًا. شيء بين الاثنين. هل هو ما يزال هو؟ القطار يواصل اندفاعه، وهو لا يعرف إن كان يهرب من خطرٍ حقيقي… أم من عقله نفسه. بعد خمس محطات، قرر أن ينزل. لم يكن متأكدًا لماذا اختار تلك المحطة بالذات، فقط شعر أن عليه أن يختفي. المنطقة بعيدة، غريبة، حتى الهواء فيها مختلف قليلًا… أثقل، كأن المدينة هنا تتنفس ببطء. خرج من المترو بخطواتٍ مترددة، عيناه تبحثان في كل اتجاه، يراقب المارة، السيارات، أي حركة غير مألوفة. لا أحد يتبعه. أو هكذا ظن. السماء بدأت تتغير ألوانها. غروبٌ بطيء، والظلال تمتد على الأرصفة كأنها تحاول أن تبتلعه معها. وقف تحت لوحة محطة الحافلات القديمة، أخرج هاتف فادي من جيبه. أصابعه ترتجف. مرّ بعينيه على الأسماء في قائمة الاتصال، حتى توقف عند اسمٍ واحد: الملاذ. تردّد. الاسم يوحي بالأمان… لكنه أيضًا غامض حدّ الخطر. من يكون؟ هل هو مكان؟ شخص؟ فخ؟ لكنه لم يكن يملك رفاهية الاختيار. تنفّس بعمق، وضغط على زر الاتصال. رنّ الهاتف ثلاث مرات. ثم جاء صوت امرأة، هادئ لكنه متيقّظ: - "نعم؟" - "أنا… فادي." كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها الاسم بصوتٍ مرتجفٍ وواثقٍ في آنٍ واحد. صمت قصير. ثم جاء السؤال الحادّ: - "رمز التحقّق؟" تجمّد. كلمة الرمز أيقظت شيئًا في ذاكرته، صورةٌ مشوّشة، غرفة مظلمة، رجلٌ يقول جملة ما… حاول أن يتذكّر، ثم نطقها بصوتٍ خافت: - "الليل يخفي النجوم السوداء." صمت ثانٍ، أطول قليلًا. ثم أجاب الصوت نفسه، وقد صار أكثر دفئًا: - "تمام. انتظر عند محطة الحافلات رقم 23. سيارة حمراء بعد عشرين دقيقة." وانقطع الاتصال. حدّق مروان في الهاتف لحظة، كأنه ينتظر أن تعود المرأة لتشرح. لكن لا شيء. فقط انعكاس وجهه المتعب على الشاشة. جلس على المقعد الخشبي، الهواء من حوله يحمل رائحة غبارٍ قديم. عقله يدور: من تلك المرأة؟ وكيف تعرف الرمز؟ هل كان فادي يثق بها؟ وهل يمكنه أن يثق هو في ذاكرةٍ ليست ذاكرته؟ مرّت عشرون دقيقة كأنها ساعة. كل دقيقةٍ أثقل من التي قبلها. كل سيارةٍ تمرّ تجعله ينهض ثم يجلس من جديد. وفي النهاية توقفت سيارة حمراء أمامه. نزلت منها امرأة شابة، شعرها الأشقر القصير يلمع تحت الضوء الباهت، ستر جلدية سوداء، خطوات واثقة. نظرت إليه مباشرة. ثم أشارت له أن يقترب. - "فادي؟" قالت بنبرةٍ لا تحتمل التردد. صوته خرج متقطّعًا: - "نعم… ولا. الأمر معقّد." ابتسمت ابتسامة قصيرة، فيها شيء من المرارة: - "دائمًا كذلك معك." ثم فتحت باب السيارة: - "ادخل. لسنا آمنين هنا." جلس بجانبها. السيارة انطلقت بسرعة، والزجاج يعكس وجهين غريبين، وجهها الهادئ المتيقظ، ووجهه المشوش بين مروان وفادي. صمتٌ طويل. ندى – هكذا كان اسمها، تذكّر فجأة – تراقب المرايا كل بضع ثوانٍ، كأنها تحفظ حياته بنظراتها. سألت أخيرًا: - "ما الذي حدث لك؟ الجميع يظن أنك ميت." التفت إليها ببطء: - "ميت؟" هزّت رأسها: - "بعد عملية الخطيب، اختفيت. قالوا إنك سقطت في كمين وتمت تصفيتك." - "ومن قال هذا؟" - "المصدر المعتاد. الحكيم." الحكيم. الاسم سقط عليه بثقلٍ غامض. كل الطرق تؤدي إليه في النهاية. قال بصوتٍ منخفض: - "ندى… هناك شيء عليك معرفته." نظرت إليه بحذر. - "أنا لست فادي تمامًا." زمّت شفتيها. - "ماذا تعني؟" - "اسمي مروان سامي. كنت جزءًا من تجربة في شركة اسمها عقل جديد… زرعوا عقل فادي داخل رأسي." ضحكت بسخريةٍ قصيرة: - "أغرب قصة سمعتها منك على الإطلاق." - "لكنها الحقيقة. أستطيع أن أثبتها." - "كيف؟" - "اسأليني أي شيء شخصي عن فادي. إن أجبت، فذكرياته ما زالت هنا. وإن لم أعرف… فربما هذا يثبت أنني لست هو تمامًا." فكّرت للحظة، ثم قالت: - "حسنًا، أين التقينا أول مرة؟" تومض في رأسه صورٌ مبعثرة: شاطئ، غروب، دماء، صوت رصاص. أجاب بتردد: - "على شاطئٍ في بيروت. كنتِ تراقبين سياسيًا لبنانيًا." نظرت إليه بدهشةٍ واضحة: - "وماذا حدث بعد ذلك؟" - "أفسدتُ المهمة. أطلقت النار قبل الأوان. هربتِ، وكنتِ على وشك قتلي… لكنك لم تفعلي." - "لماذا؟" - "لأننا كنّا نعمل للشخص نفسه. للحكيم." توقّفت السيارة فجأة. نظرتها نحوه كانت خليطًا من الخوف والدهشة: - "من أنت حقًا؟" - "قلت لك. مروان سامي. لكن عقل فادي هنا، يصرخ بداخلي أحيانًا. ذكرياته، مهاراته، وحتى خوفه." هزّت رأسها ببطء: - "هذا مستحيل." - "ليس بعد الآن. شركة عقل جديد جعلت المستحيل ممكنًا. نقل العقول… وصناعة هوياتٍ جديدة." صمتت طويلًا، ثم استأنفت القيادة. صوت المحرك وحده يملأ الصمت. - "سنتحدث أكثر عند الملاذ." قالت أخيرًا. ثم أضافت ببرودٍ خافت: - "وإن كنت تكذب… سأقتلك بنفسي." لم يردّ. فقط حدّق في الطريق الممتد أمامه. ظلال المباني تمرّ كأشباحٍ صامتة، والمدينة تبتلع ما تبقّى من ضوء النهار. بعد نصف ساعة، توقّفوا أمام مبنى قديم متآكل الحواف. قالت بصوتٍ منخفض: - "اتبعني." صعدا إلى الطابق الثالث، فتحت بابًا حديديًا ثقيلاً أطلق صريرًا حادًا. خلفه، شقّة مليئة بأجهزة إلكترونية، شاشات مراقبة، وأسلحة. وفي منتصف الغرفة، جلس رجلٌ على كرسيٍّ متحرك، وجهه نحيل، عيناه حادتان كأنهما تعرفان كل شيء مسبقًا. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: - "مرحبًا، فادي… أو هل يجب أن أناديك مروان؟" -
📜 الفصل الثالث 📜
حدّق مروان في الرجل الجالس على الكرسي المتحرك، ولم يعرف للحظةٍ إن كان يرى إنسانًا حيًّا أم ظلًّا من ماضيه. بدا الهواء في الغرفة أثقل من المعتاد، كأن شيئًا غير مرئيٍّ يضغط على صدره. كيف عرف اسمه؟ السؤال ضرب رأسه قبل أن يجد له كلمات. شعر بأن الأرض تميد تحته، وأن أحدهم قد فتح أبواب عقله دون إذنه. قال بصوت خرج مكسورًا، يحمل خوفًا أكثر مما يحمل فضولًا: ــ "من أنت؟ وكيف تعرف عني؟" ابتسم الرجل، لا تهديد في ابتسامته ولا دفء، بل شيء غامض بين الأمرين… كأنها ابتسامة من فقد القدرة على الكره أو الحب معًا. ــ "اسمي طارق العلي. كنتُ مدير العمليات في شركة عقل جديد، قبل أن يحاول الحكيم التخلّص مني." مدّ يده قليلًا، وأشار إلى ساقيه المشلولتين. لم يحتج إلى شرح. كان صوته حين تكلّم مجددًا أهدأ من اللازم، وذلك الهدوء تحديدًا هو ما يجعل الخوف يتضاعف. ــ "لم ينجح تمامًا… لكنه ترك بصمته كما ترى." حلّ بعد كلماته صمتٌ غريب، كثيف كالغبار في غرفةٍ مغلقة. أغلقت ندى الباب بخفة، وكان صوت المزلاج كإعلانٍ رسميٍّ لبداية شيءٍ لن ينتهي بسهولة. فعّلت نظام الأمان، فاشتعلت الشاشات الصغيرة في الجدران بوميضٍ أزرق باهت. الضوء كان باردًا، يراقبهم كعينٍ لا تنام. قالت ندى وهي تتطلّع نحو مروان: ــ "طارق كان المسؤول المباشر عن تجنيد فادي في البداية." لم يعلّق طارق، واكتفى بنظرة امتنانٍ خفيفة. أمّا مروان، فظلّ واقفًا، لا يعرف هل يجلس، أم يهرب، أم يصرخ. ــ "أنا لا أفهم… ما علاقة فادي بالشركة؟ ولماذا زرعوا عقله في رأسي؟" تبادل طارق وندى نظرة قصيرة، لكنها كانت كافية لتدلّ على تاريخٍ لا يُقال بصوتٍ عالٍ. أخيرًا قال طارق، بنبرةٍ فيها تعبٌ قديم، كأن الكلام نفسه يؤلمه: ــ "فادي لم يكن مجرّد موظّف، بل كان عميلًا خاصًّا… قاتلًا يعمل لصالح الحكيم." توقّف الزمن للحظة. الكلمة سقطت في أذن مروان كحجرٍ في بئرٍ عميقة. قاتل؟ فادي؟ شهق دون وعي، صوت صغير خرج من حلقه ولم يكتمل. ــ "تقصد الدكتور رامي الحكيم؟ مؤسس عقل جديد؟" هزّ طارق رأسه ببطءٍ مَن يعرف أكثر مما يريد أن يقول. ــ "نعم. لكن الشركة ليست كما تراها الناس. إنها واجهة لتجارةٍ من نوعٍ آخر… تجارة العقول." بدت المسألة في البداية سخيفة… أشبه بقصة من فيلم خيالٍ علميٍّ رديء. لكن وجه طارق لم يكن يمزح. فيه شيءٌ صادقٌ للغاية… ومرعب أكثر مما ينبغي. عيناه كانتا كمن رأى الجحيم بعينيه، وعاد ليحكي عنه. قال مروان بصوتٍ بالكاد خرج من حلقه: ــ «تجارة العقول؟» أومأ طارق برأسه. ــ «نعم. الحكيم اكتشف وسيلةً لنقل الوعي من جسدٍ إلى آخر. ليس مجرد ذكرياتٍ أو ملفاتٍ عقلية… لا، بل الهوية نفسها. يبيعها لمن يدفع أكثر: أثرياء، سياسيين، مجرمين… الجميع يشتري فرصةً ثانية للحياة.» قالت ندى، كأنها تكرّر درسًا حفظته عن ظهر قلب: ــ «منهم من يطلب جسدًا أصغر، ومنهم من يرغب في الاختفاء خلف حياةٍ جديدة. الفكرة نفسها بلا نهاية، بلا حدود.» لم ينطق مروان. كان يحاول أن يتنفس. الهواء صار ثقيلًا، كأن الغرفة تضيق عليه. كل نفسٍ كان يسحبه بدا كأنه يبتلع زجاجًا مكسورًا. ــ «وفادي؟» سأل أخيرًا، بصوتٍ مبحوحٍ كمن يتحدث وسط عاصفة. ــ «كان ينفّذ المهام القذرة،» قال طارق. «كلُّ من يهدد الحكيم… كان فادي يتولّى أمره.» الكلمات فتحت بابًا في ذاكرته. تدفقت صورٌ غامضة — وجه، شرفة، سقوط، دماء. لم يكن متأكدًا إن كانت حلمًا أم ذكرى. قال كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يكلّمهم: ــ «مثل ماجد الخطيب؟» أومأت ندى. ــ «بالضبط. الخطيب كان مستثمرًا كبيرًا، وحين عرف الحقيقة هدّد بفضحهم… فأُرسل إليه فادي.» شحُب وجه مروان. انسحب منه اللون كما تنسحب المياه من إسفنجةٍ يابسة. عيناه علقتا في نقطةٍ لا يراها سواه، ربما رآها من قبل في كابوس. الجسد الساقط، الضوء الخافت، النظرة التي تراقب من بعيد… كلها عادت دفعةً واحدة. ــ «لكن… لِمَ أنا؟» قالها بصوتٍ صغيرٍ، أقرب إلى صوت طفل. «ما علاقتي بكل هذا؟» ردّت ندى بعد صمتٍ طويل، بهدوءٍ غريبٍ كأنه اعتراف: ــ «لأنك كنت الهدف المثالي. ذكي، وحيد، محبط… ولن يسأل عنك أحد لو اختفيت. وافقت على التجربة، ولم تكن تعرف على ماذا توقّع.» تراجع مروان خطوةً إلى الوراء، شاعِرًا بشيءٍ بين الألم والدهشة. تذكّر الأوراق التي وقّعها، الإعلان في المترو، اللقاء مع الدكتور فارس… فجأةً صار كل شيءٍ واضحًا جدًا، ومؤلمًا أكثر مما يُحتمل. ــ «ولِمَ أزال أتذكّر؟ لِمَ لستُ فادي بالكامل؟» خرج السؤال منه وهو غير متأكدٍ إن كان يريد سماع الجواب أم لا. سكت طارق قليلًا، ثم قال: ــ «ربما لم تكتمل العملية. أو ربما…» توقّف لحظة، ثم نظر إليه نظرةً غريبة، فيها اختبارٌ أو تحذير. ــ «ربما أراد أحدهم أن تفشل.» رفعت ندى رأسها بسرعة، نظرت إليهما نظرةً خاطفة وقالت: ــ «فادي نفسه… ربما ترك أثرًا. شيئًا صغيرًا في داخله يقاوم النظام.» لم يُجب مروان. جلس مكانه، يضغط كفّيه كأنه يحاول أن يمسك نفسه حرفيًا. في داخله أصوات تتصارع، واحدة تقول إنه مروان، والأخرى… لا يعرفها. الصوت الغريب بدا يتمدد، يأخذ مساحةً أكبر. ــ «وماذا يريد الحكيم مني الآن؟» خرج السؤال متعبًا، صوته ثقيلًا، كأنه يحمل العالم على صدره. قال طارق بجدية: ــ «يريد التخلص منك، لأنك أصبحت خطرًا عليه. أنت تملك كل أسرار فادي… ومع ذلك، لست خاضعًا له.» نظرت ندى إلى مروان وقالت: ــ «نحن نحاول إسقاطه منذ سنوات، لكن وجودك غيّر كل شيء. لقد أصبحت المفتاح.» لم يردّ مروان، لكن كان واضحًا عليه أنه يغرق. الهواء في الغرفة فقد طعمه، كأن الجدران نفسها تقترب منه. ــ «إذن… كيف أستطيع المساعدة؟» قال طارق: ــ «في داخلك، في عقل فادي، توجد معلومات تكفي لتدمير كل ما بناه الحكيم. لكن علينا أن نعرف كيف نصل إليها.» نظرت ندى إلى الشاشات، وانعكس الضوء الأزرق على وجهها، وقالت بصوتٍ خافت: ــ «لكننا لا نواجه شخصًا… بل شبكة، وحشًا ممتدًا في كل مكان.» أغمض مروان عينيه لحظة، شعر أنه يريد أن يختفي. ثم سأل: ــ «إذن… ما الخطة؟» قال طارق: ــ «هناك منشأةٌ سرّية تحت الأرض. هناك يوجد القلب الحقيقي للمشروع. علينا أن نصل إليها.» الكلمة — «المنشأة» — ارتطمت في رأسه كصاعقة. عادت إليه صور: ممرّات بيضاء، غرف زجاجية، أجسادٌ نائمة في سبات، وأصواتُ أجهزة. قال ببطء، وكأنه يخاف من صوته: ــ «أظنني رأيتها من قبل…» ابتسمت ندى بخفة، وفي نظرتها بصيص أمل: ــ «جيد. سنساعدك على تذكّر الباقي.» ــ «وبعدها؟» سأل بصوتٍ يملؤه الارتباك. «حتى لو عرفنا الطريق، كيف سندخل؟» ابتسم طارق، وهذه المرة كانت في ابتسامته حياة، كمن يستعيد جزءًا من نفسه: ــ «سنحتاج إلى خطةٍ وفريق… لكن قبل كل ذلك، عليك أن تتدرّب.» ــ «تدريب؟» ــ «نعم،» قال طارق. «أن تتعلّم كيف تُمسك نفسك. أنت الآن اثنان: مروان وفادي. وعليك أن تعرف متى تسمح للآخر بالظهور… ومتى تمنعه.» سكت مروان. طال الصمت أكثر مما ينبغي. كأنه يقيس المسافة بينه وبين الجنون. هل يقاوم؟ أم يترك نفسه تسير في الطريق الذي بدأ بالفعل؟ قال أخيرًا: ــ «أحتاج إلى بعض الوقت.» ردّ طارق بصرامةٍ هادئة: ــ «الوقت ليس في صفّنا. الحكيم يقلب الدنيا بحثًا عنك.» لمست ندى كتفه بخفة وقالت: ــ «ابقَ هنا هذه الليلة. ستكون في أمان.» قادته إلى غرفةٍ صغيرة منخفضة السقف، لكنها دافئة. الضوء فيها ناعم، مائلٌ إلى لون العنبر، والهواء ساكن كأنه يخاف أن يلمسهم. جلس على السرير، رفع عينيه نحو السقف. فكّر في كل شيء… أو ربما لم يفكر في شيءٍ على الإطلاق. المشاعر داخله كانت كتلةً واحدة غير مفهومة. هل هو مروان؟ أم فادي؟ أم شيءٌ آخر تمامًا؟ ربما مخلوقٌ جديد، مزيجٌ من روحين تائهتين في جسدٍ واحد. وربما، ببساطة، لم يعد أحدًا على الإطلاق. *** استيقظ مروان على طرقاتٍ خفيفة تتردّد على باب غرفته. للحظةٍ ظنّها صدى حلمٍ لم يكتمل. لكنه عاد يسمعها... أضعف، مترددة، كأن من يطرق يخاف أن يوقظه حقًّا. فتح عينيه ببطء. الفجر لم يولد بعد، لكنه يتنفس. السماء خلف النافذة ترسل خيطًا باهتًا من ضوءٍ رماديٍّ بارد. الضوء لامس وجهه كأنّه يذكّره بأن عليه النهوض، حتى وإن لم يرد. جاء صوت ندى من خلف الباب، هادئًا، لكنه يحمل تلك الصرامة التي لا تحتاج إلى رفع الصوت كي تُطاع: ــ "استيقظ، لدينا الكثير اليوم." لم يتحرّك فورًا. ظلّ ساكنًا كمن يفاوض نفسه. كل عضلةٍ فيه تتألم من إرهاق الأمس، كأنها تحتجّ على فكرة النهوض أصلًا. أخيرًا، تنفّس بعمقٍ يشبه التنهيدة، ثم نهض. لا بسرعة، بل ببطءٍ حذر، كمن يخرج من عالمٍ لم يقرّر بعد إن كان يريد تركه. دخل الحمّام. الماء البارد ضرب وجهه كصفعةٍ أيقظت ما تبقّى من وعيه. شعر للحظة أنه يستعيد ملامحه… ثم فقدها مجددًا في انعكاس المرآة. الوجه الذي أمامه بدا مألوفًا وغريبًا في آن. قال في نفسه: - "هل هذا أنا فعلًا؟ أم نسخة أخرى منه؟" ارتدى ملابس رياضيّة بسيطة — بنطالًا أسود وقميصًا رماديًّا — لكنّه شعر بثقلها، كأنها تذكّره بكل ما لم يتخلص منه بعد. حين خرج إلى الممرّ، وجد ندى واقفة بثباتٍ يشبه الجنود قبل المعركة. شعرها مربوطٌ بإحكامٍ خلف رأسها، وملامحها جامدة كأنها لا تملك وقتًا للتعب. قال بصوتٍ خافتٍ مبحوحٍ قليلًا: ــ "هل نمْتِ جيّدًا؟" نظرت إليه، لوهلة فقط، ثم قالت: ــ "ليس تمامًا… كوابيس." كلمةٌ واحدة، لكنها تركت في الجوّ أثرًا يشبه البرد. فهم — أو ظنّ أنه فهم — أن حديثها لا يخصّ ليلًا واحدًا فقط. قادته إلى نهاية الممرّ. الباب المعدني هناك بدا كأنه يحرس سرًّا. فتحته بصمتٍ محسوب. وراءه، ظهرت غرفة واسعة، ذات جدران رمادية وأرضٍ ملساء تشبه الأسمنت المصقول. الضوء يسقط بخطوطٍ حادّة من النوافذ العالية، يتكسّر على أكياس الملاكمة المعلّقة، وعلى صفوف الأسلحة المرتّبة بدقّةٍ تثير القلق أكثر مما تطمئن. رائحة الحديد والزيت والعرق القديم ملأت المكان، كأن الزمن هنا لم يتحرك منذ آخر قتالٍ خاضه أحدهم. قال مروان متردّدًا: ــ "هذا المكان… غريب." ابتسمت ندى بخفّةٍ لم يعرف إن كانت سخرية أم اختبارًا، ثم قالت: ــ "إنها غرفة التدريب. من هنا سنبدأ استرجاع مهارات فادي الكامنة فيك." ولم تكد تنهي الجملة حتى انطلقت قبضتها نحوه. بسرعةٍ خاطفة، غريزية، لا تشبه التدريب بقدر ما تشبه الغدر. تحرّك مروان قبل أن يدرك ما يفعل. انحنى، قبض على معصمها ولوى ذراعها للخلف. لم يكن يفكر. لم يكن حتى هو. تجمّدت لحظة، ثم ابتسمت هي — ابتسامةٌ حقيقية هذه المرة — وقالت وهي تلتقط أنفاسها: ــ "ممتاز! فادي ما زال هناك، في مكانٍ ما داخلك. لكنك تحتاج أن تستدعيه بإرادتك، لا بالصدفة." ظلّ صامتًا. نظرتاهما تلاقتا لحظة، قصيرة، لكنها تركت أثرًا غامضًا في الهواء. هل بدأ فادي يستيقظ حقًّا؟ أم أن مروان هو من يتلاشى؟ لم يعرف. وربما لم يرد أن يعرف. بدأ التدريب المكثّف بعد ذلك. ساعاتٌ من الحركات، من التكرار، من العرق المتساقط على الأرض الرمادية. كل حركةٍ كانت كأنها معركة بين جسده وذاكرته، بين ما يعرفه وما لا يريد أن يتذكره. كانت ندى تراقبه بتركيزٍ صامت. لا تشجّعه، لا تعاتبه. فقط تنظر. أحيانًا كان يشعر أنها تراه أكثر مما يرى نفسه. قالت بصوتٍ حادٍّ وسط أنفاسه المتقطّعة: ــ "ليست المشكلة في العضلات، بل في الخوف. جزءٌ منك يرفض ما يتذكّره، وجزءٌ آخر يخافه. أنت تحارب نفسك." جلسا بعد ذلك على الأرض. لم يتحدثا أول الأمر. الهواء كان ثقيلًا كأنهما يتنفسان غبارًا. قال بصوتٍ متقطّع: ــ "كيف تعرفين هذا؟ أحيانًا أشعر… كأنكِ كنتِ هناك، في مكاني." صمتت طويلًا. كان في عينيها شيء لا يقال. ثم قالت أخيرًا، بهدوءٍ فيه شجن: ــ "كنتُ جزءًا من التجارب الأولى. الحكيم لم يكن مستعدًّا بعد، لكنّه جرّب. وكانت النتيجة… فوضى. سرق مني أشياء لا يمكن استعادتها." قال بقلقٍ حقيقي: ــ "وكيف خرجتِ؟" أجابت بصوتٍ خافت: ــ "طارق. كان يعمل معه، ثم بدأ يشكّ. ساعدني على الهرب. ومنذها ونحن نحاول أن نوقفه قبل أن يكرّر ما فعل." سكتا قليلًا. قال أخيرًا: ــ "وفادي؟" نظرت بعيدًا، إلى أحد الجدران كأنها تراه من هناك: ــ "فادي كان شجاعًا… لكنه ضعُف بعد إصابته. استغلّ الحكيم ذلك وغسل ذاكرته. لم يبقَ منه سوى القشرة." ثم التفتت إليه مجددًا: ــ "أما أنت، فأنت مختلف. فيك شيء لا يُلمس… روحك. هي ما تجعل منك أكثر من تجربة. هي ما لم يستطع الحكيم أن يبرمجه." مدّت يدها إليه لتساعده على النهوض، وقالت بابتسامةٍ خفيفة: ــ "ما دمت تحتفظ بروحك، فلن يتحكّم بك أحد." مع الغروب، انفتح باب القاعة. دخل طارق يحمل ملفاتٍ وصورًا أضاءت الشاشة الكبيرة في صدر الغرفة بوميضٍ أزرق باهت. قال بصوتٍ هادئٍ خالٍ من أي نغمة عاطفية: ــ "كيف سار التدريب؟" مسحت ندى العرق عن جبينها وقالت: ــ "أفضل من الأمس، لكنه ما زال في بدايته." أشار طارق إلى صورة مبنى رماديٍّ ضخم وسط منطقةٍ صناعية مهجورة: ــ "هذه آخر صورٍ لدينا للمنشأة السرّية. نحتاج تأكيدك يا مروان." أغمض مروان عينيه، وبدأت صورٌ تتزاحم في رأسه: ممرّات طويلة، جدران بيضاء، ضوءٌ ساطع، ووجوه تصرخ… بلا صوت. تمتم: ــ "كل شيءٍ ضبابي… لا أميّز بين الماضي والحاضر." قالت ندى بهدوءٍ يشبه الوعد: ــ "لا بأس. خطوةً بخطوة. الذاكرة لا تُنتزع بالعنف." جلس الثلاثة بعدها حول الطاولة. الأوراق مبعثرة، الخطط كثيرة، وكل طريقٍ يبدو أكثر خطرًا من الآخر. وفي مكانٍ ما داخله، شعر مروان أن شيئًا يقترب. لم يعرف هل هو الماضي أم فادي نفسه. كل ما أدركه في تلك اللحظة أن الحرب لم تبدأ بعد. ولم يكن متأكدًا… أيّهما سيبقى بعد انتهائها — مروان؟ أم من يسكنه؟ *** وصل مروان وندى قبل الموعد… عشرون دقيقة… أو أكثر؟ الهواء كان دافئًا… لكنه ثقيل على الصدر. رائحة القهوة، رائحة الخبز، شيء يعلق في الأنف… في الحلق… على اللسان. ندى جلست قرب النافذة، القبعة تغطي نصف وجهها… النصف الآخر يترقب. كل حركة تبدو مريبة، لا يعرفان ماذا سيحدث. مروان جلس في زاوية أبعد… حاول أن يبدو هادئًا، لكنه لم يكن كذلك. كل شيء داخله صاخب… القلب، الدم، الأفكار… كل شيء يصرخ. – "هل يراقبوننا؟" همس مروان… – "يجب أن نفترض ذلك… دائمًا…" قالت ندى، وكأنها تحاول إقناع نفسها. ابتسمت ابتسامة قصيرة… لم تصل للعينين… لكنها شعرت بها… شعور غريب. جلسا صامتين… دقائق طويلة. خطوات، همسات، سيارة تمر… شيء عادي؟ لا… لا شيء عادي. مروان التفت للطريق المقابل… قلبه يضطرب… أفكاره تتسابق… لا يعرف من أين يأتي الخطر… متى يطرق الباب… ثم لمح نديميقترب… وجهه مشدود، عيناه تبحثان عن مأوى… شيء آمن… شيء حقيقي… لا شيء هنا آمن. جلس فجأة… – "الشرطة… مكتب الصحيفة… يسألون عنك… ماذا يحدث؟" مروان ارتشف قهوته الباردة… شعور بالبرد رغم الشمس… رغم الهواء الدافئ. – "اهدأ… الوضع أعقد مما تتصور." نديمصامت… صمته ثقيل… ثقيل جدًا… – "هل أنت متورط في قتل ماجد الخطيب؟" توقف مروان… الكلمات علقت في حلقه… لم يعرف لماذا… – "لا… ليس أنا… القصة أكبر… أعقد… أسوأ… أكثر مما يمكن أن تتصور… ربما لن تصدقني…" جلسا صامتين… الصمت يضغط على الأذنين… على الصدر… على الروح… – "خضعت لعملية في شركة عقل جديد… لم يكن الهدف تحسين العقول… بل استبدالها بالكامل…" رمش نديمببطء… حاول استيعاب كل كلمة… كل حرف… – "استبدال العقول؟ هذا… جنون!" – "أعلم… لكنه حقيقي… أحتاج مساعدتك… لا أستطيع فعل أي شيء وحدي…" تردد كريم… – "كيف يمكنني المساعدة؟" – "أنت صحفي… لديك اتصالات… إذا حصلنا على أدلة… سنحتاجك لنشر الحقيقة… مهما كان الخطر… وربما كل شيء سينهار قبل أن نبدأ…" – "لكن… هذا خطر جدًا!" – "أعرف… فقط غيّر روتينك… لا تعد لشقتك… لبضعة أيام… وسنحاول اقتحام المنشأة السرية… إذا نجحنا، سيكون لدينا الأدلة… وربما… ربما لا…" صمت طويل… نديميفكر… مروان يراقب… ندى تتنفس ببطء… تشعر بالخطر يقترب… – "إذا فشلتم… سأكون آخر خط دفاع؟" – "نعم… ستكون مسؤوليتك نشر ما تعرفه… وإذا لم يحدث؟ لا أحد يعرف… وربما نحن جزء من شيء أكبر…" أخرج مروان قطعة ورق صغيرة… كتب عليها رقم طوارئ… وقال: – "احفظه… ثم أتلف الورقة…" أخذ نديمالورقة… عيناه لا تفارق مروان… – "يمكنني البحث عن معلومات… لكن سأكون حذرًا… ربما أكثر من اللازم… ربما لن أستطيع…" ابتسم مروان ابتسامة قصيرة… غير مكتملة… – "هذا سيكون مفيدًا… لكن لا تثير الشكوك… لا أحد يعرف… وربما كل شيء سينكشف قبل أن ندركه…" فجأة لمح مروان حركة غريبة… رجل بجانب سيارة سوداء… يراقب المقهى… بتركيز شديد… – "لا تلتفت… أعتقد أننا تحت المراقبة… ربما ليسوا وحدهم… ربما هناك أكثر…" ارتسم التوتر على وجه كريم… – "ماذا نفعل؟" – "سنتفرق مؤقتًا… اذهب نحو المترو… لا تركض… فقط امشِ… خطوة خطوة… ولا تتحدث… لا تفكر… فقط افعل…" – "وأنت؟" – "سألحق بك بعد دقائق… إذا تبعك أحد… استخدم الرقم فورًا… ولا تتردد… لا تفكر… فقط افعل…" نهض نديمببطء… متظاهر بالهدوء… بدأ السير… خطواته تتردد… الأصداء تمتصها المدينة… بعد لحظات، خرجت ندى وجلست مكانه… – "هل لاحظت الرجل بجانب السيارة السوداء؟" – "نعم… هل تعتقدين أنه من رجال الحكيم؟" – "ربما… أو جهة أخرى… علينا المغادرة الآن…" قادتها ندى عبر شوارع مزدحمة… الأصوات تصطدم بهم: خطوات، صراخ، رائحة العرق، حرارة الشمس تتراجع، الظل طويل… كأن المدينة نفسها تبتلعهم… – "هناك شيء آخر… طارق جند أشخاص… سنلتقي بهم هذا المساء…" – "من هم؟" – "ضحايا سابقون… عائلات فقدت أحباءها… عملاء سابقون… لا يمكن الوثوق بهم بالكامل… لكن هدفنا واحد…" وصلا لمبنى مهجور… الخرسانة متشققة، رائحة الزيت والحديد تملأ المكان… رامي ينتظر… – "هل نجحنا في التخلص منهم؟" ابتسم رامي… – "بالتأكيد… والأهم عرفنا هويتهم…" – "رجال الحكيم؟" – "لا… مكتب التحقيقات الفيدرالي…" وقفوا صامتين… الليل يهبط… الأضواء تتلألأ بعيدًا… مروان فكر: هل اقتربنا من الحقيقة… أم دخلنا فخًا آخر؟ لم يعرف… ولم يشعر أنه يريد أن يعرف بعد الآن… المدينة صامتة… لكنها تتنفس… كأنها تعرف شيئًا أكثر منهم… أصوات بعيدة… خطوات… ضحكات مكتومة… شيء يراقبهم من الظل… ربما… ربما كل شيء لم يبدأ بعد… وربما… ربما كل شيء انتهى قبل أن يبدأ… *** دخل مروان وندى المبنى المهجور، الذي كان ذات يوم مصنعًا للنسيج. ساد المكان صمتٌ ثَقيلٌ — صمتٌ كأن الجدران نفسها تُحاول ابتلاع الصوت. كان الهواء مُشبَعًا برائحة الغبار والرطوبة القديمة، وقطع القماش المتعفنة تلامس الأنف؛ كل شهيق يذكرهما بدخان الماضي. الآلات القديمة واقفةٌ في صفوفٍ متربّة، هياكل حديدية صامتة، كأنها تنتظر شيئًا لم يأتِ بعد. انتاب مروان إحساسٌ مفاجئ بالرُهبة؛ شعورٌ بأن المكان يراقبه ويحصي خطواته. في منتصف القاعة حُجزت مساحة فُتحوها غرفة عمليات مؤقتة: طاولات عليها شاشات تومض، وأجهزة كمبيوتر تهمهم بصوتٍ خفيف، وأسلاك متشابكة كأنها أوردة تُنقل نبضات الغرفة. على الجدران خرائط مُعلّقة، خطوط ورموز تقود إلى أماكن لا يود أحد الاقتراب منها. رأى مروان طارقًا جالسًا على كرسيه المتحرّك أمام الشاشات، عيناه لا تفارقان شاشات العرض. حوله وجوهٌ لا يعرفها، ظلالٌ أشبه بذكرياتٍ بعيدة. رفع طارق رأسه وابتسم ابتسامةَ من يملك زمام المكان، ثم قال بهدوء: - " أهلًا بعودتكما. هل تم اللقاء مع صديقكما؟" أجاب مروان مترددًا: - " نعم... نديموافق أن يساعدنا. لكن رامي قال إن هناك من يراقبنا من الـFBI. ما معنى هذا؟ " تغيّر وجه طارق، وصار صوته أقوى وأشدّ: - " يبدو أن نشاطات «الحكيم» جذبت انتباه الحكومة الأمريكية. إما لصِلاته هناك، أو لأن تقنيته قد تُشكّل خطرًا للأمن القومي." تقلّصت ملامح مروان قلقًا. سأل بصوتٍ متقطّع: - " وهل هذا لمصلحتنا أم ضِدنا؟" أجاب طارق بعد نفسٍ طويل: - " الأمران معًا. مصلحتنا أن الحكيم صار تحت ضغط؛ وضدنا أن أطرافًا جديدة دخلت المشهد، ولا نعلم نواياها." أشار طارق إلى امرأةٍ في الأربعين، ملامحها حادة وشعرها قصير أسود: - " هذه الدكتورة سمر، كانت في قسم الأبحاث بشركة «عقل جديد». هربت عندما اكتشفت حقيقة تجارب الحكيم." أومأت سمر، وقالت بصوتٍ منخفض: - " سمعت عنك كثيرًا يا مروان... حالتك ليست عادية." ثم دلّ طارق على رجلٍ ضخمٍ الوجه مليء بندوب: - " هذا جمال، ضابطٌ سابق في القوات الخاصة؛ عمل في أمن الحكيم، وحتى حاول الحكيم أن يجعله فأر تجارب." قال جمال بصوتٍ خشنٍ، ينبعث منه ثقل المعارك: - " نجوت بأعجوبة. أقسمت أن أوقِفه مهما كان الثمن." ثم كانت ليلى، شابةٌ في العشرينات، عيناها ذكيّتان: - " ليلى، عبقرية الحواسيب. اخترقت أنظمة الشركة مراتٍ عديدة وساعدتنا كثيرًا في تتبُّع أنشطتهم." ابتسمت خجلًا، لكنها قالت بصوتٍ دافئ: - " مرحبًا بكما في الفريق." ارتبك مروان للحظة، وارتفعت حاجباه: - " بكما؟" أجابت ليلى بوضوح: - " نعم... أنت وفادي؛ عقلان في جسدٍ واحد." شعر مروان بانقباضٍ داخلي، كأن جزءًا منه انفصل فجأة. لم يكن الأمر سهلًا؛ فكرةُ أن ثمة شخصًا آخر يعيش بداخله لم تكن فكرةً خفيفة. تدخل طارق وقال بصوت واقعي: - " لنبدأ الاجتماع. أمامنا عملٌ كثير." جلَسوا حول الطاولة، وفتحت ليلى على الشاشة خريطةً كبيرة للمنشأة السرية: تقع على بعد خمسين كيلومترًا خارج المدينة، تحت الأرض، متعددة المستويات، محاطة بأنظمة أمانٍ مُحكَمة: حراسٌ، كاميرات، حساسات، وأنظمة بصمة عين وبصمة إصبع. أشارت سمر إلى مروان بنظرة مركّزة: - " ذكريات فادي التي تحمِلها قد تكشف ثغراتٍ في النظام." رفَع مروان وجهه متردّدًا: - " ذاكرتي مشوشة... أرى لقطاتٍ متفرقة، كأنها شظايا حلمٍ لم يكتمل." أخرجت سمر جهازًا صغيرًا لامعًا وقالت: - " هذا الجهاز يُحفّز الذاكرة بنبضات كهربائية-مغناطيسية. قد يسبب صداعًا أو دوارًا، وربما هلوساتٍ قصيرة." تردّد مروان بصوتٍ أعلى قليلاً: - " وإن استعدت كلَّ ذكريات فادي... ألن يخشى أن يسيطر عليّ تمامًا؟" تبادلت سمر وندى نظراتٍ سريعة، ثم قالت سمر ببرودٍ محسوب: - " نعم، هناك احتمال. لكن بدون معلوماته لن نتمكن من اقتحام المنشأة." عمّ الصمت لثوانٍ، ثم قال مروان بحزمٍ مزيجُه شجاعة وخوف: - " سأفعل. لكن أريد وعدًا: إن استولى فادي عليّ بالكامل... أوقفوني بأي وسيلة." سمع الجميع النداء المكتوم في كلماته. اندفعت ندى بحزم: - " أعدك. لن أدع فادي يسيطر عليك." أومأ مروان، كمن يسلم نفسه لقَدَرٍ مجهول. عاد طارق لعرض الخطة: طرقُ التسلل، تجاوز أنظمة الأمان، الوصول إلى قاعدة البيانات، ثم الانسحاب. لكل واحد دورٌ واضح: جمال في التكتيك الميداني، ليلى في الاختراق الإلكتروني، وسمر في الشق التقني. مع غروب الشمس اكتملت الخطة. بقيت خطوةٌ أخيرة: استعادة ذكريات فادي لتأكيد التفاصيل. جلست ندى بجانب مروان، مدت يدها إليه، وسألته بصوتٍ خافت: - " كيف تشعر؟" ابتسم ابتسامةً باهتة تحاول إخفاء الرعب: - " خائف... ليس من المهمة فقط، بل من نفسي. من سأكون بعد كل هذا؟" ووضعت ندى يدها على كتفه: - " تذكّر... أنت لست فادي. يمكنك الاختيار. استخدم ما تعرفه لتنقذ الآخرين." حلّ هدوءٌ خافت، وشعورٌ بسيط بأن شيئًا بداخله يميل إلى النور. وخاطره بسرعة خاطفة: صورةُ ممرٍ سري — مدخلٌ خلفي للمنشأة، نفقٌ يصل إلى المستوى الثالث. تذكّر أن فادي كان يستخدمه لتفادي نقاط التفتيش. تنفّس مروان بعمق وقال ببطء: — تذكرت شيئًا... هناك نفق. المدخل الخلفي. نظام الأمان فيه أبسط. نظرت ندى بدهشة وسألته: - " وبصمة فادي؟" أجاب مروان: - " لا... بصماتي أنا. ربما نخدع النظام. الدكتورة سمر تعرف كيف تُزوّر البصمات." نهضت ندى بسرعة: - " سأخبر طارق... هذه قد تكون ثغرتنا." غادرت بخطواتٍ متسارعة، تاركة إياه في ظلِّ الصمت. نظر إلى يديه، كما لو أنه يحاول معرفة من يملك هذا الجسد الآن: هو أم فادي؟ ابتسم مراً وهمس: - " من سأكون حين ينتهي كل هذا؟ مروان؟ فادي؟ أم شخصٌ آخر لا أعرفه بعد؟" لم يجب أحد. ظلّ السكون يملأ المكان، وكأن الهواء نفسه ينتظر ما سيأتي بعد.
📜 الفصل الرابع 📜
استيقظ مروان على صوت خافت… حركة خفيفة داخل المبنى. لم يكن متأكدًا إن كانت حقيقية أم بقايا من حلمه المتكسر. أدار رأسه ببطء، أذناه تصغيان لكل خشخشة في الصمت. ربما الفأر نفسه الذي سمعه الليلة الماضية؟ لا يدري. كل شيء هنا يُشبه الكوابيس التي تطارده. نومه كان هشًّا، كأنه ينام فوق قلقٍ لا فوق سرير. الأحلام تتناوب عليه: ذكريات من حياته البائسة تختلط بمشاهد دم وصراخ من ماضي فادي. أحيانًا يستيقظ ولا يعرف أيهما هو — مروان أم فادي؟ شعر بثقلٍ غريب في رأسه، كأن جمجمته تئن. نهض ببطء، قدماه ثقيلتان، خطواته تتعثّر فوق الأرض الباردة. الحمام المؤقت كان على بُعد خطوات، لكن الطريق بدا أطول من اللازم. حين لامس وجهه الماء البارد، كأنه تلقى صفعة. انتفض. الهواء دخل رئتيه فجأة. شعر بأن جسده يتيقظ، لكن روحه… لا تزال خائفة. خرج، فوجد الدكتورة سمر بانتظاره. وقفت أمام الباب، ذراعاها مطويتان، نظرتها ثابتة، فيها شيء من الحزم… وشيء آخر يشبه الخوف. قالت: - "هل أنت مستعد؟" لم يجب فورًا. أدار نظره نحو الجدار المتشقق ثم إليها. "نعم… أو هكذا أظن." ابتسمت نصف ابتسامة، ثم أشارت له أن يتبعها. قادته إلى غرفة صغيرة، أضواءها بيضاء متعبة، تشبه غرف المستشفيات في منتصف الليل. كرسي معدني في الوسط، تحيط به أجهزة وأسلاك ملتفة كأفاعٍ خامدة. على الطاولة شاشات تومض بخفوت. كان طارق هناك، وندى أيضًا. وجهيهما يحملان التوتر نفسه الذي في صدره. جلس ببطء. لم يسأل، لكنه تكلم أخيرًا: - "كيف ستعمل هذه العملية؟" سمر ردّت، وهي تُثبّت الأقطاب على رأسه بعناية كأنها تلمس زجاجًا هشًا: - "سنستخدم تحفيز الدماغ العميق. الجهاز سيرسل نبضات كهربائية دقيقة لمناطق معينة. سنحاول الوصول إلى الذاكرة… إلى فادي تحديدًا." شعر بوخز خفيف. تردّد لحظة، ثم سأل: - "هل سيؤلم؟" نظرت إليه. - "الألم ليس في الجسد يا مروان… بل في ما ستراه." بلع ريقه. لم يعرف إن كان جاهزًا لذلك أم لا. حين أغمض عينيه، سمع صرير الأجهزة. تنفّسه صار متقطّعًا. في البداية، مجرد ومضات مبعثرة: وجوه، صرخات، ضوء أحمر، شيء يشبه بابًا معدنيًا يُفتح ببطء. ثم تداخلت الصور. كأن ذاكرته انزلقت في عالمٍ آخر. - "مروان، ركّز معي." صوت سمر بدا بعيدًا، مشوّشًا. "تذكّر المنشأة. كيف كان فادي يدخل إليها؟" أخذ نفسًا حادًا. فجأة رأى نفسه في طريق ترابي ملتف، الأشجار تحيطه من الجانبين. الغبار يتصاعد من تحت قدمي فادي… أو قدميه؟ لم يعد متأكدًا. المبنى الرمادي ظهر في الأفق، ضخم كأنه كتلة من الإسمنت لا نهاية لها. كاميرات بين الأغصان. حراس يتحركون بلا صوت. - "أراه… هناك مدخل خلفي." قالها بصوت مبحوح. - "كيف يتجاوزه؟" تبدّلت الصورة. سيارة سوداء. بوابة معدنية. جهاز مسح بصمة. فادي يضع إصبعه ثم يدخل رقمًا. - "بصمة ورمز من ستة أرقام." - "تتذكر الرمز؟" صوت ندى هذه المرة، قلقها واضح. - "7… 4… 9… 2… 0… 1." قالها كأنه يقرأ من لوحٍ غامض. تصاعدت شدة التيار. رأسه اهتز قليلًا. العرق نزل على جبينه. الصور ازدادت كثافة: ممرات بيضاء، مصابيح باردة، مختبرات فيها كبسولات زجاجية، أجساد بشرية نائمة موصولة بأسلاك. سمع خفق قلبه، أو ربما خفق أحدهم داخل تلك الكبسولات. - "أين غرفة السيرفر؟" تأوه، وضع يده على رأسه. الألم كأنه طعنة. ومع ذلك رأى الباب الضخم — رمادي لامع، محمي بكاميرات وأجهزة أمنية معقّدة. - "المستوى الرابع… هناك تحت الأرض. الحكيم وحده يملك مفتاح العين والرمز الخاص." - "هل فادي دخل هناك من قبل؟" صمت لحظة، ثم بصوت خافت: - "مرة واحدة… مع الحكيم. رأى ملفًا يحمل اسمي." فتحت سمر عينيها بدهشة. طارق اقترب، لكن قبل أن يقول شيئًا، شهق مروان فجأة. - "الحكيم كان يراقبني… منذ البداية. أرادني… جسدًا لاستقبال عقل فادي." صرخت ندى: - "سمر! أوقفي الجهاز!" لكن قبل أن تلمس الزر، تغيّر كل شيء. الموجات على الشاشة تلاعبت بجنون. ثم — سكون غريب. لحظة فراغ. فتح مروان عينيه. لكنها لم تكن نظرة مروان. كانت نظرة أخرى — حادة، باردة، فيها ثقة وشيء مظلم. تراجعت ندى خطوة إلى الخلف، صوتها بالكاد خرج: "فادي؟" ابتسم. لا… لم يبتسم، بل ارتسمت على وجهه نصف ابتسامة خالية من الدفء. - "مرحبًا… مضى وقت طويل." طارق حدّق فيه، يبحث عن بقايا من صديقه. - "أين مروان؟" سأل. أجاب فادي بهدوء مريب: - "في الداخل… صامت. ضعيف. لم أقتله إن كان هذا يهمكم، فقط دفعته قليلًا." سمر حاولت أن تقترب من الجهاز، لكنه أمسك بمعصمها بخفة، لكنها كانت قبضة لا يمكن مقاومتها. - "لا تفعلي ذلك. أريد أن أستمتع… بحرّيتي." قالت ندى: - "نحن لا نريد إيذاءك، فادي. نريد فقط أن نعيد الأمور كما كانت." ضحك ضحكة قصيرة، كأنها سخرية أكثر من فرح. - "كما كانت؟ لقد استغلّنا الحكيم جميعًا. لكنه أخطأ في شيء واحد… الآن أعرف كيف أصل إليه." تبادل الثلاثة نظرات سريعة. في تلك اللحظة لم يكن أحد واثقًا بمن أمامهم. مروان؟ أم فادي؟ أم مزيج منهما؟ اقترب فادي من الطاولة، أزاح الأقطاب بعنف، ثم أشار إلى الخريطة على الجدار. - "المنشأة فيها ثغرة. الممر الجنوبي يؤدي إلى المولدات. من هناك ندخل دون أن يُكتشف أمرنا." كان صوته ثابتًا جدًا… أكثر من اللازم. راقبته ندى، في عينيها مزيج من الخوف والأمل. ربما مروان ما زال يقاوم في مكانٍ ما داخله. ربما تلك الرجفة الخفيفة في يده علامة. أو هكذا أقنعت نفسها. أنهى فادي شرحه، رفع رأسه، ونظر إلى الجميع نظرة غريبة. - "بعد المهمة… سنتحدث عن الدمج." كلماته الأخيرة بقيت معلّقة في الهواء، مثل وعدٍ مشؤوم. ساد الصمت. لم يعرف أحد ما إذا كان يتحدث عن توحيد العقول… أم عن شيء أعمق من ذلك. ندى حدّقت في وجهه للمرة الأخيرة. داخل تلك العينين، لمحت شيئًا يشبه مروان. لحظة قصيرة جدًا، كأنها ومضة ذاكرة. ثم اختفى كل شيء. وقفت هناك، تفكر: هل من الممكن أن يظل الإنسان موجودًا بعد أن يُسلب جسده؟ لم تجد إجابة. فقط ذلك الفراغ الثقيل في صدرها. ربما… لا يزال مروان يسمعهم من مكانٍ ما. وربما — لم يعد أحد يسمع أحدًا بعد الآن. *** اجتمع الفريق حول الطاولة الكبرى، فخيم صمتٌ ثقيل حتى بدا الهواء وكأنّه يخشى أن يتحرّك. تبادلوا النظرات بترقُّبٍ شديد، كأنّ أقلَّ همسةٍ قد تُقوّض ذلك التوازن الهشّ. وقف فادي أمامهم ممسكًا بالخريطة التي رسمها بيديه، وكان هناك فرق واضح في صوته عن صوت مروان— ليس في الكلمات فحسب، بل في طريقة الوقوف، وفي ثبات النبرة، وفي حرصه على كل تفصيلة. أشار إلى المخطط وقال بصوتٍ متماسك: - «المنشأة مقسومة إلى أربعة مستويات تحت الأرض. الأول إداري: مكاتب وغرف اجتماعات واستقبال. الثاني: مختبرات فرعية ومرافق بحثية. أما الثالث فهو القلب الحقيقي — غرف عمليات، وحدات تخزين بشرية، ومختبرات لنقل العقول. والرابع، الأعمق، يحتوي غرفة السيرفر المركزية وغرفة الحكيم الخاصة.» رفع جمال رأسه وهو يتقصى الخطوط على الورق، ثم سأل متحسّسًا: - «طيب، وكيف نصل إلى هناك؟» أجابه فادي بثقة هادئة: - «عبر نفقٍ سري سبق وذكرتُه... يصل مباشرة إلى المستوى الثالث، ويتجاوز أغلب نقاط التفتيش. لكن مَدخلَه محمي ببصمة وإدخال سري.» ندى رمقته بعينٍ حذرة وسألَت: - «بصمتك أم بصمة مروان؟» ابتسم فادي ابتسامةٍ باردة وقال: - «بصمتي الأصلية... لكنّها لم تعد موجودة. والدكتورة سمر عندها حلّ.» أومأت سمر بثقة: - «أستطيع تهيئة نسخة تخطيطية للبصمة، لكنّني سأحتاج إلى بيانات أصلية أولًا.» أشار فادي إلى ليلى: - «وهنا يأتي دورك، ليلى — اختراق نظام الأمن والوصول إلى ملف البصمة.» علت الدهشة وجهَها وقالت: - «اختراق نظام الشركة؟ هذا ليس بالأمر السهل.» اقترب فادي من الطاولة، وهدأ صوته: - «أعرف. لكنه ليس مستحيلاً. هناك ثغرة قلتُ لكم عنها من قبل؛ إنْ بقيت فستستطيعين استغلالها.» شرع يشرح الفكرة بشكلٍ عام، بينما كانت ليلى تكتب بسرعة، وعيناها تتلألأان مع كل معلومة جديدة. نظرت إليه بإعجاب: - «يا إلهي... كيف عرفْتَ كل هذا؟» ردّ وهو يشيح بنظره قليلًا: - «كنت أعدّ نفسي لليوم الذي أحتاج فيه إلى الهروب من تأثير الحكيم. لم أثق به يومًا.» من الناحية الأخرى سأل طارق: «حسنًا، بعد ما نحصل على البصمة وندخل النفق... ما الخطة التالية؟» أعاد فادي ترتيب الأوراق وقال: - «سنقسّم الفريق إلى مجموعتين. الأولى — أنا وندى وجمال — إلى المستوى الرابع، غرفة السيرفر. الثانية — ليلى وسمر — إلى الثالث لتحرير الضحايا.» تطلّع طارق إليه متسائلًا: - «وأين دوري؟» أشار فادي إلى شاشة الحاسوب الكبيرة: - «أنتَ المنسّق الرئيسي هنا. تتابع تحركات الحكيم عبر شاشات المراقبة بعد اختراق ليلى. ستكون أعيننا وآذاننا من هنا.» أومأ طارق ببطء، وبدت الخيبة في عينيه تزحف حين تذكّر قيده بالكرسي المتحرك. سأل جمال بقلق: - «والحراس؟» ردّ فادي بنبرة حازمة: - «نسعى لتجنّب المواجهة. هدفنا دخولٌ هادئ وخروجٌ آمن. وإذا اضطرّ الأمر للقتال... فأنا أعرف كيف أتعامل معهم.» قاطعتها ندى بحزم: - «من دون قتل. أغلبهم موظفون لا يدركون الحقيقة.» رمقه فادي للحظة ثم قال مترددًا: - «حسنًا... لكن لا أضمن النتائج لو تصاعد الوضع.» دار النقاش لساعات، ونتّف كلٌّ منهم تفاصيلَ الخطة. مع غروب الشمس بدا كل شيء معدًّا بدقّة: التنفيذ بعد يومين، عند منتصف الليل، حين يهدأ المكوث ويقلّ عدد الموظفين. تفرّق الفريق للتحضيرات. انشغلت ليلى بمحاولات الاختراق، أعدّت سمر أجهزتها المتخصّصة، جهّز جمال المعدات الميدانية، وتولّى طارق رصد شاشات المراقبة. أمّا فادي وندى فبقيا في غرفة الاجتماعات، وحدهما. بينما كان فادي يراجع الخرائط بتركيز، راقبه ندى بصمتٍ أثقل من الكلام. ثم قال فجأة دون أن يرفَع رأسه: - «أنتِ لا تثقين بي، أليس كذلك؟» أجابته ندى، صوتها مملوء بالحزن: - «هل ألقي عليك اللوم؟» تنهّد وأجاب بخفوت: - «لا... بل أنا لا أثق في نفسي. الحكيم غيّرني قبل أن ينقل عقلي؛ ترك فيّ ما لم أكن أريده.» لمعت لمحة إنسانية في صوته للمرة الأولى. قالت ندى: - «عرفتُ التغيير... حاولتُ إنقاذك لكنّي لم أفلح.» هزّ رأسه نافياً: - «لم تفشلي. أنتِ السبب الوحيد الذي يجعلني أتماسك. لولاك لصِرتُ ذلك الشيء الذي أراده الحكيم.» همست ندى بسؤالٍ مبهم: - «وماذا عنك الآن؟ من أنت؟» تنفّس بصعوبة وقال: - «لست أنا، ولست هو تمامًا. شيءٌ بينهما؛ خليطٌ من الشظايا، وذِكرَيَات مروان لا تزال تطفو كسحبٍ رقيقة.» انتفضت ندى بقلق: - «هل تستطيع الوصول إليها؟» أجاب وهو يشيح بنظره: - «قليلاً. أشعر بألمه كما لو أنه ألمُ نفسي... ظلٌّ ضعيف يحاول أن يعود.» قالت بحزم: - «علينا أن نعيده.» صمت لحظة ثم سأل بنبرةٍ خافتة: - «وإذا فعلنا، ماذا عني؟ هل سأختفي أم أموت؟» صمتت ندى ثم قالت: - «لا أعلم. ربما يكون الدمج حلاً؛ شخصٌ جديد يجمع ما هو أفضل منكما.» ردّ بصوتٍ متردّد: - «ولو رفض أن يعيش في جسدٍ ليس له؟» همس متجهماً: - «كل ما أريده هو السلام. أريد أن أعرف من أنا.» مدّت ندى يدها ووضعت يدها على كتفه بحنو: - «سنكتشف ذلك معًا... لكن بعد أن ننجز مهمتنا.» عاد فادي إلى الخرائط قائلاً: - «الأولوية الآن للعملية. أيّ شيءٍ آخر يمكن أن ينتظر.» مع بزوغ الصباح اجتمعوا من جديد. كانت ليلى أوّل المتكلّمات، وجهها مشرق: - «نجحت. وصلت إلى ملف البصمة.» ابتسم طارق بتعجّب: - «عمل رائع! واجهتِ مشاكل؟» ردّت ليلى مطمئنة: - «بعض الطبقات الأمنية الجديدة، لكن تجاوزتها. والأهم أننا سنرصد الداخل في الوقت الحقيقي.» عرضت الصور الحيّة من الممرات والمختبرات على الشاشة. اقترب فادي وقال: - «ممتاز. سنعرف توقيت تحرّكات الحراس بدقّة.» سأل جمال: - «أين سيكون موقع الحكيم ليلة التنفيذ؟» قالت ليلى: - «وفق جدول العمل، سيكون خارج المنشأة. ليلة الجمعة يغادر كثيرون مبكرًا.» فحصت سمر معداتها: - «أحتاج يومًا واحدًا لتحضير النسخة المختبرية للبصمة.» عدّ جمال ما معه: - «المعدات جاهزة — أدوات غير قاتلة: أقنعة، أدوات تشويش، أجهزة رؤيا ليلية.» أمّن رامي الاتصالات: - «القنوات مشفّرة. سنبقى على تواصل دائم مع طارق.» قال طارق بجدية: - «كل شيء يبدو جاهزًا... لكن يجب أن نكون حذرين. الحكيم ليس بسيطًا؛ وإن شكّ في أمرنا تقلب الأمور رأسًا على عقب.» ردّ فادي بثبات: - «إذاً ستكون العملية سريعة ونظيفة: دخول، جمع البيانات، تحرير الضحايا، خروج. لا مواجهات إلا عند الضرورة.» سألت ندى بقلق: - «وإن واجهناه؟» توقف فادي للحظة، ثم قال ببرود قاتم: - «إن واجهناه... فسيكون هو الثمن.» اهتزّ صدر ندى، وفهمت المقصود دون أن يُوضّح؛ فالمعنى كان أن فادي مستعد لفعل ما يلزم لإيقاف الحكيم. لم تُبدِ ندى تعليقًا، واكتفت بالصمت. ختم طارق الاجتماع قائلاً: - «نراجع الخطة النهائية غدًا.» انصرفوا جميعًا، وبقي فادي وحيدًا أمام الشاشة التي تُظهر مكتبًا فاخرًا في المستوى الرابع — مكتب الحكيم. همس وهو يحدّق في الصورة: - «قريبًا... سينتهي كل شيء.» وفي عمق زوايا وعيه، في مكانٍ مظلم لا يصل إليه نور، كان مروان يراقب بصمتٍ... ينتظر فرصةً ليعود. *** في تلك الليلة، حين غرق البيت في سكونٍ تام، كان فادي ما يزال مستيقظًا. جلس على حافة السرير، يحدّق في السقف الرمادي، وعيناه لا تثبتان على شيء. عقله لا يهدأ. الأفكار تتلاحق بلا ترتيب: خطة الاقتحام، الحساب مع الحكيم، ومستقبله الذي يزداد غموضًا مع كل دقيقة تمرّ. لكن وسط هذا الضجيج الداخلي، تسلّل صوت خافت، كأنّه قادم من أعماق روحه… صوت مروان. همس فادي بحدة: - «اخرس… أنت مجرد صدى، لا مكان لك هنا.» لم يختفِ الصوت، بل بدا أقرب وأكثر وضوحًا، حتى صار كلامًا مفهومًا: - «هذا جسدي يا فادي… أنت المتطفل، لست أنا.» نهض فادي فجأة، وتوجّه إلى الحمّام بخطوات سريعة. أدار الضوء، ووقف أمام المرآة. رأى وجهه، لكنه لم يبدُ وجهه تمامًا… كانت هناك ملامح مروان تختبئ في عينيه. تمتم: - «أنت مجرد ذكرى باهتة… شخص لم يحتمل الألم.» وجاء الرد من داخله، ثابتًا وواثقًا: - «أنا أكثر حقيقة منك. نحن الاثنان في هذا الجسد، ولن يختفي أحدنا. لا أنت قادر على محوي، ولا أنا قادر على استعادته بالكامل.» شدّ فادي على حافة الحوض، وغليان الغضب يسري في جسده. رفع يده وضرب المرآة بقوة، فتكسّرت إلى شظايا تلمع تحت الضوء. انساب الدم من جرحٍ صغير في كفّه، فأحسّ بحرارته. كان الألم واضحًا، ملموسًا… وكأنه يذكّره بأن جسده ما زال حيًّا. قال بصوت مبحوح: - «أنا حقيقي… أنا فادي الريماوي.» ردّ الصوت ساخرًا: - «ومن هو فادي الريماوي أصلًا؟ أتظن أنك تعرف نفسك؟ أم أنك مجرد ما أراد الحكيم أن تكونه؟» تجمّد فادي، وصمته كان أثقل من الكلمات. بدأت الذكريات تومض في رأسه كأنها مقاطع مكسورة: وجه طفل، ساحة تدريب، أوامر، صراخ… لم يعد يميّز بين ما عاشه فعلاً، وما زُرع داخله. قال الصوت من جديد: - «أنت لا تملك ماضيك. لأنك ببساطة لم تولد، بل صُنعت.» صرخ فادي، واضعًا يديه على رأسه: - «اخرس! أنا أفكر… أشعر… أعيش! هذا يكفيني لأكون حقيقيًا!» سقط على الأرض، متكئًا على الحائط البارد، أنفاسه متقطعة. في داخله حرب لا تنتهي: نصف يريد إسكات مروان للأبد، ونصف آخر يخشى أنه ربما لا يملك الحق في ذلك. سأل بصوت خافت: - «ما الذي تريده؟» أجابه الصوت بهدوء: - «أريد جسدي من جديد… لكن ربما فات الأوان. يمكننا أن نلتقي في منتصف الطريق.» رفع فادي رأسه، وتذكّر حديث سمر: - «تقصد الدمج؟» قال مروان: - «نعم. لا أحد منا سيُمحى. سنصبح شخصًا واحدًا، فيه قوتك وخبرتك، ومعها إنسانيتي وما تبقّى من ضميري.» ظل فادي صامتًا، قلبه مثقل بالخوف. فكرة أن يفقد نفسه كانت مرعبة، لكن فكرة أن يعيش بهذه الفوضى كانت أسوأ. ربما الدمج هو الحل… أو النهاية. تمتم: - «سأفكر بالأمر… بعد المهمة.» قال الصوت في هدوء: - «ولا تنسَ، الحكيم هو الجاني الحقيقي. هو من جعلنا هكذا… ويجب أن يدفع الثمن.» نهض فادي ببطء، غسل الدم عن يده، نظر لنفسه مرة أخرى في المرآة المكسورة، ثم عاد إلى السرير. قبل أن تغلبه عتمة النوم، همس: - «سننهي هذا معًا يا مروان… ثم نرى من يبقى في النهاية.» مع طلوع الصباح، اجتمع الفريق كعادتهم حول الطاولة الكبيرة. بدا التوتر واضحًا على الوجوه. قال طارق وهو يقلب الملفات: - «سمر، البصمة الاصطناعية جاهزة؟» أشارت سمر إلى قطعة شفافة بين يديها: - «جاهزة تمامًا، جرّبتها الليلة الماضية.» - «ليلى، أنظمة المراقبة؟» ردت بثقة: - «تحت السيطرة. المستويان الأول والثاني مراقبان بالكامل، وسأخترق الثالث والرابع بعد الدخول.» قال طارق وهو ينظر نحو جمال: - «والمعدات؟» - «كل شيء في مكانه،» أجاب جمال، «كل حقيبة محددة باسم صاحبها.» انتقل طارق إلى ندى: - «النقل؟» قالت وهي تراجع الخطة: - «مؤمَّن. نتحرك سيرًا من النقطة البعيدة، وسيارة ثانية بانتظارنا في موقع الالتقاء.» التفت إلى رامي: - «الاتصالات؟» ابتسم رامي بثقة: - «مشفّرة وآمنة. اختبرتها أكثر من مرة.» أغلق طارق الملف وقال: - «ممتاز. فادي، شيء تضيفه؟» رفع فادي رأسه، وصوته أكثر هدوءًا من المعتاد: - «الحكيم قد يكون هناك. لا تثقوا بالجدول. الرجل لا يلتزم بخطة واحدة أبداً.» تبادل الفريق النظرات. الخوف كان حقيقيًا، لكن العزم كذلك. تابع فادي: - «إذا نجحنا، يجب أن نكشف ما لدينا للعالم. ليس انتقامًا، بل لحماية من سيأتي بعدنا.» ابتسمت ندى بخفة وقالت: - «فلننجُ أولاً، ثم نتحدث عن العالم.» وقف الاثنان أمام النافذة، المدينة تغرق في وهج الغروب. ألوان السماء بين الأحمر والبرتقالي، كأنها إنذار أخير قبل العاصفة. قال فادي: - «لو حدث لي شيء غدًا—» قاطعته ندى بسرعة: - «لا تقل ذلك. سنخرج جميعًا سالمين.» ابتسم، ومرّر يده برفق على وجهها: - «كنت أتمنى لو عدنا إلى ما قبل ظهور الحكيم.» قالت بصوت ثابت: - «ما فات لا يعود، لكن يمكننا أن نبدأ من جديد بعده.» أومأ برأسه، وعيناه تتابعان الأفق: - «بعد غدٍ… سيصبح الحكيم ذكرى.» وفي مكان بعيد، جلس الحكيم في مكتبه، عينيه تتابعان صورهم على شاشة ضخمة، وابتسامة باردة ترتسم على وجهه. تمتم بهدوء: - «أخيرًا… عادوا إلي.» *** جاء اليوم الموعود أخيرًا. الفريق كان يتهيأ في قاعدتهم المؤقتة، يرتدي ملابس سوداء، ويفحص المعدات بعناية متأنية. وقف طارق أمام الشاشة يراجع الخطة بصوت هادئ: - «تذكّروا الهدف — دخول وخروج بهدوء. الفريق الأول: فادي وندى وجمال إلى المستوى الرابع، غرفة السيرفر. الفريق الثاني: ليلى والدكتورة سمر إلى وحدات التخزين البشري في المستوى الثالث.» رفع جمال مسدس الصعق وسأل ببساطة: - «والحراس؟» رد طارق: - «تجنّبوا المواجهة قدر الإمكان. استخدموا غاز النوم فقط إذا اضطرّ الأمر. لا إصابات، لا خسائر.» أومأ الجميع. فادي بقي صامتًا، يراجع سلاحه بتركيز. كان يظهر هادئًا، لكن بوضوح كان هنالك صراع داخلي بين رغبته في الانتقام ووعده لندى — بأن لا يتحوّل العمل إلى ثأر شخصي. نادت ندى عليه بهدوء: - «هل أنت بخير؟» أجابها مقتضبًا: - «نعم، أركز فقط.» ذكّرته بصرامة محبّة: - «تذكّر اتفاقنا. المهمة أولًا، ثم أي شيء آخر.» أومأ دون أن ينظر إليها. في التاسعة مساءً غادروا القاعدة بسيارتين. الليل كثيف الغيوم، والظلام خبأ تحركاتهم. بعد ساعة توقّفوا على بعد كيلومترين من المنشأة. وضعوا السيارة الأولى بين الأشجار ونزلوا بصمت. قال فادي موجّهًا: - «من هنا نمشي. رامي، ابقَ مع السيارة واستعد للانطلاق عند الإشارة.» أومأ رامي وبقي مع معدات الاتصال، يتابع العملية من نقطة المراقبة لدى طارق. ساروا عبر الغابة على درب متعرّج لتفادي كاميرات المراقبة، وفادي يقودهم بخفة، يتحرك كظلّ بين الشجيرات. بعد أربعين دقيقة وصلوا إلى حافة الغابة حيث بُني المبنى الرمادي محاطًا بسياج عالٍ. همس فادي: - «هاهنا المدخل الخلفي، مخفي بين الشجيرات.» اقتربوا بحذر. قطع فادي فتحة صغيرة في السياج بمهارة، ثم همس: - «نحن في منطقة خطر الآن. اتبعوا تعليماتي حرفيًّا.» تعدّوا السياج واحدًا تلو الآخر حتى وصلوا إلى باب معدني صغير، شبه مخفي في الظلام. أخرج فادي بصمة سمر الاصطناعية، وضع إصبعه على جهاز المسح. لمبة خضراء ومؤشر رقمي؛ أدخل الرمز: 7-4-9-2-0-1. صمت قصير، ثم انفتح الباب ببطء. همست ليلى بسعادة مكبوتة: - «نجحنا.» رد فادي بلا مبالغة: - «هيا، لا وقت للاحتفال.» ودخلوا نفقًا ضيقًا مضاءً بمصابيح خافتة ينخفض بهم إلى عمق الأرض. قال فادي وهو يسير: - «هذا يوصل مباشرة للمستوى الثالث. نتجاوز الأول والثاني بالكامل.» ساروا نحو مصعد صغير، ضغط فادي الزر، وانخفض المصعد ببطء. همس: - «استعدوا — قد يكون هناك حراس.» أخرج الجميع معداتهم: مسدسات صعق، قنابل غاز مخدّر. كانت دقات قلوبهم واضحة في صمت المصعد. فتحت أبواب المصعد على ممر خالٍ. قال فادي لليلى وسمر: - «هنا نفترق. وحدات التخزين البشري لليسار، غرفة السيرفر عبر السلم الخلفي.» قالت سمر: - «انتبهوا. نلتقي بعد ساعة.» وانفصل الفريقان. تقدّم فادي وندى وجمال عبر ممرات بيضاء، متجنّبين الكاميرات التي عطلتها ليلى مؤقتًا. همس فادي عبر جهاز الاتصال: - «طارق، تسمعني؟» رد طارق: - «واضح. ليلى اختراقها ناجح. لديكم حوالى خمسة عشر دقيقة قبل أن يكتشفوا الخلل.» قال فادي مطمئنًا: - «كافٍ. إلى المستوى الرابع.» وصلوا باب سلم الطوارئ؛ فتحه فادي وبدأوا بالصعود. عند مدخل غرفة المستوى الرابع توقف فجأة، أنفاسهم أصبحت أقرب. همست ندى: - «ما الذي يجري؟» قال فادي: - «هذا سهل جداً. شيء ما غير طبيعي.» ابتسم جمال بخفة: - «ربما حظنا جيد.» هز فادي رأسه: - «الحكيم لا يترك شيئًا للصدفة.» قبل أن يكمل، انطلق إنذار خافت. صاحت ندى: - «اللعنة! إنه فخ! طارق، تسمعني؟» لكن السماعة بلا صوت. انطفأت الأضواء، واشتعلت مصابيح الطوارئ الحمراء. قالت ندى بتوتر: «انقطع الاتصال. ماذا نفعل؟» رد فادي بسرعة: - «نستمر. جئنا بعيدًا للتراجع الآن. جمال، أمّنوا الطريق. ندى معي.» فتحوا بابًا فوجدوا ممرًا أوسع، أنيقًا ببرود — يشبه جناح فندق. تقدّموا، وكان كل شيء غريبًا بهدوئه. همست ندى: - «أين الجميع؟» وصلوا إلى باب خشبي كبير كتب عليه "د. رامي الحكيم — المدير التنفيذي"، وبجانبه باب معدني أصغر مُقفَـل إلكترونيًّا. أشار فادي: - «غرفة السيرفر هنا، سنحتاج لاختراق القفل.» بدأت ندى العمل على النظام، وفادي يراقب الممر بقلق. ثم تردّد صوت تصفيق بطيء من خلفهم. استداروا ليجدوا الحكيم واقفًا عند المدخل، بوجه هادئ وابتسامة باردة. قال بصوت ناعم: - «فادي… أم يجب أن أناديك مروان؟ أيُّهما يسيطر الآن؟» تبدّل لون وجه فادي، غضب يغلي فيه. ندى توقفت عن العمل وقالت بحدة: - «كنت تعلم أننا جايين.» أجاب الحكيم ببساطة: - «بالطبع. كنت أتابع منذ أن استيقظ فادي في جسد مروان.» فهموا فجأة: - «كان كل شيء فخًا — البصمة، الرمز، النفق... أنت قدّرت كل خطوة قادتنا إلى هنا.» قال فادي بمرارة. ضحك الحكيم بهدوء: - «أردت رؤية نتائج تجربتي. اتحاد عقلين في جسد واحد أمر مذهل. وبقايا وعي مروان باقية هنا — ملفت للاهتمام.» قالت ندى بغيظ: - «أنت مريض.» هز الحكيم رأسه بلا اكتراث: - «أنا عالم. أتجاوز حدود المعرفة. تجربة فادي ومروان أنجح تجاربي حتى الآن.» تساءل فادي بصوت مكسور: - «لماذا أنا بالذات؟» ابتسم الحكيم ببرود: - «لأن مروان مناسب. هناك صلة بينكما — صلة دم. مروان سامي أخوك غير الشقيق.» تعثرت الكلمات في صدر فادي: - «مستحيل...» لكن صورًا وذكريات بدأت تتسيد عقله، شيء فيها يجيب عن أسئلةٍ قديمة. قال الحكيم بابتسامة انتصارية: - «التوافق الجيني سمح لبقايا وعي مروان بالبقاء. ولهذا نجحت العملية.» همست ندى: - «أنت وحش.» قال الحكيم بهدوء: - «عبقري، إن شئت. والآن سأطلق المرحلة التالية على نطاق أوسع.» تقدّم فادي خطوة قائلاً: - «لن نسمح بذلك.» ضحك الحكيم ساخرًا: - «وكيف؟ فريقك الآخر موقوف. جمال...» وأشار نحو حارس يبدو في حالة غيبوبة. صرخت ندى: - «ماذا فعلت به؟» رد الحكيم ببرود: - «تقنية بسيطة للسيطرة العقلية. فعّالة جدًا.» قفز الخطر إلى قلب فادي؛ صار أمام خيارٍ مرعب. في هذه اللحظة سمع صوتًا داخله — صوت مروان: - «لا تفعل. هذا ما يريده. دعني أتولّى.» تردّد لوهلة، ثم سمح لذلك الصوت بأن يبرز. تغيرت نظرة فادي؛ بدت فيها ملامح شخص آخر. تقدّم بصوت مختلف، صار أهدأ وأشد إصرارًا: - «دكتور الحكيم، أنا مروان.» تجمد الحكيم لبرهة: - «هل استعدت السيطرة أم أنها خدعة؟» قال الصوت — مروان — بهدوء: - «أنا أريد صفقة. سأخضع للتجارب، شرط أن تُطلق سراح ندى والبقية.» تردد الحكيم للحظة، ثم قال محسوبًا: - «عرض مغرٍ. لكن كيف أثق بك؟» أجاب مروان بثقة: - «لأنني صادق. وعلى عكسك، لدي شرف.» ضحك الحكيم: - «الشرف! حسنًا، سأقبل. ثلاث دقائق مع ندى.» أخذ مروان ندى جانبًا وهمس: - «اسمعي، عندما أقول 'الآن' اهربي مع الآخرين. لا تنظري خلفك.» همس لها بصوت حنون: - «أحبك. فادي يحبك أيضًا. تذكّري ذلك.» اقترب بعدها من الحكيم مهيئًا نفسه. قال الحكيم: - «ممتاز.» ثم هجم مروان — أو فادي بما تبقى منه — على الحكيم داخل المكتب. أخرج جهازًا صغيرًا — قنبلة صغيرة أعطاها له جمال — وقال بغضب مكبوت: - «هذا لمن قتلتهم.» ثم فعلها. هزّ الانفجار المبنى بعنف. اندلعت النيران، وارتفعت سحب الدخان. أثناء الفوضى انسلّ الفريق الآخر عبر النفق إلى الخارج. وصلوا إلى السطح حيث تنتظرهم ليلى وسمر، وجهيهما متسائلان: - «ماذا حدث؟ أين فادي؟» نظرت ندى إلى المبنى المشتعل بعين دامعة وقالت بكتم: - «ضحى بنفسه ليوقف الحكيم.» وصلت فرق الإطفاء والشرطة بينما المبنى يحترق والدخان يملأ الأفق. أما في مكان بعيد، شخص جديد — مزيج من مروان وفادي — يتابع الأخبار على شاشة، وابتسامة هادئة تعلو وجهه وهو يهمس لنفسه: - «انتهى الأمر أخيرًا.» -
📜 الفصل الخامس 📜
كان الهدوء في تلك الأيام خادعًا… يشبه سكون البحر قبل أن يفتح فمه ويبتلع كل شيء. الناس ظنّوا أن كل شيء انتهى. أن الرماد الذي غطّى المكان دفن معه الحكاية، وأن الوجوه التي غابت لم تعد إلا ذكرى باهتة. لكن الحقيقة لا تموت، يا صديقي… الحقيقة فقط تُغيّر شكلها، وتجلس تنتظر اللحظة المناسبة لتعود من جديد. مرّت ستة أشهر على الانفجار الذي دمّر منشأة «عقل جديد». المدينة نسيَت، أو تظاهرت بالنسيان. الإعلام شبع أحاديث وتحليلات، ثم وجد فضيحة أخرى أكثر سخونة. الناس سمعوا كلمة «كارثة طبية» هنا، و«تجربة فاشلة» هناك، ثم انشغلوا بلقمة العيش. الجثة الوحيدة التي عُثر عليها كانت للدكتور رامي الحكيم… الرجل الذي كان يومًا ما عبقريًا، ثم صار لعنة. أُغلقت الملفات، وانطفأت الأضواء. لكن بين الغبار، كانت هناك قصة أخرى لم تنتهِ. على شرفة خشبية تطل على البحر، جلس رجل في أوائل الثلاثينيات. ملامحه تحمل تعب سنوات أكثر مما عاش. ندبة طويلة تشقّ وجهه من الجبين إلى الخد الأيسر، ويده اليُمنى مغطاة بحروق قديمة تبدو كأنها خريطة لما نجا منه. اسمه الآن "نديمفهمي". اسم جديد… حياة جديدة… لكنه وحده يعرف أن الأسماء لا تمحو الذاكرة. دخلت ندى تحمل كوبين من الشاي. بخار دافئ يتصاعد، وصوت البحر في الخلفية يذكّرهم بأن الزمن ما زال يتحرك رغم كل شيء. وضعت الكوب أمامه وجلست. لحظة صمت مرت كأنها استراحة من الحرب. قالت بهدوء: ــ "كيف حالك اليوم؟" زفر كمن يحاول أن يُخرج شيئًا عالقًا في صدره: ــ "أفضل… الكوابيس بدأت تقل." ــ "وذكريات مروان وفادي؟" ابتسم بخفة، وفي عينيه مزيج من الوجع والسخرية: ــ "ما زالت تتداخل أحيانًا… لكنني بدأت أميّز بينهما. أعرف الآن مَن أنا، ومَن كانا هما." كان نجاته من الانفجار أقرب إلى الخرافة. حين دوّى الانفجار، كان رامي الحكيم قد فقد عقله حرفيًا. نديمألقى بنفسه خلف أحد الجدران المعدنية، وشظايا النار أكلت نصف جسده. بعد يومين، عادت ندى متخفّية في زيّ عاملة إنقاذ، تبحث عن أي أثر له. وجدته مغطى بالرماد، شبه ميت، لكن قلبه ما زال يخفق بعناد غريب. أخفته عن العيون، وساعدتها سمر — طبيبة قديمة تعرفها — في علاجه بعيدًا عن أي سجل رسمي. أسابيع من الألم. جسده بدأ يلتئم، لكن عقله كان ساحة معركة. كان يتحدث أحيانًا بصوت مروان، وأحيانًا بفكر فادي، وأحيانًا لا يعرف من يكون. قال الطبيب ذات يوم: - "إنه يعيش بعقلين في جسد واحد… فقط الزمن هو من سيقرّر مَن الباقي." لكن الزمن لم يقرر. بدلًا من ذلك، تصالح الاثنان بداخله. لم يندمجا تمامًا، ولم يتفرقا. أصبح نديممزيجًا منهما، شيئًا ثالثًا لم يُخلق من قبل. سأله ذات مساء، وهو يحدّق في الأفق: ــ "هل تحدثتِ مع طارق اليوم؟" ــ "نعم، التحقيقات مستمرة. تعرف أننا ما زلنا نحاول تحديد هوية الضحايا." ــ "والتقنية؟" ــ "تم تسليمها للجنة دولية. لن تُستخدم إلا لأغراض العلاج النفسي، وتحت رقابة مشددة." هزّ رأسه. ابتسم ابتسامة باهتة وقال: ــ "التقنية نفسها لم تكن شريرة… لكن رامي هو من أطلق الوحش من القفص." صمتا قليلًا. ثم قالت ندى فجأة: ــ "وكريم… صديق مروان؟" ضحك وقال: ــ "قرر يكتب القصة. ليس كتحقيق صحفي، لا… كرواية. قال لي: - "الناس لن تصدق الحقيقة، لن تقرأها لو كانت خيال علمي." ضحكت بدورها: ــ "أحيانًا الخيال أصدق من الحقيقة." الشمس كانت تغرب ببطء، والبحر يصير أحمر كالدم. ندى سألته بعد لحظة صمت: ــ "هل ندمت لأنك نجوت؟" ظلّ يراقب الأفق طويلًا قبل أن يجيب: ــ "في البداية، نعم. كنت أشعر أن النجاة عقاب… لا مكافأة. كل ليلة كنت أرى الوجوه التي ماتت أمامي. كنت أسمع صراخهم في رأسي." سكت لحظة ثم أضاف: ــ "لكن بعد فترة، أدركت أنني ما زلت هنا لسبب. ربما لأتأكد أن ما حدث لن يتكرر." مدّت يدها ولمست يده بخفة. ــ "ومن تكون الآن يا كريم؟" ابتسم ببطء: ــ "أنا مَن تبقّى من الاثنين… مروان وفادي. لكنني أيضًا لست أيًّا منهما. أنا مَن خرج من تحت الرماد." ضحكت ندى وقالت: ــ "على الأقل، يبدو أنك بدأت تجد نفسك أخيرًا." ــ "ربما… أو ربما أنا فقط تعلّمت التعايش مع أشباحي." في تلك الليلة، بعد أن نامت ندى، جلس نديمأمام الحاسوب. فتح ملفًا جديدًا. كتب بخط مرتجف قليلًا: "هذه ليست قصة بطولة. هي فقط حكاية عن رجل عاش بعقلين ومات بواحد." ثم بدأ يكتب كل شيء: مروان، فادي، الحكيم، التجربة، النار، الأصوات التي لا تختفي. الكتابة كانت نوعًا من العلاج. كل سطر يكتبه كان يقتطع قطعة من الألم ويحبسها داخل الكلمات. لم يكن يكتب من أجل الناس، بل من أجل أن ينجو من نفسه. كتب حتى الفجر، حتى شعر أن جسده صار خفيفًا كأنه تخلّص من عبءٍ ثقيل. وفي الصفحة الأخيرة كتب: - "كنت رجلين… والآن أنا واحد. أحمل ذكرياتهما وأخطائهما، لكن هذه المرة… أنا من يختار الطريق." أغلق الحاسوب، ونظر إلى الجدار أمامه. صورتان معلقتان هناك: الأولى لأحمد يبتسم مع والديه. الثانية لفادي بزيّه العسكري. اقترب منهما ولمس الإطار بأصابعه. قال بصوت مبحوح: ــ "وداعًا يا مروان… وداعًا يا فادي… وشكرًا لأنكما تركتماني أعيش." ثم ابتسم ابتسامة صغيرة غريبة… تلك الابتسامة التي تسبق السلام أو الجنون. عاد إلى الفراش، تمدّد بجانب ندى، وأغمض عينيه. لأول مرة منذ شهور، لم يرَ النار ولا الصرخات ولا الدم. رأى فقط بحرًا هادئًا وشمسًا تشرق من جديد. نام أخيرًا… وندى، التي التفتت نحوه بعد قليل، رأت ملامحه هادئة كطفل نائم. لم تعرف إن كان الحلم عاد إليه، أم تركه أخيرًا. لكنها ابتسمت، وهمست بصوت خافت: ــ "ربما هذه هي البداية حقًا." النهاية… أو هكذا ظنّوا. *** بعد مرور أسبوع، كان نديميجلس في مقهى صغير بوسط المدينة. ضوء الشمس يتسلل من بين النوافذ العالية، وصوت الملاعق يصطدم بالأكواب في تناغم هادئ. كان يبدو أكثر هدوءًا من ذي قبل، لكن داخله لم يكن كذلك. قرر أخيرًا أن يواجه جزءًا من ماضيه… الجزء الذي يخص مروان تحديدًا. فتح باب المقهى رجل يعرفه جيدًا. تردد لحظة وهو يلتفت باحثًا عنه، ثم وقع بصره عليه. بدت على وجهه صدمة خافتة قبل أن يتقدم بخطوات بطيئة ويجلس أمامه. قال بصوت خافت: ــ "مروان؟" رفع نديمنظره إليه وابتسم بهدوء، وقال: ــ "أهلًا… شكرًا لأنك جئت." لم يصدق الرجل ما يرى. تمتم: ــ "الجميع يظن أنك متّ… اختفيت ستة أشهر كاملة!" أجاب نديمبنبرة هادئة: ــ "تقنيًا، مروان مات. أما أنا… فلست هو بعد الآن." عبس الرجل، وقال بعد لحظة صمت: ــ "لا أفهم ما تعنيه." ــ "أعلم… ولهذا أردت أن أراك. لأشرح، ولأشكرك أيضًا." ــ "تشكرني؟ على ماذا؟" ــ "لأنك كنت إلى جانبه، حين لم يكن لديه أحد. لأنك حاولت إنقاذه، حتى عندما كان يرفض المساعدة." ظلّ الرجل يحدق فيه، يحاول أن يجد ملامح صديقه القديم في وجهه المشوه بالندبة. قال مترددًا: ــ "تتحدث عنه كأنه شخص آخر… ماذا حدث لك يا مروان؟" أمسك نديمكوبه بين يديه، كأنه يستمد منه بعض الدفء، ثم قال بهدوء: ــ "الأمر معقد، لكن سأحاول تبسيطه. مروان دخل منشأة اسمها "عقل جديد"، خضع فيها لتجربة كانت تُعنى بعلاج الاكتئاب. لكنها لم تكن مجرد تجربة… لقد زرعوا في دماغه عقل شخص آخر — فادي الريماوي." تسمر الرجل في مكانه، عيناه تتسعان بدهشة. ــ "هذا… مستحيل!" ــ "ظننتُ ذلك أيضًا. لكن التجربة نجحت، بطريقةٍ مرعبة. لم يكن أحد يعلم أن فادي كان في الأصل أخًا غير شقيق لأحمد، دون أن يعرف أيٌّ منهما الآخر." بدأ نديميسرد له الأحداث باختصار: التجربة، المطاردة، المواجهة مع الحكيم، ثم الانفجار الكبير الذي غير كل شيء. حين انتهى، قال بنبرة واثقة: ــ "ولهذا السبب اخترت اسمًا جديدًا… نديمفهمي. شخص جديد، بحياة جديدة." ساد الصمت بينهما، حتى قال الرجل أخيرًا، بصوت خافت يحمل مزيجًا من الدهشة والعتب: ــ "لقد استخدمت اسمي." ابتسم نديمبخفة وقال: ــ "نعم، تكريمًا لك. كنت الصديق الوحيد لأحمد، والوحيد الذي حاول إنقاذه." ــ "لم أنجح في إنقاذه." ــ "بل فعلت… جزء من مروان ما زال حيًا بداخلي." تأمل الرجل وجهه طويلًا ثم قال: ــ "هل يمكنني… التحدث معه؟ مع مروان؟" ابتسم نديموأغلق عينيه للحظة قبل أن يهمس: ــ "لست شخصين منفصلين… أنا شخص واحد يحمل ذكريات كليهما. لكن إن أردت رسالته، فهي بسيطة: كان ممتنًا لك، وكان يعتبرك أخًا حقيقيًا." اغرورقت عينا الرجل بالدموع وقال مبتسمًا: ــ "أحمق… بالطبع كنت سأغفر له." جلسا معًا لساعات يتحدثان عن الماضي، عن مروان وفادي، وعن ندى التي أصبحت جزءًا من حياة نديمالجديدة. قبل أن يفترقا، سأله الرجل: ــ "وماذا ستفعل الآن؟" ــ "سأعيش. هذه المرة سأجعل نجاتي ذات معنى." ــ "والرواية التي وعدت بها؟" ــ "نعم، سأكتبها. لن يصدق الناس الحقيقة، لكن ربما يؤمنون بها حين يقرؤونها كخيال علمي." عند الوداع، تعانقا طويلاً. لم يكن عناقًا بين شخصين فقط، بل بين الماضي والحاضر، بين النهاية وبداية جديدة. عاد نديمإلى شقته، حيث كانت ندى تنتظره على الأريكة وبيدها كتاب مفتوح. رفعت رأسها وسألته: ــ "كيف سار اللقاء؟" ــ "جيد… أفضل مما توقعت. إنه رجل طيب." ــ "هل راودتك ذكريات مروان؟" ابتسم نديموهو ينظر من النافذة إلى البحر البعيد: ــ "لا. هذه المرة شعرت أن ذكريات مروان وفادي تسيران بتناغم. لم تعد تتصارع في رأسي. كأنهما اتفقا أخيرًا على أنني شخص واحد فقط." ابتسمت ندى وقالت: ــ "هذا تطور رائع." ــ "نعم… لكن الطريق ما زال طويلًا." في تلك الليلة، رأى حلمًا غريبًا. كان في غرفة بيضاء لا جدران لها، أمامه مروان وفادي يقفان بهدوء. قال مروان مبتسمًا: ــ "أنت تقوم بعمل جيد." وأضاف فادي: ــ "نعم، أفضل مما كنا سنفعل نحن." ــ "لكنكما ما زلتما جزءًا مني." هزّ مروان رأسه نافيًا: ــ "لا، أنت شخص مختلف. نحن مجرد ذكريات عالقة بداخلك." ــ "لكنني ما زلت أشعر بكما." قال فادي بابتسامة خفيفة: ــ "طبيعي… لكن حياتك ملك لك وحدك." سألهم نديمبصوت مبحوح: ــ "وماذا عليّ أن أفعل؟" أجابه مروان: ــ "عش كما كنت تتمنى لو عاد بك الزمن." لكن فادي قاطعه: ــ "لا تنسَ من دمّر كل شيء… انتقم لنا." التفت مروان إليه بحدة وقال: ــ "لا. الانتقام لن يعيد أحدًا. الحكيم مات." ــ "لكن أتباعه ما زالوا أحياء، والتقنية لم تختفِ بعد!" ــ "سنوقفهم، لكن بالحقيقة… لا بالعنف." وقف نديمينظر إليهما، شعر كأنه يشاهد صراعه الداخلي ماثلًا أمامه. قال أخيرًا: ــ "سأفعل ما أراه صوابًا… لا ما يريد أيٌّ منكما." ابتسم الاثنان، وبدأا يتلاشيان ببطء. ــ "هذا كل ما أردناه، كن نفسك." استيقظ نديموهو يشعر بسلام غريب يسري في صدره. كان الحلم أقرب إلى مصالحة داخلية منه إلى رؤية عابرة. نظر إلى ندى النائمة إلى جانبه وابتسم. همس لنفسه في الظلام: ــ "شكرًا لكما… سأعيش حياة تليق بتضحيتكما." ثم أغمض عينيه، وللمرة الأولى منذ زمن بعيد، نام دون كوابيس. نوم هادئ يشبه ولادة جديدة، حياة لا يشوبها سوى وعد صادق بأن يكون جديرًا بالفرصة التي مُنحها. *** مرت ثلاثة أشهر أخرى. ثلاثة فقط، لكنها بدت له وكأنها ثلاث سنوات كاملة. لم يكن الوقت هو ما طال، بل ما حمله من ثِقل، من محاولاتٍ لبدء حياة جديدة. نديميعمل الآن مستشارًا أمنيًا في شركة خاصة، استأجر بيتًا صغيرًا على البحر مع ندى، يحاول أن يتعلّم من الصفر كيف يعيش دون خوف، كيف يبني هوية جديدة لا تطارده فيها ظلال الماضي. كانت خطواته بطيئة، لكنها واثقة بما يكفي ليواصل السير. في صباحٍ دافئٍ مشمس، جلس أمام حاسوبه، فنجان القهوة بجانبه، والبحر في الخلفية يضرب الشاطئ بهدوء. يتصفح الأخبار بمللٍ عادي، حتى تجمّدت عيناه على عنوانٍ لم يتوقعه: "كشف النقاب عن فضيحة طبية كبرى: شركة (عقل جديد) متورطة في تجارب غير قانونية." تسارعت أنفاسه دون وعي، شعر بقبضةٍ في صدره، كأن العنوان يعرفه هو شخصيًا. اقتربت ندى من خلفه، قرأت العنوان، ووضعت يدها على كتفه. قالت بصوتٍ خافت: ـ "هذا رائع… أخيرًا سيعرف الناس الحقيقة." هزّ رأسه دون أن يجيب، نظر إلى الشاشة للحظة ثم قال ببطء: ـ "ربما… لكن هذا قد يجذب انتباهًا لا نريده. أتباع الحكيم ما زالوا هناك، لم يختفوا بعد." نظرت إليه بقلق: ـ "أتظن أنهم قد يتحركون من جديد؟" ـ "كل شيء ممكن، لذلك علينا أن نكون حذرين." في المساء، اتصل به طارق. ـ "رأيت المقال؟" ـ "نعم. هل هناك رد فعل؟" ـ "بعض الجدل الإعلامي فقط، لكن الشركة أنكرت تمامًا. قالوا إن الحكيم تصرّف بمفرده." أغلق نديمعينيه، وأحس بثقلٍ في رأسه. تخيّل الوجوه التي رآها في التجارب، أولئك الذين لم ينجوا. ـ "وماذا عن الضحايا؟" ـ "بعضهم بدأ يتلقى العلاج، وقليل منهم استعاد ذكرياته. لكن آخرين… تضرروا للأبد." طال الصمت بينهما. ذلك الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، لأن الوجع نفسه يتكلم. بعد المكالمة، جلست ندى إلى جواره وسألته: ـ "بماذا تفكر؟" أجاب بصوتٍ مبحوح: ـ "أفكر أنني محظوظ… نجوتُ بعقلي، وبنفسي، وبكِ إلى جانبي." ابتسمت وقالت: ـ "كلنا محظوظون، على طريقتنا." لكنه لم يبتسم. كان في عينيه حزن خافت، حذر لا يهدأ. ـ "لكن الكابوس لم ينتهِ بعد للآخرين. وهناك أتباع للحكيم… ما زالوا أحرارًا." ـ "وماذا ستفعل؟" ـ "سأكشف كل شيء. ليس عنه وحده، بل عن كل من موّله وتستّر عليه. سأبدأ غدًا، سأتحدث مع الصحفي." نظرت إليه بثقةٍ لم تخفها وقالت: ـ "أنا معك." وفي اليوم التالي، بدأوا. جمعوا الوثائق، المراسلات، التسجيلات، أي شيء يمكن أن يربط الخيوط المقطوعة. لم تمر أيام حتى بدأت التهديدات. مكالمات مجهولة، محاولات اقتحام، عيون تراقب من بعيد. لكنه لم يتراجع هذه المرة. ومع الوقت، بدأت الحقائق تتكشف. نشر صديقه الصحفي سلسلة من المقالات التي أشعلت الرأي العام. أسماء كبيرة ظهرت: أطباء، سياسيون، رجال أعمال. تحركت السلطات، وبدأت القضايا تُفتح من جديد. وسط كل ذلك، شعر نديمبشيء يشبه السلام. سلام بسيط لكنه صادق. لم يعد مروان، ولا فادي. هو الآن نديمفهمي، رجلٌ خرج من رماد ماضيه، لا ليهرب منه، بل ليواجهه. سألته ندى ذات مساء: ـ "هل تشعر بالرضا الآن؟" ابتسم ابتسامة قصيرة وقال: ـ "ليس بعد… لن أشعر بالرضا حتى يأخذ كل ضحية حقها." ـ "قد يطول الأمر." ـ "أعرف… وسأنتظر." ضحكت وقالت: ـ "أحب فيك هذا المزيج الغريب: عناد مروان، وإصرار فادي، وهدوء كريم." ضحك هو أيضًا، ضحكة حقيقية هذه المرة: ـ "وأنا أحب أنك كنتِ السبب في نجاتي." ـ "ونحن محظوظان ببعضنا." في تلك الليلة، خرج إلى الشرفة. السماء صافية، والنجوم تتناثر كحبات ملح فوق ظلمة البحر. وقف صامتًا، يستمع إلى الموج، كأنّه يسمع دقات قلبه في داخله. قال بصوتٍ خافت: ـ "لقد وجدت طريقي أخيرًا… وسأكمل، مهما كانت التحديات." وللحظة، خُيّل إليه أن مروان وفادي واقفان هناك في الظل، يبتسمان له. ابتسم هو أيضًا، مطمئنًا أخيرًا، كرجلٍ تصالح مع ماضيه. *** مرّ عام كامل منذ انفجار منشأة "عقل جديد". عام بدا طويلًا بما يكفي ليجفّ فيه الحزن، ويترك خلفه ندبة هادئة في الروح. كان نديمقد تعلّم أن الماضي لا يُمحى، لكنه يمكن أن يُفهم من جديد. لم يعد يهرب من ذكرياته، بل صار يقترب منها ببطء، كما يقترب أحدهم من البحر عند الفجر: بخوفٍ خفيف ودهشةٍ حذرة. في شرفته المطلة على الشاطئ، جلس هو وندى يتناولان القهوة. النسيم كان يحمل رائحة ملحٍ ناعم، والشمس تتسلل من بين الغيوم كطفلٍ خجول. الخاتم في إصبعها لمع للحظة، فذكّرها، دون قصد، أن بعض البدايات تولد من الرماد. قالت وهي تقلب فنجانها بهدوء: ـ "هل تظن أننا سنعيش حياة عادية يومًا ما؟" ابتسم. لم يكن ابتسامة خفيفة فقط، بل ابتسامة من يعرف أن السؤال أعمق مما يبدو. ـ "وما معنى عادية يا ندى؟" صمت قليلًا، ثم أضاف بصوتٍ هادئ: ـ "ربما العادية أن نصحو في الصباح دون أن نخاف من الذاكرة." نظرت إليه نظرة طويلة، تشبه الاعتراف. ـ "وماذا عن ذكريات مروان وفادي؟" أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يغوص لحظة في داخله. ـ "لم تختفِ... لكنها لم تعد تجرّني إلى الخلف. صرت أعيش معها كما يعيش الناس مع الندوب، يرونها... ولا تعود تؤلمهم." ابتسمت بخفة، كأنها أخيرًا صدّقت أن الشفاء ممكن. ـ "أنا فخورة بك." ـ "ونحن... قطعنا الطريق معًا." رنّ الهاتف فجأة، كأنه يعيدهما من عالمهما الخاص إلى الواقع. كان المتصل طارق. صوته مزيج من الحماس والتوتر: ـ "كريم، وجدنا المختبر الأخير للحكيم. في جزيرة نائية... الإنتربول يطلب مساعدتك." سكت نديمللحظة. البحر أمامه بدا كأنه يسمع المكالمة أيضًا. ـ "سأفكر في الأمر." أنهى المكالمة، وبقي صامتًا. سألته ندى بصوتٍ منخفض: ـ "ستذهب، أليس كذلك؟" ـ "لم أقرر بعد." ـ "لكنّك فكّرت بالطريقة نفسها التي تفكّر بها دائمًا حين تُستدعى لإنقاذ أحد." ابتسم ابتسامة حزينة. ـ "هذا هو المختبر الأخير يا ندى... آخر خيط من إرث الحكيم." نظرت إليه، وعيناها فيهما البحر كله، بعمقه وهدوئه وخطره. ـ "إذن سأذهب معك." حاول الاعتراض، لكنها قالت بسرعةٍ ناعمة: ـ "لن أراك تذهب وحدك مرة أخرى. لست ظلك يا كريم، أنا نصف رحلتك." اقترب منها، وهمس بابتسامة صادقة: ـ "نصف الرحلة يكفي... ليجعل الطريق كله محتملًا." ... كانت الرحلة إلى الجزيرة طويلة، والبحر لا ينتهي. الرياح مشبعة برائحة الملح والحديد، والمكان كأنه يتذكّر الألم. المنتجع الذي يُخفي المختبر بدا ساكنًا أكثر من اللازم؛ خلف بريقه الخارجي كان هناك عالم آخر، بارد، مليء بالأنابيب والأجهزة، وبوجوه فقدت ملامحها في لعبة الوعي. قاد نديمالفريق خطوة بخطوة. كان صوته ثابتًا، لكن في عينيه شيء لا يقال — مزيج من الخوف والحنين. حين رأى الدكتور فارس، توقّف. الرجل الذي بدأ كل شيء بابتسامةٍ علمية جامدة، يقف الآن كمن أنهكه الندم. ـ "لماذا يا فارس؟" سأل نديمبصوتٍ متعب. أجابه الرجل بخفوت: ـ "كنا نحلم بتغيير العالم... لكننا ضللنا الطريق، وخسرنا أنفسنا." أغلق نديمعينيه، ثم قال: ـ "بعض الأحلام يجب أن تموت قبل أن تقتل الآخرين." تركه مع رجال الإنتربول، وتوجّه إلى الضحايا. كانوا اثني عشر شخصًا، عيونهم زجاجية، وأصواتهم تائهة كأنها تبحث عن هوية. ركعت ندى بجانب فتاةٍ تبكي بصمت، أمسكت يدها وقالت: ـ "أنتِ هنا الآن. لا أحد سيأخذك من نفسك بعد اليوم." نظر إليها كريم، وفي عينيه امتنان خافت. شعر أنه يراها لأول مرة كما هي... مرآة شفائه. ... مرّت شهور. بدأ الضحايا يتعافون، بعضهم تعلّم أن يبني ذاكرته من جديد، وبعضهم اكتفى بالصمت. أنشأ نديموندى مركز دعم بسيطًا قرب البحر، يضم الناجين. كانوا يجلسون على مقاعد خشبية، يحكون قصصهم ببطء. لم يكن علاجًا علميًا، بل شفاءً من نوع آخر — أن يسمع أحدهم الآخر دون خوف. كان نديميكتب في الليل، لا لينشر، بل ليتنفس. يكتب عن "مروان" الذي خاف، و"فادي" الذي واجه الخوف بالقسوة، وعن نفسه التي وُلدت من بينهما. ... بعد عامين، غابت الشمس ببطء، كأنها تغلق آخر صفحة من فصله القديم. كانت ندى تجلس بجانبه، وفي حضنها طفلهما. قالت بابتسامةٍ هادئة: ـ "ماذا سنخبره حين يكبر؟" أجاب وهو يراقب الأفق: ـ "سأخبره أن والده كان رجلين قبل أن يصبح واحدًا. وأن الهوية تُبنى كل يوم من الصفر." ـ "واسمه؟" ابتسم بخفة: ـ "مروان." نظرت إليه، ودمعة صغيرة لمعَت في عينيها. ـ "مروان فهمي... جميل. يشبه البداية." نظر نديمإلى طفله طويلًا، وقال بصوتٍ دافئ: ـ "مرحبًا يا مروان... أنا والدك. وسأحكي لك يومًا كيف يولد الإنسان مرتين: مرة من جسده، ومرة من وعيه." ثم أغمض عينيه للحظة، وشعر أن قلبه عاد إلى مكانٍ واحد، كامل. تلك كانت... بداية جديدة حقًا.

تعليقات
إرسال تعليق