مطلوبة للانتقام (نوفيلا)
📜 الفصل الأول 📜
( الشرارة) في أحد الأيام، وفي إحدى الليالي، لم يكن هناك أحد غير القمر ونوره الذي ينير الأرجاء كانت تسير بخطوات هادئة، تتأمل خلق الله في سمائه وأرضه، وعقلها يعمل كالآلة في أمرٍ ما كانت تتأمل عتمة الليل حولها، وذلك الهدوء الممزوج بالصمت المرعب، ولكن لم يكن هذا الأمر صعبًا عليها، لأنها تعشق هذا الظلام الدامس. عكّر صفو تأملها ذلك الصوت المزعج؛ التقطت أذناها فورًا صوت أنين أو استغاثة، لم تستطع التحديد، ولكن هناك صوت يجذبها ليس يناديها بالمعنى الحرفي، ولكنها تنجذب لأي شيء غامض نظرت إلى أقدامها ثم إلى الطريق أمامها، وانحنت بجسدها العلوي إلى الأسفل، وتحركت بين الشجيرات مثل الأفعى نظرت خلفها فلم تجد شيئًا، ولكن بدأ الصوت يزداد. استمرت في السير إلى الأمام حتى كان الفاصل بينها وبين ما أمامها سور من الحديد المفرغ مثل الأسلاك، جثت على ركبتيها لكي تنظر جيدًا، فوجدت أمامها خمسة رجال يقفون على هيئة دائرة عقدت حاجبيها قليلًا؛ هذا المصدر الذي ليس له تفسير إلا شيء واحد فقط، وهذا ما استنتجته عندما وجدت رجلًا مستلقيًا على بطنه، ورأسه تجاهها. وبسرعة، وقبل أي تفكير، أخرجت هاتفها وفعلت وضع التصوير على تلك الكاميرا التي لا تفارق جيبها هذا ليس مجرد هاتف، بل ملف جرائم وأرواح كثيرة بداخله إذا فلت شيء صغير من هذه الكاميرا، ستلتف أحبال المشنقة على عنق الجميع حاولت أن تمد يديها إلى الأمام ولكنها لم تستطع فعّلت وضع التقريب الذاتي من الكاميرا حتى توضّحت أمامها الرؤية، وبدأت تتابع من خلال عدستها. كان مستلقيًا على بطنه لا يستطيع النهوض يسارع للبقاء حيًّا، ولكنهم كانوا أشبه بعزرائيل الموت، لا يُمهلون فرصة وقد فات الأوان بالنسبة له. تحدث الرجل وهو على وشك أن يدخل في تعداد الموتى، أو ربما بالفعل اعتبر نفسه منهم حين رآهم: ـ أقسم بالله ما أعرف حاجة مش أنا اللي بلّغت عن رشاد النمر! دي كلها مؤامرة معمولة علينا عشان تفرّقنا، والله ما عملت حاجة، حرام عليكم اللي هتعملوه فيَّ… ده أنا عندي عيال! أومأ برأسه ساخرًا من رجاءٍ بلا داعٍ، وقال وهو يضع سلاحه البارد على رأسه ويجعله يستشعر برودة رصاصاته: ـ عامةً… حتى لو ما كنتش أنت السبب، مش هينفع تعيش برضه وقتك في الدنيا خلص يا جميل. نهض من جواره، ووضع السلاح في منتصف رأسه، ولكن أحد الرجال الآخرين أشار له بالانتظار، ثم نظر إليه بنظرة ذات مغزى وقال: ـ أنا شايف إن الموتة دي عادية لازم يكون في حاجة فيها إثارة أكتر. حينئذٍ تطلع إليه ممسك السلاح، أما الثلاثة الآخرون فقد استنتجوا من حديثه ما يريد أن يفعل. بدأت ضحكاتهم الساخرة في الازدياد، وفي المنتصف ذلك المسكين الذي لم يجرؤ على رفع وجهه إليهم، لكنه شعر أن القادم ليس مجرد موتةٍ وعليها السلام، بل سيكون عبرةً لأجيال قادمة أغمض عينيه بألمٍ على ما يمر به الآن هو في البداية لم يكن يريد كل ذلك، لم يفعل شيئًا ولم يخن كما يقولون. كل ما حدث أنه لم يُرِد أن يشهد بالباطل أمام المحكمة، لم يُرِد أن يدلي بإفادة لم يرها ولم تكن حقيقية. هو أراد الحق فقط، ولكن… كيف للحق أن ينتصر في عالم تحكمه بطالة هؤلاء الناس الذين تملأ قلوبهم شهوة الجشع؟ حرّك الرجل الذي يمسك بالسلاح قدميه، ثم نظر إليه من الخلف وهو يعاين كل شيء بنظرات باردة وقال: ـ اتشهد… حتى طريقة موتك هتكون ملكية، على طريقة فلاد الثالث. كانت تتابع المشهد في صمت حتى تمت تلك الجريمة الشنيعة أمام عينيها لم تستطع التحدث، انعقد لسانها، وقدماها عجزتا عن فعل أي شيء، بل توقف عقلها عن العمل لفترة لا تعلم مداها هي لا تستطيع أن تفهم كيف لهذا أن يحدث؟ هل هناك أشخاص يملكون تلك القسوة؟ هي تعلم أن هناك ما هو أسوأ من ذلك، فهذه عينة بسيطة مما تراه كل يوم، يسهل على محامية جنائية أن ترى مثل هذه الجرائم في حياتها اليومية، ولكنها دائمًا كانت تراها بعد إتمامها؛ ترى الجثة أمامها بعد أن فقدت حياتها، ودليل إدانتها أو براءتها معها أما اليوم… فقد شاهدت بثًّا مباشرًا؛ الجثة، والقاتل، والأدلة الجنائية كل شيء أمامها حصريًا كان هذا حدثًا مروعًا ومدهشًا في آن واحد ظلت تصوّر الرجال وهم يقومون بحفر حفرة لوضع ذلك الرجل فيها، حتى أتمّوا جريمتهم، وأغلقوها بعقدة على شكل فيونكة صغيرة يعلنون بها إتمامهم الكامل من كل شيء. بعد أن التقطت كاميرتها ما حدث منذ البداية، وصوّرت وجوه الجناة والمجني عليه، هتفت وهي تكرر الاسم كأنه مرّ على سمعها لبرهة: ـ رشاد النمر… رشاد النمر… حاولت إخراج تلك الأفكار من رأسها لفترة مؤقتة حتى تخرج من هذا الوِقر الذي دخلت فيه ضغطت على زر إنهاء التصوير، ولكنها لم تنتبه لصوت الكاميرا وهي تعلن انتهاءها من ذلك "الفيلم الوثائقي". التفت الخمسة رجال إلى مصدر الصوت خلف الشبكة الحديدية. برقت عيناها بصدمة من هذا الغباء، ونظرت إليهم وهم يركضون باتجاهها لم تفكر فيما تفعل الآن؛ مدت يدها لتمسك الحقيبة لكنها وجدتها عالقة، فتركتها ونهضت مسرعة كي تغادر. حاولت أن تتحرك على أطراف قدميها حتى لا يسمعوا أصوات خطواتها، لكنهم كانوا بالفعل قد اكتشفوا وجودها ماذا تفعل بهذا الدليل؟ في حركة سريعة قامت بفك زرين من ملابسها العلوية، وضعت الهاتف بين نهديها، وثبّتته بحمّالة الصدر الخاصة بها، ثم أغلقت قميصها وفرّت هاربة. ركضت بأقصى سرعة تملكها، ولكن تلك الدقيقة التي وضعت فيها الهاتف كانت بمثابة عشر دقائق بالنسبة لهم، حتى تمكنوا من الوصول إليها. نظرت خلفها برعب وهي تركض بكل ما لديها من عزم، لم يكن يفصل بينهم وبينها سوى أمتار بسيطة، لا تتعدى الخمسة. كانت تركض للأمام ورأسها ملتفت للخلف، تتأمل ملامح وجوههم جيدًا لتحفظها ضغطت على قدميها بشدّة وهي تنظر إلى الطريق الممتد أمامها، حيث كانت سيارتها مركونة في نهايته، كيف خانها عقلها ودفعتها سذاجتها إلى ترك السيارة بعيدة بهذا الشكل! لماذا لم تصرّ على أن تكون بجانبها في كل خطوة تخطوها؟ كل خطوة كانت تخطوها للأمام، كان خلفها عشر خطوات يقطعها مطاردوها بسرعة البرق، كأنهم أشباح لا يوقفهم شيء شعرت بأن قلبها يكاد يتوقف من شدّة الخفقان، وأن دماءها تجمدت في عروقها. هبطت فجأة إلى الأرض، التقطت حزمة من الحجارة والرمال بيديها المرتجفتين، ثم دفعتها نحوهم بكل ما أوتيت من قوة، علّها تحجب الرؤية ولو لثوانٍ قليلة. ركضت بجنون حتى وصلت إلى سيارتها، فتحت الباب بسرعة وصعدت، أدارت المحرك وهي بالكاد تسيطر على ارتعاش يديها، قبضت على الطارة بقوة وهمست بصوت مرتجف: ـ يا منجّي من المهالك… نجّني. لم تستوعب كيف صعدت، ولا كيف أدارت المحرك، ولا حتى كيف اندفعت على الطريق كل ما كان أمامها صورة واحدة لا تفارق عقلها مشهد قتل ذلك الرجل بتلك الطريقة الوحشية لم يكن قتلاً عاديًا، لم يكن يشبه أفعال البشر إطلاقًا كان أشبه بعمل شياطين أو وحوش خرجت من عالم آخر… أغمضت عينيها لحظة من شدّة الألم الذي ينهش جمجمتها، صداع حاد كأن رأسها سينفجر تساءلت بارتباك ماذا تفعل الآن؟ هل تعود إلى المنزل؟! لكن سرعان ما أيقنت أن العودة مخاطرة قاتلة؛ بالتأكيد هي مراقَبة، وما هي إلا دقائق معدودة وسيكونون خلفها بسياراتهم وإن لم يلاحقوها، فقد سجّلوا رقم سيارتها بلا شك. عقلها استيقظ على قرار وهو التوجّه فورًا إلى النيابة العامة، مقر عملها هناك فقط ستجد الحماية ولو لفترة مؤقتة، وهناك ستسلّم ذلك الدليل الحصري قبل أن يضيع كل شيء حين خطرت النيابة ببالها، لمعت صورة شخص واحد في ذهنها، فهتفت باسمه بين أنفاسها اللاهثة: ـ رشاد النمر… رشاد النمر! كيف نسته هكذا؟ ذلك الوكيل الذي طلب منها الترافع في قضية القتل الشهيرة. كيف غاب عقلها عن ربط الأحداث ببعضها؟! أليست هذه القضية مرتبطة مباشرة بأخيه، الذي أراد أن توكّله كي تبرّئه من تهمته؟ هل يكون هذا الرجل الذي رأته من الشاهدين الزور؟ هل كان يحاول جاهدًا أن يزجّ بها في مستنقعهم الأسود؟ كل ما حدث أمامها، كل الدماء، كل الوجوه المطاردة… بدا وكأنه خيط واحد يعود لتلك القضية الملعونة، آهٍ على دنيا ضاقت حتى باتت دائرة صغيرة تحاصرها من كل الجهات. تمتمت بصوت متردد، تحاول أن تقنع نفسها: ـ أول حاجة هعملها إني أروح النيابة وأسلم الدليل الحصري اللي معايا، أخلص من الراجل ده. لكنها قطعت جملتها بنفسها، وضحكة مرة خرجت منها رغم خوفها: ـ لأ، هخلص منه إزاي؟! الموضوع لسه بيتفتح معايا ولسه ليه بداية جديدة… أخرجت هاتفًا آخر من تابلوه السيارة، ذلك الهاتف العام الذي اعتادت استخدامه في مكالمات العمل فقط، وزّعت نظراتها بين الطريق والهاتف الذي ارتجف بين يديها، ضغطت على بعض الأرقام بسرعة، حتى جاءها الرد بعد ثوانٍ معدودة: ـ ألو؟ أجابته بلهفة متقطّعة: ـ سيادة العقيد، أنا المحامية الجنائية جود المصري، محتاجة حضرتك ضروري، ضروري جدًا، في أمر لا يقبل التأجيل أنا متجهة للنيابة العامة الخاصة بالجيزة، والموضوع خطير في أرواح ناس في خطر دلوقتي! جاءها صوته متفاجئًا، لكن متماسكًا: ـ أهلا يا جود، ممكن تفهميني نوع المشكلة اللي عندك؟ إنتِ عارفة الساعة كام دلوقتي؟! إحنا داخلين على الفجر. نظرت بسرعة في المرآة الخلفية، فارتجفت حين رأت ضوء سيارة يقترب منها، ينير الطريق خلفها بقسوة. شهقت وهي تهتف بتلعثم، وقلبها يخبط في صدرها كطبول حرب، وقطرات العرق تتساقط بغزارة من جبينها: ـ م… موضوع قضية… المفروض كنت هرافع فيها، لكني رفضت… القضية الخاصة بـــ… رشاد النمر. في الجهة الأخرى من الهاتف، سمعَت صوت حركة مفاجئة، كأن الرجل نهض واقفًا من مكانه، ليجيب بدهشة لم يستطع إخفاءها: ـ متأكدة؟! متأكدة إن الموضوع يخص رشاد النمر نفسه هو رشاد النمر؟ ضغطت على أسنانها بقوة، وكأنها تحاول منع دموعها من الانهمار، ثم أجابته بإصرار يائس: ـ أيوه يا فندم متأكدة الدليل اللي معايا هو اللي كشفلي كل حاجة محتاجين نتجمع كلنا، ضروري في النيابة أنا مش عارفة ممكن يحصل لي إيه دلوقتي في عربية بتلاحقني فيها خمسة مسلحين، لسه قاتلين واحد قدام عيني بطريقة بشعة، ودفنينه في آخر سقارة في منطقة كلها أراضي زراعية. تلعثمت وهي تزدرد ريقها بصعوبة، ثم صاحت: ـ أنا… أنا صورت كل حاجة، والراجل اللي اتقتل… هو بنفسه اللي قال لي عن رشاد النمر. في الجهة الأخرى، نهض العقيد من مكانه بحركة سريعة، ارتدى سترته العسكرية على عجل، وحشر سلاحه في خصره، ثم التقط هويته ومفتاح سيارته اندفع خارج شقته بخطوات متسارعة، وصوته يعلو عبر الهاتف بتساؤل حاد: ـ طب… إنت فين دلوقتي؟ أجابت وهي تلهث، عيناها معلقتان بالمرآة الخلفية: ـ أنا دلوقتي خارجة من الطريق الجنوبي لسقارة داخلة على الأهرامات والله مش عارفة أنا ماشية فين، بس من نص ساعة تقريبًا إن شاء الله أكون عند النيابة أرجوك… تكون هناك قبل ما أوصل! قبض على مقود سيارته بقوة وهو يضغط على دواسة البنزين، وردّ بنبرة مطمئنة: ـ ما تقلقيش… بإذن الله هسبقك خلي بالك من نفسك فعّلي الحماية في عربيتك، وحاولي تتهربي من العربية اللي وراكي بأي طريقة أنا والقوات هنكون مستنيينك قدام النيابة. أغلقت الخط بارتباك، ورمت الهاتف بجوارها بلا وعي. عادت بنظراتها المرتجفة إلى السيارة التي تطاردها، فوجدتها ما زالت خلفها، كظلٍّ أسود لا يفارقها ضغطت على أسنانها بقوة، وأغمضت عينيها لثانية، فإذا بالصداع ينهش جمجمتها بشدة كلما اقتربت أكثر من الأهرامات. همست لنفسها وهي تبتلع مرارتها: ـ ليه… ليه أنا حاسة إن المكان ده مش خير؟ منذ صغرها، كان يسكنها شعور غامض أن تلك الدائرة الممتدة بين سقارة والأهرامات ليست إلا دائرة دماء، مسرحًا للدمار والأعمال السوداء والشعوذة. كان لديها يقين راسخ أن الأمر كله مرتبط بلعنة الفراعنة القدماء. لماذا قادها قلبها إلى هنا الليلة بالذات؟! هل لأنها كانت غارقة في تفاصيل تلك القضية اللعينة؟ أم لأن الأرض نفسها… أرض الجريمة كانت تناديها لتشهد على ما حفره القتلة، . حتى وصلت أمام مبنى النيابة، لم يهدأ عقلها من التفكير وربط جميع الأحداث ببعضها أوقفت السيارة فجأة حتى احتكت عجلاتها بالأرض وأصدرت صوتًا مزعجًا نزعت حزام الأمان على عجل، فتحت الباب واندفعت إلى الخارج وهي تضم هاتفها بين يديها وتركض تجاه المبنى. كانت قد تعمّدت أن تترك السيارة بعيدة عن النيابة بمسافة مناسبة، حتى إذا لحق بها مطاردوها لا يتمكنوا من تحديد اتجاهها مباشرة. تقابلت هناك مع العقيد وأحد رجال الشرطة المقرّبين منه، كما التقت أيضًا بعدد من فريق القضاة، فهم كانوا مجموعة واحدة دائمًا، ولهذا عندما وجدت نفسها في المأزق لم يخطر ببالها سوى اللجوء إليهم. لكن كان بينهم اليوم بعض الوجوه الجديدة التي لم تتعرف عليها. أخذها العقيد إلى الداخل بحمايته، وأدخلها أحد المكاتب جلست تتنفس بأنفاس متقطعة مضطربة، كسمكة تهرب من فكي قرش مفترس زفرت بعمق، ثم أطلقت تنهيدة أخرى امتزجت بشعور طفيف بالأمان. ناولها العقيد كوب ماء، ارتشفت منه بضع قطرات، ثم وضعت كفيها على رأسها المثقل بالألم وأغمضت عينيها لثوانٍ وبعد لحظة صمت، بدأت بالكلام بصوت متعب لكنه حازم: ـ أنا… أنا شفت كل حاجة بعيني عايزة أعرف كل حاجة عن رشاد النمر. جلس العقيد أمامها، وبدا يوجّه إليها بعض الأسئلة بنبرة جادة، فأجابته بصراحة: ـ شفتي إيه يا جود؟ ـ تقريبًا كانوا رجال رشاد النمر، بيقتلوا واحد. ـ قدرتِ تعرفي سبب القتل؟ ـ أيوه، كانوا عايزين الراجل ده يشهد زور. ـ وتوقّعك اللي حصل قدامك، هل ده السبب الحقيقي؟ صفنت قليلًا وهي تعيد شريط ما حدث أمامها، ثم قالت: ـ أعتقد ده السبب لأنه هو بنفسه اللي قال كده، وهو بنفسه اللي نطق اسم رشاد النمر.
📜 الفصل الثاني 📜
( إلقاء الضوء) أغلق العقيد عيناه نصف غمضة، واقترب منها قليلًا وهو يقول بنبرة متسائلة: ـ وإيه اللي يخلي واحد في تعداد الموتى أو على فراش الموت، يقول الأدلة دي ويدلي بالإفادة دي؟ تقريبًا ده واحد شبه ميت، وما أظنش إنه هيكذب في اللحظة دي. ارتعشت شفتاها قليلًا قبل أن تهتف: ـ شافني. رفع حاجبيه باستفهام، فأكملت موضحة: ـ كانوا خمسة اتنين في الجنب اليمين، واتنين في الشمال، والخامس واقف فوق راسه وأنا كنت وراهم، على بعد أمتار بسيطة جدًا، لدرجة إني كنت قادرة أسمع هم بيقولوا إيه وراسه كانت ناحيتي شافني وأنا بصور أعتقد ده السبب اللي خلاه يتكلم. أطرق العقيد للحظة، ثم قال: ـ هممم… بما إنه اتكلم وهو عارف إنك بتصوري، يبقى هو فعلًا كان محتاج اللي حصل يبقى دليل مع حد طيب… توقعاتك إيه للّي جاي يا جود؟ رفعت رأسها بثبات وقد تلألأت عيناها بالغضب المكبوت: ـ هكمل في القضية دي ومش هتراجع بعد اللي حصل كفاية الطريقة البشعة اللي الراجل اتقتل بيها، مستحيل أصدق إن دي حياة بني آدمين… كانوا بيضحكوا كأنهم بيتفرجوا على فيلم وثائقي! قال العقيد بنبرة حاسمة وهو يضغط على كلماته: ـ لا يا جود أنا يستحيل أضحي بيكِ وأسيبك في القضية دي كفاية اللي حصل، وكفاية اللي عشتيه أنا مش عارف لولا إنك هربت منهم كان ممكن يجرى لك إيه ابعدي عن كل ده وهخلي حد تاني يمسك القضية مكانك لأن ده خطر إحنا بنلعب مع شخص مجرم. نهضت فجأة، وانتصبت واقفة أمامه بعزم، ثم قالت بلهجة صارمة لا تقبل الاعتراض: ـ أنا بعد اللي حصل النهاردة وشفته قدامي عمري ما هتراجع عن القضية دي! ولو على رقبتي. بهذه الكلمات أعلنت اعتراضها الواضح على أي رفض قد يقابلها مستقبلًا بخصوص تلك المهمة لقد صارت القضية بالنسبة لها مسألة شخصية، بعدما كانت في البداية مجرد ملف رفضت استلامه. لكن الأمر لم يمر ببساطة، فالعقيد أعند منها، ورد عليها بندّية واضحة: ـ الأمور مش بتتاخد كده يا جود! في حاجة اسمها أخد وعطا، مش بالعافية وبعدين إحنا بنتكلم دلوقتي في مسألة حياة أو موت إنتِ لوحدك هتوجهي العالم ده؟ متخيّلة الموقف هيبقى عامل إزاي؟ متخيّلة إنك هتقفي ترافعي قدام رشاد النمر اللي في الأول أصلاً كان عايزك في صفه؟ فوقي يا جود… القرار مش قرارك لوحدك. ـ أنا قلت في البداية ما حدش هيمسك القضية دي غيري، ومش هسيبها غير على رقبتي. ومعروفة كلمة جود المصري ما بتنزلش إلا على موتها ورُفعت الجلسة. أغمض عينيه وأخذ شهيقًا عميقًا يسترد به بعضًا من صبره الذي نفد من ذلك الحوار القصير. أومأ برأسه موافقًا على ما تقوله مؤقتًا حتى لا تفعل شيئًا يعود عليها وعليهم بالعكس، فهو يعلم جيدًا عقلها العنيد والقوي. ـ جود. رمقته باستفهام، فأكمل: ـ هخليكي تتابعي القضية دي، بس بشرط واحد. ـ إيه هو؟ ـ هيكون معاكي حارس شخصي ملازمك زي ظلك وما تقلقيش، مش أي شخص كده وخلاص من شركة حراسة، لا، هيكون ضابط في وحدة العمليات الخاصة يعني أعلى كفاءة من كده مش هتلاقي. وده هيكون ملزم إنه يحميكي بحياته، وعليكِ إنك تحترميه وتسمعي كل كلمة هيقولها لك وده الشرط الوحيد اللي قصاده هقبل إنك تستلمي القضية لوحدك. لو بس فكرتي إنك تعترضي أو تحطي شرط إنك مش هتاخديه معاكي حراسة، اعتبري إن بكلمة واحدة مني، لا، مش بكلمة... بإشارة واحدة من صباعي، هتكوني متحوّلة للتحقيق فترة محترمة، هتتوقفي بيها عن العمل، والقضية هيستلمها أي محامي غيرك بكل بساطة وقدامك الأمرين تختاري ما بينهم... وفورًا. أغمضت عيناها وبدأت العدّ التنازلي، لعلّه يهدأ من لسانها السليط، والذي إن فلت سينزل كالسوط عليه: ـ موافقة على كل حاجة هتطلبها مني، بس في المقابل ما حدش هيمسك القضية دي غيري. التفت إليها بدهشة؛ كان يعتقد أنّه عندما يضع أمامها ذلك الشرط سوف ترفض بلا اهتمام، فهي تكره التحكّمات والأوامر. ولكن أبهرته بانضباطها وموافقتها السريعة في خلال عشر ثوانٍ فقط. مال برأسه قليلًا إلى اليسار، قطّب حاجبيه وأغلق عينيه نصف غمضة، وقال بتوجّس: ـ متأكدة؟ اعتدلت في استقامتها وقالت بثقة: ـ زي ما أنا شايفاك قدامي. أمسك هاتف المكتب وقام بالاتصال على أحدهم، ثوانٍ معدودة وأتاه الرد.. صمت قليلًا يستمع لمن يتحدث في الجهة المقابلة، ثم قال بعد إذن: ـ تمام، تقدر تتفضل دلوقتي. تحرّكت عيناها تتابع كل ما يفعله بانتظار نتيجة هذا الأمر، للمرّة التي لا تعلم عددها ظفرت بضيق وجلست على المقعد، واضعةً قدمًا فوق الأخرى، وأمسكت قلمًا بين يديها تحرّكه في حركة استراتيجية تعشقها كثيرًا كانت عيناها تراقب حركات القلم بين أصابعها بتركيز شديد، حتى قاطع تركيزها صوت طرقات الباب ودخول أحدهم. لم تهتم كثيرًا، ولكنّها انزعجت من رائحة عطره التي فاحت في المكان وضعت القلم في مكانه، وأسندت رأسها إلى إصبعها، وهي تحوّل نظرها لترى من دخل. كان رجلًا في بداية العقد الرابع من عمره، طوله يناهز المئة والتسعين، بشرته قمحية، وجسده مشدود، عيناه حادتان. هذا كل ما استنتجته عنه عندما تفحّصته بنظرة خاطفة. زاحت عيناها بلا مبالاة لذلك الذي ينظر إليها بكبرياء، بينما اقترب هو باحترام وقدّم التحيّة العسكرية للعقيد وقال: ـ يمان الكيلاني، عمليات خاصة، مع حضرتك يا فندم. ربت العقيد على كتفه وقال: ـ كلّي عشم فيك يا يمان. هتكون مسؤول عن حماية المحامية جود المصري لفترة، مش عارف قد إيه بالظبط، لكن لحين انتهاء الأمر هتكون ملازم ليها زي ضلها. أجابه برد تقليدي، لكن بلا لباقة: ـ بروحي يا فندم... أمرك. ـ جاهز من إمتى؟ ـ دلوقتي يا فندم. أشار العقيد إلى جود، التي كانت تجلس بظهرها إليهما بعدم اهتمام، وقال: ـ جود المصري... محامية جنائية عندها 28 سنة. هي شخصية صعبة شوية، لكن أنا اخترتك إنت بالذات عشان عارف إنك كفاءة، وهتقدر عليها وعلى حمايتها. تنهّد قليلًا قبل أن يكمل: ـ هي من أكفأ المحامين في مجالها من فترة، واحد من الموكلين طلب إنها تكون محاميته الخاصة في قضية قتل مرتبطة بقضية مخدرات وآثار... والمتهم فيها بكّار النمر، أخو رشاد النمر. ورشاد بنفسه هو اللي طلب توكيلها. ابتسم بسخرية خفيفة وأضاف: ـ القضية الأساسية اللي أخدها أخوه كانت القتل لكنها رفضت، أول ما عرفت سيرتهم الذاتية... الغنيّة عن التعريف وعرفت إن الموضوع كله مش حقيقي وإن أخوه مذنب بس رشاد ما اتعودش حد يرفضله أمر... تقريبا من وقتها وهو حاططها في دماغه. نظر في عيني يمان بجدية وقال: ـ وحاليًا مش تقريبًا.. ده رسمي بعد ما شهدت على جريمة قتل حصلت من أحد رجالة رشاد النمر لشاهد كان المفروض يشهد زور في قضية بكّار. والكارثة إنها معاها دليل صوت وصورة وأنا متأكد إن بعد اللي حصل ده رشاد مش هيسيبها إلا لما يخلّص عليها، أو يتأكد إن الدليل اختفى. أخذ نفسًا قصيرًا وختم كلامه: ـ مهمتك دلوقتي إنك تاخدها وتبعد بيها عن هنا لفترة مؤقتة وهي هتتابع تفاصيل القضية من خلالنا ولو اضطرت تنزل... هتنزل، بس إنت لازم تكون معاها. كان يمان يتابعها بنظرات متفحّصة، بينما هي لم تُكلّف نفسها حتى الالتفات إليه أو متابعة حديث العقيد الأخير كان يُعيد ترتيب شخصية تلك الفتاة أمامه، وكأنه يُمهّد ليَمان كيف يتعامل معها. أنهى العقيد حديثه ثم هتف بجود أن تقترب ليتعارفوا. نهضت بلا مبالاة، وتحركت بخطوات واثقة... خطوات أفعى تتلوى بجسدها، يصدح صوت كعبها في أرجاء الغرفة وكأنه إعلان حضور عينا يمان انزلقتا إلى خطواتها، يتابعها من الأسفل إلى أن وصلت أمامه. حينها قال ببرود: ـ أربعين خطوة... كان ممكن تمشيهم في عشرين. ليه اتأخرتي؟ رفعت رأسها، والتقت عيناه بنظرة حادة لم تُزَح عنها لحظة، ثم أجابته: ـ حبيت آخد راحتي في كل حاجة... حتى وإني أجي أتعرّف على الحارس الشخصي بتاعي. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وأجابها بنفس النظرات الحارقة: ـ كويس... لأني أنا كمان بحب اللي بياخد راحته في كل حاجة. ظلّت عيناهما متشابكتين كأن الزمن توقف، لا أحد منهما يملّ من الآخر حتى قاطعهم العقيد شهاب بابتسامة متعمدة: ـ أظن كده اتعرفتوا على بعض كويس. دلوقتي يا جود، الظابط يمان هيكون ملازمك لحد نهاية الأسبوع ده في بيتك. هنظبطلك رحلة ومكان آمن تقعدي فيه بعد كده. لوقتها، مش هتتحركي خطوة من غيره... حتى في البيت، هو هيكون في الملحق اللي تحت، وإنتِ في الدور اللي فوق ما تقلقيش، يمان محل ثقة، واعتبري طول ما هو معاكي أنا موجود. أمسكت جود بالكوب ورشفت رشفة صغيرة، ثم أعادت وضعه بإيماءة مائلة، قبل أن ينقلب على الطاولة في لحظة خاطفة، مدّ يمان يده والتقط الكوب قبل أن يسقط، ثم أعاده مكانه بثبات تابعت جود الموقف بعينيها، ابتسمت ابتسامة غامضة، ثم أمسكت حقيبتها ونهضت بشموخ. وألقت كلماتها وهي تدير ظهرها لتغادر: ـ شغله ابتدى معايا من أول ما أنقذ الكوباية... أنا ماشيه. تابع يمان حركتها بنظرة صامتة، بينما التفت شهاب إليه بابتسامة محرجة وقال: ـ هتتعود... هي كده. أومأ يمان بتفهم، ثم تحرك بخطوات ثابتة خلفها محاولًا اللحاق بإيقاع خطواتها الواسعة وصلت إلى سيارتها ومدّت يدها لتفتح الباب، لكنه باغتها حين وضع قبضته بقوة على الباب وأغلقه بعنف، مانعًا إياها من الصعود قال بصوت حازم: ـ أول حاجة لازم تعمليها... تنسي عربيتك دي في الخمس وثلاثين دقيقة اللي قعدتيهم جوه، ممكن تكون اتزرعت بجهاز تتبّع، جهاز تصنّت... أو حتى متفجّرة تخليك أشلاء في ثانية. تجمدت جود في مكانها للحظة، عينها تبحثان عن أي ذرة كذب في ملامحه، لكنها لم تجد سوى الصرامة تراجعت خطوتين للخلف، ثم رفعت حاجبها وقالت ببرود متحدٍ: ـ تمام... عربيتك فين؟ لم يجبها بكلمة، بل حرك رأسه إشارة مقتضبة واتجه للأمام، فتبعته دون نقاش فتح لها باب سيارته بحركة عملية لا تحمل أي مجاملة، فصعدت وجلست، ثم التحق بها ليجلس في المقعد الأمامي خلف عجلة القيادة. بعد دقائق من القيادة الصامتة، نظر إليها من المرآة الأمامية وسأل بنبرة عملية: ـ المكان فين؟ أخرجت هاتفها من الحقيبة، وفتحت الموقع وأرته اللوكيشن، فاكتفى بهز رأسه وبدأ في السير وفقًا للإشارة. ظلّ الصمت مسيطرًا على الأجواء جود أسندت ذقنها إلى يدها، تحدّق في النافذة بملامح متحفظة، تتجنب أي احتكاك معه من لحظة ما أخبرها العقيد أن شخصًا سيتولى حمايتها، شعرت بالكراهية تُغلف صدرها تجاه هذا الظل الجديد. لم تكن طفلة لتحتاج وصيًا، ولا امرأة هشة تبحث عمن يمسك يدها كان بإمكانها أن ترفض وتثور، وهي قادرة على الردّ وبقوة، لكن تهديد العقيد بتحويلها للتحقيق لم يكن للمزاح. ابتلعت الأمر مؤقتًا لكن بداخلها كانت تغلي ـ هل ينقصني رجل يجعل مني ثلاثة عشر امرأة أخرى؟ يتتبعني أينما ذهبت؟ يا لهذا الحظ المقزز. وقفت السيارة أمام بناية فاخرة شاهقة، ترجّل يمان بخطوات واثقة واتجه نحو المدخل توقعت جود ـ بعنادها المعروف ـ أن يفتح لها الباب مثل أي رجل محترم، لكنّه لم يفعل أغمضت عينيها بيأس وهمست ساخرة بصوت خافت: ـ يا معين موسى على فرعون… ترجّلت هي الأخرى، وأغلقت الباب خلفها بقوة جعلته يلتفت للحظة، قبل أن يعود ببرود ليتفحص المكان من حوله، كأن شيئًا لم يكن. تابعت هي السير بخطوات ثابتة، دون أن تنطق بكلمة واحدة، وهو التزم الصمت خلفها كظل ثقيل. وصلت إلى المصعد، ضغطت زر النزول وانتظرت وما إن انفتح الباب، دخلت بسرعة وضغطت زر الإغلاق قبل أن يتمكن من اللحاق بها التقت عيناها بعينيه لوهلة قبل أن تنغلق الأبواب بينهما، نظراته ثابتة ويداه معقودتان خلف ظهره، وكأنه أراد أن يثبت لها أنه غير معني بلعبة العناد تلك. داخل المصعد، أغمضت عينيها بإرهاق، الصداع ينهش رأسها منذ الصباح، يجعلها بالكاد قادرة على السير ظلّت هكذا حتى وصل المصعد إلى الطابق العاشر فتحت عينيها على صوت الأبواب وهي تتراجع للخلف... فشهقت بذهول. ـ إيه ده؟! كان واقفًا أمامها بنفس الوقفة التي تركته عليها في الأسفل، عينيه الحادتين تتابعانها دون أن يرمش، حتى أنها للحظة ظنت أن المصعد لم يتحرك أصلًا. التفتت بسرعة إلى لوحة الأرقام، ثم إلى شقتها خلفه، فهزّت رأسها بلا مبالاة، كأنها ترفض الاعتراف بدهشتها. تحركت نحو الشقة وفتحت الباب، تاركةً المجال أمامه دخل هو بخطوات هادئة، وظل واقفًا عند العتبة يتأمل المكان أشارت بيدها ببرود: ـ دي غرفة الضيوف في الطابق السفلي… هتكون ليك طول فترة إقامتك أنا فوق في الدور الثاني عندك مطبخ، حمام، كل اللي تحتاجه أتمنى الفندق يعجب حضرتك. انتهت وأخذت حقيبتها وصعدت على الدَّرج إلى الدور الثاني، ظلّ هو يتابع خطواتها، ثم أخذ حقيبته واتجه إلى الغرفة التي أشارت عليها دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، وقبل أن يتحرّك تفحّصها بعينيه، ثم اتجه إلى الخزانة ووضع حقيبته بداخلها دون أن يفرغ محتوياتها، وألقى بجسده على الفراش أغمض عينيه قليلاً يتأمل ما حدث في يومه وكيف انتهى به الأمر في بيت أنثى السلطعون تلك الحادّة والقويّة. نهض مرة أخرى متجهًا إلى المرحاض ليقضي حاجته، وأخذ معه ملابس النوم ليستعد لليلةٍ حافلة بالأحلام السعيدة... أو هكذا كان يظن. مرَّ يومان بلا جديد؛ كان يستيقظ في الصباح ويغادر المنزل، يذهب إلى أي مطعم قريب ليأخذ حاجته من الطعام، ثم يعود مرة أخرى، يجلس أمام المنزل ويدخل في موعد النوم. كان يتجنب الحديث معها إلا في الضرورة فقط. وفي هذين اليومين، ارتفع صوته فوق معدّله الطبيعي الذي اعتاد عليه طوال حياته؛ إذ كانت دائمًا تحاول أن تستفزه وتُخرج أسوأ ما فيه، لكنه كان على درجة عالية من ضبط النفس وردّ الفعل.
📜 الفصل الثالث 📜
(مواجهة شرسة) واكتمل ردّ فعله بفعلتها اليوم... كان جالسًا أمام المنزل كعادته حين وجدها خارجة من الشقّة، تحمل حقيبتها بين يديها وتغلق الباب خلفها متجهةً إلى المصعد. اتجه نحوها ووقف أمامها يمنعها من المرور، وسألها بهدوء: ـ حضرتك رايحة فين؟ أجابته دون أن تنظر إليه: ـ عندي شغل في النيابة، وبعد إذنك عدِّي من قدامي إنت مش هتمنعني في كل مرة إني أخرج من بيتي. في النهاية، حين شددت على ياء الملكية في كلمة بيتي، قال ملتزمًا الهدوء: ـ أنا مش بمنعك يا آنسة من الخروج من بيتك، بس دي أوامر مشددة عليّ المفروض ما تخرجيش من البيت لحد ما القضية تخلص بعد إذنك، اتفضلي جوه... ما فيش خروج. رفعت رأسها ونظرت إليه بنظرات كالذئب الذي يستعد للانقضاض على فريسته، وقالت بحدة: ـ إنت مفكر نفسك مين علشان تمنعني وتأمرني إني أدخل بيتي؟ إزاي أصلاً تتعامل معايا بالطريقة دي؟ إنت مش عارف أنا مين؟ أنا جود المصري... فاهم يعني إيه؟ يعني تتكلم معايا باحترام، وملكش إنك تأمرني بحاجة! اقترب منها أكثر، عقد يديه خلف ظهره، وثبّت عينيه في عينيها قائلًا: ـ وأنا يمان الكيلاني... أتمنى تكوني عارفة الاسم كويس يعني تسمعي اللي بقولك عليه من غير ما تزودي حرف، علشان سلامتك يا أستاذة جود المصري. هل يستهزئ بها؟ نعم... إنه يستهزئ بها، هذا ما استنتجته من نظرته وبعض كلماته التي ألقاها عليها وللأسف، لم تتمالك نفسها من الغضب وقالت بانفعال: ـ إنت عارف إنت إيه؟ إنت مجرد سجان بيقيد حريتي! أنا مش صغيرة ولا طفلة لسه بتتعلم المشي علشان أحتاج حارس يحميني. أنا اللي بيحميني ربنا سبحانه وتعالى وحده... مش محتاجة واحد يبقى معايا مجرد سجان عايز يفرض شروطه وأوامره على الكل، لكن مش عليّ أنا! تحولت عيناه من الهدوء والبرود إلى الغضب، لكنه لم يكن غضبًا عاديًا، بل غضب يحتفظ به في أعماقه ولا يسمح له بالظهور ابتسم لها ابتسامة واسعة حتى بانت أسنانه، لقلقت أمامها من شدة ما أخفى في صدره، ثم أردف بصوت هادئ كأنه يتلذذ باللحظة: ـ معاكِ حق يا أستاذة جود المصري... أنا فعلًا مجرد سجان وحابب أعرّفك على سجني الحقيقي. أنهى حديثه، ورفع يده فجأة، لينزل بها على عنقها لم يمهلها فرصة للمقاومة؛ سقطت بين يديه غائبة عن الوعي. حملها بخطوات ثابتة ودخل بها المنزل، أغلق الباب بقدمه، وصعد بها للطابق العلوي. لم يكن يعلم أي الغرف تخصها، لكنه استنتج بسرعة عندما لمح غرفة نصف مغلقة دفع الباب بقدمه، وتفحّص المكان سريعًا، ثم وضعها على الفراش برفق غريب يناقض قسوته استدار ليغادر، لكن إحساسًا مريبًا استوقفه. خطا خطوتين نحو الباب، وضع يده على المقبض، وقبل أن يغادر التقطت عيناه شيئًا في الغرفة... ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه. غادر الغرفة أخيرًا، وأغلق الباب خلفهُ. تحرك مسرعًا نحو الطابق السفلي، دخل غرفته وتفحّص المكان بعينيه بدقة، كأنه يراجع كل شيء وضعه سابقًا أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، لكنه شعر باختلاط أنفاس أخرى تلازم أنفاسه... إحساس ثقيل على صدره. اقترب بخطوتين من فراشه، التقط هاتفه بسرعة، وضعه في جيبه ثم غادر الغرفة، ليصعد مجددًا إلى الطابق العلوي. فتح باب غرفة جود كما توقّع... ولم يجدها في مكانها ارتسمت صرامة على ملامحه، أخرج سلاحه من خصره وثبّته في وضع الهجوم ضغط على زر في ساعته، إشارة استدعاء عاجلة، ثم بدأ يتحرك ببطء، خطواته محسوبة، أنفاسه متقطعة، عيناه تبحثان في كل زاوية. كان يعرف أنها لم تغادر المكان، فالدور مرتفع، وكل النوافذ والمنافذ المؤدية للخارج أغلقها بنفسه بإحكام منذ اليوم الأول. إذًا... هي بالداخل. التفت فجأة عندما سمع أنينًا خافتًا يتسرب من الطابق الأرضي اتجه بسرعة إلى السلم الآخر المتصل بالمطبخ، أنزله ببطء، ونزل بحذر شديد ألقى نظرة من باب المطبخ، يمينًا ويسارًا... لم يجد أحدًا خطىّ إلى الخارج متأهبًا لأي هجوم، لكن الخيانة جاءت من الخلف. تجمد في مكانه حين أحس ببرودة ماسورة سلاح تستقر في منتصف رأسه رفع يديه باستسلام تام، بينما الصوت خلفه يأمره بالتحرك للأمام ويدفعه بقوة نحو الداخل. تحرك كما أُمر، عيناه يقظتان، حواسه كلها في حالة استنفار وما إن وصل حتى وقعت عيناه على جود... كانت مكبلة اليدين، تحدق فيه بجمود غريب، كأنها لا تشعر بالخوف بل بدت له شامخة، قوية، كأنها تعرف مصيرها وتقبله. تفاجأ من ثباتها، وأعجب بها أكثر مما توقع لحظة واحدة جعلته يراها من زاوية جديدة. سُحب سلاحه منه وكل ما يملكه من أدوات دفاع، ثم أُجبر على الجلوس بجوارها لم يمض وقت طويل حتى شعر بالقيود تُطبق على معصميه، يثبتانه إلى جوارها. كان يجلس في مكتبه يتابع إحدى القضايا من سجلات الشرطة، وبعض القضايا من سجلات الجيش، وأخرى من السجلات الجنائية، بينما يحاول ترتيب أفكاره وفقًا للأولوية فجأة اهتزت ساعته بإنذار يعرفه جيدًا، ولم يكن هو وحده من يعرفه، بل حتى القادة الذين كانوا معه في غرفة المكتب. تبادلوا النظرات سريعًا، ثم نهضوا مسرعين إلى الخارج. أشار العقيد شهاب إلى أحد العساكر بحزم: ـ اجمع القوات فورًا... وتوجهوا إلى منزل جود المصري! جلس أحدهم على كرسي وضعه أمامها، يراقبها بغرور، وهو يتساءل عن الدليل الذي تملكه ضد رشاد النمر لم تجبه، لم تتفوه بحرف، ما زاد من حنقهم واستفزازهم. مرّت ساعة كاملة وهم يكررون الأسئلة، بينما هي ثابتة كالتمثال، لا ترد ولا تهتز. انفجر غضب أحدهم أخيرًا، فاندفع من مكانه، ورفع يده ثم هوى بكفه على وجه جود وهو يصيح: ـ إيه يا بت؟! هتعملي فيها مش عارفة حاجة؟! إحنا فتشنا شنطتك ولقينا تاريخك كله فيها هويتك وكل معلوماتك، يعني ما تعبناش عشان نوصل لك هتقولي إن دي كمان مش إنتِ؟! قال ذلك وهو يخرج هويتها من أحد جيوبه ويضعها أمام عينيها. التفتت برأسها وأزاحت خصلات شعرها بحركة سريعة، ثم ظلّت تنظر في عينيه ببرود، لم تهتز للحظة استمرت في الحركة حتى أزاحت الكمامة التي كانت تقيد لسانها، وقالت وهي تمتلك أكبر فرصة في حياتها لتطلق العنان للسانها السليط: ـ أيوه، دي أنا… عندك مانع؟ ولا إنت فاكر إن القلم اللي أديتهولي ده هيأثر فيّ؟ لا فوق! أنا لو هموت ما تنزلش مني دمعة، ولا أنطق بكلمة إلا بمزاجي. أيوه، أنا اللي موجودة في الهوية… وأيوه، أنا اللي صورت الدليل ورجالة رشاد النمر وهما بيقتلوا الشاهد الوحيد… أو الشاهد الزور اللي كانوا عايزينه يشهد في قضية بكار النمر. عندكم مانع؟ أعلى ما في خيلكم اركبوه! أنا ما بتهددش… ولسه ما تعرفوش مين هي جود المصري. أنهت حديثها ببصقة في وجهه، ثم هزّت رأسها بقوة لتزيح خصلات شعرها عن وجهها نظر إليها ذلك الرجل، ثم التفت إلى رجاله الواقفين حوله، فاقترب منها وانحنى إلى مستواها، وبكل ما أوتي من قوة هوى بكفّه على وجهها، ثم بكفٍّ آخر يليه ثالث أقوى. كل ذلك، وبرغم الألم الذي شعرت به، لم يهتز لها كيان، ولم تدمع لها عين وفي الضربة الأخيرة، أمسك بيده وقام بطيّها بين ساقيه حتى سمع صوت عظامه يتكسّر في أذنيه، ثم عاجله بلكمة برأسه أفقدته الوعي لثوانٍ. دفعه بعيدًا عنها، ثم أمسك بالكلبش الذي كان بيده ولوّح به في الهواء مشيرًا إلى رجاله بالاقتراب اقتربوا الستة معًا، وكان يعلم أن المواجهة ستكون شرسة، لكن لا مفر. باغت الأول بلكمة قوية بالكلبش في وجهه، أفقدته توازنه، ثم ضرب الثاني أسفل الحزام اندفع الأربعة الآخرون فجأة، فأمسك بالأول منهم وجذب رقبته أسفل ذراعه ليتلقى الضربة بدلًا عنه، ثم ركله بقدمه ليسقط فوق الثاني، ويشلّ حركتهما معًا. في تلك اللحظة، كانت جود قد استعادت جزءًا من قدرتها على الحركة مدت يدها لتلتقط أحد الأسلحة، نهضت بسرعة وبدأت تقفز متجهة نحوه، وهتفت بصوت عالٍ: ـ إنت اسمك إيه؟! خد هنا بسرعة… امسك! ثم ألقت السلاح نحوه، فأمسك به وأطلق رصاصتين أصابتا قدمي اثنين منهم عندها اندفعت القوات لتقتحم باب الشقة، وانطلقوا إلى الداخل لمحاولة السيطرة على الموقف استطاعوا القبض على آخر اثنين كانوا ما زالوا بوعيهم. اقترب يمان من جود وبدأ بفك قيود يديها وقدميها، ثم نهض وساعدها على الوقوف، وقال بتساؤل: ـ إنتِ بخير؟ هزّت رأسها بالإيجاب، لكن سرعان ما تحولت نظراتها إلى الغضب قليلًا، وقالت باستهزاء: ـ حضرتك كنت مستحلي الموقف، صح؟ ما اتحركتش ليه من بدري طالما فكيت نفسك؟ حين رأى أسلوبها المتكبر المستفز، اعتدل واقفًا بعجرفته المعتادة وقال: ـ كنت عايز أشوف نهايتك هتكون إيه وهتستحملي كام قلم لكن لقيت إنك بدأتي تفلتي من إيدي، فقلت أتدخل وبصراحة… كان تخليص حق محترم، حتى معلِّم على وشك لشهور قدام. الحقيقة أنه لم يفعل ذلك بدافع التفرج، بل استغل انشغالهم بضربها ليفك قيود يديه بطريقة احترافية باستخدام دبوس شعر كان قد سقط من رأسها عندما حملها إلى الغرفة هو لم يكن يريد أن تتعرض لأي أذى، لأنه عاهد الجميع على حمايتها، وكان يعلم أن أي ضرر يصيبها سينعكس عليه أضعافًا أراد أن يخبرها بذلك منذ البداية، لكن عندما واجهته بغلاظتها وعجرفتها، قرر أن يردّ الند بالند، ويجعلها تتذوق قليلًا مما تُلقيه عليه من كلمات. بينما أتى اللواء شهاب ليطمئن عليهم، أخبره يمان أن كل شيء صار على ما يرام، وأنه لم يتعرض أحدهم لأذى كبير، موضحًا أن تلك الرصاصات لم تكن سوى مادة مخدرة تشل الحركة لفترة مؤقتة وتضعهم تحت التنويم، مما يسهل استجوابهم لاحقًا. نظر شهاب إلى وجه جود المتورم، ثم حوّل بصره إلى يمان مرة أخرى، فقال بنبرة جادة وبسيطة: ـ تنويه بسيط يا فندم… ثم تابع وهو يخاطب الجميع: ـ عامّةً يا شباب، ما ينفعش تفضلوا قاعدين في نفس المكان.ط لازم تتنقلوا بسرعة، لأن البيت هنا بقى خطر وبرّه البلد مش وارد دلوقتي، لأن ده مش مجرد شرط بسيط إن الأستاذة جود تتنازل عن القضية. قاطعتهم جود بسرعة وبحدة: ـ على جثتي! رمقها اللواء شهاب بنظرة حاسمة، ثم نظر إلى يمان كأنه يؤكد له: شايف كلامي في محلّه، وأردف: ـ أي مطار دلوقتي هيكون مراقَب، فمستحيل تسافروا برّه البلد لكن أهلنا الجدعان في سوهاج هيستضيفوكم مؤقتًا لحد ما القضية تتحسم… طبعًا إذا ما تمش الكشف عن مكانكم. وافق الجميع على اقتراح اللواء صعدت جود بصعوبة إلى غرفتها في الطابق العلوي، خطواتها متقطّعة بسبب القيود التي كانت على قدميها، والكفوف القاسية التي أصابت نصف وجهها بشلل مؤلم. عينا يمان تابعتاها بتفحّص حتى اختفت عن أنظاره. في تلك اللحظة، أنهى حديثه مع اللواء واندفع خارج الشقة مسرعًا لم ينتظر المصعد، بل قفز درجات السلم كمن يطارد شبحًا، حتى وصل إلى بوابة البناية ألقى نظرة سريعة حوله، ثم لمح سيارة الشرطة واقفة. اقترب منها، وأمرهم بفتح الباب تبادل الجنود النظرات باستغراب، لكنه أخرج بطاقته التعريفية وألقاها أمامهم بصرامة، فأدّوا له التحية وفتحوا السيارة. عيناه مسحتا وجوه من بداخلها، حتى وقعت على واحد بعينه حين رآه الرجل وواجه تلك النظرات، ارتبك وتراجع للخلف، يهز رأسه بالنفي كأنه يستجدي الرحمة. لكن يمان اقتحم السيارة كفهد مفترس، أمسكه من عنقه، سحبه للخارج وألقاه أرضًا. بدأ ينهال عليه بضربات موجعة، مدروسة بحيث تُؤلم لكنها لا تترك أثرًا. وحين انتهى، أخرج أداة حادة من جيب الرجل، وغرزها بخط قاطع امتد بطول وجهه، تاركًا علامة لن تزول أبدًا. رمى الأداة بجواره، حدّق في هيئته المهزومة، ثم بصق عليه بازدراء وغادر وبينما كان يعود باتجاه البناية، التقت عيناه بنظرات العقيد تبادلا صمتًا ثقيلاً، لكن يمان اكتفى بتجاوزه دون أن ينبس بكلمة، قبل أن يدخل المصعد هذه المرة، ليستعد لرحلته المجهولة. (وفي الخفاء حياة) ومع أول قطار يتجه إلى محافظة سوهاج بلد المواويل، كانوا يجلسون أمام بعضهم البعض، كلا منهما يحمل الكره في داخله والنفور تجاه الآخر كانت تود أن تغادر في سيارتها، ولكنه رفض رفضًا قاطعًا متحججًا بأنهم قد يكونون يراقبونهم، وعلى حد علمها أنهم إذا أرادوا الوصول إليهم سيصلون كما استطاعوا الأمس. رمقته بنظرات غيظ، ثم أعادت النظر مرة أخرى إلى النافذة وهي تنظر إلى الطرق التي تتغير أمامها. عادت بتفكيرها إلى الأمس حين أخبرها بأنهم سوف يغادرون ذلك المنزل في صباح الغد عندما استمعت إلى ذلك من العقيد ظنت أنه يقول ذلك بسبب حدة الموقف الذي كانوا فيه، ولكن أصبح هذا حقيقيًا عندما أكد عليها وجعلها تقوم بجمع أغراضها في ساعات معدودة كان هذا صعبًا عليها لتغادر المنزل الوحيد الذي يحمل الذكرى لها، ولكنها على يقين أنها ستعود في يوم من الأيام، وقريبًا جدًا ولكنها أقسمت في داخلها أنها لن تعود إلى حياتها الطبيعية إلا حين تكمل انتقامها من رشاد النمر، أعلى ذلك العبث الذي يفعله في حياتها، بل كانت تنقص تلك العبثيات التي تقوم بها باكتمال ذلك الحارس الشخصي. أخذت ابتسامة ساخرة على شفتيها وهي تخطف بعض الأنظار إليها، فغضب، وتوعدت بأنها ستنتقم منه بمجرد أن تتخلص من رشاد وأعوانه مهما كلفها الأمر. أما هو، فكان يخطف بعض النظرات إليها ويتفحص من يمر بجوارها ومن يجلس خلفها كانت عيناه متربصتين بها كأنها ابنته، يخاف أن تضل طريقها. أخرج الهاتف الخاص به واعتدل في جلوسه، ثم قام بفتح إحدى المحادثات على أحد التطبيقات، كان ينتقل بين الرسائل من واحدة إلى أخرى كأنه يراها لأول مرة. ولكن هذا لم يمنعه من مراقبتها أيضًا، فقد كان يشعر بالملل الشديد. هو دائمًا على أتمّ الاستعداد لتلك المهمات، لكن تلك المهمة كانت شديدة الثقل على قلبه، يشعر أن شيئًا سيئًا سيحدث بعد قليل، لكنه أحسن الظن بالله، مؤمنًا أن القادم سيكون خيرًا. فقط أغلق الهاتف ونظر أمامه بانزعاج شديد، فهو يكره صوت القطارات وصوت البائعين بها، هناك ضوضاء شديدة تعكر صفو هدوئه. وعندما توقف القطار في آخر محطة له، نهض أخيرًا يمدد عضلات جسده، وهو يدبدب في الأرض بقدمه بهدوء قليل حتى يكون معتدلًا بملابسه، ناظرًا إلى ساعة يده، ثم نظر إليها مرة أخرى وقال: ـ اتفضلي، يلا، زمانهم مستنّينا دلوقتي.
📜 الفصل الرابع 📜
(مرار طافح) أومأت برأسها استجابة، ثم همّت أن تمسك بحقيبتها، لكنه أخذها منها وأشار إليها أن تتحرك أمامه. وبالفعل بدأت تتحرك أمامه، بينما أخذ هو الحقائب؛ واحدة على كتفه وأخرى في يده. حين وصلوا إلى بوابة الخروج من القطار، أوقفهم الكمسري وأخذ منهم البطاقات ليتأكد من هويتهم، ثم أعادها إليهم وأشار بالسماح لهم بالمرور. وحين خرجوا، تحركوا خطوات قليلة بعيدًا عن القطار حتى وصلوا إلى المقاعد المخصصة للاستراحة على سكة القطار. وضع الحقائب عليها وأشار إليها لتجلس، قائلًا وهو يغلق عينيه من شدة الشمس والتعرق: ـ اقعدي هنا كده دقيقتين، هعمل مكالمة بسرعة أشوف الناس اللي العقيد قال عليهم. لم تجيبه، فنظر إليها بعدم صبر وابتعد قليلًا، لكن نظراته كانت لا تزال موجهة نحوها. أخذ الرقم الذي أعطاه العقيد إيّاه، وبدأ بانتظار الرد على الهاتف، فجاءه الجواب بعد ثوانٍ بسيطة، وكان صوت رجلٍ يقارب العقد السادس من عمره يقول: ـ ألو، ألو، سامعني يا بوعمو؟ نظر إلى الهاتف وقطب حاجبيه، ثم أعاده مرة أخرى وقال: ـ أيوه يا خال، سامعك أنا... قبل أن يُكمل، أجابه الرجل قائلًا: ـ ما تعرّفش عن نفسك يا باشا؟ أنا عارف إنك الظابط إياه اللي جاي في المهمة إياها، هيهئ هيهئ. أغمض عيناه بتعب، ثم قال له بنفاد صبر هو الآخر: ـ إنت فين دلوقتي يا حاج؟ أنا واقف عند المحطة اللي مبعوتة ليك. أجابه الرجل وهو يرفع يديه ملوّحًا بهما في الهواء ويقول بصوت مرتفع: ـ أنا وراك يا حبيبي، أهو، وشايفك من وقت ما نزلت من القطر! التفت يمان خلفه ليجد الرجل يلوّح بيده، وخلفه رجل آخر ممسك بلافتة مكتوب عليها إحنا في انتظارك يا باشا، فصفع يمان رأسه بغباء من ذلك التصرف وأجابه بغضب: ـ ولما إنت واقف ورايا من وقت ما نزلت وعارفني، ما جيتش ليه من بدري بدل ما أنا واقف في الحر كده؟ ـ يا باشا، ما أنا كنت مستني إنك ترنّ عليّ، أصل بصراحة الحتة هنا طراوة، وعندك حر، فقلت أستنى لما ترنّ عليّا، وما ينفعش أنده عليك وأقولك بصوت عالي كده يا حضرة الظابط، إحنا المخبرين اللي هتقعد عندنا، هيهئ هيهئ. أردف ساخرًا: ـ هيهئ هيهئ، ماشي يا خويا... هنعمِل إيه دلوقتي؟ ـ العمل عمل ربنا تعالى، بس نروح الدوار وبعد كده نشوف هنعمل إيه، أصل ما ليّش صالح في المهمات بتاعتكم دي يا حضرة الظابط. ـ يا حاج، الله لا يسيئك بلاش حضرة الظابط دي، هتعمل لنا شبهة! كاد أن يُكمل، ولكنه التفت مسرعًا عندما وجدها تصيح له وتشير إليه بنصف عين وهي تقول: ـ مش هنتحرّك ولا إيه؟ أنا جِتِّيتي فرهَدِت من الحر! اقترب منها وقال وهو يحمل الحقائب ويتحرك للأمام: ـ تعالي، تعالي... شكله هيبقى مرار طافحعلىّ دي مهمة، قدامي! ـ إنت بتتكلم معايا كده ليه؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ وقف للحظة ثم أكمل قائلًا: ـ أنا لا نسيت نفسي ولا هباب! بس الحر فَرهَد جِتِّيتي أنا كمان، اشمعنى إنتِ؟ اتفضلي يا حضرة المحامية الجنائية إلى الأمام... ولا تحبي أضرب لكِ تعظيم سلام؟ أعطته نظرة كبرياء، ثم تقدّمت للأمام ووضعت نظارتها الشمسية لتسبقه بخطواتها، أما هو فنظر إليها ثم أخذ شهيقًا عميقًا وتقدّم خلفها، ونظر إلى الحقائب التي بيده والتي كانت تُعيق حركته قليلًا، ثم نظر إلى ما تحمله هي من ذهب، وإلى حقيبتها الصغيرة التي تضعها على يدها وكأنها ذاهبة إلى اجتماع مجلس إدارة. وصلوا إلى الرجل الذي كان ينتظرهم، فأول ما فعله يمان عندما نظر إلى ذلك الشاب الواقف خلف الرجل المسنّ، أنه ترك الحقائب من يده واقترب منه، وأخذ اللافتة التي كانت بيده بعُنف ومزّقها إربًا إربًا صغيرة. تراجع الشاب قليلًا إلى الخلف برعب من هجومه العدواني، فهتفت هي قائلة: ـ ارتحت دلوقتي يا حضرة الظابط؟ نظرت إليه بابتسامة ساخرة، ثم تبعَت الرجل الذي أخذ منهم الحقائب وتحركوا جميعًا. لم يبقَ سواهم، فتحرك هو خلفهم في النهاية. وبعد أن خرجوا من محطة القطار، أخبرهم الرجل أنه لا يمكنهم الذهاب بهذه الملابس إلى البلدة، وعندما اعترضت، أوضح لها أنهم سيأتون معه على أساس أنها ابنة أخيه، والآخر ابن أخته التي كانت تعيش في المدينة، ولهذا السبب لا يمكنهم المجيء بهذه الملابس. نظرت إليه، وأخيرًا تحدث يمان قائلًا: ـ طيب يا حاج، ما فيش مشكلة بس إحنا ما كناش عاملين حسابنا إننا نلبس، أو يعني نغير هدومنا، فهنعمل إيه دلوقتي؟ في محلات قريبة نشتري منها؟ قال الرجل بسعادة: ـ ودي حاجة تفوتني برضه يا باشا! جايب لكم هدوم معايا وجديدة ما اتلبستش غير مرة واحدة بس، هيهئ هيهئ. ثم نظر إلى ولده الذي كان معه، وأخذ منه الحقيبة التي كان يحملها وأعطاها ليمان وقال له: ـ دي يا باشا الهدوم اللي هتلبسوها أنت والهانم في بيت صغير قريب من هنا، الباشا الكبير جهزه ليكم علشان تجهزوا هناك، وبعد ساعة إلا ربع كده في عربية هتيجي تاخدنا من هنا وتنقلنا على جرجا. أخذ يمان الحقيبة من بين يديه وبدأ يتفحصها جيدًا، حينئذ نظر إلى جود وأعطاها الحقيبة بعد ما أخذ منها جلابية هو ومستزماتها، مدَّ يده إليها وقال: ـ سليمة، أعتقد دي حاجاتك خديها، هستناكِ بس ما تتأخريش. لم تهتم بحديثه، أخذت منه الحقيبة بإهمال وكادت أن تتحرك إلى الداخل، لكنها توقفت عندما توقفت حركته خلفها التفتت إليه وصاحت بغضب إثر درجة الحرارة المرتفعة وعدم تأقلمها على الجو حولها: ـ في إيه؟! أنت رايح فين كده؟ لا تكون عاوز تدخل معايا كمان وأنا بلبس؟! أغمض عيناه وبدأ بالعد بالسالب، ثم قال لها بابتسامة مُرغم عليها: ـ لا والله، أنا بس كنت ماشي ورا حضرتك علشان أدخل أعاين البيت، ليكون فيه كاميرات مراقبة أو حد جوه، كله علشان سلامتك يا فندم. لم تجبه، أتاحت له الطريق ليتحرك هو إلى الداخل وسارت هي خلفه. وبعد نصف ساعة بأكملها من معاينة كل شبر في المنزل، قد انتهى. تعجبت هي من دقته في التفتيش، وصل به الحال إلى أنه قام بفك جميع المصابيح في المنزل وتفحصها واحدًا تلو الآخر. وعندما سألته لماذا يفعل ذلك، قال لها إن هناك نوعًا من الكاميرات يُزرع بين خلايا المصابيح ليضيء مثلهم. وأخيرًا قد انتهى، وأعطاها الأمر بأن تنتهي سريعًا. دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها وهي تنظر حولها بتوجس، لقد زرع الشك بداخلها في كل شيء حولها، ولكنها حاولت طرد تلك الأفكار والانتهاء من ارتداء ملابسها. أما هو، بعد أن دخل غرفته وأغلقها، اتجه إلى المرحاض ليقضي حاجته، وبعد الانتهاء كاد أن يبدل ملابسه، ولكن شعر بحرارة الجو حوله فقرر أن يأخذ حمامًا سريعًا قبل أن يرتدي ملابسه. بعد ما انتهت من ارتداء ملابسها، نظرت إلى ذاتها في المرآة وابتسمت على هيئتها الجديدة. أخذت قلمًا كان في الحقيبة، وأخرجت هاتفها تبحث كيف تقوم برسم وشم الذقن لدى النساء، وبدأت بتنفيذ الخطوات التي في الفيديو أمامها. وفي النهاية، وضعت القلم وأخذت الشال ووضعته بعشوائية على رأسها تأملت هيئتها الأخيرة بالعباءة السمراء وذلك الوشم الصغير وعينيها المكحلتين، وشعرت بالسعادة قليلًا. أخذت هاتفها تلتقط بعض الصور قبل أن تغادر، لعلها تكون ذكرى لها في كل شبر من تلك الرحلة… رحلة، هكذا ما قالته وهي تنظر إلى هيئتها مرة أخرى، وإلى الهاتف الذي انتهت من التقاط بعض الصور به، ثم حدثت ذاتها بعدم فهم: ـ أنتِ بتعملي إيه يا جود؟ هو أنتِ مفكرة نفسك في رحلة بجد؟ أستغفر الله العظيم يا رب. تذكرت تلك الرسائل التي وصلت إلى الإيميل الخاص بها ليلة الأمس، فاتجهت إلى الفراش وأخرجت الحاسوب، وبدأت بمباشرة البحث عن عائلة النمر والتعمق في أصلهم. بعد نصف ساعة كان يقف في الخارج ينتظر خروجها، هل النساء دائمًا يتأخرن عن المواعيد الهامة أم هي تحديدًا تتعمد إثارة غضبه؟ نظر إلى ساعة يده وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتجه إلى الداخل، ولكن استوقفته بخروجها مع إحدى السيدات المقيمات في المنزل نظر إلى تلك الهيئة التي لأول مرة يراها عن قرب، أزاح عينيه عنها قليلًا وتحرك للأمام، بعدئذٍ أردف: ـ اتفضلي، العربية مستنياكِ من بدري حضرتك. أخذت نظرة سريعة على جلبابه الصعيدي وتحركت بخطواتها السريعة كي لا تتخذ أوامر أخرى منه، ولكن ذلك العجوز الذي كان برفقتهم أوقفها وقال لها بحذر ولكن بنبرة تحمل تهديدًا: ـ اسمعي يا بنتي، هنا ما يجوز إن الحرمة تمشي قدام الراجل مهما كان هو مين، خليكي وراه. رمقته بتعجب وأجابته: ـ يعني إيه أمشي وراه؟ هو احنا في عصر الاستعباد ولا إيه؟ ـ بلاش جدال يا بنتي، اسمعي الكلام أنتِ هنا مش في المدينة، أنتِ في الصعيد الجواني، يعني الحركة هنا ورا الراجل وبس. كادت أن تتحدث، ولكن تحرك يمان بعد ما أعطاها نظرة انتصار، قام بفرد شاله بحركة دورانية سريعة على يده وتحرك بشموخ أمامها. صعدوا إلى السيارة جميعًا، وكانت عبارة عن حافلة نقل محلية للقرية جلس يامن بجوار الرجال في الأمام، وهي بجوار النساء في الخلف. كانت تفكر كيف ستسير الأمور هنا، فهي لا تجيد تقاليد الصعيد، وتعلم جيدًا كيف هي حقوق المرأة ورأيها هناك. ولكن السؤال الأهم الآن: ما المدة المحددة للبقاء هنا؟ وهل سيكون الوصول إليهم صعبًا أم سهلًا؟ أخذتها الأفكار حتى توقفت السيارة أمام أحد المنازل التي كانت متوسطة الحال، ليست فارهة وليست فقيرة يبدو أنهم أسرة متوسطة المعيشة، مكوّنة من أبٍ وأمٍ وفتاةٍ صغيرة وأخرى في نهاية العقد الرابع، وذلك الشاب الذي التقوا به في محطة القطار. بدأت في تلقّي التحيات من العائلة، ثم السلامات من بعض الجيران، حتى وصلوا إلى بوابة المنزل، حينئذٍ صاح العجوز قائلًا بفخر: ـ مشكورين يا جماعة، ولاد إخواتي اللي كانوا في البندر هيرتاحوا دلوقتي، وبالليل هنتكلم في تفاصيل الفرح، متحرمنش منكم. أشار لهم بالتحرك إلى الداخل، ولكن وقف أمام يمان وجود اللذان توقّفا عن الحركة وبدآ ينظران إليه بتعجب. ضغط على أسنانه وقال لهم بتحذير: ـ ادخلوا يا عيال، ادخلوا بس، وهحكي لكم كل حاجة والله. هتف يمان بتذمّر: ـ فرح إيه يا راجل؟ قصدك إيه؟ إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ تحولت نظرات الرجل إلى الغضب، وهتف بكلمة واحدة ثم تركهم ودلف إلى الداخل: ـ هعذرك عشان ما تعرفنيش، كلمة واحدة مش هكررها ادخلوا ونتكلم جوه. نظرت جود إلى يمان بتساؤل، وبادلها هو النظرات، ولكن في النهاية استقرّا على التحرك خلفه. كان المنزل من الداخل على تشطيب نوعًا ما عصري، ولكن هذا لم يأخذ انتباه جود إلا تلك الكلمتين اللتين هتف بهما منذ قليل. تحرّك يامن إلى أحد الكراسي الموجودة وجلس عليها، ثم نظر إليه منتظرًا توضيحه، أردف العجوز بعد طول انتظار: ـ زي ما فهمتكم، المحامية هتكون بنت أخويا، وأنت هتكون ابن أختي. وأنا مفهمهم إنكم كنتوا عايشين في البندر، يعني في المدينة، ودلوقتي هم كلهم عارفين إنكم هتنزلوا وتقعدوا هنا. طيب جايين منين؟ كانوا قاعدين فين؟ كانوا عند مين؟ عايشين مع بعض ولا لأ؟ كل دي أسئلة هتشوّه سمعتي في البلد، فعشان أنهي الجدال ده كله قلتلهم إنكم نازلين البلد علشان تتجوزوا، والفرح هيتم خلال أسبوع أو أقل كمان لحين إنتهاء الزيارة بتاعتكم هنا. نهضت جود باعتراض وصاحت به: ـ يعني إيه؟ يعني فرح وناس! هو إحنا هنشيل كلام الناس ليه؟ هنشيل هم الناس ليه؟ ما تولع الناس كلها! حضرتك إحنا مش في عصر الجاهلية، كل واحد حر. أنا نازلة هنا علشان شغل، وكان ممكن ننزل في أي فندق، ولكن إنت عارف السبب اللي خلانا نيجي هنا لازمتها إيه الحوارات دي كلها؟ أكمل حديثها يمان وقال بهدوءٍ عكس غضبها: ـ نفهم بس، هل اللواء على علم باللي إنت بتقوله ده دلوقتي؟ يعني هو عارف إنك هتعمل كده؟ ـ أيوه يا ابني، هو أنا هجيب حاجة من عندي؟ اللواء عارف بكل حاجة، وبعدين إحنا مش هنجوّزكم حقيقي، ده بس يعني سبب لظهوركم قدام الناس عشان ما ندخلش في سين وجيم، بحيث اللي يسألكم هنا في البلد تقولوا إنكم مخطوبين. وبرضه عشان تقدروا تتحركوا براحتكم، وإن شاء الله مهمتكم دي تخلص قبل الفرح وتختفوا من هنا. جلست جود تُناظر الوجوه جميعًا، وأكثرهم يمان، والذي وجدت على ملامح وجهه الارتياح، حتى للحظة ظنّت أنه يعلم أن هذا سوف يحدث ما هذا الارتياح الذي على معالم وجهه، والبرودة في حديثه؟ ـ مستحيل إن اسمي يرتبط بالبني آدم ده، يعني مافيش أي خطة تانية غير موضوع الجواز؟ تحولت ملامح وجهه للغضب، وفي خطوة سريعة وقف أمامها وقال لها بنبرة خافتة، ولكن تحمل الكثير من الضغط الداخلي: ـ قصدِك إيه في كلامك ده؟ أوعي تكوني مفكرة نفسك حاجة، وأوعي تنسي السبب اللي إحنا هنا علشانه، وباستأذنك دلوقتي باحترام، ما تتجوّزش بكلامك معايا، عشان أنا برضه أقدر أفكرك أنا أكون مين. لم تهتز من نبرته، ولكن شعرت باهتزاز كبريائها أمامه، وأنه يُشعرها باحتياجها إليه، وهي لا تحتاجه هو فُرض عليها مثلما فُرضت عليها الكثير من الأشياء التي لا تريدها، وبناءً على ذلك الضغط قالت له: ـ ودي حقيقة، أتمنى كل واحد يلزم حدوده داخل المهمة دي، ولو كنت بتموت قدامي مش هتفرق معايا، عشان كل واحد يلزم حدوده. تدخّل العجوز إبراهيم وأزاحهم بعيدًا عن بعض قليلًا، وقال: ـ صلّوا على النبي يا شباب، موت إيه دلوقتي؟ وإيه اللي بتتكلموا فيه ده؟ اللي بتعملوه مش أكتر من شغل عيال، ده مش شغل ناس عاقلة، ولا شغل ظابط، ولا شغل محامية! كل واحد بيتفاخر بمهنته، ولكن لو فضلتوا على الحال ده، هتنسوا إنكم جايين ليه بعد إذنكم، كل واحد يروح الأوضة بتاعته ويرتاح، علشان بالليل السهرة هتكون طويلة، واللي حصل دلوقتي مش هيتكرر مرة تانية. أنا بتعامل معاكم باحترام لأنكم في سن أولادي، ولكن قسمًا عظمًا، أي تطاول هيحصل بعد كده، هتصرف بمعرفتي، ومعايا كامل الصلاحيات للتصرف لو في حاجة ما عجبتنيش. يلا، كل واحد يشوف طريقه وكمان نسيت، هتعيشوا تحت سقف واحد، ولاد خال ولاد عم، بالأول وفي الآخر من عيلة واحدة، يعني الاحترام هيكون متبادل. نظر إلى جود أولًا، وقال لها بتحذير: ـ يعني اللي عملتيه من شوية وتطاولك عليه، آخر مرة هيحصل. وإنك تكبّري كل شوية في كل كلمة هتتقال، آخر مرة برضه هيحصل هنا اللي هنقوله تمشي عليه، وكلمة الراجل في الأول وفي الآخر هي اللي هتمشي. وإنتِ زيك زي أي حرمة في البيت ده، تطبخي وتكنسي وتمسحي، ولكن مش هتكوني بنفس المعاملة، لأنك في الأول وفي الآخر ضيفة لكن الفترة اللي هتقعديها هنا، هتكوني زيك زي أهل البيت، اللي هيعملوه هتعمليه. واعتقد عشان نسهل على نفسنا، هتحتاجي إنك تخرجي من البيت، وعشان تخرجي لازم يبقى ليكِ معارف، فهتروحي كل يوم مع الحجة السوق وتعملي ما بدا لكِ، ولكن الخروج برّه لحد الساعة الصبح بعد الظهرية، ما فيش خروج من البيت. أنهى حديثه مع جود، ثم التفت إلى يمان وقال له: ـ وأنت هتخرج معايا، تتكلم مع الرجالة، تنزل تشوف الأراضي الزراعية وهكذا و... كاد أن يُكمل، ولكن قاطعه بلهفة: ـ بس أنا مش هينفع أسيبها لوحدها، أنا المفروض أكون معاها زي ظلّها، افرض حد عرف مكانها أو اتعرّضت لخطر، أعمل إيه عش... ـ ما فيش خطر ولا حاجة، أنت هنا في قلب الصعيد، مش في المدينة، يعني ما فيش ولا غريب بيدخل البلد هنا غير لما نكون عارفين أصله وفصله أنت هنا في منبع الرجالة، يعني تمشي في البلد وأنت حاطط في بطنك بطيخ صيفي، إن مش هيحصلها حاجة. وبعدين، هي مش هتخرج بره البيت غير مع الحريم، وممكن في ساعة الصبحية تبقى تروح معاهم في الوقت اللي هي هتخرج فيه بره البيت، لكن باقي الوقت ما ينفعش إنك تفضل قاعد معاها. خطف نظرة سريعة لها لكي يرى ردّ فعلها على حديثه، ولكن لم يجدها مهتمة، وأثار ذلك استفزازه، فقال له بابتسامة: ـ وماله يا حاج، تقعد في البيت زيها زي الحريم، تطبخ وتكنس، وأي معلومات هتحتاجها من برّه، تعرفني وأنا اللي هبدأ فيه التحقيقات. في ذلك الوقت، التفتت إليه بأعين جاحظة، فبادلها ابتسامة منتصرة مرة أخرى، وكادت أن تعترض، ولكن أشار لها العجوز إبراهيم بإصبعه، وقال لهم وهو يأمرهم بالتفرّق: ـ يلا، انتهى الحديث لحد هنا، اتكلوا على الله. قام بإعطاء أمرٍ لزوجته وابنتها الكبيرة أن يأخذوها إلى غرفتهم، وأخذ ابنه الآخر يمان. تحرّكت كلٌّ منهما وهو يحمل بداخله غضبًا من الآخر، وجمرة كبرياءٍ ملتهبة من عناد وكبرياء الطرف المقابل. لأول مرة تجد جود من يقف أمامها الندّ بالندّ، ولكن أخذتها الفكرة كفرصةٍ وتجربةٍ لطيفة لتجربة نوعٍ آخر من الرجال، وتلك أول مرة تأخذ فيها مهمة كتجربة، ولمَ لا؟ فكل شيءٍ في تلك المهمة مجرد تجربة. أما هو، فبرغم ما يُظهره من عناد، إلا أن بداخله شعورًا غير مريح، لا يثق بأحدٍ من حوله، حتى إنه حين كان يتحدث آنفًا لم يُخبرهم بأن رجاله متفرقون في البلدة وضواحيها، وأنهم سيكونون متواجدين في اجتماع المساء. هو لم يأتِ إلى المكان ليتفاجأ بالقرارات التي ستُوضع له، بل قبل مجيئه كان على درايةٍ تامة بكل كلمة ستُقال، حتى موضوع الزفاف كان يعلم به، لذلك كان متقبّلًا للوضع مسبقًا. لا يستطيع الإنكار أنه تشاجر كثيرًا مع العقيد بشأن ذلك القرار، لكنه على استعدادٍ لأن يفعل أي شيء لينجح في المهمة المكلّف بها، حتى ولو انتهى به الأمر بزفافٍ في نهايتها، فالنهاية بالنسبة له هي إتمام المهمة بنجاح فقط.
📜 الفصل الخامس 📜
(شرارة) على ما تدل تلك الحياة غير أنها مجرد امتحان شامل على كافة الأصعدة، لتجد في النهاية الحصاد. لم يُذكر من قبل أن الرزق في الأرض، ولكن قيل: ـ {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} لا يوجد رزقٌ نسعى له طوال الحياة فالدنيا فانيةٌ بكل ما فيها، ولكن هناك جزءٌ صغيرٌ من رزقك تأخذه، وهو ما سُعي إليه، "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى". في المساء، اجتمع جميع الرجال على طاولةٍ واحدة التفّت بخيرات الله وما طاب من الأطعمة. كان المجلس قبل صلاة العشاء بقليل، والتي تمت الإذاعة عنها بمكبر الصوت الخاص بالمسجد عقب صلاة العصر. إثر ذلك، أتى عددٌ ليس بقليل من الرجال والنساء والأطفال لينعموا بهذا الحدث الجميل، وهو الشهود على عقود أحدهم. كانت تلك الأجواء لا تقل بهجةً وسرورًا عن الأعراس والحفلات الضخمة، ولكن الفرق هنا أن السعادة نابعةٌ من القلب، لا تكبرٌ فيها ولا غرور، بل ردٌّ للجميل الذي كان على الأرجح قد أُعطيَ في أحد الأعراس لهم من قبل. وُضع آخر طبقٍ من الحساء الساخن، وبجواره طبقٌ آخر من الأرز الأبيض وبعضٌ من صلصة الطماطم والخبز المقرمش والثوم وغيرها من المكونات، ليصبح في النهاية طبق فتة مصرية لذيذ. ومن هذا الطبق الكثير على المائدة. وقف العجوز وقال بترحيبٍ واسع: ـ ألف هنا يا جماعة، لقمةٍ هنيّة تكفي مية، مدّوا إيديكم يا جماعة، إحنا أهل، يلا بسم الله. بدأ الرجال في تناول الطعام، أما في الداخل فالتفت جميع النساء حول جود، التي ولأول مرة تشعر بالخجل الشديد من نظرات النساء إليها لم تستطع أن تُجيب على الكثير من الأسئلة الخاصة، مثل: ماذا تدرسين؟ هل أنتِ متعلّمة؟ لماذا جئتِ إلى هنا؟ كيف تعرفتِ على ذلك الشاب الوسيم؟ يا فتاة، كيف يسألن سؤالًا مثل ذلك! من المفترض أنهنّ يعلمن أن بينهما صلة قرابة! هل إلى هذه الدرجة هو وسيم في أعين تلك الفتيات لدرجة أنهن نسين ذلك؟ كل ما كانت تفعله هو الابتسامة فقط، تلك الابتسامة التي كادت أن تُخلع معها صفوف أسنانها ووجنتاها من كثرة القُبُلات التي أخذتها من نساء القرية، فالمحبة عندهن لا تكتفي بقبلة أو اثنتين، لا، بل هناك العدل والنصف بينهما، ثمانٍ وثمانٍ بالتساوي! ناهيكِ عن تلك الضمة التي تُعطى فقط للابن المفقود في الغربة منذ سنوات. تعجبت كثيرًا من تلك الأجواء، ومن ذلك الحب الفائض، والطيبة، والبشاشة التي تظهر على وجوه تلك النساء. فهنّ يتعاملن بالفطرة الطيبة، لا يوجد تجميل في الكلمات التي تخرج من ألسنتهن، بل ما يأتي في تفكيرهن يُلقى فورًا على الآخر. لا تستطيع الإنكار أنها أحبت تلك الأجواء كثيرًا، حتى إنها في النهاية تخلّت عن كبريائها وذلك الغرور الذي بداخلها عندما نظرت حولها ولم تجد أحدًا من الرجال، وتحديدًا هو. وأخيرًا، استطاعت أن تزيح عنها غطاء العجرفة، وتستمتع للحظاتٍ قليلة بشعور الراحة مع تلك السيدات. وضعت هاتفها على أحد الكراسي، وقامت بطيّ الثوب الخاص بها، وجلست بجوار سيدةٍ كبيرة في السن. بدأت الفتيات الصغيرات في وضع الطعام لهنّ، وفي النهاية التففن جميعًا حول طاولةٍ واحدة على الأرض، وبدأن في تناول الطعام وسط سعادةٍ لا تُنسى. بعد قليل، أعلن مُكبّر الصوت عن أذان العشاء، ينادي الناس للصلاة. نهض جميع الرجال واتجهوا إلى المسجد، أما هو فألقى نظرة خاطفة على المنزل، ثم إلى الرجال، وظل في حيرةٍ لبضع ثوانٍ حتى أخذه أحد الرجال من يده ومنعه من الاعتراض. تحرك خلفه العجوز وربّت على كتفه باطمئنان، وفي النهاية خضع لهم. بعد يومٍ طويلٍ أنهى بوضع رأس الجميع على الوسادة، عندما عاد يمان من المسجد وبعد الانتهاء من توديع جميع الرجال، اتجه مسرعًا إلى المنزل، ولكن عندما دخل لم يجدها. نظر حوله بتفحّص، لكنها لم تكن هناك، فصاح بهم بقلقٍ بالغ: ـ هي فين؟ مش المفروض تكون هنا مع آخر واحدة مشيت؟ أجابته العجوز بتعب: ـ يا ابني، اهدى شوية، هي بخير، محدش غريب دخل، دول نسوان الحِتّة هنا، وعشان تريح نفسك هي تعبت ودخلت تنام. ـ تعبت ودخلت تنام؟ قطّب حاجبيه بشك وأكمل: ـ ماشي، ماشي، أنا عايز أشوفها. في ذلك الوقت دخل العجوز وقال له بغضبٍ طفيف: ـ تشوفها إزاي وهي نايمة؟ ما تقول كلام معقول يا ابني، عيب! وبعدين أم أحمد قالت لك إنها نامت، وقبل ما إنت تدخل بنص ساعة أنا دخلت واطمنت عليها، وكانت مبسوطة، وقالت إنها هتدخل تنام عشان اليوم كان صعب عليها. قال بنبرة لا تسمح بالحديث بعدها: ـ وعزة وجلالة الله لو مشوفتهاش دلوقتي لأكون قالبها عليها واطيها أنا مش رايح أعمل حاجه ولا إني خلصت ليها بنظرة وحشه أنا بس عايز اطمن عليها وبس من بعيد ومن غير ما تشوفني ولا حد يصحيها. تبادلوا النظرات قليلًا، في النهاية أشار الرجل لابنته بأن تصطحبه لكي ينظر عليها ولكن قبل أن يتحركوا قال لها بتحذير: ـ يشوف وشها بس وبسرعة ممكن يدخل عليها ولا يطول عن نظرة نظر إليه بعدم مبالاة، ثم تحرّك خلف الفتاة. بعد لحظات، وقفت أمامه قائلة بخوف: ـ هتبص وتمشي على طول، بالله عليك، أبويا لو عرف إني خليتك تدخل عليها هيطين ليلتي. أومأ برأسه ساخرًا، ثم أزاحها عن الطريق ودفع الباب بهدوء ودخل كانت الغرفة معتمة، هادئة، دافئة تحرّك بضع خطوات، ثم أغلق الباب خلفه توقف وأخذ نفسًا عميقًا من رائحتها التي تفوح في الغرفة، واتجه إلى الفراش، وضربات قلبه تتصارع كالطبول. اقترب ببطء ونظر إلى وجهها، ولكن لم يكن واضحًا بسبب خصلات شعرها المبعثرة عليه. تنهد ومدّ إصبعه ليزيحها، فتعجب من يده وهي ترتجف. نظر إلى يده وأغمض عينَيه بغلبة، كيف أصبح لا يستطيع السيطرة على يده، ولا على قلبه الذي يعلن زفافًا بداخله؟ ابتسم بسخرية ومدّ إصبعه مرة أخرى إلى أنفها ليتأكد من نبضها وأنفاسها. أخرج آخر أنفاسه براحة، ثم نهض عندما وجد فاطمة ابنة العجوز تهتف له بأن يغادر قبل أن يأتي والدها. نهض بغلبةٍ من حاله وغادر الغرفة، ثم ذهب إلى غرفته لم يستطع النوم طوال الليل، أُغلِقت أنوار المنزل جميعها معلنةً راحة الجميع بعد يومٍ شاق، لكن من يُغلق أنوار وكهرباء عقله الذي يعجّ بالمهام، وأكبر مهمةٍ هي التخلص من هذا الضعف الذي بدأ يولد بداخله؟ انبعث في الغرفة شعاعٌ من ضوء القمر مصطحبًا بنسيم الرياح الباردة التي تأتي من الأرض الزراعية المجاورة للمنزل. نهض وهو يشعر براحةٍ كبيرةٍ في داخله، فمع كل تلك الضغوطات التي حوله، لم يشعر بالراحة منذ زمنٍ طويل. هذه الأماكن تجبر الإنسان على أن يستكين، جرجا، سوهاج، أسوان، أسيوط وغيرها من المحافظات التي تمتلك طابعًا شرقيًا، يشعر فيها بأصل الحضارة المصرية. وقف عند النافذة يتأمل حركة الأشجار وعلى ثغره ابتسامة هادئة، لكنها تلاشت فجأة عندما التقطت عيناه تلك التي كانت تأخذ خطواتها بترقّبٍ وخفةٍ شديدة. جحظت عيناه بدهشةٍ مما يراه! كيف لها الآن أن تتسلل مثل اللصوص، ومنذ دقائق قليلة كانت غارقةً في غفوةٍ عميقة؟ بدأت تتلاشى من أمامه شيئًا فشيئًا، وكاد أن يغادر ليلحق بها، لكنه تراجع فجأة عندما أدرك ما سيفعله الآن. إن خرج من الغرفة ومرّ عبر باب المنزل، فذلك العجوز النائم في الخارج سيلتقط صوته، وهذا الشاب الذي ينام بجواره سيستمع إلى أنين الباب الفاضح. لعنها في داخله، ثم اتجه إلى حقيبته، أخذ سلاحه ووضعه في خصره، وفي الجهة المقابلة صاعقٌ صغير، وارتدى لثامَه. عاد إلى النافذة مرةً أخرى وقفز منها، ولم يكن الأمر صعبًا، فبالكاد كانت النافذة تبتعد عن الأرض بمترين فقط. أخذ يُسابق خطواته لكي يلحق بها في الطريق الذي ذهبت إليه، ولكنها كانت كالشبح... تَبَخّرت، لم تكن موجودة إطلاقًا بدأ يركض مرةً أخرى ويبحث عنها بين الأشجار والأراضي الزراعية كالمجنون، وقف للحظات يلتقط أنفاسه ثم نظر حوله مرةً أخرى وهو يتصبب عرقًا، رفع رأسه وأخرج هاتفه في محاولةٍ منه أن يتتبع جهاز التتبع الذي وضعه في هاتفها، ولكن وجد الهاتف في المنزل، ليس معها. التقطت أذناه صوتًا طفيفًا بالقرب منه، سرعان ما ركض خلفه على أملٍ منه أن يلقاها، ولكن عندما وصل إلى المكان لم يجد أحدًا. بدأ يلهث من شدة الرعب ووضع يده على رأسه بألم، هل فشل؟ هل فشل في حمايتها؟ ولكن لماذا خرجت؟ وأين ذهبت؟ ولماذا لم تخبره؟ كيف سمح لقلبه أن يسيطر عليه ويغفو عن حمايتها للحظات؟ قرر أن يعود إلى المنزل مسرعًا ظنًّا منه أنها قد تكون عادت، أو ليتواصل مع العقيد ليبدأ البحث عنها. التفت فجأةً وهو يسرع، ولكن توقف وهو يشهق بصدمه ووضع يديه على صدره عندما وجدها أمامه وهتف بارتجاف: ـ بسم الله الرحمن الرحيم، وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون... أنتِ! أنتِ كنتِ فين؟! ازاي تخرجي من البيت وما تعرفينيش؟! أنتِ عارفة في الكام دقيقة اللي اختفيتِ فيهم عن عيني حرفيًا أنا كنت هموت! مش منبّه عليكِ ما تخرجيش في أي مكان من غير ما تعرفيني؟! عقدت يداها على صدرها ورمقته بعدم اهتمام، وقالت له: ـ انت مش مسؤول عني علشان تأمرني أروح فين وأجي منين، أنا أخرج وقت ما أكون عايزة. لحظ طريقة تحدثها معه، فأجابها بغضب: ـ بعد إذنك، لما تتكلمي معايا تتكلمي باحترام وبطريقة أفضل من كده أنا مكلّف إني أحميكي، ووجودي معاكِ في الشغل مش خدمة ليكِ، المفروض يكون في تقدير أكتر من كده! من بداية المهمة وأنا مستحمل إهانتك فيّ، وإنتِ ما تعرفيش أنا مين! أنا... أنا مش أي حد، إنتِ فاكرة نفسك مين؟! لو كنتِ جود المصري، فأنا يمان الكيلاني! فوقي كده، وإنتِ بتتكلمي معايا. أنا بحترمك علشان إنتِ أنسة، لكن لو هنيجي للشغل، فإنتِ زيك زَيّي! شعرت بارتجافٍ خفيف بسبب نبرة اندفاعه وغضبه، وأغضبها في الوقت ذاته شعور الخوف الذي تسلل إليها، فقالت بدون إدراك: ـ وأنا مش عايزاك تحميني! أنا هامضي إقرار على نفسي، لو حصل لي حاجة محدش مسؤول ولو شفتك بتموت قدامي، عمري ما هقرب لك! عشان شكلك برضه نسيت إنت مين وأنا مين. وعامةً، أنا كنت باخد تقارير من شخص شغال معايا، وما كنتش عايزة أقلق حد، عشان أنا مش واثقة في الناس دول. بدأ يهدأ قليلًا وتراجع ليعود مرةً أخرى إلى المنزل متحاشيًا النظر إليها، وقال بسخريةٍ مريرة: ـ تمام، اتفضّلي. ويفضّل نرجع للبيت دلوقتي... عشان لو مُت، ألاقي حد ينقذني. عشان كده فقدت الأمل في إنسانيّتك. بعد مرور يومين، لم يحدث لهما شيء جديد، غير أن التعامل بين جود ويمان أصبح طفيفًا عند اللزوم فقط. ما زال حديث جود الأخير يدور في عقله، يشعر أن جزءًا من كبرياء رجولته انجرح على سوط لسانها السليط. كانت جود تقف أمام المنزل تشعر بحرارة الجو تخترق جسدها، فوضعت يديها فوق عينيها لتحجب أشعة الشمس، ثم هتفت بصوت مرتفع وهي تنادي عليه: ـ يلا بقى، مكنش كيلو طماطم اللي بتشتريه من ساعة! كان يبتعد عنها ببضع أمتار، بالكاد سمع صوتها، فرفع صوته مجيبًا بنبرة فيها مزيج من الجدية والسخرية: ـ الحجة قالت لي أجيب الطماطمية طماطمية، وما يكونش فيها عنقود أصفر، والعنقود بتاعها يكون أخضر، وتكون كبيرة وحمراء، وما يكونش فيها أي خروم، وتكون ناشفة عشان تتعامل في السّلطة! استمعت إليه وهي تنظر نحوه بتعجب، ثم تمتمت لنفسها بضيق: ـ طماطم وسلطة ناشفة وحمراء... لا حول ولا قوّة إلا بالله لحظة كده لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قالت بصوت مسموع: ـ أنا هروح أجيب الطعمية والفول من المطعم اللي على أول الشارع، على ما إنت تخلّص الطماطميات بتاعتك. التفتت لتغادر، لكنها ما لبثت أن توقفت عندما وجدته خلفها مباشرة. نظرت له بحدة وهتفت بضيق: ـ إنت بتلحق تيجي إزاي؟! وبعدين فين الطماطم اللي كنت بتناقيها؟ أجابها بكل هدوء وبنبرة تحمل شيئًا من المزاح الخفي: ـ أم أحمد قالت لي روح يا ابني، ما تخلّيش عروستك تمشي لوحدها، وقالت كمان إنها هتجيب الطماطم وتوديها البيت. تعالي بقى، نروح أنا وإنت نجيب الفطار. لم تُجِبه، لكنها تحرّكت في صمت، فاتّبعها، عاقدًا يديه خلف ظهره كعادته ظلّا يسيران في هدوء، ولم يُلقِ أحدُهما على الآخر حديثًا، حتى انتابها الفضول من نظرات الفتيات الموجَّهة إليها. أغمضت عينيها نصف غَمضة بسبب أشعّة الشمس، ثم ألقت نظرة خاطفة نحوه وقالت محاولة أن تغيّر مجرى الحديث: ـ إيه يا أستاذ حضرة الظابط، يعني شوية كده كلها كم يوم والمفروض إننا هنتجوّز، بس بعينك هنكون خلّصنا كل حاجة وقتها بإذن الله… المهم يعني، إنت مالكش أهل يسألوا عليك؟ زوجة؟ عِيل؟ أي حاجة كده؟ كان ينظر أمامه دون أن يلتفت إليها، يستمع إلى حديثها باللامبالاة، ثم أجاب بثبات: ـ مقطوع من شجرة… بعيدة عنك. شعرت أنه لا يرغب في الحديث، ففضّلت الصمت. وحين وصلا أمام المطعم، أخبرته بأنها ستذهب إلى طابور السيّدات وتنتظره هناك، لكنه رفض مؤكدًا أنه لن يتركها بمفردها وسط تلك الزحمة بادرت بالاعتراض مرة أخرى، قائلة إنها ستكون بخير، وهو يمكنه مراقبتها من بعيد، لكنه أجاب بصرامة: ـ مش هتروحي أي مكان من غيري. تدخلت سيدة من الواقفات في الطابور وقد نفد صبرها، قائلة بنبرة ضيق واضحة: ـ معلش يا حبيبي، إنت وهي، ممكن بس تحلّوا مشاكلكم على جنب؟! عايزين نفطر، ورانا مشاغل متعطلة، وانتو واقفين في نص الطابور مش سايبين حد يجيب لقمة! هي ناقصة مرار طافحها الصبح؟! ـ هو حضرتك بتتكلمي كده ليه معانا؟! ما الطابور قدامك أهو، وبعدين إنتِ واقفة في الأول مش في الآخر، عيب أسلوبك ده. أنزلت السيدة الطفل الذي كانت تحمله، والتفتت إليها وكأنها تُعلن أنها أصبحت متفرغة لها، وقالت بسخرية حادّة: ـ مالُه أسلوبي يا حبيبتي؟ مش عاجبك في إيه؟ ولا تكونيش مبسوطة بجمالك ده؟ ولا الحيطة اللي واقف جنبك دي نفّخ يا عسل؟! نفّخ ولا محصّل ولا موصّل في سوق الرجالة بنكلة! تراجع يمان بضع خطوات، وقال وهو يُدخل جود خلف ظهره ليحميها: ـ تعالي يلا نمشي دلوقتي، مش مهم فطار. لكنها أزاحت يده عنها بغضب، والتفتت إلى السيدة وهي تُشير بإبهامها نحوها وكأنها تتحدث مع مجرم خلف الزنزانة، وقد طبع عليها طابعها الأصلي وقالت بنبرة حادة: ـ اسمعي، لما تتكلمي معايا تتكلمي باحترام! أنا ما وجّهتلكيش أي إساءة، ولا هو وجّهلك إساءة! وبعدين ليه إنتِ الوحيدة اللي بتتكلمي من بين كل الناس دي؟ ما كل واحد بياخد أكله وبيمشي! ده حتى اللي كانوا واقفين ورانا خدوا الأكل ومشيوا! ليه إنتِ الوحيدة اللي عاملة حوار؟ فوقي كده، واعرفي إنتِ بتتكلمي مين! أنا جود الــ… ضغط يمان على يدها بسرعة قبل أن تهتف بكنيتها، وبرقت عيناها نحوه علامة على استيائها، لكنه أشار لها أن تصمت. وفي الجهة المقابلة، لم تتحمل السيدة ما اعتبرته إهانة من جود، وكادت تردّ عليها، لكنّ رجلًا كان يقف في الصف الآخر تدخّل قائلاً بنبرة حازمة: ـ استهدي بالله يا ستّ، منك ليها هو إحنا مش هنعرف نجيب اللقمة ولا إيه؟ يلا يا عم، هات قفص العيش خلينا نمشي! نسوان آخر هم، كل واحدة واقفة من صباحية ربنا عشان تاخد فطار، ومش عارفين يعملوا في البيت لقمة! التفتت تلك السيدة التي كانت تتشاجر مع جود منذ ثوانٍ وقالت للرجل بنبرة تحمل السخرية والاستهزاء، وأشارت بيديها بتأكيدٍ مبالغ فيه: ـ ليه يا أخويا يا سيّد الرجالة؟ ما إحنا بنشتري فطار عشان ناكل لقمة! وأنت واقف ليه من صباحية ربنا زينا عشان تشتري عيش، ولا هي نانسي عجرم اللي عندك في البيت؟! على إيديها ورجليها نقشة الحنّة وما بتعرفش تخبز؟! رجالة آخر زمن والله! التفت إليها الرجل بعصبية وردّ عليها بإساءة مماثلة، فتدخلت سيدة أخرى تدافع عن الأولى، لكن لسوء الحظ كان يقف زوج تلك السيدة في الجهة المقابلة، فسمع الحديث وردّ عليها بغضب شديد لتدخّلها في ما لا يعنيها، وبدأت الأصوات تعلو تدريجيًا. اقتربت جود من السيدة المدافعة وهمست في أذنها بصوت خافت يحمل شيئًا من التمرد: ـ هم الرجالة كده كلهم، عايزين يكونوا مسيطرين وإنتي تبقي تحت أمرهم أوعي تسكتي، ردي وخدي حقك! أنهت جود جملتها الأخيرة، وكأنها أشعلت فتيل النار في برميل البنزين، فما إن سمعت المرأة كلماتها حتى التفتت بعصبية وردّت على الرجل بحدة، لتشتعل الشرارة بين الصفّين. تعالت الأصوات، وبدأت السيدات في الجدال والصراخ، ثم ما لبث الأمر أن تحوّل إلى مشاجرة كاملة، الأيدي ترتفع، والعيش يتناثر في الهواء، وعلب الفول تتدحرج على الأرض، وصوت أحد الرجال يهتف من بعيد: ـ يا جماعة استهدوا بالله ده فطار مش معركة بدر! اندفع رجل ليفصل بين امرأتين تشابكتا في أطراف الطرح، لكن ما لبث أن تلقّى دفعة قوية من إحداهن جعلته يترنّح إلى الخلف، ليصطدم بآخر كان يصرخ غاضبًا على زوجته. أصبحت الساحة فوضى كاملة، صياح الرجال والنساء يتداخل، والباعة يحاولون تهدئة الموقف دون جدوى. في وسط هذا المشهد، كان يمان ممسكًا بذراع جود بقوة وهو يقول بنفاد صبر: ـ إنتِ بتولعي الدنيا ليه؟ يلا بينا قبل ما نتحبس! ضحكت جود، رغم الفوضى، وقالت وهي تركض معه وسط الزحام: ـ ما هو أنا كنت بس بدافع عن حقي يا حضرة الظابط سحبها من يدها وبدأا يركضان بين الناس، يتفاديان أكياس الفول المتطايرة وصوت الشتائم الذي يملأ المكان، حتى ابتعدا عن المطعم تمامًا. توقفا في أحد الأزقة الضيقة، يتنفّسان بصعوبة من كثرة الركض، ثم نظر أحدهما للآخر، وانفجرا في ضحكٍ لا إراديّ.
📜 الفصل السادس 📜
( العدالة) بينما تنالُ منّا الحياةُ مرارًا وتكرارًا، نجدُ في جوفِ الليل شعاعَ نورٍ خافت، لنكتشف أنَّ الأملَ ما زال موجودًا، ولكنَّ السعيَ وراءَه معدوم. ومع آخر ابتسامةٍ ـ والتي على الأرجح تكون الأولى والأخيرة ـ تكتشفُ أن هناك بابًا آخر من النور موجودًا، ولكن في نهايةِ ظلامٍ لا نهايةَ له. ولكن، هل هناك من يُنيرُ لك دربك أم… ـ جاهزة يا عروسة؟ نظرت إلى نفسها في المرآة لتجد فتاةً جميلة، تشبهها إلى حدٍّ كبير، ولكن هناك فرقًا في الروح الداخلية فستانٌ أبيض راقٍ، طرحةٌ طويلة بيضاء، تاجٌ صغير يلمع، بشرةٌ تنعمُ بالقليل من مساحيق التجميل، حُمرةُ شفاهٍ تميل إلى البُنِّي قليلًا جميلة! نعم، ولكن لماذا لا ترى هي ذلك؟ نظرت إلى الفتيات اللاتي كنّ يضعنَ آخر لمسات الزينة، وقالت بارتباك: ـ معلش يا بنات، ممكن بس تسبوني دقيقتين؟ هعدِّل حاجة في هدومي وهخرج على طول. نظرَت الفتياتُ إلى بعضهنَّ بتفكير، ثم تحركنَ إلى خارج الغرفة، تاركاتٍ إياها لتفعل ما تشاء. نهضت خلفهنَّ مسرعة نحو الباب، وضعت أناملها عليه وأغلقته برفق، ثم أراحت ساعديها عليه حتى انهار جسدُها معه. أسندت ظهرها إلى الباب بتفكيرٍ عميق؛ لا يمكن أن يتم هذا الزفاف أبدًا، بل هو من يجب أن يُنهيه بمفرده. خلال الأيام الماضية وضعت خطةً محكمة للإيقاع بعائلة النمر، وأخيرًا تستطيع أن تقول إنها ضمنت نهايتهم… فلماذا الزفاف الآن؟ تحركت بضع خطوات تجاه المرآة مرةً أخرى، تطلعت إلى هيئتها بإعجابٍ للحظات، ولمع في داخلها بريقٌ صغير من الخداع الجميل. للحظةٍ خُيِّلَ إليها أنها حقًا اليوم عروسٌ تُتوَّج… لكنها ليست إلا عروسًا لمهمةٍ منتهية بالفعل قطع أفكارها صوتُ خطواتٍ قادمة، حاولت نزعَ الفستان، ولكن الوقت قد فات عندما طَرَقَ على الباب، وقال لها بشجنٍ حقيقي: ـ خلصتي يا عروسة؟ المأذون مستني. أغمضت عينيها وأردفت: ـ أيوه، دقائق وهخرج، بس في حاجات بعدّلها على طول. ـ مستنيكِ يا… يا جود. قطّبت حاجبيها، جود! هذه أول مرة ينعتها باسمها، تساءلت: ـ ليه باين على صوتك إنك مبسوط وعريس بجد؟ ليه حاسة إن المهمة بقت آخر اهتماماتك؟ حاسة إنك اتغيرت يا… يا حضرة الظابط. أغمض عينيه بألمٍ حقيقي، لا يستطيع إنكار أنه قد تغيّر بالفعل، ولكن بالنسبة له للأفضل هو الآن إنسانٌ جديد، ينظر إلى الحياة من منظورٍ جديد. بعدئذٍ تنهد وأجابها: ـ أحياناً في حاجات بتتغير من غير ما نحس إننا اتغيرنا معاها، ولكن بالنسبة لي أنا حاسس إني اتغيرت للأحسن. صمت قليلاً ثم أكمل: ـ بعد الفرح هعرفك كل حاجة، وبعد إنتهاء المهمة هتتأكدي إن كل حاجة أنا عملتها كانت صح حاولي ما تتأخريش، هستناكِ. إنها حديثة، ثم تحرّك ليتركها لحريتها قليلًا. نظرت هي إلى صوت ابتعاد خطواته، وهي تُصغي إليها جيدًا، وهناك شيءٌ يعتصر بداخلها. لم تُضِع الوقت مرةً أخرى، فاتجهت إلى حقيبتها وأخرجت منها مفتاحًا صغيرًا، ثم اتجهت إلى النافذة وقامت بفتحها، ونظرت إلى الزقاق الذي تُطلّ عليه. حمدت الله أن تلك النافذة بعيدة عن الواجهة الرئيسية للمنزل، ولا أحد يأتي إلى هنا كثيرًا. اتجهت إلى طاولة التجميل مرةً أخرى، وسحبت الكرسي الصغير الذي كانت تجلس عليه، ووضعته أسفل النافذة لكي تستطيع الوقوف عليه. نزعت حذاءها ذي الكعب العالي، وألقته بانتباه، ثم ألقت خلفها حقيبةَ ظهرٍ صغيرة، وصعدت بخفةٍ وهي تُمسك بفستانها جيدًا حتى لا تسقط. ازدردت ريقها وهي تنظر إلى الأرض، ثم إلى الغرفة، وتحديدًا خلف بابها… خلف من ينتظرها وراءه. تسارعت دقات قلبها، أغمضت عينيها لتنهي ذلك الصراع، ثم قفزت إلى الخارج. سقطت على الأرض، ولكن دون جروحٍ كثيرة، فقد تحامل الفستان عنها أثر الصدمة. نهضت مسرعة، وارتدت حذاءها، وأخذت حقيبتها على ظهرها، وأمسكت بطرف الفستان. نظرت حولها بتفحّصٍ للمرة الأخيرة، ثم أسرعت بالركض، وكأنها سجينٌ قضى سنواتٍ بين الاحتلال والظلام. صحيح أنها ترى الآن ظلامًا، ولكن في نهايته نورٌ… على عكس الظلام الذي كانت ستبقى فيه كما تعتقد. ـ هعمل لها مفاجأة، وهعرفها إن أخيرًا أخو رشاد النمر بقى بين إيد العدالة مرة تانية، وفاضل خطوة أخيرة، ورشاد كمان هيحصّل عيلته اللي بقت بين القضبان دلوقتي. الحمد لله إن المهمة دي تعتبر انتهت. ـ مبارك يا حضرة الظابط، هنستناك لترقية حلوة، ومعاك جود كمان كانت مكافحة، وأنا عارف إنها برضه كانت بتكافح من وراك علشان ما تحتاجش منك مساعدة، لكن أنا عارفها أكتر من نفسها، وعارف هي بتفكر إزاي سنين شغلنا مع بعض ما كانتش قليلة، ويُعتبر أنا اللي مدخلها المهنة دي، وعارف طريقتها في التفكير. خلي بالك منها، عشان ممكن في آخر لحظة تغدر وتدمّر كل اللي عملناه الفترة اللي فاتت. نظر إلى الغرفة ثم أجابه: ـ أنا عايز أقول إني واثق فيها، بس عقلي مش مصدّق خايف… لسه مكلمها من شوية، قالت إنها بتلبس، والغريب إنها كلمتني بهدوء. مش عارف، هل ده هدوء ما قبل العاصفة، ولا هي فعلًا تقبّلت الوضع؟ كل حاجة كانت غريبة، كل حاجة حرفيًا. لكن في حكمة في النهاية… وأنا واثق. بعد لحظات أنهى يمان حديثه مع العقيد، وضع هاتفه في سترته، وأخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء، واتجه مرة أخرى إلى غرفتها. وقف أمام الباب يفكر قليلًا كيف سيشرح لها الوضع، كيف سيخبرها أنه لم يكن هنا لحمايتها، كيف يخبرها بأنها كان لديها مهمة أكبر من المهمة التي كُلِّف بها، وهي الحصول على قلبها. أُضيفت عليه تلك المهمة مؤخرًا، ولكن كانت من أصعب المهام لديه. فطرته تأبى أن يكون ذلك حقيقيًّا، ولكن جحود عقله يُنهي تلك الأفكار بالواقع رفع ساعديه وقام بالطرق على الباب، انتظر ثوانٍ ولم يأتِ رد، فقام بالطرق مرة أخرى، ولكنها لم تُجب. قال على اعتقادٍ أنها تستمع إليه وتخجل من الخروج: ـ جود، اخرجي، ما فيش حاجة تقلقي منها طول ما أنا معاكِ عارف إن كل حاجة غلط، وعارف إن جواكِ مشاعر متلخبطة كتير، متقلقيش، كل حاجة وحشة انتهت وهتنتهي طول ما أنا معاكِ. بصي أنا… أنا… جود… أنا بحـ… جود، إنتِ سمعاني؟ فتح الباب فجأة، فتسرَّبت إلى داخله برودة الغرفة من أنفاسها. أغمض عينَيه وقبض على المقبض بقوة، حاول أن يرفض تلك الفكرة التي داهمته، ولكن من النظرة الأولى هي بالفعل ليست هنا! لقد خذلتني… لقد فعلتها بالفعل. كم أنتَ مغفَّل يا يمان، كم أنتَ مغفَّل! للمرة الثانية تُهزَم، وبسبب غبائك. فتح عينَيه بالتدريج وتفحَّص الغرفة مرة أخرى، عضَّ على شفتَيه وتلتها ضحكة ساخرة على ذلك الوضع الذي هو فيه الآن. حتى ولو لم يكن يفعل ذلك في الحقيقة، إلا أنه الآن أصبح العريس الذي يبحث عن عروسه الهاربة… هذا جيّد. بالفعل، هي لم تبتعد من هنا كثيرًا، وهو واثق في ذلك لأن رائحتها لم تختفِ من الغرفة كليًّا. اتجه إلى النافذة التي قفزت منها، ووجد قطعة من أساورِها كانت ترتديها معلَّقة على مسمار أسفل الحائط. قفز خلفها وأخذ الإسوارة ووضعها في جيبه، ثم لا يعلم كيف اتجه ولا يعلم كيف كان يركض في الاتجاه الذي ذهبت منه، ولكن هو طريق واحد لا غيره هي قريبة بالتأكيد وعندما كان يُسابق الزمن ليصل إليها، أخرج هاتفه وضغط على زر الاتصال، ثم وضعه مرة أخرى في جيبه وأوصل سماعة الأذن الصغيرة، وثوانٍ حتى جاءه الرد، فقال بأنفاسٍ لاهثة: ـ عملتها… خذلتني للمرة التانية. ـ إنت فين دلوقتي؟ ـ أنا بجري ورا الطريق اللي هي خرجت منه، ما أعتقدش إنها بعدِت كتير، هوصل لها ما تقلقش. أردف العقيد بتأكيد: ـ واثق؟ وأخيرًا وصلت إلى نهاية الطريق الذي كانت تركض فيه، وكان عبارة عن أرضٍ زراعية موحلة، تتناثر بها بقايا المياه نظرت إلى فستانها الأبيض الذي تلطّخ بالطين، زفرت بضيق ومسحت بيدها على أطرافه دون جدوى. أمسكت حقيبتها جيدًا ثم خرجت بخطوات سريعة نحو الطريق الرئيسي، فالمفترض أن من أخبرته أن يأتي بسيارتها في انتظارها هناك… ولكن أين هو؟ خرجت قليلًا إلى الخارج حتى وصلت إلى منتصف الطريق، تنظر يمينًا ويسارًا بعينين متلهفتين، على اعتقادٍ أنه موجود في الأرجاء. وبعد لحظات، ومضة ضوء قويّة اخترقت عتمة المكان، ضوء سيارة تقترب بسرعة نحوها ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، امتزجت بالارتياح واللهفة، ووقفت على الجانب تنتظرها. اقتربت السيارة وتوقفت فجأة أمامها، لم تتردّد، أسرعت بخطواتها وفتحت الباب، جلست بالمقعد بجوار السائق، أغلقت الباب تلهث قليلًا من الركض، ثم التفتت نحوه لتشكره… لكنّ أنفاسها اختنقت في صدرها. تجمّدت نظراتها، جحظت عيناها من شدّة الصدمة، خرج صوتها مرتجفًا وهي تهمس باسمٍ لم تتوقّع أن تراه أبدًا: ـ ر… رشاد!! لم يمنحها فرصة حتى لتلتقط أنفاسها، إذ شعرت بيدٍ خشنة تُطبق على فمها من الخلف، ومنديلٍ مُبلّل برائحةٍ نفّاذةٍ يضغط على أنفها بقوة حاولت المقاومة، ولكن جسدها بدأ يضعف، ورأسها يدور، لتغيب عن الوعي ببطء. أدار رشاد وجهه نحوها، ابتسم ابتسامة جانبية باردة، امتزجت فيها الراحة بالانتقام، ثم ضغط بقدمه على البنزين بقوة، فانطلقت السيارة تشقّ ظلام الطريق. صافَر بنغمةٍ خفيفة وهو يقود، وكل حينٍ وآخر كان يُلقي عليها نظرة طويلة، يراقب ملامحها الغائبة كمن يُعاين غنيمة طال انتظارها. استفاقت ببطء، كأنّ الوعي يجرّ نفسه من مكانٍ بعيد فتحت عينيها ببطءٍ لتجد سقف غرفةٍ باهت الإضاءة يلوح فوقها، ورائحةٍ خانقةٍ تختلط برائحة المخدر مدّت يدها تبحث عن نفسها فوجدتُها موثوقة بالثوب القديم، نظرت حولها فإذا السرير محدود المساحة، والستائر مسدولة، وعلى الكرسي الهزاز المقابل جلست شخصيةٌ تراقبها بهدوء، رشاد. نظر إليها من وقتٍ لآخر بلا مبالاة، ثم التفت إليها ناظرًا بعينٍ تكاد لا تعطي أيَّ شعور هي ردّت له بنظرةٍ ثابتةٍ قوية، لا تلمح فيها خوفًا بل تحديًا همست بهدوء بلسانٍ يئن من التعب والغضب معًا: ـ إنت جايبني هنا ليه؟ ومتفكر إنك كده نجحت؟ لا، إنت فاشل… وإنّك لو موتني هيجي غيرك ويكمّل لم يجبها فورًا، ظلّ يحدّق ثم قام فتثاقل على قدميه واقترب ببطء، وقف أمامها وكأنه يبتسم أخرج هاتفه ببرود وصوّرها صورة بعد صورة دون أن يغفل عن زاوية وجهها أو طرفٍ من ملامحها، كأنّه يجمع أدلةً ليهوّن بها انتصاره. ثم أرسل صورةً واحدة، وفتح تسجيل الصوت فوضع الهاتف قرب فمه وقال بصوته الخافت المليء بالراحة: ـ خلاص الأمانة وصلت لي، مش محتاجة تكمالي المهمّة. كل حاجة انتهت بسلام، زي ما كنت عايز. واللي «مطلوبة للانتقام» وصلت. سمعته وهو يقول ذلك فارتجف شيءٌ داخلها؛ لم يكن خوفًا فقط، بل صدمة عميقة من الخيانات المتراكمة. نظرت إليه بعيونٍ بارقة بالشكّ والمرارة، وفورًا تذكّر أول اسمٍ يمرّ في عقلها: يمان. نهضت بغضبٍ محاولًة أن تجعل صوتها أقوى من ارتجاف صدرها: ـ أنت كنت بتكلّم يمان؟ أنا عارفة إنه خاين… أنا عارفة إنه كان سبب فشلنا في كل حاجة لكن ما تفرحش، كل حاجة عملتها هتنتهي قريب أنا هقف في المحكمة وأشهد قدام الكل إنك، وأخوك، وعيلتكم كلّكم مجرمين. لم يتأثر من تهديدها، رمقها بنظرةٍ كأنّها لعبةً انتهت منذ زمن، ثم قابلها بصوتٍ أرعن: ـ شاهدي كلّ من تحبّي… الأوراق موجودة، الناس كلها هتسمع الحقيقة اللي أنا عايزها. وإنتِ؟ مين هيسمعك؟ مين يقف ضدّي؟ صمتت، لكن في صمتها نارٌ لم تنطفئ. كانت تعرف أنّ الكلام وحده ليس كافيًا، وأن طريق الانتقام طويل ومليء بالألام، لكنها كذلك لم تعد الخائفة التي تترك أمورها للصدفة سترت شفتيها، وأشارت بعينيها إلى النافذة كما لو تخطّت بها الخطوة الأولى للخروج من هذا الكابوس: ـ خليك مطمئن… أنا هعرف أوصل للحقيقة بطريقتي وإنتَ فاكر نفسك كسبت؟ لا لسة المعركة طويلة، ولسّا في ناس مش بتحسبها. ركّب رشاد ابتسامةٍ باردة ثم عاد للكرسي الهزاز، كمن يُعيد ترتيب ورق لعبه هي شعرت بالدوار من جديد، من شدّة الغضب والخوف معًا، لكن شيءًا في داخلها استيقظ…. انتهى الليل ولم يجدها، وانتهت معه راحته نهض إلى مكتبه وجلس عليه، ثم أخذ حاسوبه يحاول الوصول إلى الموقع الذي أرسلت منه الصورة، ولكنها كانت مشفّرة بطريقةٍ احترافية لكن سيأتي وقت يصل إليه، ويشعر في هذا الوقت أنه قريب ترنّح بالكرسي للخلف، والتفت إلى العقيد وقال له بغضب مكتوم: ـ هنفضّل قاعدين لحد كده لأمتى؟ وإحنا نقدر نوصل مكانها بكل سهولة، بس كل المحاولات اللي بنعملها دي فاشلة ليه بنعطّل نفسنا وإحنا ممكن ننقذها فورًا؟ ابتسم له، وأجابه: ـ عشان دي الطريقة الوحيدة اللي هنقدر نوقع بيها رشاد النمر والسلسلة اللي معاه كلها. ـ عايز توقع عيلة رشاد النمر إنك تستخدم جود طُعم؟ أنا ما كنتش أتخيل إنك كده. أجابه بثقةٍ نابعة من سنوات: ـ بص هقول لك؛ عشان تنجح بتحتاج إنك تضحي في حاجات كتير، من ضمنهم وقتك وصحتك وحياتك كل حاجة حرفيًا. لازم تاخد منها قطعة وتضحي بيها عشان توصل للنهاية اللي أنت عايزها. وعشان أوصل لنهاية المهمة دي بنجاح يليق بيّا قصدي بينا كلنا لازم نضحي شوية حاجات، وأولهم جود. ـ ليه جود بالذات؟ ـ لأن رشاد من يوم الفيديو اللي صورته وهو قالب الدنيا عليها. ويوم ما هيمسكها هيفكر إنه هو ماسك الدليل الوحيد اللي عليه، لكنه ما يعرفش إن وجودها بين إيديه هو حرفيًا أكبر دليل عليه. ما تقلقش، مش هيأذيها، لأن قبل ما يفكر إنه يأذيها في حاجة هنكون وصلنا له. في الحرب بين العدالة والانتقام، لا أحد يخرج نقيًّا… كل طريقٍ يُعبَّد بالوجع، وكل تضحيةٍ تترك ندبة لا تزول. ظنّوا أن جود كانت مجرد طُعم، لكنها كانت القلب الذي سيُحرّك النهاية، والنهاية التي لم يدركوا بعد أنها بدأت بالفعل. اقتربنا عزيزي القارئ…..
📜 الفصل السابع 📜
( بداية) كانت خطواتهم سريعة، وأصوات أقدامهم تخترق صمت الليل، بينما كانت هي تُساق بينهم بقوةٍ غليظة، يجرّونها نحو السيارة المنتظرة على الطريق الترابي الممتد أمام الحديقة. شعرها المتناثر على وجهها، ودماؤها التي لطّخت شفتها السفلى لم تكن سوى شاهدٍ على قسوة الساعات الماضية. كانت أنفاسها تتلاحق، وقلبها يخفق في صدرها كطبول حربٍ لا تهدأ، لكنها رغم كل ذلك لم تفقد ذلك البريق الصغير في عينيها... بريق النجاة. قال أحدهم وهو يدفعها بقسوة: ـ اتحركي بقى بدل ما أخلّص عليكي هنا! لم تجبه، فقط نظرت أمامها كأنها تُخطط في صمت، عقلها كان يدور بسرعة تفوق وقع خطواتهم لم يتبقَّ سوى أمتار قليلة على السيارة السوداء، وهناك... كانت فرصتها الأخيرة. حين اقتربوا من الباب الخلفي، استجمعت قوتها فجأة، وانحنت بجسدها للأمام، ثم دفعت برجلها بكل ما أوتيت من قوة في معدة الرجل الذي كان يمسك بذراعها، فصرخ متألمًا وسقط أرضًا. في اللحظة ذاتها أمسكت بمسدسه الذي كاد يسقط من يده، وصرخت: ـ ابعدوا عني كلكم! لم ينتظر الآخرون طويلًا، أطلق أحدهم رصاصة في الهواء، لكن جود كانت أسرع، دارت حول السيارة وفتحت الباب الأمامي، ركبت بسرعة وأدارت المحرك. أقدامهم كانت تقترب، وصراخهم يملأ المكان، لكنها لم تلتفت. دفعت قدمها على دواسة الوقود بقوة، فانطلقت السيارة… كانت يدها ترتعش على المقود، والهواء يصفع وجهها من الزجاج المكسور، لكنها شعرت أنها تتنفس بحرية، كأن القدر منَحها حياةً جديدة بعد موتٍ مؤجل تمتمت بصوتٍ متهدّج وهي تبكي: ـ الحمد لله... يا رب الحمد لله! وفي نفس اللحظة، على شاشة الحاسوب أمام يمان، ظهر وميضٌ صغير بلونٍ أزرق. اقترب العقيد بخطواتٍ سريعة وقال بحدة: ـ الإشارة ظهرت؟ رفع يمان نظره إليه، والدهشة امتزجت بالراحة في عينيه: ـ جود... دي جود! نظر كلاهما إلى الشاشة، ثم أمسك يمان بمعطفه وقال بحزم: ـ جهّزوا القوات فورًا، المكان واضح قدامي... لازم نوصل ليها قبلهم. ردّ العقيد بثقةٍ وابتسامةٍ خفيفة: ـ المرة دي، مش هنسيبها لوحدها. وصل رشاد بسيارته إلى المكان الذي كان من المفترض أن يجدها فيه خطواته كانت سريعة، وصوته يسبق وجوده، عينيه المشتعلتين كانت كأنهما نار تبحث عن وقود لتلتهمه نظر إلى رجاله الواقفين أمامه، وجوههم منحنية، وأجسادهم ترتجف من الخوف، فصرخ فيهم وقال: ـ يعني ست واحدة قدرت تضحك عليكم كلكم؟ حد فيكم فاهم يعني إيه اللي حصل ده؟ دي بهدلتكم ومسحت بكرامتكم الأرض! تراجع أحدهم بخوفٍ وقال بصوتٍ واهن: ـ والله يا باشا كانت ماسكة المسدس فجأة وما لحقناش عليها... قاطعه رشاد وهو يرمي سيجارته على الأرض ويده ترتجف غضبًا: ـ اللي يستهين بواحدة ست... يستاهل الإهانة منها! أنتم شوية فاشلين، لو مش قادرين تمسكوا بنت، إزاي هتمسكوا رجال؟ ركب سيارته بعنفٍ وهو يقول بصوتٍ منخفض لكنه يقطر غضبًا: ـ هه... افتكرتِ إنك هتهربي يا جود؟ والله ما في طريق هتمشي فيه إلا وهكون مستنيك في آخره. انطلقت السيارة، والغبار يلتف حولها، ورجاله تبعوه بسياراتهم. أما هي، فكانت تمسك المقود بكل قوتها، والعرق يتصبب من جبينها رغم برودة الهواء. أخرجت هاتفها من جيبها المرتجف، حاولت الاتصال بـ يمان أو بأي رقم تحفظه روحها قبل ذاكرتها، ولكن... «لا توجد شبكة». كلمة واحدة ظهرت أمامها كانت كفيلة أن تزيد رعبها أضعافًا. ضربت المقود بيدها وقالت بانفعالٍ مكبوت: ـ مش معقول... فين الشبكة، يا رب كانت تنظر بين الحين والآخر إلى المرآة الخلفية، عيناها تراقبان الطريق، كأنها تخاف أن يظهر وجه رشاد في أي لحظة قلبها كان يدق بسرعة، والخوف يسري في أوصالها كالسم، لكنها لم تكن تلك الفتاة الضعيفة التي استسلمت من قبل، بل كانت تنزف من الداخل، نزفًا ولّد بداخلها حقدًا أكبر من الألم همست بصوتٍ مبحوح وهي تشد على المقود: ـ والله يا رشاد... لتدفع تمن اللي عملته فيا غالي. أقسمت... أقسمت بالله تالله، إن كل نقطة دم نزلت مني، هتندم عليها أضعافها مش هسكت، مش بعد الليلة دي. كانت دموعها تختلط بابتسامةٍ باهتة، كأنها تُعلن بداية الحرب الحقيقية بينهما، لا هروب بعد الآن، بل عودة... عودة من أجل الانتقام. في لحظاتٍ كهذه، لا ينجو الإنسان بقوّته، بل بما تبقّى له من إيمانٍ داخله... ربما بالقدر، وربما بالوجع نفسه. الظلام ليس عدوًا حين تعرفين إلى أين تسيرين، إنما العدوّ الحقيقي هو الخوف الذي يسكن صدرك، يقيّد خطواتك ويُذكّرك بكل مرّة سقطتِ فيها ولم تجدي يدًا تمتدّ لتنقذك. لكنها الليلة... لم تكن تحتاج يدًا. كانت تحتاج قلبًا لا يعرف الانكسار. كلّ ما مرّ بها عاد كفيلمٍ سريعٍ أمام عينيها؛ إهانة، قهر، دمعة، وجع، كلها اجتمعت الآن لتصنع امرأة لم تعد تخاف. أدركت جود أن بعض النهايات لا تأتي بالسقوط... بل بالانتفاضة. وبعض الانتقامات لا تحتاج رصاصة، بل نظرة هادئة، تقطع كبرياء الجاني أكثر من ألف سلاح. هي لا تهرب اليوم، بل تعود. تعود لتستردّ نفسها أولًا قبل أن تستردّ حقّها، لتُثبت أن الله حين يؤخّر العدالة، لا ينساها. وأن من ظنّ أنه فوق القانون... سينكسر تحت أقدام امرأةٍ خُلقت لتصير قانونًا بذاتها. تسارعت السيارات على الأسفلت كأنها تسابق الزمن، تقدّمت سيارة جود في الأمام، وخلفها سيارات رشاد ورجاله، بينما في الجهة المقابلة من الجسر كانت سيارة يمان تقترب بسرعة، يتبعها رتل من سيارات القوات. كل دقيقة كانت جود تنظر في المرآة الخلفية، تتفحّص الطريق، تحاول أن تُخمّن إلى أين سينتهي هذا المطارد الجنوني... أما يمان فكان اللهيب يشتعل في صدره، نار اللهفة والقلق والخوف عليها، كأن كل ثانية تمرّ تقتطع من روحه قطعة. ألقى نظرة سريعة على جهاز التتبع، فوجد النقطة تقترب، المسافة بينهما لم تعد سوى كيلومترات معدودة. أشار لأحد العساكر قائلًا: ـ اطلع فوق السقف، استخدم العدسة، شوف فيهم قدامنا ولا لأ! نفّذ الجندي الأوامر بسرعة، تسلّق السقف، وثبّت العدسة بعينه، يبحث في الأفق المظلم عن أي أثر. صاح بعد ثوانٍ بصوت مرتفع: ـ باينين يا فندم! عربيتهم قدامنا على بعد كيلو واحد تقريبًا! شدّ يمان على المقود بقوة، وضغط على دواسة البنزين حتى ارتجّ المحرك تحت قدمه. ـ استعدوا... محدش يتحرك غير بإشارتي! ازدادت سرعة الرياح، وصوت المحركات صار كالعاصفة، إلى أن لمحوا أضواء السيارة البيضاء أمامهم. وفي لحظةٍ توقّفت سيارات يمان والقوات دفعة واحدة أمام سيارة جود وصوت الفرامل اخترف عقلها ارتطمت مقدمة السيارة بالأرض بقوة، وانفجر كيس الهواء أمام وجه جود، ارتدّ جسدها للخلف، اصطدم رأسها بالمقعد، شعرت بدوارٍ مفاجئ وضبابٍ يغشى عينيها. قبل أن يستطيع يمان أن يفتح باب سيارته، كان رشاد قد سبقه بخطواتٍ مجنونة. قفز من عربيتُه، جرى نحو سيارة جود، فتح الباب بعنف، ومدّ يده يمسكها من ذراعها بعنف، وصوته الخارج من بين أسنانه مليء بالغضب والجنون: ـ فاكره إنك هتهربي مني يا جود؟! في اللحظة دي، كانت كل الأطراف قد وصلت... رجال رشاد انتشروا حول المكان، أسلحتهم موجهة للأمام، والشرطة على الجهة المقابلة، فوهات البنادق متأهّبة، صمت رهيب لفّ الأجواء، لا يُسمع فيه سوى صوت التنفّس، والريح وهي تمرّ بين الحديد الساخن والسيارات. أمسك بذراعها بشدّة وصوّب سلاحه في منتصف رأسها وهو يقول بصوتٍ مرتفع: ـ قسمًا بالله، اللي هيقرّب لها هفضّي خزنة السلاح في دماغها، وهي كده كده خربانة! اقترب العقيد خطوة للأمام وقال له بحذر: ـ مالوش لازمة اللي بتعمله ده يا رشاد، كل حاجة بقت على المكشوف وورقتك اتحرقت، خسرت كل حاجة، بلاش تخسر آخر فرصة لنجاتك بغبائك ده. أطلق رشاد ضحكة ساخرة وأردف: ـ مش رشاد النمر اللي يخسر في أول جولة، ليه؟! أنت عارف إن آخري مش هيكون هنا، وهنتقابل في مكان تاني، ولكن وقتها هتكون السيطرة الأكبر ليا. استغلّت جود فرصته في الحديث، وأشار إليها يمان عندما تحرّك إلى اليسار قليلًا، وفي لحظة كانت تدفع رشاد بكل قوتها بعدما ضربته في بطنه، ودفعته عنها، فترنّح قليلًا على السيارة كي لا يسقط على الأرض. وكأنها تحرّرت من قفصٍ، بدأت تركض مثل العصفورة الحرّة وهي تبتسم بوجهٍ شاحبٍ ليَمان، ولكن لم يدع لها الفرصة لتكتمل سعادتها، نهض فجأة وصوّب سلاحه عليها وأخرج طلقة يعلم مكانها تحديدًا، ولكن أخطأ التصويب هذه المرة. انتبه يمان إلى حركة رشاد، فأسرع إليها ليلحق بها قبل أن يصيبها مكروه، فقام بدفعها خلف ظهره ليأخذ هو الطلقة عنها، وسقط بين يديها كالجريح. في هذه اللحظة اندلع وابلٌ من النيران من جهات الطرفين، ولكن كانت السيطرة الأكبر لرجال الشرطة، الذين أتتهم المساعدة من هليكوبتر كانت تراقب من الأعلى. بدأ رجال رشاد في الانسحاب واحدًا تلو الآخر، وهناك من كان يُصيب ويُصاب، نظر رشاد حوله ووجد أنه بدأ في الانهزام، نظر إلى يمان الملقى على الأرض، والتقت عيناه بعيني جود لثوانٍ، وكاد أن يفرّ هاربًا، ولكن التقطه العقيد قبل أن يهرب، واستطاعت الشرطة أن تسيطر على الوضع. صوت سيارات الإسعاف الملطّخ برائحة البارود والدم، أضواءها الحمراء والزرقاء تتراقص على وجوه المنهكين والجنود المنتشرين في المكان. توقفت إحداها أمامهم بسرعة، انفتحت الأبواب، وخرج منها المسعفون يركضون بخطواتٍ سريعة، يتبعهم طبيبة كانت ملامحها مألوفة ركضت الطبيبة نحو جود، والدموع تغرق وجهها، احتضنتها بخوفٍ وقالت: ـ يا جود، يا بنتي، إنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة أنا كنت هتجنن لما سمعت الخبر؟ لكن جود لم تكن تسمع شيئًا، كانت عيناها تبحثان عنه فقط، عن يمان. كانت تركع بجانبه على الأرض، فستانها الأبيض غارق في الدم، يديها ترتجف وهي تمسك يده بقوةٍ وكأنها تحاول أن تعيده للحياة من خلالها. ـ يامان اصحى بالله عليك اصحى! متسبنيش كده! اقترب المسعفون بسرعة ووضعوه على السرير النقال، بينما كانت جود تزداد انهيارًا حاولت الطبيبة إبعادها برفق، لكنها تمسّكت بيده أكثر، صرخت بصوتٍ حادٍّ اهتز له كل من في المكان: ـ قلت هو هيفوق! هيفوق... سمعني يا يمان، أنا هنا! أنا جود… لم يكن يجيب وجهه شاحب، وصدره يرتفع بصعوبةٍ بين أيدي المسعفين الذين أسرعوا بنقله إلى داخل سيارة الإسعاف لحقت به، وما زالت أصابعها متشبثة بيده، تتبعها دموعها التي اختلطت بدمه على معصمها. في تلك اللحظة فقط، أدركت جود أن كل ما كانت تهرب منه طوال الوقت قد سقط دفعةً واحدة... وأن خوفها الحقيقي لم يكن من الموت، بل من أن الذنب الذي يصطحبها بسببه (عودة إلى الماضي ـ قبل خمس سنوات) كانت تقف أمام لوحة الإعلانات في الكلية، تناظر آخر جدول محاضرات لها لهذا العام. ومع نهاية هذه المحاضرة، ستعلن رسميًا أنها أصبحت خريجة. أغلقت دفتر المحاضرات، ووضعته في حقيبتها، ثم التفتت تنظر إلى صديقاتها الواقفات في آخر الممر، وإلى بعض الطالبات المنتشرات في حرم الجامعة ابتسمت بخفة، وفكت عقدة شعرها قبل أن تهبط درجات السلم مسرعة لتلحق بهن. لكنها ما إن وصلت إلى آخر درجة وركضت بخفة، حتى شعرت بيدٍ تمسك ذراعها بعنف، وسقطت أرضًا بقوة. رفعت رأسها بغضب، وصاحت: ـ أنتَ يا بني آدم إزاي تعمل كده؟! ضحك بسخرية وهو يشير إلى بطاقته المعلقة على صدره قائلاً: ـ ده حَرم جامعة يا أستاذة، مش حديقة عامة نجري فيها كده! الزمي حدودك، واعرفِ بتتكلمي مع مين. نهضت بصعوبة من ألم ظهرها، وبدأت تنفض الغبار عن ثيابها قبل أن تحدّق فيه بحدة: ـ أيًا كنت، ما اسمحلكش تتعامل معايا بالطريقة دي! قال بصوتٍ متصنّع الغضب: ـ اسمعي يا أستاذة، واضح إنك مش عارفة بتتكلمي مين! أنا الظابط يمان الكيلاني. ومهمتي أحافظ على أمن المكان اللي أكون فيه من أي حاجة ممكن تسبب أذى وإنتِ بجريك ده، كان ممكن تخبطي في حد ويتأذّى بسببك، وساعتها كنتي هتتحولي للتحقيق! قطبت حاجبيها بشك، ثم سحبت حقيبتها من يده بعنف، ورمقته من أعلى إلى أسفل بنظرة اشمئزاز قبل أن تغادر وهي تتمتم: ـ يمان الكيلاني... هييجي يوم يا يمان. ظل ينظر خلفها بابتسامة خفيفة، حتى اقترب منه صديقه وقال بنبرة ساخرة: ـ أنت هتصدق نفسك يعني؟ ظابط إيه ده، ده إنت لسه في فترة التدريب! طب افترض البنت راحت بلغت عنك، هتعمل إيه في مستقبلك اللي هيضيع بسببك؟ نظر إليه يمان بثقة وأردف: ـ ما تقلقش... مش هتبلغ. تعجب صديقه من ثقته الزائدة، أما هو فظل يراقبها وهي تبتعد، بابتسامة لم يعرف معناها وقتها وصلت إلى صديقاتها، ما إن رأين حالتها وثيابها المبهدلة وشعرها المتناثر. قالت إحداهن بقلق: ـ إنتِ وقعتِ في إيه يا بنتي؟! ده شكلك متبهدلة خالص! زفرت بغضب، ونظرت خلفها تبحث عنه، لكنه كان قد اختفى. قالت وهي تحاول تمالك أعصابها: ـ ما أعرفش راح فين، بس خلاص... مش مهم ما فيش حاجة. ثم تابعت بنبرة مصطنعة الحماس: ـ بصّوا يا بنات، النهارده آخر يوم لينا في الكلية، ومش عايزة أي حاجة تعكر مزاجي. عايزين نختمها بحاجة حلوة ومميزة. ابتسمت مريم أحد صديقاتها قائلة بحماس: ـ عندي فكرة! في حفلة النهارده في الحرم، بس شكلها جامدة جدًا، وهنكون فيها ضيوف شرف. أكملت الأخرى: ـ يا بنتي إحنا أوائل الدفعة! يعني مكاننا VIP من غير دعوة. صمتت للحظة تفكر، ثم لمعت عيناها بابتسامة طفولية وقالت: ـ حلوة قوي دي... بينا! نجهز بسرعة، كلها كام ساعة والحفلة هتبدأ. صاحت الفتيات بفرحة، وتعالت ضحكاتهن وهن يهرولن إلى الخارج.
📜 الفصل الثامن 📜
( وميض حب) بدأت الحفلة تتلألأ أنوارها في أرجاء الساحة الواسعة، الأضواء تتراقص على الجدران كأنها نجوم هبطت من السماء لتحتفل معهم، والموسيقى تعلو بإيقاع مرح يملأ المكان… دخلت الفتيات إلى الساحة وعيون الجميع تتجه إليهن، كل واحدة تحمل طلتها الخاصة، وجمالها الذي يميزها عن الأخرى كانت تولين أكثرهن هدوءًا، ترتدي فستانًا بسيطًا بلونٍ هادئ يبرز نقاء ملامحها أكثر مما يخفيه. جلسن جميعًا إلى إحدى الطاولات المزينة بالورود البيضاء، وبدأت الضحكات تتعالى بينهن بينما كانت جود تكتفي بابتسامة خفيفة، تراقب الأضواء وهي تتبدل من لونٍ إلى آخر. قالت مريم وهي تمسك بيدها: ـ يلا يا تولي قومي نرقص شوية، الليلة دي بتاعتنا يا بنتي! هزّت تولين رأسها نافية بابتسامة هادئة: ـ لا يا مريم، أنا مش بحب الجو ده، انتوا روحوا انبسطوا أنا هقعد هنا شوية. ضحكت الفتيات وذهبن إلى ساحة الرقص، بينما بقيت هي مكانها تحدق في الفراغ، تتأمل تلك اللحظة التي ستنهي بها فصلًا من حياتها لتبدأ آخر. وبعد دقائق، قررت أن تنهض متجهة نحو الحمّام لتُعدل من خصلات شعرها التي تمردت بفعل الرطوبة، وما إن استدارت حتى اصطدمت بأحدهم، فاندلق كوب العصير الذي كان بيده على فستانها. شهقت وهي تنظر إلى الفستان الذي تلطّخ باللون الأحمر، ثم رفعت رأسها بغضب وقالت: ـ أنت مش بتشوف ولا إيه؟! رفع الرجل نظره إليها، وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما، اتسعت عيناها بدهشة، قبل أن يتحول دهشها إلى غضب مكتوم. إنه هو... نفس الشخص الذي أسقطها أرضًا صباحًا! ابتسم هو بسخرية خفيفة وقال بهدوء: ـ واضح إن الصدف مش بتزهق منك أبداً والله ما كان قصدي. رمقته تولين بنظرة حادة وردّت بحدّة: ـ آه طبعًا ما كانش قصدك، واضح إنك ماشي ورايا من الصبح، عايز إيه بالظبط؟ ضحك بخفوت وهو يرفع يديه مستسلمًا: ـ أنا مش عايز منك حاجة، بالعكس أنا حتى مش عارفك أنا هنا في مهمة تأمين للحفلة مش أكتر. نظرت إليه دون اقتناع، ثم زفرت بقهر وقالت: ـ خلاص، مش مهم مابقتش فارقة. تجاوزته بخطوات سريعة وهي تحاول أن تُخفي انفعالها، ودخلت إلى الحمّام لتغسل أثر العصير من فستانها، تُحدّث نفسها: ـ حتى الليلة دي... اللي كنتِ مستنياها تبقى حلوة، لازم تبوظ كده! نظرت إلى انعكاس وجهها في المرآة، وابتسمت بسخرية وهي تقول: ـ شكلها نهايتك يا توتي مش سهلة أبداً. خرجت تولين من المرحاض بخطوات متثاقلة، وقد بدأ على ملامحها أثر الانزعاج، واتجهت نحو صديقاتها اللواتي التفتن إليها في اللحظة ذاتها، لتقع أنظارهن على فستانها الذي صار مبقعًا بالعصير الأحمر، فشهقن معًا بدهشةٍ ممزوجة بالشفقة. قالت إحداهن بصدمة: ـ يا بنتي إيه اللي حصل؟! فستانك اتبهدل كده ليه؟ تنهدت تولين محاولة تمالك أعصابها، وأجابت باقتضاب: ـ ولا حاجة... واحد كب العصير عليا، شكلها الليلة دي مش رايده تكمّل. وضعت حقيبتها على الكرسي وأكملت بصوتٍ واهن: ـ أنا آسفه يا بنات، همشي دلوقتي، ما ينفعش أفضل كده وأنا الفستان متبهدل بالشكل ده. نظرت إليها مريم وقالت بسرعة: ـ لا لا لا، استني! ما تمشيش، فستانك التاني في العربية، خديه وبدّليه، الحفلة لسه في أولها. هزّت رأسها رافضة في البداية: ـ لأ يا مريم، خلاص، بلاش، كفاية اللي حصل النهارده. لكن الفتيات أصررن جميعًا، وبدأن يتوسلن إليها بابتساماتهن المعتادة، حتى استسلمت تولين أخيرًا وقالت وهي تتنهد: ـ ماشي، هروح أجيبه وارجع. غادرت القاعة متجهة نحو ساحة الانتظار، حيث كانت السيارات تصطف وقفت أمام السيارة تبحث في حقيبة يدها عن المفتاح، وفجأة شدّها منظر انعكاس ضوء القمر على سطح المياه القريبة، والهواء الرطب الذي داعب خصلات شعرها بخفة شعرت للحظةٍ وكأن العالم توقف عن الدوران، فضمت ذراعيها إلى صدرها واقتربت من حافة المياه، وأغمضت عينيها تبتسم بخفوتٍ وهي تهمس لنفسها بشيءٍ لم يسمعه أحد. لكن الصوت الذي اخترق هدوءها جعل الدم يتجمد في عروقها. همسٌ قريب، دافئ وخبيث في آنٍ واحد، خلف أذنها مباشرةً: ــ مش عيب أميرة زيك تبقى واقفة لوحدها في الوقت ده؟ ما ينفعش والله، لازم يكون معاكي أمير… زيي. شهقت تولين بصوتٍ مرتفع، ووضعت يدها على صدرها، ثم التفتت بسرعة نحو مصدر الصوت، لتجده أمامها… هو نفسه، صاحب الحوادث كلها! اتسعت عيناها، وقالت بانفعال: ـ منك لله! إنت عايز إيه مني يا بني آدم؟! تراجع خطوتين للخلف وهو يرفع كفيه وكأنّه يهدئها، وعلى وجهه نفس تلك الابتسامة السمجة: ـ ولا حاجه والله، بس لقيتك واقفة لوحدك كده فقلت أرجّع اللي حصل بفستانك، يعني أعوضك واقف معاكِ شويه، فيها إيه؟ نظرت إليه بعدم تصديق، وقالت باستهزاء واضح: ـ تقف معايا شويه؟ توبة! توبة استغفر الله! قهقه بخفة وهو يقول بمرحٍ مصطنع: ـ الله! بتحبي التركي؟ تعرفي وأنا كمان بحب التركي جدًا جدًا جدًا. كادت أن تستدير لتغادر، لكنّه أمسك بمعصمها بخفة، وأعادها نحوه: ـ مش حلو كده، لما أكون بكلمك وتسيبيني تمشي! انتزعت يدها بعنف وهي تقول بحدّةٍ نفد منها الصبر: ـ توبة! استغفر الله العظيم! إنت عايز مني إيه؟ عيب اللي بتعمله ده، وبعدين مش بتقول إنك ظابط؟ فين بقى الاحترام والانضباط؟ ولا دي تصرفات مراهقين مش ظابطين؟ رفع حاجبيه مبتسمًا بهدوء: ـ بصي، أنا ظابط فعلاً، بس ظابط نفسي أكتر. وبعدين والله مش قصدي حاجة وحشة، أنا بس… ما حبيتش أشوفك زعلانة مني. ظلت تنظر إليه للحظات بصمت، قبل أن تلتقط حقيبتها وتقول ببرودٍ حاد: ـ أنت مش ظابط نفسك أنت ظابط إيقاع، وبعدين شكلك مش بتزهق من الغلط… بس أوعدك المرة الجاية هتندم على وقفتك دي. ثم استدارت وغادرت، تاركة خلفها صوته الذي تمتم ضاحكًا: ـ يا أميرة… شكل الصدف بيني وبينك لسه ما خلصتش. بعد مرور أسبوع، أتت تولين إلى الجامعة مرة أخرى لتُنهي بعض الأوراق الخاصة باختبارها الأخير، كانت الشمس تميل إلى الدفء، والهواء يحمل شيئًا من الراحة التي تسبق الوداع. دخلت من بوابة الكلية، حتى ناداها حارس البوابة قائلاً: ـ آنسة تولين، العميد طالبك فوق أول ما توصلي. تجمدت لبره، نظرت إليه بدهشة وقلق: ـ طالبني أنا؟! ليه؟ في حاجه حصلت؟ هزّ رأسه نافيًا دون أن يوضح شيئًا، فازداد القلق في صدرها، وصعدت الدرج بخطواتٍ متوترة وهي تحاول أن تسترجع أي شيء قد يبرر استدعاؤها المفاجئ. لكن القدر كان في انتظارها على منتصف السلم. ارتطمت فجأة بأحدهم بقوةٍ جعلتها تكاد تسقط، غير أن يده امتدت سريعًا لتلتقطها قبل أن تهوي، وقبل أن تستوعب ما حدث، وجدت نفسها في مواجهة عينين واسعتين تلمعان بدهشةٍ ودهاءٍ في آنٍ واحد. ابتسم هو بسعادةٍ طفولية، وقال بنبرةٍ مرحة: ـ أنا مش قادر أوصف قد إيه القدر بيحبني، كل شوية يرميني في طريقك، أو حضنك أيهما أقرب! ناقص بس تكمّلي وتدخلي أحلامي، وساعتها نبقى خلصنا من كل الصدف! دفعت يده بعصبيةٍ عن خصرها، وتراجعت خطوة إلى الوراء، كادت أن تسقط ثانية لولا أنها تمسكت بدرابزين السلم، ثم قالت بغضبٍ مكتوم وهي تحاول التقاط أنفاسها: ـ على فكره دي مش صُدفة! أنا شفتك طول الأسبوع اللي فات، ماشي ورايا زي ظلي! بس كنت ساكته علشان ما كنتش بتتعرضلي، إنما دلوقتي كفاية، واضح إنك متعمد. اقتربت خطوة منه وقالت بحدةٍ حقيقية: ـ إنت عايز مني إيه يا بني آدم؟ أقسم بالله لو ما بعدتش عني، هبلغ عنك وأقول إنك متحرّش! شهق بدهشةٍ مصطنعة، وتراجع نصف خطوة وهو يرفع حاجبيه بانكسارٍ مفتعل: ـ إزاي تعملي كده فيا يا قاسية؟! وأنا اللي وقعت في غرامك من أول ما شوفتك، إزاي؟! إزاي تعاملي واحد عاشق كده يا تولين؟ رمقته بنظرةٍ حادة وازاحته من طريقها لتكمل صعودها قائلة بسخريةٍ لاذعة: ـ غرام إيه يا أبو غرام! أبعد عني بقى بدل ما أوريك الغرام الصح! لكنه صعد خلفها دون أن يستسلم، وقال بنبرةٍ جادةٍ بشكلٍ مضحك: ـ طب خلاص، بلاش تتعصبي. بصي، نجرّب الموضوع ده؟ أنا ما جرّبتوش قبل كده، بس كل اللي حواليا بيعملوه تيجي نجربه إحنا كمان؟ استدارت نحوه فجأة، ورفعت كفّها أمام وجهه مهددة: ـ إنت متخلف يا حبيبي؟! إيه اللي بتقوله ده؟ أبعد عني فورًا! ثم أكملت صعودها بسرعة، وهي تلهث من الغضب، لكن ابتسامة صغيرة خانتها في النهاية، تسللت إلى وجهها رغماً عنها، عندما سمعت صوته يتمتم خلفها بمرحٍ. وعند باب غرفة العميد توقفت، التفتت إليه وهي تشير له بإصبعها بتحذيرٍ واضح: ـ إياك تعمل أي حاجة! أنا داخلة دلوقتي للعميد، ومش عارفة عايزني في إيه بس أقسم بالله لو عملت أي تصرف، كله كوم ومستقبلي كوم، وهخليك تندم عليه. رفع يديه مستسلماً، وقال ببرودٍ متعمد وهو يقلب عينيه: ـ طيب طيب، ولا يهمك يا آنسة تولين بس وعد، أول ما تخرجي من عند العميد، نروح نشرب قهوة في الكافيه اللي عند الجسر. ترددت للحظةٍ وهي تحدق فيه، قبل أن يقطع هو صمتها قائلاً: ـ مفيش وقت للتفكير يا قمر، هي كلمة واحدة… موافقة ولا أروح أقول للعميد كل حاجة وأنك بتتحركشي بيا؟ صرخت به بانفعال: ـ بَـ أيه خلاص! موافقة، موافقة! بس بالله عليك ما تعملش حاجة! تراجع خطوة إلى الوراء واضعًا يده على فمه كمن يختم وعدًا، ثم أشار بإصبعه إشارة الصمت وهو يبتسم بمكرٍ قائلاً بعينيه دون صوت: ـ أنا ما عملتش حاجة، بس أوعي تنسي القهوة. ثم ابتعد بخفة، تاركًا تولين تتنفس بضيق وهي تهمس لنفسها: ـ يا ريتني كنت وقعت فعلاً من أول مرة وخلصت من وشك! جلست تولين أمام العميد بكل هدوء، تحاول أن تُخفي توترها، لكن ملامح الجدية التي ارتسمت على وجهها كانت تُظهر كم أنّها تأخذ الأمر على محمل الجد. تحدث العميد معها بصوتٍ هادئٍ يحمل في طياته تقديراً واضحاً: ـ أستاذة تولين، أنا اخترتِك تقدمي حفلة التخرج السنة دي، شُفت فيكِ الثقة واللباقة اللي تأهلك تكوني واجهة الدفعة كلها. لم تستطع أن تُخفي ابتسامتها، شعرت بفخرٍ عميقٍ يتسلل إلى قلبها، كأنها أخيراً بدأت تحصد ثمرة جهدها الطويل. أومأت له باحترام وقالت: ـ شكرًا جدًا يا دكتور، إن شاء الله أكون قدّ المسؤولية وأمثل الكلية بأفضل صورة. أخبرها العميد ببعض التفاصيل عن موعد الحفل الذي سيكون بعد أسبوعين، وطلب منها أن تبدأ التحضير فورًا. خرجت تولين من الغرفة وهي تشعر وكأنها تسير على سحاب، نَسِيَت تمامًا وجود يمان وكل الموقف السابق معه. لكن ما إن نزلت على السلم حتى تفاجأت به يقف عند منتصف الدرج، يده معقودة أمام صدره، ووجهه يحمل ملامح الانتصار. قال بنبرة خفيفة، وكأنه يذكّرها: ـ نسيتِ القهوة. تلاشت كل أفكار الغضب والجدية من عقلها، وارتسمت على وجهها ابتسامة راضية وهي تقول: ـ ما نسيتش القهوة. اقترب منها بخطوات هادئة وقال وهو يرفع حاجبه بفضول: ـ طب احكيلي، كان عايز منك العميد إيه؟ أجابته بحماس واضح: ـ اختارني أقدّم أوائل الدفعة في حفلة التخرج اللي بعد أسبوعين! ابتسم بإعجاب وقال: ـ أنا ما اعرفكيش من زمان، بس بجد فخور بيكِ… بتمنى لك التوفيق دايمًا. ثم أشار بيده نحو الخارج قائلاً بحيوية: ـ تعالي بقى، الكافيه ده لسه فاتح جديد، وأنا وعدت صحابي إني مش هدخل غير لما أكون معايا حد… وبصراحة، ما لقيتش غيرك في وشي. رفعت حاجبها بحدة ونظرت إليه بغضب خفيف: ـ قصدك إيه يعني إنك ما لقيتش غيري في وشك؟ ارتبك على الفور وبدأ يتلعثم وهو يلوّح بيديه نافيًا: ـ لا والله مش قصدي كده خالص! بس يعني... بصي، تعالي تعالي، ما كنتش متخيل أصلًا إن يجي يوم وأشرب قهوة مع بنت غير قطتي. ضحكت رغمًا عنها، وهزت رأسها باستسلام قبل أن تسير بجانبه نحو الكافيه. دخل الاثنان المكان، كان الكافيه مضاءً بإضاءة دافئة تُلقي لمساتٍ ناعمة على الزجاج والطاولات الخشبية. جلسا في زاوية هادئة، وطلبا قهوة ساخنة. تبادلا بعض الأحاديث العابرة، ضحكات خفيفة تقطعها نبرات التوتر الأولي بينهما. وبينما كانت تولين ترفع كوبها لتحتسي أول رشفة، لمحت من بعيد وجوهًا مألوفة. التفتت سريعًا لتجد صديقاتها يجلسن على الطاولة خلفهم. صرخت إحداهن بفرح: ـ تولين! تعالى يا بنتي! ابتسمت تولين بحرج ونظرت إلى يمان الذي أومأ لها بابتسامة ودودة قائلاً: ـ يلا نروح نقعد معاهم، ما ينفعش نسيبهم لوحدهم. انضمّ إليهم، وتبادلا التعارف والضحكات سرعان ما ذاب الجليد بين الجميع، ووجدت تولين نفسها تضحك من قلبها، تُشارك في الأحاديث، وتستمع إلى نكاته العفوية. في تلك اللحظة بالتحديد، شعرت بأن شيئًا في داخلها تغيّر… ذلك الحاجز الذي كانت تبنيه بينها وبين الناس بدأ يتلاشى، فقط لأن يمان كان مختلفًا؛ بسيطًا، خفيف الظل، ومليئًا بالحياة ولأول مرة منذ زمنٍ طويل، شعرت بالارتياح تجاه أحد. عادت تولين إلى منزلها تلك الليلة وهي تشعر بخفةٍ غريبة في روحها، كأن شيئًا ما تغيّر بداخلها دون أن تدرك تمامًا ما هو. ما إن أغلقت باب غرفتها حتى ألقت حقيبتها على المقعد، وخلعت حذاءها، ثم ألقت بنفسها على السرير بأنفاسٍ متعبة لكنها سعيدة. ظلت لوهلة تنظر إلى السقف بعينين شارِدتين، ثم أمسكت هاتفها وفتحت تطبيق الفيسبوك، تتصفّح الأخبار والصور دون اهتمامٍ حقيقي، فقط تقتل الوقت قبل النوم. وفجأة توقفت أناملها عند إشعارٍ جديد: "طلب صداقة من يمان فؤاد". رفعت حاجبها بدهشة صغيرة، ثم ارتسمت ابتسامة على طرف شفتيها وهي تهتف: ـ ابن اللذينة، ما ضيّعش وقت. غلبها الفضول، فدخلت إلى صفحته. كان بروفايله بسيطًا، صورة له بالبدلة، يقف أمام خلفية رمادية بابتسامة واثقة. قلبت في صوره قليلاً، معظمها كانت من خروجات مع أصدقائه. توقفت عند آخر صورة… كوب قهوة موضوع على الطاولة، نفس الكوب الذي كان أمامه اليوم في الكافيه، وكُتب أسفل الصورة: "الصحبة الحلوة مش دايمًا بتتخطط، أحيانًا بتيجي صدفة." شعرت تولين بدفءٍ غريبٍ في صدرها، وابتسمت بخفة. ترددت قليلًا بين أن تقبل الطلب أو تتجاهله، ثم وضعت الهاتف على صدرها وهي تفكر: ـ أقبله؟ ولا أسيبه شوية كده؟ لكن قلبها خفق بشدة حين ظهر إشعار رسالة جديدة منه. فتحتها ببطء لتجد كلماته الجريئة تملأ الشاشة: "ما تتأخريش، وما تتردديش في إنك تقبلي الطلب ولا لأ، أنا ممكن في لحظة أفتح أكاونتك وأقبله بنفسي، بس حبيت أسيب لك الفرصة دي." اتسعت عيناها، وارتبكت ضاحكة وهي تعض على شفتها السفلى قائلة لنفسها: ـ ده واثق أوي في نفسه! ثم كتبت له بسرعة وهي ترفع حاجبها بتهكمٍ ساخر: "وطالما واصل كده ليه ما قبلتش الطلب من نفسك؟ بس عامة دي حاجة ترجع لي أنا." وضغطت إرسال ثم تنهدت بخفة، وكأنها أنهت تحديًا صغيرًا. بعد لحظاتٍ قصيرة، أعادت فتح طلب الصداقة وضغطت على قبول. أغلقت الهاتف، وألقت به على الطاولة بجانبها، ثم تمددت على السرير، وأسندت رأسها إلى وسادتها، واحتضنتها برفق. كانت ابتسامتها هادئة هذه المرة، ليست ابتسامة سعادة كاملة، بل مزيج من فضولٍ خجولٍ وشعورٍ جديدٍ لم تختبره من قبل. وغفت بعدها بدقائق قليلة، تاركة الهاتف يلمع بضوءٍ خافت على الطاولة، وشاشة الرسائل تُظهر آخر ما كتبته له… بينما ابتسامتها بقيت مرسومة، تُخبر أن يمان بدأ يترك أثرًا في قلبها دون أن يدري أحد.
📜 الفصل التاسع 📜
(صندوق أسود) كانت شمس ما بعد الظهيرة تتسلّل بخفّة إلى الشارع المزدحم بالمارة، والهواء يحمل رائحة الزهور المنثورة من كل صوب. وقفت الفتيات أمام محل الورود يتأملن الألوان المتناثرة على الرفوف، كلٌّ منهن تختار باقتها للحفل الكبير بعد يومين. ضحكاتهم الخفيفة امتزجت برائحة الورد والياسمين، غير أنّ تولين كانت صامتة، تحدّق في الزهور بحيرةٍ وشرودٍ غريب. وقفت أمام باقاتٍ كثيرة، أناملها تعبث بإحدى الورود ثم تعود لتتردد، كأنّ قلبها لا يعرف ماذا يريد تمتمت لنفسها بنبرة خافتة: ـ يعني هشتري ورد النهارده وأرميه بعد بكرة… مالهوش ذنب يدبل ويموت عشان يوم. كانت ملامحها حزينة رغم كل البهجة من حولها، حتى أتى صوته من خلفها: ـ عشان كده أنا ما خلتوش يدبل. التفتت بدهشة، فوجدت يمان يقف خلفها ممسكًا بباقةٍ مختلفة عن كل ما رأت في المحل؛ وردٌ أحمر مصنوع بعناية من شرائط الستان، تلمع كأنها بتلات حقيقية، ملفوفة بورقٍ أسود فخمٍ يعانق اللون كسرٍّ غامض. تقدّم نحوها ومدّ يده بالباقة قائلاً بابتسامةٍ هادئة: ـ دي ليكِ. مخصوص. حدّقت فيها بدهشة، ثم مدّت يديها ببطء لتأخذها رفعتها إلى أنفها، فوجدت رائحة الورد الحقيقي تعبق منها، فشهقت بخفة وقالت وهي مبتسمة بعينين دامعتين: ـ دي ريحتها زي الحقيقي بالظبط! إزاي؟ ابتسم بثقة وقال: ـ عرفت إنك بتحبي الورد جدًا… بس بتزعلي لما بيدبل بسببك. فقلت أعمل لكِ وردة ما تموتش… تفضل معاكِ على طول. ظلت صامتة للحظات، تنظر إلى الباقة كأنها أغلى ما رأت يومًا، ثم رفعت عينيها إليه، و الامتنان والدهشة يتقاطعان فيهما، وقالت بصوتٍ مبحوح: ـ أنا… مش عارفه أقولك إيه، بجد دي أحلى حاجه حد عملهالي في حياتي. ظهر الخجلٌ على وجهها، وارتسمت ابتسامة ناعمة على شفتيها، كأنها في لحظةٍ صافية نسيت كل ما حولها. اقتربت إحدى الفتيات بخفةٍ، التقطت الباقة من يديها بدهشة قائلة: ـ يا لهوي! دي تحفة، دي أحلى من كل اللي في المحل! وتجمّعت البقيّة حولها يُدلين بإعجابهن شعرت تولين بشيءٍ غريب في صدرها، كأن حرارةً خفيفة اشتعلت بداخلها، فأخذت الباقة منهن بسرعة وقالت مبتسمة بخجلٍ مصطنع: ـ خلاص خلاص كفاية، البوكيه ده بتاعي! خرجت من المحل بخطواتٍ متسارعة، ووقفت أمام الباب تنتظرهن وهي تضم الباقة إلى صدرها كأنها تخشى أن تُنتزع منها. لم تمضِ لحظات حتى سمعَت صوته من خلفها من جديد، بهدوئه المعتاد، يقول وهو يسند ظهره إلى سيارته وذراعيه مطويتان أمام صدره: ـ يعني… عجبك البوكيه ولا لا؟ استدارت إليه، ترفرف ابتسامة خفيفة على شفتيها، وقالت وهي تحاول أن تُخفي ارتباكها: ـ بصراحه؟ عجبني جدًا… وما كنتش متخيله إن في حد ممكن يعمل كده عشاني. كل مرة كنت بمسك فيها ورد كنت بحس بالذنب إنه هيموت بسببي… بس المرة دي لأ، المرة دي فرحانة… سكتت فجأة، وارتجف صوتها قليلًا، كأن الكلمات خنقتها قبل أن تكمل، ثم رفعت الباقة إلى صدرها وابتسمت بعينين تلمعان بالدموع. قالت بصوتٍ خافتٍ مبحوحٍ بالعاطفة: ـ شكراً يا يمان… شكراً إنك خلّيتني أحس إني لسه أستحق إن حد يفرّحني كده. وقف هو يتأملها بصمتٍ عميق، وفي عينيه تلك النظرة التي تجمع بين الإعجاب والحنان والدهشة من بساطتها… وها قد أتى اليوم الموعود… تزين الحرم الجامعي بألوان البهجة والسرور، وارتدت الجدران ثوبًا جديدًا من الزينة والورود التي تناثرت على الممرات، بينما صدحت الموسيقى الهادئة في الأرجاء إيذانًا ببداية يومٍ لا يُنسى. الفتيات تجهزن بكامل أناقتهن، والطلاب وقفوا متأهبين بقلوبٍ تخفق بالفخر، أما أولياء الأمور فقد بدت على وجوههم ملامح الفخر والعمر الذي مرّ بين تعبٍ وسهرٍ وانتظار، ليشهدوا اليوم ثمرة أعوامٍ طويلة من الجهد. في قلب الساحة كان يمان يقف مرتديًا بدلته الأنيقة، عاقدًا ذراعيه، يراقب بعينٍ يقظة كل تفصيلة في المكان. كانت التحضيرات تجري على قدمٍ وساق، والوقت يمرّ سريعًا، إلا أنّ تولين كانت تشعر بتوترٍ شديد يكاد يلتهمها من الداخل، فهي المكلّفة بتقديم حفل التخرّج، وكل الأنظار ستتجه نحوها بعد قليل. لاحظ يمان ارتباكها وهي تراجع أوراقها مرارًا، تتنفس بقلق وتعض على شفتها كلما التفت أحدٌ نحوها، فاقترب منها بخطواتٍ ثابتة، وصوت هادئ كعادته: ـ ما تخافيش يا تولين، كله هيبقى تمام، انتي متقلقيش، أنا معاكِ. رفعت رأسها نحوه بابتسامةٍ خفيفة حاولت أن تخفي خلفها رجفة قلبها، وقالت وهي تزفر أنفاسها ببطء: ـ أنا مش عارفه ليه قلبي بيدق كده… حاسه إن كل الدنيا بتتفرج عليا! ضحك بخفةٍ وهو ينظر إليها نظرة دعمٍ صافية: ـ طبيعي جدًا، ده يومك الكبير، بس صدقيني أول ما تبدأي الكلام، كل التوتر ده هيختفي. لكن لم يكن التوتر وحده ما يملأ المكان، إذ تأخر عامل الورود المسؤول عن تزيين المنصة، وبدأ القلق يزداد مع اقتراب موعد دخول الطلاب. رأت تولين وجوه المنظمين وقد ارتسم عليها الانزعاج، فوقفت مكانها عاجزة لا تعرف ماذا تفعل، إلا أنه تقدّم فورًا، أخرج هاتفه من جيبه واتصل بأحد معارفه قائلاً بنبرةٍ حازمة: ـ أيوه يا خالد، محتاجك دلوقتي فورًا، الزينه لازم تخلص خلال نص ساعه، ابعت الفريق بتاعك على طول. ثم التفت إليها وهو يبتسم مطمئنًا: ـ خلاص، الموضوع تحت السيطرة، ما تقلقيش من حاجه. تابع بنفسه تركيب الورود وتنسيق الألوان، حتى بدا المكان كلوحةٍ من الجمال والاتقان، وكلما نظرت إليه تولين شعرت بفخرٍ لم تعرفه من قبل، كانت تراه يتحدث مع كبار المسؤولين بثقةٍ واحترام، و يتبادل التحية مع بعض الضباط الذين حضروا الحفل. وعندما علمت أنهم يعرفونه جيدًا، وأن بعضهم من أصدقائه القدامى، شعرت بفخرٍ أكبر، وكأنها هي صاحبة هذا الشأن. كانت تراقبه بعينٍ مفعمة بالامتنان، وكل مرة يلتفت نحوها ويبتسم، كانت تشعر أن قلبها يرتاح أكثر.اقترب منها مجددًا، وأردف: ـ شدّي حيلك يا تولين، خلاص فاضل دقايق ونبدأ، وعايزك تبقي قدّها زي ما أنتِ دايمًا. ضحكت بخجلٍ وقالت: ـ طب ما تبطل تقول كلامك ده عشان بيخليني أتوتر أكتر! ـ لا، ده بيخليكي تبتسمي… وده أحسن من التوتر ألف مرّة. ضحكت من جديد، وهذه المرة كانت ضحكتها حقيقية، خفيفة من القلب، وكأنها أزاحت عن صدرها جبلاً من القلق. وبعد لحظاتٍ، دوّى صوت المنظّم عبر مكبّر الصوت معلنًا: ـ تمّ فتح الأبواب، نُرحّب الآن بدخول الطلاب أولاً، ومن بعدهم أولياء الأمور. اصطفّ الجميع في أماكنهم كما تدربوا بالأمس، وبدأت الوجوه المشرقة تملأ الساحة، بينما كانت تولين تقف خلف المنصة، تحمل في قلبها مزيجًا من الفخر والخوف والسعادة ها قد بدأت تشعر بأنفاسها تتلاحق، وبرودة غريبة تسري في أطرافها، كأن الدم قد جمد في عروقها. كانت واقفة خلف الكواليس تنتظر لحظة صعودها إلى المنصّة، والرهبة تتملّكها رويدًا رويدًا، حتى كادت تبكي من شدّة الارتباك والخوف. في تلك اللحظة، كان يمان يقف أسفل المنصّة يتابع بعينيه تفاصيل الحفل، يوزّع نظراته بين الطلاب والمقاعد والحضور، إلى أن لاحظ غيابها المفاجئ وتأخرها عن الموعد المحدد لصعودها. اتسعت عيناه بدهشة، فالتفت بخطوات سريعة نحوها، حتى وجدها واقفة وحدها خلف الستار، ترتجف، ودموعها على وشك الانهمار. اقترب منها، وصوته محمّل بالحنان: ـ تولين؟ مالك؟ في إيه يا بنتي؟ نظرت إليه بعينين تلمعان بخوفٍ وقالت: ـ خايفة يا يمان... والله مش قادرة أطلع، حاسة إن رجليا مش شايلاني... ابتسم رغم قلقه، ومدّ يده يمسح على كتفها برفق: ـ ما تخافيش، كل اللي هنا بيحبوكي. العميد واثق فيكِ، وأنا كمان. وأنتِ قدّها يا تولين، فاهمة؟ ـ بس... لو نسيت الكلام؟ لو غلطت؟ ـ مش هيحصل أنا متأكد إنك هتبهريهم كلهم، زي ما بهرتيني أول يوم شُفتك فيه. صدقيني، أنا فخور بيكِ من قبل ما تطلعي. كانت كلماته كفيلة بأن تبعث الدفء في أوصالها. تنفّست بعمق، استجمعت قوتها، رفعت رأسها، وابتسمت له بخجلٍ لطيف ثم قالت: ـ أدعي لي بس. أومأ وهو يبتسم: ـ أنا بدعيلك من أول ما عرفتك. ثم تقدّمت نحو المسرح، واعتلت المنصّة تحت أضواءٍ بيضاء زاهية. ارتجّ صوت الميكروفون حين أمسكت به، لكنها تماسكت سريعًا، وبدأت حديثها بترحيبٍ دافئ للحضور راحت تنادي أسماء أوائل الدفعة واحدًا تلو الآخر، بابتسامةٍ مليئة بالفخر، إلى أن انتهت. اقترب منها العميد وهو يصفّق بحرارة، وعيناه تلمعان بالإعجاب، ثم سلّمها ظرفًا أنيقًا وقال مبتسمًا: ـ الظرف ده فيه اسم الأوّل على المحافظة... اتفضّلي يا تولين، أعلنيه بنفسك. أمسكت الظرف بيدٍ مرتجفة، وفتحت الغلاف ببطءٍ يملؤه الترقّب، وعيناها تبحثان عن اسمٍ ليس اسمها، بل عن لحظةٍ تنتمي إليها. بدأت تقرأ دون تركيز: ـ الاسم الأول على المحافظة هو... سكتت لحظة، ثم أكملت بذهولٍ واضح: ـ تولين محمد عوض الله... رفعت رأسها غير مصدّقة، وكرّرت الاسم أكثر من مرة، وسط صرخات وهتافات صديقاتها اللاتي التففن حولها بحماسٍ عارم. كان التصفيق يملأ القاعة بأكملها، لكن أكثر من صفق بحرارة وصدق، هو يمان، الذي وقف بين الحضور، وعيناه تلمعان بفخرٍ لم يعرف له مثيل. كانت لحظةً خُلدت في ذاكرتهما معًا لحظةٌ اختلط فيها النجاح بالعاطفة، والفخر بالدهشة، والحب بالصمت العميق الذي لم يحتج إلى كلمات. كانت القاعة قد ضجّت بالتصفيق حين تقدّمت مساعدة العميد بخطواتٍ هادئة نحو المنصّة، تحمل بين يديها الجائزة الذهبية المخصّصة للطالبة الأولى على المحافظة سلّمتها إلى العميد الذي التفت مبتسمًا نحو تولين، وقال بفخرٍ أبويٍّ واضح: ـ تولين محمد عوض الله، ألف مبروك يا بنتي... تستحقيها عن جدارة. اقتربت تولين بخطواتٍ مترددة، قلبها ما زال يخفق بعنف، ومدّت يدها لتستلم الجائزة، لكن فجأة توقّفت في منتصف الطريق، كأن خاطرًا داهمها من العدم. رفعت رأسها وقالت: ـ لحظة واحدة يا دكتور... أنا مش هقدر أستلم الجايزة دلوقتي. ساد الصمت القاعة، وتجمّدت الأعين عليها في ذهولٍ وتساؤل. حتى العميد نفسه عقد حاجبيه متعجبًا: ـ ليه يا بنتي؟ في حاجة حصلت؟ ابتسمت تولين بخجلٍ لطيف وقالت وهي تلتفت نحو يمان بين الصفوف: ـ أنا مش هينفع أتصوّر في لحظة زي دي... من غير ما يكون معايا البوكيه. نظر إليها يمان بدهشة، ثم ضحك بخفة وهو يهمس: ـ بس البوكيه في العربية يا تولين، ما خدتوش معاكِ. أومأت بسرعة وقالت وهي تتحرك من مكانها: ـ خلاص، أنا هروح أجيبه بسرعة وهاجي. ـ طب خدي بالك، ولا أقولك خليكِ هنا وأنا أروح أجيبه. هزّت رأسها بإصرار طفوليٍّ جميل: ـ لا لا، خليك إنت... أنا هجيب كمان الحاجات التانية اللي جايباها ليكم... عندي مفاجأة صغيرة ليكم كلكم، فاستنوني! ضحكت البنات من بين الصفوف بينما نظر لها العميد وقال مبتسمًا: ـ طيب يا بنتي بسرعة، الناس مستنياك. انطلقت تولين نحو الخارج بخفةٍ مفعمة بالفرح، كانت تركض بخطواتٍ متسارعة، وملامحها تفيض بالسعادة كطفلةٍ تحتفل بنجاحها الأول. خرجت إلى ساحة الجامعة الواسعة، والهواء الصباحي يداعب شعرها. عبرت الطريق بلهفة حتى وصلت إلى السيارة، فتحت الباب الخلفي، وأخرجت حقيبةً صغيرة مليئة بصناديق هدايا صغيرة مغلّفة بأشرطةٍ وردية. وضعتهم جميعًا في يدٍ، ثم أمسكت بالبوكيه في الأخرى، وشمّت الورود بعمقٍ كأنها تحتفظ برائحتها داخل قلبها. وفي تلك اللحظة، كان يمان قد خرج من القاعة، ووقف على الرصيف المقابل ينتظرها بابتسامةٍ دافئة. وضع يده في جيبه يتحسّس الخاتم الفضي الذي كان قد اشتراه لها على سبيل المفاجأة، يقلبه بين أصابعه بينما ينظر إليها بحنانٍ يغمره كله. رفع صوته قليلًا وقال وهو يلوّح لها: ـ يلا يا تولين! متتأخريش... الكل مستنيك! التفتت نحوه، ابتسمت من قلبها، ثم رفعت البوكيه عاليًا كأنها تُريه ما بيدها: ـ جايه أهو، ثانية واحدة! ثم بدأت تجري بخطواتٍ سريعة نحو الطريق. كانت عيناها مثبتتين عليه... لم ترَ سوى ابتسامته... لم تنتبه للسيارة المسرعة القادمة من اليسار. صوت الفرامل شقّ السماء، تلاه صوت ارتطامٍ عنيفٍ حبس أنفاس الجميع. سقطت تولين أرضًا، جسدها الصغير يرتجف للحظاتٍ قبل أن يسكن. البوكيه تناثر على الإسفلت، والورود تلطّخت بحمرةٍ لم تكن منها. صناديق الهدايا الصغيرة تفرّقت حولها، تتدحرج على الطريق كأنها تبكيها. أما يمان، فقد تجمّد مكانه، الخاتم ما زال في يده، يلتصق بجلده كجمرةٍ لا تُطفأ عيناه لا تريان شيئًا سوى وجهها الصغير الغارق في السكون. الناس هرعوا نحوها، صرخاتٌ هنا وهناك، خطواتٌ مضطربة، وازدحامٌ يفصل بينه وبينها، لكنه لم يتحرك. ظلّ واقفًا، نظره متثبت عليها، ونظرها المتجمد عليه... كأن العالم كله توقف عند تلك النظرة الأخيرة. كانت الأصوات تتناهى إلى سمعه كهمسٍ بعيد، كأنها آتية من عالمٍ آخر... عالمٍ غريبٍ يشبه الحلم أحسّ بوخزٍ في رأسه، وبثقلٍ يجثم على صدره يمنعه من التقاط أنفاسه بانتظام. حاول أن يفتح عينيه، فغمره الضوء كطعنةٍ بيضاء أفقدته التوازن للحظة. أغمضهما ثانيةً، ثم عاد وفتحهما ببطء، متحسسًا ملامح المكان من حوله. جدران بيضاء... أجهزة طبية تُصدر أصواتًا متقطعة... وأنفاسه المتعبة تتردد في أذنه. حاول أن يحرك يده اليمنى، فوجد أنبوبًا طبيًا يخرج من معصمه، وأصابعه الباردة ترتجف بخفة. همس بصوتٍ مبحوحٍ بالكاد يُسمع: ـ أنا... فين؟ جاءه صوتٌ مألوف: ـ الحمد لله... فُقت أخيرًا يا يمان. التفت ببطء ناحية الصوت، ليجد جود جالسًا بجواره، حاول يمان أن يتحدث، لكن الكلمات خرجت متقطعة: ـ إيه... اللي حصل؟ اقتربت جود منه وقالت: ـ خدت طلقة مكاني يا مجنون... أسبوع كامل وانت بين الحياة والموت، الأطباء كانوا بيقولوا إن حالتك ميؤوس منها. أطرق يمان رأسه للحظة، شعر بوخزٍ غريبٍ في صدغيه، كأن الذكريات تتدافع في رأسه بعنف. صورٌ متلاحقة تمر أمام عينيه تولين... الحفلة... البوكيه الأحمر... الطريق... الضوء... الدم... شهق فجأة، كأن أحدًا طعنه في صدره، ثم رفع يده المرتجفة إلى رأسه وقال بأنفاسٍ متقطعة: ـ كل اللي أنا شُفته... كان حقيقي؟ ولا...؟ صمت جود قليلًا، ثم قال بهدوء: ـ كنّا فاكرينك فقدت الوعي من كتر النزيف، بس يبدو إن دماغك كانت عايشة جوه نفسها... الأطباء قالوا إنك كنت في غيبوبة، والمخ كان بيحاول يخلق واقع تاني. ارتجفت أنفاس يمان، ونظر إلى السقف بعينين غارقتين في الذهول، وتمتم بصوتٍ خافتٍ كمن يحدث نفسه: ــ تولين... كانت هناك... كنت بشوفها، وبكلمها، وبضحك معاها... كل ده كان جوا دماغي؟ لم يُجبه أحد، واكتفى جود بوضع يده على كتفه، بينما كان هو غارقًا في صراعه الداخلي، يحاول أن يميز بين ما هو حلم وما هو واقع. كل شيء بدا غامضًا... متداخلًا... كأن ذاكرته انحبست داخل صندوقٍ أسود لم يُفتح بعد، صندوقٍ يحتفظ بكل ما عاشه من مشاعر، من حبٍ، من فزعٍ، من فقدٍ لا يُحتمل. أغمض عينيه للحظة، وابتسم ابتسامةً باهتة، وقال بصوتٍ مبحوح: ـ حتى لو كان حلم... فهي كانت حقيقية جوايا.
📜 الفصل العاشر 📜
( النهاية) كان الصباح هادئًا على غير عادته داخل جناح المستشفى، أشعة الشمس تتسلل من بين الستائر البيضاء لتنعكس على ملامحه المتعبة. لم يزل أثر الوجع يسكن جسده حاول أن يرفع جسده مستندًا على السرير، فارتسمت على ملامحه ابتسامة خفيفة حين شعر أن عضلاته بدأت تطيعه من جديد. دُفع باب الغرفة فجأةً، ودخل العقيد وخلفه جود وصديقه المقرب، كانت ملامحهم تحمل مزيجًا من الاطمئنان والقلق. تقدّم العقيد نحوه بخطوات هادئة وقال بنبرة أبوية: ـ الحمد لله على سلامتك يا يمان، قلقتنا عليك يا ابني. أجابه بابتسامة باهتة وهو يمد يده ليصافحه: ـ الحمد لله يا فندم، شكل الرصاصة كانت أضعف من اللي استحملت قبل كده. رمقته جود بنظرة سريعة، ثم حولت وجهها كأنها لم تسمع، فقال صديقه ضاحكًا يحاول كسر الجمود: ـ واضح إنك لسه زي ما أنت حتى الموت مش عايز يزعلك. ردّ يمان وهو يعتدل جالسًا: ـ أنا بخير خلاص، ومش ناوي أفضل هنا أكتر من كده. نظرت له جود بحدة مكتومة، وقالت وهي تضع الملف على الطاولة: ـ مش شايف إنك لسه محتاج راحة؟ جسمك حتى مش مستقر. التفت إليها، عينيه ثابتة على وجهها دون أن يلين صوته: ـ أنا محتاج أتحرك، مش أرتاح القضية دي مش هتخلص وأنا نايم هنا. صمت الجميع لحظة، وتبادل العقيد وصديقه جمال نظرات سريعة لم تخفَ عنه، فرفع حاجبه مستغربًا وقال: ـ فيه إيه؟ بتبصوا لبعض كده ليه؟ خفض العقيد رأسه قليلًا، ثم قال ببطء كمن يخشى وقع كلماته: ـ رشاد النمر هرب. ساد الصمت المكان، وبدت ملامح يمان كأنها تصلبت للحظة، ثم رفع نظره نحوه ببطء وقال: ـ هرب إزاي؟ تنحنح العقيد، وأكمل: ـ أثناء نقله للمحكمة حصل هجوم مفاجئ على الموكب الظاهر إن في حد ساعده من جوه. أسند يمان ظهره للمخدة، أنفاسه صارت أثقل. نظر بعيدًا، ثم تمتم بمرارة: ـ كل ده وأنا هنا نايم ومش قادر أتحرك. اقتربت جود وقالت بهدوء: ـ ما تلومش نفسك محدش كان متوقع اللي حصل. نظر إليها للحظة، عينيه فيها غضب مكتوم، ثم قال ببرود: ـ أنا بتكلمش عن التوقع، بتكلم عن المسؤولية. تحركت شفتاها لترد، لكنها تراجعت وكأنها تذكّرت شيئًا. اكتفت بالنظر إليه، ثم أدارت وجهها نحو النافذة. قال العقيد شهاب: ـ مش وقت جلد الذات دلوقتي، اللي يهمنا نعرفه هو إننا نرجّع رشاد، حيّ أو ميت. رفع يمان رأسه وقال بثقة، رغم التعب في صوته: ـ هنرجعه بس أولًا، خرجوني من هنا. اعترضت جود بسرعة، صوتها فيه نبرة توتر: ـ إنت لسه حتى ما وقفتش على رجلك كويس، تخرج تعمل إيه؟ نظر إليها بابتسامة باهتة أقرب للتهكم: ـ أخرج أشتغل، ما تقلقيش مش ناوي أركب موتوسيكل وأجري وراهم. ردّت بحدة خفيفة وهي تطوي ذراعيها: ـ ده لو قدرت تمشي خطوة من غير ما تتعب. قال بهدوءٍ قاتم: ـ وجربي تمنعيني. نظر العقيد إليهما بتنهيدة ثقيلة قبل أن يقول بصرامة: ـ كفاية كلام، القرار عندي أنا تخرج بس تحت المراقبة، أول ما تتعب، ترجع فورًا. مفهوم هزّ يمان رأسه موافقًا، ثم نظر إلى جود نظرة قصيرة قبل أن يحيد عنها وكأنه لا يريد أن يطيل التحديق أكثر. كان بينهما جدار غير مرئي، لا هو قادر على هدمه، ولا هي تملك الجرأة على الاقتراب منه. خرج يمان من بوابة المستشفى يسير بخطوات ثابتة رغم الألم الذي يلسع كل عضلة في جسده كان الهواء الخارجي يضرب وجهه كصفعة توقظه من كابوس طويل، بينما تسير إلى جواره جود في صمت تام، تحمل بعض الأوراق في يدها وتنظر أمامها دون أن تلتفت إليه. وقف لحظة عند السيارة السوداء التي كانت تنتظرهما، فتح الباب الأمامي ونظر إليها قائلًا بنبرة جافة: ـ اتفضلي اركبي، واضح إنك سايقة المرة دي. نظرت له ببرود مماثل، ثم قالت وهي تضع الأوراق على المقعد الخلفي: ـ عادي، اللي يقدر يهرب من رصاصة، أكيد يقدر يسوق. رفع حاجبه بابتسامة خفيفة لم تكتمل: ـ ماشي يا ستي، بس لو حصللي حاجه وإحنا راجعين، اعتبري نفسك مسئولة رسمي. ردّت دون أن تنظر إليه وهي تشغل المحرك: ـ مش أول مرة أكون مسئولة عن مصيبة عملتها بإيدك. ضحك بخفة، تلك الضحكة التي كسرت الصمت للحظة، ثم عاد وجهه للجمود من جديد. انطلقت السيارة على الطريق الهادئ، لا يُسمع فيه سوى صوت الهواء المتسلل من النافذة وصوت أنفاسهما المتقطعة بين الفينة والأخرى. ظل ينظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامه، ثم قال كأنه يحدث نفسه: ـ كل مرة أفتكر إننا خلاص قربنا نقفل الملف، بنرجع للصفر من تاني. أجابت دون أن تلتفت: ـ الموضوع أكبر من مجرد ملف يا يمان، رشاد مش هينتهي بسهولة. ابتسم ابتسامة جانبية وقال بسخرية باهتة: ـ أهو دا اللي مخليني مش مطمن. كل مرة نقرّب، يختفي، وكأنه دايمًا سابقنا بخطوة. ترددت قليلًا قبل أن تقول وهي تمسك عجلة القيادة بإحكام: ـ بس المرة دي… مش لوحدك! التفت إليها ببطء، نظر إلى ملامحها الجادة، ثم قال بهدوءٍ فيه شيء من الامتنان الذي حاول إخفاءه: ـ عارفة يا جود…أول مرة أصدق إنك ممكن تقولي حاجة تريحني. رمقته بنظرة حادة وقالت سريعًا كأنها تدافع عن نفسها: ـ ما تتعودش، دي كانت استثناء. ضحك بخفوت، ثم أدار وجهه للنافذة مرة أخرى، وترك الصمت يملأ المسافة بينهما من جديد. ظلّا يسيران على الطريق حتى بدأت معالم المدينة تلوح في الأفق، ضوء الغروب ينعكس على زجاج السيارة كأنه يرسم حولهما ظلالًا من الماضي الذي لم يمت بعد. كانت جود تتابع بعينيها الطريق، لكن عقلها كان مشغولًا به أكثر مما تود الاعتراف. أما هو فكان غارقًا في صمته يرى في كل زاوية من المدينة وجهًا يشبهها، وضحكة تذكره بها، وكأن الحلم الذي عاشه ما زال يسكنه رغم أنه عاد إلى الواقع. اقتربا من المقرّ الرئيسي، فتوقفت جود وقالت وهي تطفئ المحرك: ـ وصلنا المفروض ترتاح النهارده. فتح الباب ببطء، ثم قال وهو يخرج من السيارة: ـ الراحة للناس اللي خلصوا اللي عليهم… وأنا لسه عليّا كتير. أغلقت الباب خلفه، ونظرت إليه وهو يسير بخطوات بطيئة نحو المبنى، لم تعلم إن كانت تشفق عليه أم تحسده على قدرته على التحمّل. مرّ يومان منذ خروجه من المستشفى استعاد يمان وعيه كاملًا، لكن رأسه لا يزال مثقلًا بالذكريات، والندوب التي خلّفها الوقت في داخله لم تلتئم بعد. في ذلك الصباح، خرج متجهًا إلى النيابة، يتفقد بنفسه سير الأوراق الخاصة بقضية "رشاد النمر" التي أصبحت تشبه لغزًا لا نهاية له. وبعد ساعات طويلة من المداولات والانتظار، خرج من هناك هو وجود، وقد بدت علامات الإرهاق واضحة على ملامحهما. وقفت هي أمام السيارة تمس جبهتها بتعب قائلة: ـ رأسي بيوجعني، حاسة إني مش قادرة أركّز في أي حاجة. نظر إليها للحظة ثم قال بشيءٍ من الإقتراح أكثر من الأمر: ـ طب تيجي نشرب قهوة؟ نراجع التفاصيل بهدوء، يمكن نطلع بحاجة جديدة. لم تتردد، كأن جسدها سبق لسانها وقال: ـ ماشي، فعلًا محتاجين نفصل شوية. تحرّكت السيارة وسط الزحام، لم يخطر ببالها أن الطريق سيقوده إلى هناك تحديدًا… إلى الكافيه الذي لم تطأه قدمه منذ خمس سنوات. كان يقود بصمت، يحدّق في الطريق بعينين زائغتين كأن شيئًا خفيًا يجذبه من الداخل ولمّا توقفت السيارة أمام المكان، شعر بأن الهواء قد اختنق فجأة اللافتة نفسها، الرائحة نفسها، وحتى المقاعد الخشبية في الداخل ما زالت في أماكنها دخلا معًا كان المكان دافئًا، تملؤه موسيقى خفيفة من نوعٍ يثير الذكريات أكثر مما يُسكنها. اختار طاولة في أقصى الكافية، الطاولة ذاتها التي كان يجلس عندها ذات يوم، وبدون وعي جلس في نفس المقعد الذي اعتاد أن تجلس فيه هي… جلست جود في المقعد المقابل، تراقب نظراته المليئة بالتوتر والشرود، فسألته باستغراب وهي ترفع حاجبها: ـ فيه إيه؟ المكان مش عاجبك ولا إيه؟ ابتسم بخفوت وقال وهو يشيح بنظره عن عينيها: ـ لا… المكان حلو. بس يمكن الذكريات اللي فيه تقيلة شوية. جاء صاحب المقهى العجوز، رجل خمسيني بملامح طيبة وصوت مألوف. تأمل يمان لثوانٍ قبل أن تتسع عيناه بدهشة ويقول بفرح: ـ يااااه، ده إنت يا أستاذ يمان! فين أيامك؟! وحشتنا والله، فكرتك سافرت ولا حاجة! ابتسم يمان بتوتر واضح، وقف وصافحه قائلًا بلطفٍ مصطنع: ـ إزايك يا عم سامي؟ والله الظروف خدتني بعيد شوية. نظر العجوز إلى جود بابتسامة كبيرة وقال بحفاوة: ـ أكيد دي البنت اللي كنت بتيجي معاها دايمًا، كنتوا لُطاف جدًا مع بعض، الله يباركلكوا تجمّدت جود في مكانها، حدّقت به بدهشة: ـ إيه؟ لكن يمان سارع بإصلاح الموقف، حمحم بخفّة وقال وهو يلوّح بيده: ـ لأ، لأ، دي مش هي… دي زميلة في الشغل، جايين نراجع شوية أوراق بس. تراجع الرجل خطوة وقال بخجلٍ بسيط: ـ آسف يا ابني، كنت فاكر إنكم اتجوزتوا. خفض يمان رأسه قليلًا وقال بصوت منخفض كأن الكلمات خرجت من جرح قديم: ـ لأ… هي توفاها الله من خمس سنين. ساد صمت مفاجئ أما العجوز، فقد تغيّر وجهه تمامًا، وضع يده على كتفه بحزن وقال بصوتٍ مبحوح: ـ الله يرحمها يا ابني. ثم انسحب بهدوء، تاركًا خلفه ظلًا من الشفقة والوجع. جلس يمان في مكانه يتنفس ببطء، بينما نظراته تتجول على تفاصيل الطاولة كأنه يراها للمرة الأولى بعد فراقٍ طويل. بعد لحظات، جاء النادل ووضع أمامه كوب القهوة المفضل لديه دون أن يطلبه، نفس النوع، نفس الرائحة. ابتسم بمرارة وهو يهتف لنفسه: ـ لسه فاكرين طلبي بعد كل السنين دي… قالت جود بهدوء وهي تحاول كسر الصمت: ـ المكان شكله فعلاً مهم بالنسبالك… رفع عينيه إليها وقال: ـ أكتر مما تتخيلي. ثم مد يده نحو الملف، فتحه وقال وهو يحاول استعادة جديته المعتادة: ـ نرجع بقى للشغل، قبل ما القهوة تبرد. ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تفتح أوراقها، لكن عينها كانت تراقبه دون وعي. لم يكن الرجل الذي عرفته منذ شهور، بل رجل يحمل داخله مدينة كاملة من الذكريات الموجعة، مدينة اسمها تولين. بعد وقتٍ قصير، ألقت جود القلم على الطاولة بإهمال، زفرت بضيق وهي تشعر أن عقلها لم يعد قادرًا على التركيز في أي شيء كل ما يدور في ذهنها الآن هو اسمه... واسم تلك الفتاة التي كانت تتردد على لسانه في الحلم كأنها تعيش بين أنفاسه. رفعت نظرها نحوه، تخلّت عن كل محاولات التجميل في الحديث، وهتفت بحدّة مكتومة: ـ أنا عايزه أعرف مين تولين اللي انت كنت عمال تقول اسمها في الحلم، وليه جايبني في نفس المكان اللي كنت بتيجي فيه أنت وهيّ؟ أنا عايزة أعرف كل حاجة دلوقتي، عشان بجد مش عارفه أنت عاوز مني إيه. رفع رأسه ببطء، لم يبدُ عليه الغضب، بل ابتسم ابتسامة واهنة وهو يترنح للخلف في مقعده. طقطق ظهره قليلًا ونظر حوله بتفحّص كأنه يسترجع ماضيًا ثقيلًا، ثم عاد ببصره نحوها وبدأ يسرد ما حدث معه منذ أن رآها لأول مرة، إلى اللحظة التي تلاشت فيها الرؤية أمامه، والفراغ الذي تركته تلك الغيبوبة داخله. كانت جود تُنصت بصمت، لكن عينيها فضحتا تأثرها، حاولت إخفاء الحزن الذي بدأ يتسرّب إلى ملامحها، بينما هو يتحدث وكأن الكلمات تنزف من صدره. وعندما أنهى حديثه، رفع كوب القهوة، أنهى آخر رشفة منه، وقال بابتسامة هادئة: ـ أتمنى يكون فضولك ارتوى... وعرفتِ كل حاجة كنتِ عايزه تعرفيها عني. هزّت رأسها في صمتٍ، باتت الجلسة بعدها أكثر ثقلًا…حاول كلاهما العودة إلى العمل، لكن يمان لم يستطع تجاهل الإحساس الغريب الذي خفّ من داخله. كأنه تخلّص من حجر كان يضغط على صدره منذ سنوات. نظر إليها ثانية وقال بخفوت: ـ شكرًا. قطّبت حاجبيها باستغراب، فسارع لتوضيح قصده: ـ يعني... عشان خلّيتيني أتكلم. أنتِ مش عارفة الموضوع ده شال من على قلبي حمل قد إيه شكرًا إنك أول حد... يسمعني من غير ما يخليني أتكلم غصب أو أشوف في عينه نظرة شفقة، مع أنك نجحتي في إخفائها. أغمضت عينيها لثوانٍ، وكأنها تشاركه الصمت أكثر من الكلام، ثم فتحت عينيها بابتسامة صغيرة وقالت: ـ أنت لسه ما تعرفنيش... أنا فيا سحر زي التنويم المغناطيسي كده. ابتسم هو الآخر ابتسامة باهتة وهو يرد: ـ شكلها فعلًا حكايتنا لسه طويلة يا جود. وعادا بعدها لاستكمال العمل... لكن هذه المرة، لم يكن بينهما الصمت ذاته، ولا الجدار نفسه. ليس بين القلوبِ مرسال، لكنّ بينها لغةً لا تُكتَب، تُقالُ بالنبض. حين يضيقُ صدرك، يختنقُ هناك قلبٌ آخر لا يعرفُ السبب، وحين تبتسمُ فجأة، يطمئنُّ في البعيدِ من كان يفتقدُ نورك. رسائلٌ تُبعثُ بلا حروف، تسيرُ في العروق كأنّها تيارُ إحساسٍ خفي، تعبرُ المسافاتِ دونَ خُطى، ولا تعرفُ طريقَ العودة، لأنها تسكنُ في القلبِ الذي كُتِبَت له. أحيانًا، أراكَ في صمتي… وأسمعُ صوتكَ في هدوئي، فأدركُ أن بيننا رسولًا لا يُرى، يُبلّغُ الأشواقَ، ويحملُ من الحنينِ ما لا يقدرُ عليه الكلام.
📜 الفصل الحادي عشر ولم ننتهي بعد 📜
ـ النهارده هتبقى جلسة المحاكمة، جاهز؟ ـ أكيد لازم أكون جاهز، وعارف إن هو هيبقى موجود، حتى لو مش هقدر أمسكه، بس يكفيني طرف خيط يوصلني ليه. هكذا قالها وهو يضع الهاتف على الطاولة بجواره، ثم تابع ارتداء بدلته الرسمية كان اليوم بالنسبة له أكثر من مجرد جلسة محاكمة، بل هو نصف الطريق نحو نهايةٍ طال انتظارها، نهاية لا تكتمل إلا حين يُطوَّق عنق رشاد بحبل المشنقة لكن يبدو أن هذا اليوم لم يحن بعد، أتاه صوتها من الجهة المقابلة يحمل بين نبراته غضبًا مكتومًا: ـ كان لازم أستنى شوية وأخلص عليه وأنا بهرب، لأن اللي بيعمله فينا ده مش حلال... ليكون حرام عليه توبة، استغفر الله. جحظت عيناه مع وقع كلماتها الأخيرة، كأنها خنجر غُرس في صدره نظر إلى الهاتف ثم إلى انعكاسه في المرآة، ليرى وجهًا لم يعد يعرفه. أغمض عينيه، ووضع يده على صدره يتحسس خفقانًا غاضبًا يوشك أن يخرق أضلعه. تنفس بعمق، التقط الهاتف مجددًا، ثم أمسك بحقيبته بعد أن ألقى نظرة سريعة على هيئته، وغادر الشقة قاصدًا المحكمة حيث سينطق اليوم بالحكم الأخير في قضية بكار النمر وضع يده على مقبض السيارة، لكن عقله لم يكن هنا... كان عالقًا في حلمٍ لم يستيقظ منه بعد، حلمٍ يتكرر منذ تلك الليلة يشعر وكأنه ما زال يعيش في داخله، ما زال يختنق بنفس الغصّة التي لم تزل تحرق صدره كلما تذكّرها. كان يتمنى ـ حتى لو في وهمٍ عابر أن يكون قادرًا على إنقاذها، أن يعود إلى تلك اللحظة ليحمل عنها الألم قبل أن يُثقل روحها. نظر إلى الحقيبة بجانبه، مدّ يده داخلها وأخرج وردة، رفعها إلى أنفه يستنشق عطرها الذي بدأ يتلاشى، تمامًا كما تلاشت هي من حياته. لقد أراد أن يصنع لها هذا الورد خصيصًا، وردة لا تذبل، لتبقى معها ما بقي العمر... لكنها ذهبت، وظل الورد. أزاحت الهاتف من على أذنها ببطء، تعجبت للحظة حين أغلق الخط في وجهها دون سابق إنذار، نظرت إلى الشاشة المظلمة ثم وضعت الهاتف في حقيبتها بتنهيدةٍ ثقيلة نهضت من على المكتب وهي تمسك آخر ملفات القضية.. مدّت يدها تفك رباط عنقها قليلًا، ثم مرّرت أصابعها على جبينها تتحسس قطرات العرق التي تساقطت منذ الصباح لماذا تخاف الآن؟ أليست هذه القضية التي سعت خلفها لزمن أم لأن النهاية لم تأتِ كما توقعت؟ ـ يمكن علشان الموضوع ما خلصش زي ما كنت متخيلة... يمكن علشان العدالة لسه مخدتش مجراها. نظرت حولها بشرود، ثم قالت: ـ بس هييجي اليوم... هييجي اليوم اللي أتنفس فيه راحة حقيقية، يوم ما رشاد ياخد جزاءه. عادت إلى المكتب وجلست ببطء، أخرجت الحاسوب وفتحته لتتابع آخر التحديثات عن القضية التي تحوّلت مؤخرًا إلى رأي عام. كانت الصفحات تمتلئ بعناوين ساخرة وصورٍ تملأ الشاشات صورة هروب رشاد... التقطتها إحدى كاميرات الصحافة، وهو يهرب داخل سيارةٍ سوداء حدقت فيها بذهولٍ لثوانٍ، ثم انطفأ كل شيء داخلها دفعةً واحدة. أغلقت الحاسوب بعنفٍ و وضعت رأسها بين كفيها، وأخذت تشدّ خصلات شعرها بغضبٍ مكتوم، كأنها تعاقب نفسها: ـ لا لا، مش معقول! أنا وعدت بكار... وعدته إن أخوه هيتحاكم قدامه، وإن الحكم هيطلع بالإعدام! إزاي أواجهه دلوقتي؟ ضربت بيدها على المكتب بعصبيةٍ وقالت: ـ فشلت... فشلت فعلاً شاطرة يا جود. لكنها، رغم كل شيء، رفعت رأسها بعد لحظات ربما لم تنتهِ الحرب بعد، لكنها أقسمت أن النهاية القادمة لن تكون هروبًا آخر. التقطت حقيبتها من فوق المكتب، وضعت فيها الأوراق على عجل ثم سحبت معطفها من على الكرسي وارتدته بحركةٍ سريعة، وكأنها تحاول الهروب من أفكارها قبل أن تبتلعها. فتحت الباب لتغادر، لكن رنين الهاتف أوقفها فجأة. نظرت إلى الشاشة بتوجس... رقمٌ غريب ترددت لثوانٍ، ثم أجابت: ـ الو، مين معايا؟ جاءها الرد من الطرف الآخر بسعادة واضحة: ـ ما تزعليش... وبلاش تبقي غضبانة، هييجي يوم ونتقابل، بس المره دي هتبقى محاكمتك أنتِ... على إيدي. اتسعت عيناها في صدمةٍ لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما تحوّل الذهول إلى غضبٍ متقد، تعرف هذا الصوت جيدًا صرخت في الهاتف بصوتٍ مرتجف من الغيظ: ـ يا حقير يا زبالة أنت ما عندكش القدرة تواجهني وش لوش عشان جبان ساد صمتٌ قصير على الخط، كأن الطرف الآخر يستمتع بثورتها، ثم جاء صوته بنبرةٍ باردةٍ تستفز الأعصاب: ـ الجبان هو اللي بيستخبى ورا القانون يا جود. وقبل أن تفتح فمها لترد، أغلق الخط. نظرت إلى الهاتف في يدها، عيناها تشتعلان غضبًا، ووجهها احمرّ كالجمر، حتى شعرت أن الهواء أصبح خانقًا من حولها. قبضت على الهاتف بقوةٍ حتى كادت تحطمه بين أصابعها. رن الهاتف مرةً أخرى، هذه المرة يمان حدّقت به لثانيةٍ ثم أغلقت الشاشة دون أن ترد، لا رغبة لها في الحديث، ولا طاقة لديها لتبرير غضبها التقطت حقيبتها مجددًا، وخرجت كانت قاعة المحكمة تغصُّ بالحاضرين، أصوات الهمس تتعالى ثم تخفت فجأة كلما تحرك أحد أفراد الأمن وقف العقيد إلى جانب بعض الضباط في الصف الأمامي، بينما كان يمان يقف على بُعد خطواتٍ قليلة وّ يداه متشابكتان خلف ظهره، وعيناه لا تفارق باب القاعة كل بضع دقائق يرفع معصمه ليرى الوقت ثم يعيد النظر إلى الباب مرة أخرى هتف أحد الضباط وهو يقترب من العقيد: ـ يا فندم، الأستاذة جود لسه ما وصلتشِ؟ هز العقيد رأسه بالنفي وقال: ـ اتصلت بيها أكتر من مرة... ما ردتش. شعر يمان بقبضةٍ تضيق على صدره كلما سمع تلك الجملة لم يكن قلقه مجرد قلقٍ مهني... بل ذلك النوع من القلق الذي يشتعل في داخلك عندما تشعر أنك فقدت السيطرة على ما كان يجب أن تحميه. أخفض رأسه قليلًا ومرر يده على عنقه، يتنفس بصعوبةٍ، وقال: ـ يمكن تكون في الطريق... أو يمكن تعبانة بس... لكن صوته الداخلي لم يكن مطمئنًا. تسلل إلى عقله صوتٌ خبيثٌ كصوت الشيطان وهو يوسوس له: ـ تفتكر لو رشاد عرف مكانها؟ لو خطفها تاني؟ يمكن المرة دي عايز يمنعها من المرافعة... يمنع الحكم بالإعدام عن أخوه. تجمد في مكانه للحظة، أصابعه انكمشت بقوة حتى اسودت أطرافها من شدّة القبضة رفع عينيه نحو العقيد وأردف باندفاع: ـ يا فندم، أنا هروح لمكتبها أتأكد بنفسـ... لكن قبل أن يُكمل جملته التفت الجميع فجأة ناحية الباب الكبير للقاعة انفتح الباب بهدوء ودخلت جود بخطواتٍ ثابتةٍ رغم الإرهاق البادي على ملامحها، توقف يمان عن الحركة تمامًا تبعها بنظره حتى جلست في مقعدها المخصص، لم تُلقِ التحية، لم تنظر إليهم، ولم يقرأ على وجهها أي ملامح، لا غضب ولا قلق، فقط ثباتٌ بارد تبادل الضباط نظراتٍ متوترة، بينما اقترب أحدهم وتمتم ليمان: ـ شكلها متوترة النهارده. لكن يمان لم يرد كان ينظر إليها كما لو يحاول أن يقرأ ما وراء ملامحها... هل هي بخير؟ هل حدث شيء؟ وقبل أن يتمكن من التقدم نحوها أو حتى منادتها، دخل القاضي إلى القاعة، فوقف الجميع احترامًا. ضرب القاضي بمطرقته على الطاولة معلنًا بدء الجلسة، فابتلع يمان كلماته، وعاد إلى مكانه في صمتٍ بدأت الجلسة، وكان المدعي العام يقف في موقعه، بينما وقف محامي بكار النمر في الجهة المقابلة، يرمق جود بنظرةٍ حادةٍ تحمل الغضب والاستهزاء. أما هي، فقد رفعت رأسها بثباتٍ لا يخلو من الكبرياء، نظرت إليه بعينين تلتمعان بصلابةٍ لو تحوّلت نارًا لأحرقتهم جميعًا. بدأت الجلسة في تمام الحادية عشرة صباحًا، جلسَّا القاضي يعتلي المنصّة و يطرق بمطرقته على الطاولة معلنًا بدء المرافعات. وقف الجميع احترامًا، ثم جلسوا في هدوء كانت جود تقف في الصف الأمامي.رفع القاضي نظره إليها وقال بصوتٍ رسميٍّ حازم: ـ تفضلي يا أستاذة جود، الكلمة لكِ. تقدّمت خطوة للأمام، نظرت للحضور بثقةٍ مشوبةٍ بشجنٍ خفي، ثم بدأت حديثها: ـ سيدي القاضي... السادة الحضور... اليوم، نقف أمام جريمة لم تكن وليدة لحظة، بل سلسلة من الدماء التي سالت بلا وجه حق، سلسلة من الخداع والابتزاز، يقف على رأسها المدعو رشاد النمر، ويعاونه شقيقه بكّار النمر، المتهم الحاضر أمامكم… سيدي القاضي، بين يديّ أدلة قاطعة، منها مقطع مصوّر يثبت تورّط المتهمين في قتل الشاهد "كمال الدسوقي" والذي تم العثور عليه بعد ساعاتٍ من استدعائه للإدلاء بشهادته. هنا تعالت الهمهمات في القاعة، فطرق القاضي بمطرقته قائلاً: ـ من فضلكم، هدوء في القاعة. أشارت جود إلى الشاشة المقابلة، ليُعرض الفيديو الذي صوّرته خلسة. ظهر في المقطع أحد رجال رشاد وبكّار وهما يتحدثان عن تصفيته قبل أن يفتح فمه. لكنّ محامي الدفاع أعترض قائلًا: ـ سيدي القاضي، أعترض على هذا الدليل جملةً وتفصيلًا. رفعت جود حاجبيها وقالت بحدةٍ مضبوطة: ـ وعلى أي أساسٍ تعترض يا أستاذ عادل؟ ابتسم بخبثٍ وقال وهو يتقدّم خطوة: ـ أولًا، لأن هذا المقطع تم تصويره دون إذنٍ مسبق من النيابة العامة، مخالفًا بذلك نص المادة (95) من قانون الإجراءات الجنائية، والتي تنصّ علىٰ: "لا يجوز التفتيش أو تسجيل المحادثات أو المراسلات إلا بإذنٍ مسبب من النيابة العامة." وبذلك، يصبح هذا التسجيل باطلًا قانونًا، ولا يُعتدّ به كدليل إدانة. ضربت جود بيديها على الطاولة قائلةً بحدةٍ لم تستطع كبحها: ـ ولكنه دليل واقعيّ! جريمة موثقة بالصوت والصورة! ألا يُعتبر هذا كافيًا لإظهار الحقيقة؟ ابتسم المحامي مرة أخرى بسخريةٍ خفيفة: ـ الواقع لا يُغني عن القانون يا أستاذة. ما قمتِ به خرقٌ صريحٌ لإجراءات التحقيق، وأنتِ للأسف محامية جنائية وتدركين ذلك جيدًا نظرت جود إلى القاضي برجاءٍ مكتومٍ وقالت بصوتٍ يرتجف من الغضب المكبوت: ـ سيدي القاضي... لقد تمّ التصوير في إطار الخطر الداهم، عندما كان القتل واقعًا لا محالة، ولم يكن هناك وقت لاستصدار إذن. هل يُعاقب من حاول إنقاذ العدالة لأنها لم ترتدّ عباءة الإجراءات؟ صمت القاضي للحظة، ثم قال: ـ هذا لا يغيّر من الأمر شيئًا يا أستاذة الإجراء الباطل لا يُنتج أثرًا صحيحًا. انخفضت أنفاس جود فجأة، شعرت كأن أحدهم سحب الهواء من القاعة بأكملها التفتت بنظرةٍ خاطفة نحو يمان الجالس بين الحضور، كانت نظرته ثابتةً عليها، لكنها قرأت فيها عجزًا عاد محامي بكّار للكلام بثقةٍ وهو يغلق ملفه ببطءٍ متعمد: ـ وبناءً عليه، نطلب استبعاد هذا الدليل من أوراق القضية، وإخلاء سبيل موكلي لعدم كفاية الأدلة القانونية. حاولت جود الاعتراض مجددًا، لكن القاضي رفع يده مقاطعًا: ـ المحكمة قررت رفع الجلسة للمداولة. انزلقت الكلمات من فمه كطعنةٍ باردة. جلست جود في مقعدها، يديها ترتجفان، وهي تشعر بأن صوت القانون اليوم كان أقسى من صوت الظلم ذاته. تذكرت وعدها لبكّار في الزنزانة، حين قالت له: ـ العدالة هتنال مجراها. لكنها لم تتوقع أن القانون نفسه سيقيد العدالة بأغلال الإجراءات. بعد نصف ساعة، عاد القاضي إلى القاعة، والكل يقف منتظرًا. قال بصوته الثابت: ـ حكمت المحكمة حضورياً بمعاقبة المتهم بكّار النمر بالسجن ثلاث سنواتٍ فقط بتهمة حيازة سلاحٍ غير مرخّص، وبراءة المتهم من تهمة القتل لعدم كفاية الأدلة القانونية. تساقطت الكلمات كالرصاص في صدرها تجمدت جود في مكانها، تحدّق في الورق أمامها دون أن ترى شيئًا، بينما المحامي المقابل يبتسم بخبث رفعت نظرها إلى القاضي بعينين دامعتين، ثم همست لنفسها بصوتٍ مبحوحٍ لا يسمعه أحد: ـ أهدي يا جود أنتِ ما خسرتيش القضية... لكن القانون هو اللي خسر عدالته. لم تشعر جود بشيء، كأن الأرض سُحبت من تحت قدميها، وكأن الصوت الذي دوّى في أذنها لم يكن صوت القاضي بل صفعةً على كرامتها. قبل أن تنهار تمامًا، كان يامان أول من تحرّك ركض نحوها بخطواتٍ سريعة لكن قلبه كان يشتعل خوفًا، مدّ يده بخفّةٍ ثم أمسك كتفها بقوةٍ ليمنعها من السقوط، وضع كفَّه على رأسها بحنانٍ غلب عليه الارتباك، ثم ضمّها إلى صدر رفع رأسه وهو يلتفت حوله بتلهّفٍ وحذر، وفجأة لمحه…يقف على بُعد أمتارٍ قليلة، بثوبه الأسود وسُترةٍ غطّت أغلب ملامحه، لكن ابتسامته الساخرة كانت واضحة كالشمس تجمّدت نظرات يمان عليه، عضّ على أسنانه بقهرٍ مكتوم، وضمّ جود بقوةٍ أكبر إلى صدره وقال: ـ جود دي مش نهاية القضية ده حكمٌ مؤجّل. أقسم بالله، أقسم بالله يا رشاد… نهايتك هتكون في الجلسة الجاية. لكن جود لم تكن تسمع شيئًا. كل ما تبقّى في وعيها هو صدى صوت القاضي وهو ينطق بالحكم، ونظرة المحامي التي لم تفهم معناها بدأت أنفاسها تتسارع، وارتجف جسدها الصغير بين ذراعي يمان حتى خارت قواها تمامًا حينها تدخّل العقيد بخبرة الميدان، اقترب منها وامسكها من ذراعيها بقوةٍ وهو يهزها برفق: ـ جود، فُوقي ده مش وقت الانهيار شوفي رشاد! واقف وشايفك وشمتان فيكِ، هو ده اللي عايزه؟! رفعت جود رأسها ببطءٍ وكأنها تخرج من غيبوبة، تبعت نظرات العقيد لترى ما يشير إليه يمان، وهناك… على الطرف الآخر من القاعة، كان رشاد ما زال واقفًا، يرفع يده يلوّح بابتسامةٍ تنزف شماتة، ثم اختفى بين الناس الازدحام التفتت نحو يمان وقالت: ـ شكل قضيتنا ما انتهتش يا يمان وهتطول. أبتعد عنها عندما أدرك الوضع وقام بعدل ملابسه ثمَ مدّ يده نحوها باحترام، وبعد أن أدّى التحية العسكرية قال بثباتٍ يشبه القسم: ـ وأنا جاهز يا فندم لإتمام المهمة حتى لو بعد قد إيه صمت يمان لثوانٍ، ثم قال بتوترٍ واضح: ـ بصي... هو أنا عارف إن الموضوع غريب، بس أنا كنت مأجله من زمان، ومش عارف دلوقتي أخد الخطوة ولا لأ. نظرت له جود بتعجب، وأشارت له أن يُكمل، وكأن الكلمات عالقة في حلقها. أخرج خاتمًا من جيبه، ووضعه أمامها بخجلٍ لم يعتده أحد منه. استردت وعيها تدريجيًا وهي تنهض من على الكرسي، تحدق فيه باندهاش وقالت وهي تضع يدها على رأسها بألم: ـ أوعى تكون يا يمان عاوز تتقدّم لي... وإحنا في المحكمة؟ وبالمنظر ده؟ وفي الحالة اللي أنا فيها دي؟! كتم العقيد ضحكته واضعًا يده على فمه، وخلفه بعض الضباط الذين بدأ كلٌّ منهم ينظر في اتجاهٍ آخر كي لا تنجرح من ضحكاتهم المكتومة. أما يمان فحمحم بإحراجٍ وقال: ـ يعني بصي... هو الموضوع غريب شوية، بس اعتقد إننا بنعمل أي حاجة فدا مصر، وعلشان المهمة تبقى صح... فلازم نضحي لأجل مصر... وعيون مصر... وشطارة مصر. قطّبت حاجبيها بشك وقالت: ـ اممم يعني المهمة مش هتنجح إلا لما نتجوز؟ رفع كتفيه بحركةٍ تنم عن الجهل بالأمر، فالتفتت إلى المحكمة، ثم إلى المحامي الذي ما زال يُرتّب أوراقه ويتحدث مع بكار، قبل أن تزفر بجهدٍ وتقول وهي تمد يدها له: ـ وأنا موافقة... كله لأجل مصر، ونجاح مهمة مصر! ابتسم وهو يقترب منها ليضع الخاتم في إصبعها، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وسألته بتردد: ـ هو ده... نفس الخاتم؟ نظر إليها باستفهامٍ في البداية، ثم ما لبث أن أدرك ما تعنيه، فهزّ رأسه نافيًا بصمت عندها أعادت يدها له بثقة، فوضع الخاتم بأنامله. تعالت التصفيقات من حولهم، وضحك الضباط بتعجب وقال أحد أصدقاء يمان مازحًا: ـ طول عمرك يا يمان غريب الأطوار في كل حاجة، حتى اليوم اللي هتكمل فيه نص دينك... نظر إليه يمان بحدّة، فابتلع الآخر كلماته سريعًا وأكمل مصححًا: ـ أقصد يعني... لأجل مصر طبعًا! في قلب المحكمة ولسه خارجين من قضية فاشلة؟! إيه ده؟! أنهى كلماته بضيقٍ ساخر وهو يغادر واضعًا كفًّا على كف، لتنفجر الضحكات من خلفه. ومن هنا... بدأت قصةٌ جديدة، بأحداثٍ جديدة. عزيزي القارئ تمت بحمد الله لكن مهلاً… لا تحزنوا، فالنهايات الحقيقية لم تُكتب هنا فكل حكاية تنتهي تترك خلفها خيطًا صغيرًا يقودنا إلى بدايةٍ أخرى. ولأن القدر لا يهوى الفُراق، ستجدون يمان وجود مرةً أخرى، ولكن في مكانٍ آخر… بين رمادٍ فاضت به الروح عشقًا. فهناك، ستكتمل الحكاية التي لم تنتهِ بعد. راقبوا الرماد حين يفيض… فهناك ستعود الأرواح التي ظننتم أنها رحلت "لا بجد الأرواح هترجع مرة تانية مش بهزر ههههه انتظرونييي" دمتم سالمين

تعليقات
إرسال تعليق