رماد التنين(الجزء الأول)
📜 الفصل الأول 📜
هواء الحرية… أنقى ما يلامس الروح. لم يتذوق شهم هذا الإحساس منذ عشرين عامًا، منذ أن أُودع خلف أسوار السجن بتهمة قتل. والآن، يقف خارج الزنازين، يحدّق في الأفق، يحاول جمع أنفاسه قبل أن يسلك الطريق الذي خطّه في ذهنه طويلًا: طريق الانتقام، وقوده الوحيد طوال فترة سجنه، يمنحه القوة والصبر والعزيمة. على وجهه أثار جرح، يمتدّ على طول خده، كأنه يرفض الالتئام. المظهر ينفّر الناظرين، والالتهاب يزيده بشاعة. الألم ينهشه، لكنه اعتاد كبحه. تحوّل من فتى بسيط لا يعرف غير حرث الأرض وتنظيف الزريبة، إلى رجل صلب كالتنين، جلده قاسٍ كالحراشف، ويده إذا ضربت قطعت، ونظراته تسلب اللون من وجه الخائف. كان يرتدي فانيلة باهتة تهلهلت عند العنق وتحت الإبطين، وفوقها قميص قديم مفتوح الأزرار، يتمايل مع الهواء بلا اكتراث. مرّر أصابعه في شعره الكثيف المبعثر، ثم ألقى نظرة أخيرة على الحارس الذي ودّعه بابتسامة متمنّيًا له حياة هادئة. ـ أراك قريبًا. قالها بثقة، وهو يدرك أن ما ينتظره لن يبقيه حرًّا طويلًا؛ إمّا العودة إلى السجن أو الموت. ومع ذلك سيمضي. توقف عند الطريق، ينتظر وسيلة توصله إلى قريته. ساعتان مرّتا قبل أن تتوقف أمامه سيارة فاخرة تقودها امرأة. فتحت باب المقعد بجانبها: ـ شهم، أليس كذلك؟ اقترب بحذر، وأدخل رأسه: ـ من أنتِ؟ ـ ظمياء… ألم يخبرك نادر عني؟ حك لحيته الخشنة، ونبرته جافة: ـ تأخرتِ. ـ أراك ما زلت واقفًا… هيا، اركب. جلس بجانبها، فارتسمت نصف ابتسامة على شفتيها. ـ الناس لن يسمحوا لرجل يقف قرب السجن أن يركب سيارة مثل سيارتي... خصوصًا إذا كان شكله… قاطَعها بحدة: ـ ما علاقتك بنادر؟ ـ تعرفنا منذ دقائق، وبدأت تستجوبني؟ هل تريد أن أرميك؟ قال في نفسه: يا لجرأتها، تخاطب محكومًا مثلي بهذه النبرة. مدّت يدها، وأخرجت مسدسًا من جانب المقعد: ـ أي حركة وستُعتبر دفاعًا عن النفس. ـ لا داعي للتهديد يا سيدتي. نحن في صف واحد. ـ جيد، إذن سأوصلك لبيت خالتك. هل تريد التوقف في مكان آخر؟ ـ لا. ابتسمت: ـ سأساعدك بصفتي إعلامية. لكن احذر، لن أنشر شيئًا بلا دليل. ـ عملك يقتصر على التشهير… وهذا ما أريده. ـ نادر يعرف موقفي. لن أعرّض عملي للخطر. ـ يبدو أنه يضغط عليك. ـ قلت لا يعنيك… سكتت، لكن ذهنها انجرّ إلى ذكرى قديمة. قبل سبع سنوات، كانت صحفية مغمورة في صحيفة بالكاد يقرؤها أحد. اعتقدت أن شهادة الإعلام ستفتح لها أبواب الشهرة، لكن الواقع كان أقسى. طلقها زوجها بسبب غيابها المستمر، وانتزع حضانة طفلتها. هرعت وراء الأخبار لعلّها تظفر بسبق، لكن الفقر أحكم قبضته على حياتها، واليأس استوطنها. حين أجرت مقابلة مع سجين متهم بقتل ابنته، صدقته على عكس الجميع. هناك لمحها نادر. وقبل مغادرتها اقترب منها وقال: ـ اتصلي بي، أيتها الصحفية. لم تكترث، فأردف: ـ عندي خبر يوصلك إلى القمة. وكانت كلمة "القمة" سحرية. سلّمته بطاقتها، وبعد أيام اتصل. كشف لها كذب السجين مقابل بعض الخدمات. قبلت، ومن هناك بدأ صعودها حتى حصلت على برنامجها الخاص واستعادت طفلتها. والآن… حان وقت دفع الثمن. قطع صوت شهم شرودها: ـ الموسيقى هذه الأيام مقيتة. ـ اقتربنا من بيت خالتك. ـ الشوارع تغيّرت… مثل الموسيقى، للأسوأ. ـ اتصل بخالتك لتخرج إليك. ـ لا داعي. أنزليني هنا، سأجد طريقي. أوقفت السيارة، قالت بلا مبالاة كأنها لا تريد الانجراف في حوارات معه: ـ بالتوفيق إذن. ترجّل مبتسمًا ابتسامة مالحة، وأغلق الباب. لم يبتعد حتى سمع صوتًا يناديه: ـ شهم؟ شهم! هل أنت شهم؟ التفت، فإذا برجل مسن في جلباب بني باهت، حافي القدمين، شعره متلبد، وجهه أسمر متعب. ـ لم تتعرف علي؟ أنا أبو علا… شهدت معك في قضيتك. ابتسم شهم بأسى، أمسك بيد الرجل وقاده إلى دكان صغير، اشترى له عصيرًا. ـ ماذا حصل لك؟ ـ كبرت يا ولدي. أولادي رحلوا، وزوجتي ماتت. بقيت وحيدًا. وأنت؟ خرجت من السجن؟ ـ بعفو. هل تدلني على بيت خالتي؟ ـ بيوت كثيرة هُدمت هنا… تعال، أوصلك. وصلا إلى بيت قديم متشقق الجدران، تعلوه أعشاش مهجورة. فتحت الخالة الباب، وما إن رأت شهم حتى ارتمت في حضنه تبكي بحرقة. احتواها بذراعيه العريضتين، وهو يراعي ألا يخنقها. بعد الترحيب قال: ـ سأتركك الآن يا خالتي. ـ لكنك وصلت للتو. ـ أريد زيارة أمي… اشتقت إليها. سأذهب لقبرها. -هي أيضا اشتاقت لك يا ولدي أوصل لها سلامي... عند المقبرة، وجد شاهد القبر الطيني متآكلًا والاسم يكاد يختفي. لم تخرج دمعة؛ فقد جفّ النبع. قرأ الفاتحة، ثم دفع مالًا للعامل ليعتني بالقبر. أخرج هاتفه، اتصل برقم أعطاه نادر: ـ أنا شهم الخليلي. ـ حسبت أنك لن تتصل. ـ متى نلتقي؟ ـ الآن، سأرسل العنوان. ذهب إلى مقهى شعبي، فرأى رجلًا يدخن الأركيلة. رفع رأسه مبتسمًا بأسنان ذهبية: ـ يا ولد، أحضر كأسين شاي. ثم أشار إلى نفسه: ـ أنا حامد. تصافحا، وأردف حامد: ـ لندخل في صلب الموضوع… كان محور الأحداث عائلة تملك ماضياً لا ينساه شهم؛ تلك العائلة تسكن عزبة تحيط بها فدادين ناثرة على شكل دائرة حول البيت الكبير المبني على الطراز المناسب للمكان. ركض أحد العاملين فيها وهو يمسك جلبابه بفمه، وعرق يتصبب من طرفي حاجبيه، وبقايا نعل مهترئ تلتصق بقدميه. صرخ بكلمات غير مفهومة حتى وصل إلى البيت: -الحاج منصور… أين الحاج منصور؟ رمقته الخادمة المتشحة بالسواد من رأسها حتى أخمص قدميها بازدراء: -لماذا تصرخ؟ -أين الحاج منصور؟ يجب أن يعرف بالخبر، ناديه فورًا. -يعرف بماذا؟ لم ينتظرها؛ اندفع نحو الداخل، خلع نعليه عند الباب، وظل ينظر من حوله بعينين تائهتين، يلهث ككلب عطش. لاح شبح الحاج منصور يسير بقلق بحثًا عن مصدر الصوت الذي قطَع هدوء بيته: -لماذا تزعجنا بهذا الصراخ؟ -حاج منصور، لدي خبر… خبر سيء. تضاعف القلق عن وجه منصور وقطب حاجبيه: -ماذا يا ولد؟ لماذا لا تتكلم؟ -أعتذر يا حاج… لقد جفت لساني، جئت راكضًا من المخفر إلى القصر. خفق قلب منصور، وقال: -قلت مخفر؟! صرخ على الخادمة لتأتي ببعض ماء فشرب منه ناقل الخبر، ثم قال بصوتٍ مثقل: -خرج من السجن المركزي؟ شهم الخليلي؟ أخرجوه بعفو! تجمدت ملامحه في برهة، ثم التفت إلى الشاب وهو يندفع إلى الهاتف: -تعال فورًا… قلت فورًا… لقد خرج الحقير. لم يمر وقت طويل حتى دخل عليه رجل يعرج يرتدي جلبابًا نظيفًا، يمسك عصا منحوتة ويعتمر قبعة، فاتسع وجهه حنقًا: -ماذا تقول يا حاج منصور؟ ذلك المجرم خرج من السجن؟ كيف؟ وبأي وسيلة؟ نظر له منصور بغضب مكبوح: -علوان، لا تطرح أسئلة كثيرة. سنذهب إلى المخفر لنستعلم. لن أجلس مكتوف اليدين، هذا قاتل خرج من السجن. تأبط منصور إبّط أخيه علوان، محاولًا ألا يُحرجه بسبب عرجه. وصلا إلى المخفر، ودخل منصور بغضبٍ مهيب إلى مكتب رئيس المخفر، الذي جلس أمام كأس شاي وبعض الكعك الرخيص. صاح منصور: -ألم تؤكدوا أنه لن يخرج أبدًا؟ رد رئيس المخفر بهدوء محاولًا التهدئة: -يا حاج منصور، هذا كان قبل عشرين عامًا. الأمور تغيّرت، وقد أمضى شهم أكثر من المدة المقررة… قاطع علوان بغضب: -إنه قاتل! لو كنت مكانكم لما سمحت له بالخروج. تنهّد رئيس المخفر ونظر إلى علوان بشفقة: -دخل السجن صغيرًا وخسر كل حياته كما خسر والدته وأخته. صرخ علوان: -لقد استحق ما فعلته يداه. الآن اذهب وألقِ القبض عليه! هز رئيس المخفر رأسه قائلاً: -سأوقفك هنا، يا حاج علوان. لقد خرج بعفو شامل، من اجتاز عشرين عامًا من حكمه، وكان سجنه من دون سوابق. هذا قرار من جهات عليا، ليس بيدي. ضغط منصور على أسنانه بعصبية: -أغدقنا عليك العطايا لتجعل حياته جحيماً، وها أنت تفرّج عنه! تذكر أنك أمام زعيم هذه القرية الصغيرة، يا رئيس المخفر! نهض منصور كما لو أن كلامه رصاصةٌ، وتبعه علوان، فصفقا الباب خلفهما وخرجا مدويين، كأن الأرض تهتز تحت خطواتهما. كان عقل منصور يصول ويفكر بكل الوسائل لردّ عدوه إلى السجن؛ إن لم يستطع شنق رقبته سابقًا، فقد يجد طريقًا الآن. لم يكن العدو كباقي الرجال. بعد أن أنهى مشواره مع حامد بدل ملابسه وذهب الى مشوار أخر يعتبره اهم من كل مشاويره. وجوده شتّت انتباهها تمامًا وهي تلقي كلمتها في مؤتمر حقوق المرأة، في القاعة الزجاجية بالمكتبة العامة. حجزت اللجنة المكان، وأرسلت متحدثتها الرسمية التي لم تخذلهم يومًا بطول لسانها: رؤية الناصر. تنقَّلت عيناها بين الحضور على الكراسي النحيلة، تلتقط تعابير وجوههم وتقرأ ردود أفعالهم لكل كلمة قاسية تنطق بها. شرحت قسوة حياة المرأة العربية في ظل حياة يضع فيها الرجال العراقيل أمامها كي لا تسبقهم. أثارتها وجوه المستمعين المتحركة بلا وعي -إلا هو. الرجل الذي حدق بها بلا تعابير، بلا اهتمام ظاهري؛ عيناه مسلّطتان على وجهها كما لو كان يتلاعب بروحها. بدأ وقتها ينسلّ من بين يديها، وتحول كل تركيزها إلى ذلك الواقف أمام رفوف الكتب: يتكئ على الرف، قميصه الأبيض مرفوع الكم حتى الزند، صدره مكشوف حتى الزر الثالث، يد في جيبه، والأخرى تحك ذقنه المشعث، تخفي نصف طبرة عند صدغه الأيسر. ظل سؤال يتردد في رأسها كطرق خفيف: مَن هذا؟ انتهت من خطاب استغرق نصف ساعة، سارعت تبحث عن الرجل الغريب، لكن المكان بدا فارغًا كأنّه لم يكن موجودًا أصلاً. وقفت محتارة، لا تبال بجموع الحاضرين؛ ابتسمت بعض النساء لتهنئتها، وانتقد بعض الرجال بنودًا من كلامها فتلقّتهم بردود عفوية، بينما عقلها مربوط بخيطٍ رفيع ممدود إلى ذلك الغريب. -ماذا بك؟ التفتت إلى صديقتها ومساعدتها، التي همست بقلق: -شخص ما كان واقفًا هنا. أثار في قلبي رهبة. -أخبريني بمواصفاته، سأستدعي الأمن… -الأمن؟ ليس إلى هذا الحد. -دعينا نخبر الأمن ... لكن رؤية لم تستمع. ركضت بكعبيها العاليين، شعرها المصفوف بعناية خلفها، مصممة على كشف لغز ذلك الرجل الذي زرع أثرًا غامضًا في أعماقها. لم تكن النظرات عابرة؛ الطاقة التي شعرت بها حذَّرتْها من نية خطرة خلفه. تفحّصت كل ركن في المكتبة، لكنه اختفى فجأة، غامضًا كظلٍّ ذاهب. طوال الطريق إلى البيت ظلَّت مشغولة الفكر والفؤاد بهذا المراقب. لم تشعر يومًا بهذا الانشغال؛ شيءٌ ما في نظراته أشعل فيها خوفًا لم تعرفه من قبل. مع اقترابها من حدود المدينة، هدأت الأصوات، واستبدلت ضوضاء السيارات بنداءات الأبقار في الحقول. تحولت الشوارع إلى مسالك ترابية، فتذكّرتها السيارة بهدوء الرحلة إلى البيت. انهالت عليها الرسائل على الهاتف عن المؤتمر، تهاني ومطالب بدور أكبر لها في الحراك النسائي. حاولت زميلاتها دفعها لتصبح واجهة التغيير، وكانت هي ــ بحق ــ الصوت المطلوب. نزلت أمام بيت والدها، الجامع للعائلة. كان البيت مجموعة غرف متلاصقة بمدخل واحد، تحت راية قائد العائلة: منصور الناصر، الذي تولى الأمور بعد وفاة والده. لم يكن ثمة مجال للكثير من النقاش؛ الأخوان منغمسان في شؤونهما، والقرار بالعيش في هذا القصر التقليدي اتُّخذ بالإجماع. دخلت بلا مبالاة، متجاهلة الفتاة المكلفة بالتنظيف، التي كانت تجلف البلاط بعنف. لم تجرؤ الفتاة على رفع رأسها أمام رؤية، فذهبت لتعيد تنظيف مكان الطين الذي تركه آثار حذاء رؤية على الأرض. قبلت رؤية رأس عمتها فخرية، أرملة في أواخر الخمسين، ذات هالات داكنة تزيد من شدّة ملامحها البائسة. سلمت على الجميع، ووزعت بعض الحلوى على الأطفال، فتململت والدتها محذرة من تقديم الحلوى قبل العشاء، لكن رؤية لم تستمع الى التحذيرات. استبدلت ملابسها واستراحت قليلًا، ثم اجتمعت العائلة على مائدة العشاء. لأول مرة منذ زمن لم يجلس الحاج منصور على رأس المائدة، فأثار غيابه تساؤل الجميع. بررت ابتهال (زوجته) باختصار سبب غيابه. بعد العشاء توجهت رؤية لتطمئن على والدها في غرفته الخاصة بالاجتماعات. وقفت عند الباب الموارب، فإذا بصوت منصور يلعن، وعلوان يرد: -سنجد حلًّا. سنقتله، ونواري جثته… لن يجد لها أحد أثرًا. -ماذا تقول يا علوان؟ -سيأتي لينتقم، عاجلًا أو آجلًا. حدق منصور بغضب ليكمل علوان: -إنه مجنون، لا ندري ما قد يفعل. وضعت رؤية يدها على فمها؛ أدركت الحقيقة فجأة وقفزت مبتعدة قبل أن يخرج والدها. قال منصور: -علينا أن نخبر الجميع بخروجه… لمحتها عيناه بنظرة خاطفة، فادّعت الانشغال بقراءة كتاب. اقترب منها وهو مثقل بالهموم: -رؤية، هل سار المؤتمر بخير؟ ابتسمت وهي تغلق الكتاب: -الحمد لله. طلب من الخادمة جمع الجميع في غرفة الجلوس وتحضير القهوة. جلسوا يرمقون منصور المتربّص على الأريكة، كمن يستعد لمعركة. بدا القلق واضحًا على وجوههم. تأكد من حضور الجميع ثم قال: -أين هادي؟ أجابت خولة: -لديه امتحان. صاح منصور على الخادمة: -اطلبي من الدكتور هادي الحضور فورًا. عاد الصمت الثقيل يلفّ المكان. دخل هادي، طالب الطب في سنته الرابعة، طويل القامة، نحيل، خالٍ من الشعر على وجهه، نظراته حادة تمسح الحضور بريبة. جلس وسلم، فقال عمه: -كلكم تعرفون القاتل الذي اعتدى على علوان. لقد كاد أن يقتل أخي، ولا تزال آثار ذلك في جسده. تجوّل بعينه بين الجالسين: زوجته ابتهال، أخته فخرية، ابنته رؤية، ابنه الأكبر ساهر، ابنه الأصغر غيث، وزوجتاهما. كانوا قد سمعوا الحكاية مرارًا. أكمل منصور: -دخل السجن في السادسة عشرة، حوكم كبالغ… حتى والدته انتحرت بعد أسبوع من سجنه من شدة العار. عمّ الحزن والوجل. سأل الابن الأكبر ساهر متردّدًا: -أبي، حكم عليه ثلاثين عامًا، فكيف خرج بهذه السرعة؟ تنفّس منصور: -عفو مشروط. كان من ضمن قرار يشمل من أمضوا عشرين عامًا. لكن لا تقلقوا، سأجعل حياته جحيماً. احذروا منه، فقد يحاول أن يخدعكم. -وكيف نحذر؟ سأل أحدهم. قالت رؤية بلا تفكير: -كيف يبدو هذا الرجل؟ أخرج علوان هاتفه وأراها صورة حديثة لشهم التُقطت في آخر يوم في السجن. اتّسعت عينها ذهولًا؛ نعم، هو نفسه الذي راقبها في المكتبة. ثم توقفت أفكارها عند سؤالٍ واحد يحترق في صدرها: لكن لماذا يراقبها؟ --
📜 الفصل الثاني 📜
ذهب ساهر، الابن الأكبر لمنصور، خلف بناية في موقع العمل ليأخذ استراحة قصيرة ويدخن سيجارة. اقترب منه شبح رجل فاستدار ليجد شهم أمامه. -ماذا تريد؟ -كنت أتوقع استقبالًا أكثر ألفة، يا ساهر! نفث دخانًا من سيجارته، ولم يبدُ عليه أي صدمة لرؤية شهم، كأنه توقع قدومه. -مبارك عليك خروجك من الحبس. لقد فاجأت الجميع، وأنا أولهم بخروجك على قدميك من هناك. نبرة ساهر غير المبالية والممتلئة بالتهكم أثارت شهم، فأجاب: -طبعًا، فقد حرص والدك على فعل العجائب بي. ياله من حقير يتنمر على طفل. -شهم، توقف عن الهراء وأخبرني ماذا تريد؟ إن كان المال، فأنا لن أعطيك فلسًا، فهمت؟ -في الحقيقة، أتيت لأعيد لك المال الذي أعطيتني إياه في السجن. لقد ساعدني فعليًا. زفر ساهر، وحك لحيته الحليقة، متذكرًا يده المرتجفة يوم أن أخرج أمواله بصعوبة ليعطيها لشهم، علّه يصرفها على ملذات السجن الزهيدة. لقد فعل ذلك لأنه عرف أن والده وعمه لن يتركا شهم ليعيش طويلاً، وشعر بالحزن وربما بالذنب تجاه الشاب الصغير. أعاد شهم على مسامعه ما شعر به طوال فترة الحبس: -لقد كنت تعرف الحقيقة وفضلت الصمت. -فضّلت عائلتي، ألم تفعل أنت نفس الشيء؟ لقد كدت تقتل عمي. -يا للأسف، فشلت في المهمة، لكني سأُنهيها... -لا تكن غبيًا يا شهم، لا تضيع حياتك على علوان. صدقني، ما حصل له أقسى من الموت نفسه. -هل انقلبت الآن عليهم، عائلتك؟ -لن أنقلب أبدًا على عائلتي، لكن مؤخرًا أشعر بالاختناق. -أخوك الآخر يسرق منك الأضواء. نظر له ساهر بلا كلام، والنظرة وحدها كفيلة بالرد على شهم، فقد كانت ممتلئة بالمرارة والغضب. همس شهم: -لطالما كان جشعًا منذ الطفولة، لديه نظرة ابن أوى... -اسمع، لا أريد أن يعرف أحد بشأن موضوع الأموال... -لن يعرف أحد. خذ. سحب شيئًا من جيبه وسلمه لساهر قائلًا: -هذا مالك، والآن أنا غير مدين لك بأي شيء. أنت كبقية عائلتك لا تفرق عنهم. ابتسم ساهر بمقت ورد وهو يستمر في نفث الدخان: -لا تتظاهر بالبراءة يا شهم، ولا تتدخل في حياة عائلتي. فلا قدرة لك علينا مهما كان حجم المشاكل. نحن متحدون، فلا أحد قادر على اختراق صفوفنا، لذا احذر! تركه شهم بابتسامة جانبية، ناهياً الحديث بقوله: -سنرى. رآه غيث، الابن الأصغر لمنصور، وهو يبتعد، وربما قصد شهم أن يزرع روح الشك بداخله تجاه أخيه ويزعزع ثقته. اقترب غيث من ساهر وقال بارتباك: -هذا... هذا... ماذا كان يفعل؟ -يحاول أن يبدو ذكيًا. -لا تعطه المجال ليتحدث معك، إنه عدو لعائلتنا، وأبي حذرنا منه. انظر لما فعله بعمي، لا تريد أن ينتهي مصيرك كمصيره، ستكون كارثة... أثارت ضحكته التهكمية غضبا داخليا لساهر، لكنه لم يقل شيئًا، ظل ينفث الدخان متواصلًا، ليكمل غيث: -هل ستخبر والدي؟ -لندع والدي خارج هذا الأمر. قلت لك إنه لا شيء، فلماذا نقلق راحة أبي بسببه؟ -أنت محق، إنه بعوضة، لا حاجة لنا بالاكتراث له، ولكني لا أفهم لماذا توجه إليك؟ لماذا أنت بالذات؟ ابتلع ساهر ريقه بصعوبة، وعيناه زاغت بعيدًا عن غيث، وهتف محاولًا إخفاء اضطرابه: -ربما لأنه يتذكرني من أوقات طفولتنا. لا تنس، فقد كان يعمل فلاحًا في المزرعة التي ملكها جدي رحمه الله، وأنا أكثر من تصادم معه. -كنا صغارًا يا ساهر، ووكله جدي برعايتنا حين نذهب إلى أرض المزرعة. هل تعتقد أنه سيتذكر ساهر الذي يأكل بلا توقف ويكره لعب كرة القدم؟ عض ساهر على شفتيه غضبًا وقال من تحت أضرابه: -ربما كان هنا ليتحدث عنك يا غيث. استرعى انتباه غيث الذي هتف مقوسًا حاجبيه: -عني؟ عني؟ ولماذا يتحدث ذلك البائس عني؟ -اذهب واسأله بنفسك. تركه ساهر، محدثًا ضجة في داخله، يتساءل إن كان ما قاله أخيه صحيحًا أم أنه مجرد تلاعب. سار خلفه ممتعضًا: -ساهر، الأمر ليس مزحة. -مع هذا، أراك تمزح كثيرًا، أم أن الأمر ليس بمزحة حين تكون المزحة عنك؟ توقف غيث، واستمر ساهر بالسير غير آبه، والغضب بينهما يشتعل. عاد ساهر إلى البيت مبكرًا، فلم تتعجب زوجته لأن الأمر متكرر، ليس أول مرة يعود فيها وهو مكتظ بالغضب الداخلي. -هل يزعجك غيث مرة أخرى؟ -أعدي لي بعض الشاي، رأسي يكاد ينفجر. استغرق في تبديل ملابسه، لتقول له زوجته: -لماذا لا نحصل على الاحترام في هذا البيت؟ أنت الأخ الأكبر، ومع هذا لا يحترمك أحد، ابتداءً من أبيك وانتهاء بتلك المتعجرفة أختك. أغلق عينيه لاعنًا اللحظة التي وُلِد فيها، وأجبر نفسه على الاستماع لما تقول. لم تكتفِ بما قالت، وأكملت: -عليك أن تضع حدًا... -يكفي بالله عليك. -أنا الخائفة على مكانتك، تطالبني بالسكوت ومن يقللون من... -سأخرج... تركها وخرج، ورأسه يكاد ينفجر، فالتقى بوالده في الطريق. -ساهر... -هل هناك مشكلة؟ -مشكلة؟ -أراك تعود إلى البيت مبكرًا... -غيث يقوم بالواجب، وأنت من أعطاه كافة الصلاحيات. استشعر منصور نبرة الغضب في صوت ابنه، فأجابه ساهر مسترسلًا: -أنا لن أكون عاملاً تحت يد أخي الأصغر... -من قال إنك تعمل تحت يد أخيك الأصغر؟ أنتما تعملان سوية! -كلا يا أبي، أنا الأكبر، لذا على غيث أن يعمل تحت أمري، أليس هذا ما يحصل بينك وبين عمي علوان؟ صُعق منصور من كلام ابنه، لكنه عرف أن هذا أمر طبيعي، تقليد الأبناء لما يفعله الآباء. هو يسيطر تمامًا على علوان ويتخذ كافة القرارات الخاصة بثروتهم. قال منصور لابنه بعد أن أدرك خطورة الوضع: -ساهر، لا تدع الشيطان... -لا دخل للشيطان بالأمر يا أبي. -يا ولدي، لقد قتل قابيل أخاه هابيل بسبب الغيرة، فلا تترك الشيطان يتلاعب بك لتمقت أخاك. -الوحيد الملام هنا هو غيث وتصرفاته. حار منصور فيما عليه فعله، لكنه سيتفادى الكارثة قبل وقوعها، على الأقل هذا ما حرص عليه. -- تمدد شهم على سريرٍ صغير أعدّته له خالته في إحدى الغرف. لا يفهم لماذا تعاوده تلك الذكرى بلا توقف: يومه الأول في السجن. كان طفلًا عاجزًا وخائفًا، وسط حيتانٍ يطبعون أوشامًا على الجلد، يلبسون ألوانًا موحَّدة، وتظهر على صدورهم عضلات مفتولة وأسنان نخرها السوس. نظروا إليه كفريسة سهلة، لا أحد يحمِيه إن أرادوا به سوءًا. اقترب منه أحدهم وسأله: -ما تهمتك أيها الغر؟ رد شهم وقد ضلّ طريق كلامه: -لقد أطلقت النار على أحدهم. انطلق سؤال من السجين بفضولٍ مثار: -هل مات؟ همّ شهم وأجاب: -ألحقته ضررًا دائمًا. تابع الآخر: -كم ستبقى في السجن أيها الصغير؟ -ثلاثون عامًا. بهت السجين مندهشًا: -كم عمرك؟ -ستة عشرة. -لقد حاكموك كبالغ وزادوا في سنواتك! لابد أنك أذيت شخصًا ذو نفوذ. اغرورقت عينا شهم بالدموع وهمس: -لقد فعلت. وكررها كأنها اعترافٌ لم يفارق حلقه. نهض السجين واعطى نصيحة قاسية: -اسمع نصيحتي، هنا لا تظهر ضعفك، وإن فعلت دمّروك. انكمش شهم على نفسه، ترتجف كل أوصاله. تساءل بصوت خافت: -ماذا تعني؟ أليس المكان مصانًا بالحراس؟ كيف يؤذونني؟ قهقه الرجل بشفقةٍ قاسية: -يا ولد، ابقَ قريبًا مني، هذا أمانك. لا تبتعد، وانظر كيف تشدّك الحياة. تجوّل شهم بعينيه بين السجناء، والرجل الجالس يتحدث معه فترة. ثم نادى أحدهم: -شيخ نادر، تعال هنا يا شيخ... ابتسم نادر لشهم وقال: - تعال بعد الغداء إلى زنزانتي، هنالك جماعتي، الانتماء هو ما سينقذك هنا. تركه نادر وذهب، ثم عاد وهو يردف بلكنةٍ حادة: -لا تتبعني كالفأر. قلت ابقَ قريبًا، ولم أقل اتبعني كظلي. هذا مزعج. وقف شهم جامدًا كشجرة مزروعة في أرضٍ قاحلة؛ لفت نظرَ الجميع، وابتعد نادر واقفًا بجانب سجين آخر يتحاوران بسرية. بينما هو واقف، تقدم رجل في أواخر الثلاثينات ووقف خلفه سائلاً: -عندك سيجارة؟ أدار شهم رأسه وهمس: -لا أدخن يا سيدي. قهقه الرجل وأشار إلى أصحابه: -يقول لا يدخن! كيف ستنجو هنا إن لم تحمل سيجارة أو حبوبًا تمنحك بعض القيمة؟ يبدو أن عليّ أن أضربك لنحصل على الحبوب. كان يقصد أن الضرب سيقوده إلى العيادة، حيث يبتزّون المهدئات أو يستولون عليها. انكمش شهم أكثر، فرد الرجل قبضته على رقبته بقسوة كادت تهشمها. لم يستطع شهم كبح دموعه، فاندلعت ضحكات العصابة. تابع الرجل ساخرًا: -صغير وغضّ، سيتراصف المعوزون على باب زنزانتك ولن يرحمك منهم أحدًا. سقط شهم متعبًا؛ بدا السجن أشد قسوة من عذابه خارجًا، وأدرك أن لا رحمة تنتظره هناك، وأنّ الجميع تخلّوا عنه بجلدٍ بارد. قطعت عليه خالته حبل الذكريات المرير حين نادته لتناول الطعام، فنهض شهم، مرسومًا على وجهه ابتسامة رقيقة لا يعلم أن كانت صادقة أم مجرد واجهة. جلس على الأرض أمام صينيةٍ متواضعة؛ فأخرج مالًا من جيبه وقال لها: -اشتري ما تريدين يا خالة. نادت مستغربة: -من أين لك هذا المال؟ -كنت أعمل في السجن، والآن أبحث عن عمل. -ومن سيقبَل بتشغيل مدانٍ سابقٍ هنا؟ تنفّس شهم عميقًا محاولًا طمأنتها: -لا تقلقي، سأجد عملاً، وستعود الأمور إلى نصابها. ثم همّت خالته بكلمةٍ أوقفت قلبه: -تركت لك أمك شيئًا، قالت أن اعطيه لك حين تخرج وتبلغ ثمانَ عَشَرًا. المسكينة لم تتوقع أن يقضي ابنها عقدين. حاز الكلام على انتباهه، فظلّ ينصت؛ عادت الخالة ومعها صندوق محكم القفل. فتحه بحرص، وكانت كلماتها تتقافز في أذنه: -بعض الصناديق من الأفضل أن تبقى مغلقة يا ولدي، لو لم تكن أمانة لما أعطيتك إياه أبداً. ابتسم شهم، وبرزت ندبته بوضوح على خده. سألته الخالة: -هذه الندبة طرية؟ كيف حصلت عليها؟ -في شجارٍ بالسجن، إما قاتل أو مقتول. -حماك الله. -الحمد لله. اختلى شهم بنفسه، وتبادل النظر مع مفتاحٍ صدئٍ يعانق الصندوق. تنهد وقال: -بسم الله. فتح الصندوق ليجد أوراقًا صفراء، خطّ الحبر تلعثم في بعضها. تفحّص الشهادات: أسماء العائلة كاملة، حتى اسم والده. تساءل بصوتٍ داخلي: وُلد والده في هذه القرية؟ هل جاءت والدتُه هنا بحثًا عنه؟ هل ظنت أنه فرّ إلى هذا المكان؟ شعَر غضبًا وحزنًا معًا؛ أمّه ماتت مكسورةً ومهجورة، وهي تبحث عن زوجٍ اختفى. كاد أن يغلق الصندوق حين لمح زاوية ورقة عليها جزء من اسم. سحبها مرعوبًا. كان الاسم: نادر الشيخ. رسالة من نادر إلى والدته، يخبرها باختصارٍ ألا تبحث عن زوجها وأنه «لم يعد يسير فوق الأرض» -تصريحٌ باردٌ يقول إن الزوج قد مات دون تفاصيل. تساءل شهم: ما علاقة نادر بوالدتي؟ كيف عرف عنها؟ ولماذا لم يخبرني؟ بدا أن الأجوبة لا بد أن تأتي من العودة إلى السجن، ومواجهة نادر وجهًا لوجه. — جسدها المتعب لا يبدو أنه سيشفى أبدًا. عنبر، التي تكدّ في أعمال بيت منصور الناصر، تنام على سرير حديدي صدئ في ركنٍ ضيق من المنزل، فتبدو الغرفة زنزانة صغيرة. ضوءٌ أصفر على الطاولة، وصندوق تحت السرير يحوي خرقتين تغطيان جسدها بالتناوب. أمسكت عنبر بدفترٍ أخفته تحت فراشها؛ قلم أوشك الرصاص فيه أن ينفد من كثرة الكتابة. قد اقتبَسَت فكرة الدفتر من رؤية؛ تعلمت من سيدتها أن الكتابة تداوي. عنبر، إذ هي أسيرة لا تُرى ولا تُسمع، قررت أن تكتب ما لا تملك أن تقوله. تسللت إلى غرفة رؤية عندما لاحظت دمعة كتومة على خدها. تنصّتت من خلف الباب الموارب، ثم عدت لتقرأ ما كتبت رؤية في دفترها الذهبي. تعلمت عنبر أن القوة في البيت مجرد قناع، وأن رؤية، رغم خطابها العام، تقف أحيانًا كطفلةٍ على حافة الانهيار. قررت عنبر أن تدون خواطرها، رغم أخطاء إملائية كثيرة؛ كان الدفتر متنفسها. كتبت: " سأصبر. أخي خرج من السجن وسيأتي لينقذني، هذا من طبعه ألا يترك عائلته تتأرجح. عانيت كثيرًا، وكُسر جناحيَّ؛ لكني أصلي أن يُرد الحق." ابتسمت عنبر وهي تقرأ كلماتها، وقالت خافتة: -لقد صِرت أكتب كأنني أملك صوت رؤية. ثم كتبت عن أمها: " قبل عشرين عامًا ماتت أمي بقلب مكسور. آخر أمنيتها أن ترى أخي شهم مرةً أخرى. بقيت معها طفلة أتلوى من الحزن. تركتني ولا املك منها سوى شهم" انهمرت الدموع على صفحات كلماتها، وغاصت في النوم وهي تتوسّد ذكرياتٍ رقيقة، وتحبس ألمها في سطورٍ قد تقرأها عيون لا رحمة فيها، أو قد تُرمى في صندوقٍ لا يُفتح. لا فرق شاسع بينَ غرفة المكتب التي تطرح فيها كلمات الرجال الثقيلة، وغرفة الجلوس حيث تدور أحاديث النساء، أحاديثٌ صغيرة لكنها لا تقل قسوة عن قرارٍ يحدد مصير أحدهم. اجتمعت نساء البيت كعادتهن، يتبادلن أطراف الحديث عن بعضهن البعض، فإذا غابت إحداهن صارت مادة للنقاش. كان هذا اليوم من نصيب زوجة علوان، خولة، التي ابتُليت بزوجٍ عليل تحاول تعويض نقص حياتها بأبنٍ تراه مستقبلها. دار حديث النساء حول موضوع تزويج هادي، والبحث عمن يملأ حياة خولة بأحفادٍ يبددون عتمة الأيام. -يقول إن فتيات القرية دون مستواه. قالت امرأة غيث منتقدة. -ربما يكره تدخل أمه في اختياره. ردت والدة زوجها. تداولن أسماء الفتيات وعيوبهن ومحاسنهن، حتى تطرقت المحادثة إلى ابنة تاجر التمر التي أعجبت بها خولة خلال أمسية مضت. شاركت ابتهال الحديث بتروٍّ، معتبرة أن الفتاة -رغم ثراء عائلتها -لم تكمِل تعليمها، وأن جمالها متوسّطٌ، بينما هادي يدرس في كلية الطب ويعرف عالمًا آخر من زميلات بأزياءٍ وعطورٍ متأنقة. همست ابتهال بكلمةٍ ثمينة أطفأت تساؤلات زوجتيّ ولديها: -إن هادي يحب فتاة لن يحصل عليها أبدًا. لم تذكر اسمًا، لكن عيناها اتجهتا بلا إرادة نحو عنبر، فارتفعت الهمهمات وانقلبت الأحاديث إلى أسئلة مباشرة عن سبب اخذ عنبر إلى كنف العائلة وهي أخت ذلك الرجل المسئول عن تدميرها. في تلك الأثناء مرت خولة من جانبهن ترمقهن بنظرة حادة، سمعت السؤال وهي تشعر أن الكلام يدور حولها. همست ردًا على السؤال الذي سمعته: -تلك الفتاة بقايا من لعنة لن تفك أبدا.. قالت فخرية أخت زوجها: -ما دخل الفتاة بكل ما جرى يا خولة. -اسكتي انت يا فخرية تدافعين عنها كأن الذي أهين بسبب عائلتها ليس أخا لك. -انت تعرفين تماما ماذا يفعل علوان... قاطعت ابتهال حوارهما لتهدأ الأوضاع: -الفتاة تعمل بجد مقابل لقمتها لنترك السجال بشأنها هتفت خولة: -انت تعرفين ماذا تمثل هذه الفتاة! همست ابتهال بهدوء: -انت لا تحنقين على الفتاة بسبب أمها، بل بسبب ابنك... ما دخلها إن كان هادي يحوم حولها! تجرأت فخرية فقالت: -اخطبي لهادي من يريدها قلبه، لا من تريدينها أنتِ. ليس أنتِ من ستعاشرها، بل هو. -لقد جننتِ يا فخرية! خادمة ابنة خادمة وضيعة واخت لمجرم! ردت خولة بغضبٍ واضح لتفجر الحقيقة بلا مواربة: خولة تعوّل على هادي ليملأ لها فراغًا استبدّ بها منذ إصابة علوان، تريد ذرية تعيد لها "مكانتها". -سأخطب له من أريدها أنا. قالت خولة بحزم استرسلت: -لا يهم أن يحبها، المهم أن يلد لي أطفالًا. -احذري ألا تحفري هوة بينك وبين ابنك بسبب تحكمك باختياراته! أجابت خولة فخرية: -وماذا تعرفين انت عن تربية الأبناء! شعرت فخرية بالانتقاص وتقهقرت مشاعرها أمام الإهانة المبطنة التي حصلت عليها من خولة المحملة بمرارة الفشل. ونادت ابتهال على عنبر لتهدأ الأوضاع طلبت منها صنع القهوة. ركضت عنبر، تلتقط الصواني بيدٍ رخوة، وعندما مرّت بجانب فخرية همست الأخيرة موجهة كلامها لخولة: -الآن ستعذبينها أكثر. -لا تتدخلي. قالت خولة بحدة. -أنتِ تريدين تعاسة الجميع لأنك تعيسة. ردّت فخرية مقاطعة بحزنٍ مختفى. وانصرفت إلى المطبخ، ولحقتها عنبر وهي تحاول ألا تبدو مرتجفة. قالت فخرية بصوتٍ رخيم دافئ. -عنبر يا ابنتي... -أنا بخير -أخبريني إن احتجت شيئًا. حاولت عنبر إخفاء ما يبرق في عينيها من جرحٍ قديم، فأمسكت صينية القهوة متتابعة الخطى نحو خولة. ما إن مدت فنجانًا حتى رمتها خولة بغضب: -سيئة... سيئة مثلك تمامًا! نظفي ما أفسدتِه يا بعوضة! انكبت عنبر على الأرض تمسح، وقد كتمت داخل صدرها وجعًا لا يستطيع أحدٌ أن يراه. صمتت، لكن قلبها كاد ينفجر بحزن لا تراه العيون القاسية هنا. -- جلست رؤية على كرسي أبيض في الأستوديو الذي دعيت اليه، مترقبة وقتها للبث المباشر، بينما تتنافس ظمياء والمصورون على اهتمامها. دخلت ظمياء بابتسامة مصطنعة، متجاهلة وجود رؤية، ما أشعل شعور الإحباط والغضب في قلبها. -أنسة رؤية، لقد سمعنا المؤتمر الذي اتسم بلهجته القوية ضد الرجال، ما رأيك بردود الفعل؟ -أنا لم أهاجم الرجال في المؤتمر، لكني هاجمت تحكم الرجال بمصائر النساء... تواصلت المواجهة بالكلمات والاتهامات، حتى كادت رؤية تفقد أعصابها أمام الكلمات المحرجة الصادرة من ظمياء، لكنها حاولت الحفاظ على هدوئها. ومع تصاعد الموقف، أدركت أن هذا الأسلوب لا يسعى إلا للفت الانتباه وفضح الأسرار، بما في ذلك أخبار العائلة، فرمت الميكروفون وتركت المقابلة. بينما كان شهم يراقبها من بعيد، يعلم أنها رأته، وأن الخطر الحقيقي يبدأ حين تعرف أن أحدًا يحدق بك، ينتظر الفرصة للانقضاض. بعد أن غابت عن ناظره، دخل شهم الإستوديو بخطوات ثابتة، متجهًا إلى المكان المحدد له، ليبقى هناك حتى ظهور ظمياء مجددًا بابتسامة ماكرة: -لقد ثارت كما قلت، يا شهم. تبادلا الحديث عن الأدلة والخطر الكامن في عائلة الناصر، خاصة عن علوان ومنصور، وعلاقتهما بنادر الشيخ. كانت ظمياء تلمّح إلى حاجتها للأدلة، بينما شهم يزن كل كلمة، ويعرف أن نشر أي خبر بدون حماية قانونية سيكون كارثيًا، لكنه مصمم على إيصال الحقيقة. في البيت، الصراعات اليومية وضغوط النساء على عنبر، وفي الخارج، عالم الإعلام والتهديدات المخفية التي تواجه رؤية، بينما شهم يقف خلف كل شيء، يراقب، ويخطط، ويبقي اللاعبين في مكانهم. -- في كلية الطب، توقف هادي مع أحد زملائه، مرتديًا الرداء الأبيض، وسماعة الطبيب حول رقبته للزينة، ليبدو كطبيب مستقبلي. كان الأطول بين زملائه، مرحًا في تصرفاته، لكنه متحفظ بالكلام. شهم لاحظه من بعيد! بعد قليل، لمح هادي الشبح الذي يراقبه، لكنه لم يبادله نظرة مباشرة. وعندما ابتعدت الطالبات عن المشهد، اختفى هادي وسط الحشود ذاهبًا إلى الحمام، تاركًا شهم يبحث عنه بين المارة، محبطًا. ثم جاء صوت من الخلف: -شهم، أليس كذلك؟ استدار شهم ببطء، ورد: -عذرًا، من أنت؟ -توقف عن الألاعيب، أخبرني لماذا تتبعني، ماذا تريد مني؟ ابتسم شهم: -ابن علوان ليس غبيًا مثله. كشر هادي بحدة: -اخرس أيها الـ... -اش! تحلّى بالأخلاق أيها الطبيب. -ماذا تريد مني؟ ماذا تريد من عائلتي؟ -أنت تعرف جيدًا، فلا تتظاهر بالبراءة. -تنتقم من أبي؟ -وأنقذ أختي... زفر هادي الذي لم يهتم لاختيار شهم له للحديث عن عنبر بينما شهم يعرف تماما إن هذا الفتى لديه مشاعر تجاه أخته: -هل تعتقد أنها ستكون بخير مع مجرم؟ لماذا لا تتركها؟ - اتركها عبدة لعائلتك؟ كلا يا هادي، لن أرتاح حتى أرى بهرجتكم الفارغة وقد تحطمت إلى أشلاء. رمقه هادي بجمود: -حاولت أن أفهمك أو أسامحك على ما فعلت بعائلتي. يبدو أنك مجرم ولم تتعظ من السجن. -تعرف مشكلتي، أنني لا أترك حقي يضيع مهما طال الزمن، تفهمني؟ استدار شهم ليغادر بلا اكتراث، وهادي يحملق به مذهولًا، يحاول استيعاب كيف يمكن لشخص أن يضيع نصف عمره في السجن ويعود لنفس المعركة. -- لم تطفئ نار الغضب في أحشاء رؤية بسبب ما قالته المقدمة، فالأخبار عن عائلتها انتشرت على نطاق واسع والكثير شاهدوه. فور دخولها البيت، بحثت عن والدها: -عنبر، أين والدي؟ كانت عنبر تمسح الأرض كعادتها، ولم ترفع عينيها، مكتفية بالرد: -في غرفته. انحنت رؤية إليها وصرخت: -ارفعي صوتك يا فتاة، أنا لا أسمعك! أعادت عنبر قولها بنفس الحروف دون زيادة أو نقصان. نظرت إليها رؤية بغضب، ثم ركضت نحو مكتب والدها. طرقت الباب ودخلت بلا انتظار، فرفع منصور عينيه، ويبدو أنه كان يشاهد البث الصباحي للبرنامج. وقفت دون حراك، يسمعها فقط: -لماذا تركتِ البرنامج بهذا الشكل؟ -لقد... أهانتني... صرخ فيها والدها: -الآن، ماذا أفاد خروجك بهذه الطريقة؟ أليس الأجدر بك السيطرة على أعصابك والرد بهدوء؟ كطفلة تتعرض للتأديب، وقفت بلا حركة. اقترب منها والدها، قائلاً: -كنت أعرف أن النساء تتحكم بهن المشاعر لا العقل. لا يهم كم مرة أعلمك طريقة التعامل مع الأعداء، في النهاية تهربين بدل المواجهة. -أبي... همست كمواء قطة ليصمتها: -لقد وصلتِ إلى مكانة جيدة، لكن هذه ليست نهاية الطريق. دللتك وأعطيتك الحرية، فإذا بك ضعيفة أمام كلمات بالية من شخصية صفيقة. -آسفة يا أبي. -يجب أن تخرجي وتكذبي الخزعبلات التي قيلت عنّا في البرنامج، فهي قالت أمورًا أخرى بعد خروجك. اذهبي واستمعي للحلقة مجددًا وتعلمي من أخطائك. -حاضر. -فكري جيدًا بما قلته لك، يا ابنتي. غادرت المكتب بكتفين ذابلين، وشعور قاتل بالفشل. مهما فعلت، لن تستطيع أن تكون كافية كإنسانة مستقلة، حتى بعد أن حملت على عاتقها سلاح التنوير والدفاع عن حقوق النساء وأصبحت مشهورة، وواجهت عدسات الكاميرات، وحصلت على المال لقاء حضور المنتديات واللقاءات وافتتاح المراكز التعليمية، وحتى عملها كوجه إعلاني لبعض العلامات التجارية. مع كل ذلك، ما زالت ترى تقلبات قلب والدها تجاهها. لم تخبره بما عزمت عليه لخوفها من إحباطه، فهو قد يظن أنها الحلقة الأضعف في العائلة، ويستهدفها المجرم. في طريقها إلى غرفتها، لمحت عنبر تحمل طشت الماء الممتلئ بالألوان لتسكبه خارج البيت، فتعثرت وسقط الطشت على الأرض التي نظفتها للتو. لم تعرها رؤية اهتمامًا، بل احتقرت ضعفها. تذكرت رؤية، بلا وعي، حادثة قبل عشر سنوات حين استيقظت عنبر متأخرة، فنالت ضربًا مبرحًا من خولة، وتدخلت فخرية لإنقاذها، ومنذ ذلك اليوم لم تُرفع يد على عنبر مجددًا، بقرار من منصور وعلوان على الأقل أمامهم. ارتبكت عنبر، وبكت، وارتجفت يداها وهي تمسح الماء. سمعت صوتًا رجوليًا يقول: -دعيني أساعدك. عرفت الصوت فورًا؛ إنه هادي. جلس على ركبتيه وأمسك بخرقة أخرى وبدأ يساعدها. -تقومين بهذا كل يوم، ألا تتعبين؟ لم ترد، تحاول إخفاء آثار ما حدث قبل أن ترى خولة أو ابتهال، بينما يعرف هادي أنها لن ترد، لكنه يستمر في التعاطف والدفاع عنها. ربما أراد فقط حجة ليفتح معها مواضيع، حتى لو لم تتعاون معه وتتبادل أطراف الحديث هو يعرف أنها تستمع وتفهم كلامه. تمنى لو كانت مختلفة عن أخيها ولم تحمل في داخلها حقدا قديما على والده. ولكن الأمل ضعيفا مع كل ما تفعله العائلة بها. لاحظت عنبر أن خولة رأت ما حصل، وركضت نحوهما، موجهة الصراخ أولًا لابنها: -ماذا تفعل يا هادي؟ انهض فورًا! -اهدئي يا أمي. - إنه عملها، يا بني... ثم حولت حديثها لعنبر: -وأنت، يا عديمة النفع، ماذا فعلت؟ صمتت عنبر، وهي مستعدة لتلقي السباب كما اعتادت لكن هادي نهض وقال: -أنا من أسقط الطشت، حملته وسقط من يدي بينما كانت المسكينة تنظف. -ماذا تقول؟! -هذه الحقيقة، أمي، دعينا نكمل بسلام. حملقت خولة بعنبر وبابنها، وعرفت أنه لا يمكنها التحكم بهادي، فلا تريد أن تبدو ضعيفة أمام الخدم، فاستدارت وغادرت، وفي داخلها نار تستعر. عاد هادي لينهي التنظيف، وقال: -أمي تكرهك جدًا، تعرفين لماذا؟ نظرت له جانبًا، ليكمل: -الجميع يعرف بالطبع، لكن أعتقد أن كرهها لك ظلم، وأريد أن أبعدك عن هذا الظلم يا عنبر. -أرجوك دعني وشأني. صوتها الهادئ جعل هادي يدرك حجم اليأس الذي يعتريها. -ألا تعتقدين أن ما يحدث لك ظلم؟ ألا ترين أنك تحملت كثيرًا بجريرة الآخرين؟ -أرجوك... لا تتدخل، فتدخلك لن يزيد الأمور إلا سوءًا. -فهمت، أنت لا تثقين بي، ولما عساك تفعلين، لو كنت مكانك لما وثقت بأي شخص في هذا البيت. أخفت عن هادي كل ما يعتمل بداخلها من ألم، كفقاعة على وشك الانفجار، لكنه ظل ينظر لها بحزن وشفقة، متسائلًا هل ستستطيع يومًا الخروج من السجن الذي حبست فيه؟ هل ستنال عفوًا عامًا من كره هذه العائلة؟ لم يمضِ قليل حتى حاصرته خولة: -هادي! دخل الغرفة متكهنًا بما ستقوله: -هذه آخر مرة تتصدى لي أمام الخدم بتلك الطريقة. -أمي، لا تحملي الأمر أكثر مما يحتمل. -هل ستتصرف كما تتصرف عمتك؟ أنت ولدي، ويجب أن تأخذ جانبي. إهانتي أمام الخدم لن تنفعنا، علينا المحافظة على كرامتنا. -قسوتك على عنبر لن تجلب لك راحة البال، أمي. ما حدث لأبي منذ 20 عامًا، دفع المسؤولون عنه الثمن. -ألا ترى العار الذي لحق بوالدك؟ حياتنا تدمرت بسبب ما فعله ذلك القذر! أغلق هادي عينيه وقال: -إذاً، أنت لن تجدي في قلبك مكانًا للمسامحة؟ -إنهم لا يستحقون مسامحتنا، حثالة المجتمع مهما أعطيناهم سينظرون لما في أيدينا. وانتبه لعنبر، فهي تنتظر اللحظة المناسبة لتنقض علينا. احتضنته وربت على ظهره كطفل صغير: -اسمع كلام والدتك يا هادي، يجب أن نتحد: أنا وأنت ووالدك، وإلا سيأكلنا منصور ويتركنا عظامًا خاوية. --
📜 الفصل الثالث 📜
قليلٌ جدًا ما يسأل أي شخص رؤية عن عملها أو سبب تصرفاتها من نساء البيت، أوما تقوله أو تفعله، لكن هذه المرة أرادت والدتها الحديث معها، وحصل الأمر أمام زوجتي الإخوة: – رؤية، لقد شاهدنا كلنا ما حصل. – إنها تريد خلق شهرة لنفسها عن طريق التصادم معي. كانت نبرة رؤية متعالية لتخفي قلقها، فأشارت والدتها بيدها إلى جانبها وقالت: – تعالي اجلسي هنا بجانب أمك. استقرت رؤية لتكمل والدتها: – لماذا تثيرين المشاكل؟ مصاحبتك لتلك الفتيات اللاتي غير مفهوم ما يردنه، يضعنك في واجهة المشاكل، وحين الاصطدام لا يكون سواك لينال الضرب. – أمي، أنا لا أخاف... – يا ابنتي، إلى أين تريدين الذهاب مع هذا الرأس اليابس؟ – لا تقلقي علي. -كيف لا اقلق عليك من سيرغب بالزواج من فتاة مثلك سليطة لسان تضع راسه براس الرجال.. -ماذا يملك الرجال وانا لا املكه؟ ماذا يملك أخوي أفضل مني فانت لا تلومينهما على مشاكلهما وفشلهما! -انهما رجلان ... -أنا أفضل منهما سويا. أنهيت دراستي بأعلى الدرجات وصنعت لهذه العائلة شهرة وسمعة حسنة ماذا فعلا غير التناحر بينهما من يقود الآخر... -ستقودينني الى موتي بتصرفاتك هذه .... -كل المصائب التي يصطنعها رجال هذا البيت وانا من سيقتلك يا أمي؟؟ هذا غير عادل أبدا. -سمعة النساء يا ابنتي كحد السكين. اتركي هذا الطريق وعودي لرشدك قبل فوات الأوان! -لا تقلقي يا أمي نهضت لأنها لن تستطيع سماع المزيد من اللوم، والتقت عينها بعين زوجة أخيها الأكبر، ترسل لها نظرات لا حب فيها، لتقول رؤية لها: – هل تحتاجين لشيء؟ أجابت زوجة أخيها بابتسامة شماتة على وجهها: – وكأنك ستفعلين أي شيء نافع لغيرك. ضربتها زوجة الأخ الأصغر بكوعها، ونظرت لها نظرات تطالبها بالصمت، لكنها كبتت الكثير، والآن تريد التنفيس قليلاً: – ما تفعلينه يعود أيضًا علينا بالضرر، يا رؤية. ألا تفكرين سوى بنفسك؟ – نفسي؟! أشارت رؤية إلى صدرها بإصبعها بعصبية، وأكملت: – لماذا تركزين في حياتي؟ أنصحك بالتركيز على زوجك وأولادك، فهمت؟ وقفت زوجة الأخ الأكبر على قدميها، والعيون تنظر إليها، ويبدو أن هنالك جوًّا من القبول لتلك المواجهة التي تريدها: – رؤية، نحن نساء البيت لا نشعر بالارتياح لما تفعلينه. تعتقدين أنك تقومين بإنجاز، ولكن إنجازك الوحيد هو تشويه سمعتنا. انظري لنفسك، الألوان التي تلطخ وجهك وملابسك الأقرب لملابس الرجال، وشعرك مقصوص، وليس لديك هدف سوى إثارة غضب الرجال. ماذا تريدين من السير في الطريق يا رؤية؟ – إذا شرحته لك لن تفهميه، مستواك الفكري غير قادر على استيعابه. رفع الجميع حواجبهم لرد رؤية الشرس. لم تعرف زوجة الأخ بما ترد عليها، ظلت باهتة منزعجة، تزم على شفتيها بعصبية، تبحث عن الكلمات المناسبة لتقولها بلا تعظيم للمشكلة أكثر. قطعت فخرية ذلك النزاع عليهما: – رؤية، اذهبي إلى حيث كنتِ ذاهبة. – عمتي؟! – لا تجادليني وإلا ضربتك بعصاي. قالتها العمة مازحة، فهي لن تضرب أحدًا بعصاها أبدًا، فلم يكن يومًا العقاب الجسدي جزءًا من نظامها التربوي أو التعليمي، وقد عملت في شبابها كمعلمة في الأرياف، وأحبت الأطفال بشدة. وبعد أن تزوجت وعرفت أنها عاقر، كان كل طفل درس في حجرها ابنًا لها. الكثير من الشباب في القرية يكنون لها احترامًا بالغًا. وبعد أن تقاعدت مرغمة وأصبح في البيت أطفال، بذلت جهدًا إضافيًا لتوليهم الحب والتعليم الصحيح، وكانت هي من تصدى لمضايقات خولة لعنبر، وهي من أصر على أن يتم منح عنبر غرفة خاصة بها بدل النوم على أرضية المطبخ بين الأرجل، وهي الوحيدة التي تسأل عنبر إن أرادت مالًا أو أن تخرج لتروح عن نفسها، رغم أن عنبر تخاف خولة لدرجة رفض كل شيء تقدمه لها فخرية. لم تجادل رؤية عمتها، استدارت وغادرت الجلسة، لتقول خولة: – متكبرة من يومها. ردت عليها زوجة الأخ الأكبر وهي تنظر لابتهال، كنوع من العتاب لها على صمتها واكتفائها بالنظر فقط: – المشكلة أن أحدًا لا يتصدى لنبرتها المتعالية. تكلمت ابتهال بهدوء: – أنت مخطئة، فعمك منصور يراقبها عن كثب، وهي لا تفعل أي شيء بدون الرجوع إليه. تكلمت الجالسة منذ البداية، لا تنبس ببنت شفة، وهي زوجة غيث، الابن الأصغر لابتهال: – الوجه الإعلامي للعائلة. ظهرت منها ابتسامة بسيطة مستهزئة، لكن ابتهال أكدت ما قالته: – هي كذلك، ولا أحد يفهم ما الذي يخطط له منصور وعلوان، لذا اتركوها وشأنها. إن تحدثت أنا معها فهذا لأنني والدتها، ولكن ما شأن أي منكم لتتكلم معها؟ أفحمت زوجة الابن من رد والدة زوجها الهادئ. لم تستطع إكمال المحادثة أكثر، هي الأخرى تركت المكان بأعصاب تكاد تحترق، تبعتها زوجة الأخ الاخر، فلا يمكن أن تترك فرصة النميمة هذه تفوت من بين يديها. -- كان على شهم أن يدفع الكثير من أجل أن يحصل على موعد زيارة سريع مع نادر. لم يستطع أن يبعد تفكيره عن تلك المعلومة التي تبدو عشوائية حتى توضع في مكانها الصحيح، وعلى نادر أن يفسر لشهم لماذا يوجد اسمه على ورقة احتفظت بها والدته في صندوقها البالي وحرصت على أن يستلمها ولدها. جلس على الكرسي يهز رجله بتوتر، فنادر ليس رجلًا عاديًا بالنسبة له؛ إنه الرجل الذي أنقذ حياته في جحيم السجن، ليس هذا فحسب، بل أيضًا طوال فترة سجنه اعتبر نادر كالأب له. كان يحترمه ويقدره ويستمع له، لم يتصور أبدًا أن نادر يخفي عنه أمرًا يتعلق بعائلته. اقترب نادر، يلبس ملابس السجن وابتسامة على شفتيه استقبل بها شهم، وعينه السوداء تحدق في الجالس يلاحظ توتره، ويشعر أن هذه الزيارة ليست عادية أبدًا، بل خلفها تقبع مصيبة: – شهم، هل اشتقت لرائحة السجن العفنة؟ رمقه شهم بنظرة غير مبشرة، ليكمل نادر: – أخبرني، هل الأمر يتعلق بتلك العائلة المقيتة؟ – الأمر يتعلق بهذا… أخرج من جيب بنطاله الورقة وسلمها لنادر، الذي لم يحتج ليقرأ ما كتب فيها، لأنه يعرفه فقد خطته أصابعه. نظر إلى شهم بابتسامة وهمس: – أين وجدت هذه الورقة؟ – بين أغراض أمي. أخبرني الآن، ماذا يحصل؟ أخذ نادر نفسًا عميقًا وقال: – لا شيء، لم يحصل شيء. – هل تعتقد أني غبي؟ – اهدأ يا شهم… – أخبرني… – حسنًا، اسمع، لقد عرفت والدتك. أنا من ساعدها لتستقر بعد أن تركت كل شيء خلفها وأحضرتك إلى هذا المكان لتبدأ حياتها هاربة من الديون. لقد كانت تبحث عن والدك، تبذر ما لديها من مال، تعطيه لكل من يكذب عليها ويدعي أنه يعرف مكانه. – لكن كيف تعرفت انت عليها؟ نظر نادر لشهم وبدأ يقص عليه أحداث الليلة التي التقى فيها بسيدة حامل، تترجل من قطار منتصف الليل، تسحب نفسها وحقيبة وطفل. اقترب منها لتجفل. كانت في أقصى حالات الرعب، تهتز لأبسط شيء، وعينها لا تكاد تكف عن النظر في جميع الاتجاهات، وعرف حينها نادر أنها هاربة من شيء رهيب، تريد النجاة بنفسها وطفلها، ولكنه لم يفهم لماذا جاءت إلى هذه القرية التي لا أمل فيها. لا يبدو أن أحدًا يستقبلها، وهي تسير بلا هدى، تريد فقط الهروب من المكان. هو أيضًا لديه طفل ليس أكبر من عمر ابنها بكثير، وظل ينظر للطفل، وهو يطالب والدته بشراء بعض الطعام له، لكنها لا تقف، بل تسحبه بسرعة. فسار نادر خلفها وقال لها: – هل تريدين توصيلة؟ – هل أنت سائق أجرة؟ – لدي سيارة، أستطيع مساعدتك. لم يكن أمامها أي حل سوى قبول مساعدته، فقالت له: – هل يوجد فنادق في القرية؟ ضحك نادر وقال: – أي فنادق هذه في هذه القرية البالية؟ أليس لديك عائلة هنا؟ نظرت له بضياع، وأمسكت بطنها المنتفخ، فقال لها: – سآخذك لبيتي. زوجتي ستعتني بك. ذهبت معه وبقيت في بيته مع عائلته، حيث ساعدها على إيجاد عمل لدى عائلة الناصر عن طريق إحدى العاملات هناك. وهناك سكنت أيضًا مع ابنها وطفلتها التي أنجبتها في غرفة خربة، ليس ببعيد عن قصر العائلة. فعملت لديهم في كل شيء. لم تتخصص في شيء معين، كلما طلب منها أمر قامت به بسرعة، كانت كالعبيد، لا تأخذ مالًا، وتعمل للسكن والطعام، وسرعان ما استعبد ابنها أيضًا ليعمل في الإسطبل وفي حظيرة الحيوانات، ينظف روثها ويطعمها. وحينما اشتد عوده قليلًا، وكلّت إليه مهامًا إضافية، ومنها العناية بالأطفال حينما يزورون المزرعة، كل هذا بدون أي دفع. في أثناء ذلك الوقت، جاءت أخت والدته مع زوجها، الذي اشترى قطعة أرض زراعية، بنى عليها بناءً يستره وعائلته ويزرع بعض المحاصيل ليعيش منها. حاولت الأخت أن تقنع أختها بالتوقف عن العمل لدى هذه العائلة التي تسلبها صحتها وأموالها، وأن تأتي للعيش معها، وسيبني لها زوجها غرفة إضافية من الطين، لكن والدة شهم رفضت، لعلمها أنها لن تقدر على إعالة العائلة إن تركت العمل الذي تقوم به. لذا بقيت على مضض تعمل بلا أجر، مستعبدة من قبل هذه العائلة، راضية ما دامت ترى أطفالها يؤويهم سقف ويأكلون ويعيشون في أمان. لم تكن تعلم أن ما ينتظرها شيء آخر، وما سيفعله ابنها سيدمر كل شيء، ولكن لماذا؟ أمام نادر في غرفة اللقاء في السجن، حدق شهم غير راضٍ. هتف وهو يفرك كفيه ببعضهما: – لم تخبرني عن الرسالة… – لم أستطع لقاء والدتك، فأرسلتها لها مع السيدة التي وجدت لها العمل. – وكيف عرفت أن والدي ميت؟ – لم أعرف، أردتها فقط أن تتوقف عن البحث عنه، وكفاك شكًّا بكلامي، هذا كل ما لدي لأقوله لك. نهض ساخطًا ينظر لشهم المتشكك بعصبية: – ركز على مهمتك يا شهم، ولا تحيد عنها. عشرون عامًا تستعد لتنفيذها، لا تفشل فيها. انتقم لي ولنفسك يا شهم منهم. غادر شهم، شاعرًا أن هناك شيء لم يخبره به نادر. لا يستطيع إجبار نادر بالقوة على إخباره، ليس في هذا الوقت على أي حال، فهو بحاجة إلى صداقته لا عداوته. رغم اختلاف المفاهيم بينهما وما يريدانه، فإن شهم بحاجة لنادر. لقد أخذ بيده وعلمه كيف ينجو داخل السجن بين الحيتان، ويتحمل سنوات المرارة ليغدو رجلاً، ملأت الوشوم جسده، وحفرت الجروح وجهه، والذكريات الغائرة جمجمته. تذكر الغرفة الصغيرة، وضع فيها سريران، أحدهما يعلو الآخر، وطاولة محطمة ترتفع بقدرة قادر، وكرسي معدني مصنوع منذ القرن الماضي غير مؤهل إطلاقًا للجلوس عليه. دخل إلى الغرفة ضوء من شباك صغير في أعلى الحائط يطل على مكان جمع الأزبال الخاصة بالسجن، وطفل ينام متألّمًا منذ أسبوع، يتقلب على سرير من جمر قتلت روحه في حمام قذر على يد مساجين أخرين، والآن رُمِي على سرير يصدر صريرًا كلما تقلب عليه. والكل يعرف بما حل به، ولا أحد يحرك ساكنًا أو يعاقب الجاني. زاره نادر يوميًا، لكن لا يوجد كلام ليصبر الطفل الصغير على ما حل به. بدل أن يضيع الوقت بكلام يعرف أنه لن يشفي الجرح، كان يجلب له الطعام ويتحدث معه بكلام عابر يخفف ولو قليلًا من حدته، لكنه عرف تمام المعرفة من النظر إلى عيني شهم أن هذا الفتى قد مات من الداخل، لم يعد هناك روح داخله، لقد اختفى ما تبقى من البريق البريء الذي يحمله في داخله، وحل محله كره، مقت، حقد على الجميع. أعطاه نصيحة في زيارته الأخيرة: – شهم يا ولدي، لقد أصبحت الآن تحت أنظار المشوّهين. يجب أن تتعلم كيفية الدفاع عن نفسك. البكاء لن ينفعك. – يبدو أن كل ما تتقنه هو الكلام… زفر نادر: – بل سأفعل أكثر من الآن وصاعدًا. لقد حسبت أنك قادر على القتل، لذا ستتدبر أمرك، ولكن يبدو أن هناك خطأ ما. وجودك في السجن ليس لأنك مجرم، أنت لا تشبه العالقين هنا. أحضروك إلى هذا المكان ليس لخطورتك، بل للتخلص منك. إنهم يتربصون بك يا ولدي، ومن الآن فصاعدًا سأعلمك كل شيء أعرفه عن هذا المكان العفن، ولكن أولًا أخبرني ما حكايتك. أخبرني يا شهم. أشاح شهم بوجهه عنه وصك على أسنانه: – منصور وعلوان الناصر هما عدواي اللدودين، هذا كل ما سأقوله لك. إن أردت مساعدتي، انتقم لي ممن آذوني. زفر نادر وهمس: – سأحترم رغبتك بشرط أن تترك السرير وتنهض معي فورًا. انهض معي، لنذهب لأعلمك كيف تتحول من جرو غر إلى كلب يموت كل من تعضه. أعدك يا ولدي أنني سأساعدك ولن أتخلى عنك حتى تسير بين جدران هذا السجن رافعًا رأسك من جديد وتنتقم لنفسك. لا شعور يعلو فوق شعور رؤية أعدائك ينزفون. لقد دخنت الماريجوانا وشممت الهيروين وابتلعت الكيتامين، ولكن كل هذا لم يعطني نشوة سعادتي بما فعلته أيها الصغير بعلوان القذر. لقد حرمته من رجولته للأبد، وهذا يفسر سبب فعلتهم في الحمام. لقد أرسلهم إليك بلا ريب ليؤذيك كما آذيته. أحسنت صنعا بما فعلت، فقد اقترف القذر الكثير من الأذية. لقد قتل ولدي. استرعى نادر كامل اهتمام شهم، الذي جلس لأول مرة منذ أسبوع وتحمل الألم ليفهم القصة، فقال نادر بابتسامة على وجهه: – كان ابني شابًا يافعًا ممتلئًا بالحياة. حلمه الوحيد هو أن يصبح طبيبًا من أجل علاج جدته من مرضها. سقطت دمعة من عيني نادر وارتجفت حباله الصوتية وهو يكمل: – كانت أحلام بالطبع، فمرضها ليس سوى الشيخوخة التي تعاني منها، لكنه كان مصممًا أنه يومًا ما سيجد حلاً كي لا يكبر الإنسان ولا يموت. لم نضحك يومًا على أحلامه وشجعناه، فعلى أي حال كونه طبيبًا أمر جيد، بغض النظر إن اكتشف شيئًا أو لم يفعل. توقف قليلاً ليتنفس، قد ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وتلك الذكريات تنخر قلبه كنخر المسمار في الخشب. همس شهم: – وما علاقة علوان بابنك؟ – لقد ضربه علوان بسيارته وفر هاربًا، تاركًا إياه مرميًا على الطين البارد في ليلة شتاء ماطرة، يعاني لساعات، ينزف، فيندمج دمه مع دمعه بماء المطر، تتجمد أوصاله تدريجيًا حتى الصباح، حينما عثرت عليه وأنا أبحث عنه طيلة الليل. كان بجانب الشارع المؤدي إلى بيتهم اللعين، لم يهتم حتى بإبعادَه عن الشارع كيلا تسحق عظامه السيارات المارة من هناك. لقد كان يتشبث بأنفاسه الأخيرة، ومات في اليوم التالي في المستشفى، وكل ما قاله لي اسم علوان. أخبرني باسم قاتله وترك الدنيا. نشج بلا توقف وهمس: – لقد فعلت الصواب يا ولدي، لطالما تمنيت قتله بيدي العاريتين، لكن انظر إلى أين أودى بي الأمر؟ أنا هنا حبيس في زنزانة قذرة، لأنني طلبت من الشرطة أن يؤدوا عملهم ويحبسوا علوان، وماذا فعلوا؟ قالوا لا دليل عليه، ولا يكفي كلامي لسجنه. لم يدخل السجن ولا يوم، يساعده أخوه منصور اللعين. ذهبت إلى قصرهم، أخذت معي منجلي وذهبت ملوحًا به، مهددًا بأخذ حقي بيدي، كنت أريد أن أخيفهم، ولكن… لعق شفتيه الجافتين، وبدا لاهثًا، متعبًا، محدودب الظهر. نظر في عين شهم وقال: – اخبرني يا ولدي فقط شيئًا واحدًا: هل اعتدى علوان عليك؟ هل هذا سبب ما فعلته به؟ لم يرد شهم، ظل صامتًا، كأنه لا يستمع إلى السؤال. تأمله نادر بابتسامة مرهقة وقال: – لا بأس، سأعرف يومًا ما سبب ما حصل. سأنتظر ثقتك بي، أنا مدين لك يا شهم، مدين لك. مد يده وأكمل: – هيا يا ولدي، انهض، فالقوي وحده الذي ينهض بعد سقوطه. وتذكر أن من يضحك أخيرًا يضحك كثيرًا. انهض يا شهم، انهض. أمسك شهم بيد نادر وتحامل على آلامه ليذهبا سويًا من أجل التدريب. لقد عقد العزم على ألا يضيع لحظة من حياته إلا ويستثمرها ليصبح أقوى، وأسرع، وأقدر على إنهاء عمله ويدمر عائلة الناصر على بكرة أبيها. هذا هو ما أعاد لتلك العينين بريقهما ولتلك الروح رغبتها بالحياة من جديد. ولا يزال ذلك البريق يلمع بسبب نادر، الذي شحنه بالرغبة للحصول على ما يريد. اتصل على حامد ليجتمع به من أجل الحصول على آخر المستجدات بما يخص التحضيرات اللازمة للبدء بالمهمة. اتفقا على اللقاء والتقيا. شعر شهم بثقل وجود حامد، انه عدم الارتياح الذي يخبره أن حامد شخص قذر ويجب ألا يتعامل معه لكنه مجبر على لقاه لذا أراد إنهاء ذلك اللقاء بأسرع ما يمكن: – اخبرني، هل حضرت كل شيء؟ ابتسم ابتسامة جانبية، ووضع ساقًا على ساق، وقال لشهم متحديًا: – تريد أن تحصل على المال قبل أن تقوم بالمهمة؟ لماذا يثق بك نادر لهذه الدرجة؟ – كيف تعرفت على نادر؟ لم أسألك أبدًا. – ماذا تعتقد؟ نادر مسجون بتهمة القتل، لقد طعن رجلًا حتى الموت ولم يرمش له جفن. كل من دخل إلى السجن يعرفه، وأنا منهم. – لقد انتقم لابنه. قهقه حامد، ودخن قليلاً من أركيلة وضعت بجانبه. – انتقم لابنه؟ كنت مع نادر لعشرين عامًا ولا تعرف لماذا قتل ذلك الرجل؟ بهت شهم ضائعًا وطالب حامد بتفسير ليكمل: – لقد قال لك القصة الشهيرة عن ابنه الذي قتل بحادث سيارة، وأن علوان الناصر قتله وتركه على قارعة الطريق، ولكن الحقيقة أن علوان قتل ابنه انتقامًا منه بعد أن دخل إلى السجن. نادر طعن والده حتى الموت، لقد مات الرجل في مكانه. صعق شهم. لم يجد حديثًا، ماذا يقول له ذلك الرجل عن نادر؟ كل شيء بالمعكوس! استغل الفرصة ليعرف علاقة نادر بوالده: – ماذا أيضًا تعرف عن نادر؟ – لقد عمل في مجال تصفية الحسابات. أي شخص يريد تصفية حساب مع شخص آخر يتصل بنادر مقابل مبلغ معين، كان ليفعل أي شيء. تاهت نظرات شهم وهو يقول: – لنقل إنه ذهب ليجمع دين من أحدهم ولم يحصل على المال، ماذا سيفعل؟ – ما يؤمر به، وأنت رأيت أنه قادر على الكثير. الاستنتاج الوحيد الذي توصل إليه شهم أن نادر قتل والده بعد أن أرسل له ليجمع الدين المستحق، وأن والده في الحقيقة لم يهرب، بل قتل لأنه لم يدفع المال المستحق، وكما قال نادر لوالدته: لا تبحث عنه، لأنه تحت التراب. دار عقله ولم يفهم شيئًا، هل كذب عليه نادر طيلة هذه الفترة؟ وماذا أيضًا قال له كذبًا؟ قاطع حامد لحظات التفكير: – اسمع، لدي موعد مع فتاة قد أحصل منه على شيء. وقام بعمل حركة قذرة ليفهم منها شهم أن الموعد ليس نظيفًا. قال لشهم: – رتب لي الآن مكانًا آمنًا للبقاء فيه مختفيًا، ومبلغًا من المال. نهض حامد وعلق: – جاهز. ورمى مفتاحًا على الطاولة، وأشار إليه قائلاً: – خذ المفتاح وأما العنوان سأرسله لك على هاتفك، ولكن احذر، فهذا المكان ليس ملكًا لك، إنه فقط للاختباء فيه حتى تستطيع الهروب بعيدًا عن هذه القرية. في البيت ستجد بعض المال، اقتصد باستعماله. تركه حامد ورأسه يدور. كل ما عرفه عن نادر في السجن كان غير صحيح. نهض بتثاقل وسار في الطريق المظلم، عقله في مكان آخر، وقدمه تنقله بين الأزقة والطرق المعفرة بالتراب، يقبض على أصابعه بحنق وعصبية، يشعر أنه كان مغفلًا كبيرًا، ورغم أنه تغير في السجن ظاهريًا، لكنه في أعماقه لا يزال طفل صغير يعتقد إن العدل على الأرض موجود وان كل من يخطئ يجب إن يدفع ثمن خطئه. لم يشعر إلا بشيء قاسٍ قوي يحط الرحال على رأسه ليفقده التوازن ويرتمي أرضًا، وصوت طنين رهيب يغزو جمجمته، وعينه ترى الأشياء ترتجف، ويده تحاول الإمساك بشيء قوي من أجل الدفاع عن نفسه بدون فائدة، وعاجله المهاجم بضربة ثانية وثالثة، وأرجله بدأت تتقاذفه كأنه كرة قدم، وهو يحاول أن يلوذ بنفسه أمام هذه الهجمة الغادرة التي أدمت وحطمت له أنفه. بعد ثوانٍ، بدا كدهور من الضرب المبرح، صوت همس اخترق إذنيه: – ابتعد عن عائلة الناصر إذا أردت أن تعيش. هدأ الوضع بعد ذلك التهديد، وأغلق شهم عينيه محاولًا استجماع طاقته التي هدرت للتو، وتنفسه يتثاقل، لكنه تعوّد على استجماع طاقته ليخوض نزالًا جديدًا، ويقود هجمة مرتدة بعد كل هجوم يقوم به أحد ضده. ليس بالضرورة في الوقت عينه ربما فيما بعد. فتح عينه التي تورمت، بعد أن عادت له قليلاً من رؤيته المستقرة، ليرى الدم متناثرًا على الأرض، وشخصًا ما يهزه ليتأكد أنه على قيد الحياة. همس شهم: – أنا بخير... أنا بخير. أسند يده الى الأرض ورفع جسده، ونهض، يمسح بظاهر كفه الدم المتجمع على وجهه. ابتلع ريقه وتحامل على نفسه، يسير بقدم متألمة، يمسك بطنه بيد، ويحاول الاستناد على الحائط أو الشجرة أو أي شيء يأتِ في طريقه فقط كي لا يسقط من جديد. وصل إلى بيت خالته، التي بدأت بالصراخ والعويل فور أن رأته مضرجا بدمه. فلم يهتم وتركها، ذاهبًا إلى الحمام، فتح فوق رأسه الماء البارد، وكتم صرخات الألم بسبب الرضوض والجروح التي عصفت كلها بالألم دفعة واحدة. بعد دقائق غسل الماء الجروح، وبدأ الألم بالخدر بفعل برودة الماء، فخلع ملابسه ورماها في سلة المهملات، وأخذ ملابس جديدة أحضرتها له خالته، التي كانت لا تزال تبكي وتسأله عما حل به، فقال لها: – خالتي، سأغادر بيتك، ولا أعرف متى بإمكاني العودة، ولكن أي شخص يسأل عني، حتى لو كانت الشرطة، فانتِ لا تعرفين أي شيء. قالت بلا حيلة: – ولكنّي يا ولدي بالفعل لا أعرف أي شيء؟ لماذا تؤرق عيني خوفًا عليك؟ – لقد أخذت بيدي واستقبلتني في بيتك الأيام الماضية، وانا شاكر لك، وسأغادر لأن ما سأفعله لاحقًا سيجلب لك المشاكل. لو استطعت، اذهبي إلى بيت أحد أولادك في المدينة واسكني معهم، هذا أفضل لك في هذه الفترة. – على ماذا تنوي يا شهم؟ – ليس على الخير، أؤكد لك هذا يا خالتي. سحب حقيبته، وهي الشيء الوحيد الذي يملكه، وودعها وخرج من بيتها تاركًا إياها في حيرة. أخرج من جيبه بعض المال، اشترى به دواء مسكنًا من الصيدلية، وسار بعدها في طريق لم يسلكه منذ فترة طويلة. في حقيبته احتفظ بمسدس صغير وبعض الأسلحة البيضاء، وذكرى نكشها دبابير تلك العائلة لتتقدم من جديد لمقدمة رأسه. كان يلهث بلا تعب ويتعرق بلا حر، وتحترق أحشاؤه قهرًا. سيذهب الآن ويأخذها من ذلك الجحيم، وفور أن يتأكد أنها بخير سيحضنها مطولًا، وعندها فقط سيتمكن من البكاء بعد أن ينقذ الكسيرة التي دفعت ثمن كل ما حصل، سنوات عمرها تعيش في نيران ولهيب، وصل أزيزها حد السحاب. لن يدع أي أحد يوقفه، لديه مسدس وسيستعمله، وعلى أي حال هو يعرف أنه ليس بطائر بري يستمتع بالطيران في السماء إذا امتلأت بالغربان، لكنه تنين على وشك الانقراض محترقًا بناره ومخنوقًا بدخانها، وقبلها عليه أن يصفي تلك السماء لبقية الطيور لتطير بأمان، ثم لن يهتم إن انقرض آخر التنانين عن وجه الأرض. ضغط على حزام حقيبته الظهرية، محاولًا إبعاد ذكرى ذلك اليوم البغيض في بداية أيام سجنه، حين قرر عدم الذهاب إلى الحمام بسبب الخوف من التعري أمام كل الرجال في السجن. مر وقتها نادر بجانبه، وعصف بأنفه رائحة نتنة بسبب عزوف شهم عن الاغتسال لفترة ليست بالقليلة. – أيها الفتى، بالله عليك، ما هذه الرائحة العفنة؟ قالها نادر لشهم بعد مروره بجانبه، ليرد شهم بصوت بالكاد مسموع: – آسف. – لا تتأسف أيها الغبي، اذهب إلى الحمام واغتسل، أعلم أنك تعيش في السجن وأن الوضع قذر، فلا تزيد الطين بلة، كأنك جيفة حيوان ظل تحت الشمس أسبوعًا. – لا أستطيع الذهاب إلى الحمام. – لا تستطيع الذهاب إلى الحمام، ولا تستطيع الحضور إلى اجتماعاتنا. إن بقيت على هذه الحال، ستموت وحيدًا ولن يسأل عليك أحد. همس شهم: – الكل عرايا في الحمام، لا أقدر الذهاب إلى هناك. – هذا أمر طبيعي، تعوّد عليه. – إنهم ينظرون لي بشكل مخيف يا سيد نادر. – سيد؟!! قهقه نادر، وأمسك بكتف شهم بلطف وقال: – يا ولدي، أنت في السجن، عليك أن تتأقلم وتترك عودك ليقوى. الهروب والخوف لن يسديك صنيعا هنا. – لكني خائف. لم يرد عليه نادر، ظل يتطلع إليه بقلق، فهذا الرجل خسر ولدًا يشابه عمره، عمر شهم. قال له أخيرًا بعد لحظات تفكير: – لا فائدة من الخوف يا شهم. يجب أن تدفن قلبك لحظة دخولك إلى هذا المكان، فهنا يجتمع كل حثالة المدينة، وأنا لا أفهم كيف وضعوك معهم. لا أفهم حقًا! ثم نظر يمينًا ويسارًا وقال: – لا تدعهم يستفزونك يا شهم. لو كنت أستطيع جعلك ترافقني في كل مكان أذهب إليه لفعلت، لكني أيضًا لدي مشاغلي. – أفهم. – لا، أنت لا تفهم يا صغير، لا تفهم شيئًا عن البقاء حيًا داخل جدران السجن. إنه المكان الذي يحوي أكبر عدد من الحراس والمراقبة، ومع هذا يجرح الرجال ويقتلون حتى أمام ناظر الجميع. لا أحد هنا يهتم بالمحكومين، بل على العكس، موتهم سيخفف من امتلاء السجون ويوفر سريرًا للسجين التالي. إذا لم تدافع عن نفسك، لن يدافع عنك أي أحد يا شهم. طأطأ شهم رأسه، يفهم ما يُقال، لكنه لا يعرف كيف يحقق النتيجة المرجوة. مرة أخرى، لم يبق معه نادر. تركه وحيدًا بعد أن أعاد عليه ضرورة الذهاب إلى الحمام والاغتسال، خاتمًا: – يا ولدي، اذهب واغتسل، فقد يصيبك مرض عضال يكدر عليك حياتك أكثر مما هي مكدرة. بهذه الكلمات ترك نادر شهم، الذي لم يجد بدًا سوى الذهاب إلى الحمام المشترك لجميع المساجين، وبدأ يخلع عن جسده غطاء الخجل ليصبح واحدًا من الموجودين. وقف تحت دش يعزله عن الدش الذي بجانبه ستارة ممزقة، على وشك للسقوط، نما العفن على نهاياتها، كما نما الكثير منه على أرضية الحمام التي تجمع فيها الماء بسبب سوء المجاري الصحية. غسل رأسه ببقايا صابون واقع على الأرض، وبينما يفعل ذلك شعر بيد تلمس ظهره من الخلف. جفل، فتح عينيه رغم الصابون، فاحترقت واحمرت. صرخ: – من أنت؟ اتركني! سمع قهقه لعدة رجال خلفه... أصوات خالية من العقل والأخلاق والمنطق تحاول الانقضاض عليه. كان محقًا بعدم ذهابه إلى الحمام. حاسته السادسة استشعرت الخطر، ولكن الأوان قد فات الآن. نظر حوله في الحمام بعد أن سحبه الرجل من تحت الدش يحاول الهروب منهم، ولكنهم يفوقونه قوة وحجمًا. يلوذ بيده ويصرخ بأعلى صوته، أحجمه أحدهم عن الصراخ بوضع خرقة بالية حشرها في حنجرته حتى كادت تخنقه، رموه أرضًا بأقصى قوة ليفقدوه بعض الوعي، وبعدها لم يسمع سوى صوت الدش يزخ ماءً كأنه رصاصات تخترق أذنه، ولهاث دمر روحه إلى الأبد. لن يستطيع نسيان ذلك اليوم ما حيَا. -- على مشارف المزرعة الحاوية قصر الناصر بداخلها، توقف شهم يستجمع طاقته، يخرج أسلحته، يوزعها على كامل جسده، ثم دفع الباب الحديدي الموارب، ودخل على وجهه نظرة جامدة خالية من أي مشاعر أو خوف. نظر له العاملون في المزرعة وتعرفوا عليه، فمن لا يعرف أن شهم خرج من السجن، والكل كان متأهبًا لهذا اليوم. وصل إلى أبواب البيت العالي وصرخ بأعلى صوته مناديًا على علوان، لكنه لم ينتظر طويلًا، خرج كل أفراد العائلة عدا علوان. نظرات متأججة تبادلها شهم مع منصور وأبنيه خلفه، لقد اختار وقت تجمع العائلة، لينتهي تجمعهم نهاية أثارت الخوف في قلوبهم. فنهاية كهذه لن تنتهي إلا بكارثة. لو قُتل شهم، فقوات الشرطة ستحتاج إلى كبش فداء يدخل السجن لتلك الجريمة، ولو لم يتدخل أحد، فبالتأكيد الأمر سيؤثر على العائلة. ولو حصل نزال وقتل أحد أفراد العائلة، فهذه بحد ذاتها كارثة عظمى لهم. قرر منصور أن يحافظ على الهدوء، ويأخذ شهم إلى مكان منعزل ليتحدث معه. الأفضل هو ألا يلطخ عتبة بيته بدم أحدهم. – شهم الخليلي، حسبت أنك ستأتي بوقت أبكر. – احضرها لي... لن أذهب بدونها أيها العفن. خزره ابنا منصور، وهمس أحدهما: -يبدو إن التحذير لم يزيده إلا جنون. منصور لم يعلق وأشار لهما بالتزام الهدوء، وطلب من الجميع ألا يتدخلوا، وأن يدخلوا البيت، لكنهم لم يتزحزحوا، أخذ شهم بالتقدم ناحية البيت ليقول له منصور: – تعال إلى مكتبي ولنتحدث... – لا أريد التحدث معك... – ماذا تريد إذا، زعزعة أمن هذه العائلة؟ – أنت تعرف ماذا أريد. الأطفال ينظرون بخوف لتلك الندوب التي على وجهه، والنساء يرمقنه بتوجس، وقد بدا عليه القدرة على الهجوم فورًا بلا تأخير، وهن يعرفن من خلال قصص الماضي أن هذا الرجل خطر قبل أن يدخل إلى السجن، لقد سمعن القصص عن صلافته عن طريق علوان ومنصور، ومن فرد لآخر تناقلوا فداحة ما فعله شهم بعلوان، وكيف أنه عض اليد التي مدت له بالخير. جاءت رؤية متأخرة لتشهد على العاصفة. سألت بصوت خفيض في خضم المحاورة التي تحصل بين والدها وشهم عما يجري، لترد عليها والدتها بهمس: – جاء البعبع. – ماذا يريد؟ – هلاكنا بالتأكيد... في لحظات فكرت رؤية أنها لن تسمح لهذا الشبح من الماضي أن يعيد على عائلتها مأساة ما حصل، وقد يقتل أحدهم هذه المرة. سمعت والدها يقول لشهم: – لماذا تستمر بمضايقتنا يا شهم؟ ألم نحسن إليك ولوالدتك وأختك؟ ألم نعاملكم بطيب، وحتى بعد ما فعلت بأخي علوان ومحاولتك لقتله، رعينا اختك و... – أريد منك أن تسلمني أختي، سلمني إياها، وسلمني علوان، ولن يتأذى أحد. – تعرف أني لن أسلمك أحدًا، أنت مجرم وخطر... قهقه شهم وقال: – أنا خطر، أنت مصيب جدًا. أخرج مسدسه ليجفل الجميع أنهم على شفا جرف من الغرق، ومنصور قرر أن يذهب باتجاه شهم ليهدأ الوضع: – يا بني، اخبرني فقط، كم تريد لتبتعد عنا؟ – لا تتظاهر بالطيبة والشرف يا منصور، ليس أمامي على أي حال شيء. سلمني أختي وعلوان وسأذهب، قاوم الأمر وستقابل مسدسي بلا رحمة. – لا بأس، سأسلمك أختك رغم أنها لن تكون بأمان معك، لكن ما عساي أفعل. استدار منصور وأمر زوجته: – احضري تلك الفتاة. قال له شهم: – علوان أيضًا. رد عليه منصور: – خذ أختك واترك القرية، ولا تختبر صبري وكرمي. أنت تعرف جيدًا أني لست بخائف منك، ولكني لا أريد أن أفتعل شجارًا لا داع له. عض شهم على شفتيه ورفع يده بمسدسه وهدد: – احضر لي علوان، أنا أعرف أنه هنا. ركن منصور قليلاً يفكر، نظر حوله لأولاده وعائلته، الكل يترقب ما سيحصل. أشار منصور بهدوء وقال لشهم: – الشرطة على وشك الوصول يا شهم، خذ أختك وابتعد عن بيتي... ولم يكد ينهي منصور جملته، وإذا بسيارة تأتي بأقصى سرعة، يسبقها صوتها، وضربت شهم الذي بالكاد استطاع النجاة بحياته منها، قافزًا على الطريق الترابي، يتحسس جسده خوفًا من أن يكون قد كُسِر فيه شيء وأضيف له جروح جديدة الى الجروح السابقة. شكر الله إن تأثير مسكن الألم الذي أخذه لا يزال يفعل فعله بجسده، لذا بدا له وقع الصدمة أقل، فقفز من مكانه وعينه على السيارة يحاول أن يعرف من خلف العاصفة الترابية التي خلفتها. لمَح فتاة تجلس هي الأخرى، تشعر بالألم من أثر الاصطدام بشجرة بعد أن غيرت مسارها. ركض شهم إلى السيارة، والكل في أقصى حالات الخوف، الأطفال والنساء يتراكضون إلى داخل البيت، والفوضى عمت المشهد، ومنصور يحاول أن يفهم ما يجري، وابناه في ذهول شديد. سار شهم إلى جهة مقعد السائق، يعرج، وفتح الباب ليخرج رؤية بقوة، رافعًا إياها من زندها، وهو يصرخ: – هذه ابنتك، أليس كذلك؟ ابنتك الغبية التي أرادت قتلي، ولكن هيهات، فكما قلت لك، إنها غبية. وجه السلاح إلى جمجمتها وقال: – احضر لي أختي فورًا، وإلا سيتناثر دم ابنتك هنا على الأرض أمامك. خرجت عنبر ترتجف، تنظر إلى أخيها بشوق، ليقول: – تعالي بسرعة يا عنبر، هيا. لم يعد شهم قادرًا على القتال أكثر، سيأخذ أخته وسيترك علوان لوقت آخر. دخلت عنبر السيارة في المقعد الخلفي، وفتح هو الباب ليدفع رؤية هي الأخرى في المقعد الخلفي، ودفع بسكين لعنبر وقال لها: – إذا تحركت، أطعنيها. أمسكت عنبر بالسكين وهي ترتجف، وبدا على رؤية أنها لا تزال متأثرة بالحادث الذي حصل، تشعر بالدوار والتيهان. ركب شهم السيارة وانطلق بها خارج أسوار المزرعة، متوعدًا منصور بالقول: – إن تبعني أي شخص، فسأقتل ابنتك وأرمي جثتها على ناصية الشارع عارية، وأكتب عليها اسمك، سأفعلها، صدقني. ابتعد، بأقصى سرعة ممكنة، يتبعه تراب كثيف، يعرف تمامًا أين سيذهب، ومعه أخته عنبر وابنة عدوه التي حاولت قتله، لا يعرف ما عساه سيفعل بها لكن ان لم يسلموه علوان طواعية سيجبرهم على ذلك. -- وصل إلى البيت وانتهى تدفّق أدرينالين الهرب، ليبدأ تدفّق مشاعر اللقاء. لم يبكِ شهم لفترة طويلة، لذا انهمر دمعه مدرارًا—لم يسيطر على مشاعره—وكذلك عنبر لم تستطع وقف دموعها السائلة على خديها المرتجفين. لساعة لم يتحدثا؛ كل ما فعلاه بكاءً واحتضانًا. هذه المرة كانت عنبر التي تحتضنه كابن لها رغم فارق العمر بينهما، وهو الذي بمثابة أبٍ لها ظل يقبّل كفيها ويطلب منها السماح. أراد منها أن تغفر له، وهي تتبسم وتقول: – لماذا يا شهم؟ أنت فعلت ما توجب عليك فعله. من خذلوك هم الأشرار، وليس أنت يا أخي. ما فعلته كان حقًّا، وما فعلوه باطل. – أنا أيضًا أصبحت مثلهم يا أختي. – آه يا شهم، هذه الدنيا عصيبة على الفقراء أمثالنا. لا يرحمنا الزمن ولا الناس. أليس كافيًا ما عانيتَه؟ أخذت ابنتهم، ماذا سيحصل تالياً يا أخي بسبب ما فعلت؟ – لدي عمل يجب أن أنهيه يا عنبر. أنت خارج هذا العمل، لا تقلقي… احتضنها بقوة وذكريات الطفولة تدفقت الى قلبه. أول مرة حملها بين يديه كانت لا تزال عينها مغلقة، كقطة خالية من الفرو تتلمّس طريقها باحثة عن الأمان والدفء؛ فقبلها على جبينها وأقسم أنه سيحميها مهما حصل. إن لم يقدر على رعاية والدته فهذه الصغيرة تقع ضمن حدود قدراته على الحماية. ساعد والدته في رعايتها بما أن أمّه كانت تعمل أغلب الوقت، وكان بوسعه التسلّل وقتما يشاء لإحضار شيء لها أو أخذها بعيدًا وتدليلها إن لم تتواجد والدته. واستمرّ حبه ورعايته لعنبر تصاعديًا، ولم يقل أبدًا—وبعد وفاة والدته شعر أنه خذل أمّه وخذل أخته وخذل حتى نفسه. شعور الخذلان قاسٍ بالذات على رجلٍ كشهم يشعر أنه رجل العائلة بعد اختفاء والده وخذلان العائلة من قِبَله؛ لذا شعوره أنه هو الآخر خذلهم دمّره تمامًا. لقد جعله يقارن دائمًا بينه وبين ما فعله والده للعائلة. تمنى دائمًا لو يجد ذلك الرجل ويفهم منه وجهة نظره بخصوص ترك امرأةٍ حامل وطفلها وحيدين يعانِيان تداعيات أفعاله. والآن هو يشعر أن والده لم يتركهم إلا لأنه، كما افهم نادر والدته، ميت. لكن هل سيخبر عنبر بالأمر؟ لاحظت شروده فسألته، ليرد: – هل لازلت تتساءلين عن مكان أبي؟ – لا يهم الآن يا شهم. تنهد وقال: – أنت على حق. حانت منها نظرة إلى الملقاة على الأرض، وقالت: – ماذا ستفعل بها؟ نهض من مكانه وبدأ يضع على يدها ورجلها بعض الأصفاد بسلاسل طويلة تسمح لها بالتحرك وليس الهرب. سألته أخته: – إلى متى يا شهم؟ تقصد إلى متى ستبقي رؤية حبيسة؟ فرد عليها: – حتى يسلمون علوان لي. سأنتظر لبعض الوقت ليمارسوا حيلهم، وأبعدك عن مركز الأحداث، ثم أرسل لهم معلومات التسليم والاستلام. – لماذا لا تترك ذلك القذر ونهرب سويًا من هنا؟ – كلا يا أختي، لا أقدر. لقد عقدت صفقة وعليّ إنهاؤها لأجلي ولأجله. – أجله؟ من هو؟ – رجل التقيتُه في السجن. – من يكون؟ لماذا أنت ملزم بأي شيء يخصه؟ – لقد أنقذ حياتي في السجن. – يا أخي، هل لأنّه أنقذ حياتك تسمح له بسلبها من جديد؟ – هذا الرجل لديه سرّ يخص عائلتنا، وأريد أن أعرفه. تنهدت فلم تقدر على كسر إصراره، ولم تنو فعل ذلك من الأساس. لا تعرف لماذا خطف بالها ذكرى هادي وتساءلت بينها وبين نفسها "هل يا ترى سيفتقد حضورها؟ أم سينسى إنها وجدت من الأصل" -- توارد إلى سمعها أصوات كأنها تأتي من بعيد. رجل وامرأة يتحدثان سعيدان، لكن نبرتهما حزينة، وتتخللها نبرة البكاء. فتحت رؤية عينيها، ورأسها يدور، وآخر ما تتذكره هو صوت شهم يأمر عنبر بوضع خرقة على أنفها، حين بدأت تصرخ لتفقد حواسها. زحفت محاولة الهرب ونهضت متثاقلة، ورؤيتها مشوشة قليلاً، لتكتشف أن قدمها مربوطة بزنجير طويل يسمح لها بالتنقل لمكان محدد. سحبت نفسها حتى وصلت إلى الطرف الآخر، لتجده مثبتًا بالسرير الموضوع في منتصف الغرفة ومرتبًا للنوم، ومع ذلك وضع على الأرض وليس فوقه. شعرت أضلاعها وكأنها ستتحطم، ورأسها ينفجر، والأصوات كأنها تنقر في مؤخرة جمجمتها. سحبت نفسها متبعة الأصوات، وفي الوقت نفسه تفقدت البيت الصغير الذي يحتويها. غرفتان وصالة مفروشة بشكل بسيط جدًا، فقط الأساسيات، ولاحظت النوافذ مدعمة بالقضبان، والأبواب وضعت عليها أقفال كثيرة، والستائر مغلقة. الساعة أعطتها معلومة مهمة عن مدة نومها، وقد شارفت منتصف الليل على الحلول. سمع الأخوان صوت السلاسل من قدميها، فصمتا وتسمرت أعينهما عليها وهي تصرخ بفزع: - ستدفع ثمن هذا، أبي لن يتركك! رد شهم بابتسامة: - لديك عين قوية لا تنكسر. وجهت كلامها لعنبر: -ها أنت تخونين الثقة يا عنبر؟ تفعلين هذا بسيدتك؟ قفز شهم من مكانه وقال من تحت أضراسه: - سيدة؟ لا تبدين بوضعك هذا سيدة، بل تبدين كولد صغير لم تنمُ له لحية. ابتسمت عنبر بخجل، وصدمت رؤية لكلامه، ليكمل شهم ناظرًا إلى جسدها النحيل: -ما دليلك على أنك سيدة؟ تشنجت عضلات خدها، ليقترب منها شهم ويكمل بحقد: - أختي ليست مملوكة لك ولا لعائلتك. أختي ليس لديها سيدة، بل هي سيدة نفسها، فهمت؟ نظرت بعين تتجمع فيها الدموع بلا أن ترد. اقتربت عنبر من شهم وأمسكت يده وقالت له بصوت هادئ حاني: -أهدأ يا شهم، لا داع لتصب جام غضبك على السيدة رؤية. رد عليها شهم: - ألم تسمعي ما قلته قبل قليل؟ أنت سيدة نفسك! ناديها ... ماذا كان اسمها؟ شعرت رؤية باحتقاره الشديد لها واستمتاعه بإذلالها. كررت عنبر على مسامعه اسم رؤية، ليقول شهم: - رؤية ستكون ضيفتنا حتى يسلم علوان نفسه. لنرى كم أنتِ عزيزة على قلب دادي... قال الكلمة الأخيرة بطريقة تهكمية لتهمس رؤية بحنق شديد: - لا أناديه دادي. - ماذا؟ ارفعي صوتك... لماذا تموئين كقطة جائعة؟ ابتلعت ريقها ليكمل: - هااا... لأنك بالفعل جائعة، كيف نسيت هذا؟ أنت لم تأكلي... - لست جائعة، أنا أريد العودة إلى بيتي، لماذا خطفتني؟ - جئتُ معيِ بكامل إرادتك، أيتها القطة. -إذاً سنتبادل الألقاب الآن؟ - ألا يعجبك لقب "قطة"؟ لم ترد عليه، استدارت لتعود أدراجها إلى الغرفة التي أعدت لها. اقتربت منه عنبر وقالت: -على رسلك يا أخي، إنها ليست عدوتك. -كلهم أعدائي يا عنبر. هذه العائلة كلها يجري في شرايينهم وأوردتهم دماء فاسدة. ابتسمت عنبر وقالت: - ليس كلهم يا أخي. اهدأ فقط. -اسمعي يا عنبر، أنت كأمي، قلبك طيب لا يعرف الحقد طريقًا له. ملائكية المشاعر رغم ما فعلوه بك، لازلت تحاولين الدفاع عنهم. ولكني أريد منك أن لا تتدخلي في هذا النزاع. سآخذك إلى بر الأمان قريبًا بعيدًا عن هذه القرية البائسة، فقط احصلي على المال، وستحل كافة مشاكلنا. نظر لها بحنو ومحبة وأكمل: -يا إلهي، كم تشبهين أمي! لا أصدق مقدار الشبه، كأنها ولدت من جديد. أختي الصغيرة، آسف لأني أدخلتك في حرب لم تطلقي فيها رصاصة، ولكنك أخذت أسيرة، واعتدوا عليك بأبشع الطرق... لم يستطع شهم الإكمال، اجتاحته مشاعر الألم، لتحتضنه عنبر وهي تقول: -يا أخي، الحياة لديها طرقها التي تقودنا خلالها، ولا أحد يعرف أين ينتظره الخير. تبسم لها شهم وهمس: -أينما تكوني يا أختي، يكون الخير. أعدك أني سأحميك دائمًا. بادلته الابتسام، وعينها تفيض دموعًا. بعد كل هذه السنوات، اعتقدت أن شهم نسيها، وألا أحد في هذه الحياة يفكر فيها؛ منسية تمسح الأرض لبقية عمرها، غير مرئية تعاني في الظلام وحدها. لكن شهم لم ينسَ أخته طوال ما مضى من سنوات، كان يخطط كيف ينتقم من علوان، وكيف يستعيد عنبر ويخلصها من أصفاد الظلم التي لحقت بها. خطته لإنقاذها لم تكتمل بعد. أنصتت رؤية لما يدور بين الأخوين، وعقلها يفكر بسيناريوهات كثيرة لكيفية الهروب من هذا الكابوس الذي دخلت فيه عن طريق الخطأ. -- حلت الجلبة في بيت الناصر، وصوت بكاء والدة المخطوفة يسمع في كل أركان البيت. اجتمع رجال البيت عدا هادي ليقرروا ما عساهم يفعلون، يحاولون احتواء الخبر كي لا ينتشر في كل مكان ويحل العار عليهم. ابنتهم اختطفها مجرم وأخذها معه، هذا بالتأكيد سيطلق مخيلة الناس لقصص لا حصر لها ولا نهاية، قصص ممتلئة بالتفاصيل المثيرة بالتأكيد. -يجب أن نجده بسرعة قال منصور بعصبية شديدة، ثم أكمل: -الحقير أرسل لنا هذه الورقة. يريد استبدال رؤية بعلوان. رمق علوان بنظرة سريعة، وكان جالسًا لا يتحدث، ثم قال: -سأقتله هذه المرة لا محالة. قال غيث بعصبية: -ماذا كانت تفعل بالسيارة؟ لماذا عرضت نفسها للخطر؟ رد ساهر بقلق: -أعتقد أنها أرادت أن تبدو بطلة... قاطعه غيث: -انظر ماذا حصل بسبب غبائها. تريد أن تفعل ما يفعله الرجال. ألم ترَ أن الرجال يقفون خلف أبي؟ إلا هي ركضت لتتصرف بلا تفكير. زفر منصور، الذي كان منزعجًا حقًا بما فعلته ابنته. لقد تصرفت من تلقاء نفسها بدون انتظار أوامر والدها. تساءل بينه وبين نفسه: ألم ترَ أخوتها كيف يستمعون إليه بلا اعتراض؟ إلا هي، تتنافس على كل شيء بدون أن تحكم عقلها، وها هي أوصلتهم إلى هنا بأفعالها. قال غيث بغل: -أنت من دلّلها يا أبي وأعطيتها حرية دونا عن بقية نسائنا. انظر إلى ما آلت إليه الأمور! خطفها ذلك المجرم وسمعتنا ستتلطخ بالطين إذا انتشر الخبر. فما يريد رجل مثل ذلك أن يفعل بامرأة مخطوفة؟ يسعى للانتقام من عائلتها! لن تعود إلينا إلا وشرفها قد تلطخ، هذا إذا عادت. خزره منصور، وتعالت حدة أنفاسه، وقال مخاطبًا الجميع: -يجب أن نقتل شهم. ابحثوا عنه في كل مكان، لا تتركوا حجرًا إلا وقلبتموه، وفور أن تجدونه اقتلوه في مكانه فالتهديد لن ينفع معه. ولن يلومنا أحد على ذلك. لقد جاء إلينا وهددنا. تساءل ساهر بقلق: -ولكن يا أبي، ماذا لو أنه لم يقاومنا؟ هل نقتله أيضًا؟ هكذا سنسجن. رفع منصور يده وقال: -ضعوا مسدسًا بيده وأطلقوا منه طلقتين. هل سأعلمك كل شيء يا ساهر؟ كيف تريد أن تنتقم من أعدائك إن كنت خائفًا؟ شعر ساهر بالسخرية تنسل من حديث والده، تراجع وجلس صامتًا، مستمعًا لما يقوله منصور حتى أمر الأخوين بالخروج، وبقي مع علوان ليتحدثا على انفراد. فقال له منصور حانقًا: -يجب أن نجد خطة بديلة إن فشلت الخطة الأصلية. رفع علوان نظره ناحية أخيه، ونطق أخيرًا: -ماذا تقصد؟ ابتلع منصور ريقه ورد: -إن لم نجده، يجب أن نستدرجه يا علوان. إذا كنت تعتقد أنه سيتوقف، فأنت موهوم. ولو أنك أصبت بفقدان الذاكرة ونسيت ما فعلته بوالدته... -منصووووور! -علوان، لقد قمت بتنظيف فوضاك لسنوات ولم أشتكِ، بل فعلته عن طيب خاطر لحماية العائلة، ولكن الأمر يخرج عن السيطرة. لقد عاد الماضي ليقض مضاجعنا يا أخي. ارتجفت أوصال علوان حين سمع نبرة منصور المرتبكة. كان عليه أن يدافع عن نفسه، فهو لم يتعود التضحية يومًا إلا بالآخرين. قال بلؤم ماكر: -ماذا تقترح؟ كيف نستدرجه؟ هل بإلقاء نفسي تحت عجلة القطار بدلًا عنها؟ هي من اختارت التصرف بطيش... -علوان، الأمر لن ينتهي إلا بقتله. هو لا يريد رؤية، بل يريدك أنت. إنها الظروف التي جعلتها فريسة له. افهم يا أخي. -إنه يريد موتي يا منصور... -لذلك علينا أن نتغدى به قبل أن يتعشى بنا. علينا أن ننصب له الفخ ونقوده إلينا ونقتله. -وانا الطعم، أليس كذلك؟ -هذا إن تعذر علينا إيجاده بالسرعة المرجوة. لا أريد لابنتي أن تبقى معه لفترة طويلة، حتى إن لم يكن لديه نية لإيذائها، فنكاية بنا سيفعل بها ما يطمس رؤوسنا بالطين. سيفعل بنا ما فعلته أنت بوالدته... واحدة بواحدة. لا تنسَ أنني من وضعته في السجن، ومن دفع المال ليتعذب داخله. -تبدو واثقًا أن خطتك هذه المرة ستنجح. انظر إليه، دخل السجن عصفورًا بالكاد يطير وخرج منه تنين لا يخرج من فمه إلا النار. -وسيحرقنا بها إن لم نتصرف. لذا عليك أن تتحضر هذه المرة. وفي الوقت الذي كان بيت آل الناصر على قدم وساق يشعرون بالخطر يلوكهم كلقمة سائغة، كانت رؤية تفكر بطريقة للهرب من قبضة خاطفها. تنظر إلى كافة الاحتمالات فتجدها مربوطة بالسلاسل مثلها تمامًا. صرخت حينما مر شهم من أمام باب الغرفة المحبوسة فيها: -ألَم تكتفِ؟ دعني أخرج! قال لها شهم بشيء من اللامبالاة مخاطبًا عنبر: -رفضت تناول طعام الإفطار، والآن هي سيئة المزاج وعلينا أن نتحمل ذلك. لم ترد عنبر، ابتسمت فقط لترد رؤية: -وماذا يضمن لي أنك لم تضع السم في طعامي؟ تظاهر شهم بالتفكير ورد عليها: -لا أحد. ونصيحتي لك ألا تشربي الماء أيضًا، فقد يكون مسمومًا. -أنت لعين، وغادر، وقاتل عديم الرجولة. لا قدرة لك على مجاراة الرجال، لذا تعذب امرأة! رمقها مطولًا ولم يرد، فجاء الرد ماحقًا من عنبر أخته التي اقتربت وقالت لرؤية بهدوء: -لا يوجد ما هو أكثر سمًا من كلماتك، إنها تقتل الروح قبل الجسد. انت ابنة عائلة لا تعرف الأخلاق ولا الرحمة. فكري بكلامك قبل أن تتفوهي به فلو سكت أخي على إهانتك له هذا لا يعني أن تتمادي! ربّتت على ظهر أخيها وقالت له: -إحساسها بالنقص الدائم سيقتلها أسرع من أي سم على وجه الأرض. لا تهتم بكلامها يا أخي. رمقها شهم بنظرة مبتسمة وتركهما، لتقول رؤية وهي تشتعل غضبًا: -تجرئين على الحديث معي هكذا؟ لو كنت في بيت أبي لما استطعت التفوه بكلمة... -أنت محقة، لقد عاملتموني باحتقار ودونية لسنوات. كنت عبدة لكم، أتلقى التوبيخ بلا سبب وأعاني بلا سبب، كنت خرساء رغم أني قادرة على الكلام. لقد استعبدتموني، والآن جاء أخي لينهي هذا كله! -أخوك المجرم! -أنت فقط لا تفهمين شيئًا، حين تفهمين تحدثي. -افهميني إذن! تبادلت عنبر النظرات مع شهم الذي أشار إلى أخته بترك رؤية، ثم اقترب هو ودخل لتنكمش رؤية على نفسها، فقال: -ماذا تريدين أن تعرفي؟ -لماذا لا تتركني أذهب؟ أنا لا أعرفك. -بل تعرفينني، ولكنك لا تتذكرينني. كنت أعمل لديكم في المزرعة... -لا أتذكر. أشار الى قدمها وقال: -لا تتذكرين وجهي، ولكنك بالتأكيد تتذكرين الأفعى التي لدغتك. ظهرت لمحة التفكير على وجهها ليكمل: -أتذكرك جيدًا، فقد كنت الطفلة التي تتنافس مع الأطفال الأولاد، تريد أن تركب الحصان إن ركبوه، وتريد أن تتعارك باليد إن تعاركوا، وتريد أن تذهب أينما ذهبوا. الطفلة التي تشعر أنها وحيدة وسط الأولاد في عائلتها، مدللة لكنها مهملة في نفس الوقت وتريد أن تحصل على الاهتمام كأخويها. لم تتغيري أبدًا، أيتها الطفلة المسكينة. -كيف عرفت بأمر اللدغة؟ -أنا من أخرج السم من اللدغة. -لا أفهم. -كنتُ قريبًا وسمعتكِ تصرخين. ذهبتِ إلى مكانٍ لا يجدر بكِ الذهاب إليه. ركضتُ بكلِّ طاقتي وحملتكِ بين ذراعي. كنتِ طفلةً صغيرةً ناعمةَ القوام، تحاولين التظاهر بالقوة، ولكنكِ، كالبسكويت من الداخل -تنهارين بغمسةٍ واحدةٍ في الماء. لقد أخرجتُ السمَّ من جسدكِ بفمي هذا... ونلتُ بعدها العقاب: سياطٌ على ظهري، وأنزلت عليّ ضرباتٌ من والدك... اتهمني بأخذك الى هناك وتحملت أنا العقاب المهين! -إذًا أنتَ تستهدف عائلتي منذ الأزل؟ بهتَ شهم أمام ردّها. أراد أن يهدئها، لكن الأمر انقلب عليه. أكملت: -إن كنت تريد أن تقنعني أنك شريفٌ فمحاولاتك فاشلة. لقد خطفتني. -أنتِ من جئتِ راكضةً إلى أحضاني. أحضرتِ لي سيارةً لتسهلي عليَّ هربي، وسلمتِني نفسكِ عن طيب خاطر. ربما هذا ما يفكر فيه والدك الآن. -مريض!! تعالت أنفاسها وهو يقترب منها ببطء؛ ارتجفت أوصالها خوفًا، ونظرت إليه بعينٍ حادّةٍ وأكملت صارخة: -لقد أردتَ قتلي! -بإمكاني قتلك بطرق كثيرة، ما رأيكِ أن نجربَ إحداها؟ -عنبر! صرخت رؤيةُ بفزع: -عنبر، تعالي إلى هنا! اخرجي أخاك من هنا! تبسّم بطريقةٍ مفترسةٍ وعيناه تنظران إليها كتنينٍ مفترسٍ؛ فازداد صراخها. دخلت عنبر الغرفة، نظرت إلى أخيها وقالت: -شهم؟! توقف شهم وردّ على أخته بعدما غاب التعبير الذي اصطنعَه أمام رؤية لئلا يخيفها، وقال لها: -عنبر، أخبري "القطة" أنني قادرٌ على أذيتها، ولكني أختارُ ألا أفعل. أكد كلمة «أختار» بابتسامةٍ سمجةٍ على شفتيه، ثم خرج من غرفتها يتهادى، تاركًا إياها بعينٍ ممتلئةٍ بالدمع، وجسدٍ منكمشٍ بالخوف، وقلبٍ يتمنى لو تقدر على صفع وجهه بكل ما لديها من قوّة. بعد أن خرجا همست له أخته: -لماذا تفعل هذا؟ -دعينا فقط نُقلّل من غرورها. أضحى صوته أعلى حين قال: -عنبر، لا تُقدّمي لها الطعام حتى تطلبه بنفسها، حتى لو ماتت أمامك. شعرت رؤيةُ بالإذلال أمامه وقررت ألا تأكل حتى تخرَج من هنا. صرخت بأعلى صوتها: -أنا أُعلن إضرابي عن الطعام! مدّ رأسه من باب الغرفة لتجفل، وقال: -هذا سيوفّر المزيد من الطعام لي. ابتسم لعنبر وقال: -دعيها تتعذب قليلاً؛ إنها من آلِ الناصر. لنشَفها من هذا المرض. ابتلعت عنبر ريقها ونظرت بقلقٍ نحو رؤية وهمست: -ماذا لو حصل لها مكروهٍ يا أخي؟ سحبها من يدها وجلس قبالتها وقال: -أخبريني ماذا حصل لكِ بعد دخولي السجن؟ لا تتهربي من هذا السؤال. زفرتْ بهدوءٍ وردّت: -كنت أعلم أنك لن تتركني وشأني. نظر في عينها المتعبة وهمس: -لقد أوقعتُ الجميع في مصيبة، وأمي الحبيبة ماتت بسببي. -لا تلُم نفسك يا شهم؛ أمي لم تمت بسببك، وأنت تعرف هذا. أمي ماتت بسبب العار الذي شعرتْ به؛ ماتت حزنًا وكمدًا عليك وعليَّ وعلى شرفها المهدور. عضّت شفتيها لتكمل: -أما أنا فلم أنفكُ أبكي واضرب لأنني أبكي؛ فلا أبكي مرةً أخرى خوفا من الضرب. وأصبحت نزيلةً دائمةً لدى تلك العائلة. العمة فخرية أرادت أن تتبناني كابنةٍ لها؛ اعتقدتُ في لحظةٍ أن هذا هو الحلُّ الأمثل ليتيمةٍ مثلي: فقيرةٌ لا أحد يريدها. لكن ما حصل لم يكن كما توقعت، ولم تقدر أن تقف بوجه الموجة. لم يرحمني أحد يا شهم؛ شعرت أنني لا أحد هناك، مجرد حثالةٍ لا يرغب بها إنسي. كنت في سجنٍ يشبه سجنك، وحسبت أنه أبدي رغم دعائي كل ليلةٍ أن تخرج من الحبس وتأتي لتنقذني. -لقد استجاب الله سبحانه وتعالى لدعائكِ يا أختي. ولن أخذلكِ أبدًا. تبسمت بحزنٍ شديد، كأنها لا تريد أن تسعد بهذه اللحظة لاعتقادها بعدم دوامها؛ فمن هي إلا تعيسةُ حظٍ لا تختلف عن بقية أفراد عائلتها. أمسك كفَّ يدها، فشعرت بحرارةِ أمانٍ تسري من يده إلى يدها. قالت له: -ليس كل من في ذلك البيت متوحشين. -الأكيد أنهم جميعًا يعرفون بما يحصل لكِ ولم يحرك أيٌّ منهم ساكنًا، وهذا في قاموسي يجعلهم متوحشين. -بعضهم حاول، ولكن الوضع معقد جدا -من تقصدين بجانب العمة العجوز؟ هل هو هادي ابن علوان؟ هزّت رأسها موافقةً، وقالت: -كل ما أريده يا أخي أن أبدأ من جديد بعيدًا عن هنا. أرجوك، لا تتورّط معهم. دع الآنسة رؤية تذهب، أرجوك... -ليس قبل أن أحصل على علوان، وهذه المرة سيدفع الثمن لا محالة وابنه واخته سيصفان مع العائلة وستعرفين أن الوضع ليس معقدًا كما تعتقدين، بل هم منذ البداية لا يهتمون إلا بدمائهم. أغلقت عينها وتساءلت بين نفسها لماذا توقعت أن يتحسّن الحال هذه المرة؟ قالت: -أخبرني أنت، كيف قضيت...؟ قهقهَ لأنها فهمت ماذا تريد من سؤاله. قال: -لا؛ أنتِ لا تريدين أن تعرفي عن تلك الأيام السوداء. -أخبرني على الأقل كيف حصلتَ على هذه الندبة. وتلك الجروح! -أعتقد أنني غير مستعدٍ إطلاقًا لأخبرك عن جانبي المظلم؛ فأنا لا أريد أن أخيفكِ مني. رنَّ الهاتف، وكانت خالته ترتعد خوفًا. قبل دقائق غادر أولاد منصور، غيث وساهر، بيتَها؛ كانا هناك لعدة ساعات، ولم تصدقْ عينُها حين دقَّ الباب بقوّةٍ فوجدتهما واقفين بحاجبين معقودين ووجوهٍ توشِك أن تذبح أحدًا فورًا. تولّى غيث كلّ الحديث بينما كان ساهر هناك يراقب: -أين ابنُ أختِكِ، النذل؟ -شهم؟! -وهل لديكِ ابن أختٍ غيره؟ أين هم؟ أين يختبئ؟ أنهى ساهر البحث في البيت الصغير وأخبر أخاه أنه لم يجد أحدًا. ثم قال غيث لها: -هل تعرفين أين أخذ ذلك الحقير أختي؟ -أختكِ؟ عمَّا تتحدث، يا ولدي؟ -لا تتحامقي أيتها العجوز؛ أخبريني أين هو لمصلحته ومصلحتك، لأن لدي القدرة على تدميركم وأنتِ تعرفين ذلك. ارتجفت أوصالُ المسكينة وقالت: -لماذا أنتَ غاضب يا ولدي؟ اهدأ فقط. هل أصنع لك بعضَ الشاي؟ صرخ غيث فيها: -لا أريد شايًا لعينا! أريد أن أعرف أين شهم؟ -لقد جاء هنا بعد خروجه من السجن، سكن معي، ولكنه غادر البارحة؛ أخذ كل حاجاته وغادر، ولا أعرف أين ذهب. صدّقني يا ولدي، لا أعرف أين ذهب. لكن ماذا فعل هذه المرّة؟ تجاهلَ سؤالها وكرر: -لا تعرفين أين ذهب؟ -كلا يا ولدي. نظر غيث إلى ساهر ثم سألها: -أين غرفته؟ دلَّتها على غرفة شهم التي بقي فيها الفترة الماضية. ذهب الاثنان يبحثان فيها، قلبا الغرفة رأسًا على عقب، ولم يجدا شيئًا؛ غادرا وهما في أشدّ حالاتِ الغضب، خاصّةً غيث، لأنّه الآن سيخبر والده أنه لم يجد دليلًا على مكان شهم وأخته، وسيشهد نظرةَ الخذلان في عينيه ونبرةَ الامتِلاء بخيبة الأمل، وهذه الفكرة زادت من غضبه. فورَ أن غادرا، رنّتُ الخالة على شهم -وهذه المعلومة لم تُفصح عنها الخالة للأخوين أبداً؛ كانت لديها رقم هاتف شهم. عرف شهم فحوى تلك الزيارة، وفهم أن العائلة تماطل ولن تسلّم علوان له بسهولة. هدأ من روعِ خالته التي أرادت تفسيرًا لما يجري، فأخبرها باقتضاب وطلب منها كتمانَ الأمر والتصرّف كما لو أنها لا تعرف شيئًا عمّا يحصل؛ فهذا أفضل لها لتبقى بعيدةً عن المشاكل المترتِّبة لاحقًا. ذهب شهم ليخبر رؤيةَ بأخبار ترهيبِ خالته من قبل الأخوين: -لقد زار أخُوَكِ خالَتي؛ المسكينة ترتجف خوفًا. أعتقد أن لا فرق بين كبيرٍ وصغيرٍ، الكل سيتعرّض للتَنمُّر والتخويف. قالت له رؤية بشبهِ ابتسامة: -لم يتبقَّ الكثير وستعود خلف قضبان السجن حيث تنتمي. -تعلمين، أعتقد أن عليَّ أن أبعد أختي عن هنا. يبدو أننا -أنا وأنتِ -سنقضي وقتًا ممتعًا هنا لوحدنا. فتحت عينها على اتساعها ولم تنطق، ليضحك عاليًا وقال: -بماذا يا ترى تُفكّر عائلتك؟ أقصد أنا وأنتِ وأجواءَ الانتقام الرومانسية التي تحوم فوق رؤوسنا؟ ربما بعض الشموع ستزيد من حدة النقاش! بصقت على الأرض وقالت له: -أنت أقذر مما قالوا عنك. ليتهم أبقوك في السجن إلى الأبد. -آهًا؟ أخبريني عن بعضِ ما قالوه عني، فالوقت يَسِير ببطءٍ؛ فلماذا لا نقضيه بالنميمة؟ -أنتَ مجنون! -عشرون عامًا في السجن؛ ماذا تتوقّعين؟ قضيت شبابي كله داخل أسوارِ السجن؛ أتلقّى الضرب والتعنيف، أنظفُ الحمامات وأفتحُ المجاري. بالتأكيد لن أخرج بعقلٍ كامل. -هذا يفسّر أفعالك، على ما أعتقد. -أفعالي؟! لم ترين شيئًا بعد، يا آنسة. -لا زال الوقت سانحًا لتتركني أذهب. -هل تعتقدين أن عائلتك ستستقبلك إذًا؟ ماذا سيظنّ الناس عنك؟ المرأة التي تهاجم الرجال تعيشُ مع رجلٍ -وليس أي رجل -بل سجينٌ حاول قتل عمّها. الصحافة ستحب هذا الخبر؛ وستتحطّم سمعة عائلتك. تخيّلي: كيف ستكون صورتك؟ كيف ستكون حياتك المهنية؟ طلباتُكِ بالمساواة ستتلاشى... شعرت أنها تعيش كابوسًا حقيقيًا. سألها: -أخبريني، أنا لا أفهم، كيف سمح لك والدك بعملٍ كهذا؟ لا أفهم الفكرة. -لن يفهم جاهلٌ مثلك أي شيء إطلاقًا. -جاهل؟ ولماذا تعتقدين أني جاهل؟ -لم تتلقَّ أي تعليمٍ على الأغلب؛ أنت لا تعرف الكتابة ولا القراءة. رفع حاجبيه وهمس بابتسامة على شفتيه: -على الأغلب لو كنت خارج السجن أيضًا لكنت بقيتُ عبدًا لدى عائلتك، كأختي؛ فما الفرق؟ -لا تلمْ عائلتي على سوء حظك. قال شهم مقاطعًا ببيت شعريٍ يصف سوء حظه، مقتبسًا عن مسعود سماحة: ولي حَظٌّ دَهاهُ ما دَهِينِ، وأصبحَ ما عَرَاهُ ما عَرَانِي أيَمِّمْ حيثُ هو فلا أَراهُ، ويقصِدُ حيثُ كنتُ فلا يَراني تبسّمَت وردّت: -تحفظ بعضَ الأبيات الشعرية، ثم ماذا؟ -لا شيء؛ فقط أخبرك أنني لستُ جاهلًا كما تظنّين. عشرون عامًا في السجن أجبرني الملَل على دخول المكتبة، وأخذ دروسًا في مجالاتٍ مختلفة. قرأتُ كتبًا ربما لم تسمعي بها من قبل، وبعضها قرأته أكثر من مرة لندرةِ النسخ. -أنت مثقّف؟ وجهك لا تبدو عليه ملامح المثقف. -تعنين «اكسسوارات المثقفين»؟ النظّارة الطبية، الابتسامة المتردّدة، النظرات الحائرة... تفكّرين بالكلمات المناسبة وتستعيدينها بعد أن ينتهي العراك، وتلومين نفسك على تلقي الشتائم بلا قدرةٍ على الرد. أخرج سكّينًا من خلف ظهره وأكمل: -ثقافة الحوار تأخذ أشكالًا مختلفة، يا آنسة. -وهل من أشكالها ترهيب النساء؟ -يجب أن تسألي والدك وعمّك في هذا الشأن؛ هم الأساتذة، وما أنا إلا تلميذٌ لديهم. ضيّقت عينها كمَدًا لأنه يملك كلّ الأجوبة ولا يترك لها خيارًا للتنكيل به. رفعت يدها وقالت له: -دعني أذهب إذا لأسألهم. -لا تستعجلي، سنرى مقدار حبّ عائلتكِ لكِ، يا آنسة. بالمناسبة، بما أننا نخوض محادثةً «متحضّرة»، هناك شيء يقضّ مضجعي... ألا تخبرينني، بالله عليك، كيف أصبحتِ مدافعة عن حقوق النساء؟ أعني، كيف قرّر والدك أن يسمح لكِ بأن تتجوّلي في الأرض الواسعة، تَنْكُلِي بالرجال، وتَشتميهم وتُحَرِّضي النساء عليهم؟ -أعتقد أن مضجعك سيظلّ مقضوضًا؛ لأنّي لن أجيبك. -السبب الوحيد هو أنه كان يريد موتكِ، وحينما لم يقدر على وأدكِ قال لنفسه: «سيفعلها رجل أخر»، حيث تمنّى أن يقوم أحد الرجال بالمهمة بدلاً عنه. -أنت مريض! -في السجن... دخلتُ في مشاجرات كثيرةٍ كما ترين؛ تمّ استهداف رأسي في أغلبها. أشار إلى ندبته على وجهه وأكمل: -كثرة الاهتزازات لابدّ أنها خلطت خلايا دماغي ببعضها... -لديك حسٌّ فكاهي، كما أرى. -لم ترِ شيئًا بعد، يا عزيزتي، ولكن إن أردتِ فأستطيع أن أريك. غمَزَ لها فتقزّزتْ وصاحت: -اخرُج فورًا من غرفتي! قهقه بصوتٍ عالٍ وردّ: -إذًا أصبحتِ هذه غرفتك الآن؟ أشارت إلى الباب وصرخت: -اخرج ولا تعد أبدًا! قام بحركةِ لامبالاة بكتفيه واستدار ليخرج قائلاً: -نادِني إن جعتِ، أو إن نويتِ الصيام. صومي أفضل لك إن لم تريدي الأكل. لم تكن نيته القسوة عليها لإهلاكها، بل لتفهم ليس عائلتها ضحية أفعاله، بل العكس انه هو وعائلته الضحية الحقيقية. --
📜 الفصل الرابع 📜
حينما علم هادي بأمر ذهاب عنبر مع أخيها، شعر أن قلبه غطَس في جسده. لم يستطع إخفاء حزنه تمنى لو انه عبر لها عن مشاعره ناحيتها ولعن الظروف التي جعلته يعيش حلما لم يقو على تحقيقه. تلك الفتاة الناعمة الهادئة التي استقبلت أنواع العذاب من عائلته بصبر وتحملت المشقة على امل الخلاص. تذكر وجهها الأصفر بسبب الخوف من صراخ امه ولومه لنفسه على عدم القدرة لمساعدتها. لقد حاول كثيرا لكن يده مربوطة بأغلال العائلة من جهة والخوف من عدم البر بوالدته من جهة ثانية. لقد جعله غيابها الآن يدرك انه قد يخسرها للأبد وعليه أن يتحرك بشكل حقيقي وسريع ليثبت لها صدقه في حبها. ولكن كيف سيجدها الآن؟ ربما لو عرف ما جرى وظل يطرح الأسئلة سيصل الى شهم ويتفاهم معه. سأل والدته كثيرًا عما حصل؛ أعادت عليه الموقف مرارًا حتى جزعت وصرخت في وجهه. عرفت أن اهتمامه منصبٌّ لمعرفة ما جرى لعنبر، لا ما جرى للعائلة أو اختطاف ابنةِ عمّه. حذرته أن يظهر ذلك الاهتمام أمام والده أو أمام أحدٍ من عائلة عمه، وأمرته أن يذهب مع الرجال، حتى لو كان تمثيلًا، ليستطلع معهم ما يجري ويبحث عن رؤية، وربّما ينال حظوةً لدى عمه. ذهب هادي ليس للأسباب التي طلبتها والدته، بل ليعرف أكثر عن حال عنبر. لمح الأخوين وهما يغادران البيت فركض خلفهما: -انتظرا! زفر غيث وهمس لساهر: -عديمُ النفع جاء. لم يرد ساهر؛ نظر ناحية هادي الذي اقترب منهما بسرعة، وألقى سؤاله بصوتٍ فضولي: -هل تبحثان عن رؤية؟ -ماذا تريد؟ سأله غيث. أجاب هادي: -أساعدكما. ظل ساهر يراقب فقط بينما غيث يتحدث بنبرةٍ متهكّمة: -أليس لديك مدرسة تذهب إليها؟ رمقه هادي بعدم رضا لأسلوبه وردّ: -العائلة لديها حالة طارئة... -لا بأس، تعال معنا، ولكن لا تتكلّم أبدًا ولا تتفلسف يا دوك. لم يناقشه هادي؛ ظل صامتًا وسار خلفهما بلا تردد. مرّوا على أماكنٍ ظنّوا أن شهم قد يذهب إليها، وأخيرًا قال غيث بخيبة: -لم يتبقَّ إلا ذلك السجين اللعين. رد ساهر على غيث: -أيُّ سجين؟ رمقه غيث بعدم رضا عن سؤاله وردّ: -الذي كان شهم يسير خلفَه كالكلب في السجن... نادر! -قاتل جدي؟ تريد الذهاب إلى ذلك الـ... وقف هادي يتلفّت يمينًا ويسارًا وهو لا يفهم المحادثة، وطرح سؤالًا لازمًا: -من نادر هذا؟ زفر غيث وقطب حاجبيه، وردّ: -لا تعرف من يكون قاتلُ جدك؟ -أنتم تتحدثون كثيرًا عن شهم ولا أحد يذكر نادر. -لأن نادر قتل جدي، ثم انتقم القدر منه بقتل ابنه. دارت الدنيا عليه؛ وجد ابنه مدعوسًا بسيارةٍ ميتًا. -أخبرني يا غيث، لماذا قتل نادر جدي؟ ماذا حصل؟ تنهد غيث بملل شديد وأجاب هادي، الذي لا يعرف هذه الحكاية كما يعرفها أبوه: -كان يعمل لصالح جدي، من يجمعون الديون من غير المتعاونين. الناس ينسون ديونهم فور أخذ المال، ونادر كان يذكّرهم بها. لكن في يومٍ ما، ومن دون مقدمات، طعن نادر جدي في رقبته فأرداه قتيلاً. لم يفسّر أبدًا سبب فعلته؛ الشرطة قالت إن الأمر كان لحظة نقاشٍ حامية، وقتله لم يكن مخططًا له. لا تقلق يا هادي؛ فنادر لن يغادر أرض السجن، لأن لديه سجلًا سابقًا عند الشرطة، وقد تمكن والدي من وضعه هناك إلى الأبد. حار هادي في أمره؛ راوده فكرٌ طويل عن صفّ الأشخاص الذين يريدون النيل من أفراد عائلته: نادر، شهم، والله أعلم من غيرهم. كان يسير في الشارع غير آبهٍ بأي شيء، والآن سيحسب حساب كل النظرات المحيطة به؛ فقد يكون الهدف التالي وهو لا يعلم. سرت رعشة في جسده؛ لاحظ الأخوان ذلك في تعابيره. أمسك ساهر بكتفه وهمس: -لا تقلق؛ هذا كان ماضيًا. الناس كانت تفعل ما يحلو لها، لكن الأوضاع تغيّرت الآن. تبسم هادي ابتسامةٍ باهتة، مشمئزة ومرعوبة في آنٍ معًا. ازدادت رغبته أكثر من أي وقتٍ مضى بالهروب من أجواء هذا البيت، ورسم حياةٍ جديدة لنفسه بعيدًا عن دوائر العائلة المغلقة، التي لا يستطيع أحد اخذ قرار فيها بدون رضا العم. في عائلته هو سيكون كبير العائلة لا منصور. عاد الجميع إلى البيت المضطرب دون أن يجدوا دليلًا واحدًا، ودخل غيث إلى غرفة والده ليناقش معه موضوع زيارة نادر. ثار منصور لوهلة ثم هدأ وقال: -ولماذا تعتقد أن هذا المجرم سيساعدنا في معرفة مكان شهم؟ -يا أبي، من خلال جواسيس السجن علمت أن شهم كان كظلٍّ خلف نادر. -إذاً، يا غيث، تعرف أنها ليست مصادفة أن شهم ونادر معًا؟ نادر لديه أحقاد على عائلتنا، ولا بدّ أنه التقى بشهم في السجن وعرف ما حصل، واستعمله كدميةً ليظهر الحقد القديم وينتقم من خلالها. -إذاً أنت تعتقد أن نادر متواطئ مع شهم؟ -لا يوجد شك يا غيث. إن ذهبت إلى نادر لن يخبرك بأي شيء؛ هو يكرهنا يا بني، يريد موتنا جميعًا، هذا الحثالة. -لماذا؟ أخبرني، أرجوك. -إنه مجرم، ماذا تتوقع من مجرم؟ ابتعد عنه وابحث عن شهم بنفسك. إن انتشر الخبر فعودة رؤية إلى هذا البيت ستكون شبه مستحيلة؛ تعرف ما علينا فعله. ارتعب غيث لمجرّد التفكير بهذه الفكرة. أخته -ماذا يحصل لها الآن؟ ماذا سيحدث لاحقًا؟ طحن أسنانه بقوة، وبدت الغمّة على محياه. بالطبع هذه كارثة؛ فقد أفقدت العائلة رغدَ عيشها وحطَّمت سعادتهم. لم تنقطع والدته عن النحيب، وكذلك عمته، رغم أن بقية أفراد العائلة افتقدوها أقلّ، كما شعرت زوجتا اخويها بالحنق لغياب أزواجهن طوال الوقت في البحث عنها. -- -هل أكلت؟ فور عودة شهم من الخارج ووضع الأشياء التي أحضرها في المطبخ، سأل عنبر بهمس، فأجابت بحركة بسيطة برأسها يمينًا ويسارًا توضح أنّ رؤية لم تأكل بعد. التف شهم نحو الغرفة التي تقبع فيها وزفر، مفكرًا: إنها عنيدة جدًا ولن تلين. همست له عنبر: -ستموت إن لم تأكل يا أخي. -إنها تعول على ذلك، لا تقلقي. فور أن تفهم أنها باقية هنا لبعض الوقت، ستأكل. لم يكد يقول ذلك حتى سمع صوت رؤية تنادي على عنبر. ذهبت عنبر، وظل شهم يترقب حتى عادت مبتسمة وهمست: -إنها تريد أن تأكل. ارتسمت ابتسامة انتصار على وجهه، وترك عنبر لتحضر الطعام، بينما ذهب هو ليستريح قليلًا، مستجمعًا قواه، ويفكر في طريقة للحصول على المال بعيدًا عن نادر، لأنه لم يعد يثق به كما كان سابقًا. أراد أن يبعد أخته عن كل شيء وكل أحد، لكن من أين له المال؟ فجاءته فكرة ابتزاز عائلة الناصر للحصول على بعض الأموال؛ إنها أموال مستحقة لأخته، لكنهم لن يعطوها له إذا طلبها كمرتّب متراكم لعنبر التي خدمتهم لعشرين سنة بلا مقابل. حين خرج من الغرفة، لاحظ أن رؤية هي الأخرى خرجت من قوقعتها، وقد امتلأ بطنها وارتاحت نوعًا ما. سمعها تطلب من أخته أن تفك أصفادها لتدخل الحمام. قالت لها عنبر: -المفاتيح مع شهم، سأخبره. -ماذا يحصل هنا؟ قاطعها شهم، موجّهًا كلامه لها: -تريدين أن أفتح أصفادك؟ هل أستطيع الوثوق بك؟ لا أعرف، أنتِ من آل الناصر ولا أثق بأيّ واحد فيهم. قالت له عنبر بلطف: -يا أخي، لا تكن متعنتًا. افتح أصفادها لتذهب للحمام. رد بابتسامة سمجة: -لولا رائحتك التي ملأت المكان لما فتحت أصفادك. لديكِ عشر دقائق، وإلا سأقتحم الحمام عليك. ظهرت تعابير الاشمئزاز والقشعريرة على محياها وهي تراقبه يفتح الأصفاد. فركت يدها، وأحضرت لها عنبر بعض الملابس البسيطة، أخذتها رؤية بتردد، تنظر للملابس باحتقار، ثم دخلت الحمام وأغلقت الباب. قال شهم لأخته: -راقبيها يا عنبر، لا تدعي حيلها تنطلي عليك. سمع صوت الماء داخل الحمام فابتعد، وذهب ليعد بعض الشاي. فتحت رؤية الماء، تنظر في كل اتجاه باحثة عن وسيلة للهرب. كان الحمام صغيرًا، فيه مغسلة، وشاور مغلف بالزجاج، وشباك لا يمكنها المرور منه. لعنت اللحظة التي قررت فيها أن تعيش دور البطولة؛ فهي حتى لا تقود السيارة. زفرت، والماء لايزال صوته في كل مكان. قررت الهرب من الباب الرئيسي، استرقت السمع، فتحت باب الحمام قليلاً لترى ما يحصل، فلمحت عنبر واقفة قريبة، وفكرت أنها قادرة على دفعها والركض خارج البيت، فستصرخ فور وصولها الشارع، ومن هناك سيساعدها الجيران. شعرت بالرضا عن الفكرة، ففتحت الباب أكثر، وبهدوء اندفعت نحو عنبر التي لم تملك سوى الدهشة، فدفعتها لتسقط وتركض نحو الباب. هنا جاء شهم على صوت سقوط أخته المدوي، وتأوهاتها، وقفز قفزتين نحو رؤية التي فوجئت باكتشاف أن الباب مقفل. ظلت تدفعه وتسحبه، وتعابير وجهها تزداد تيبسًا وخوفًا. أمسك بها شهم من الخلف وقال: -ذاهبة لمكان ما؟ صرخت بغضب وخوف: -أريد العودة إلى البيت! بدأت تركله وتضربه بيدها، بينما استقامت عنبر أخيرًا لمساعدته على تهدئة رؤية. وأخيرًا، تمكنت بمساعدة شهم من إسكاتها، فجلست على الأرض تبكي. شعرت عنبر بالحزن عليها وقالت لشهم: -دعها تذهب يا أخي. همس لها: -عائلتها من يبقيها هنا، وليس أنا. هم يفضلون علوان عليها. تركهما شهم وهو يصرخ: -أعيديها إلى الغرفة! ظل يلعن في سره تلك اللحظة التي خدع فيها نفسه أو ترك نفسه تخدع بوازع الطيبة التي لا تزال تزين روحه. وقفت عنبر بجانب رؤية وقالت لها: -أرجوك، لا تزيدي الأمر سوءًا. رمقتها رؤية بنظرة ضبابية بفعل الدموع، ولم تنطق بشفة واحدة. سيطرت رؤية على ارتعاش يدها، وسمحت لعنبر برفعها للأعلى، بينما كانت عنبر أيضًا تعاني ألمًا في جسدها من السقوط العنيف. سارت بهدوء إلى محبسها وجلست بلا حركة سوى تنفسها العميق، تنظر تائهة لعنبر التي أعادت الأصفاد إليها وقالت: -لقد آذيتني يا آنسة رؤية، أعتقد أن ساقي ستتورم. نظرت إليها رؤية ببطء وهمست بوهن: -آسفة، ولكن يجب أن تفهمي... -أنتِ إنسانة أنانية، لا تتورعين عن إلحاق الأذى بالآخرين من أجل ما تريدين. لكنك محطمة، يا رؤية، أنت أتعس امرأة في العالم. ارتعبت رؤية من كلمات عنبر التي لم تعهدها جريئة في الحديث بهذا الشكل، وردت: -سوقية مثلك لن تفهم شيئًا! -بل أفهم وأعرف، لأنني أعرف كل الهراء الذي تسوقينه للنساء المضطهدات. فاقد الشيء لا يعطيه أبدًا. -اخرسي! تبسمت عنبر، مع شعورها بألم ساقها يغلب على ابتسامتها، وهمست: -تدافعين عن عائلتك، ولكن أين هم الآن؟ تدافعين عن حقوق النساء، وفي بيتكم تُنتهك الحقوق كلها، وأولها حقك. انظري لهم؛ يفضلون مجرم عليك... نهضت عنبر، وقالت لها رؤية والدموع ترقرقت في مقلتيها: -ماذا تفهمين عن العائلة؟ والدك هجركم، أمك ماتت وأنت صغيرة، وأخوك مجرم بسوابق. من مثلك لن تفهم أبدًا. استدارت عنبر ناحيتها بغل وهمست: -نعم، لن أفهم شيئًا عن عائلتي، لأن عائلتك المثالية دمرتها كما دمرتني. أنت لا تفهمين أي شيء، وإلى أن تفهمي سأعذرك، لكن بعد أن تفهمي، فلا عزاء لك يا رؤية، لا عزاء. كادت رئتا رؤية تنفجر من ضخ الهواء، احمرت شحمتا أذنيها، وكبتت صرخة امتنع خروجها، فمزق حنجرتها. سقطت دموعها مدرارًا على خدها، وضعت رأسها بين رجليها، أمسكت رأسها بيديها، وذاكرتُها أحرقت جلدها. لعنت عنبر ألف مرة، وشهم ألفين. أما نفسها، فقد بكتها وبكت حقيقة واقعها المرّ. لقد واجهتها عنبر بكل ما لديها من قوة فسحبت منها القوة. تهالكت تمامًا، وعرفت أن والدها لن يسلم عمها لأجلها، بل سينتظر تنفيذ شهم لوعوده؛ ربما سيقتلها في النهاية، يرمي جثتها عارية كما توعد، أو يعيدها مكسورة الجناح مهانة، لتنتهي جثة. هي التي بحثت عن حرية المرأة ودافعت عن المستضعفات، أصبحت ضعيفة ومسلوبة. إدراكها لهذا دمّر ذاتها تمامًا. فكرت، بما أنها ستنتهي جثة هامدة على أي حال، فلما لا تقتل نفسها وتنهي المعركة بشروطها، بطريقتها هي؟ زفرت ولعنت الحياة نفسها، لأنها شكلتها على هيئة امرأة، كيان مستغل بكل الطرق من قبل كيان أقوى منه جسديًا: الرجل. -- رنين هاتف مستعجل أيقظ ساهر من تفكير عميق. نظر للرقم ولم يتعرف عليه، ففتح الخط: -من معي؟ -كيف حالك يا ساهر؟ جفل ساهر، فالصوت العميق ما هو إلا صوت شهم. رد بعصبية: -أيها اللعين، أين أختي؟ -هذا رقمي. حينما يقرر والدك تسليمي علوان، كلمني على هذا الرقم لنتفق. -أبي لن يسلم عمّي! -أقنع والدك بتسليمي علوان، وإلا سأحصل عليه بطريقة لن تعجبه. لمصلحة أختك، أقنع والدك. -عمي مختبئ، لا أحد يعرف أين هو، لا أثر له. -أخبر والدك عن هذه المكالمة، وقل له إنّي أريد منه ردًا بحلول الغد، وإلا سيندم. وأريد مبلغًا… وأخبره بالرقم المالي الذي يريده، وأردف: -بدون نقاش، فأنا إلى الآن أتعامل بهدوء، ولكنك لا تعرف ماذا علمني السجن. أنا قادر على أن أصبح كابوسًا، يا ساهر. أغلق الهاتف وهو في قمة الغضب. هذه العائلة تلعب على أعصابه. تلكأ ساهر بالذهاب إلى والده، ولاحظت زوجته أعصابه القلقة، وأرادت معرفة ما يحصل، لكنه تغاضى عن سؤالها وذهب. كان والده جالسًا مع غيث يتحدثان، فدخل دون أن يطرق وقال: -لقد اتصل بي… سأله والده: -من؟ -شهم. ولدينا مهلة حتى الغد، ويريد المال أيضًا. أخبرهم بالمبلغ، فوقف منصور على قدميه مصعوقًا: -لقد جن حتماً هذا الوغد! رد ساهر: -أبي، دعنا نعطيه المال و… -وماذا؟ قاطعه والده. -نسلم عمك لمجرم؟ ألا يكفي ما فعله به؟ الآن نسلمه له ليقتله؟ -لكن لماذا يريد قتله؟ لماذا هو مصر على… -ساهر! إذا اتصل بك شهم، اتفق معه على مكان التسليم. حدق منصور بغيث الذي صمت دهراً، ونطق كفرًا، معلقًا مبهوتًا: -هل جننت؟ رد غيث: -حان الوقت لإيقاف هذه اللعبة. سنقتله يا أبي ونتخلص منه إلى الأبد. تساءل منصور: -لماذا تخطط يا غيث؟ أخبرني فورًا. -أبي، سنوهمه أننا رضخنا ونأخذ معنا مبلغ المال الذي أراده، ونستبدل عمي بأحد رجالنا ونضع غطاء على راسه، ونخبر شهم أن عمّي قاوم فاضطررنا لتنويمه وخطفه. سنأخذ رؤية ونقتله… ظل ساهر فاغر الفم. كيف لغيث أن يأتي بخطة شيطانية كهذه؟ ربما الشيطنة جين متوارث في العائلة، ولهذا السبب اصطفاه والده ليكون مسؤولًا عن الأعمال. قال منصور: -إنها خطة خطرة يا غيث. -يا أبي، إن بقينا نبحث عنه، قد يستغرق الأمر شهورًا دون أن نجده. ومن يضمن أنه لن يهجم خلال هذه المدة؟ وقد يفعل ما لا يُحمد عقباه، لذا علينا أن نتصرف. قال ساهر: -لماذا لا نبلغ الشرطة عنه؟ صرخ والده: -كلا! دع الشرطة خارج القوس يا ساهر، ولننفذ ما يقترحه غيث، بشرط أن تفكر جيدًا، فلا نريد فضائح. موت شهم أمر ممكن تفسيره، لكن إذا مات شخص آخر سنقع في مأزق. هز غيث رأسه ليكمل منصور، ممسكًا بكتف ابنه: -تنظيف الفوضى ليس بالأمر السهل يا غيث. لقد توقفت عن فعل ذلك منذ وقت طويل، ولا أنوي العودة إليه. انهي المسألة يا بني، أنا أعتمد عليك. كان لدى غيث وقت ضيق، فالموعد غدًا، وعليه أن يعمل بسرعة. استعان بأخيه، وقام ببعض الاتصالات، وكان هادي متواجدًا أيضًا، فاشترك في بعض التحضيرات. ومنصور لا يزال قابعًا في غرفته، يجر الحسرات على ما مضى من أيام. تذكر طفولتهما، حين كان علوان دائمًا محبًا للمشاكل، يفتعلها ويمرح، مستمتعًا برؤية منصور يحاول جاهداً تنظيف فوضاه، خوفًا من عقاب والدهما. جبل علوان على ارتكاب المصائب وتركها كمستنقع ضحل ينظفه منصور. وأخر ما نظفه منصور كانت تلك الليلة، دم علوان المستلق على الأرض يتأوه بعد أن أطاح به شهم، أو ربما حسب أنها كانت الأخيرة. -- كان شهم في أشد حالات القلق والتوتر، مقبلًا على أمر كبير، ومصابًا بغضب شديد جراء محاولة رؤية الهرب. صنعت له أخته عنبر بعض الشاي ليهدئ أعصابه، لكنه كان مهتاجًا. سار بخطوات ثقيلة نحو الغرفة التي فيها رؤية، ودفع الباب برجله. فجفلت، واحتضنت نفسها أكثر، تنظر له برعب: -تعتقدين أنك ذكية؟ صرخ: -اتضح أنك لست سوى فتاة مقهورة… لم تتكلم، فأكمل: -غدًا، إما قاتل أو مقتول. سنرى مقدار حب عائلتك لك. بصقت على الأرض، بلا كلام لتقوله. قال لها: -استعدي لتعودي إلى بيت والدك… أو ربما إلى القبر، من يعلم… -لماذا أنت مهووس بعائلتي؟ صرخت: -ألا يكفي الألم الذي سببته لعمي علوان؟ المسكين يعاني منذ عشرين عامًا بفعل الإصابة التي سببتها له. مقدار الألم الذي عاناه لا يقارن بكرامته التي أهدرتها، أيها المجرم! صرخ إلى أخته عنبر: -احضري كوبين من الشاي، فلدينا قصة لنرويها. سحب كرسيًا حتى جلس قريبًا جدًا من رؤية، بالمعكوس، متحديًا إياها: -أراهن أنهم أخبروك بمقدار ألم علوان وكم عانى، لكن ما لم يخبروك به هو كم عانيت أنا، وما لم تهتمي له معاناة أختي وأمي. ألم تسألي نفسك لماذا فعلت ما فعلت؟ أعلم أنك كنت طفلة صغيرة، ولا تذكرين شيئًا، لكن أخوك ساهر يعرف ما جرى. لقد كان هناك ورأى بعضًا مما حصل. الآن دعيني أخبرك بالقصة كاملة، فلا يصح سماعها من طرف واحد. حضرت عنبر الشاي وجلست تستمع، وخيم صمت مطبق حين قال شهم: -وجد لنا رجل يدعى نادر عملاً لدى عائلتك. أخبرتني والدتي حينها أن معارف لها دبروا العمل، لكن الحقيقة أن ذلك الرجل عمل لدى جدك ثم قتله بعد فترة وجيزة من وصولنا، وهو الذي أرسل أمي للعمل هناك. كدحت أمي ليلاً ونهارًا، ولم يكن هناك حد لمقدار العمل، لكن العائد كان ضئيلاً. وكلما طالبت بالمزيد، ذكرها مرؤوسوها: "لديك حظيرة تعيشين فيها، أليس هذا سقفًا يقيك من المطر؟ ولديك بقايا طعام، أليس هذا يكفي ليحفظك من الموت جوعًا؟ وطفليك يعيشان معك بدل الشارع، أليس هذا فضل يجب أن تشكريهم عليه؟" عانت أمي، ولم تشتكِ يومًا. وكنت أنا كالعبد، أتحمل كل شيء، فلا قدرة لي إلا على قول "نعم". تحملنا كل هذا لأنه عمل شريف، ونحن فقراء. لكن علوان، الذي كان متزوجًا حينها ولديه ابن صغير، يعاني عقدة أخلاقية. فقد حسب أن النساء العاملات في مزرعة والده ملكٌ له، يفعل بهن ما يريد، ولم يكن لفعله رادع، لأن لا أحد يجرؤ على الشكوى خوفًا من الطرد. أخبرتك أننا فقراء، أليس كذلك؟ أمثالكم لديهم القدرة على إيذاء أمثالنا، والشكوى أيضًا… طأطأت عنبر رأسها تستمع ودموعها تسيل. كانت مريضة تعاني من الحمى لليلتين متتاليتين، ووالدتها لم تنم، جالسة ترعى صغيرتها ليلاً، لأنها نهارًا تعمل. حاول شهم رعاية أخته محاولًا التخفيف عنها. أصوات الحيوانات كانت تؤنسهم، والابن أقسم على البقاء صاحيًا، محاولًا أن يؤنس الأم المكلومة بابنتها المحمومة. بعد منتصف الليل بساعتين، قال شهم لوالدته بعد اشتداد الألم على حنجرة أخته: -سأحضر بعض الحليب الدافئ. اكتشف أن الحليب نفد، وقرر أن يذهب ليحضره من البقرة، لكن والدته عارضت: -كلا يا شهم، إنها سرقة! -لكن يا أمي، نحن نعمل هنا ونسكن هنا، وضرع البقرة ممتلئ بالخير، كوب واحد لن يضرها شيئًا. -يا ولدي، لا يصح… سخن لأختك بعض الماء بدل الحليب. -سأحضر الحليب، وسأخبر العائلة بالأمر، ولو لزم سأتحمل العقاب. خرج شهم ليحضره، ولم يتأخر سوى دقائق، فحلب البقرة بمهارة. حين عاد، سمع أصواتًا هامسة. صوت والدته تتوسل، وصوت رجل يرفض توسلاتها. استرق شهم السمع، توسلت والدته: -أرجوك يا سيدي، ارحم ضعفي… -أنا سيدك، عليك طاعتي… -لا، أنا امرأة شريفة، لست من هذا النوع… سمع صوت أثاث يسقط، وشيء أثقل يسقط على الأرض. عرف أنه جسد والدته، فاندفع بسرعة إلى الداخل، فرأى علوان فوق والدته، يخنقها بيديه كي لا تصرخ، ويستبيحها كأنها لا شيء. بدا له وكأنه حيوان بري، لا يعبأ بأحد سوى شهوته. اندفع شهم ليبعده، فاشتبكا. استخدم علوان قوته للتغلب على شهم، فدفعه بعيدًا، وارتطم رأس شهم بالحائط، وانبعثت الدماء منه. غاص غضب عارم في عينيه. بلا تفكير، أمسك شهم بسكين وركض نحو علوان، الذي حاول الهرب. قاومه، لكن شهم أراد إيذاءه بشدة، فطعنه في أعز مكان له، فسقط نازفًا ومتألماً. كانت والدته جالسة في زاوية، تصرخ بلا قدرة على السيطرة، مرتعبة ومتنهدة، تراقب ابنها بيده سكين، وملابسه ملطخة بالدماء. ارتجف كريشة، وعقله ذهب مع شرفها المهدور. طفل كان يقف أمام الباب، ساهر. رأى كل شيء، مصعوقًا، ينظر إلى عمه وتارة إلى شهم. اقترب منه شهم وقال: -لقد رأيت كل ما حصل، أنا لم أخطئ. لم ينطق ساهر، ثم ولى هاربًا نحو والده. احتضن شهم والدته وهو يبكي. كان عليه الهرب، لكنه لم يفعل. تسمر في مكانه، غير مبالٍ بما أصاب علوان، مع العلم أن أفكاره تخبره أن أيامًا سوداء مقبلة تنتظره.
📜 الفصل الخامس 📜
لم تصدق رؤية ولا كلمة مما قالها شهم، حتى دموع عنبر لم تزد من مصداقية ما حكاه. احتضن شهم أخته وقال لها: -تمنيت لو أني أجهزت على علوان تمامًا ولم أترك له ولو بصيص نفس، لكن كنت طفلًا آنذاك مأخوذًا بشعارات الشرف التي تطلقها تلك العائلة. اتضح أن كل شيء كذب ونفاق، وأنهم يأكلهم العفن من الداخل. صرخت رؤية: -مستحيل! لو كان ساهر حسب كلامك شهد كل ما جرى، لأخبر والدي بالحقيقة ولشهد في المحكمة… ابتسم شهم بمرارة: -ماذا؟ ضد عمه؟ ويفضح عائلته؟ علوان تعود على النفاذ بجلده. لقد قتل طفلاً لمجرد الانتقام من والده. إنه رجل خسيس، وقد نال ما يستحق. ولو كان الأمر مردودًا لي، لعفوت عن حياته، لأنه الآن يعيش حياة أقسى من الموت نفسه. لكن هناك شخص لن يرضى حتى يراه تحت التراب، لذا يجب أن أنهي كل شيء هذه المرة. هتفت رؤية: -أنت مجنون! رد شهم بهدوء قاتل: -أعلم أنك لن تصدقي ما قلت. غدًا، حين يتم التبادل، اذهبي إلى ساهر واجري معه محادثة. سيخبرك بكل شيء. أنا لا ألومه على كذبه في المحكمة، فقد كان طفلاً، وعلى الأجدر هدده والدك. سارت لتوقفه: -لو كان ما تقوله صحيحًا… استدار ناحيتها وزمجر: -أنا لم أكذب، أخبرتك بالحقيقة، ولست ملزمًا بإخبارك بأي شيء. -لماذا إذن أخبرتني بهذه القصة؟ توقف شهم للحظة، ثم قال: -لأنني استمعت لكلامك عن النساء المعنفات. رأيت صدقًا فيما قلت. اعتبريني مجرمًا، لا بأس. لكن هل عنبر أذت أحدًا لتعيش أسيرة لدى والدك؟ ووالدتي، هل أذت أحدًا لتتعرض للأذية أمام ولديها بتلك البشاعة؟ لقد ماتت بعد أقل من سنة من تلك الحادثة. تعرفين كيف ماتت؟ رمقته بنظرات حائرة، أكمل: -لو كنت رجلًا سيئًا، لفعلت بك ما فعلت عائلتك بعائلتي. العين بالعين، أليس كذلك؟ لكني لا أنتقم من الضعيف… تظاهرت بعدم التعاطف معه، فاسترسل: -غدًا سينتهي كل شيء. نامي الآن. غادر الغرفة، وتركها مع أفكار لا حصر لها. كيف تصدق كلامه؟ أخفت عن شهم تأثرها العظيم بما قاله، لكنها حين انفردت بنفسها، غاصت روحها في ألم عميق. كل ما عاشته كان كذبًا، وهذه هي الحقيقة. لم تكن يومًا الابنة المفضلة، بل كانت تحاول دوماً المنافسة مع إخوتها، ولم تستطع. مع مرور السنوات، أدركت رؤية أن الأدوار في الحياة موزعة، وأن الحقوق غير متساوية: للرجل كل شيء، وللمرأة حقوق مسلوبة. في بيتهم، رأت التوازن والرضا الظاهري، وخلف الأبواب المغلقة اكتشفت المسرحية والأقنعة التي تضعها النساء للبقاء: تتظاهر بالسعادة، بينما تعيش في داخلها تعاسة أبدية. أما الرجل، فلا يرضيه شيء أبدًا، وعلى النساء تقع مسؤولية إعادة صفاء مزاجه، وإلا وجد امرأة أخرى لتفعل ذلك. كابنة لمنصور، حصلت رؤية على أكثر مما حصلت عليه قريناتها، أو هكذا كانت تعتقد. دللها والدها لأنها آخر العنقود، وكانت طفلة ذكية لا تتورع عن رمي نفسها بالنار لإرضائه. لكن في وجود إخوتها، تصبح غير مرئية. تدفع من أول الصف إلى آخره، ومهما فعلت، لن يُقارن بإنجازات إخوتها. تعودت الحديث مع مذكراتها، تنفث فيها كل سموم أفكارها، كي تبقى عاقلة، وإلا لجنت منذ وقت طويل. هي امرأة تريد التغيير، ونساء مثلها من الصعب جدًا عليهن التعايش مع أفكارهن غير المنجزة. لذلك كانت معاناة رؤية لا توصف: تدافع عن حقوق النساء، بينما حقها مسلوب، وتعيش الكذبة يوميًا لتجنب أن تموت بغيظها، وتتكيف مع واقعها المؤلم. -- وضعها في السيارة. لقد رفضت تناول الطعام مرة أخرى، وكانت ملابسها متسخة جدًا، ووجهها شاحب، وشعرها مقلوب كما لو أن فأرًا عبث به. كانت مقيدة اليدين إلى الخلف والقدمين أيضًا، وعصبت عينها بخرقة، مما جعلها لا ترى شيئًا، كما كمم فمها فلم تستطع الكلام. نظر شهم إلى عنبر وقال لها: -سينتهي كل شيء اليوم. قالت عنبر مترددة: -هل حقًا تعتقد أنهم سيوفون بما قالوه؟ أشارت إلى مكالمة ساهر التي أعطت لشهم مكان وزمان اللقاء، ووعدته بأن المال مع علوان سيسلَّم له إذا سلم رؤية سليمة. همس شهم: -لدي مسدس. إن راوغوا سيندمون حتمًا. شعرت بالرعب من كلماته. هل سينتهي الأمر بموته أو بموت أحد منهم؟ احتمال موته كان أكبر. أمسكت بزنده وتوسلت: -شهم، لا أريد خسارتك من جديد، أرجوك يا أخي… من لي غيرك؟ رد عليها بحزن، محاولًا بث بعض الأمل: -ابقي في هذا البيت، فلا أحد يعرف طريقًا إليه. أخبرتك أين المال، إذا حصل لي شيء، اذهبي بعيدًا، استعيني بالمال واهربي. فهمتِ؟ نشجت تتوسل به: -خذني معك… نموت سويًا أو نحيا معًا. رد شهم بحزم: -لا يا عنبر، هذه ليست حربك، بل هي حربي. أنا من عليه أن يخوضها. افعلي ما طلبته منك فقط. أخرج من جيبه ورقة بها رقم هاتف ظمياء: -إذا حصل شيء لي اتصلي بها، ستساعدك. أخبريها أنك من طرف نادر. نظرت إلى الورقة وهي تبكي بيأس متسائلة: -من هذه؟ أخي أرجوك فكر مرة أخرى قبل أن تتهور... -ستعرفين حين تتصلين بها. والآن سأذهب، وإلا سأتأخر. تركها دون أن يمنحها فرصة لإيقافه. فور ركب السيارة، سمع أنين رؤية، التي كانت مرتعبة، لا ترى، لا تتكلم، تسمع فقط. قال لها: -سينتهي كل شيء قريبًا، إذا كانت عائلتك تحبك ولو مقدار حبة خردل، سينتهي الأمر بطريقة ودية، وستعودين إلى فراشك الدافئ وتنسين كل ما حصل. لكنه يشك تماما إن تلك العائلة التي تعودت على إثارة المشاكل ستنهي الأمر بودية. وصل إلى الموقع المتفق عليه، أوقف السيارة على بُعد، وترجل ليستكشف المكان، ملتزمًا بارتداء ثياب فلاح عادية ولثام على وجهه. لم يتأخر، وعاد إلى السيارة وشغل محركها: -سننتظر لبعض الوقت. أريد أن أرى حضورهم. نظر إليها خلال المرآة الأمامية وأضاف: -أعجبتني شجاعتك في المكتبة، لكن شعرت أنك ضائعة. إذا أردتِ الاستمرار في طريقك للدفاع عن المرأة، فعليك أولًا نبذ النساء المحيطات بك في تلك المؤسسة، فهن مصاصات دماء لا يأبهن بالنساء، بل لديهن جدول أعمال خاص. هزت رأسها كأنها تصادق على كلامه فهمس: -سأبعد كمامة فمك، لكن لا تصرخي، لدي مسدس، وإذا حوصرت سأستعمله. تذكري، أنا مجرم. هزت رأسها بالموافقة، وفعل كما وعد. أكمل كلامه: -في السجن، قرأت الكثير من الكتب. قال لي مسؤول المكتبة: كثرة القراءة لا تجعل الناس مثقفين، بل التفكر فيما نقرأ. كلما فكرنا أكثر، استطعنا تكوين آرائنا الشخصية ومواجهة ما نقرأ ونعيش. هذا هو النضوج الحقيقي، وليس الرقم الذي يحدد العمر. -إلى ماذا ترمي؟ -أنتِ صعبة المراس حقًا، وهذا جيد. المعركة التي تخوضينها تحتاج رأسًا يابسًا كرأسك. إذا أردت دخول معركة، عليك معرفة سبب قتالك: هل للحق، أم للشهرة، أم لدوافع الآخرين؟ -لم تجب على سؤالي! -كوني رأيك الخاص، ولا تسمحي لهم بسكب آراء دخيلة في بحيرة أفكارك. انظري إلى ما تطلبينه، هل يتوافق مع حياة النساء اللاتي تقاتلين لأجلهن؟ هل طلباتك واقعية؟ أم مجرد هتافات فارغة؟ قاتلي حربك الخاصة، واعرفي ما تحتاجه النساء المعنفات والمظلومات والمهمشات؛ هن الضحايا الحقيقيات. ولا ترمي بهن الى التهلكة بمطالب لا تناسب وضعهن الاجتماعي. أخذت نفسًا عميقًا، وهدأت نبرتها وغيرت مجرى الكلام مرجعة إياه الى أحداث اليوم التي يحاول شهم أن يبعد تفكيره عنها: -هل حقًا سيموت أحدهم اليوم؟ ابتسم بألم، لكنها لاحظت توتره وأوردته البارزة قرب عينه، نذير خوف: -أعدك، لن أصيبك بأذى. هل يرضيك هذا الوعد؟ نبرة صوته المجروحة جعلتها تدرك مقدار جهده لكشف جانب من شخصيته. ربما طوال هذه الفترة كانت مشغولة بمحاولة كرهه، ولم تفهم دوافعه. لكنه في الحقيقة -وان اظهر القساوة- فهو ليس سوى إنسان لديه الم بسبب ما فعلته عائلتها بعائلته. هل يستحق منها كل هذا الاحتقار يا ترى؟ لو وضعت نفسها مكانه هل ستتصرف بشكل مختلف؟ ردت عليه: -أنت تعرف أنهم لن يسلموك عمي. -وأنتِ تعلمين أن بإمكاني قتل علوان في أي وقت، وقتل جميع أفراد عائلتك والهروب بعيدًا. صدمها رده، ليكمل: -لكني لست قاتلًا. لا أريد أن أقتل أحدًا، حتى قاتل أمي، لا أريد قتله. لكن في أعماقي، أحمل غضبًا لو خرج، سيفجر عائلتك على بكرة أبيها. لكني أكبته، وأدعو الله أن يحميني منه. -لا أفهمك! -قصة لن أحكيها الآن… ربما إذا أخبرتني قصة تحولك إلى مدافعة عن حقوق النساء، سأخبرك بقصة تحولي إلى قاتل… -دعني أذهب الآن بلا خسائر. خذ عنبر، وقدها إلى حياة أفضل. لا داعي للمواجهة. -يجب أن يدفع علوان ثمن جرائمه بأي طريقة، هذا هو العدل. -لكنك لا تريد قتله. -لن أقتله أنا… لاحظ وصول سيارتين من بعيد، لمح داخل أحداهما الأخوين غيث وساهر وقال لرؤية: -استعدي. أخرج مسدسه وتأهّب، وارتجفت أوصالها خوفًا. خرج من السيارة، أمسك بها، وسارا حتى مقدمة السيارة ووقفا. خرج ساهر وغيث، وكان ساهر يحمل حقيبة، ففتحها شهم وشاهد المال، ثم أحضرها له. سأل شهم: -أين علوان؟ -إنه نائم، اضطررنا لتخديره. يجب أن نحمله لسيارتك. رد شهم: -لا بأس، أحضراه، ولا داعي للألاعيب. المسدس جاهز. لوّح بمسدسه، وجفل ساهر، وتبادل النظرات مع غيث: -لا داعي للتهديدات، أيها المجرم. وضع شهم المال في السيارة، وراقب الأخوين يحملان رجلاً شعر أنه ليس بعلوان. أدرك الخدعة، ووضع فوهة مسدسه على صدغ رؤية، مهددًا: -لا تتحركا، سأطلق النار عليها! تراجع الأخوان، ورمى شهم رؤية في السيارة: -لا تقتربا! ركب السيارة، وأطلق بعض العيارات النارية في الهواء لإخافتهما، ثار الكثير من العجاج ورؤية كانت تصرخ بجنون ولعن غيث حظه، فيما توسلات ساهر ذهبت أدراج الرياح: -لا يا شهم، لا تؤذها، دعها تذهب… قال شهم: -لا تتبعوني، سأفجر رأسها إن تبعتموني. فشلت محاولات غيث في استرداد أخته. ساق شهم سيارته في طرق ملتوية، متأكدًا من عدم وجود أحد يتبعه، عائدًا إلى البيت بحقيبة الأموال في يد، ورؤية في اليد الأخرى. وكانت هلعة ترتجف لا تعرف ماذا تفعل فكرت بألف فكرة للهروب حتى أنها أرادت فتح باب السيارة المسرعة ورمي نفسها منها، لكن عزيمتها خذلتها. -- ولولت ابتهال - والدة رؤية - التي لم يتوقف دمعها طوال الفترة الماضية. صرخت في وجه ابنها: -فشلت في إعادتها؟ لم ترجع اختك إلى البيت؟ يا ويلتي يا حاج منصور! ابنتك في يد المجرمين، وحيدة، ولا أحد قادر على مساعدتها. ماذا سيفعل بها الآن ذلك المجرم؟ -أصمتي يا ابتهال! صرخ فيها منصور. -الآن هو سيقتلها… سيقتل ابنتي! العائلة صمتت، تراقب ابتهال وهي تلطم وجهها من شدة الألم على ابنتها، بينما ساهر يمسك بها محاولًا تهدئتها. همست له، وهي تعرف أنه غير قادر على اتخاذ قرار معاكس لقرار والده: -يا ولدي يا ساهر… كيف وافقتُم على هذه الخطة؟ ألم تقل لي إن رؤية ستعود اليوم؟ لماذا لم تقل لي إنكم قررتم خيانة ذلك الرجل؟ رد ساهر: -لقد شعرنا أن الخطة محكمة، لكن تسرع غيث ما أطاح بها. نظرت إلى غيث، الخافض رأسه، وصرخت في وجهه: -لطالما كنت متسرعًا… انظر إلى ماذا قادنا تسرعك! اقتربت من زوجها، أمسكت بعباءته البنية، وقالت: -أريد ابنتي يا منصور. رمق منصور من حوله وقال بصرامة: -ليذهب كل إلى شأنه. لا داعي لوقوفكم هنا، ولن ينفعنا كثرة الولولة. سأجد حلاً. انفض الجمع بهدوء، وسحبت فخرية زوجة أخيها المكلومة وهي ترمق منصور بامتعاض. اقتربت خولة - زوجة علوان - وهمست في أذن فخرية: -أين هادي؟ رمقتها فخرية بازدراء وهمست: -هل هذا وقت مناسب يا خولة؟ ردت خولة بقلق: -ليس في أي مكان في البيت. -قد يكون في الجامعة أو برفقة أحد أصدقائه. إنه في كلية الطب ويحتاج للكثير من الدراسة. الوقت ليس مناسبًا للقلق على ابنك يا خولة. رؤية قد تكون ميتة الآن… قالت الكلمة الأخيرة بهمس مبالغ فيه كي لا تسمعها ابتهال. تركتها خولة محاولة الاتصال على هادي، لكن الهاتف رن بلا رد، مما زاد من قلقها على ابنها. في السيارة، ظل هادي في وضعية الجنين، يحاول الخروج. بدأ يشكك بذكائه وخطته التي وضعها الليلة الماضية. هل حب فتاة يمكن أن يدمر الرجل؟ وتلك الفتاة ليست كأي فتاة، بل هي أخت الرجل الذي كاد أن يقتل والده، ولا يزال يبحث عن ذلك الوالد. أراد هادي أن يكون بطلاً، تحسس السكين الذي أخفاه في جواربه. تذكر حين سمع غيث وساهر يتحدثان عن الخطة؛ كان حديثهما أشبه بالسجال، حاول ساهر أن يردع غيث عما يريد فعله، وفشل، وسمعهما هادي. ومن هناك قرر أن يبيت ليلته خارج البيت، قريبًا من مكان التسليم، وألا يتدخل في أي شيء على الإطلاق، عدا دخوله في صندوق سيارة شهم. وهذا ما حصل، في خضم الانفعال. سمع صراخ رؤية ومحاولات شهم لتهدئتها تارة بالصراخ على صراخها وتارة بالتصبر. ظل يتساءل عن مكان عنبر في ظل هذه الفوضى. عندما شعر هادي أن سيارة غيث توقفت، سمع مقاومة رؤية للخروج من السيارة وصراخها المتكرر على شهم ليتركها وشأنها: -دعني اذهب جرجرها من يدها وهو يهدد: -سأضع القيود على يدك إن لم تهدئي -انت مجنون! -لقد تحدثنا في هذا الأمر سابقا بدأ صوتهما يقل حتى علم هادي انهما دخلا الى البيت وأن لا أحد في السيارة، بدأ بشق الجزء الداخلي من المقعد الخلفي مستخدمًا سكّينه، ليخرج من السيارة. داخل البيت، ذرع شهم المكان جيئة وذهابًا، يستمع إلى نشيج رؤية المستمر وارتجاف عنبر التي قبعت في زاوية، تفكر بكل احتمالات نجاتهما من هذه المصيبة. الآن، هذه العائلة ستقوم بالانتقام. جلس شهم أمام رؤية وقال لها: -لماذا تبكين؟ هل لأن عائلتك أثبتت حقارتها وكذبها، أم لأننا كدنا نموت لولا لطف الله؟ حدقت فيه، وهمست: -لقد وعدت أن كل شيء سينتهي. -بل وعدتك أنك ستكونين بأمان. ألم أحافظ على حياتك؟ -لماذا لم تتركني؟ لماذا لم تهرب وحيدًا؟ -أنا لا أهرب، أيتها الفتاة المدللة… أنا أهاجم فقط. ابتسمت بتهكم وقالت: -لقد هربت منهم… رد شهم بحزم: -لقد أخذتك بعيدًا عن مكان كاد أن يحوله أخوك إلى مذبحة. أنا لست وحيدًا في هذا. يوجد رجل اسمه حامد يتبعني أينما ذهبت. لم يره أخوك الغرّ، ولا يعرف أي شيء عنه. لو أطلقت طلقة واحدة هناك، لما تورع حامد عن كيل وابل من الطلقات لا تصمت إلا بموت جميع عائلتك. لم تعتقدي أنني سأذهب هناك كالقط الأعمى؟ ابتلعت ريقها ولم ترد. ليكمل: -كان بإمكاني البقاء وتبادل إطلاق النار، لكنك ستكونين في المنتصف تمامًا، لا يلتفت إليك أحد، ستفترشين التراب بجسد كالمنخل، تحته بركة حمراء لزجة… يجب عليك أن تشكريني. ظلت محدقة فيه، لكنه ابتسم وأضاف بنبرة أخف: -انظري إلى الجانب الإيجابي، الآن لدينا الوقت لنتحدث أكثر عن مشاريعك وأفكارك، ونتعرف على بعضنا أكثر. أشاحت بوجهها عنه، فابتعد موجّهًا كلامه لعنبر: -يكفي الآن نواحًا. حضري لنا بعض الطعام، يا عنبر، لنأكل ونغادر. حانت منه نظرة طويلة لحقيبة المال التي كانت جالسة وحيدة؛ لقد حلت مشكلته المادية. في الخارج، كان هادي يحوم حول البيت الهادئ ويسترق النظر من فتحات الستائر خلف النوافذ. رأى عنبر في المطبخ تصنع الطعام، فظن أن هذه فرصة سانحة له ليطلب مساعدتها في إخراج رؤية والهروب. اعتقد أنها هي الأخرى تعاني وتنتظر فرصة للهرب من إجرام أخيها. سمعت عنبر صوت خشخشة فجفلت يدها على قلبها وهي تهمس: -ماذا تفعل هنا يا سيد هادي؟ -لقد طلبت منك ألف مرة ألا تناديني "سيد"! كان الحديث بينهما هامسًا، يجرح الحنجرة. هتفت: -اخرج فورًا ولا تعد إذا رآك أخي… -ماذا؟ هل سيقتلني؟ هل ستدعينه يقتلني؟ تراخت قبضتها عن السكين الذي كانت تقطع به الخضار، وهمست: -لماذا يتحدث الجميع عن القتل كأنه أمر لا مفر منه؟ لقد تعبت… أنا تعبت. قال هادي: -عنبر، تعالي معي… -معك أين؟ -أتيت لأنقذك وأنقذ رؤية. أخوك غير مستقر! -ماذا تقول؟ -افهميني يا عنبر يجب ان نخرج من هنا بسرعة نعود الى البيت ... -بيتكم؟ -عمي سيحمينا.. فقدت السيطرة على صوتها: -هل انت مخبول؟ لماذا عساني أعود الى السجن الذي هربت منه؟ -اسمعيني أنا اعرف إن عائلتي كانت قاسية لكن... -لكن ماذا؟ هل افتقدت خادمتك؟ -لا يا عنبر حين نعود لن تعملي كخادمة سأخبر عمي إنك ساعدتني وسأخطبك... لم تستمع له أكثر، أمسكت بمقلاة قريبة من يدها، وبلا تفكير ضربت هادي بها على رأسه! صوت صفير مؤلم في رأسه، وهو ملقى على الأرض عاجزًا عن الحركة. سارع شهم بعد سماع الجلبة ليرى أخته، لاتزال ترفع المقلاة الثقيلة، عيناها متسمرتان على هادي الساقط نفسها لاهث وصدرها يتحرك بعنف. فور رؤيته، هتفت: -شهم! هل مات؟ أرجوك، أخبرني، هل مات؟ فحصه شهم بقلق: -ماذا حصل؟ كيف جاء هذا إلى هنا؟ -هل مات؟ -كلا يا عنبر، إنه كالقرد الصغير، فكيف تتوقعين موته من ضربة مقلاة؟ قلبه يمينًا ويسارًا مفتشًا إياه، وأخرج السكين التي يخفيها، وأخذ هاتفه وقال لعنبر: -احضري لي الشريط اللاصق بسرعة، يبدو أننا سنجمع العائلة كلها في هذا البيت. بحثت عن شريط لاصق، ليربط هادي ويجلسه على الأرض. سألت أخاها: -ماذا ستفعل به. أرجوك لا تؤذيه انه ليس كالباقين! بحلق فيها شهم وكانت نظرات القلق على هادي بائنة على وحياها فطمئنها: -انه ابن ذلك الرجل البغيض، ولكنه لا يشبهه أبدا. -نعم انه طيب ليس كوالده. أراد شهم العبث مع أخته فرفع كفه في حركة تمثيلية متظاهرا بضرب هادي على وجهها فأمسكت عنبر يده وهي تتوسل: -لا تضربه يا أخي ... -تخافين عليه؟ ارتبكت: -أنا فقط لا أريد أن تتورط. تبسم شهم ثم طلب منها كأس ماء ورماه في وجهه ليوقظه. لم يكن هادي فاقدا للوعي تماما سمع حوار شهم مع أخته بشكل ضبابي. حين لامس الماء البارد وجهه أيقظه كليا. فور أن فتح عينه بدأ شهم باستجوابه: -هل عائلتك تعرف بهذا المكان؟ -جئت لوحدي. -كيف وصلت إلى هنا؟ أخبرني. أجاب هادي بشكل مقتضب، فسأله شهم: -ماذا تريد؟ هل تريد إنقاذ والدك؟ -لقد عانينا جميعًا ما يكفي بسببك. -أنا لست السبب… السبب والدك! بالمناسبة، أين هرب كالفأر هذه المرة؟ غضب هادي، لكن غضبه كان باهتًا ومرتجفًا. تبادل مع عنبر النظرات، وهي في أشد حالات الخوف والارتباك. ضرب شهم رقبة هادي من الخلف بلطف مطالبا إياه بالرد فقال هادي: -دع عنبر ورؤية تعودان معي.. -تريد أن أرسل أختي معك الى ذلك الجحيم؟ هل ضربة المقلاة أثرت على مخك؟ تنفس هادي بعمق ليستدير شه لأخته ويقول: -هذا البطل يريد إعادتك لحياة العبودية عند عائلته! هل هو غبي ام يتظاهر بالغباء خفضت عنبر نظرها وهي تسمع هادي يدافع عن نفسه: -صدقني يا شهم هناك سأحافظ على حياتها. رد شهم متهكما وهو يشير الى حال هادي في تلك اللحظة مربوطا مبللا: -ومن سيحميك انت في هذه اللحظة مني؟ هتف هادي: -أسلوب الهمجية هذا لن يقودك الى أي حل... قال شهم موجها الكلام لأخته: -أرجوك، يا عنبر، جهزي نفسك وجهزي رؤية… سنغادر بأسرع وقت. هذا المكان ليس آمنًا، إذا استطاع هذا القرد إيجادنا، فبقية أفراد السيرك لن يجدوا صعوبة في الوصول إلينا. نظر الى هادي بعد مغادرة عنبر ورد على كلامه: -أنا همجي الم تستمع الى كلام عائلتك عني؟ -أنا لست عائلتي أنا مختلف عنهم. لقد عانيت بسبب طريقتهم في التفكير والحياة.. -تعاني بأموالهم يا لك من منافق يا هادي. زفر هادي: -نعم أنا أعيش على أموالهم وانتقد أسلوب حياتهم اعرف ما ترمي اليه يا شهم. لكني لست منافقا، بل محاصر. تبسم شهم: -وتريد العودة الى ما تكره، بل وتأخذ أختي معك! بدأت اشك في قواك العقلية. -لقد عشت في ذلك البيت مع عائلتي، ولكني كنت كعنبر غريبا. ما فائدة إن تكون وسط اهلك، ولكنك تشعر بالغربة. اعرف أن هنالك ثأرا بينك وبين أبي. لا افهمه ولا اعرف سببه. -سأخبرك الحقيقة إن أردت. علم هادي ألا عودة بعد سماع ما في جعبة شهم. هز راسه موافقا: -لا باس أخبرني لماذا تكره أبي... -والدك قتل والدتي، وقتل طفلًا آخر قبلها بسنوات، وأفلّت من العقاب. أما الآن، فلابد أن يُحاسب. أصابت الصدمة هادي. لم يصدق ما قاله شهم، فأصرّ شهم على شرح التفاصيل: مقتل ابن نادر، اغتصاب والدته، موتها، كل ذلك بحبكة مؤلمة جعلت هادي يتمنى لو يستطيع أن يسكب رصاصًا على أذنيه ليختصر سماع هذه الحقائق. صرخ هادي أخيرًا: -كيف تجرؤ؟ زفر شهم بصوت مملوء بالمرارة: -لا فائدة من الحديث… كنت أعلم ذلك منذ البداية. حاول هادي الكلام، لكن شهم منعه وسأله بحزم: -ماذا تريد من أختي؟ لماذا تتبعها؟ بحلقة صارمة في صوته، كرر: -تكلم… ماذا تريد من أختي؟ همس هادي: -ماذا…؟ رد شهم: -أنت لست هنا من أجل ابنة عمك، أنت هنا لأجل حلّ عنبر… فلماذا تخاطر بحياتك وتتبعها؟ -أنا أحبها… -هل تعلم هي بذلك؟ -لا أعرف… -هل تعلم عائلتك بذلك؟ -نعم، أعتقد أن الكل يعرف… تنهد شهم بمرارة: -يا لها من نكتة، أيها المسكين، هادي الصغير، واقع الآن بين حبه لوالده وحبه لأخت المجرم. -لا أرى نكتة في ذلك… بل مأساة! زفر شهم ورد عليه بسخرية سوداء: -كوميديا سوداء يا دكتور… لا نعرف هل نضحك عليها أم نبكي. صمت شهم قليلاً، ثم أردف: -أعتقد أنني سأختار الضحك عليها. والآن اسمع: لا تقترب من أختي أبدًا، لأنني لن أتوانى—أقسم لك—لن أتوانى عن محوك عن سطح الأرض. سار شهم مبتعدًا، فقال هادي باندفاع: -ألا تسألها رأيها؟ رد شهم متحديًا: -أرى أنك أيضًا نسوي وتهتم لرأي النساء، لكن أخبرني، يا هادي، أين كنت حينما تمت معاملة أختي كالحيوان في بيتكم؟ روح النسوية التي بداخلك لم تظهر هناك. -اسمع، أنا لم أرضَ يومًا عن الطريقة التي عاملوها بها… قاطعه شهم بحزم: -اششش… لا يهم الآن. إن كنت حقًا تحب أختي، أثبت لي أنك تستحق هذا الحب، وسأعيد النظر في رأيي بالموضوع. -كيف… كيف أثبت لك؟ تنفس شهم نفسًا عميقًا ورد: -لا أعرف، يا هادي… أنت في موقف عصيب. هناك جانبان: اختر على أي جانب تريد أن تكون. لا يمكنك البقاء وفياً لأختي دون أن تخون عائلتك، والعكس صحيح أيضًا. فكر جيدًا قبل اتخاذ القرار. تركه، وقبيل مغادرته البيت عاد إليه وأرخى قيوده قائلاً: -عد إلى عائلتك، يا هادي. أنت تبدو رجلاً طيبًا، لست كالباقين. وفكر مليًا في كلامي. -أرجوك، دعني أتحدث لعنبر… دقيقتين فقط، أعدك… -ماذا تريد أن تقول لها؟ -أودعها، أو أشرح موقفي لها… خرج شهم ونادى على عنبر، فجاءت على استحياء مترددة. نظرت لهدي بقلق، فقال هادي: -شهم، أنا مربوط، لن أفعل شيئًا لها إذا تركتنا لوحدنا. ابتسم شهم ومازح: -أنا خائف عليك، أنت يا هادي… فقد أردتك بمقلاة، وهناك هنا سكاكين أيضًا! تركهما فوجه هادي كلماته لعنبر: -لا تقلقي، سأكون بخير… تأملت عنبر وهامست، ودمعة تترقرق في عينيها: -آسفة على ما فعلت… أنا فقط كنت خائفة. رد شهم بحنان: -مني؟ وهل أذيتك يومًا؟ -ماذا تريد مني؟ -ألست تفهمين حتى الآن ما أريد؟ -أعتقد أنك أنت أيضًا لا تعرف ماذا تريد… نظر لها حائرًا، لتكمل: -لن أتخلى عن أخي. لقد فرقنا الزمن عشرون عامًا، عشت خلالها ذلًا لا يُطاق، وعاش هو عارًا وألمًا. الماضي انتهى، لا يمكن تغييره، لكن الحاضر والمستقبل بيدينا بعد. -موقفي ليس سهلاً… -لا شيء سهل في هذه الحياة. اختيار طريق من بين عدة طرق ليس بالأمر اليسير. استعدت لتتركه، فاستوقفها: -إذاً أنتِ لن تختاري أحدًا سوى شهم؟ ردت بثقة: -أخي بالنسبة لي هو الطريق الذي سأختاره دائمًا، وسأختار كل من يختار هذا الطريق. أما أنت، فليس مقدرًا لنا أن نكون سويًا… هذه هي الحقيقة! غادرته، وهو واجْمًا يتفكر فيما قالته. فإذا اختارت عائلتها، أليس هذا ولاءً مطلقًا للدم؟ كانت كلماتها إشارة له، ليصنع هو ما يراه مناسبًا بنفس الولاء. لم يعرف أي منهما أن شهم كان يستمع لكل المحادثة، ثم ابتعد كي لا تراه أخته يتنصت. شعر بسعادة غامرة، فولاءها له أراح قلبه وأفرح فؤاده. بعد أن انتهى النقاش ودخل شهم مرة أخرى عليهما قال له هادي بيأس: -اترك رؤية… همس شهم: -أحضر لي والدك مكانها... عض هادي على شفتيه كمدا، ورد: -اقتلني أنا… ها أنا بين يديك، اقتلني مكانه، واختف عن الأنظار، وانسَ كل شيء. رد شهم بهدوء شديد، ولكنه حازم: -أنت لا تفهم يا هادي. -لا أفهم ماذا؟! -لست أنا وحدي من يحاول العثور على والدك، بل هنالك رجل أخطر مني يريد القصاص منه. علوان لن ينجو وبكل الأحوال سيدفع ثمن أفعاله. -من تقصد؟ الرجل المسجون؟! -نادر! تعرفه؟! -سمعت عنه! وسمعت انه مشارك معك -ما سمعته صحيح! اسمع أنا لا أحقد عليك فقط أريد العدالة لامي! على كل حال. ودع عنبر لأننا سنغادر! لم يعد المكان أمنا لنا! -إذا ستتركني اذهب؟ -بل نحن من سيذهب وأنت افعل ما تشاء! -سآتي إذا معكم! -حمل زائد لن ينفعني. اذهب الى بيتك وواصل حياتك وأكمل دراستك. هذا أفضل للجميع! تركه وغادر الغرفة وظل هادي يفكر بعصبية بينما انتقل شهم الى غرفة رؤية التي قالت له بنبرة قلقة: -من كان هذا؟ يشبه صوت ابن عمي هادي؟! -انه هادي! بهتت: -لكن كيف؟؟ -لا يهم! سيغادر! تنفست الصعداء لعلمها انه لن يؤذيه. همست: -دعني اذهب معه! -مهمتك لم تنته بعد! وعلى كل حال اعتقد انه سيرافقنا! رفعت حاجبيه: - دعني اتحدت معه! -لا داعي للحديث معه الآن. -لكن لماذا تقول انه سيرافقنا؟ -الم تستمعي لحديثنا انه بيت صغير والجدران بالية! -لا يوجد معنى لكلمة "خصوصية" في حياتك، أليس كذلك؟ رد شهم: -في السجن اغتسلت مع خمسين رجلاً آخرين في نفس الحمام… هذا أقصى مفهوم للخصوصية امتلكته. ارتجفت رؤية وقالت: -مقزز… أومأ شهم بنبرة متراجعة، وابتسامة متوترة تخللت حديثه: -لقد حاولت مرة ألا أغتسل بسبب ذلك… وكنت بالفعل مقززًا. غابت نبرته المتهكمة لتحل محلها نبرة مظلمة، ونظرة معتمة، وذكريات الحمام تغتصب عقله بالألم، تاركةً أثرًا ثقيلًا على وجدانه. -- غادر شهم مع أخته ورؤية، وعند دخولهما السيارة اكتشف الثقب في المقعد الخلفي الذي سببه هروب هادي. لعنه ألف مرة في أعماقه، لكن لم يعد هناك ما ينفع الندم عليه. انطلق نحو المكان الذي حدده له حامد خارج حدود المناطق المعمرة: بيت طيني على أطراف المدينة يبدو هادئا بعيدًا عن الأعين. سألته عنبر بقلق: -إلى أين تأخذنا؟ أجابها بهدوء: -بعيدًا، فقد أصبح المكان السابق مكشوفًا. -هل سنبقى نتنقل هكذا؟ -لا، أنت لن تبقي، يا أختي. قريبا ستغادرين. -أغادر؟ -سأبعدك يا عنبر، لقد وعدتك… ووعد الحر دين في رقبته. أشارت بعينها لرؤية المقيدة في الخلف، فأجابها شهم: -لا أعرف، يا عنبر… لا أعرف. جلست رؤية بهدوء، مكممه، عاجزة عن أي فعل تستمع فقط. وصلوا إلى البيت ليلاً، واستقبلهم حامد بقلق: -شهم، ماذا أخرك؟ -لا شيء. التفت حامد نحو رؤية وهمس: -هذه إذاً ابنة منصور؟ أجاب شهم بهزة رأس موافقة. ظل حامد يحدق برؤية وكأنه يحاول معرفة طريق إليها، لكنه لم يخف رغبته في مراقبتها أمام شهم. فتح شهم قيود رؤية وقال لها: -الصحراء فقط ما يحيط بنا… أرجوك لا تحاولي الهرب. ردت ببرود: -أليس الموت في الصحراء أفضل من البقاء هنا؟ ابتسم شهم بنبرة حازمة: -لا تكوني غبية. نظر إلى أخته عنبر التي كانت تعد الطعام، ثم قال لرؤية: -هيا قومي وساعديها. -هل جننت؟! -انهضي، يجب أن تصنعي طعامك بنفسك. أكمل: -ونظفي المكان قليلًا معها، حضريه لنا لننام. -لقد فقدت عقلك، أيها السوابق! بحزم، مد يده إلى يدها ليرفعها وقال: -يجب أن نتعاون كي ننجو. -أنا لا أعرف الطبخ… -هذه فرصة ذهبية لتتعلمي. نهوض رؤية كان متثاقلًا، لكنها التزمت بالتحرك نحو عنبر والانخراط معها في إعداد الطعام. جلس شهم خارج البيت، يستنشق الهواء وينظر إلى النجوم، محاولًا التركيز على خطوته التالية بعد أن أصبح واضحًا له أن علوان لن يتم تسليمه. شعر بشيء من النعاس، أغلق عينيه للحظات واستسلم للنسيم الهادئ، تتوالى في ذهنه ذكريات والدته، ضحكاتها المتعبة، وقبلاتها على جبينه، كل التضحيات التي قدمتها لأجله ولأجل أخته الصغيرة. اقتربت عنبر لتخبره أن الطعام جاهز، فوجدته نائمًا، يلهث بشدة. تبسمت، فهي لم تره بهذا التعب من قبل. جلست تراقبه، حتى سمعت فجأة صرخات من داخل البيت. قلبها تجمد، وقفز شهم من نومه مفزوعًا، ينظر حوله بلا وعي لما يحدث. نظر لها صارخا: -ماذا يحصل؟ كانت الدهشة بادية على وجهها فأسرع داخل البيت.... بعد أن أنهت عنبر إعداد الطعام، طلبت من رؤية إعداد السلطة، ففعلت وبعد الانتهاء، وضعت بعض الملح على السلطة وذهبت لتراقب السماء من النافذة الصغيرة. النجوم الصغيرة المتلألئة جعلتها تبتسم. لم تشعر بوجود حامد خلفها، حتى همس في أذنها: -كيف حالك يا جميلة؟ ارتجفت، واستدارت لمواجهته: -ابتعد! ضحك بسخرية: -أنتِ ستموتين على أي حال، فلماذا لا تتمتعين قليلًا؟ دفعته لكنها كان قويًا جدًا، لم يتحرك، بل أمسك بها أكثر وأحاط خصرها بذراعيه، ودس وجهه في رقبتها. صرخت بأعلى صوتها، تقاومه وتخدشه بأظافرها بينما كان يحاول فك قميصها، في محاولتها المستميتة للدفاع عن نفسها. بلا وعي وجدت نفسها تنادي على شهم لينقذها. -- لم يشعر حامد إلاّ بيد تسحبه من ياقة قميصه وتدفعه بقوة حتى ارتطم بالحائط، وصدى صوت شهم يزمجر فيه: -ابتعد عنها! احسّ حامد بقوة الارتطام؛ تحطّم ظهره واصطدم وجهه بوجه شهم مباشرة. دون إرادة اندلع بينهما عراك بالأيدي لم يدم سوى ثوانٍ، ثم وجد نفسه تحت قبضتي شهم، يحاول الذود عن نفسه بلا جدوى؛ ثبتَه شهم بقسوة، وتطاير الشرر من عينيه. صاح فيه بغيظٍ مستعر: -عديم الشرف! ردّ حامد بصوت متحشرج: -ما شأنك أنت؟ لماذا تتدخل؟ لكمه شهم على فكه وصرخ: -ألا الشرف؟ أنا أقتل لأحافظ عليه! ثم شَدّد على الكلمة، وأرخى قبضته عن عنق حامد الذي تلفّظ متمتمًا: -أنت غبي… إن أردت الانتقام، فها هو الانتقام أمامك: اكسر شوكتهم. كانت رؤية ترتجف، تبكي من الخوف والمهانة، وتمسك بها عنبر الغاضبة محاولةً منحها بعض الطمأنينة بلا جدوى. كلما التفت حامد نحوها، زاد قلبها ارتعاشًا؛ لم تعرف مصيرها، فمصيرهم جميعًا معلق في كفّ شهم -قد يوصِلهم إلى برٍّ آمن، وقد يغرقهم موجٌ عاتٍ لا يُتنبَّأ بردّه. غلب شهم غضبه من جديد، وضغط على عنق حامد حتى بدا الأخير يختنق. توسّلت عنبر إليه مرارًا ألا يقترف جريمة في تلك الليلة، وظلّ صوت حامد يخرج متقطعًا وهو يلهث: -إنها أوامر نادر… أقول لك إنه نادر! أرخى شهم قبضته فجأةً، وسأله صارخًا: -ماذا تقول؟ كرر! همس حامد بصدقٍ متقطع: -نادر أعطاني أمرًا أن… -أن ماذا؟ -أنه لم يعد يثق بقدرتك على إتمام المهمة… لذا طلب مني أن أكسر شوكة عائلتهم. تجمد شهم للحظة، ثم دفعه بعنف إلى الحائط حتى ارتطم رأسه وفقد وعيه. نهض بسرعة، وأمر عنبر بجمع الأغراض ونقل رؤية إلى السيارة بأسرع ما يمكن. لم تمض سوى دقائق حتى جلس الجميع في السيارة، وكان صوت نحيب عنبر ورؤية يتردّد في المقعد الخلفي. قال شهم بهدوءٍ مطمئنٍ لكنه قاسٍ: -سنذهب إلى فندق لنقضي الليل. قاد السيارة طويلاً حتى وجد مكانًا مناسبًا، وأخذ غرفة واحدة لعلّه بذلك يخفف احتمال تفرقهم. جلست رؤية على السرير في حالة صدمة، وجلست عنبر بجانب شهم تهمس له: -ماذا الآن يا شهم؟ إلى متى سنبقى على هذا الحال؟ رمقها متفكّرًا وقال: -اللعنة عليهم جميعًا. سآخذك إلى مكانٍ بعيد، وهذه النقود تكفينا لبعض الوقت. همست عنبر: -أعتقد أن الوقت حان لتخلي سبيلها. أجاب شهم بمرارة محبطة: -أنت محقة. ما كان يجب أن أُدخلها في هذه المعمعة. ابتسم تعبانًا وقبّل يدها قائلاً: -اذهبي، نالي قسطًا من الراحة يا أختي. -وأنت أيضًا. نهض واقترب من رؤية، فارتجفتْ باقترابِه، وقال لها: -أريد الحديث معك. نظرت إليه بلا ردّ، فجلس وقال بهدوءٍ أقلّ حدة: -أريدك فقط أن تعرفي… -أعرف ماذا؟ قاطعته بنفَسٍ حادّ. ردّ بانزعاج لاذع: -ما حصل… -ماذا حصل؟ ردّت بحدةٍ قاتلة. -لم يحصل شيء… لك أو لأختك، بل حصل لابنةٍ وأخت رجلٍ آخر! داس كلامها على قلبه كاتهامٍ سافرٍ، فقال بشدةٍ مكبوحة: -أنت محقة… لم يحدث شيء سوى ما فعله ذلك القذر. أجابت ببرودٍ مُنكمش: -الرجال يرون في تحرّش رجلٍ آخر أمرًا منطقيًا، أما نحن النساء فنُحمَّل تبعاته وحدنا. غلق شهم عينيه وهمس مُنهمكًا: -لا أراه منطقيًا، يا رؤية. ألم تشهدي ضربي له؟ لقد ضربته بشدة، أعتقد أنه سيفقد الوعي لساعات. صنعت حفرة في جمجمته، وستبقى آثارها دهرًا. فكيف تتهمينني؟ يا لكِ من مُتعجرفة. لم تسيطر على دموعها؛ انسلّت الكلمات من فمها المرتعش: -أنا… أنا خائفة، يا شهم. لا أعرف كيف أثق بك بعد كل هذا… لا أعرف كيف أعيش مع فكرة أنك قد تقتل أو تُقتل من أجلي. لقد عشت عشرين عامًا على أمل ألا أكون عبئًا على أحد، والآن… أنت تقول إن العدالة تحتاج لدم؟ صمت للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأجاب بصوتٍ منخفضٍ لكنه حازم: -العدالة أن تضمن حياةً تليق بك، الخروج من دائرة الإذلال. إن كان الطريق لبلوغ ذلك يعبر عن ألم، فأنا سأحمله وحدي. لكني لا أطلب منكِ أن تغيّري نفسك من أجلي. أطلب منك أن تبقي آمنة. ارتعشت رؤية قائلةً بصوتٍ لا يكاد يسمع: -وهل أنت كذلك؟ هل أنت آمن؟ -أنتم الرجال، كلّكم، ما إن تُبدي امرأة رأيًا أو اعتراضًا حتى تتهمونها بالنشوز. اسمع يا مرتزق، أنت سبب كل ما حصل… وما سيحصل لي. ما لي يدٌ فيما جرى لوالدتك أو لك، ومع ذلك أبقيتني في عهدتك وتركت ابنَ عمّي، ابنَ الرجل الذي تلاحقه. لماذا تركته يرحل وأبقيتني؟ صُعق من سؤالها. تردّد صداه في داخله كصوتٍ ينوح في صحراء قاحلة: لماذا فعلت ذلك؟ لماذا تركتُ هادي وأبقيتُها؟ ظلّت تنظر إليه بتحدٍّ تنتظر جوابه، وحين عجز، قالت: -لا تقل لي إنك مختلف… جميعكم متشابهون. ضغط على أضراسه ولم يرد. تابعت، ماضية في طعن كبريائه: -لستَ سوى مجرم بغيض. -لماذا تريدين إثارة غضبي عمدًا؟ -بالكاد بدأت حياتي… ثم أتيت أنت وهدمتَ كل شيء. تبًّا لك، أتمنى أن أتخلص منك. -اششش، اخفضي صوتك، أختي نائمة. اندفعت تضرب صدره بكفّيها: -أعدني إلى بيتي! أمسك بيديها مانعًا: -سأفعل. سأعيدكِ إلى بيت والدكِ في الصباح. اذهبي الآن واغتسلي وبدّلي ثيابكِ واستعدّي للعودة. -لا أصدقك. -سأعيدك. اغتسلي وارتاحي حتى الغد. -إن كنتَ صادقًا، أعدني الآن. ابتسم بمرارة: -الصباح رباح يا رؤية… -سيكون هذا أيضًا كالوعود السابقة… هباءً منثورًا. لدغته الكلمة كإبرة في قلبه، لكنه آثر الصمت. لقد استحقّ ازدراءها بعد ما جرى لها… ثم أخذ يفكر في نادر، في كل الخيوط التي بدأت تنكشف أمامه، وفي حقيقة أنه ليس سوى ثعلب يستخدمه لمآربه. خلع قميصه استعدادًا للاغتسال، فقال لها وهو متجه إلى الحمام: -إن لم تذهبي أنتِ، فسأذهب أنا. استدارت عينها تلاحقه، لترى الندوب التي تعرّجت على ظهره كطرق وعرة غير ممهدة. تساءلت: -من أين حصلتَ على هذه الندوب؟ توقف لحظة، ثم التفت: -من بيتكم. -تبدو مؤلمة… زفر وهو يمسّد ظهره: -لم تعد تؤلمني. ساد الصمت بينهما. ثم قال وهو يستعد للدخول: -إن كان لديكِ أي سؤال، حضّريه. سأخرج سريعًا وأجيبك عن أي شيء. في دقائق قليلة تحت الماء الساخن، عاد السؤال يقرع رأسه بلا هوادة: لماذا أطلقتُ سراح هادي، وأبقيتُها هي أسيرة؟ كان يتفادى الجواب، يخشاه، يتمنى لو يستطيع تغييره… لكن القلب لا يعرف منطقًا. خرج نظيفًا، مشذّب الشعر واللحية. بدا مختلفًا، لكن ابتسامته ذوت حين رآها غارقة في سبات عميق. اقترب منها، أسدل الغطاء فوق جسدها حتى رقبتها، ابتسم رغم التعب، ثم جلس على كرسي في الزاوية، وأغلق عينيه ليستريح… بعد ليلة مثقلة بالوجع.-- جلس هادي على طاولة الإفطار، فتفاجأت والدته لرؤيته: -أين كنت يا هادي؟ شهِقت فور تقرّبها منه لما رأته على وجهه: -ما هذا على وجهك؟ قال بلامبالاة متلعثم: -لا شيء يا أمّي… تعثرت وضربت رأسي. استمرت تُداعب مكان الجرح بأصابعها وهي تسأله مرارًا، فأبعد رأسه وردّ: -كنت في الملهى الليلي أرقص. حدقَت فيه والدته على وشك تصديقه، ثم استدركت قائلةً: -ماذا؟ لا بُدّ أنك كنت في الجامعة مع أصدقائك. اقتنعت بردِّه، ولم تجد من تسرد له همومها إلاّه، فبدأت تبثُّ فيه ما يعتمل في قلبها: -والدك مختفٍ، لا يريد عمّك إخباري بمكانه. هناك رجل خطر يبحث عنه ليقتله يا ولدي. -لماذا يريد ذلك؟ تلعثمت والدته، فاسترسلت عمّته فخرية القادمة لتناول الإفطار وقد سمعت بعض ما دار بينهما: -ابتلانا الله بعلوان. التفت هادي إلى عمّته، فتنهدت قبل أن تكمل: -أخبرني بالحقيقة عن مصدر هذه الجروح، وسأخبرك ما تريد معرفته يا هادي. روى لها باقتضاب ما حدث له، فشهقت والدته واحتضنته قائِلةً: -لقد أعادك الله لي بمعجزة يا هادي. وأضافت فخرية: -إن أخبرك شهم ببعض التفاصيل، سَهَّلَ عليّ المهمّة. علوان كان البقعة السوداء في جبين هذه العائلة؛ مهما نصحناه أو نهرناه، ظلّ يفعل ما يشاء. أعتقد أن الغيرة أدت به إلى افتعال المصائب، حتى انتهى به المطاف إلى ما انتهى أو ربما لم ينتهِ بعد. لقد دفعنا جميعًا الثمن. انهار هادي على الكرسي شاعِرًا بخذلانٍ رهيب؛ ثقلٌ في صدره لا يطيق حمله. تمنى لو أن شهم كاذبٌ قاتلٌ، كما سمِع في القصص، لكن كلمات عمّته مزقت الشك إلى أشلاءٍ: -شهم دافع عن والدته فقط يا ولدي. هذا ما حدث. تساءل مُحطَّمًا: -كيف؟ لماذا لم يشهد أحدٌ من العائلة في المحكمة؟ قاطعتهم والدته غاضبة: -ماذا تقول يا هادي؟ هل ننتصر لغريبٍ على حساب العائلة؟ صرخت فخرية بحدة: -يكفي! كلٌّ منا سار في طريقه. لن نتجادل الآن عن الأسباب؛ كلٌّ منا يعلم أنه ليس له الخيار عندما يتعلق الأمر بالعائلة وسلامتها. شهم أيضًا ليس بريئًا؛ فقد آذى علوان. سأله هادي بمرارة: -وماذا عن عنبر؟ عبست فخرية وهي تطأطئ رأسها، ثم نظرت إلى خولة، بينما قال هادي باشمئزاز: -كيف سأعيش في هذا البيت بعد معرفتي بما حصل؟ أشعر أنني كنت في فقاعةٍ وانفجرت الآن على حقيقة مظلمة. أنا أحب عنبر، أمّي. أعتقد أنك تعلمين هذا، لكن شهم أجبرني على الاختيار بين حبي لوالدي وحبي لها. الحياة تزداد قتامتها كلما فتَحنا أعيننا. نادت والدته عليه، لكنه لم يُجِب؛ خرج من البيت مثقلاً بالتفكير ومتعبًا. كان يشعر الخذلان الشديد والتبعثر وكل ما فكر فيه؛ من يدفعون ثمن أخطاء الماضي هم الذين لم يقترفوا ذنبًا من ذنوبه. -- استيقظ قبل أخته بفعل القلق الذي ينهشه، ظلَّ شهم يراقبها وهي نائمة؛ ساكنةً كتمثال رخاميٍ، تمثل تناقضات نفسه، فتقلبت في سريرها وفتحت عينها ثم قفزت؛ أول ما تذكّرته من الليلة الماضية أعاد إليها رهبةً سريعة فارتاحت بعد ثوانٍ، فالتقت عيناها بعينيه ظل شعور الذنب يقتله الليل كله لقد عرضها الى امر جسيم وليته ما وثق أبدا بنادر ولا القطيع الذي يقوده حاول أن يهدئها لكنه رجل قضى حياته بين السجون والعذاب فلا يعرف طرق التعامل مع النساء: -صباحك سكر أتمنى إنك نمت الليل قريرة العين. ابتسمت بلا مبالاة، فأجابها: -صباحك سكر… إذا مرَّ يومٌ ولم أتذكّر، فأنا كطفلٍ يكتب كلماتٍ غريبة على وجه دفترٍ قد يُنسى. فلا تضجري من صمتي، ولا تظني أن شيئًا تغيّر… قاطعته عنبر ساخرةً: -طفل صغير؟ تريد أن تُبرّر أفعالك بعقل طفولي إذًا؟ نهضت رؤية لتغتسل بينما شهم يفكّر بتتمة قصيدةٍ لم يكملها خشية افتضاح سره؛ الآن ليس مستعدًا ليُعترف لماذا أبقاها ولم يَبقَ هادي. ثم التفت إليها بصوتٍ خافت: -لا أبرر الخطأ ما حصل لن يتكرر أعدك يا رؤية. أخبريني هل تعرفين تتمّة القصيدة؟ -لا، لستُ أحفظ كلّ القصائد مثلك. أشار إلى الحمّام: -عدّلي من هندامك بسرعة؛ لدينا طريقٌ لنقطعه إلى المزرعة. ابتسمت بعدم تصديق، ثم دخلت الحمّام حاملةً بعضَ ملابسٍ عنبر لتلبسها. بقي شهم جالسًا يفكّر؛ عليه زيارة نادر مرةً أخرى -لا بدّ أن يفهم، لا بدّ أن يعرف. استيقظت عنبر برأسٍ مثقل؛ دارت بناظريها في الغرفة شبه المظلمة وقالت له: -يبدو أن الجميع مستيقظ… أم أنكما لم تنما؟ ابتسم بصوت خافت: -هل حصلت على نوم جيد؟ اتّسعت ابتسامتها وقالت متهكمة: -مع كل المغامرات التي أعيشها معك يا أخي الجسد منهك والعقل خائف همس: -ستستقرين قريبا -ورؤية؟ بحلق فيها وهمس بصوت مختنق: -سأعيدها اعتقد أنى أردت استغلال فرصة سانحة لكن الأمر كله يسير باتجاه خاطئ -انت تعرف أن عائلتها قد تؤذيها بعد عودتها تصاعدت أنفاسه بقلق ناظرا اليها، فتثاءبت عنبر وأكملت: -منذ متى أصبح الرجال يخافون إطلاق العنان لمشاعرهم؟ -توقفي عن المزاح. -لا أمزح أنا صامته لكني أرى النظرات التي تنظرها للفتاة أنها مسكينة صدقني. -أنتِ مجنونة. هل تعرفين حتى جنون ما تقولينه؟ هيا انهضي؛ لدينا عملٌ لننجزه. همست وهي تنهض: -ليس جنون بقدر جنون هادي أليس كذلك؟ ليس كل تلك العائلة سيئة صدقني. صمتا حين خرجت رؤية من الحمّام فنهض شهم وأمسك شيئًا موضوعًا على السرير ومدّه إليها: -ضعيه على رأسك. كان خمارًا أسودَ ترتديه عنبر منذ صغرها. نظرت إليه متسائلةً، فمدّ يده: -خُذيه. ردّت بمرارة: -هل تظنّ أن هذا سيحميني من رجالٍ أمثال صديقك؟ قال بجدٍّ لا مكان للمزاح فيه: -لا أحد سيحميك من المرضى سوى سلاحٍ جاهز أو سكينٍ حادٍّ تخفينه في جيبك. هذا ما فعلتُ لأحمي أمي. تساءلت: -فلماذا تعطيني إياه إذًا؟ أجابها بوضوحٍ شديد: -لأنّي أريد أن أساعدك على أن تجدي طريقك أنت، لا طريق مجموعةٍ من الآخرين ولا طريقًا يفرضه عليك والدك. حين تكتشفين ما تريدين، اتبعي عقلك لا عقول غيرك. ترقّق في عينيها أثر دمعةٍ خافتة، ثم أضاف: -لقد سربنا بعض الأدلة عن الانتهاكات في المزرعة؛ عن تحرّشٍ، عن عملٍ بلا أجر، عن اختفاء نساءٍ… هل تعرفين كم امرأةٍ عانت؟ الجيل الجديد لا يعرف ما جرى قبل عشرين عامًا. أنا رأيت بصمت؛ لذلك حاول والدك أن يحوّلك إلى درعٍ يصدّ الإشاعات: "ابنته تدافع عن النساء"، وهكذا تُطوى القضية. إن أردتِ الدفاع فعلاً، فابدئي بتنظيف الشارع أمام بيتك قبل أن تطالبي بشوارعٍ نظيفة. صمتت رؤية، لا تريد نقاشًا؛ تذكّرت حديث والدها حين قال لها ساخراً: «أنتِ جاهزة لتحمي تراث العائلة». فرحت منذ طفولتها بهذا الكلام، شعرت بأنها أخيرًا حصلت على رضاه. لكن اليوم أدركت أن ما حصل لم يكن إيمانًا بقدرتها، بل خدعة لإسكات الشبهات. بلا إحساس، أخذت الخمار الأسود وأنزلته على وجهها فلا يظهر منه إلا القليل ثم نظرت إليه مترددةً: -لماذا تسأل إن كنتُ جزءًا من تغطية جرائم والدي؟ ابتسم شهم بخيبة: -أردت أن أعرف أن كنتِ متواطئة أم تائهة. قالت بمرارة: -ماذا تنوي أن تفعل؟ ردّ ببساطةٍ قاتلة: -لا أستسلم حتى أبلغ خط النهاية. -وهذا الخط قد يأخذك إما إلى السجن أو إلى القبر. -بالضبط. خرجت عنبر من الحمّام قاطعة الحديث: -هل سنغادر الآن؟ -هيا. رن هاتف شهم الشخصي وليس الرقم البديل الذي يستخدمه في العمل، وكان هادي. تبادل النظرات مع عنبر ورؤية وهمس: -عنبر هل أعطيتي هادي رقم هاتفي الشخصي؟ -ربما! اغلق عينيه وهمس: -انه يتصل ألا تعتقدين أن الأمر خطر؟ خجلت من فعلتها. لقد أعطته الرقم حين ارخى شهم حباله، وأمره بالمغادرة بعد أن يغادروا، فطلب هادي كوب ماء منها ثم رقم الهاتف الشخصي لشهم ليتمكن من العثور عليها. رفضت في البداية لكنه اقسم لها انه لن يخونها ولن يخون شهم. أراد فقط التأكد من القصة التي أخبره بها شهم ليحدد موقفه. قالت عنبر: -رد عليه يا أخي. اذعن لها: -ماذا تريد؟ -أخبرني أين أستطيع الانضمام اليك ولعنبر لقد تعبت من الأكاذيب والتحكم. -هل هذه خطة جديدة لإيجاد ابنة عمك مع عنبر وتعيد أختي الى الجحيم لإرضاء نزواتك؟ -كلا صدقني يا شهم أرجوك أنا ضائع ولا اعرف كيف أتصرف. دعني التقي بعنبر هي ستعرف. -تلتقي لأجل ماذا؟ -سنتزوج ونستقر فكر بالأمر أرجوك لا ترفض أخبرني فقط أين أجدك. -تريد الزواج بعنبر مع علمك بما أريد فعله بوالدك؟ سمع شهقات متقطعة من هادي ثم الرد: -ربما حين اعصد الأمور الى صوابها يا شهم قد تترك أبي عند حد ما فعلته به وتعتبر انه دفع لما فعله بوالدتك! ربما سيقنعك حبي واهتمامي بعنبر بالعفو عن أبي! -إذا انت تريد دفع نفسك كدية أو فدية؟ -هذا ليس ما أريده، بل أود الزواج بالمرأة التي كبرت معها واعرف أخلاقها وأحبها. ولكن في خضم ذلك إن أصبحنا عائلة واحدة قد يخفف الأمر عبئ الرغبة بالانتقام! نظر شهم لعنبر وسألها بصوت خفيض: -يريد الزواج بك أوافق أم ارفض؟ ردت رؤية عوضا: -انه شاب ممتاز صدقني لم أره يكذب في حياته كلها! ثم أمسكت بكتف عنبر وهمست: -إن كنت لا تحبينه فلا توافقي أما إذا كان لديك مشاعر صادقة ناحيته فعليك إعطاءه فرصة. انه غير سعيد في بيتنا على أي حال! تبسمت عنبر بخجل فهمس شهم: -اعتقد أنني سآخذ خطوة إيمانية بهذا الشاب الطيب ابن ذلك الرجل الحقود. لقد قررت ألا أعاقبه بجريرة والده. أعاد شهم الهاتف وتكلم مع هادي وأعطاه العنوان. شعر القلق الشديد فهو الآن لا يعرف إن دخل عليه وحيدا أو مع عائلته ليقتلوه. مرت الساعة التالية ببطيء شديد يفرك شهم يديه ببعضهما وعينه على حقيبة النقود واخته. قال لرؤية: -بعد أن أخذهما ليتزوجا سأعيدك الى البيت. هذا الأمر كله الذي حلمت به ل 20 عاما يبدو انه لن يمنحني أي رضا. يوجد المزيد من الحقيقة مخبئة على اكتشافها. -كان المفترض ألا تفعل كل هذا منذ البدء -بل كان عليّ إنقاذ أختي قاطعهما طرقا على الباب وتصبب العرق من جبين شهم لكن رؤية قفزت لتفتح الباب على امل رؤية والدها وأخويها لكن ظنها خاب حين دخل هادي لوحده مرتبكا. بدت خيبة الأمل على محياها ولاحظها شهم. أشار هادي: -هيا لنذهب ونتزوج وسآخذها بعيدا -هل لديك المال؟ هادي لم يملك يوما ماله الخاص ولم يعمل في حياته لقد عاش حياة الطفل المدلل لذا سبب سؤال شهم الخجل له. فتبسم شهم وقال له مربتا على كتفيه بيد وباليد الأخرى يمدها بحقيبة سوداء تعرف عليها كل من رؤية وهادي: -هذه الأموال ابدأ بها حياة جديدة مع أختي واسمع يا هادي إذا في يوم ما سمعت أو لمحت أو شممت منك رائحة أذية لها فسأفعل بك ما فعلته بعلوان فاحذر فتحت رؤية عينيها مصدومة واصفر وجه هادي وخاف من اخذ الحقيبة فأكمل شهم: -خذها أموال عائلتك ردت اليك هي كانت لضمان راحة أختي. اشتر بها بيتا صغيرا ولا تترك دراستك. نظر هادي بتردد الى الحقيبة قبل أن يمسكها ويقول: -لكن هذه أموالك... -هذه أموال عنبر رواتب مستحقة لكل سنوات الخدمة المجانية. نظر الى رؤية وأشار الى عنبر الخجلة: -هيا خذيها رتبيها لنذهب الى المأذون هيا همست رؤية: -انا... رد شهم: -من غيرك هيا. لديها بعض الثياب الجديدة في الحقيبة سننتظركما خارجًا.. أشار الى هادي: -انت مزقت سيارتي والان ستزف بسيارة ممزقة تبسم هادي وهو يخرج مع شهم للبحث عن مأذون لعقد القران. بعد عدة ساعات كانت عنبر تمشي على استحياء تمسك بها رؤية التي حرك المشهد مشاعرها. شعرت أن شهم في الحقيقة شخصية مختلفة عن التي يحاول إبرازها للأخرين وحتى الأموال لا تهمه. لقد تبرع بها كلها لشخص يعتبر عدو له. عند المأذون تكللت قصة حب هادي لعنبر بالنجاح وأخذهما شهم الى فندق بسيط ثم طلب من هادي أن يختفي عن الأنظار لفترة وان يستخدم المال للاستقرار لكن هادي أصر على أن يقوم شهم بمعاونته لعدم خبرته في تلك الأمور. باركت رؤية لعنبر وهي تقول: -انت محظوظة يا عنبر لقد كافأك الله بعد صبرك باخ مستعد للتضحية من أجلك وزوج لم يتخل عنك أبدا. ليتني احصل على هذا... أشارت عنبر لأخيها الذي كان يرتب الأمور مع هادي وقالت: -ربما السعادة أمامك وأنت تتجاهلينها نظرت رؤية ناحية شهم وتبسمت وهي تقول: -هذا لن يحصل أبدا! -ربما ليس الآن... وقبل الوداع من اجل إرجاع رؤية لعائلتها تأكد شهم من وصول أخته وهادي الى الفندق وقالت عنبر: -أرجوك انقلي تحياتي للعمة فخرية لقد كانت طيبة معي. -العمة فخرية أحبتك يا عنبر ورأت فيك الابنة التي لم تحصل عليها. -فعلت ما استطاعت... احتضنت عنبر رؤية وهمست: -أرجو أن تجدي السعادة التي تحلمين بها -وانا أيضا أرجو ذلك لك ولهادي. كما تمنت رؤية لهادي حياة سعيد وأكدت له إنها لن تفشي سره لاحد وطلبت منه الاتصال بها ا ن احتاج لشيء من البيت أو الاطمئنان على والدته. ثم انفردت بشهم في السيارة تشعر بقشعريرة سرت في كامل جسدها. همست: -هل تعتقد انهما سيجدان السعادة الحقيقية؟ -ما دمت موجودا فكل ما يخص أختي يخصني. -هل ستأخذني الى البيت. -فقط إن أردتِ ذلك... -نعم... هذا ما أريده لكن هل سأراك مجددا نظر لها نظرة خاطفة وهمس: -في أي وقت تحتاجين فيه الى أي شيء اتصلي بي وسأكون حاضرا عندك. احمر وجهها خجلا رغم إن كلماته عادية لكن شعرت بحرارة فيها. كلاهما يعلم بصعوبة حصول شيء بينهما، ولكن هل هو امر مستحيل؟ لاحت بشائر المزرعة تهلهل أمامهما وانقبض قلب رؤية فور أن شاهدت البوابة. هل هو خوف مما قد يحصل في بيتهم أم خوف من فراق شهم؟ لا تعرف ولا أحد يعرف لان المشاعر مختلطة. العودة الى المنزل تعطيها بعض الارتياح، ولكن ما قد يصادفها هناك يظل مؤرقا. أوقف سيارته وقال بصوت مجروح: -هذا اقصى ما أستطيع الوصول اليه يجب عليك السير الى البيت. غصة في صدرها منعتها من الكلام. فتحت أبواب السيارة ونزلت منها بخطوات بطيئة. ظلّ شهم ينظر إليها وهي تمشي متثاقلةً، كأنها لم تعدْ إلى بيتِها، وكانت تبادل النظر خلفها مراتٍ عدة لتطمئن أن سيارته لا تزال تراقبها. وفي آخر مرّة التفتت فيها، لم تجد السيارة: لقد اختفى وجودُه كما لو لم يكن. ظل عقلها يردد "لن تعود حياتك كما كانت، لن تعود حياتنا كلنا كما كانت". النهاية.

تعليقات
إرسال تعليق