سراديب العشاق

غلاف

📜 الأهداء 📜

أولاً للجميلة فاطمة عطية وجروب بيت الروايات وتيم عمل الجروب شكر كبير على الجهد المبذول في الاحتفالية، وأتمنى أكون من ضمن المشاركات في كل حفلة. ثانيًا. إهداء لكل إنسان لم يستسلم لمصاعب الحياة، لكل من تحدى القدر ونجح في اثبات وعدم الاستسلام لمخاوفه أو لشيطانه كي يغلبه ويجعله يحيد عن الطريق الصحيح. لكل من خذلته الحياة ولم يجد من يدعمه، وظل قلبه نابضًا بحب الحياة ومقبل عليها، لم يسمح لها بترك ندوبها على روحه المعذبة، وظل محتفظًا بجمال روحه وتوهجها رغم الآلام التي تجرعها قلبه ليظل بعدها نابضًا بالأمل ولديه يقين تام بأن الغد سيكون أجمل.

📜 المقدمة 📜

صفعة جديدة لطمت قلبها مرة أخرى وهي التي لم تتعافي بعد من صفعات القدر لقلبها، صفعة تلو الأخرى أقسى من سابقتها وكأن القدر قد كتب على قلبها أن يحيا بنبضٍ نازفٍ من جراح الخذلان، تقف على أعتاب اختيار صعب أحلاهم مر، مراره بمرارة حياتها التي أقسمت أن تهديها طعنات الغدر من قلب لحظات سعادتها القليلة، والتي أصبحت روحها تصاب بالفزع إذا مرت السعادة على قلبها مدركةً تمامًا أن تلك السعادة تخفي خلف ظهرها خنجرًا مسمومًا لن تقوى على تحمل طعناته. وها قد آل بها الحال إلى مفترق الطرق وتوجب عليها الاختيار إما الاستمرار بقلب ممزق أو المضي نحو مستقبل مجهول وبداية جديدة لا تعلم إن كان قلبها سينعم ببعض الراحة إذا خطت نحو المجهول أم أنها ستتهشم على أعتاب هذا المجهول الذي بات عقلها مشتت حيال هذا القرار، ولما لا وهي ضحية صفعات القدر الغادرة والمتتابعة والتي كادت أن تردي قلبها صريعًا في بحور الأيام. هل تجرعت يومًا مرارة الظلم وآلامه، هل كان قلبك ينزف بصمت وشفتاك تبتسم وخلف هذه الابتسامة فيضان من حزن لا نهاية له داخل صدرك؟. إذا كانت إجابتك هي نعم فصف لنفسك مدى شعور الألم والحسرة الذي شعرت به حينها ستكتشف داخلك بريق أمل جديد وإيمان بالله لا حدود له عندما تتذكر أن ما مررت به قد مر وأن الله أنعم عليك بنعم كثيرة من بعدها، وأن هذه الآلام ما كانت سوى جسر العبور الآمن لنعم كثيرة سيعوضك بها الله بعد هذه الأزمات.

📜 الفصل الأول 📜

في أحد الأحياء الشعبية التي مازالت تحتفظ بعادات وتقاليد عفا عليها الزمن مازال البعض يؤمن أن البنت لا تكمل تعليمها لأنها في النهاية ستتزوج وكأن الزواج هو أقصى انجازات سكان هذه المناطق تجاه أبنائهم وبناتهم. على الرغم من أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين عصر التطور والتكنولوجيا إلا أنه لازال البعض متمسك بتلك العادات الخاطئة ويدفع ثمن هذه الزيجات أطفالًا لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في البيئة هذه. في منزل آل مصباح. استيقظ الحاج حسنين مصباح كعادته لأداء فريضته ألا وهي صلاة الفجر كعادته كل يوم، وايقظ معه زوجته لتؤدي فريضة ربها وتبدأ في إعداد وجبة الافطار وإيقاظ أبنائها. الحاج حسنين مصباح تاجر قماش تعلم في مدرسة الحياة مالم يتعلمه أحد في المدارس والجامعات، ذو قوة وصلابة غُلف قلبه بالقسوة والشدة التي اكتسبها من تجارته واحتكاكه بالكثير في السوق. بينما زوجته عائشة امرأة في عقدها الرابع من العمر لم تكمل تعليمها خرجت من المدرسة وهى في الصف السادس الابتدائي حتى يزوجها اهلها من ابن عمها الحاج حسنين، ولم يسعدها حظها في الانجاب سوى بعد خمس سنوات من زواجهما، بعدما فقد الجميع الأمل في أن تنجب لهم طفلًا وبدأت الضغوط على زوجها من والديه بأن يتزوج مرة أخرى ولكنه أبى أن يؤذيها وظل يدافع باستماته عن زوجته وكرامتها حتى أكرمه الله منها بابنه الأول محمود ثم سوسن وسميه. دلفت عائشة إلى غرفة بناتها بنفاذ صبر للمرة الثالثة لتوقظ ابنتها الصغرى سمية طالبة الشهادة الاعدادية فهي كعادتها لا تستيقظ بسهولة نتيجة سهرها لوقت متأخر كل ليلة تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي وتهدر أوقاتها هباءً وعبثًا لا تهتم بدراستها فهي تعلم بانها في النهاية ستتزوج وهذا في حد ذاته انجاز من وجهة نظرها. لتتحدث بصوت عالي نسبيًا: وبعدين بقى هو كل يوم تتعبيني كده يا سمية .... يا بنتي اصحي بقى مينفعش كده قومي هتتأخري على مدرستك. خرج حسنين من غرفته بملامح جامدة: في إيه يا ام محمود مالها البت دي هي كل يوم مغلباكي كده؟. تحدثت عائشة في محاولة منها لإنقاذ ابنتها من بطش والدها: هعمل إيه بس يا ابو محمود يا اخويا هي بتدلع لها يومين بكرة تكبر وتعقل. خرج محمود من غرفته متوجهًا إلى طاولة الطعام ليجلس بجوار والده على مقعده المخصص له: صباح الخير يا حاج.... صباح الخير يا ماما. محمود الابن الاكبر يعمل مع والده في تجارته منذ كان طفلًا وعلى الرغم حاصل على بكالوريوس التجارة، فعلى الرغم من معاملة والده له الصارمة إلا أنه أصر على اكمال ابنه الوحيد تعليمه لكي لا يعاني مثلما عانى هو قلة تعليمه فالتعليم في مدرسة الحياة أصعب بكثير من تعليم المدارس وكان يخشى على ابنه أن يمر بما مر به هو. اقتربت عائشة تضع باقي الصحون على الطاولة بابتسامتها الحنونة ترد عليه تحيته: يسعد صباحك يا بنى حسنين: صباح الخير يا محمود.... اقعد افطر بسرعة عشان تروح تستلم طلبية القماش اللي طلبناها مش عوزين المحل ينقصه حاجة إحنا داخلين على العيد وده موسم. وضع محمود قطعة الخبز في طبقه وهب واقفًا بآلية: حاضر يا بابا أنا نازل. أومأ حسنين بهدوء وهو يلوك طعامه ليتحدث وهو ينظر له برضا: وماله يا بنى اتوكل على الله. كاد أن يغادر لولا أستوقفه حديث والدته لوالده قائلة: يا حاج سيبه يفطر براحته. فمحمود لا يريد لوالدته أي توبيخ من والده بسببه كاد أن يتحدث لولا أن سبقه والده بالحديث: يفطر في شغله مع الرجالة ابنك كبر وبقى راجل مش هيفطر كل يوم في حضن امه. عائشة بحزن فدائمًا يتعامل معها حسنين بصرامة ك سي السيد وأمينة فعلى الرغم من حبه الشديد لها إلا أنه شخصية قوية لا يحب ان يُرَدُ له كلمة : هو أنا قولت حاجة يا اخويا وماله يروح شغله أهم. اقترب محمود يطبع قبلة حانية على رأسها في محاولة لتخفيف قسوة والده عليها : ملحوقة يا ست الكل هاجى بدرى النهاردة ونتغدى سوا ولا تزعلي نفسك. عائشة بنظرة حانية لفلذة كبدها: على عيني يا بنى لكن النهاردة حنة البت زينب جارتنا ولازم اروح اساعد خالتك أم زينب أنا وخالتك أم سامية الناس لبعضها يا بنى. مسح محمود رأسها بحنو وقال: وماله يا أمي الجيران لبعضها. عائشة وهي تربت على كفه تدعوا له دعوتها التي لا تنقطع ولا تمل منها: عقبالك يا بني لما افرح بيك واشوف عيالك. محمود بابتسامة لوالدته: لسه بدري يا أم محمود. شعر حسنين بالغيرة من ابنه محمود وهو يغدق عائشة بهذا الحنان فتحدث بغضب يداري غيرته عليها: ما تقعدوا تحكوا وبلاها الشغل يا سي محمود. حاول محمود اخفاء ضحكته لغيرة والده الظاهرة فقال: لا يا حاج وعلى إيه ... أنا نازل خلاص سلام عليكم. حسنين وعائشة : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. التفت حسنين لزوجته وتحدث بعصبية: أنتِ إيه يا ولية مفيش فايدة فيكي مش منبه عليكي قبل كدا متتكلميش في موضوع جوازه دا وسيبيه يكون نفسه الأول عشان يقدر يفتح بيت ويعرف يشيل مسئولية، لأ وكمان بتتدلعي معاه وناسية أن أنا موجود كيس جوافة قاعد بينكم أنا. ضحكت على غيرة زوجها التي لم يقوى على اخفائها وهي تضع كوب الشاي أمامه قائلة: يوه يا حسنين أنت هتغير من ابنك لسه حتى بعد ما كبرنا؟. لم تنتظره ليجيب على سؤالها وأكملت وهي تسكب له بعض الطعام في صحنه قائلة: وبعدين لازم نفكر في جوازه من دلوقتي هو ما شاء الله بيشتغل معاك من صغره ويعرف يشيل مسئولية بيت وزوجة، وبعدين اللي من سنه دلوقتي معاه عيل واتنين. وضعت كفها برفق على كفه وأكملت بدلالها المعتاد عليه: طيب بذمتك يا حسين أنت مبتتمناش تشوف أولاده مالين علينا البيت. أغمض عينيه يحاول أن يسيطر على نفسه فلمستها له تذيب ثباته أمامها واستجمع رباطة جأشه من جديد وأجابها باقتضاب: أكيد بتمنى أشوف أحفادي وامتدادي في الدنيا النهارده قبل بكره لكن كل شيء بأوانه. ربت على كفها ثم ارتشف بعض من الشاي ووضع الكوب جانبًا وهب واقفًا ليغادر قائلًا: الحمد لله، أنا هنزل وأنت خلي بالك على البنات وعينك متغبش عنهم وأنتِ عند جارتنا فهماني يا عايشة. أومأت دون رد، وألقى عليها التحية وغادر إلى عمله كانت تراقبه بعينيها إلى أن أغلق الباب لتتجه بعد ذلك إلى غرفة بناتها فوجدت سمية قد انتهت من ارتداء ملابسها واستعدادها للذهاب إلى مدرستها، فربتت على كتفها بحنانها المعتاد: خلي بالك من نفسك يا سمسمة وركزي يا حبيبتي أنتَ السنة دي إعدادية عوزين نفرح بمجموع حلو يا قلب ماما. طبعت سمية قبلة على خاصتها قائلة: حاضر يا ست الكل، والتقطت حقيبتها قائلة: أطير أنا بقى لأحسن الست المديرة تعلقني لو أتأخرت على الطابور، ثم غادرت دون انتظار الرد من والدتها التي كانت تنظر عليها بيأس وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا ضاربة كفيها ببعضهما لتتحدث بعدها: مفيش فايدة في البت دي نفسي تعقل وتركز شوية لكن هقول إيه هو النت اللي لخبط دماغها، وأكملت بدعاء: ربنا يحفظك يا بنتي ويهديكي. والتفت تنظر إلى ابنتها سوسن النائمة بهدوء بعدما كانت مستيقظة لوقت متأخر تستذكر دروسها ودثرتها جيدًا ثم غادرت الغرفة. قامت عائشة بالانتهاء من اعداد وجبة الغداء لهم قبل أن تذهب إلى جارتها ورتبت المنزل بخفتها المعتادة بكل همة ونشاط. ........................... في منزل عائلة محرم. توجه صلاح إلى شقة والدته ليتناول فطوره معها كعادته كل يوم فمنذ زواجه وبعد مضي أسبوع واحد من الزواج بدأ هذه العادة ومازال مستمر عليها. صلاح الابن الأكبر لهذه العائلة وصاحب الكلمة الاولى والأخيرة في المنزل مع والدته السيدة وجيدة( امرأة صعيدية توفى زوجها وترك لها ثلاثة ابناء صغار بدأت تتولى أمور العمل في تجارة زوجها الذي كان يمتلك محل للخضار والفاكهة في احدى الاسواق الشعبية، بذلت مجهود كبير حتى تحول هذا المحل إلى وكاله لبيع الخضار والفاكهة بالجملة للتجار والبائعين، ولم تقصر يومًا في واجباتها تجاه ابنائها). اقترب من جلوسها وانحنى يطبع قبلته الودودة على خاصتها ثم جلس بجوارها: صباح الخير يا أمي. ربتت وجيدة على كفيه وبابتسامتها التي أنارت وجهها فعلى الرغم من بصمة الزمن على ملامحها إلا أنها لا تزال تتمتع بجمالها الهادي قائلة : تتصبح بالخير يا ولدي .... إيه هي المحروسة مرتك لساها نايمة لحد دلوقتي؟. كانت زينة تدخل من الباب تحمل صينية الافطار تجيبها على سؤالها بدلًا من زوجها: صباح الخير يا حماتي .... أنا صاحية من بدري وصلاح سبقني على ما انزل بصينية الفطار. حدجتها وجيدة بنظراتها الخالية من أي مشاعر انسانية قائلة: وماله يا أختي ... صباح الخير. وضعت زينة صينية الافطار وذهبت لإعداد الشاي زينة زوجة صلاح تعانى من معاملة حماتها القاسية معها ولكنها تعشق زوجها صلاح وتحاول الحفاظ على زواجها واستقرار حياتهم على الرغم من أنها لم تنجب حتى الآن، وبات هذا الأمر مادة خصبة ومبرر قوي لمعاملة حماتها القاسية معها، ومحاولاتها العديدة لإقناع صلاح بأن يتزوج مرة أخرى كي ينجب لها حفيد ولكن حب صلاح لزينة أقوى من أن يهدم بزيجة أخرى، فلقد كانت زينة حب صلاح منذ المراهقة والشباب عندما كان يراها يوميًا وهي ذاهبة إلى مدرستها وقد أسرت قلبه بأدبها وحُسن أخلاقها بل وحيائها؛ ففي إحدى المرات قد قامت مشاجرة كبيرة بسببها عندما حاول شخص ما اعتراض طريقها، واجبارها على الوقوف معه في الشارع رغمًا عنه ليتدخل صلاح ومنعه من مضايقتها، ولكن الشاب كان يحمل سلاحًا أبيض حاول أن يطعن صلاح به لكن الأخير تفادى الطعنة لتصيب ذراعه بدلًا من بطنه ثم لاذ هذا البلطجي بالفرار من المكان ليقف صلاح وهو يضغط على ذراعه في محاولة لوقف النزيف ولكن زينه لم تعطه هذه الفرصة لتسقط فاقدة الوعي عندما رأت الدم لتستقر بين ذراعيه حاول أحدهم التدخل لإفاقتها ولكنه أوقفه بإشارة من يده ليحملها بين ذراعيه متوجهًا بسرعة إلى المستوصف الطبي الموجود بالحي متجاهلًا نزيف ذراعه. دلف إلى المستوصف بآلية شديدة يخطو تجاه غرفة الطبيبة المناوبة ولحسن حظهم وجد الباب مفتوح فدلف بعدما حمحم ليضعها على سرير الفحص تحت أنظار الطبيبة المتفحصة لنزيف يده طالبًا منها أن تفحصها بعدما أخبرها أنها فقدت وعيها في الشارع. تحدثت الطبيبة وهي تتنقل بنظرها بينهما وطلبت منه أن يذهب للغرفة الأخرى ليعقم جرحه ويقطبه قبل أن يغادر الطبيب الآخر المستوصف وتوجهت لفحصها ونجحت في إفاقتها وعودتها إلى وعيها مرة اخرى. انحنى صلاح قليلًا يقبل يد والدته ثم همس لها بخفوت كي لا تسمعه زينة: مالك يا أمي خفى ع البت شوية دي بتحبك وتتمنى لك الرضا ترضي، وشايله البيت كله على راسها. سحبت وجيدة يدها بنفاذ صبر وهي تبتسم بتهكم: وإيه يعنى ما تشيله، مش كفاية أنها مش عارفة تخلف لك حتة عيل لحد دلوقتي. سمعت زينة كلام حماتها ولكنها كتمت حزنها في قلبها، وحافظت على ثباتها الانفعالي أمامها فلقد اعتادت على كلامها اللاذع وخاصةً في هذا الأمر. ولكن صلاح قطع حديثها اللاذع قبل أن تشتعل النيران بقلب زينة: يا أمي كل شيء بأوانه، والعيال دول رزق وقت ربنا ما يريد هيكون رمقت وجيدة اقتراب زينة فاستغلت الفرصة لتسدد إلى قلبها سهم جديد من سهامها المسمومة: والستات اعتاب يا ضنايا لكن حظك جه في عتبه بور لا يتزرع فيها ولا ينطرح. اسمع كلامي يا ابني واتجوز واحدة تانية تجيب لك العيل اللي تتمناه من الدنيا. وقف صلاح بعصبية بعدما تسلل إلى أنفه عطر زوجته ليهمس بغضب مكبوت: لا يا أمي جواز تاني لأ أنتِ عارفة أنا بحب زينة، ولو ها عيش العمر كله من غير عيال هي كفاية عليا وقفلي على السيرة دي يا أمي الله يرضى عليكي. رمقتها وجيدة بغضب عندما وجدتها تقترب حاملة صينية الشاي؛ فتحدثت تطلب منها أن تذهب لتوقظ ندى لتكمل حديثها مع ابنها. أكملت تهمس له: أنا مش عارفة عاملة لك ايه البت دي تكونش عاملة لك عمل سحراك يا ولدى؟. فقد صلاح هدوءه ليقف بعصبية: حرام عليكي يا أمي زينة دي تصلي الفرض بفرضه، وتعرف ربنا وملهاش في الكلام ده خالص، وكفاية كلام في الموضوع دا. ثم أكمل ليغير دفة الحوار ليسكت والدته بذكائه المعهود: وبعدها لها البت دي يا امي هي من يوم ما قعدت من المدرسة وهي مقضياها سهر لوقت متأخر وكمان مبتساعدش زينة ليه في شغل البيت؟، واكمل بسخرية: دي هتتجوز ازاي وتفتح بيت؟. تغاضت وجيدة عن تصرف ولدها: سيبك من أختك بكرة تتعلم خلينا في المهم النهاردة حنة البت زينب وعوزين نعمل الواجب مع أمها. أومأ صلاح وهو يمسك بكوب الشاي الخاص به: متقلقيش يا ست الكل ربنا يتمم لهم على خير، وأنا عامل حسابي احنا هنروح الحنة والفرح ونقوم معاهم بالواجب. ربتت وجيدة على كتفه بحنانها فمهما اختلفت معه في الرأي يظل فلذة كبدها وروحها: مش كفاية عوزه كمان تبعت لها كام قفص فاكهة كده. ابتسم صلاح وقام يقبل رأسها: حاضر يا أم صلاح، ومن غير ما تقولي انا كنت عامل حسابي أول ما أوصل الوكالة هبعت لها كام قفص فاكهة نمرة واحد، عقبال ما تفرحي بحماده وندى. أمنت وجيدة لدعائه: اللهم أمين يا حبيبي، وعقبال ما افرح بعوضك وقف صلاح يلملم أغراضه وهو ينادي على زينة ليودعها كي يغادر لعمله: اللهم أمين يا ست الكل ادعي لنا يا أمي. وصلت زينة إليه وهي تتحدث مع حماتها: انا صحيت ندى يا حماتي، ثم اقتربت من زوجها كي تودعه قبل أن يغادر. وصل إليهم حمادة بتثاؤب: صباح الخير يا أمي عاملة ايه؟. وجيدة بدلال عكس ما تعامل به صلاح: صباح الخير يا عين أمك. نظر صلاح إليها وتنهد وهو ينظر إلى والدته نظرة حزينة لم تلمحها هي ولكن زينة كانت تعلم حزنه فربتت على كتفه بحنانها كنوع من المواساة بالعيون دون أن تنطق الشفاه بحرف واحد. وصلت ندى وجلست على الطاولة لتبدأ بتناول فطورها: صباح الخير على الشعب. وجيدة: صباح الهنا عليكي. نظر صلاح إلى شقيقته وقال بتحذير: ندى من النهاردة تساعدي زينة في شغل البيت مينفعش هي تشتغل وأنتِ بتتفرجي عليها ندى بحرج من شقيقها تحدثت: حاضر يا اخويا وجيدة وهى تنظر ل زينة بغضب: ألا هي السنيورة اشتكت لك ولا إيه ردت زينة بصدمة من اتهام حماتها الصريح: أنا.... أبدًا والله يا حماتي ولا فتحت بوقي بحرف. تحدث صلاح بجدية وهو ينظر إلى والدته بقوة: لا يا أمي زينة ملهاش دخل، أنا اللي عاوز ندى تتعلم شغل البيت خلاص مبقيتش صغيرة دي بقت عروسة وخطابها كتير. تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل بعد ما نطق به شقيقها لتهرب بنظراتها من شقيقها واكتفت بإيماءة من رأسها بالموافقة على حديث شقيقها. تحدث وجيدة لتنهي الحديث: وماله يا بني اسمعي كلام اخوكي يا ندى. تحدثت ندى باختصار: حاضر يا ماما. ثم أكملت وجيدة حديثها للجميع: احنا دلوقتي ها نروح الوكالة وأنتم شوفوا شغل البيت وخلصوا بدري عشان نلحق نروح حنة زينب بالليل. ليهتف حمادة متسائلًا وكأنه يحيى معهم في عالم موازي غير مدرك لما يدور حوله: إلا هو البت زينب هتتجوز ألف بركة!. أردفت وجيدة بيأس من ابنها: عقبالك يا آخرة صبري ضحك حمادة على حديثها ليردف بمشاكستها: إيدي على كتفك شوفي لي عروسة يا ماما لأحسن ابنك هيبور جنبك .... وقفت وجيدة لتغادر مع صلاح وهي تهتف ساخرة: حاضر يا عين أمك هشوف لك عروسة في الوكالة، ولم تنتظر الرد لتغادر مع ابنها متجهين إلى عملهم. ثم ذهب حمادة لعمله بعدما انتهى من تناول طعامه، فهو يعمل على توريد الخضار والفاكهة للتجار فرغم صغر سنه إلا أنه ناجح في عمله انقضى اليوم على الجميع البعض منهك في عمله والبعض الآخر منهمك في التجهيزات الخاصة بالحفلة. ******************** حل المساء على الجميع ليتجمعوا في حنة زينب؛ حيث تجمع الأهل والجيران على الأغاني الشعبية المشغلة على الدي جي. ووصلت وجيدة وندى وزينة الى المكان المخصص للحريم ودخلت عائشة وبناتها ايضًا كما حضرت أميرة زوجة إسماعيل شقيق زينة فهي لم تتوانى عن أي فرصة لتسمع زينة كلامها المسموم ولن تفوت مثل هذه الفرصة لتصل إلى مبتغاها. وجلس حسنين ومحمود مع الرجال ووصل إليهم صلاح وحمادة صافح الجميع بعضهم البعض بحفاوة وترحاب. التقت وجيدة بصديقتها عائشة التي باعدت بينهما مسئوليات الحياة حتى مضت السنوات دون أن تشعر كل واحدة منهن بأنها سقطت أسيرة لمتاهات الزمن والمسئولية، فرحبت الصديقتين ببعضهما بشوق جارف وتشاركا معًا طاولة واحدة التتفت وجيدة ومن معها بجوار عائشة وبناتها حول الطاولة لتتحدث وجيدة وعيناها تلمع بالسعادة: ما شاء الله يا عيشة بناتك كبرت وبقوا عرايس زي القمر بادلتها عائشة المجاملة بسعادة: بسم الله ما شاء الله يا وجيدة بنتك بقت هي كمان زي القمر ربنا يفرحك بها يا حبيبتي. العيال كبرتنا يا وجيدة. تنهدت وجيدة وكأن تنهداتها تقفز فوق السنين التي مضت لتلحق بهم في وقتهم الحاضر: السنين بتمر بسرعة يا عيشة، ثم أكملت: عاملة ايه يا غالية وحشتيني؟. نظرة عتاب من عائشة لها لتردف: اشحال ما كنا في حارة واحدة أنتِ في أولها وأنا في آخرها وما نشوفش بعض من يوم فرح ابنك صلاح، دا حتى التليفون مبقتيش تكلميني فيه زي زمان. ربتت وجيدة على كتف صديقتها بمودة صادقة: حقك عليا يا عيشة أنتِ عارفة مشاغل السوق والتجارة بمشي من النجمة مع صلاح وارجع وخري بكون خلاص مش شايفة قدامي من الصداع. ربتت عائشة على يد وجيدة التي كانت لا تزال على كتفها بابتسامتها اللطيفة: حبيبتي ربنا يقويكي، لكن ما شاء الله صلاح وحمادة كبروا ارتاحي بقى يا وجيدة وسيبيهم هما يدوروا الشغل بكفياكي شيل الهم يا وجيدة. أرادت وجيدة أن تستغل الفرصة بعدما رأت سمية وسوسن: الا قولي لي يا عيشة بناتك مخطوبة ولا لسه؟. نظرت عائشة تجاه بناتها اللاتي اندمجن بالحديث مع زينة وندى ثم التفتت إلى وجيدة: لا يا وجيدة لسه وكده كده الحاج حسنين مش مستعجل على جوازهم أوي بيقول إن الاتنين لسه صغيرين. رفعت وجيدة حاجبها باستنكار: ولا صغيرين ولا حاجة ما احنا اتجوزنا واحنا اصغر منهم يا عيشة ولا نسيتي ضحكت عائشة على حديث وجيدة فهي تعي تمامًا أنها لا زالت تحتفظ بعادات وتقاليد باتت بالية ولا تصلح بهذه الأيام: ايوا ده كان زمان يا وجيدة خلاص الزمن اتغير، وزمنا غير زمنهم تحدثت وجيدة بتهكم: الزمن واحد يا عيشة والبت مسيرها لبيتها وجوزها، نخلص بس من فرح البت زينب وبعدها اللي ربنا رايده هيكون عائشة بعدم اكتراث لحديث صديقتها أردفت بسخرية: ونعم بالله، لكن ليه بتسألي إيه اشتغلتي خاطبة وأنا معرفش؟. نظرت لها وجيدة نظرة جانبية فهي تعلم صديقتها وتدرك تمامًا أنها تسخر منها وأردفت: يمكن ليه لأ. ............... عند الشباب في الحنة التف الجميع حول العريس ورقصوا على الأغاني الشعبية التي ترفع الادرينالين وحماسة الشباب وكان الجميع يشعر بالسعادة للعروسين. كان حمادة يقف بجوار صلاح شقيقه فقال له: تصدق فكرة الحنة دي حلوة إن العريس والعروسة يعملوا حنتهم مع بعض في ليلة واحدة ومكان واحد دي فكرة حلوة أوي. صلاح وهو يصفق على الحان إحدى الأغاني: فعلا فكرة حلوة إن رجالة العيلتين يتجمعوا مع بعض، وكمان حريم العيلتين مع بعض بتخلق جو من الألفة بين العيلتين وخصوصًا أن العريس مش هيعمل فرح وهياخد عروسته وهيسافر أنت عارف شغله بره مصر، عقبالك يا حبيبي وأنا أعملك ليلة أجمد من دي. احتضن حمادة شقيقه بحب وقال: حبيبي يا أبو صلاح وأنا موافق همتك معايا بقى جوزوني بسرعة بقى. ضربه صلاح على مؤخرة رأسه بخفة وهو يضحك على حديثه: هتموت وتتجوز عارفك انا. مسد حمادة مؤخرة رأسه قائلًا: بصراحة الفرح حلو يا أخي وأخوك نفسه يدخل دنيا بقى حياة العُزاب دي مش جايبة همها، ثم أكمل بمشاكسة وهو يغمز له: تنكر أنك أسعد لحظات حياتك لما ترجع من الشغل هلكان وتلاقي زينة مستنياك. نجح حمادة في إثارة غيرة شقيقه على مهلكة قلبه ليقيض على ذراعه بقوة وهمس بجوار أذنه: حسك عينك تسمح لنفسك مجرد تفكير تكرر الكلام دا تاني لا جد ولا هزار زينة خط أحمر وحياتي الشخصية خط أحمر، وبلاش خيالك يسرح في أي تفاصيل تخصني فاهم ولا أفهمك بطريقتي. ضحك حمادة بصوت عالي تحت نظرات شقيقه المندهشة منه: يا عم خيال إيه وواقع إيه بقولك عاوز أتجوز وأرجع البيت ألاقي مراتي مستنياني مش أوامر الست والدتك، وأكمل بغمزة: طيب ما احنا بنغير اهو وحلوين اومال ليه وش الخشب اللي لابسهولها طول الوقت والمعاملة الميري ليه ها.. ليه. ثم حرر ذراعه من قبضة أخيه ودخل بين الشباب ليرقص بسعادة وعينيه مصوبة على صلاح ليختفي بعد ثوان واصلًا إلى الدي جي وطلب منه اغنية محددة وعاد مرة أخرى إلى شقيقه يحمل معه شيء في يده وهو ينظر إليه بتحدي. أدرك صلاح ما يفكر به وحرك رأسه بيأس من شقيقه الصغير. كانت الحريم تتابع رقصهم بحماس وسعادة وكانت الفتيات ترقص مع العروس في حلقات دائرية صنعوها حول العروس وصديقاتها إلى أن توقفت الموسيقى فجأة وطلب الدي جي من الجميع التنحي جانبًا وتحدث عبر مكبر الصوت قائلًا: في حد طلب يجامل العروسين بطريقته الخاصة ثم أشار إلى حمادة الذي كان يحمل عصا واحدة وألقى عليه الثانية ليلتقطها حمادة بخفة تحت نظرات صلاح الضاحكة وصياح الشباب والبنات بحماس. صدحت موسيقى المزمار ليقترب حمادة من صلاح ملقيًا له عصا فالتقطها الأخير بخفة معهودة وهو لا يزال يبتسم على شقاوة شقيقة الذي مهما كبر سيظل كما هو. وبدأ الشقيقان الرقص بالعصا وبدأ الشباب بالتصفير لهم وتشجيعهم، وكذلك البنات. كانت وجيدة تتابع المشهد بصمت وهي تتمتم بأن يحفظهم الله من شر الأعين، بينما زينة كانت تشاهده ونيران الغيرة تنهش قلبها وخاصة بعد حديث أميرة زوجة شقيقها المسموم لها كعادتها وما زاد من اشتعال تلك النيران عندما رأت نظرات الاعجاب من الفتيات حولهم، لتدعو ربها أن يحفظه لها وأن يظل يحبها دائمًا. بينما سوسن كانت بعالم آخر عندما رأت من يرقص بسعادة وبخفة ظل " حمادة" لم تدري ماذا حدث شعرت بشيء لم تشعر به من قبل مشاعر جديدة عليها لم تشعر بها من قبل، كانت تستمع إلى قصص الحب من زميلاتها في المدرسة ولكنها لم تكترث. التفت حمادة وهو يرقص ينظر إلى المكان التي تجلس فيه أسرته ولكن سقطت عينيه على تلك الحورية التي تجلس بجوار والدته تنظر إليه، وما استرعى انتباهه أنها كانت شاردة وعينيها مثبته عليه، كان يتحرك بآلية وهو يرقص بالعصا تارة ينظر لحركة العصا مع أخيه وتارة ينظر لتلك الحورية. انتبهت وجيدة إلى نظرة ابنها وبادلت نظراتها بين ابنها وبين سوسن التي كانت تجلس كالتمثال عينيها مثبتة عليه بشرود وابتسمت بهدوء وقد شعرت أن هناك حدث سعيد سيحدث عما قريب. انتهت الرقصة واحتضن الأخوين بعضهما البعض بسعادة تحت انظار الجميع بينهما وصافحا العريس وتوجها ليجلسا مكانهما من جديد. ربت الحاج حسنين على كتف حمادة الذي جلس بجواره بسعادة قائلًا: عقبال ليلتك يا ابني. رد عليه حمادة وهو ينظر تجاه حوريته قائلًا: قريب إن شاء الله يا حاج حسنين. لم يدرك حمادة أن من ينظر إليه إليها هي ابنة الحاج حسنين وانه سيكون صهره قريبًا. وانتهت ليلة الحنة وعاد الجميع إلى منازلهم مودعين العروسين ومتمنيين لهم حياة سعيدة. ********************* عاد الجميع إلى منازلهم بعد انتهاء حفلة الحنة، ولكنهم عادوا بمشاعر مختلفة عما ذهبوا بها ف سوسن عادت بمشاعر جديدة عجزت عن وصفها أو تسميتها، وحمادة كان لا يقل عنها شيئًا فلأول مرة يجد من تحتل تفكيره بهذه الطريقة، تلك الحورية التي لم ترحم قلبه أو عقله لتحتل تفكيره بلا هوادة. بينما زينة كانت تشعر بوجود خطب ما فنظرات وجيدة لها في الحفلة لم تستطيع تفسيرها، ولكنها متأكدة أنها تنوي على شيء ما ولكن ما هو هذا ما لم يقدر عقله على تفسيره. بينما عائشة قد لاحظت نظرات سوسن وباتت في حيرة من أمرها وخاصة أنها تعلم جيدًا أنها لن تقبل بابن خالها زوجًا لها، لتصبح في موقف لا تُحسد عليه ولكنها عزمت أمرها على اخبار زوجها برغبة ابن اخيها في الزواج من سوسن ليتولى هو الأمر فهي تخشى أن تخسر شقيقها.

📜 الفصل الثاني 📜

في منزل وجيدة دخل الجميع المنزل وكان صوت صلاح وحمادة عاليًا بالضحك على ما حدث اليوم بالحفلة، وكاد صلاح أن يصعد إلى شقته بصحبة زوجته الشاردة منذ انتهت الحفلة والفضول يعصف بقلبه ليطمئن عليها ويعرف ما سبب الحزن البادي في عينيها ولكن أوقفته والدته عندما أردفت: صلاح يا بنى تعالى عوزاك في كلمتين قبل ما تطلع، وتوجهت بنظرها إلى زينة الواقفة تتابع الموقف بشرود وأكملت بلهجة آمرة: اطلعي أنتِ يا زينه جهزي لجوزك الحمام على ما يطلع لك. لتتحدث ندى برجاء: طيب يا ماما ما تخليها تقعد معايا على ما تخلصوا كلامكم أنتِ وصلاح. رفضت وجيدة طلب ابنتها وهي تنظر إلى زينة: لأ اطلعي على شقتك يا زينه أنا عوزه ابنى في كلمتين وطالع لك على طول مش هيتأخر، وأكملت بخبث لتقضي على أحلامها بقضاء وقت حميمي مع زوجها: عشان ينام بدري وراه سفر الفجر. فهمت زينه ما ترمي إليه حماتها وتحدثت بابتسامة باهتة حاولت أن تخفى بها كسرة خاطرها: حاضر يا حماتي تصبحوا على خير. وتركتهم وصعدت دون أن تنظر إلى زوجها الذي ظل ينظر إليها يتابع صعودها بحزن ثم دخل إلى والدته وهو يقسم بداخله انه يعلم جيدًا أنها لا تريده بشيء بل تريد أن تنغص على زينة حياتها فقط. دخلت وجيدة غرفتها وتبعها صلاح لتغلق الباب عقب دخوله تحت أعين حمادة وندى التي يشتعل الفضول داخلها. وضع حمادة يده على كتف شقيقته وتحدث بطريقة كوميدية كعادته: اقطع دراعي إما كان الموضوع دا فيه إنَ! ندى وهي تبتعد عن أخيها لتذهب إلى غرفتها: عادى يعنى يا حماده .... تلاقيهم بيتكلموا في الشغل. نظر إليها حمادة وهو يمنعها من المغادرة : تؤ ده اجتماع مغلق بين أمك وصلاح هتلاقي فيه قرارات خطيرة، وأكمل بطريقة غير مباشرة يسأل شقيقته عن حوريته: صحيح يا ندى أنا شوفت بنتين كانوا قاعدين معاكم على نفس الترابيزة مين دول؟. لتجيبه ندى بعدما تثاءبت: ايوا دي سوسن وسمية ولاد طنط عيشة صاحبة أمك، ممكن أروح أنام بقى أنا خلاص فصلت، تصبح على خير بقى دا أنت رغاي أوي. لم تنتظر رده وغادرت بينما هو وقف بمكانه كالتمثال يردد اسمها بين شفتيه يشعر بحلاوة أسمها: س و س ن. اسمها حلو زيها يا ترى أنتِ إيه حورية من الجنة ولا زيك زي بنات حوا مالكيش أمان؟. توجه بعدها إلى غرفته فالوقت قد تأخر وعليه أن يخلد إلى النوم. في غرفة وجيدة جلس صلاح ينتظر ان تتحدث والدته ولكنها ظلت صامتة تتأمله وهي تفكر في رد فعله فتحدث هو ليكسر حاجز الصمت: خير يا أمي الموضوع اللي عوزاني فيه ده مكنش يتأجل للصبح؟. أجابته وجيدة بعدما حسمت أمرها: لأ ميتأجلش للصبح يا عين أمك. شعر صلاح بأن الأمر لم يكن مجرد مضايقة لزينة وأن أمه تفكر بأمر ما ولمح في عينيها التردد بالبوح بمكنون قلبها فتحدث لينهي هذه الليلة: خير يا أمي في إيه قلقتيني؟. تحدثت وجيدة باقتضاب: أنا لاقيت لك عروسة شعر صلاح بالصدمة وتشنج جسده كمن أسكب عليه دلو من الماء المثلج في شهر يناير ليتحدث وهو لا يزال مندهش من حديثها: عروسة!، ثم أكمل باستنكار: أكيد تقصدي عروسة لحمادة وماله على خيرة الله. قالها وهب واقفًا لينهي هذه السخافة قائلًا: أطلع أنام لي ساعتين قبل الشغل. ولكن صوتها أوقفه مكانه عندما أردفت: لأ يا ابن بطني العروسة دي ليك أنت، أنما عروسة حمادة موجودة فقولت يبقى الفرحة فرحتين جواز أخوك وجوازك هيكونوا في ليلة واحدة. هنا تلاشت آخر ذرة في ثباته الظاهري ليتحدث بحدة معها ولأول مرة في حياته: لا والله دا على أساس إيه إن شاء الله، اختارتي وقررتي وأنا إيه لعبة في إيدك، طيب والبت الغلبانة اللي فوق دي ذنبها إيه أدوس على قلبها بالشكل دا؟. عارف إنك مش بتحبيها، لكن آخر حاجة كانت ممكن تيجي في بالي أنك عوزه تكسريها أوي كده، ليه يا أمي ليه بتكرهيها كده عمري ما سألتك السؤال دا، ودايمًا بقول لنفسي عادي يا صلاح دي مهما كانت أمك وبتغير عليك طبيعي ما هي غيرة الامهات من حريم ولادها دي موضة الزمن دا. وقفت وجيدة تستمع إلى ابنها بجمود وهي تضم عاقدة يدها أمامها قائلة: خلصت كلامك، اتفضل تصبح على خير واعمل حسابك عشان هنروح نطلب ايد البنت من أهلها بكرة بعد الشغل. تركها صلاح وغادر بنيران الغضب التي تنهش روحه لم يعي كيف قطع الدرج في خطوات قليلة وكأنه كان يركض هاربًا مما سمعه من والدته يرفض هذا الأمر قلبًا وقالبًا. أغلق خلفه باب شقته بالمفتاح وكأنه بهذه الطريقة يحمي نفسه ومهلكة قلبه من اعصار قد يعصف بحياتهم، لأول مرة يتسلل الخوف إلى قلبه بهذه الطريقة فلقد رأي الاصرار في عيون والدته، وهو يعلم جيدًا أنها إذا أصرت على أمر لن تتواني عن تنفيذه مهما كلف الأمر ومهما كانت الخسارة التي سيحدثها هذا الاصرار. كانت زينة قد خرجت لتوها من الحمام تجفف خصلاتها بمنشفتها الوردية بعدما نعمت بحمام دافئ علها تجد لروحها السكينة ولكنها وقفت باندهاش عندما رأته يقف مستند بظهره على باب الشقة شارد في الفراغ أمامه، فنادت باسمه لتنتشله من دوامة أفكاره بصوتها العذب لتتجمد في مكانها عندما وجدته اقترب منها وارتمى في احضانها فجأة يضمها إليه بقوة وكأنه سيفقدها لو تركها ستضيع من بين يديه. خانته عيناه بهبوط دمعة جاهد ألا تخرج للعلن ولكن كيف لا وقلبه يغلى داخل ضلوعه وكانت تلك الدمعة ما هي إلا شيء بسيط ينفث به غضبه ولكنه سرعان ما مسحها لم تشعر بها زينة. خرجت من أحضانه وهي تنظر إلى عينيه تشعر بوجود شيء خطير لتتحدث وهي تحيط وجهه بكفيها تسأله عن سبب حالته: مالك يا قلب زينة فيك إيه؟. أمسك كفيها بكفيه ووضعهم على صدره تجاه قلبه لتشعر بضربات قلبه سريعة وقوية فنظرت إليه بعدم فهم ليجيبها على سؤالها هاربًا من مخاوفه: وحشتيني يا زينة عمري وأيامي، وفي الحفلة كنتي بعيد عني ينفع كدة. ابتسمت زينة وهي تتحرك إلى غرفتهم مستنكرة بمشاكسة وهو يتحرك خلفها يتبعها: حرام عليك وقعت قلبي أنا قولت في كارثة وأنت بتهزر وتقولي وحشتيني هو احنا لحقنا دا يا دوب الحفلة ساعتين زمن ورجعنا البيت مع بعض هروح منك فين يعني. وقفت أمام المرآة تمشط شعرها ليقترب منها ليقف خلفها أمام المرآة ينظر إليها من خلالها متحدثًا وعيناه تفيض إليها عشقًا: وهما ساعتين شوية يا زينتي مش كفاية طول اليوم في الشغل وسط التجار شد وجذب حاجة تجنن ما بصدق أرجع البيت عشان أرتاح وأرمي تعب اليوم كله تحت رجليكي وأنسى همومي معاكي. التفتت إليه وهي تبتسم: بعد الشر عنك يا حبيبي من الهموم، وارتمت بأحضانه وكأنها منطقة أمانها الوحيد في هذا العالم قائلة: بحبك يا صلاح. على الرغم من أنها كلمة بسيطة تفوهت بها إلا أنها دون أن تدري كانت تؤلم قلبه، ربما كانت ستسعده من قبل ولكنها الآن باعترافها بحبه تكبله وتقيده أمامها يشعر بنفسه صغيرًا يخشى عليها أن ينجرح قلبها بسبب والدته. ضمها إليه بقوة وقرر الهروب من تلك المشاعر التي بعثرت استقراره وتحدث يهمس تلفح أنفاسه وجنتها: إيه يا ست زينة هنفضل واقفين كده كتير ومقضينها كلام. ابتسمت زينة وهي تدرك مقصده قائلة بمشاكسة: لأ طبعًا عارفة حبيبي عنده شغل الصبح، ومقدرش أسهره أكتر من كده. اخرجها من أحضانه وتحرك بها تجاه فراشهم ليجلس عليه مسندًا بظهره عليه يتابع انتهائها من تمشيط شعرها. انتهت من وضع مرطبات وجهها ويديها واقتربت لتخلد بجواره للنوم ولكنه جذبها إليه قائلًا: مكانك هنا وأشار لها تجاه قلبه لتتخذ من ذراعه وسادة لها لتصبح أذنها بجوار قلبه تستمع إلى ايقاع نبضه حتى غفى الاثنان بهدوء لشعورهما بالأمان بقربهما لبعضهم البعض. ظلت وجيدة مستيقظة لم يغمض لها جفن وكأن النوم قرر معاقبتها على قرارها منتظرة الصباح بفارغ الصبر كي تعلن عما قررته وليحدث بعدها ما يحدث، ولكن هل سيكون للقدر رأي آخر هل سيقف في وجهها يتحداها وينهي مخططها في مهده قبل تنفيذه ********************

📜 الفصل الثالث 📜

انقضت الليلة على الجميع فمهما تغنى الشعراء بليل العشاق لا بد من أن ينتهي هذا الليل بقمره الساهر بصحبة نجومه ليحل محله الصباح بضيائه الذي ينير بضيائه ليل العاشقين، ولكن هذا الضياء لن ينير فقط بل سيعري البعض أمام نفسه وأمام محبيه. في الصباح في منزل الحاج حامد. خرجت مها من المطبخ وهي تصيح بغضب في الخادمة تسبها كعادتها كل صباح على أتفه الأسباب مما أثار غضب والدها ليخرج على صوتها مسرعًا فهذه خامس خادمة تأتي للعمل لديهم في شهر واحد، ولقد مل حامد من عجرفة ابنته فتحدث هادرًا بغضب: إيه الدوشة دي يا فتاح يا عليم على الصبح في إيه يا مها احنا مش هنخلص؟. اقتربت مها منه وصوتها لا يزال عاليًا: أعمل إيه الخدامة الغبية عملت لي النسكافيه بسكر وأنا بشربه من غير سكر. جلس والدها على الأريكة وتحدث بسخرية: وهو دا سبب كافي لصوتك العالي دا يا مها؟. اقتربت مها تجلس أمام والدها وهي تضع احدى قدميها على الأخرى بغرور: وهو حضرتك شايف إن الخدامة دي ينفع التساهل معاهم يا بابا اومال هي بتاخد مرتبها على ايه عشان تنفذ أوامري وكلمتي لازم تتسمع هنا. مها ابنة حامد الكبرى توفت والدتها وهي طفلة صغيرة بعد ولادة شقيقتها الصغرى ياسمين، قامت بتربيتهم عمتها هالة. فتاة مغرورة ومتكبرة يأس والدها من تعديل سلوكها، لم يقسو عليها في الصغر ودللها كثيرًا معتقدًا أنه بهذا الدلال سيعوضها حرمانها من والدتها ولكنه أفسد طباعها وها هو الآن يعاني من أسلوبها مع من حولها، ولكنه مجبر على تحمل تصرفاتها فبالأخير هي ابنته وستظل على الرغم من عيوبها قطعة من قلبه. اقتربت هالة بهدوء وهي تضع أمامها كوب النسكافيه تنظر إليها تعاتبها: اتفضلي النسكافيه اللي أنتِ عاملة عليه غارة من الصبح، وبعدين صوتك ميعلاش تاني يا مها مهما حصل ممكن نحل المشكلة بهدوء من غير ما نتطاول على أي حد. كانت مها ترتشف النسكافيه ونظراتها مصوبة على عمتها تستمع إليها بهدوء حذر لتردف بعد انتهاء هالة من حديثها: والنبي يا عمتو أنا اللي بعرف أتعامل مع الأشكال دي كويس أوي خليكي برة الموضوع دا، والبنت دي لازم تنطرد من هنا. هالة عمة مها طلقها زوجها قبل وفاة زوجة حامد ووالدة مها لأنها لم تستطيع أن تنجب له أطفال، وعادت لتمكث مع شقيقها وزوجته في منزله، كانت تربطها علاقة صداقة بزوجة شقيقها أم مها، وبعد وفاتها أوكل شقيقها تربية بناته إليها ولكنه أفسدهن بدلاله الزائد، وعلى الرغم من ذلك إلا أن هالة حازمة معهن كي تسيطر على زمام الأمور حتى لا ينفلت منها أمرهن. أردفت هالة بحزم: لأ مش هتمشي يا مها ولو فكرتي مجرد تفكير تتجاوزي حدودك معاها أنا اللي هقف لك وصدقيني مش هفكر ثانية أني أرد أهينك أنتِ لو تجاوزتي حدودك تاني. جحظت عينيها بعد حديث عمتها قائلة: تهينيني عشان حتة خدامة يا عمتو هي حصلت؟، ونظرت إلى والدها كأنها تبحث عن اجابة سؤالها عنده. لكن هالة لم تمهل شقيقها الرد وأجابت بدلًا منه كي تمنعه من افساد الأمور أكثر من ذلك قائلة: بنت الزمي حدودك من امته واحنا بنتعامل مع خلق الله بالتكبر دا، وبعدين الخدامة اللي مش عجباكي لولا الظروف كان زمانها في بيت أهلها معززة مكرمة، لكنها فضلت تنزل تشتغل شغل حلال تقدر تساعد به أهلها لا سرقت ولا مشيت في طريق شمال يبقى تحترميها غصب عنك، ولو هي غلطت فيكي يبقى نتكلم أنما يا ست مها تلزمي حدود الأدب لأني مربياكي على الأدب والاخلاق مش على العجرفة والتكبر على خلق الله، اتقي الله في الناس اللي حواليكي. هبت مها واقفة بغضب قائلة: عمتو ليه المحاضرة الطويلة العريضة دي عن الأخلاق خلاص فهمنا قصدك. بابا أنا داخلة أوضتي بعد اذنكم وغادرت تحت أنظار والدها وعمتها. همس حامد بخفوت لشقيقته: البنت دي مش هتتربى غير لو اتجوزت راجل يشكمها. أومأت هالة برأسها بنفاذ صبر قائلة: مفيش فايدة فيك يا حامد أنت مش هتتغير وقف حامد يأخذ محفظة نقوده وهاتفه ليغادر لعمله قائلًا: ربنا يحلها من عنده يا هالة المهم خلي بالك كويس أوي على البنات. وغادر دون أن ينتظر ردها وكأنه يهرب منها فهو يعلم أن شقيقته على صواب ولكنه يأبى الاعتراف بذلك....... ************* في منزل وجيدة استيقظ الجميع وانتظرت وجيدة نزول صلاح وزوجته كعادتهم ولكنه اتصل بها وأخبرها أنه لن يذهب اليوم لعمله، وتحجج بأنه يشعر بالإرهاق، وسيمكث اليوم في شقته وطلب من والدته ألا تنتظرهم على الفطور. أدركت والدته أنه يمنع مواجهتها بزينة حالًا في محاولة فاشلة لكسب بعض الوقت، ولكنها لن تمهله هذه الفرصة فتحدثت بلؤم: وماله يا صلاح ارتاح النهاردة وقول لزينة متجهزش فطار احنا هنجهزه وطالعين نفطر معاكم. أغلقت بعدها الهاتف ولم تنتظر رده ثم طلبت من ندى أن تعد لهم الفطور وتصعد به إلى شقة صلاح لأنه مريض اليوم. وافقت ندى وتوجهت إلى المطبخ لتنفذ ما أمرتها به والدتها بينما استيقظ حمادة بنشاط وقد عزم أمره على أن يصارح والدته وشقيقه برغبته في الزواج. صعد ثلاثتهم إلى شقة صلاح الذي استقبلهم بحفاوة حتى لا يلاحظ أحد ما يدور بينه وبين والدته، ولكن والدته جلست بجواره تهمس له وهم مشغولين بترتيب طاولة الطعام: يعني مسألتنيش مين العروسة يا عريس؟. ابتسم ابتسامة جانبية بتهكم قائلًا: هو اللي أنتِ قولتيه امبارح دا كان بجد ولا من تعب الشغل كنتي بتقولي أي كلام والسلام. ابتسمت وجيدة فهي تعلم أن ابنها يراوغها في الحديث لتتحدث بدهاء: هو الجواز فيه جد أو هزار يا أبو محرم بردوا، وبعدين دي عروسة نقاوة يا واد وعلى الفرازة أمك مش هتنقي لك أي وحدة والسلام. لم تمهله فرصة للحديث لتكمل هي: دي البت سوسن بنت عيشة صاحبتي. دهشة اعتلت ملامحه ولكنه لم يقوى على الحديث عندما سمع صوت زينة وهي تخبرهم بأنهم انتهوا من ترتيب الطعام، ودعتهم لتناول فطورهم. جلس الجميع يتناول الطعام وهم يتجاذبون أطراف الحديث مع بعضهم البعض عدا وجيدة وصلاح اللذان دار بينهما حوار آخر بلغة العيون كل منهما يرمق الآخر بنظرات لا يفهمها سواهما. قطع نظراتهم حديث حمادة: أمي يا ست وجيدة أنا عايز أتجوز. ضحكت وجيدة بسعادة وكأن حمادة قد أعطاها فرصة على طبق من ذهب لتلاعب صلاح بكلامها قائلة: وماله يا عين أمك، ثم نظرت إلى صلاح وأكملت: وأهي بدل الفرحة تبقى فرحتين. نجحت في جذب انتباه الجميع بنظراتهم الفضولية التي ترغب في فهم مغزى حديثها، كادت أن تتحدث لولا أن صلاح لم يمهلها فرصتها لتحقيق غرضها ليبادر هو بالحديث قائلًا: وماله يا حبيبي ويا ترى مين العروسة ولا عاوز أمك هي اللي تشوف لك عروسة؟. ابتسم حمادة بسعادة وتحدث بنبرته المازحة: عيب عليك هو أخوك هيطلب طلب زي دا من غير ما يكون عينه على حد بعينه. سأله صلاح ليحافظ على دفة الحديث معه دون أن يعطي فرصة لوجيدة لتنفيذ مخططها بمشاكسة شقيقه: ويا ترى مين دي اللي أمها داعية عليها في ليلة عتمة. ضحك الجميع عدا وجيدة التي كانت ترمقه بنظرات نارية من غيظها. تحدث حمادة وهو يمسك بياقة قميصه بفخر: عيب عليك يا أبو صلاح دي أمها داعية لها في ليلة القدر هو أخوك أي حد بردوا؟. أومأ صلاح برأسه موافقًا شقيقه في الحديث: لأ في دي عندك حق، طيب مين اللي عليها العين والنية. اردف حمادة: سوسن بنت طنط عيشة صاحبة أمك وجارتنا. كانت وجيدة تشرب بعض من المياه علها تهدئ من غضبها ولكن عند نطق حمادة باسم من يرغب بالزواج منها بصقت المياه من هول الصدمة بوجهه وسعلت بشدة وكأن ما تبقى من الماء في فمها قد وقف في حلقها وكاد أن يصيبها باختناق. وها القدر قد تحداها ووقف ضد رغبتها ليس صلاح هو من وقف أمام رغبتها ولكنه القدر ومن منا يقوى على التصدي للقدر؟. اقتربت زينة تربت على ظهرها بلهفة وهي تناولها كوب ماء لتشربه كي تهدأ وعندما اطمئن صلاح وحمادة عليها ضحك بسعادة وكأن شقيقه قد انقذه من براثن والدته ليقف محتضنًا شقيقه بسعادة حقيقية قائلًا: يا زين ما اخترت يا حمادة. التفت بعدها إلى والدته وتحدث بسعادة غامرة كمن ردت الروح فيه من جديد قائلًا: إيه رأيك يا أمي سوسن بنت طنط عيشة زينة البنات وحمادة اخويا زينة الشباب. كانت كلماته بمثابة رجاء مغلف إليها بألا تكسر قلب شقيقه وأن توافق على طلبه وأن تنسى ما تريده. فهمت وجيدة حديث ولدها وأومأت برأسها بالموافقة قائلة: وماله يا صلاح أنا مش هلاقي لحمادة أحسن من سوسن، هكلم عيشة وأنت تروح مع أخوك للحاج حسنين محله وتحدد معاه ميعاد نزورهم فيه. انشغلت زينة وندى مع حمادة في الحديث وبدأت الاثنان في مشاكسته ولم ينتبها إلى وجيدة التي استغلت انشغالهم لتقترب من صلاح تهمس له: متفكرش أن الموضوع كدا انتهى هو بس هيحصل تعديل بسيط العروسة هتتغير وهشوف لك غيرها. ثم دارت بعينها تجاه زينة وعادت تثبت عيناها على ولدها تكمل حديثها: الحق عيش لك يومين مع زينة بهدوء واشبع منها قبل ما تيجي اللي تشاركها فيك. وقفت بعد حديثها تاركة صلاح لحرب أفكاره: الحمد لله سفرة دايمة يا صلاح، خليك النهاردة ارتاح شوية من تعب الشغل. نظرت بعدها إلى زينة: اعتني بجوزك كويس يا زينة لأجل صحته مش عجباني اليومين دول، وجهزيي له لقمة حلوة يرُم بها عضمه. أومأت زينة برأسها بالموافقة بينما هتف حمادة: عقبالي لما ألاقي اللي تهتم بيا وتعملي لقمة ترم عضمي أنا كمان. طيب قوم يا حبيبي ورانا شغل كتير وأخوك اجازة النهاردة. قالتها وجيدة وهي تربت على كتفه، وهمت بالمغادرة ولكن استوقفها حديث صلاح: متنسيش تكلمي أم سوسن وأنا بكرة هروح مع حمادة للحاج حسنين. نظرت ترمق ابنها بنظرات فهمها هو وحده وأردفت وهي تتحرك دون أن تنظر إليه: اطمن يا ابن بطني مقدرش أنسى حاجة تخص ولادي. أغلقت الباب بينما صلاح ظل واقفًا ينظر في أثرها إلى أن انتبه على صوت شقيقه وهو يتحدث: لما أروح ألحقها لا تقلب عليا وتبوظ لي الجوازة قبل ما تبدأ. وقفت ندى تجمع الصحون مع زينة بينما صلاح استوقفها طالبًا منها أن تعد له فنجان قهوته وأن تحضره إليه. أكملت ندى ترتيب الطاولة وانتهت منها وعادت إلى شقتهم بينما انشغلت زينة في اعداد فنجان قهوته، ولكنها شردت فيما حدث معها بالأمس. ( فلاش باك) كانت زينة تجلس في حفل الحنة تشعر بالسعادة وهي ترى زوجها صلاح يرقص مع شقيقه بالعصا ( رقصة التحطيب)، اقتربت عليها أميرة وهمست لها بفحيح أفعى سامة تنثر سمومها أينما حلت: تفتكري جوزك صلاح هيفضل كده كتير من غير عيل يشيل اسمه، وهم ما شاء الله عليه مال وجمال ورجولة، بجد يا زينة أنتِ صعبانة عليا أوي. التفتت زينة بثبات زائف كي لا تعطي لأميرة الفرصة بنبرة تحذيرية لتجيبها: أفتكر يا أميرة أنك تركزي مع جوزك اللي هو أخويا ومع اللي في بطنك أحسن ما أنتِ مركزة مع صلاح جوزي. أرادت زينة أن تخرس هذه الأميرة فهي تعلم جيدًا نظرات أميرة العاشقة لصلاح زوجها فأميرة أمرأة طماعة لا مبدأ لديها ولا احترام اذاتها تلهث خلف كل مذكر سالم يحمل المال وتزوجت من شقيق زينة طمعًا فالمال وليس حبًا ولكن لضعف شخصية شقيق زينة بات كالخاتم باصبعها تحركه يمينًا ويسارًا أنَ شاءت. نجحت زينة في اخراس أميرة، وحاولت أن تبدو هادئة ثابتة محتفظة بابتسامتها ونظراتها السعيدة التي كانت تتابع زوجها وهو يرقص تحت أعين أميرة التي كانت تراقبها لتتأكد هل أصابت سهام حديثها قلب زينة، ولكن خاب ظن الأخيرة فلقد نجحت زينة في رسم قناع الجمود أمامها لتثبت لها أن حديثها لا جدوى منه معها، ولكن بالفعل قد أُصِيبت زينة في منتصف قلبها. (نهاية الفلاش باك) ظلت زينة شاردة وهذا السؤال يتردد داخل عقلها حتى كاد أن يصيبها بالجنون( يا ترى يا صلاح هتقدر فعلا تستغنى عن مشاعر الابوة ولا هيجي عليك لحظة تقول نفسي في عيل يشيل اسمي؟)، ولكنها شعرت بذراعيه تحاوطها من الخلف يضمها إليه يبثها الطمأنينة لتسند عليه بظهرها مغمضة عينيها تستنشق رائحته التي تسللت إلى قلبها تشبع روحها منها وكأنها تخشى أن تحرم منه. كان صلاح لا يقل عنها خوفًا فهو أيضًا كان يخشى مرارة فقدها. كان ينتظرها أن تأتي له بقهوته ولكنها تأخرت عليه فتوجه إلى المطبخ وجدها تقف أمام الموقد شاردة راقبها للحظات ولم يشعر بنفسه سوى وهي بين أحضانه. حمحمت زينة بخجل واعتدلت في وقفتها عندما رأت انسكاب القهوة على الموقد تحدثت وهي لا تزال في بين ذراعيه: آسفة يا صلاح هعمل لك قهوة تانية. ابتسم وهو يهمس لها: خلاص مش عاوز قهوة، أنتِ قهوتي النهاردة. لم يمهلها الفرصة للحديث لتجد نفسها قد رُفعت في الهواء محمولة بين ذراعيه لتضحك على ما فعله: صلاح نزلني مينفعش كدة. ضحك معها فهي ضحكته ودموعه وهي زينة حياته كما يناديها دومًا فأردف قائلًا: أبدًا وبعدين الست وجيدة وافقت على اجازتي النهارده بالساهل كده لأ طبعًا فرصتي واجازتي مش هضيعهم لازم أعوض اللي فات كله، متنسيش أنها موصياكي عليا النهاردة ولا إيه؟. غمز لها وهو يغلق باب غرفتهما بقدمه وهي لا تزال بين ذراعيه ليغيبا معًا في عالمهما الجميل الذي سينتزع منهما قريبًا ******************* في منزل الحاج حسنين كانت عائشة تجلس مع زوجها يتحدثون قبل أن يتوجه إلى عمله بعدما انتظرت مغادرة الجميع كي تتحدث معه بأريحية لتردف: حاج حسنين أخويا كان كلمني من فترة عاوز سوسن لابنه عبد الرحمن، وطبعًا الرأي الأول والأخير ليك. كان حسنين يستمع إلى حديثها بهدوء وهو يحتسي قهوته ولكن عقله كان يعمل كآلة يفكر في الأمر قبل أن يبلغها بقراره. كانت عائشة تطالعه منتظرة أن يتحدث ولكن صمته طال مما أربكها وزادها حيرة لتتحدث: حاج حسنين ساكت ليه يا خويا؟. مال حسنين في جلسته قليلًا يضع فنجان قهوته أمامه على المنضدة الصغيرة وأردف وهو ينظر إليها بعدما مد يده يضم كفيها بين يديه: منكرش يا أم محمود أن اخوكي راجل محترم وعشرة عمري لكن.. صمت لبرهة وهو ينظر إلى عينيها بتردد ايفصح لها عن السبب الحقيقي لرفضه أم يحتفظ بالسبب لنفسه، ولكنه سرعان ما حسم أمره قائلًا: مش هينفع يا أم محمود صدقيني مش هينفع الولد مش مناسب لبنتنا وأنا مش عاوز أخسر اخوكي بسبب جوازة محكوم عليها بالفشل وكمان معنديش استعداد أضحي ببنتي. ربتت عائشة على كفه بكفها بحنان تزيل من على كتفه عبء الحرج تتحدث بهدوء: كل شيء قسمة ونصيب يا ابو محمود وأنا اللي يهمني بنتي ومصلحتها، حتى لو دا هيزعل مني اخويا لكن الايام كفيلة تداوي كل ده. لكن.... قالتها مترددة أتسأله عن سبب الرفض أم لا، ولكن نظرته التي تبثها الطمأنينة شجعتها أن تكمل حديثها: طيب ممكن تقولي ليه رافض ابن أخويا. زفر بهدوء وكأنه يحمل داخل صدره ثِقل لا يقوى على البوح به ولكنه أكتفى برد مقتضب: ولو قولت لك أحب احتفظ بالسبب لنفسي هتفضلي بردوا عوزه تعرفيه. أومأت برأسها نافية وقالت: لأ هحترم رغبتك، ومش هسألك وأنا كمان واثقة أن هيجي اليوم اللي هتقولي فيه سبب الرفض، وزي ما قولت لك أنا اللي يهمني مصلحة بنتي. وقف وانحنى قليلًا مقتربًا منها يقبل خاصتها قائلًا: صدقيني رفضي دا لمصلحة بنتنا ومصلحة بنتنا مش في جوازها من ابن خالها. وقفت لتودعه وهي تشعر بالحيرة كيف ستخبر شقيقها بالأمر، ولكن توقف حسنين قبل المغادرة يشعر بما يدور في خلدها ليردف: ومتقلقيش أنا بنفسي هكلم أخوكي وأنهي الموضوع بطريقة حلوة وطلعي نفسك برة الموضوع سبيني أنا مني ليه. شعرت وكأن جبل قد انزاح من على قلبها فزفرت بارتياح وقالت: ربنا ما يحرمنا منك يا حاج. ابتسم وردد دعائها قائلًا: ولا يحرمني منك ولا من ولادنا يارب اللهم أمين. ثم غادر لعمله وتركها تشعر بارتياح فهو دومًا ما يحمل على عاتقه مشقة أي أمر يصعب عليها حله فهو دومًا كمظلة الأمان التي تشملهم جميعًا من مصاعب الحياة.

📜 الفصل الرابع 📜

ما أجمل القدر حينما يبدع في الربط بين قلوب المحبين، عندما وقعت عينيها عليه لأول مرة صار ضيف أحلامها كل ليلة وجليس روحها، لم تكن تعلم بماذا تصنف هذا الشعور في بادئ الأمر ولا من هو ولم تقدر على التوقف عن التفكير فيه، وكيف ذلك وهو لم يرحم حتى أحلامها يزورها كل ليلة في منامه. هو أيضًا مشاعره تجاهها لم تكن أبدًا أقل منها بل تخطت مراحل العشق الصامت بكثير كانت معذبته وضيفة أحلامه وواقعه كل ليلة، أصبح مدمنًا لرؤيتها كل صباح دون أن تدري كان يراقبها في ذهابها وإيابها من المدرسة، شعر معها بما لم يشعر به في سن المراهقة، تلك التي سلبته عقله وقلبه. قد مضى أسبوع على لقاء صلاح وحمادة مع الحاج حسنين في محله، واليوم يجلس في منزلها ينتظر خروجها بعدما انتهت الاسرتان من الترحيب والمجاملات، كان يبحث عنها بلهفة حقيقة ففضحته عيناه أمام الجميع. اقتربت منه شقيقته ندى تتحدث بمكر معه: اهدى شوية يا عريس واتقل شكلك واقع اوي ومفضوح كمان. بُهت وجهه ونظر لها باستنكار: أنا مفضوح الملافظ سعد يا بت أنتِ. ابتسمت ندى وهي تهمس له كي لا تسمعهم والدتها: على رأي اللمبي واقعة يا نوسة. جز حمادة على أسنانه وهتف بتحذير: أخلص الليلة دي ووحياة أمك الحاجة وجيدة لأعلقك على الحيطة زي فردة الشوز. حكت ذقنها بمشاكسها لتزيد من استفزازه: طيب انوي خير عشان الليلة تعدي بسلام مش يمكن العروسة تطفش لما تعرف أنك العريس. ثم غمزت له. لاحظ صلاح توتر شقيقه فهو واثق من أن ندى لن تمرر هذا الموقف دون مشاكسته فلكي لا تخرج الأمور عن السيطرة تحدث برزانة شديدة: يا حاج حسنين إحنا جايين النهاردة طالبين القرب منك في كريمتك المصونة الآنسة سوسن، وأكمل وهو يصوب نظره تجاه والدته بابتسامة ماكرة: لأخويا حمادة ويزيدنا شرف لو وافقت طبعًا. رمقته وجيدة نظرة لو كانت لها أثر لأحرقته مكانه ولكن سرعان ما التفت صلاح إلى حسنين منتظر رده. ابتسم حسنين وهو ينظر إليهم قائلًا: وأنا يشرفني نسبكم يا صلاح يا ابني ومش هلاقي لسوسن بنتي عريس أحسن من حمادة. ثم نظر إلى حمادة وقال: مبروك يا ابني، ونظر إلى زوجته وطلب منها أن تطلب من سوسن أن تخرج لترحب بحمادة وأسرته. بدأ صلاح يتحدث مع حسنين في كافة ترتيبات الزواج إلى أن أتت العروس وصافحت الجميع عدا حمادة الذي دُهش من فعلتها، ولكنه أقسم بداخله أنه لن يتركها تمر بفعلتها تلك ولكن عليه أن يصبر حتى تكون في منزله. جلس الجميع وقرأوا الفاتحة وتحدث صلاح ليحدد موعد الخطوبة ولكن حمادة قاطعهم بهدوء ليردف: اسمح لي يا عمي أنا شقتي جاهزة، ومش عاوز خطوبة بس لأ أنا راجل عملي وعاوز اختصر الوقت والأيام أنا عاوز جواز على طول. صدمة علت وجوه الجميع من الأسرتين ولكنه أكمل حديثه: الخطوبة عشان الاتنين يقدروا يعرفوا بعض ويشوفوا طباعهم هتكون مناسبة لبعض ولا لأ، انما احنا ظروفنا مختلفة شوية. حضرتك تعرفنا وتعرف أمنا ربتنا ازاي وأخلاقنا إيه، واحنا كمان عارفين حضرتك وتربيتك لبناتك وبعدين احنا جيران من زمان مش لسه محتاجين ندرس أخلاق بعض. ايوا يا ابني لكن سوسن لازم تخلص تعليمها قبل الجواز، وأنا اتفقت مع صلاح على خطوبة لحد ما تنهي دراستها. تحدث حمادة يطمئنه قائلًا: وأنا بوعدك دلوقتي وقصاد الكل أني أنا بنفسي هساعدها تخلص تعليمها لكن وهي في بيتي ومراتي. أكمل دون أن يدرك أن ما تفوه به سيجرح زينة وصلاح ولكنه حماس قلب عاشق: مش أنا الراجل اللي أعطل مراتي عن دراستها، بالعكس هفضل معاها لحد ما تحقق كل أحلامها ونكبر سوا، ودا مش كلام فض مجالس لا سمح الله دا وعد راجل وكلمة على رقبتي يا حاج حسنين، وأنا لما بوعد بوفي. كان اللقاء بين العيون بنظرة ممزوجة بالحزن والعتاب بين الثنائي الذي بات استقرارهم مهدد، رمقها صلاح بنظرة حانية كلها حب، ولكن سرعان ما هربت بنظرها بعيدًا عن مرمى عينيه حتى لا ينتبه أحد عليهم، وانتبه كليهما على صوت حسنين وهو يتحدث. مش عارف يا حمادة يا ابني أقولك إيه أنت خليتني مش عارف أرد على كلامك من الآخر يا بني أقنعتني، والعروسة أهي نشوف رأيها إيه واللي فيه الخير يقدمه ربنا. دار بنظره لابنته سوسن وسألها أمامهم جميعًا: إيه رأيك يا عروسة في الكلام اللي سمعتيه. نظرة إلى حمادة نظرة خاطفة ثم نظرت إلى والدها وقالت بخجل وعلى استحياء: الرأي رأيك يا بابا. أردف حسنين: على خيرة الله وأنا موافق، لكن يا حمادة لو بنتي جت لي في يوم زعلانة، وأنت سبتها تخرج من بيتك زعلانة لأي سبب أفهم وقتها أن أنا مش هرجعها لك مهما عملت. نظر حمادة لها وأردف: برقبتي يا عمي لو خرجت من بيتي في يوم غضبانة برقبتي، سوسن هتكون في قلبي وعيني وعلى راسي تاج، ضحك الجميع على حالته وبدأوا بقراءة الفاتحة. بمجرد أن انتهوا تعالت اصوات الزغاريد والمباركات بالمنزل. انقضى اليوم وغادرت وجيدة وعائلتها بعدما حددوا موعد الزفاف بعد أسبوعين كي يتسنى للجميع الانتهاء من تجهيزات العرس. ********* في منزل اسماعيل شقيق زينة. كانت تجلس أميرة بغضب على الأريكة بعدما عادت من زيارتها لوالدتها وكالعادة مشحونة ضد اسماعيل زوجها بأفكار والدتها المسمومة في انتظار عودته من عمله. كانت تأكل أظفارها بتوتر وغيظ تفكر فيما تحدثت فيه والدتها معها، وتلميحاتها عن امكانية خسارة كل مخططاتها أمام زينة بالاستيلاء على المنزل وخاصةً وأن زينة لها نصف حصة المنزل بعقود بيع رسمية من والدها ووالدتها قبل مماتهم. همست لنفسها وكأنها تتحدث مع شيطان نفسها: وبعدها لك يا زينة هتفضلي واقفة لي زي اللقمة في الحلق كده كتير.، مش عارفة أخلص منك ما هو لو خلصت عليكي جوزك هيورثك وهيكون له نصيب في البيت، طيب حاولت قبل كده اخليكي تمضي على ورق تنازل البيت بحجة انها أوراق مطلوبة قصاد الحكومة وفلتي منها بخباثة، أعمل إيه تاني؟. ما هو لازم يكون في طريقة تخليني أخد نصيبك في البيت بس إيه هي يا ترى؟. قطع حبل أفكارها دلوف زوجها اسماعيل عائدًا من عمله منهكًا، القى بسلسلة مفاتيحه على المنضدة والقى بجسده على الأريكة جلس بجوارها لتعتدل في جلستها قائلة: أحضر لك الأكل؟. أجابها وهو يضغط على جبهته عله يخفف من حدة الصداع الذي يعصف برأسه قائلًا: ياريت أنا واقع من الجوع. غادرت تعد له الطعام وهي تفكر في طريقة جديدة لنقل حصة زينة في المنزل باسمها، بينما توجه إسماعيل إلى المرحاض عله ينعم بحمام دافئ يخفف الألم الذي يفتك به. انتهى من الاستحمام وخرج ليجد أميرة كانت قد انتهت من تجهيز الطعام له وجلست بجواره ليتناولا وجبة العشاء معًا في أجواء لا تخلو من الرومانسية ومن دلال أميرة على زوجها فهي تعلم جيدًا أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتسيطر عليه. اسماعيل شقيق زينة شخص أناني جدًا لم يحب شقيقته زينة يومًا لأنها ابنة الزوجة الثانية لأبيه، يعشق أميرة جدًا شخصيته ضعيفة أمام تسلطها وتحكمها. تقاسما معًا كره زينة، نجحت أميرة في بث سمومها في عقله عن شقيقته الوحيدة وكان اسماعيل بالفعل تربة خصبة لتلك الأفكار. زاد الحقد والكراهية بقلبه ونسي أن شقيقته هي المؤنسة الغالية، هي السند والحنان بعد الأم، هي التي تسعد لسعادته وتشقى لعنائه كل ما يفكر به هو المنزل وحصتها التي كتبها لها والدهم لها قبل موته، وكأن الأب لا يملك حرية التصرف في ممتلكاته وتقسيمها أنىَ شاء بين أبنائه، ليصبح ما تركه لها والدها بمثابة لعنة ستظل تلاحقها مدى حياتها. أتعجب من بعض الشباب الذين يتزوجون في منازل ذويهم ويعطون إلى أنفسه كل الحق بهذه البيوت، ويغضبون كل الغضب إذا لجأت شقيقاتهم إلى منزل والدهم، وكأنه بات محرمًا على البنات اللجوء إلى منزل آبائهم وقت الشدائد، وما يزيد الأمور سوءً هو تدخل زوجات هؤلاء الشباب في الأمر منهم من يسعى في خراب استقرار هذه العائلة، ومنهم من يسعى لزرع الكراهية بين أزواجهم وشقيقاتهم وتناسوا تمامًا أنهن كما يزرعن في غيرهم سيحصدونه في أولادهم. ولكن يبقى السؤال الأهم إذا كان منزل الأهل لم يسع بناته بعد زواجهن فما الذي سيحتضنهم وقت الشدائد؟. هدى الله الشباب وزوجاتهم. كم من أخت انكسر قلبها من قسوة أخيها عليها، وكم من امرأة فضلت أن تتجرع الذل والمهانة على أن تلجأ إلى أهلها في أصعب وقت كانت تحتاج إلى دعمهم النفسي قبل المادي؟؟؟. انتهوا من تناول طعامهم ودخل إسماعيل غرفة نومهم والقى بجسده على الفراش ينتظر أن تعد له زوجته كوبًا من الشاي ليشربه وهو يدخن سجائره بشراهة قبل أن يخلدا للنوم. اقتربت زوجته ووضعت الشاي على " الكومودينو" وجلست بجواره على الفراش لتتحدث بخبث وهي تمسد على بطنها المنتفخ قليلًا من الحمل وكأنها تتحدث إلى طفلها: يعني لو كان جدك ساب كل حاجة زي ما هي مش كان زماننا دلوقتي مأمنين مستقبلك حلو يا حبيبي. نفخ اسماعيل دخان سيجارته بضيق وهو ينظر في نقطة اللاشيء قائلًا: منه لله أبويا بقى، قال كان عاوز يأمن زينة يدوس عليا وياخد من كومي عشان يزود من كومها. ثم أكمل بتهكم: وهي أرض بور مبتخلفش كمان يعني لو جرالها حاجة.. أكملت زوجته الحديث بخبث: لو جرالها حاجة صلاح يجي يقرفنا هنا ويقولك دا ورثي من مراتي.. صمتت لبرهة تتأمل ملامحه ترى تأثير حديثها على ملامحه لتكمل بمكر: حق لو دا حصل تبقى كارثة، أنت لازم يا اسماعيل بأي طريقة ترجع نصيبك في البيت تاني أو تخليها تكتب لك نصيبها بيع وشراء وكده كده البيت مفتوح لها أي وقت لو حصل لها حاجة لا قدر الله وكده كده صلاح بيحبها ومهنيها على الآخر. حك ذقنه دلالة على التفكير فيما تفوهت به تلك الشيطانة الماكرة وكأن الفكرة راقت له ليردف بشرود: بس الموضوع دا عاوز تخطيط مش بالسهولة دي زينة هتسيب نصيبها في البيت. اقتربت منه وتوسدت صدره تمرر أناملها عليه بدلال أنثوى أذابه وشتت تركيزه لتضحك بدلال قائلة: خلاص فكر ودبر وأكيد هتلاقي طريقة، ودلوقتي مش عاوز تسلم على ابنك. ضمها إليه بقوة وهو يضحك وتمتم: أوام عرفتي أنه ولد خلاص دا لسه يا دوب 3 شهور. قلبي بيقولي أنه ولد وأنا قلبي دليلي. تحدثت أميرة ليسحبها معه إلى عالمهم الخاص، هو يغمرها بعشقه، وهي تحكم السيطرة عليه أكثر وأكثر. ................................

📜 الفصل الخامس 📜

انقضى الاسبوعان وانتهت الاستعدادات لزفاف حمادة وسوسن واليوم ستتوج سوسن على ذمة حمادة ملكة على عرش قلبه، لا يعلم كلاً من العروسين كيف مر عليهم الأسبوعين من يراهم للوهلة الأولى يجزم بأنهم تزوجوا بعد قصة عشق دامت لسنوات ولكنه أن الله عز وجل هو من يحسن التدبير وسبحانه عز وجل بيده مقلب القلوب. حيث جعل قلب حمادة قد وجد قلب وليفته ومؤنسة عمره، وعلى الرغم من أنها كانت مشاعر جديدة على كليهما إلا أنه فضل أن يؤتي البيوت من أبوابها، وهذا إذا كان الشاب صادق النية يطرق البيوت من أبوابها مهما كانت العقبات التي سيمر بها، ما يحدث في هذا الزمان ليس له علاقة بالحب المحترم العفيف، الذي يجد فيه الشاب الفتاة المناسبة له والتي ستصبح زوجةً له وأمًا لأولاده ويعاملها كجوهرة مكنونة يجب الحفاظ عليها حتى من نفسه حتى يجمعهم الله معًا في حلاله، ويبارك لهم في حياتهم الزوجية. ما يحدث اليوم هو استغلال للبنت باسم الحب، واستباحت البيوت والأعراض بشتى الصور المختلفة لكل ما تحمله الكلمة من معنى. في القاعة المخصصة للعرس. كان حماده يقف أسفل السلم بأبهى حُلة منتظر ظهور مهلكة قلبه فلقد منعته نساء العائلتين من رؤيتها منذ ثلاث أيام، وها هو الآن يقف كالواقف على الجمر المشتعل منتظر أن تطل عليه سوسن ويقسم بداخله أن يخطفها بعد العرس ولن يجعل أحد يصل إليهم عقابًا لهم على حرمانه منها. كان شقيقه صلاح يقف على مقربة منه في قمة سعادته بشقيقه الصغير الذي يراه اليوم عريس ينتظر عروسه، مشاعر الأبوة تحركت تجاه شقيقه ولما لا تتحرك وهو من رباه مع والدته بعد وفاة والدهم. كانت زينة تقف بجواره بسعادة غامرة فلقد نشأت بينها وبين سوسن علاقة صداقة ومودة حقيقية خلال تجهيزات العرس فهي تقف الأن تشعر بالسعادة لهما، وكانت وجيدة وندى يقفن بجوارها منتظرين هبوط العروس بصحبة والدها وشقيقها محمود، وكذلك والدتها عائشة وشقيقتها سمية التي كانت لا تقل سعادة عن الجميع وبعض من افراد العائلتين. خفتت الأضواء وسُلِط ضوء قوي على السلم مكان ظهور العروس ليصدح صوت حمادة في المكان ويظهر في فيديو مسجل على شاشات العرض والتي كانت تحيط بهم من كل جانب يعترف فيه بحبه لسوسن ويسرد فيه كيف ومتى شعر بمشاعره تجاهها ووعده لها بأن يحافظ عليها وأن يسعدها ما دام هو يحيى في هذه الحياة، لتظهر بعده سوسن في فيديو مماثل تتحدث فيه وتعترف بحبه لها لينتهي الفيديو وتعلو الموسيقى الحماسية والأضواء مسلطة على مكان ظهورها وسط سعادة المدعوين وتصفير الشباب لتظهر أمامه مهلكة قلبه بفستانها الأبيض تتأبط ذراع والدها تهبط الدرج على استحياء ووالدها يهمس لها في أذنها يتوعدها بمشاكسة: بتعترفي بحبه يا بنت حسانين وربنا لأربيكم أنتم الاتنين بس الفرح يخلص بس وحسابكم معايا. كانت سوسن تستمع إلى حديث والدها ونظرها مثبت على من سلب منها قلبها وعقلها، لم تشعر بمن حولها وكأن العالم أختفى من حولهما إلا من وجودهما. كان حمادة يقف مصوب نظره تجاهها يتأملها بحب كاد أن يخرج قلبه من بين ضلوعه من فرط السعادة، كانت سوسن لا تزال تهبط الدرج شعر بأن خطواتها تسير ببطء وكأنها تخطوا على نبضات قلبه. تنهد وكانه يتوسل إليها بعينيه: رفقًا بقلبي يا ساكنته... رفقًا بقلب بات في محراب عينيك أسيرًا، لا تخطوا خطواتك على الدرج ولكنها تخطوا على نبضات قلبي... فرفقًا بقلبي يا مهلكته. وصلت إليه بصحبة والدها وشقيقها محمود فاقترب من والدها يصافحه بحرارة ولكن حسنين لم يفوت عليه هذه الفرصة لكي يشاكسه فهمس في أذنه: بتسجله فيديو من ورايا يا ابن محرم وبتعترفوا لبعض بحبكم كده علني، حسابنا بعد الفرح يا غالي. ضحك حمادة بشدة واحتضن حماه قائلًا: سامحني يا عمي قلبك أبيض. ضحك حماه على مزحته، ثم تقدم محمود من حمادة واحتضنه وأوصاه بشقيقته خيرًا. رد حمادة عليه بحركة كوميدية: عيب يا حودة أختك في عنيا يا عم، وبعدين كفاية سلامات بقى خلوني أشوف عروستي اللي خللت من الوقفة دي. ثم اقترب من سوسن ورفع عن وجهها الطرحة البيضاء المنسدلة على وجهها ليضعها خلف ظهرها وهو يقول بسعادة غامرة: وأخيرًا القمر طل عليا وقبل خاصتها أمام الجميع وأمسك بكفها وجعلها تتأبط ذراعه وهو يهمس لها: مبروك يا أجمل عروسة شافتها عيوني. وسارا معًا باتجاه قاعة العرس وكأنه ملك قد ظفر بأميرته لتُفتح أبواب القاعة الضخمة على مصرعيها في مشهد أسطوري مع ارتفاع أصوات الموسيقى ليسيرا معًا غلى داخل القاعة وسط تصفيق المدعوين وتصفير الشباب وزغاريد الفتيات. اختلطت مشاعر سوسن داخل قلبها مشاعر سعادة ورهبة وخوف مما هي فيه، ولكنه كان ممسك بكفها بيده يبثها الطمأنينة قائلًا: متخافيش أنا معاكي ومش هسيبك لحظة واحدة، دي ليلة العمر يا سوسن مش عوزك تخافي من أي حاجة طول ما أنا معاكي. واقتربا من ساحة الرقص ليقف الاثنان تفتتحا رقصتهم الأولى معًا، والتي كانت مفاجأة لسوسن قبل الحضور. رقص حمادة معها ببراعة وكأنه تدرب على هذه الرقصة لتخرج بهذا الجمال، رقص كأمير يرقص مع أميرته في أحد القصور الأسطورية، ككان يحركها معه على أنغام الموسيقى بخفة ومهارة فنان وكأنه كان يرسم تابلوه ساحر ليرتفع حماس الشباب من الجنسين في القاعة ليتختم رقصته معها بأن حملها ودار بها في القاعة ليرتفع تصفير الشباب وزغاريد البنات. استغل منسق الأغاني هذه الحالة الحماسية الموجودة وقام بتشغيل إحدى الأغاني الحماسية التي أقسم أن لا يدع أحد من المدعوين يستقر على كرسيه في هذه القاعة. تجمع صلاح وزينة وندى ومحمود وسمية حول العروسين وشاركوهم رقصتهم الحماسية بسعادة غامرة، وظل الجميع يرقصون على أنغام الموسيقى حتى أشار حمادة إلى منسق الأغاني الذي فهم اشارته، وعلى الفور تحدث منسق الأغاني موجهًا حديثه إلى صلاح وزوجته والعروسين وطلب منهم هم فقط الرقص على هذه الموسيقى التي اشتغلت على الفور كان صلاح ينظر إلى شقيقه بصدمة وقال: والله يا حمادة أنت مجنون أنت لسه فاكر ياض. اقترب وهو يلقي عليه العصا ليلتقطها الأخير بخفة قائلًا وهو يغمز له بعينيه: عيب عليك يا أبو صلاح دا أنا نادرها من واحنا صغيرين نرقص بالعصاية أنا وأنت ومراتي ومراتك، وأنا ناوي النهاردة أعمل كل اللي نفسي فيه. وبدأ أربعتهم يرقصون على أنغام الموسيقى الصعيدي الخاصة بالتحطيب، كل منهم مع زوجته ويتبادلون التحطيب مرة مع بعضهم البعض ومرة أخرى مع زوجاتهم، إلى أن انتهت الرقصة بينهم ليضم صلاح شقيقه بحب وسعادة، وكذلك زينة وسوسن ضمت كلا منهما الأخرى بسعادة. كانت هناك أعين تراقبهم بحقد وغيرة وما كانت هذه العيون سوى عيون أميرة وزوجها وكذلك مها التي وصلت إلى القاعة بصحبة والدها وعمتها في بداية الرقصة لتجذبها وسامة صلاح وظلت تنظر إليه بإعجاب شديد. ترك صلاح وزوجته العروسين واهتموا بالمدعوين مع والدته وجيدة والحاج حسنين، الذي اصحبهم للتعرف على الحاج حامد وأسرته وما إن ووقعت أعين وجيدة على مها إلا وأعجبت بها وكأنها وجدت ضالتها المنشودة، وقررت أن تنهي الأمر الأيام المقبلة وخاصة عندما تأكدت أن مها غير مرتبطة بأحد. امتد الحفل حتى الساعات الأولى من اليوم الجديد لينتهي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وودع العروسين أسرهم وغادروا معًا أو كما اخبرهم حمادة أنه سيخطف زوجته لمدة أسبوع كي لا ينشغل بالهم عليهم. لم تكن وجيدة موافقة على السفر وأصرت على أن يعود حمادة وعروسهم إلى شقته أولًا ليبدأوا حياتهم الزوجية بها، ثم يسافروا بعد ذلك إلى أي مكان يريدونه، ولكنها بالأخير وافقت أمام اصرار حمادة على قراره. غادر العروسين تاركين خلفهم أسرتيهما في حالة صدمة من جنان حمادة وقراراته المفاجأة بعدما طلب من صلاح ايصالهم إلى المطار هو وزوجته زينة، وطلب من حماه توصيل والدته وشقيقته إلى منزلهما. .......................... في سيارة صلاح. كان صلاح يقود سيارته وبجواره تجلس زينة تحتضن ذراعه مستندة برأسها على ذراع زوجها، بينما حمادة وعروسه في عالم آخر حيث كانت سوسن تجلس بجواره مشتعلة بغيظها من قرارات حمادة المفاجئة تنظر له بعتاب. لاحظ صلاح أن الأجواء خلفه لا تبشر بالخير فشغل احدى الأغاني الرومانسية ليرددها ويشاركه في الغناء شقيقه حمادة وهو ينظر إلى زوجته بينما زينة شاركتهم الغناء بسعادة غامرة وتمنت من الله ألا ينتهي هذا اليوم بينما دارت سوسن بنظرها عليهم لتهتف بغيظ: لا والله يعني ليك نفس تغني بعد اللي عملته. ادعى حمادة عدم فهم ما تقصده وانتفض بحركة كوميدية: عملت إيه يا بت هو أنتِ هتلبسيني مصيبة؟. ايوا ضحكت عليا فين وعدك ليا؟، وبدأت تقلده بحركة كوميدية: لما نتجوز ونروح بيتنا هتلاقيني عاملك مفاجآت كتيرة وليلة عمرك ما هتنسيها، ودلوقتي مشحططني معاك في الطريق ولسه في سفر وحاجة إيه آخر مرمطة، وأنا اللي كنت منتظرة أروح بيتنا بفارغ الصبر عشان هموت وأنام، وبعدين كانت ماما هتيجي لي الصبح في الصباحية أنت لاغيتها بعملتك دي. قهقه حمادة بصوت مرتفع حتى ادمعت عيناه على حديثها البرئ ليتحدث بعده قائلًا: طيب الحمد لله أننا مروحناش على البيت وإلا كنت الصبح هبقى تريند مصر العريس الذي قتل عروسته ليلة زفافهم. جحظت عيناها بصدمة من جرأته لتلكزه في ذراعه ليضحك الجميع على فعلتها، ثم أكمل بجدية قائلًا بجد موضوع الصباحية دا موضوع فاشل جدًا يعني إيه عريس وعروسته أهلهم يروحوا لهم تاني يوم يقلقوا منامهم قال إيه يطمنوا عليهم بجد دي عادات لازم تتغير، لازم يسيبوا مساحة خصوصية للعرسان وخصوصًا أننا في مصر العريس والعروسة بيطلع عنيهم في التجهيزات قبل الفرح بشهور وما بيصدقوا يروحوا بيتهم يرتاحوا شوية. ثم أنا رحمتك من رخامة الناس اللي بيجوا عاوزين يلفوا في الشقة ويعرفوا العروسة اشترت كام طقم حلل وكام طقم ملايات ويا سلام بقى العريس والعروسة يتنشوا العين المتينة اللي تجيبهم أرض من أول يوم، دا بدل ما تشكريني يا حبيبتي أني رحمتك من الصداع دا كله. ضحك الجميع على كلامه وظلت الأجواء بينهم يسودها السعادة إلى أن وصلوا إلى المطار. ودع صلاح وزينة حمادة وسوسن متمنين لهم رحلة سعيدة، ولكن حمادة أخرج من جيبه ظرف وأعطاه إلى صلاح وهمس له دون أن تنتبه زوجاتهم: أنا حجزت لك في فندق (....) أنت وزينة من حقكم تخطفوا ولو يوم من الزمن ليكم لوحدكم من غير عوازل زينة بنت حلال وتستاهل تسعدها يا صلاح، وحاول تبعدها شوية عن تحكمات ماما وسيطرتها البنت ملهاش ذنب في حاجة ربنا هو اللي كاتبها. كان صلاح يستمع إليه بسعادة يسأل نفسه متى كبر شقيقه ليعي معاناته هو وزوجته دون أن يفصح بها صلاح أو زينة. ضمه حمادة بحب ليودعه وأكمل: متقلقش ماما قافلة الوكالة يومين اجازة اقفل تليفونك اليومين دوول وخليهم لزينة بس، ابعت لها رسالة تطمنها انكم هتغيبوا يومين واقفل تليفوناتكم، واخطف مراتك يومين ربنا يسعدكم. غادر حمادة وزوجته بعدما ودعا صلاح وزينة، عاد صلاح بعدها إلى زينة ينظر إليها بسعادة وكأن الليلة ليلة زفافهم هي أيضًا. أدار محرك السيارة وانطلقت بهم تجاه الفندق، لاحظت زينة أن هذا ليس طريق عودتهم فتحدثت تسأله: صلاح حبيبي دا مش طريق البيت، أنت رايح فين. نظر إليها بهيام قائلًا: هخطفك يومين عندك مانع؟. شهقت زينة بصدمة من حديثه، ولكن سرعان ما قفزت أمام عينيها صورة وجيدة الغاضبة لتتحدث بخوف آلمه: طيب وماما وجيدة مش هتضايق؟. زفر وهو ينظر إلى الطريق من أمامه قائلًا: مش عوزك تفكري في حاجة ولا تخافي من حاجة طول ما أنتِ معايا. أومأت برأسها بالموافقة ولكنها تحدثت بخوف قائلة: ايوا لكن ماما ممكن تعمل لك أنت مشكلة يا صلاح، وبعدين احنا مش عاملين حسابنا على اننا هنبات برة البيت حتى مش معانا هدوم. أمسك كفها وتشابكت أناملهم معًا وقرب كفها من فمه ليلثمه قائلًا: متشغليش بالك بحاجة انا هتصرف لما نوصل. وصل صلاح إلى وجهتهم المنشودة وترجل من السيارة وهو يشبك أنامله بأناملها ودخلا إلى الفندق وأنهى الاجراءات الروتينية وصعدا معًا إلى جناحهم ودلفا إلى الداخل ووقفا مكانهما والصدمة تعتلي ملامحهما عندما وجدا الغرفة أعدت بطريقة خلابة ورومانسية وهناك حقيبة صغيرة بها ملابس لهما، أفاقا من صدمتهما على صوت رنين هاتف صلاح ليخرجه من جيب سترته ويرد على هذا الاتصال ليجدها مكالمة فيديو من شقيقه ففتحها على الفور ليرى شقيقه وزوجته يتحدثان معهم بجملة واحدة: نتمنى مفاجآتنا تكون عجبتكم. ( فلاش باك ) كان حمادة يجلس بشرود في السيارة ومعه سوسن التي كانت تتحدث وهو لم يستمع إلى كلمة واحدة مما قالته لتلكزه في ذراعه. انتبه على فعلتها لتسأله سوسن: مالك يا حمادة سرحان في إيه؟. في صلاح وزينة نفسي اعمل لهم حاجة يوم فرحنا تسعدهم يا سوسن، زينة طالع عنيها في البيت وصلاح في شغله والدنيا ضغطاهم هما الاتنين. طيب واللي يقولك على فكرة حلوة تعمل له إيه؟. دا أنا أبوسه وأجيب له حرنكش. لوت شفتيها بسخرية: حرنكش يا آخرة صبري لأ وعلى إيه تكلف نفسك أنا هقولك وأهو يبقى كله بثوبه. ثم أكملت: إيه رأيك لو تخلي صلاح ياخد اجازة يومين وياخد مراته ويروحوا يغيروا جو في أي مكان بعيد عن البيت، وطنط وجيدة ألا أنا بخاف منها لما بتشخط في زينة وبصراحة زينة بتصعب عليا أوي. لمعت الفكرة في رأس حمادة وكأنها دون قصد منها أهدته الحل لأمر كان يؤرقه وهو رغبته بالهروب بها وقضاء ليلة زفاف مميزة غير تقليدية. فوافقها على كلامها وأبلغها بالمطلوب منها مع تعديل بسيط أنهما سيحجزان لهما بفندق داخل القاهرة ليكون بالقرب منهما. وطلب منها أن تذهب مع زينة بحجة شراء بعض الاغراض الخاصة بهم وأن تجعلها تختار بعض القطع على ذوقها الخاص وبالفعل تم الامر وكذلك فعل هو مع شقيقه وجهزا لهما حقيبتهما ووضعاها بالفندق وطلبا من ادارة الفندق تجهيز الغرفة بطريقة مميزة وقد تم بالفعل. ( نهاية الفلاش باك). تحدثت زينة والسعادة تلمع في عيناها: مفاجأة حلوة جدًا بجد شكرًا لكم. ضحك حمادة وسوسن وقال حمادة: لا شكر على واجب يا زينة أنتِ زي اختي الصغيرة، وبعدين سيبينا نرد جميلة من جمايل أبو صلاح علينا، ويا لا سلام دلوقتي عندنا طيارة. وودعهما كي يلحقا بطائرتهما بينما صلاح وزينة قررا أن يستغلا الفرصة ليقتنصوا من الزمن سعادتهم التي سلبتهم إياها. أرسل صلاح رسالة إلى والدته ولم ينتظر الرد أغلق هاتفه على الفور وكذلك هاتف زوجته لينعزلا عن العالم لمدة يومين كاملين. ..................... وصلت رسالة صلاح إلى وجيدة والتي ما إن قرأتها حتى اشتعل الغضب داخل قلبها لتلقي بهاتفها على فراشها وهي تتوعدهم: وماله يا صلاح اتبسط لك يومين مع زينة قبل ما اجوزك الثانية وماله مش عيب يا ابن بطني. ثم أكملت بحقد أم فقدت سيطرتها وتسلطها على من حولها: افرحي لك يومين يا زينة كفاية عليكي يومين، عشان الباقي هيكون من نصيب العروسة الجديدة.

📜 الفصل السادس 📜

انقضى شهرًا كاملًا عادت فيه الحياة إلى طبيعتها وإيقاعها المعتاد. عاد حمادة وزوجته من السفر منذ اسبوعين، وعادت وجيدة لممارسة مهامها ومتابعة تجارتها، ومتابعة تسلطها على زينة كما حاولت أن تتحكم في سوسن لولا توقف حمادة لها بالمرصاد يمنع سطوة والدته على زوجته، نجح في وضع حدود منذ عودته مع عروسه إلى شقتهم، أبى أن يتناول طعامه يوميًا كشقيقه ونجح في فرض رغبته في وضع حدود لحياته من البداية لكي لا تتحول حياته رويدًا إلى روتين ممل. بينما كانت زينة تشعر بالتشتت والتيه بينهما فالصراع والصدام يوميًا كان يفوق حد الاحتمال إلى أن جاء عليهم صباح أحد الأيام التي ستتبدل فيه الأحوال. كانت وجيدة تجلس تتناول طعامها بعد عودتها من عملها ليدخل حمادة عليهم باندفاع والغضب يتطاير من عينيه يسألها بهدوء ما قبل العاصفة من يراه يجزم بأن غضبه سيحرق الأخضر واليابس: الكلام اللي سمعته ومالي السوق دا حقيقي يا ماما. رمقته والدته بنظرة تحذيرية لتجبره على السكوت وهي تنظر إلى زينة ثم عادت تنظر له قائلة: نتكلم بعدين يا حمادة مش وقته الكلام دا دلوقتي ولا مكانه. تخصر حمادة في وقفته وهدر بحدة وصوت عالي: لا والله دا كتب كتاب البيه بكرة وأنا آخر من يعلم، لأ أنا إيه دا كلنا هنا آخر من يعلم، طيب مش الأصول بتقول إن الأستاذ ياخد رأي الزوجة الأولى في جوازته الثانية ويا توافق تكمل معاه يا تنفصل عنه. خرجت زينة وسوسن من المطبخ على صوت حمادة المرتفع ليهب صلاح واقفًا يهدر به: ما تخرس بقى هو انت محدش مالي عينك ولا إيه؟. اه محدش مالي عيني هنا ما هو الكبير اللي بيحترم تصرفاته وبتكون كلها في النور مش في الدرى زي الحرامي اللي بيسرق سريقة. هدر بها حمادة في وجه صلاح تحت نظرات الجميع الفضولية؛ لمعرفة ماذا حدث بينهما. هبت وجيدة من جلستها واقتربت من حمادة وهي تصرخ به: اخرس قطع لسانك يوم ما تتكلم مع أخوك الكبير بالأسلوب دا إيه خلاص نسيت نفسك، مبقاش ليك كبير يلمك طايح فينا كدا ليه؟. ليهدر حمادة بعدما فقد آخر ذرة في ثباته بغضب جحيمي: أخويا الكبير خاين... ايوا خاين ومالوش أمان، اللي يتفق في جوازه مرة تانية وفي السر ميبقاش كبير ولا محترم. اقترب من صلاح وعيناه تخترق صلاح ترمقه باحتقار يسأله: قولي أنه كذب.. قول لي كل اللي سمعته في السوق كذب... انطق أنت اتفقت في جوازك من مها بنت الحاج حامد يوم الخميس الجاي يا أخويا يا كبير انطق؟. استمعت إلى كلماته بصدمة وذهول، كل كلمة تفوه بها حمادة كانت تهشم قلبها وتفتته إلى أشلاء، كذبت اذنها شكت بأنها سمعت خطأ ولكن تأكدت من صحة ما سمعته عندما وقفت وجيدة تصرح وتؤكد حديثه قائلة: أيوا يا حمادة أخوك هيتجوز يوم الخميس الجاي من مها بنت حامد، وأكملت وهي تنظر إلى زينة باحتقار وتهديد: واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل. لم تقوى زينة على الصمود أكثر من ذلك، كانت تقف كالجماد ثابتة أمامهم ثبات ظاهري تنظر إلى زوجها الذي كان يحدثها منذ قليل بمعسول الكلام، فقبل قليل كان يخبره عن مدى اشتياقه اليها، كيف له بخداعها، لعنت سذاجتها، سرت في أوردتها برودة لا تعرف سببها حتى أصبحت لا تقوى على الصمود أكثر من ذلك لتسقط مغشيًا عليها لتصرخ سوسن باسمها وهي تجثو على ركبتيها تفادي سقوط رأسها وارتطامها بالأرض ليلتفت الجميع على صراخها ليصاب صلاح بالفزع وهو يراها ممدة أمامه لا حول لها ولا قوة، ليسرع إليها يحملها بين يديه مغادرًا إلى شقته ليسعفها صعدت خلفه سوسن وندى وشقيقه حمادة بينما وجيدة ظلت جالسة مكانها تتمتم: في ستين داهية خلينا نخلص منها بقى. دفع صلاح باب شقته بقوة ودخل بها إلى غرفتهم ولحقت به ندى وسوسن لمساعدته بينما ظل حمادة منتظر في الصالة أن تستعيد تلك المسكينة وعيها. حاول صلاح وسوسن افاقتها ولكن دون جدوى مما اضطر الأخيرة للخروج إلى حمادة بسرعة تطلب منه أن يأتي بطبيبة المستوصف سريعًا فزينة لا تستجيب لمحاولات الافاقة، وعلى الفور غادر حمادة راكضًا ليأتي بالطبيبة لإسعافها. جلس صلاح بجوارها يضم رأسها إلى صدره كالطفل الذي يخشى فقدان والدته، أشفقت سوسن على حالته لتتحدث بهدوء حذر: ليه يا صلاح ليه تجرحها بالشكل دا، طالما بتحبها ليه تكسرها؟. طيب كنت قولت لها وصارحتها كان على الأقل الموقف هيكون غير اللي احنا فيه دلوقتي. نظر إليها بعيون باكية لم يقوى على كبح دموعه قائلًا: غصب عني... والله غصب عني. ابتسمت سوسن باستهزاء لأول مرة تشعر بحقارته فقالت: غصب هو في راجل يتغصب على الجواز، دا البنت هي اللي ممكن تنجبر على الجواز انما راجل وينجبر طيب تتفهم ازاي دي؟. أردف ولا زالت عيونه تذرف دموع الندم: في حاجات الظروف بتجبرنا نعملها حتى ولو غصب عننا، وصدقيني يا سوسن أنا خوفت أقولها أخسرها. أومأت سوسن بأسى: واهو اللي أنت كنت خايف منه حصل، أنت خسرتها فعلًا يا صلاح، ربنا يسترها بقى لما تفوق من رد فعلها. تفوق هي بس وكل اللي تطلبه ماشي والجوازه دي أنا مش عوزها هفضها سيرة الحكاية دي أنا مش عايز غير زينة وبس. ربنا يهدي لكم الحال. أردفت بها سوسن ولكنها تعلم أن صلاح قد دمر حياته ودعس على قلب رفيقتها دون رحمة أو شفقة. بعد قليل سمعوا طرقات خفيفة على الباب فذهبت سوسن لتفتح الباب ووجدت حمادة قد أحضر الطبيبة. دلفت الطبيبة مع سوسن إلى الداخل وخرج صلاح وندى إلى أن تنهي الطبيبة الكشف الطبي عليها، حاولت افاقتها ولكنها رأت عدم استجابة من زينة فسألت سوسن عما حدث فأخبرتها سوسن باقتضاب: مشكلة بينها وبين جوزها بس كبيرة شوية. أومأت الطبيبة رأسها بتفهم وحاولت مرة أخرى افاقتها واستعادت زينة وعيها ولكنها كانت منهارة مما اضطر الطبيبة إلى أن تعطيها حقنة مهدئة لتعود زينة إلى الصمت مرة أخرى تسقط في دوامة مظلمة من جديد لا تعلم كم ستمكث في هذا الظلام. وقف صلاح يقطع الردهة ذهابًا وإيابًا والقلق ينهش قلبه تحت نظرات شقيقه الحزينة على حالتهم إلى أن تلاقت الأعين في عتاب بينهم ليتحدث صلاح بعدها بعتاب ولوم: استفدت إيه لما هي عرفت، طول عمرك مندفع ومستهتر ومبتحسبش الأمور بالعقل، فيها إيه لو كنت جيت لي وسألتني بيني وبينك؟، صدقني لو حصلها حاجة بسببك أنا مش هسامحك يا حمادة والله العظيم ما هسامحك. تحدث حمادة باستهزاء: تصدق أنك بجح مش هتسامح مين فوق يا حبيبي أنت اللي دبحتها، وجاي تلبسني أنا الليلة دي طيب بذمتك شوفت بجاحة أكتر من كده. ثم أكمل حديثه بتهديد: صدقني يا ابن أبويا البت الغلبانة دي لو جرالها حاجة أنا اللي مش هسامحك لا أنت ولا الست والدتك. اقترب منه صلاح ممسكًا به من تلابيبه هادرًا: اتظبط ياض هو أنت هتخاف على مراتي أكتر مني ولا إيه، فوق أحسن ما أفوقك. نفض حمادة يده من عليه كمن ينفض شيء ملوث يخشى أن يلوثه وهتف: ايوا هخاف عليها أكتر منك لأنها اختي زي ندى ترضى حد يعمل في اختنا كده، وبعدين أنت قولت أني متهور ومتسرع لكن الحمد لله مش خاين يا.. يا أخويا يا كبير. خرجت الطبيبة لهم فتحدث صلاح بقلق: خير يا دكتورة زينة مالها. أجابته بهدوء: واضح أنها تعرضت لصدمة عنيفة مقدرتش تتحملها، هي دلوقتي واخدة حقنة مهدئة هتساعدها تنام شوية، وجاولوا لما تصحى تبعدوها عن أي توتر. اصطحب حمادة الطبيبة للخارج بينما صلاح دلف إلى الغرفة فاستأذنت سوسن وخرجت لتتركه معها يجلس بجوارها على الفراش ممسكًا كفها بكفه ورفعه إلى ثغره يلثمه بألم: أنا آسف، صدقيني غصب عني.. حتى لو اتجوزت تاني الجوازة دي عشان أرضي أمي لكن محدش هيسكن قلبي غيرك، التانية هتكون مجرد وعاء لطفل يجي يشيل اسمي واسم ابويا. قاطعه حمادة وهو يقف بالخارج ليحثه على الخروج قائلًا: اسم الله على اسمك أنت وأبوك بذمتك أنت مقتنع باللي بتقوله، طيب لو كان العيب منك كنت هتقبل أنها تنفصل عنك عشان تتجوز راجل تاني تخلف منه، يا صلاح اتقي الله في مراتك واتكلم معاها لما تفوق. ثم اقترب منه وربت على كتفه بمشاعر أخوية صادقة: يا حبيبي حقك تتجوز مرة تانية وتخلف، لكن مش من حقك تغدر بمراتك وتعمل كل دا من وراها، مش من حقك تكسرها. نظر له صلاح بحيرة: أكسرها؟، لما أكون عاوز أبقى أب دا يكسرها؟، لما أتجوز تاني على سنة الله ورسوله والشرع محلل لي كدا وهي هتفضل معززة مكرمة في قلبي وحياتي أبقى كده بكسرها؟. ايوا بتكسرها ومش بس كده دا أنت كده بتجرحها بتصرفك دا، وبتحرمها من أبسط حقوقها أنها تعرف وتختار تكمل معاك أو لأ. نظر صلاح إليه والغضب يتطاير من عينيه: يعني إيه تختار، زينة ملهاش تختار غيري أنا، وبعدين أنت ازاي واثق أنها ممكن تسيبني؟. رد شقيقه عليه بشفقة: زي ما أنت كنت واثق أنك لو قولت لها على جوازتك الثانية كانت هتسيبك، اومال تقدر تقولي انت خبيت عليها وعلينا ليه؟. وكأن حديث حمادة كان صفعة مدوية على وجه صلاح فلقد عراه أمام نفسه وكشف حقيقته التي هو بنفسه يهرب منها ويخشى مواجهتها. ربت حمادة على كتف شقيقه: ادخل شوف مراتك وأنا هنزل أشوف الدنيا تحت ولما تفوق كلمني أطلع لك أتكلم معاها وأحاول أصلح اللي أنت نيلته. أومأ صلاح برأسه ودلف إلى غرفتهم مرة أخرى ليجلس بجوار تلك النائمة بفضل المهدئات. ظل يراقب نومتها يتأمل ملامحها إلى أن انكمشت ملامحه عندما رأي دموعها تسيل بهدوء على وجنتها. اقترب منها وجفف دموعها بأنامله برقة، وظل يتأملها إلى أنه غفا وهو متكئ على ذراعه بجوارها كأنه فضل الاستسلام للنوم والهروب من الواقع. بعد عدة ساعات بدأت تستيقظ بهدوء لتفتح عينيها لتجده أمامها قد نائم، ظلت تتأمله لعدة دقائق متذكرة ما حدث في الصباح. تسللت من جواره بهدوء كي لا توقظه وأبدلت ثيابها، وجمعت بعض من ملابسها وأغراضها في حقيبة صغيرة ثم توجهت إلى باب الشقة لتغادر بهدوء مغاير للعاصفة التي تطيح بقلبها. هبطت الدرج أثناء دخول حمادة إلى المنزل ليقف مكانه يراقب نزولها إلى أن رأته وتجمدت مكانها تخشى ان يمنعها فوقفت صامتة لبرهة والدموع حبيسة مقلتيها ليردف هو: رايحة فين يا زينة استهدي بالله؟. لتجيبه بانكسار ورجاء: حمادة أنت طول عمرك بتقول أني زي أختك لو سمحت سيبني أمشي من هنا بهدوء. هو الأستاذ اللي فوق دا سابك تمشي كده بالبساطة دي؟. قالها حمادة وهو ينظر إلى الدرج فوقهم. أجابته بتهكم: لأ الأستاذ نايم بلاش تقلقه دا عريس جديد سيبه يرتاح شوية. كادت أن تتخطاه لتخرج ولكنه استوقفها: استني يا زينة واهدي بلاش تمشي خليكي وحلي المشكلة بينك وبين جوزك في بيتكم. كانت محاولة اخيرة من حمادة محاولة بائسة، ولكنها أبت أن تنتظر في هذا المنزل دقيقة واحدة بعد ذلك وقالت: خلاص يا حمادة مبقاش ينفع أخوك جاب ضُلفها بدري بدري. التفتت لتغادر ولكنه أردف: استني يا زينة أنا هوصلك ما هو أنا مينفعش أسيب أختي تروح بيتها لواحدها كده. وحمل منها حقيبتها ووضعها بالسيارة جلست في المقعد الأمامي بجواره لينطلق بسيارته إلى منزلها الواقع في الشارع الخلفي لهم. دقائق قليلة وصلا فيها إلى وجهتهم لتترجل من السيارة تشكره وهو يعطيها حقيبتها ليجيبها: لا شكر على واجب، انا وصلتك للبيت اعتبريها اجازة قليلة من أخويا عشان تهدي وترجعي تنوري بيتك من تاني. أومأت برأسها ودخلت إلى منزلها، وقف يتابع اختفاء اثرها بهدوء ثم غادر لمنزله من جديد. استيقظ صلاح لم يجدها في فراشها ظن أنها في الحمام بحث عنها ولم يجدها في المنزل بأكمله فأسرع يهبط الدرج وهو ينادي باسمها كالمجنون في نفس اللحظة التي دلف بها حمادة وسمع صوت شقيقه ينادي باسمها. وصلا الاثنان إلى باب شقة والدتهم فأردف حمادة ببرود: زينة مش هنا يا صلاح رجعت بيت أهلها، أنا بنفسي اللي وصلتها ولسه واصل وأنت بتنادي عليها. قطع صلاح المسافة التي كانت بينهم في خطوة واحدة ليجذبه من تلابيبه يسحبه نحوه بقوة وغضب شديد لتلتقي أعينهما بنظرات متباينة ما بين نظرات تشتعل بالغضب، ونظرات أخرى باردة متحدية للجميع. هتف صلاح بصوت جهوري اهتز على أثره أركان المنزل كله: أنت إيه... مش ممكن تكون أخويا اللي أنا مربيه على إيدي دا أنت لو عدوي مش هتعمل فيا كده ليه بتعمل معايا كده يا حمادة... ليه أنا بحاول ألاقي مبرر واحد لتصرفاتك الغبية دي معايا تخليني أسامحك، لكن حقيقي مش لاقي لك مبرر واحد يغفر لك غلطاتك دي كلها. خرج على صياحه في أخيه الجميع بذعر ما الذي يحدث بالخارج ليتجمد الجميع لهذا المشهد. هتفت وجيدة بصوت مرتفع والغضب قد بات جلي على ملامحها: إيه يا ولاد محرم خلاص مبقاش ليكم كبير يلمكم ماسكين في بعض وعلى السلم وصوتكم عالي، خلاص بقيتوا بلطجية يا معلمين السوق. نظر حمادة إليها نظرة جانبية وهو يبتسم بتهكم لحديثها ثم عاد بنظره إلى شقيقه ينظر إليه ليتحدث بهدوء حذر ينذر بقدوم عاصفة ستعصف بعلاقة الشقيقين وهو ينفض يديه بقوة محررًا نفسه من قبضته: اللي بعمله دا بعمله لأني أخوك وتربية ايدك، تربيتي متسمحليش أشوف أخويا الكبير بيغلط وهيخرب بيته باديه وأقف أتفرج عليه، مش هي دي تربيتك يا أخويا. صاحت وجيدة فيهما بحدة: اتفضلوا يا بهوات ادخلوا نتكلم جوا البيت بدل ما الحارة هتتلم على صوتكم ونبقى فرجة للي يسوا واللي ميسواش. ودلفت إلى الداخل يتبعها الجميع لتقف في منتصف الصالة تحاول السيطرة على غضبها لتنظر إلى حمادة ولا زال صوتها يقطر منه غضبها: أنت مالك بتتدخل في حياة أخوك ليه يتجوز ولا يطلق ولو اتجوز اربعة أنت مالك؟، دا بدل ما تدعم اخوك وتقف معاه بتزودها عليه. كفاية ظلم يا أمي إحنا عندنا بنات. أردف بجملته تلك ليكمل بعدها: أنا مش ضد أنه يتجوز مرة تانية لكن مش بالطريقة دي، أبسط حق من حقوق زينة البنت اللي ما شوفناش منها إلا كل خير أنه كان يصارحها ويحتويها وبعدين يروح يتقدم لبنات الناس، ليه يغدر بها ويخونها بالطريقة دي؟. قال صلاح بعصبية ووجه متجهم: وأنت مالك أنا حر في مراتي أقول لها أو لأ دي حاجة خاصة بينا ازاي تسمح لنفسك تتدخل بالطريقة دي؟، وبعدين ارتحت دلوقتي لما سابت البيت بسببك؟. اقترب حمادة منه وهو يصفق بيده: إيه البجاحة اللي أنت فيها دي يا صلاح بتقلب الطرابيزة عليا لأ برافو برافو بجد. أكمل بحدة: مراتك مشيت بسببك يا عريس... إيه كنت متوقع رد فعلها هيكون إيه غير كده، لأول مرة تطلع غبي يا صلاح لأول مرة تحسبها غلط. لم تشعر وجيدة بنفسها ولا بردة فعلها إلى وهي تجذب حمادة من كتفه لتجبره على الالتفات إليها لتدوي بعدها صفعة قوية على وجهه.

📜 الفصل السابع 📜

دلفت زينة إلى داخل شقتها وأغلقت خلفها الباب بالمفتاح والترباس ثم تحركت تجر قدميها كمن تسير لأول مرة في حياتها تسير ببطء متكئة على حائط منزلها، تركت حقيبتها وسارت بضع خطوات لتدلف إلى غرفتها وما إن وصلت إلى فراشها سقطت جاثية على ركبتيها على الأرض بجانبه مسندة بذراعها على الفراش، ودفنت رأسها في فراشها وخرجت منها آه حارقة من جوفها لو لها تأثير لأحرقت المنزل من حولها وبكت لأول مرة في حياتها تبكي بقلب محترق جاهدت ألا تنهار في منزله كي لا تثير شفقة أحد منهم. تركت العنان لدموعها وحزنها الذي بات كالخنجر يقطع نياط قلبها، أرادت أن تتحرر من هذا الألم ولكن هيهات فهل لنزيف القلوب من دواء؟.، انخرطت في البكاء بنحيب وعلت شهقاتها حتى بدأت أنفاسها تتقطع بين شهقاتها. رفعت رأسها لأعلى تسأل ربها وهي تضرب بقبضتها على هذا النابض بين ضلوعها بقهر: ليه.. ليه أنا بالذات اللي بيحصل معاها كده، ليه يارب؟. ثم أكملت بنحيب أنا راضية والله راضية بكل اللي أنت كاتبه ليا يارب، وعارفة أنه من حقه يتجوز ويكون له طفل لكن مش بالطريقة دي.. ثم أكملت وأفصحت عما يدور بعقلها من أسئلة تصفع قلبها دون رحمة أو هوادة تحدث نفسها من يراها يقسم أنه أصابها مس أو جُنت بالتأكيد أفقدتها الصدمة عقلها: ازاي قدر؟.. ازاي كل ليلة بياخدني في حضنه وبيغمرني بحبه وكلامه المعسول وهو بيطعني في ظهري؟.. ازاي محسيتش بيه مش المفروض الست بتحس بجوزها لما يبدأ يخونها، ومين دي وعرفها امته وازاي؟. طيب لما كان بياخدني في حضنه ويقولي كلامه الحلو كان الكلام دا ليا ولا كان شايفها هي؟. آه صرخت بها بقلب قد تهشم على يديه دون رحمة، وتمددت على الأرض الباردة ضامة قدميها تشعر بالبرودة تمتد في اطرافها تصيبها بالخدر ظلت تبكي إلى أن غفت مكانها متخذة وضعية الجنين في بطن امه وكأنها تحمي جسدها وتشعره بالأمان الذي فقدته اليوم، غفت دون أن يشعر شقيقها أو زوجته بوجودها في المنزل. ....................... في منزل وجيدة. شهقت سوسن وندى بصدمة من فعلتها عكس وجيدة التي تحدثت بفحيح وغضب إلى حمادة: أنا فعلا معرفتش أربيك، عمري ضاع عليكم هدر، أنا اللي رفضت أتجوز من بعد أبوكم وضحيت بشبابي عشان أربيكم، وقفت في الأسواق بين الرجالة عشان أربي وأكبر رجالة وفي الآخر ولادي وقفين لبعضهم، وكل دا ليه عشان حتة بت ما تسواش حاجة في سوق الحريم. كلمتي هتمشي يا حمادة وصلاح هينفذ أمري ومش هيعصاني وهيتجوز بنت حامد سوى رضيت ولا لأ، وزي ما وصلت زينة لبيت أهلها تروح ترجعها هنا، هتعيش خدامة تحت رجل أخوك سوا برضاها أو غصب عنها فاهمني. كان حمادة لا زال تحت صدمة صفع والدته لها ولكن كلماتها كانت كلهيب اشتعل بقلبه حاول اخماده لسنوات وهو يستمع إلى كلام والدته التي لم ولن تمل من القائه على مسامعهم في كل مشكلة تواجههم. تبدأ تذكرهم بتضحياتها وما فعلته من أجلهم وكأنه تفضل منها ولم يكن يومًا سوى دين ويجب عليهم تسديده بطاعتهم العمياء لها، وتنفيذ رغباتها مهما كانت حتى وإن كانت على حساب مصلحتهم فالأهم عندها ومن وجهة نظرها أن تسير كلمتها كالسيف على رقابهم، تسلط وتحكم وكأنهم أسري لفضلها لا يحق لأى منهم مخالفاتها الرأي هي وحدها من تفكر وتقرر والبقية بيادق في لعبتها تحركهم كيفما تشاء. صرخ بما يخنق صدره: كفاية ارحمينا بقى. اقتربت سوسن منه بخوف من حالته في محاولة فاشلة منها في تهدئته: حمادة حبيبي كفاية تعالى نطلع شقتنا لازم تهدى، ميصحش تتكلم مع أمك بالطريقة دي. جذب سوسن من ذراعها وسحب معها ندى بعصبية وغضب خاف منه الجميع إلى خارج الشقة وتحدث بلهجة آمرة: اطلعوا فوق دلوقتي يالا. ثم أغلق باب الشقة في وجههم لتركض الفتاتان إلى أعلى بذعر من هيئته، والتفت ينظر إليهما بغضب وقرر بداخله أنه كفى إلى هذا الحد سينهي هذا المر، واليوم عليه أن يقطع دابر هذا الحديث سينهي حجتها التي كانت تلجمهم بها: طول عمري سامع وساكت وأقول معلش يا حمادة دي مهمًا كانت أمك وماله يا واد دي تعبت وشقيت عليكم كتير وكانت الحماية لينا من الزمن وكلابه، لحد ما كبرت وفهمت يا ست الكل فهمت الدنيا على حق ربنا، عرفت أن دين الأم لا يُرد ما هو هنسدد إيه ولا إيه هنسدد كل نقطة لبن رضعناها منك، ولا هنسدد كل لحظة كبرنا فيها جوا بطنك تسع شهور، ولا هنسدد وجعك اللي حسيتيه وأنت بتولدي كل واحد فينا، ولا هنسدد كل ليلة سهرتي فيها جنب أي واحد فينا لما كان بيسخن شوية، ولا لما يكون عنده امتحان، ولا هنسدد دينك لما كل واحد فينا بقى راجل ملو هدومه وشنبه في وشه، ولا هنسدد إيه بالضبط؟. قاطعته والدته بكبرياء وغرور: لو قعدتم عمركم كله تسددوا مش هتقدروا تسدوا اللي عليكم أنتم ملكي أنا... أنتم زرعة عمري أنا محدش ليه الحق فيكم غيري أنا... أنتم لو سجدتم لي العمر كله مش هتوفوني حقي عليكم فاهم. ليرد عليها بنفس الحدة قائلًا: بس أنتِ مش إله عشان نسجد لك أنت أم وربنا كرم الأمهات ورسولنا الكريم قال ( الزمها فإن الجنة عند رجلها)، ودا تعظيم لدور الأم. لكن بردوا قال ( لو كنت آمرًا أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) وهنا بيأكد عظمة دور الزوج لكن مأمرهاش بالسجود لأن لا يصح سجود لغير الله، يبقى حضرتك بتقولي نسجد لك طيب ازاي؟. ثم أكمل: المحرك الحقيقي لقراراتك دي هو كرهك لزينة اللي مش لاقي له سبب، لكن هسألك يا أمي لو كان العيب من صلاح كنتي هتسمحي لها تتطلق منه وتتجوز راجل تاني عشان تخلف منه، طبعًا لأ. أنا كل اختلافي معاكم هو أن الموضوع تم بالطريقة دي، لكن أنتم مش قادرين تفهموا كلامي لأنكم معميين بفكركم المريض. تحرك نحو باب الشقة ليغادر ولكنه توقف وسحب نفسًا ليردف وهو ينظر إليهم قبل أن يغادر: يا خسارة للأسف يا أمي حبك المريض لنا بدأ يدمرنا وأولنا صلاح ومراته والبقية تأتي.. أما أنت يا أخويا يا كبير يا عاقل بدل ما تلم الدنيا فرقتها أكتر ما هي متفرقة. ثم وضع كفه على وجنته مكان صفعة والدته ينظر إليها بحزن ثم أردف: يا خسارة يا حاجة وجيدة أنا بحبك وبحترمك وهفضل أحبك وأحترمك لكن النهاردة أنتِ خسرتِ ابنك التاني، وصدقيني يا أمي أنا مش هنسى القلم دا طول ما أنا عايش، ولآخر مرة هقولها لك حبك لنا حب مريض حب تملك ودا هيقضي علينا كلنا. تركهم وغادر تحت نظر صلاح الذي يشعر بأن عالمه ينهار من حوله كمنزل من الرمال بدأ ينهار بسهولة، هذه العائلة ودفئها باتت شروخ الزمن مرسومة على جدرانها، أصابها التصدع من كل جانب كيف سيعيد ترميم كل ما حدث، ولكن حديث والدته كان كالمخدر الذي شعر أنه هو الطريق الوحيد للنجاة كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال تخشى المواجهة. ربتت على كتفه وهو يوليها ظهره قائلة بحنان زائف: ولا يهمك منه يا صلاح دا عيل طايش سيبك منه بكرة يرجع زي الكلب، نخلص بس من كتب الكتاب وكل حاجة هترجع لأصلها من تاني متشيلش هم. نظر نظرة جانبية دون أن يلتفت إليها وأردف: تفتكري؟. لم يمهلها فرصة للرد وغادر تاركًا المنزل بأكمله يشعر بالاختناق داخله، قاد سيارته بلا هدف أو وجهة محددة، خرج للطريق الرئيسي فلقد حل الليل وباتت الطرقات خالية فزاد من سرعته عله يهدئ ثورة قلبه، ظل الهواء يداعب خصلاته ويلفح وجهه بقوة ظل يقود بهذه الحالة إلى أن توقف فجأة وترجل من السيارة بعدما وجد نفسه يقف في طريق خالي. ابتعد قليلًا عن الطريق وجثى على ركبتيه ينظر إلى السماء في ضعف وقهر، وما أدراك ما هو قهر الرجال فلقد استعاذ رسولنا الكريم من قهرة الرجال. سمح لدموعه بالهبوط من مقلتيه فلقد جاهد كثيرًا وظل متمسكًا بثباته الزائف أمام الجميع. مدد على الأرض مستندًا بظهره على سيارته ينظر إلى السماء يشعر بالتيه من دونها، يعرف حجم الجرم الذي ارتكبه في حقها، ولكنه في موقف لا يُحسد عليه فهو أمام خيارين أحلاهم مر، فهو في حيرة من أمره كادت ان تصيب عقله بالجنون، واقع بين رضا والدته ورضاها، وبين زوجته وجرحها النازف بسببه. ماذا يفعل وإلى أي طرف منهما يقف أيقف بجوار زوجته في وجه والدته يحافظ عليها ويدافع عن حبه ويحميه، أم ينفذ رغبة والدته ليفوز برضاها، ويحقق لها أمنيتها بحصولها على حفيد؟. ما أصعب هذا الشعور أن يسقط الانسان أسيرًا تحت الحيل النفسية التي يفرضها أحد الوالدين أو كليهما عندما يكون ذو شخصية نرجسية، فعلى حد سواء إذا كان الأب أو الأم يكون الأبناء هم ضحاياها حيث يكون هناك طفل تحكم الأم سيطرتها عليه تجده حتى وأن تقدم بالعمر وأصبح رجلًا بالغًا يقع تحت سيطرتها وتحركه كالدمية بين يديها بحجة رضا الوالدين ويضطر هذا الابن بتلبية رغباتها من منطلق بر الوالدين ورضاهم ولكنه في حقيقة الأمر ما هو سوى عروس ماريونيت في لعبة قذرة لشخص متسلط مريض نفسي حتى وأن كانوا والديه كما هو الحال مع صلاح، وكذلك الحال عند حمادة فهو الشخص الهايوكا الذي يستطيع قهر النرجسي وفضحه أمام نفسه ومواجهته دون رحمة أو شفقة، بل ولديه القدرة على التعامل مع الشخصية النرجسية بذكاء كبير، لا يقدر النرجسي في احكام السيطرة عليه بالعكس تمامًا هو من يحكم السيطرة على النرجسي ويلاعبه بنفس طريقته وهذا ما يربك الشخصية النرجسية. وهذا ما حدث مع صلاح وحمادة وندى أيضًا فهم ضحايا لأم نرجسية متسلطة تعشق السيطرة على ابنائها، قد يبلغ معها الأمر أن تبتزهم عاطفيًا ليلبوا رغباتها حتى وإن وصل الأمر لادعائها المرض كي تحظى ببعض الاهتمام منهم ولفت أنظارهم لها. نجحت وجيدة في ابتزاز صلاح عاطفيًا ولعبت على وتر رضا الأم وبرها حتى بات الآن يقف على مفترق الطرق في حيرة من أمره أي من الطريق عليه أن يختار. قام صلاح وجلس في سيارته يحاول الاتصال بزوجته ولكن دون جدوى فهاتفها مغلق، كاد أن يتصل بشقيقها ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة؛ لأنه يعلم جيدًا حقيقة مشاعر اسماعيل تجاه زينة. أغلق هاتفه والقاه بجواره على المقعد وأغلق عليه السيارة جيدًا وجلس يفكر في حل لهذه المشكلة ولكن النوم كان أرحم من كل هذا على قلبه ليتسلل إليه مداعبًا جفونه التي جاهد كي لا يستسلم للنوم أراد أن يذهب إليها ولكن انتصر النعاس بالأخير ليستسلم إليه بسلام عكس ما يمر به. ............... في شقة حمادة. بعدما دلف حمادة إلى شقته طلب من شقيقته أن تنزل إلى والدتها وأوصاها ألا تتركها حتى تمر هذه الأزمة بسلام. حاولت شقيقته التحدث معه عما حدث ولكنه رفض الحديث وطلب منها أن تظل بجوار والدتها في هذا الوقت الصعب، وتركها دون أن ينطق بكلمة أخرى ودلف إلى غرفته. أومأت لها سوسن برأسها، واقتربت منها قائلة: ندى حبيبتي معلش لازم نستحمل لحد الوقت الصعب دا ما يعدي على خير، متزعليش من اخوكي يا حبيبتي هما دلوقتي محتاجين مننا نكون معاهم. أومأت ندى برأسها ثم اقتربت وطبعت على وجنتها قبلة رقيقة: حاضر يا ابلة سوسن. تصبحوا على خير. ربتت سوسن على وجنتيها بكفيها بحنان: وأنتِ من أهله يا ست البنات، لو في حاجة رني لي على تليفوني تمام. أومأت برأسها وغادرت بعدما أغلقت خلفها الباب، كانت سوسن تراقب مغادرتها ثم ذهبت إلى زوجها وجدته يقف أمام خزنة ملابسه يسحب منها ملابسه، فمدت يدها وهي تقف خلفه تساعده في اخراج ملابسه. التفت ينظر إليها وتحدث يطمئنها: أنا كويس يا سوسن متقلقيش. متأكد؟. أردفت بها وعينيها تتأمله. اخترقت نظراتها روحه فمد يده وأمسك بملابسه هاربًا إلى المرحاض لينعم بحمام دافئ عله يهدأ ولو قليلًا. جلست على الفراش تنتظر خروجه، دقائق وكان يلج إلى الغرفة يجفف شعره بالمنشفة ثم القاها بعشوائية على الأريكة واقترب منها جلس على الفراش مسندًا رأسه إلى الخلف بصمت. اقتربت منه وقالت: أجهز لك العشا يا حمادة. نظر اليها بهدوء يجاهد أن يظل بثباته أمامها فقال: لأ يا حبيبتي مش جعان أنا محتاج أنام. ثم أكمل وكأن شيئًا لم يحدث لهم اليوم عكر صفو حياتهم قائلًا: سوسن عوزك تهتمي شوية بدراستك أنا وعدت والدك، مش عاوز أي تقصير ولو حاجة وقفت معاكي قولي لي على طول. ارتمت بأحضانه لا تقوى على تحمل ما حدث اليوم لتباغته بسؤال لم يتوقعه منها في هذا التوقيت بالذات: حمادة هو أنت ممكن تتجوز عليا لو لا قدر الله كنت مش بخلف؟. أغمض عينيه بقوة وضمها إليه بقوة لو الأمر بيده لكان خبأها بداخله، بدأ صدره يعلو ويهبط بقوة يجاهد أن يسيطر على غضبه كي لا يؤذيها بغضبه، تجمد مكانه عندما شعر بحرارة دموعها تلفح صدره ليهبط بعينيه عليها ليرى ارتجاف كتفها ليتأكد أنها تبكي بصمت فاقترب منها ولثم خاصتها بثغره ورفع ذقنها بأنامله لتتلاقي الأعين معًا فتحدث بمكر: طيب يا سوسن لو لا قدر الله طلع أنا اللي مش بخلف هتسبيني؟. ارتمت بأحضانه وهنا علا صوت بكائها لتتحدث من بين شهقاتها ببراءة: عمري يا حمادة والله العظيم، دا أنا أموت لو بعدت عني. ابتسم رغم الحزن الذي يشعر به وقال وهو يرفع وجهها بين كفيه لتنظر إليه وهو يجفف دموعها بأنامله: طيب عارفة حبك دا كله ولا حاجة جنب حبي ليكي يا سوسن، وصدقيني ولو فيكي عيوب الدنيا كلها هتبقي بردوا مراتي وحبيبتي وبنتي وكل دنيتي. ثم أمسك بكفيها بين يديه يلثمهما ووضعهما على موضع قلبه وقال بهيام: طول ما أنا عايش وقلبي دا بينبض هيفضل ينبض ليكي أنتِ.. أنتِ وبس يا روح وقلب حمادة وعمري كله. أكمل بعدها بجدية: مش معنى أن أخويا بيمر بأزمة واختار يحلها بالطريقة دي يبقى أنا كمان هعمل زيه لأ طبعًا صوابعك مش زي بعضها. وقفتي النهاردة في وشهم عشان حق البنت اليتيمة اللي ملهاش ذنب يا سوسن في الغدر اللي حصل لها، زينة بنت حلال ومحترمة متستاهلش اللي بيحصل دا كله، ولو أني واثق في ربنا سبحانه وتعالى وأن كل اللي بيحصل دا بيحصل لحكمة ربنا وحده بس هو اللي عارفها، وهتتكشف لنا مع الأيام. كل اللي عوزه منك اليومين الجايين تركزي في مذاكرتك وتحاولي تبعدي على أد ما تقدري عن أمي الفترة دي لحد ما الأمور تهدى، لكن عاوز منك طلب كمان أنا عارف حبيبتي عاقلة من وقت للتاني اطمني على زينة مينفعش نسيبها لوحدها الفترة دي ممكن؟. أومأت برأسها بالموافقة: حاضر يا حبيبي. ضمها إليه بقوة وتمدد ليستسلم إلى النوم وهو يتمتم: إن شاء الله كل حاجة هتتحل. ظلت وجيدة مستيقظة منتظرة عودة صلاح وحاولت الاتصال عليه مرارًا ولكن دون جدوى فألقت هاتفها بعصبية وتحدثت بحقد: طبعًا راح للسنيورة يراضيها ويحايلها ماشي يا صلاح بس لما تيجي لي بس أنا هوريك أنت وهي. ..................... في منزل الحاج حامد ضربت هالة على صدرها بصدمة قائلة: يا نهار أسود ازاي يا حامد توافق على كده؟. وقف حامد وتحرك يغلق باب الغرفة بسرعة لكيلا تسمع بناته حديثهم والتفت اليها وتحدث بحزم: وطي صوتك يا هالة هو أنا بقولك عشان تقعدي تندبي. إيه الهم اللي أنا فيه دا. نظرت له هالة بعيون تلمع بالدموع قائلة بعتاب: ليه يا اخويا ليه ترميها في النار وعشان ايه مها زينة البنات تاخد واحد متجوز ليه عشان يخلف منها، ليه بتعيد الماضي يا حامد ليه النار اللي اتكويت بيها عايز تكوي بها مرات صلاح ليه؟. اسمعي يا هالة مفيش وجه مقارنة بين حكايتك وحكاية مرات صلاح نهائي ولا مها زي ضرتك ولا أنتِ مش واخدة بالك؟. لأ يا أخويا هي هي نفس الحكاية، ونفس الغدر بس الفرق أن عبد القادر طليقي دخل عليا بضرة بعد ما اخد كل مالي وبيتي، لكن صلاح هياخد مها من غير علم مراته يعني مراته هتندبح بسكينة الغدر وفي النهاية بنتك هي اللي خسرانة. لأ يا هالة دي غير دي، صلاح محترم وابن ناس واحنا نعرف أصله وفصله، وبعدين عايزاني أستنى لما البنت تهرب مع الجربوع اللي اتعرفت عليه وطمعان في فلوسها وهي ذي الغبية مفكرة أني نايم على وداني.. الله في سماه لو الجوازة دي ما تمت لأموتها بايدي وما يرف لي جفن يا هالة، مش أنا اللي بنتي تحط راسي في الطين على آخر الزمن وتخليني مهزأة السوق على أخر أيامي. وبعدين مها مش هتيجي غير بالأمر الواقع وصلاح يبقى يربيها من أول وجديد على ايده، يمكن الجواز يعدلها ويعمل اللي احنا فشلنا فيه. وقفت هالة بقلة حيلة فهي تعلم أن شقيقها لن يتزحزح عن قراره وبات الموضوع أمر واقع وعليها أن تستعد لتتحدث قبل مغادرتها المكان: اللي تشوفه يا حامد لكن من دلوقتي بقولك الجوازة دي محكوم عليها بالفشل، وبكرة أنت اللي هتندم، ومش بعيد تخسر فيها بنتك. غادرت الغرفة وتركته ليغرق في همومه واضعًا رأسه بين كفيه بيأس فهو يعلم أنها معها كل الحق ولكنه الحل الوحيد الذي أمامه ليهتف: يارب دبرها من عندك.

📜 الفصل الثامن 📜

أشرقت شمس يوم جديد لتداعب أشعتها جفونه ليتململ ويفتح جفنيه بهدوء ليجد نفسه قد غفا في سيارته حاول الاعتدال في جلسته ولكن شعر بألم في جسده ورقبته الذي حاول فك تشنجاتها بإيماءة رأسه نحو اليمين واليسار، أدار محرك سيارته متوجهًا إلى منزلها لينهي الأمر ويعيدها إلى منزله مرة أخرى وليحترق العالم بعد ذلك. قطعت السيارة الطريقة بسرعتها الزائدة وبعد قرابة النصف ساعة كان يصف سيارته أمام منزلها ليترجل منها بلهفة قاطع الدرج بخطوات سريعة حتى وقف أمام باب شقتها يلهث وكأنه أتى إليها سيرًا على الأقدام. لحظات انتظمت فيها أنفاسه ثم ضغط على الجرس عدة مرات، لكن دون جدوى لم يفتح له أحد ليشتعل قلبه خوفًا عليها ليطرق على الباب بعنف يدرك أنها بالداخل عندما قرر استعمال نسخة المفتاح الاحتياطي التي يحتفظ بها في سلسلة مفاتيحه، ولكنه وجد الباب مغلقًا من الداخل. صعد إلى شقة شقيقها وطرق الباب عدة مرات ولكن دون رد فلقد كان شقيقها وزوجته خارج المنزل مما اضطره إلى أن يهبط إليها يحاول مرة أخرى أن يطرق الباب ولكن هذه المرة كان يطرق بعنف تململت على أثر هذا الضجيج لتهب من نومها جلست مفزوعة تتلفت حولها لتجد نفسها غفت على الأرض. وقفت في محاولة لفك تيبس عضلاتها وخرجت بسرعة من غرفتها وظنت ان الطارق هو اسماعيل شقيقها، فعلى الفور فتحت الباب لتجده يقف أمامها بهيبته المهلكة إلى قلبها. استدارت تاركةً إياه على الباب دون أن تنطق بحرف واحد وكأنها لا تراه، تحركت تجاه المرحاض لتغسل وجهها من آثار النوم ثم تحركت أمامه إلى غرفتها لتبدل ثيابها بأخرى مريحة وخرجت إلى المطبخ لتعد الشاي، بينما هو قد دخل وأغلق خلفه باب الشقة وجلس على الأريكة بالصالة منتظر خروجها إليه بهدوء. دقائق قليلة خرجت بعدها لتضع أمامه كوب الشاي الخاص به، وأمسكت بكوبها وجلست تنظر إلى الفراغ منتظرة الجزء الثاني من هذه المسرحية السخيفة التي تعيشها منذ ليلة أمس. أشعل سيجارة ينفث دخانها بهدوء وهو يتأمل كل إنش فيها يلعن نفسه على غبائه فيوم واحد بعدت عنه أحرقت قلبه فكيف سيكون الأمر إذا قررت الابتعاد نهائيًا ولكن عقله رفض الأمر ليتحدث بهدوء: زينة أهون عليكي تباتي بعبد عني ليلة كاملة. ابتسمت بتهكم وهي تنظر إليه دون أن تتحدث وتركت كوب الشاي من يدها على المنضدة، ليكمل هو حديثه فهو يعلم جيدًا أنه أمام مهمة صعبة جدًا وعليه أن يفوز بها من جديد: ممكن تسمعيني يا زينة وتفهميني؟. اقترب منها وجثى على ركبتيه أمامها وأمسك بيدها بين كفيه وضمهما تجاه قلبه وقال: صدقيني يا زينة عمري كله غصب عني مش بمزاجي.. كان يبحث داخل مقلتيها على أي بارقة أمل بأن قلبها سيلين من جديد ولكنه وجدها خاوية من أي تعبير عجز عن قراءتهما ولأول مرة يرى بعينيها نظرة جديدة لا يعرفها من قبل، وما أكد حدسه أن يديها كانت بين كفيه جامدة وكأن لا روح فيهما. أكمل والدموع تتلألأ بمقلتيه قائلًا: أمي يا زينة ومقدرش اعصاها وغصب عني وعنك لازم يكون لها حفيد يشيل اسم ابويا ويورثنا بعد ما أموت، كنت هتجوز بس عشان أخلف ابن هيكون ابنك قبل ما يكون ابني وكنتي هتفضلي ملكة متوجة على عرش قلبي ولا غيرك هيسكن قلبي. سحبت يدها من يده وقالت: ياه دا أنت فكرت في كل حاجة وأنا المغفلة اللي كنت نايمة على وداني صح. ثم دارت حول نفسها وهي تهدر بغضب وقهر: أنا زعلانة ليه دا أنا لازم افرح اومال إيه جوزي هيتجوز لمجرد يبقى أب، وماله إيه المشكلة إيه يعني هيكون في حضن واحدة تانية إيه يعني يا بت يا زينة ما تحمدي ربنا ما أنتَ البنت الهبلة اللي هيضحك عليكي بكلمتين مالهمش لازمة قال ملكة متوجة على عرش قلبه. قهقهت بصوت عالي وكأن ما تبقى من عقلها ذهب أدراج الرياح قائلة: هو في ملكة حد بيشاركها عرشها يا صلاح هههههه تصدق دي نكتة بايخة. ثم اقتربت وأمسكته من تلابيبه بغضب وسحبته ليقف أمامها وقالت بغضب أنثى جُرِح كبريائها لتوه: وأنت نايم معايا امبارح الصبح وأنا بين أحضانك وأنت بتقولي أنك بتحبني كنت بتقولها لي ولا كنت شايفها مكاني؟، أنت ازاي بالبجاحة دي نايم في حضني ودابحني بسكينة باردة، ازاي جالك قلب تعمل فيا كده ازاي؟. طيب كنت تعالي قولي وصارحني والله ما كنت هعترض، وكنت هنسحب من حياتك بهدوء وهتمنى لك السعادة. تنسحبي من حياتي ازاي يا زينة؟. نطق سؤاله يخشى من ردها لتخبره بجبروت: ايوا كنت همشي وأسيبك بهدوء على الأقل كنت هحترمك يا صلاح لكن دلوقتي انت خسرت احترامي ليك. ابتعدت قليلًا وهدرت: مبروك يا عريس... ورقة طلاقي توصلني بهدوء والله يسامحك على كسرة قلبي لكن أنا عمري ما هسامحك يا صلاح فاهم عمري ما هسامحك. لم يستطيع أن يتمالك اعصابه ليقترب منها في خطوة واحدة وهو يمسكها من ذراعها بقوة: على جثتي طلاق مش هطلق يا زينة وهتفضلي على ذمتي لآخر يوم في عمري برضاكي أو غصب عنك أنتِ فاهمة. نفضت يده بقوة من عليها ونظرت له باحتقار واردفت: لأ مش فاهمة.. عاوز تبقى جوز الاتنين.. وأكملت باستهزاء: عارف المثل بيقول إيه على جوز الاتنين بيقول: جوز الاتنين يا فاجر يا قادر. ثم اقتربت منه وهمست بجوار أذنه: وأنت الاتنين يا صلاح فاجر وقادر من وجهة نظري، ومش أنا اللي تقبل تعيش مع نص راجل. زي الشرع ما حلل لك تتجوز اربعة حلل كمان للزوجة تختار تكمل أو تنفصل، وأنا مش هقبل يكون لي ضرة أو أعيش مع نص راجل. جذبها من خصرها لتستقر بين أحضانه ليهمس بجوار ثعرها: مش هطلقك يا زينة مهما عملتي ومهما قولتي مش هتستفزيني وكل ما فهمتي الكلام دا بسرعة هيكون أحسن لنا إحنا الاتنين. ابتعدت عنه والغضب يتطاير من عينيها ليتحدث بتحدي ولكنه لم يحسب رد فعلها جيدًا: كتب كتابي الخميس الجاي والجوازة دي لهدف أنها أخلف طفل وأول ما دا يحصل جوازتي التانية انتهت، أتمنى تفهمي دا كويس. قطع حديثهم صوت طرقات عنيفة على الباب فتوجه يفتح الباب ليجد والدته أمامه بشموخ وكبرياء تطالعهم باحتقار قائلة: الله الله إيه يا سيد الرجالة مقدرتش على بعادها بايت عندها بتحايلها ما شاء الله على الرجالة. نظرت زينة اليها بعدما أدركت أنه لم ينم بالمنزل بالأمس، بينما صلاح كان صامت مندهش من تصرفات والدته، ولكنها لم تعيره أي اهتمام لتكمل بكلامها اللاذع لتلك المسكينة التي تقف تدور بنظرها بينهم: إيه يا زينة سايبة بيتك ليه يا حبيبتي.. لا أنتِ أول واحدة جوزها هيتجوز عليها ولا أنتِ آخر واحدة. الراجل يقدر يفتح بدل البيت اربعة، وكفاية أنه متمسك بيكي رغم العيب اللي عندك مش عارفة على إيه لكن هنقول إيه وماله مش مشكلة تفضلي على ذمته وهو يتجوز ويشوف حاله ويخلف عيل يشيل اسمه. كادت أن تتحدث زينة لولا دخول اسماعيل وزوجته بعدما وصلا إلى المنزل ووجدوا باب شقة زينة مفتوحًا: السلام عليكم يا جماعة خير أنتم هنا في إيه؟. نظرت وجيدة إليهم وقالت: عقل اختك يا اسماعيل الهانم سايبة بيت جوزها وبايتة هنا من امبارح قال إيه زعلانة عشان صلاح هيتجوز ويخلف عيل يشيل اسمه. إيه يتجوز تاني؟. اردفت بها أميرة وهي تنظر إلى صلاح بغيرة، ثم سرعان ما تبدلت نظرتها إلى دهشة تدور بعينيها بين الجميع بصمت. اقترب إسماعيل من شقيقته وتحدث بهدوء يداري شماتته فيها قائلًا: إيه المشكلة يا زينة دا حقه يا حبيبتي من حقه يتجوز ويخلف. ابتسمت زينة بحزن وأهدرت: ومين قالك أني زعلانة أنه هيتجوز ربنا يتمم له على خير، لكن زي ما من حقه يتجوز من حقي أقبل أو أرفض أعيش مع ضرة. نظر اسماعيل بغضب إلى شقيقته فها هي ستهدم مخططه بالاستيلاء على المنزل فهدر بحدة: يعني إيه عايزه تطلقي منه. لتتحدث وجيدة بحدة: قال رضينا بالهم والهم مش راضي بينا. اهدي يا حاجة وجيدة وكل حاجة هتم زي ما أنتِ عاوزة. قالتها أميرة بخبث وهي تنظر إلى زينة التي رمقتها باحتقار. اقترب اسماعيل من شقيقته قائلًا: طلاق إيه اللي أنتِ عاوزاه يا زينة مفيش طلاق وهترجعي مع جوزك دلوقتي بيته. بُهتت ملامحها من كلام شقيقها أيساند صلاح بدلًا من أن يكون سندًا لها، تذكرت الحاج حسنين عندما اشترط على حمادة أن يحافظ على ابنته، لتهرب دمعة غادرة على وجنتها وتمنت أن يكون والدها على قيد الحياة في هذا الموقف ليساندها في محنتها. امسك اسماعيل يدها ليسحبها تجاه صلاح تحت نظرات وجيدة الشامتة قائلًا: يالا يا صلاح خد مراتك وحلوا مشاكلكم في بيتكم، وربنا يهديكم. مد صلاح يده ليمسك بيدها ولكنها نفضت يدها من يد اسماعيل وصرخت بهم: أنتم إيه مبتحسوش، ثم نظرت إلى اسماعيل وقالت بغضب: هو انا مش أختك المفروض تكون سندي مكان أبونا اللي لو كان موجود كان حرق الدنيا كلها عشاني، بتاخدني وبترجعني له عشان يدوس عليا تاني لأ يا اسماعيل... لأ وألف لأ. ثم نظرت إلى وجيدة وأهدرت: إيه اللي يجبر ابنك يتحمل واحدة معيوبة يا حاجة وجيدة بالعكس قولي لابنك يطلقني وينساني ويعيش حياته مع اللي اخترتيها له. وأنت يا صلاح صدقني على أد حبي ليك على أد ما أنت نزلت من نظري وبقولها لك قصاد الكل: طلقني يا صلاح طلقني وروح لحالك. لطمة قوية نزلت على وجهها لتشهق أميرة بصدمة من فعلة زوجها بينما وجيدة نظرة بشماتة لها، وقف صلاح بينهما يحميها خلف ظهره يبعد اسماعيل عنها، نجح صلاح في منع اسماعيل من الوصول إلى زينة ولكنه فشل في منع كلامه المسموم من أن يصيب قلبها عندما نطق الآخر بغل واضح للجميع: بتبيعي وبتشتري في الراجل ليه يا بت دا اللي زيك تحمد ربنا إن جوزك متمسك بيكي على عيبك يا جاحدة عايزة تفضحينا وسط الناس خلاص مش لاقية اللي يلمك. وقفت زينة وعيناها تنزف دموع القهر والظلم لتتحدث من بين شهقاتها: الله في سماه يا اسماعيل القلم دا هتدفع تمنه غالي، ومن النهاردة ملكش دعوة بحياتي. ثم التفتت إلى صلاح وقالت بنبرة تهديد: طلقني وإلا قسمًا بالله هخلعك. حاول إسماعيل أن يضربها مرة أخرى ولكن صلاح منعه وسحبه معه إلى الخارج وأخرج معه أمه وأميرة وتحدث بحزم: زينة هسيبك تريحي أعصابك يومين... يومين وهرجع لك، وأنت يا اسماعيل لو عرفت أنك مديت إيدك تاني على مراتي هزعلك. وأكمل بتحذير: مراتي قاعدة هنا في بيتها ممنوع تقرب منها هي أختك لكنها لسه مراتي وصدقني أنا اللي هقف لك مفهوم. اغلق عليها باب الشقة ونظر إلى اسماعيل وزوجته بتحذير. ..........................

📜 الفصل التاسع والأخير 📜

لم يمر الأسبوع بهدوء على الجميع فبمنزل حامد ثارت مها على الجميع عندما علمت بخبر زواجها المفاجئ، حاولت الرفض ولكن أمام إصرار والدها وتهديده لها وافقت وهي تقسم بداخلها أنها ستهرب من المنزل ولن تدع الأمر يتم، ولكن هيهات فلقد اتخذ والدها كافة الاحتياطات ومنعها من الخروج من المنزل حتى تجهيزات عرسها تمت داخل المنزل فلقد احضر لها مصممة ملابس لتصمم لها فستانها داخل المنزل، وتعاقد مع شركة منظمة للحفلات لتتولى مسئولية حفلة زفاف ابنته داخل المنزل بناءًا على طلب صلاح. في منزل وجيدة. تجنب حمادة والدته وصلاح حتى العمل أبلغهم بعدم ممارسته هذا الأسبوع وكان يصطحب سوسن معه كل يوم من الصباح الباكر ولا يعودون للمنزل إلا في وقت متأخر، وهذا ما زاد من غضب وجيدة منهم لا تعلم ما السبب وراء خروجهم المتكرر كل يوم. فلقد قرر حمادة تجهيز منزله الخاص بعيدًا عن منزل العائلة لذلك كان يباشر العمل على تجهيزه لينتهي قبل زواج شقيقه. بينما صلاح انشغل بمراقبة زينة كي لا تتصرف بحماقة تؤذيها ولم يكترث لاستعدادات زفافه الثاني وتجاهل اتصال حامد وأوكل هذه المهمة إلى والدته وانشغل هو بمهلكته التي رفضت أي أموال كان يرسلها لها، وما زاد جنونه هو خروجها للبحث عن عمل. كانت سوسن وحمادة على تواصل مع زينة وأخبرتها بتجهيز حمادة لمنزله الجديد، ولم ينقطع حمادة على تقديم الدعم المعنوي لها إلى أن أخبرته سوسن في صباح أحد الأيام عن بحث زينة عن عمل وطلبت منه مساعدتها، وبالفعل نجح حمادة في توفير عمل لها في مشفى خاص يمتلكه أحد معارفه. ووفر لها فرصة للعمل كموظفة استقبال فعلى الرغم من عدم اكمال زينة تعليمها إلا أنها كانت ماهرة في اللغة الانجليزية وأعمال الحاسوب، مما سهل عليه مهمته في البحث لها عن عمل. جن جنون صلاح عندما بلغه أنها بالفعل استلمت عملها ليكون بهذا لعمل ستستقل عنه وأصبح عودتها إليه أمر صعب حدوثه، ولم يعرف أن وراء هذا شقيقه. بينما إسماعيل وزوجته التزموا الهدوء خوفًا من بطش صلاح بهم ولكنهم كانوا يخططون للاستيلاء على حصتها من المنزل وعليهم الانتظار للوقت المناسب لكي يتم الأمر بهدوء. انقضى الأسبوع وقبل زواج صلاح الثاني بيوم واحد ذهب إليها مرة أخرى بعدما تجاهلت كل اتصالاته، وانشغلت بعملها الجديد لتثبت به جدارتها. كان يجلس في صالة منزلها يتأملها بهدوء حذر ليردف بعدها: أنا فرحي بكرة. نظرت له نظرة باردة كمن لا يهمها أمره وأردفت ببرود: مبروك. لسه مش عايزة ترجعي بيتك. نظرت له بهدوء وتحدثت بحكمة أنثى دهستها عجلة الزمن لتزيدها على عمرها عمرًا آخر: صلاح طلقني صدقني مش هنعرف نعيش مع بعض تاني خلاص حكايتنا خلصت لحد هنا خلينا ننهيها هنا بهدوء احنا ناس كبار مش عيال مراهقة هنعند في بعض ونضايق بعض، وربنا يسعدك مع مراتك الجديدة. وقف صلاح وسحب هاتفه ومفاتيحه من على المنضدة وقال: بكرة هتكوني في بيتي يا زينة وقبل ما أوصل بعروستي هتكوني موجودة وفي انتظاري، وأنا مش هفرط فيكي. نظرت له ومطت شفتيها بيأس فهي تتحدث للعدم فهو لن يستمع إلى لصوت غروره وأردفت: وإيه اللي يجبرني أعمل كده هتخطفني مثلًا؟. اقترب منها وسند بكفيه على الكرسي الجالسة عليها ومال ليقترب منها وقال: هعمل أي حاجة يا زينة فهماني هعمل أي حاجة حتى لو هاخد كل اللي تملكيه وميبقاش ليكي غيري أنا بيتك وأمانك وملاذك. لم تفهم زينة مقصده من الحديث ولكنها أردفت بهدوء عكس ما يدور بداخلها: ولو أنت آخر راجل في الدنيا لا هتكون ملاذي ولا أماني. طبع قبلة رقيقة على ثغرها تحولت إلى قبلة قوية لم يستطيع أن يسيطر على حاله وكأنه أراد أن يثبت لها أنها مازالت ملكه، ولكنها لم تستسلم لقبلاته لتبتعد عنه بعصبية تمسح ثغرها وهي تشعر بالاشمئزاز منه. اعتدل في وقفته وغادر قبل أن يرتكب جناية لرفضها إياه، وما إن خرج من المنزل حتى هاتف إسماعيل وطلب منه لقائه بعد ساعة واخبره المكان، وانهى الاتصال وأقسم داخله بأن يعيدها إليه قبل أن تطأ قدم زوجته الثانية المنزل. في اليوم التالي كان الجميع يستعد إلى الزفاف في منزل وجيدة وحامد عدا حمادة وزوجته الذي رفض الحضور والمشاركة في هذا الأمر، ولكنه عدل عن قراره عندما صعد إليه صلاح وطلب منه ألا يتركه في يوم كهذا ووعده أن يعيد زينة اليوم وقبل أن يعودا من حفلة الزفاف ستكون بمنزلهم. حاول حمادة أن يعرف ما ينوي شقيقه أن يفعله، ولكن صلاح وعده بأن يخبره كل شيء ولكن ليس الآن. غادر الجميع إلى منزل حامد لحضور حفل الزفاف، بينما كانت زينة جالسة في المنزل يمر أمامها شريط ذكرياتها معه بدموع لم تقوى على كبح جماحها إلى أن سمعت طرقات على الباب لتجد مجموعة من الرجال ومعهم ضابط شرطة. اعدلت من حجابها وقالت: خير يا حضرة الضابط في إيه؟. تحدث الضابط بهدوء وقال: الأستاذ ... اشترى البيت والتهادرة ميعاد تسليم البيت استأذنك تلمي هدومك وتتفضلي عشان المالك الجديد يستلم البيت. صدمة جديدة صفعها بها القدر لتتحدث بتساؤل: بيت مين أكيد يا فندم أنتم غلطانين في العنوان. مد الضابط يده بصورة من عقد البيع قائلًا: لأ يا فندم دي صورة من عقب البيع تقدري تشوفيها. أمسكت زينة الورقة لتجد فعلا عقد بيع المنزل فلقد باع اسماعيل حصته، وباع صلاح حصتها بموجب التوكيل العام الرسمي الذي كانت قد حررته قبل سنوات من أجل متابعة أمور المنزل القانونية فلقد استغله هذا الخبيث في لعبته القذرة. تذكرت حديثه لها بالأمس بأنها ستعود إلى منزله، حاولت الاتصال بشقيقها ولكنه لم يجيب، فنظرت للضابط برجاء: طيب ممكن يا حضرة الضابط نأجل التسليم لبكرة؟. تحدث المالك الجديد قائلًا: آسف يا مدام أنا عائلتي جاية بكرة الصبح ويا دوب ألحق اظبط الدنيا على ما يوصلوا. نظرت إلى منزلها والدموع تتلألأ في عينيها فشعورها بالعجز قد تغلب عليها لتنتبه على صوت هاتفها لتجده يضيء باسمه فتحت الاتصال ليتسلل إليها صوت الموسيقى لتغمض عينيها بقوة تجاهد ألا تنهار فقالت: الو. أجابها صلاح: خدي شنطة هدومك وعلى البيت ومتقلقيش العفش كله هبعت الصبح أشونه في المخزن. السواق واقف تحت مستنيكي. لم تنطق بحرف سمعت كل كلامه وأغلقت الخط وطلبت من الضابط منحها بضع دقائق تلملم بها حقيبتها. توجهت إلى الداخل ترتدي ملابسها وجمعت أغراضها المهمة وغادرت بهدوء ما قبل العاصفة لتجد السائق ينتظرها استقلت السيارة وتوجهت إلى منزله وصعدت إلى شقتهم ودلفت إليها تجمع أغراضها وأوراقها المهمة وبحثت عن التوكيل ولم تجده ضحكت على غبائها ولكنها جمعت حقائبها وأنزلتها إلى أسفل وجلست على السلم في مدخل المنزل منتظرة وصوله. مضت نصف ساعة وسمعت صوت اصطفاف سياراتهم بالخارج ودلوف وجيدة التي ما إن رأتها رمقتها باحتقار وأردفت: يا لهوي عليكي بت مقدرتيش تصبري جيتي له ليلة دخلته على الجديدة. ابتسمت بتشفي منها وقالت: كان بودي يا حماتي العزيزة يكون كلامك دا صح عشان تقدري تشمتي براحتك لكن هقولك إيه ابنك الحرامي سرقني، ومش بس كده اجبرني أجي هنا لحد عنده عشان يكسرني تاني لكن لا وعزة وجلال الله ما هنولها له. تجمد حمادة وسوسن مكانهم عقب ما سمعوه منها ليلتفت حمادة إلى صلاح الواقف يستمع إليها بجمود وهو متأبط بذراع عروسته الجديدة، التي كانت تنظر إلى زينة باحتقار وحقد، بينما رمقتها زينة بنفس نظرة الاحتقار فمن وجهة نظرها من تقبل على نفسها أن تكون زوجة ثانية لانجاب طفل، مجرد وعاء فهي حتمًا امرأة بلا كرامة. اقترب حمادة من شقيقه وجاهد أن يحافظ على هدوءه كي لا يرتكب جريمة وقال: إيه الكلام اللي زينة بتقوله دا يا صلاح، وإيه اللي عملته خلاها ترجع بالطريقة المهينة دي؟. اجابته زينة قائلة: طيب مش الاول يا حمادة نسمع العرسان زغرودة حلوة الأول وبعدين نتكلم زغردي معايا يا سوسن. وقامت بإطلاق الزغاريد ثم توقفت وهي تقف أمامه وأردفت وهي تنظر إليه بكره: البيه أخوك المحترم سرق التوكيل اللي أنا كنت عملاه له عشان الأمور القانونية للبيت، وأردفت وهي تدور حوله كمن يدور حول فريسته: ومش بس كدا لأ دا راح باع نصيبي هو وأخويا المحترم لواحد غريب من ورا ظهري، والنهاردة تفاجأت إن المشتري جاي بالشرطة عشان يستلم البيت ومش بس كدا دا أخوك المحترم كلمني وقتها وقالي أخد شنطة هدومي وأكون هنا في بيته قبل ما يشرف بعروسته الجديدة. قالتها وهي تشير إليها باحتقار، ثم نظرت إلى وجيدة وقالت: يا زين ما ربيتي يا حماتي ابنك سد الرجالة سرقني. واقتربت منه تحت الجميع المصدومة بما يحدث وقالت: دلوقتي وقصاد الكل لو لسه فيك ذرة رجولة واحدة تطلقني وإلا هفضحك في كل حتة ومش بس كده، هقول لكل الناس أنك حرامي وسرقتني. تحدث صلاح وقال بهدوء: أنا مسرقتكيش تمن بيع البيت في حسابك في البنك كله من وقتها. وأنا معملتش كدا غير لأني بحبك وعايزك ترجعي. ضحكت بهستيريا ثم توقفت عن الضحك وقالت: وأديني رجعت لك وواقفة قصادك وقدام أهلك وبقولك لو راجل طلقني أنا بكرهك، وبكره كل لحظة عشتها معاك... طلقني وإلا هخلعك يا صلاح وهخلي فضيحتك بجلاجل في السوق كله يا معلم يا كبير. نظر إليها ودموعه تأبى النزول وكلمة واحدة أردف بها: أنتِ طالق يا زينة... طالق يا حب عمري كله. وتركهم وترك عروسه وصعد إلى شقتهم وأغلق الباب خلفه وجلس على الأرض يجهش بالبكاء. وقفت وجيدة وأطلقت زغاريد بتشفي وهي ترمقها بشماتة بينما زينة لم تهتم لما فعلته بل وقفت أمامها وقالت بوجهها: يارب يدوقك نفس الوجع يا حماتي عدلًا وليس ظلمًا، وحسبي الله ونعم الوكيل فيكم. تركتها وسحبت حقائبها وخرجت من المنزل لينظر إليها حمادة قائلًا: مبروك يا حاجة وجيدة يارب تكوني مبسوطة دلوقتي. ثم نظر إلى سوسن وقال: يالا يا سوسن. استوقفته وجيدة تسأله: على فين العزم إن شاء الله؟. ابتسم حمادة بقهر وقال: على بيتي يا حاجة أنا جهزت ليا بيت تاني هسكن فيه انا ومراتي، وربنا يسعدك مع صلاح ومراته الجديدة. وغادر ليتركها تتآكل بنيران الغضب، لحقت سوسن بزينة واستوقفتها: زينة استني رايحة فين؟. وقفت زينة ودموعها على وجنتيها: مش عارفة صدقيني يا سوسن مش عارفة هروح فين ولا عند مين. اقترب حمادة منهما وتحدث: تعالي يا زينة معانا بيت اخوكي هيفضل مفتوح لك طول ما أنا عايش. ترددت زينة وكادت ترفض ولكنه لم يمهلها الفرصة حيث سحب من يديها حقائبها ووضعها بالسيارة وصعد الجميع إلى السيارة وغادروا المكان الذي لم يعد لهما مكان فيه ليبدأ ثلاثتهم حياة جديدة بعيدة عن كل هذا. ................................... بعد مرور عام دلف صلاح وعلى وجهه علامات الصدمة إلى شقة والدته. كانت زوجته مها تجلس ببطنها المنتفخة من الحمل بجوار وجيدة تشاهد التلفاز، فجلس أمامهم وسأل مها سؤال صعق الجميع عند سماعه: مها اللي في بطنك دا يبقى ابن مين؟. شهقت وجيدة وتحدثت بغضب: أنت اتجننت ولا جرى لعقلك إيه بالضبط اللي في بطنها يبقى ابنك ولا بنتك يا بني فيك إيه. وقفت مها وهي تتحدث بغضب: هي حصلت تتهمني تهمة زي دي، ليه إن شاء الله جايبني من الشارع ولا مفكرني زي الجربوعة اللي أنت كنت متجوزها ماليش أهل، لأ فوق دا أنا أهلي يدفنوك صاحي. دلف حامد إلى المنزل فقبل وصول صلاح إلى المنزل اتصل على والدها وطلب منه الحضور على الفور، وما إن وصل حتى وقف صلاح أمامهم وقال: حاج حامد بنتك طالق مني وبالثلاثة، واللي في بطنها مش ابني ولا ليا صلة بيه. غضب حامد ووقف يهدر: أنت اتجننت هي حصلت؟. ألقى صلاح التقارير الطبية بوجههم وهدر بحزن وانكسار: أنا مبخلفش يا حاج حامد عندي عيب خُلقي يمنعني من الخلفة كشفت عند خمس دكاترة وكلهم أكدوا نفس الكلام. ثم اقترب من والدته وتحدث: عارفة عرفت ازاي يا أمي؟. لما شوفت زينة مع جوزها بالصدفة ولاقيتها حامل سألت وعرفت أنها مكانش عندها عيب ولا حاجة وهي كانت ضحية لناس حقيرة ودا اللي هعرفه لكن دلوقتي يا حاج حامد بنتك عندك متلزمنيش. وأنت يا أمي لو لسه عايزة حفيد عندك مها وابنها لو تقبلي حفيد ابن حرام هما عندك، والله يسامحك على تدمير حياتي. أنا خسرت زينة البنات خسرت مراتي لما مشيت وراكي وخربت بيتي، دلوقتي أنا اللي فيا عيب إيه رأيك؟. الله يسامحك يا أمي.

📜 الخاتمة 📜

ما أجمل القدر عندما يهديك شخصًا يكون لك هو الأمان والسند يفهم صمتك قبل كلامك. قد يكون الحب خادع، قد لا يكون حب من الأساس ربما مشاعر تعود عند البعض، وهوس عند البعض الآخر. خرجت زينة لا تعرف إلى أين ستكون وجهتها، تجهل تمامًا الحكمة الإلهية فيما يحدث معها، فمن رحم الأزمات تُخلق الرحمات رحمات ربانية يرسلها الله على عباده، عاشت حياتها يعايرونها على عيب لم يكن لها اليد به وكأنه وصمت عار وصمت بها، رضيت بقضاء الله فسيرضيها الله وسيعوضها بحياة أجمل. ربما من شدة الصدمة والحزن الذي تشعر به لن تدرك ذلك الآن ولكنها ستدركه فيما بعد عندما تزول غمامة الحزن من على عينيها لتشرق شمس الأمل من جديد تبث قلبها بدفء لم تعهده من قبل، ولكنها مسألة وقت حتى تندمل جراح القلوب ليعود من جديد إلى نبضه بكل طاقته. ستشرق شمسها ذات اليوم لتعمي عيون الظالم، وتلمع بسماء الحرية والحب ليلمع نجمها بالسماء عاليًا. إلى الأهل كفاكم تسلط وتحكم بأولادكم فهم ليسوا بأسرى لديكم بل خلقوا لينعموا بحياة مطمئنة مستقرة هم ضيوف لديكم سيأتي يومًا ويحلق كلٍ منهم في سمائه الخاصة كفى قيود وعادات بالية ضاع بسببها الكثير. لكل عاشق سردابه الخاص يسير به إلى وجهة محددة هناك سراديب مسموح السير داخلها وأخرى محظور السير بداخلها واختيارك أنت وحدك من ستتحمل عواقبه. لا تراهن كثيرًا على حبك ومكانتك بقلب من تحب تفعل به الأفعال معتقدًا انه سيظل متمسك بك في بعض الأحيان القسوة تكسر هذا الحب وتدمره وهذا ما حدث مع صلاح وزينة راهن على عشقها لها وكسرها وغدر بها وعندما وقفت بوجهه أبيه رافضة لهذا الذل والهوان تمادى في عناده وحاول اذلالها ولكنها دعست على قلبها وغادرت تاركة خلفها عشق دُمر بخيانته لها. في مجتمعنا ظهر بنسبة كبيرة الكراهية بين الأشقاء حتى بات حب الشقيق لشقيقته، أو اطمئنان البنت بوجود أخيها عملة نادرة. كم من أسرة تفككت بسبب هذه الأمور، وكم من أخت تمنت أن يحتويها شقيقها بحنانه وأن يظلها تحت ظله وأن يكون هو السند والامان لها، وكم من أخ كره أخته بسبب طمعه في ميراثها، وهل هذا الميراث سيعوضه ويغنيه عنها لا والله ولا ثروة العالم تعوض لحظة حنان من أخت لأخيها ولا من عطف أخ على أخته. تم بحمد الله الجزء الأول ............ ما الذي حدث مع زينة، وكيف وصل صلاح إلى حقيقة الأمور، ومن وراء كل هذا، ومن هو الشخص الذي خانته مها معه وما الدافع وراء كل هذا، ما الذي سيحدث مع وجيدة وابنائها هل ستندم على اخطائها معهم أم ستتمادى في أذاها لهم؟. ماذا حدث مع حمادة وسوسن بعدما تركا منزل العائلة بصحبة سوسن، وما الدور الذي لعبته عائلة سوسن معهم ثلاثتهم وهل سيعود الشمل من جديد ليجتمع أم ستختلف طرقهم، وما هو مصير علاقة صلاح وزينة بعد كل هذا، هل سيجمعهم القدر مرة أخرى أم لأ؟؟؟؟؟ علامات استفهام كثيرة سيفصح عنها الجزء الثاني من سراديب العشاق2 خالص تحياتي إيمان عادل الصياد سراديب العشاق1 الجمعة/ 7/11/2025

تعليقات

المشاركات الشائعة