أنين هوى قُصَي (نوفيلا)

غلاف

📜 إهداء 📜

إلى المهزومين دوما في حروب الحب، معركتكم الكبرى لم يحن وقتها بعد. مدخل في مملكة لم يسمع صوت للمتألمين بها من قبل، كان أنين الهوى المعذب يرن في ركنها القصي...فهل ينجو ذلك الحب المطعون؟ "عن أميرة خذلتها العائلة وأحبها الدوق..."

📜 مقدمة 📜

تسللت بخطى متعثرة حتى غرفة الملك، كانت تستتر تحت ردائها الأسود وتخفي من تحته قسماتها الحانقة التي انغمست ببرودة قلبها المخذول. دلفت إلى الداخل بكل سهولة بعدما أخبرت الحراس على الباب أن معها شيء من شأنه أن ينقذ المملكة وعليها أن توقظ الملك بنفسها فورا. فتح الباب على مصرعيه أمامها بكل سهولة، زفرت بينما تخطو خطوتها الأولى، وأخذت تخرج السكين من حزام فستانها الأحمرالقاني تزامنا مع سماعها صوت غلق الباب. اقتربت من الفراش تنزع قلنسوة الرداء عن رأسها وظلالها تتراقص خلفها على الجدران إثر ضوء الشموع الخافت، طالعته، وأطالت النظر حتى أحس هو بأنفاسها حوله ففتح عينيه بفزع: ـ عدتِ إذن! ماذا تفعلين هنا في هذه الساعة؟ ـ أودعك... واقتربت تجلس على الفراش جواره. بان الذهول على أساريره الجامدة، واعتدل يزيل الغطاء عن جسده مستفهما عن هذه الزيارة الغريبة. فباغتته هي بنصل سكينها البارد يلامس عنقه، أردفت بينما تلهث من فرط التوتر: ـ لن تنجو مملكة الجنوب إلا بموت ملكها الظالم. ـ وهل ستحكمينها أنتِ مثلا؟ ـ تسببت في دمار حياتنا، أسأتركك تدمر إرث أبي بعنادك وجشعك؟ لم تكن تستحق هذا العرش ابدا. ـ تقترفين خطًأ... ـ لم يعد يهمني أيا مما تقول يا مزدهر، سأتخلص منك ومن ورائك سلمى، وسأنقذ ابني والمملكة من جشعك وتسلطك. لامست بطنها تستمد القوة من جنينها وبداخلها نية مرصخة لتنفيذ خطتها بحزم بينما ازدرد الملك لعابه وقلة الحيلة تحاوط ملامحه، يراقب بقلق ملامحها العابسة. ●●

📜 الفصل الأول 📜

" ذلك المخذول من ظلمة الليل، يعاقب الشمس حين يرى النهار.." ـ هل تبعثين بالجواسيس ليتتبعوني سموك؟ ـ أتظن بزواجك بي أن خداعي مسموح يا حضرة الدوق؟ ـ عن أي خداع تتحدثين بالضبط؟ احتدم النقاش بين الأميرة وزوجها الدوق، وكانت أصداء أصواتهما مجلجلة في أركان القصر الموحشة ـ التي تستغرب وحشة نفسها بعدما كانت تذخر بعبق المودة والنقاء. ـ أكانت تلك شغف ابنة ملك الشمال؟ ـ عما تتحدثين يا فيروزة؟ لقد لعب على حبل أعصابها المشدود، طالعته بغير تصديق تحدج قسماته المدهوشة، صاحت به وآيات الإهانة المتأصلة في أعماق قلبها بائنة في مقلتيها العسليتين: ـ تلك التي أصطحبتها إلى عرض الأوبرا بالأمس يا يامن... تهدجت أنفاسها، وبح صوتها الذي كان معهودا لها به رقيقا غيدا ورزينا، أخذت تلهث بينما واصلت غاضبة يتخلل صياحها نشيج الخذلان: ـ نعم كنت أراقبك...كنت أراقب حبيبي خوفا من أن يودي طموحه برأسه تحت نصل جلاد أخي الملك... أطالت النظر نحو عينيه التي أضحت لها غريبة وكفت عن بث الأمان بفؤادها، ترقرقت الدموع بعسليتيها مردفة: ـ فإذا بي أجدك ككل الرجال؛ لا تقاوم زيغ عينيك نحو الأخريات. صرخت في وجهه بهيستيريا، وأقفلت نحو الخارج تلطم باب غرفتهما خلفها. ●● رفرف ذيل ردائها الأزرق خلفها بينما يرن صدى طقطقة حذائها في طرقات القصر الساكنة. انتفخت أوداجها من فرط الانفعال، وراحت الأفكار تعصف برأسها فلم تلحظ جاريتها التي أخذت تتبعها منذ لطمت باب الغرفة فجأة. ـ أيظنني حمقاء؟ توقفت فجأة عن السير وراحت تحدث نفسها بأسى: ـ هل كوني أميرة يجعل مني امرأة يسهل خداعها؟ ـ سموك... قاطعتها الجارية بنبرة ملؤها التوتر. التفتت لها فيروزة حانقة، ورفعت سبابتها في وجهها صارخة: ـ هل أنا حمقاء في نظرك أنتِ أيضا؟ هزت الجارية رأسها سريعا وبتوجس جلي وراحت تعانق بنظراتها الأرض هربا من عيني الأميرة التي تكاد تفقد عقلها. ازدردت الجارية ريقها واستجمعت ما لديها من شجاعة مردفة: ـ الأميرة سلمى تنتظرك بغرفة المرسم يا مولاتي. تراجعت فيروزة خطوة للخلف، تسللت من بين شفتيها زفرة متذمرة، وراحت تضرب الأرض بحذائها بينما تحث خطاها نحو غرفة المرسم، تتكالب الظنون من كل جهات على قلبها؛ فأي مصيبة قد ألقت بأختها في قصرها اليوم؟ ●● عدلت فيروزة من هندامها قبل أن تشير للحرس بفتح باب المرسم إزاءها. ارتدت قناع الخيلاء وراحت تتمايل بكبرياء نحو الداخل حتى مقعدها المكسو بقماش القطيفة البنفسجي الباهر. القت نظرة خاطفة بطرف عينها نحو أختها التي انشغلت بمراقبة الحديقة الخلابة بالخارج من خلال شرفة الغرفة التي تقع عن يمين مقعد فيروزة المهيب. ـ غريب أن تزوريني دون إنذار يسبق قدومك بأسبوع... ثم التفتت نحوها بكامل جسدها بلهفة وسألتها ببهجة جمة: ـ هل اقترب أجلك وجئتي لتكفري عن ذنوبك؟ طالعتها سلمى لأول مرة منذ ولجت الغرفة، وراحت تتعلق بشفتيها الرفيعتين ابتسامة مستهزئة. عدلت فيروزة من جلستها مجددا واستطردت حينها: ـ لن اسامحك، قطعتِ طريق طويل حتى هنا هباءً، يمكنك الموت بعيدا عني. ـ ألن تكبري يا سمو الأميرة؟ تصرفات الصغار هذه تجعل منك مسخا مثيرا للسخرية. ـ هل جئتِ لأنكِ اشتقتِ لإلقاء المواعظ؟ ـ أخونا قلق عليكِ يا فيروزة، جئت بأمر من الملك شخصيا، فانتِ لم تزوري القصر الملكي منذ شهور. جلجلت ضحكتها العالية في أرجاء المرسم، وراحت تطالع سلمى بسخرية: ـ ومم هو قلق سموه؟ جذبت سلمى الكرسي الخشبي من أمام لوح الرسم وقربته من مقعد فيروزة متنهدة بنفاذ صبر، فتحت فاهها ترتب الكلمات على لسانها بينما تتخذ من الكرسي مقعدا، فقاطعها ولوج الحارس فجأة يصيح بقلق: ـ مولاتي الاميرة، هناك زائر يصر على رؤيتك فورا. اكفهرت أسارير فيروزة وراحت تهدر بحنق: ـ ألا ترى أنني مشغولة؟ أخبره أيا من كان أن يأتي لاحقا، أو ينتظر. ـ ولكن يا حضرة الأميرة.. كادت ترد عليه فيروزة موبخة، فاهتز كيان الغرفة أجمع لحظة دلوف الضيف ذاك غاصبا. كانت امرأة ملتحفة بسواد عبائتها، تخفي أساريرها تحت قلنسوة ردائها الداكن والتي قد يتخيلها أيا من يرى هيئتها دون ان يتبين وجهها مرعبة. نبست بنبرة هي والفحيح سواء: ـ حين تريد زمردة رؤيتك، فذلك يعني أنك بخطر جم يا مولاتي. ـ من زمردة؟ وكيف تجرأتِ على الدخول دون أمري؟ كادت فيروزة تشير نحو الحراس ليجرجروا تلك الجريئة هي وجسارتها حتى باب الزنزانة لتتأدب في حضرة الأميرة. رفعت السيدة عصاها التي تتكئ عليها لتوقف الحارس عن الإقتراب منها: ـ ألا تريد سمو الأميرة أن تعرف مع من يخونها الدوق؟ شهقت سلمى حينها، وهبت واقفة من هول صدمتها، بينما أحست فيروزة أن دلو من ماء جليدي قد انزلق على جلد ظهرها العاري وأرداها ضحية قشعريرة هائلة. ثم اعتدلت واقفة، تقترب من تلك المرأة التي تتشابه في رونقها الضبابي مع رونق الساحرات المشئومة. أحست سلمى بأختها تقع في فخ تلك المجهولة وهرائها، فجذبت ساعدها بحدة وهمست لها موبخة دون أن يصل صوتها لباقي الموجودين بالغرفة: ـ لا تكوني حمقاء واطرديها فورا. نفضت فيروزة أنامل أختها عن ذراعها، وأخذت تقترب بتؤدة نحو السيدة المتشحة بالسواد متمتمة بتحدٍ ضاغطة بغيظ على فكها: ـ اخبريني من تكون... ●● ـ يتبع ـ

📜 الفصل الثاني 📜

" كل المحاربين بساحة الحُبّ مهزومون حتمًا." ـ العيون حولك تراقب، وليست كل العيون جديرة بالأمانة يا سمو الأميرة. قالتها العجوز بينما لم تتوانى عن تثبيت بصرها بعيني فيروزة المتمردتين. تلفتت حينها فيروزة بحذر، ثم ابتسمت وأردفت متشفية: ـ ليخرج الجميع إلى الخارج، ولا تُدخلوا أحدا إلى هذه الغرفة دون أمري. خرج الحرس وتبعتهم جاريتها المقربة دون أن ينبس أحدهم بحرف واحد، فالتفتت هي نحو أختها مدهوشة متساءلة عن عدم تنفيذ طلبها. رفعت سلمى كتفيها وصاحت بها حانقة: ـ لا تنتظري مني الخروج وتركك هنا وحدك مع هذه المجنونة. ـ بل ستفعلي. قامت حرب نظرات ضارية بين الأختين الغاضبتين، لم يقطعها سوى صوت العجوز المتهدج ناصحا: ـ لا بأس، فمن ليسوا جديرين بالأمان قد غادروا بالفعل. أشاحت فيروزة ببصرها نحوها متساءلة، فأومئت لها مستدرجة: ـ لا دير من بعض المساندة. ـ إن كانت مساندة الأميرة سلمى هي الأخيرة في العالم، فعلى جثتي أن أقبل بها. أردفت توجه حديثها نحو سلمى التي رفعت كتفيها بتحدٍ وراحت تعود لمجلسها مجددا دون أن ترد على وقاحة أختها الجمة. زفرت فيروزة بضيق، وراحت تحدث العجوز المتشحة بالأسود: ـ والآن أخبريني، من هي تلك الشمطاء؟ وكم مرة تقابلا؟ ـ ظننتك تراقبينه بالفعل؟ سألتها العجوز مقررة مبتسمة. ـ أتراقبين يامن؟ اندفعت سلمى تسألها وآيات الدهشة لا تنفك تتراقص على قسماتها. ـ إن كنتِ ستبقين في هذه الغرفة، فلا أود أن أسمع صوت أنفاسك حتى. همست بها فيروزة بينما تجلس على مقعدها الوثير جوار أختها. وضعت ساقا فوق الأخرى، وراحت تنظم أنفاسها مطبقة أجفانها بترو. أتتخذ قرارا حكيما فيما تفعله الآن؟ وراحت تسألها نفسها أن تتحلى ببعض الحكمة. لا دير ببعض التشويق، وإن تبينت كذب تلك العجوز فستسجنها حتما، ولن تجد من قبلها سوى العذاب. فتحت عينيها فجأة، وكشفت عن مقلتين متقدتين بالحماس والشغف، التفتت نحو تلك المرأة الغريبة وأردفت مهددة بنبرة لا تبشر بخير: ـ أسأقضي باقي نهاري أسألك عما تعرفين؟ ابتسمت العجوز وراحت تقترب منها بتروٍ، أجابتها بهدوء مريب: ـ زمردة لا تفتن، ولا تنقل الأقاويل، زمردة تجعل صاحب الشأن يرى بعينيه ما يعنيه. ـ ومن تلك الزمردة؟ قهقهت العجوز على سؤال الأميرة، وراحت تشير نحو نفسها بزهوٍ: ـ زمردة هي أنا، في خدمة سمو الأميرة فيروزة ابنة سهيل. ـ وكيف ستجعلينني أرى؟ بالطبع لن أذهب بنفسي لأراقب زوجي الدوق. ـ شربة من هذا الكأس كفيلة بكشف الخائن والمنحوس، ودون أن تحرك مولاتي ساكنا. اخرجت الكأس من داخل عباءتها وتركته على الطاولة القصيرة أمامها، طالعته فيروزة من علٍ بحذر دون ان تلمسه، وأخذت تنذرها أفكارها المتشابكة بخطورة ما هي مقدمة على فعله. أتلك ساحرة وتحاول التلاعب بها؟ وقع السؤال في أيكة رأسها كمطرقة تعانق السندان، آلمها رأسها عند هذا الخاطر فاغمضت عينيها بوهن ترتب ما عليها قوله، وحين فرقت جفنيها، تفاجأت بالعجوز وقد اختفت وتبدد أثرها. التفتت نحو سلمى بلهفة متساءلة، فهزت الأخرى رأسها بغير تصديق مردفة: ـ تلك العجوز غريبة، خرجت دون أن تنطق حين اغمضتِ عينيكِ اعتدلت فيروزة في مكانها، دون أن تنبس، ثم التفتت نحو أختها ثانية تقول بهدوء مريب: ـ اتركيني وحدي. ـ فيروزة، حبيبتي لا تقترفي هذا الجنون بحق نفسك وبحق زوجك، مستحيل أن يخونك يامن بعدما قدمه ليتزوج بكِ. ـ قلت لكِ اتركيني وحدي يا سلمى. تسللت تنهيدة صاخبة من بين شفتيها وراحت تغادر المرسم متثاقلة، تاركة خلفها أختها الصغرى تعافر أمواج الشك الهائجة في لجٍ من الخيانة الغادرة. ●● تزعزع كيانها فجأة في عز شعورها الجم بالكبرياء، أحست لوهلة أن معرفة الحقيقة ورؤيتها ستودي بعزها ونبلها إلى هلاك محقق. ثم ماذا إن كان طريق السحر ذاك كذبة وخداع من أجل أن يوقع بها أعدائها؟ تساءلت بينما تتخبط روحها بجزع داخل أسوار جسدها الواهن؛ أكانت الخيانة لفظ مطروح في علاقتها بيامن؟ إنها ورغم كل ذلك الثبات الذي تكسو به ملامحها الجامدة عاشقة مجروحة خذلتها وعود الحب الجامحة. أزاحت الكأس بعيدا عن مرمى بصرها بظهر يمناها، وارتمت بظهرها تستند على مسند مقعدها تحارب بضراوة شيطانها الذي يدعوها أن تضع خاتمة لكل هذا العذاب...فإما هي حياة رغيدة مع من تحب، وإما هو عذاب محقق لكليهما، ولن تقدر هي الأخرى على الفرار منه حتى وإن كانت هي بذاتها الجلاد. نهضت وقد تسلحت بكبريائها مجددا وراحت بخطاها الوئيدة تجر كيانها النبيل الذي يرفض ذكر حقيقة أن تهزم هي أو تخدع. مشت حتى غرفة نومها وقبل أن تصل وجهتها بخطوات انفرج الباب وكشف عن سلمى تخرج من هناك وخلفها يامن بملامح قد اكفهرت وكساها الأسى. رأت سلمى تشد على ذراعه وتربت على كتفه، وتتمتم بتقرير: ـ سأتحدث معها مجددا، لابد أن أحدهم قد لعب بعقلها..لا تقلق. وراحت تسير مغادرة في اتجاه معاكس عن ذاك الذي تسلكه فيروزة. حثت خطاها نحو زوجها بتصميم، تخطته ودلفت الغرفة دون أن تنطق، فتنهد هو وراح يتبعها بعدما أغلق الباب خلفه. ـ هل يمكننا الحديث الآن؟ هل هدأت ثورتك؟ ـ هل خنتني؟ ـ لم أخنك، أقسم لكِ. ـ حسنا.. تسلل رعب حتى قلبه، وأخذ بنصل الريبة البارد يسلخ نياطه الوجلة. كانت تجلس على طرف الفراش ساكنة، فانحنى يركع على ركبتيه أمامها، وأردف مصمما: ـ أقسم لكِ، أصبح قلبي محرم على جنس النساء أجمع منذ ولجتِ أنتِ إلى فؤادي يا فيروزة. ـ أنا أصدقك. ـ سأخبرك بما حدث ليلة الأوبرا ليطمئن فؤادك. ـ لا داعٍ، وظيفتك تحتم عليك حضور مناسابات كتلك. انتفض خافقه في صدره، وراحت ضرباته الهلعة تبث الخدر حتى أطرافه، ماذا حل بها؟ وكيف تبدل حالها تماما هكذا في غضون ساعة. تلجلج في لج أفكاره، أيترك التفسير ويصدق أنها تصدقه؟ أم أنه واقع تحت رحمة اختبارها الذي سيحدد مصير حياته؟ تنهد بينما يحاول باستماتة الحفاظ على رباطة جأشة؛ هل قررت بالفعل قتله والتخلص منه؟ إذن هي ترى أن تفسيراته كلها بلا داعٍ. لامس اناملها الباردة، وراح يلثم كفها بهيام، حاول أن يقيد عسليتيها بعينيه المتوسلتين مردفا: ـ كيف يمكن لعاشق مثلي كاد أن يقدم روحه قربانا لأجل قربك أن يضحي بحبك؟ أخبريني، ماذا يجب أن أفعل لأكفر عن ذنب لم أقترفه؟ رفعت كفها الأيسر وراحت تلامس به خده، أحست بعبراته تسيل مترقرقة على راحتها، فانتفضت كما لو أن صاعقة أحيت روحها المحتضرة، جذبته إلى أحضانها ورهبة الفقد تتملك كل ذرة من مهجتها الملتاعة، أخذت تنشج بألم، ولوعة الذنب تحاصرها، نطقت كلماتها المختنقة: ـ لا تفعل أي شيء..فقط ابقى جواري، فأنا أخاف البقاء وحدي. فك العناق هو، وراح يرتب خصلاتها السوداء الفحمية، آلم قلبه صوتها الذي بح إثر البكاء، لثم جبينها طويلا وراح يمسح على ظهرها الذي أحسه متصلبا إثر التوجس. وقف معتدلا بينما يسحب يديها معه لتجاوره أمام المرآة الطويلة، وأخذ يحدثها بتروٍ: ـ أي مجنون ذاك الذي يفرط بجميلة جميلات المملكة لأجل نساء عاديات أخريات؟ تنهد بينما يطالع عينيها في المرآة: ـ كل ما أعرفه هو انني لست بذلك المجنون يا سمو الأميرة. لاحظ هو شرودها المفاجئ، وأخذ ينتظر أن تجيبه لهنيهة، لكنها كانت سارحة تطالع صورتهما بالمرآة كصنم. هزها برفق، وأخذ يفسر لها بحذر: ـ عليّ الذهاب لمقابلة جلالة الملك، ما رأيك لو أخبرتهم أن يجهزوا لنا طاولة العشاء بالحديقة كما تحبين؟ اماءت له وابتسامة قد شقت ثغرها لأول مرة منذ ولجت للغرفة، ثم فاجأته بعناق آخر طويل، أنهته بتمرير أناملها على كتفه الأيسر، وأجابت بحب يقطر من كلماتها: ـ لا تتأخر، سأنتظر عودتك.. لامس هو صدغها المحمر إثر البكاء وهز رأسه إيجابا، خرج مسرعا فقد أدرك أنه تأخر على موعده مع الملك، وفكر مستهزئا؛ في محاولاته لإنقاذ زواجه من الأميرة يكاد يضحي بحياته عن طريق إغضاب أخيها الملك. وعندما تسلل لأذنيها صوت إغلاق الباب، راحت تترنح حتى الفراش بتعب، جلست مشدوهة على طرف السرير، تكور قبضتيها، وأمارات الذهول تغدق قسماتها. فتحت كفها الأيمن، وكشفت عن خصلة بنية فاتحة تميل في لونها للأشقر، وحين تبينت صحة اللون، شهقت وغصة البكاء تغزو حلقها. حتى دليل جريمته الذي تعلق بثوبه لم يكلف نفسه عناء التخلص منه، كما لو كان يستهزئ بذكائها...ولكنها رأتها، رأت تلك الخصلة التي بالطبع لا تنتمي لشعرها الأسود في ذات اللحظة التي كادت تصدقه فيها وتضرب بكل شكوكها عرض الحائط. صرخت منادية على جاريتها، فولجت مهرولة تتبين سبب غضب سيدتها. ـ أمرك يا سمو الأميرة.. ـ اجلبِ لي الكأس الذي تركته بغرفة المرسم حالا. ـ يتبع ـ

📜 الفصل الثالث 📜

" أهوج من ظن أن العشق باقٍ.." قبل ثلاث سنوات.. دلفت سلمى تزفر بلا توقف من هول ما تشعر به من غضب نحو أختها العنيدة. كانت الحجرة غارقة في دهاليز ظلام دامس رغم أن النهار قد انتصف، ففتحت الستائر بانفعال وراحت تصرخ بشقيقتها التي تلازم الفراش منذ أسبوع بلا حراك: ـ أستقضين باقي حياتك هنا بالفراش؟ لم تتكلف فيروزة عناء الرد، وراحت تتقلب على الجانب الآخر وتعافر لتخفي وجهها عن مصدر الضوء المغتصب الذي فرضته عليها سلمى بلا إذنها. شدت سلمى الوسادة من فوق وجهها، وأخبرتها بنبرة خالية من المشاعر: ـ أمير مملكة الشمال قادم ليراكِ اليوم، أستقابلينه بهذا الوجه الشاحب وذاك الشعر المشعث؟ ثم جذبتها من يمناها وراحت تحثها ببرود: ـ على أصغر أميرات المملكة أن تبدو بكامل حسنها ورونقها أم خطيبها، هيا فلتنهضي. ـ دعيني وشأني.. صرخت بها فيروزة تعافر ضد قبضة سلمى القاسية حول معصمها. ـ دعيني وشأني، ألم يكفيكما إبعاد يامن عني وعن مملكته كلها؟ ـ هل يليق بأميرة نبيلة أن تتحدث عن الدوق ومستشار الملك سابقا بلا ألقاب هكذا؟ ـ ما الذي ستجنيانه من فعلتكما هذه؟ تودان التخلص مني؟ دعيني أنفذ لكما ما تريدان إذن... وهرعت في لحظة خاطفة تنتشل السكين الصغير من صحن الفاكهة الذي جلبته الجارية بأمر من الأميرة سلمى. ـ دعيني أخلصكما من عناء التخطيط، وأنهي حياتي بنفسي دون أن تتورطا بي... قالتها بأسى تقرب النصل الحاد من صدرها. ـ الأميرة الصغرى لمملكة الجنوب تقتل نفسها في أحد الصباحات المشرقة، نعلن حالة حداد بالمملكة، كل المواساة للأسرة الحاكمة...ستمر فترة الحداد وبعدها تنعما بحياة رغدة بدوني. أستطردت بأداء درامي بينما أغدقت عيناها عليها بسيل من العبرات. راقبتها سلمى ببرود بينما تضم ذراعيها نحو صدرها، طالعتها بحاجب مرفوع، ثم تنهدت، ومقررة أردفت: ـ سمو الملك ينتظرك على طاولة الغداء، لا تتأخري وتثيري غضبه زيادة. تعلقت نظرات فيروزة المكلومة بأختها بينما تغادر الحجرة بغير تصديق وماتزال السكين موجهة نحو صدرها. ارتعشت أوصالها، وارتمت على الأرض تئن من هول ما أحست به من خذلان مضن في بضعة أيام فقط. ولجت جاريتها بينما تتلفت حولها، أغلقت باب الغرفة بإحكام وراحت تجاور الأميرة البائسة على الأرض وتحدثها برفق: ـ جاءتكِ رسالة...عانيت الأمرين حتى أوصلها لكِ دون أن تكشف أمري جارايات الأميرة سلمى. رفعت فيروزة رأسها وآيات الوهن تعانق كل حركاتها، لمحت ختمه يزين الظرف، فخطفت الخطاب من يدها بسرعة وراحت تفتحه بلهفة وشغف: حبيبتي فيروزة، كيف أنتِ؟ هل تفتحت زهور دوار الشمس بالمملكة؟ أظنني أعرف جيدا كيف تعيشين الآن في هذه الظروف التي أدمت حبنا، وفرقتنا. الحياة هنا بالمنفى الذي يطلق عليه سمو الملك مهمة في سبيل الوطن مضنية وقاحلة بلا رؤية ملامحك الوضاءة، ابتسامتك الشغوفة، ونظراتك التي كانت تبث بقلبي الضعيف بعض الثبات. سأعود، وإن تطلب الأمر سأهرب بك إلى أقاصي الأرض لأنتصر لحبنا البريء الذي يحاربه الجميع بإجحاف. كوني واثقة أنني سأعود حتى وإن كلفتني عودتي رأسي، فيكفيني أن تكوني آخر من ترى عيناي. ابقي قوية من أجلي ومن أجلنا، فأنا مازلت أحاول مهما كلفني ذلك، فلا حياة لي في أي بقعة كانت من بقاع الأرض وأنتِ لا تسكنيها. ابعثي لي برسائلك مع الرسول الذي يأتي لك برسائلي. المخلص لقلبك دائما يامن ●● تساقطت عبراتها على الورق، القطرة خلف أختها وكأنها تتلمس بذلك عناق كلماته التي خطها بأنامله الباردة. شهقت كأن كل الهواء الذي بالغرفة لا يكفيها لتحيا، ترنحت نحو المكتب الذي يجاور أحدى شرفات الغرفة، أخرجت ورقة ودواة الحبر، وأخذ القلم يرتعش بينما يغمس من قلبها الكلمات ويصبها صبا على سطور الورق: عزيزي يامن، لم تشرق شمس منذ غادرت، فكيف لزهور دوار الشمس أن تتفتح إذن؟ سلمى والملك مزدهر يتفنون في تكبيل عنقي وجري نحو الهلاك. لا أود لك ان تقدم حياتك من أجل حبنا، ولكن ماذا أفعل وخطبتي على أمير مملكة الشمال بعد أسبوع؟ ابق بخير، وابعث لي برسائلك لتؤنس وحشتي دائما. وعليك أن تدرك أن لا حياة لي مع زوج ليس أنت. أحبك دائما وحتى الموت. فيروزة ●● جاء أمير الشمال في زيارة رسمية لمملكة الجنوب، أقيمت الولائم على شرفه، زينت الطرقات كلها، وصاحبه الملك مزدهر في جولات قصيرة إلى أسواق المملكة الشعبية المبهرة. وبعدما انتهت كل تلك الشكليات، استقر في القصر الملكي لعدة أيام، وحين تبقى على انتهاء زيارته يومين وليلة، طلب أن يرى خطيبته المستقبلية التي آثرت الإختباء عن الأنظار طالما هو هنا في القصر. جاءتها الجاريات يجهزنها لوليمة الغداء التي أقامها الملك على شرف ضيفه أمير الشمال، فطردتهن جميعا، وقررت أن تتجهز وحدها. كان الملك على رأس الطاولة، ويقابله على رأس الطاولة الآخر ضيفه المرموق. جلست عن يمين الملك الأميرة سلمى، التي كانت تنصت لمناقشاتهما في أمور الساياسة والحكم، وترمي بابتسامات متكلفة من حين لآخر. أعلن الحاجب عن وصول الأميرة الصغرى؛ فيروزة ابنة سهيل، وكشف الباب عنها بقوامها الممشوق، ثوبها المتناسب مع طولها المتوسط، ولونه الأبيض الزاهي الذي استغربته سلمى حين طالعتها بتفحص. اقتربت من الطاولة تترنح وتخفي يديها خلف ظهرها، وحين اصبحت قريبة كفاية من الجميع، انتفضوا جميعهم فزعا حين أدركوا أن أكمام ثوبها الطويلة يتقاطر منها دماء معصميها المقطوعين. سقطت الأميرة تكبلها قطرات السائل القاني، وراح الملك يصرخ هلعا بالحرس ليحضروا الطبيب فورا بينما يحملها بين ذراعيه حتى غرفتها بغضب، تمتم بنبرة لم يسمعها أحد سوى سلمى التي جاورته في الركض حتى غرفة فيروزة: ـ تحاولين تكبيل يدي يا فيروزة؟ ـ هذا ليس وقته سموك، سأذهب لأحضر الطبيب بنفسي. ـ ماذا سنفعل مع أمير الشمال؟ لقد فضحتنا أمامه وأفسدت كل شيء. ـ سأجد حلا... قالتها بينما تغادر مهرولة بالممر. ●● استلقت بجسدها الواهن على فراشها بينما انشغل الطبيب بتضميد جراحها بحرص. وقف الملك بركن الحجرة يراقب وأمارات الشرود والجمود تكسو ملامحه الباردة. دخلت الأميرة سلمى ومن خلفها جاريات فيروزة ليبدلن لها ثيابها التي تلوثت بآثار جرمها الأرعن بحق نفسها. سأل مزدهر دون أن يرفع نظره عن فيروزة النائمة بهدوء إزاءه: ـ هل كنتِ على علم بأنها ستقدم على قتل نفسها؟ ـ ظننتها محض تهديدات واهية.. ـ غبية...وغباؤك كلفنا علاقة كانت ستنقذ المملكة من براثن الحرب، كان يجب أن تراقبيها حين هددت. صرخ بها بعدما صمت لهنيهة. انتفضت سلمى، وأحست بفداحة الموقف أخيرا، وحين أرادت أن تجيب، انفتح الباب فجأة واندفع يامن يركض نحو فيروزة الغائبة عن الوعي دون أن يلقي بالا للملك الذي يقف خلفه. بدأ يستنتج ما عنته بكلماتها في الرسالة؛ أرادت أن تحبه دائما وحتى الموت، فرأت أن الموت أقرب وأكثر راحة من العيش دوما بدونه. تنهد بينما اغرورق الدمع في عينيه، قاطع لحظات الشجن تلك صوت الملك بقسوته: ـ هل تركت مهام عملك كسفير وعدت دون إذني؟ استقام يامن واقفا بعدما كان راكعا أما الفراش يراقب ملامح حبيبته التي خلت من آيات الحياة، أخرج سيفه من غمضه فاندفع حارس الملك الذي وقف خلفه منذ البداية- نحوه بغضب. اوقف مزدهر حارسه بإشارة من يده، وركع يامن أمامه يقدم السيف بيديه نحوه مردفا: ـ أنا مستعد لتلقي عقابي على عصيان أمرك، اقتلني إن كنت تنوي فأنا لن أعود إلا والأميرة زوجتي. تفحص الملك ملامح الإصرار التي كست وجه الدوق ثم ابتسم باستهزاء، وأمر حراسه الآخرين بجمود: ـ فلتستعد المملكة من أجل زفاف الأميرة. طالعه يامن بغير تصديق، وأحنى رأسه يستعد لتلقي مصيره؛ فقد قتل بالفعل بعد هذا القرار، ما دامت ستتزوج غيره، فقد مات فعلا، ولا يمكن لجثة هامدة أن تقتل مرتين. اقفل الملك مغادرا، وفي خضم سيره التفت نحو يامن الذي كان مايزال راكعا، وأمره ببرود: ـ تأنق جيدا لتليق بالوقوف جوار الأميرة، فلا يجب لزوجها أن يبدو أقل شأننا منها. وهكذا، خضع الملك لجنون أخته والدوق العاشقين. ●● كانت الأميرة غارقة في لج الذكريات الهائج، أقشعر بدنها حين تذكرت كم قدمت هي والدوق ليصبحا زوجين، فانتفضت تحس بكل ذرة من كيانها تتألم بشدة. قاطع شريط الذكريات ولوج الجارية وراحت تقدم الكأس الذي جلبته من المرسم إلى سيدتها بهدوء. أخذته فيروزة دون تفكير وبلا تروٍ تجرعته دفعة واحدة، نبست ونظرة جامدة تعانق مقلتيها: ـ دعوني بمفردي، ولا تدعي أي شيء يزعجني حتى الغد. ●● ـ يتبع ـ

📜 الفصل الرابع 📜

" لا تظلمي الحب، وانظرِ حولك بإمعان، فلم يزعزع حصون قلبك سوى الحقد..." غفت على الكرسي جوار الشرفة بعدما تجرعت من كأس العجوز الغريبة دون تفكير، تفصد جبينها عرقا وأخذت تتململ في نومتها غير المريحة، كانت تلهث كما لو كانت تسابق لتنجو بروحها. دلف الدوق، ولما رأى حالتها هزها بهلع وراح يحاول إيقاظها: ـ لماذا تنامين هكذا على الكرسي؟ سيؤلمك ظهرك. فرقت جفنيها بوهن، ولما تبينت هوية من يقف أمامها، أخذت تعافر أنفاسها وتتجرع الهواء إلى رئتيها بصعوبة بالغة. انتفضت واقفة كأن حية قد لدغتها، مسحت الغرفة بعينها سريعا، ولما وقع نظرها على مرادها، اقتربت بأوصال مرتعشة وخطفت المزهرية من على الطاولة الواقعة بمنتصف الحجرة، وراحت تهشمها على رأس يامن بلا لحظة واحدة لتفكر في عاقبة فعلها الأهوج. ●● كلما نظرت لأساريره المتألمة، وتسلل لأذنيها صدى انين ألمه المكتوم، تذكرت ما زارها في حلمها الليلة، كيف رأته يرقص مع (شغف) أميرة مملكة الشمال، وكيف تخللت أنامله خصلاتها البنية الفاتحة بينما يتأمل ملامحها بذات الطريقة التي اعتاد أن يتأملها ويحبها بها...رأتها تستند برأسها على كتفه وقتلها كيف كان يربت على ظهرها في أثناء الرقص. أحست أنها تحتضر إثر تلك الطعنة، وراحت تراقبه بينما يتألم بغير تصديق. كان الطبيب يضمد جرح رأسه في إحدى الزنازين المخفية في سراديب قصرهما الواسع. أما هي فوقفت خارج الزنزانة تنتظر حتى ينهي الطبيب عمله ويغادر. ولما فرغ وكاد يغادر، همست له بتهديد جلي: ـ إن علم أحد بما حدث هنا، فصدقني لن يكون مصيرك أفضل منه. ـ لم يحدث أي شيء لأتحدث عنه سموك. أقفل راحلا، وأخذت هي تقترب من زوجها وأطنان من الجليد قد احتلت كيانها وتسللت حتى نظراتها، نطقت بعد وهلة من الصمت: ـ لم اتخيل يوما أنني كدت أقتل نفسي في سبيل سراب وأوهام. لم يرد عليها، بل ظل ينظر في اتجاه آخر غير وجهها، استطردت: ـ كان مزدهر وسلمى على حق، تزوجتني لتصل لطموحك في نيل السلطة. هب واقفا عند هذه النقطة، أحس بالإهانة تكاد تخنقه، وراح يهدر بلا تصديق: ـ آخر شيء كنت أتوقعه أن تقعي في فخهما، الجميع يعلم رغبتهما الجامحة في تفريقك عن كل من تحبين...عليكِ أن تستفيقي من غفلتك قبل أن يجرفنا طوفان الحقد يا سمو الأميرة. ـ خنتني بعدما تأكدت أنك اقتربت من هدفك...لم أعد ذات فائدة لك. ـ لم أخنكِ...مستعد أن أقدم روحي في سبيل ان تصدقيني كما قدمتها قبلا لأبقى معكِ..ولكن هل ستسامحين نفسك حين تنكشف الحقيقة؟ ـ انتهى زمن الخداع يا حضرة الدوق، لن يخدعني كلامك المعسول هذا مجددا. فلتت منه ضحكة مستهزئة، وراح يهز رأسه مشدوها؛ أي لعنة تلك التي ألقيت على حياتهما ودمرتها في غمضة عين. تحدثت فيروزة إلى مساعدها (مروان) الذي وقف خلفها ساكنا يراقب بينما تطالع يامن ببرود: ـ الدوق مريض ومعزول حتى يشفى، منعه الطبيب من مقابلة أي أحد. انقلبت قسماته إلى الهلع، وراح ينبس صائحا عبر القطبان بينما يغلق الحراس باب الزنزانة في وجهه: ـ ابقي متيقظة يا سمو الأميرة، فكما تخلصوا مني سيأتي دورك. وحين غابت عن ناظريه في الممر، جلس القرفصاء في ركن الزنزانة، وراح يتمتم بينما اغرورقت عيناه بالعبرات: ـ كوني بخير حتى أنقذنا يا فيروزة... ثم تنهد يعتدل جالسا على الأرض يحاوط رأسه المضمدة بذراعيه: ـ غبية...غبية. ●● أشرقت الشمس، وراح شعاعها الدافئ يتسلل عبر الشرفات الواسعة إلى أرضية غرفة الشاي بالقصر رويدا رويدا. كانت فيروزة مستلقية على الأريكة بوهن، وتسلل من جهاز الجراما فون الذي أحضره لها يامن من إحدى رحلاته نغمات البيانو المحببة لفؤادها. اغتصبت دمعة حارة إرادتها وراحت تطرقرق على خدها بينما تغمض عينيها في محاولات واهية للإختفاء من واقعٍ مضنٍ. دخل الحاجب بعدما طرق على الباب، وأردف مقررا: ـ سيدة غريبة تدعى زمردة تصر على مقابلة سموك. انتفضت من موضعها فجأة، وأمرته دون تفكير: ـ دعها تدخل. ولما دلفت، طالعتها فيروزة بشك، فراحت تتحدث زمردة بوقار: ـ إذن هل نالت زمردة ثقة سمو الأميرة؟ ـ كيف فعلتها؟ ـ هناك أسرار من شأنها أن تبقى كذلك، معرفتها لن تجلب سوى الهلاك. ترنحت فيروزة بخطى متزعزعة نحو الأريكة، جلست وأوصالها لا تكف عن الإرتعاش، وأحست أخيرا بفداحة ما آلت إليه حياتها. رنت نحو زمردة التي وقفت تراقب بهدوء، ثم استطردت: ـ كيف اتخلص من هذا الألم إذن؟ نبست بكلمات متوترة تشير نحو خافقها بوجع، ثم استطردت تتساءل: ـ وماذا إن كنت أظلمه؟ ـ لا يمكن أن تعاون زمردة على ظلم إنسان، ليطمئن قلبك. ـ اجلبي لي شيئا إذن يخلصني من ذاك الشعور، أود أن أعيش بلا مشاعر، فلا يجرحني أحدهم مجددا. اقتربت زمردة بزهو وراحت تمد يدها التي تكورت نحو الأميرة الشاردة: ـ من شأن حبة البندق هذه أن تشفي علتك. طالعت فيروزة ما استقر بكفها، ودون أن تكلف نفسها عناء التفكير مرتين أخذت حبة البندق، وأحكمت إغلاق قبضتها عليها، بينما ثبتت نظراتها الخاوية نحو الفراغ. ●● كان الدوق يستلقي على السرير المعدني المهترئ بأحد أركان الزنزانة، مخفيا عينيه بذراعه، أخذت الأفكار تغلي بمراجل رأسه الصاخب، وراح يفكر في كل الطرق الممكنة للفكاك من هذا المأزق المؤرق. وفي خضم تيهه بين براثن التفكير، جالت هي بخاطره وراعه أن تكون قد تعرضت للأذى منذ تركته هنا سجينا قبل عدة أيام. فكر للحظة؛ هي لن تستطيع المواجهة وحدها حين يكشف ستار الزمن عن الحقائق التي حارب الملك وأخته الأميرة سلمى على إخفائها بكل ما أوتيا من قوة... ولن يتوانيا عن التخلص منها كما فعلا به. تسلل لمسامعه صوت إنزلاق قفل الزنزانة، فظنها فيروزة، وانتفض يبتغي الأطمئنان عليها. لكن النفور قد حل محل اللهفة على ملامحه حين انفتح الباب وكشف عن سلمى أمامه. نطق دون أن يكلف نفسه عناء النظر نحوها: ـ جئتِ لتشمتي بي بعدما نجح مخططك؟ ما كان عليّ أن أصدق أنك تغيرتِ. ـ الشماتة ليست من شيم الأمراء يا حضرة الدوق. ـ الخيانة إذن هي صفتهم الأبرز. ـ يبدو أن السجن لم يعلمك الأدب. ـ لماذا جئتِ؟ فلترحلي، فلن أسمع منك حرفا. ابتسمت بغرور، وراحت تقترب: ـ الأميرة فيروزة طريحة الفراش منذ أيام، جئت لأبلغك حتى تستعد لخبر وفاتها...فكما تعلم أنا أعرف جيدا كيف يشعر الأرمل حين يفقد شريك حياته. هب مفزوعا، وحاوط عنقها بقبضته القوية ضاربا رأسها بالحائط بغل، ضغط على أسنانه، وتسللت الكلمات من بين شفتيه كاشفة عن روحه التي تتلظى إثر الهلع: ـ تعاقبينها على رفضي لكِ، يا لحقارتك. ـ بل أعاقبك بفراقها.. ـ سأقتلك يا سلمى... ـ أنا من أحببتك أولا...أنا الأميرة سلمى ولا يجرؤ مخلوق على رفضي. ●● ـ يتبع ـ

📜 الفصل الخامس 📜

"الشك عاصفة دكت حصون الحب وقتلت مريديه" أفلت عنقها، بينما راحت هي تتحسس موضع الألم ببرود، أدار ظهره لها وراح يتمتم بغير تصديق: ـ أنتِ شيطان وقد سيطر على حياتنا. ـ أنت السبب في كل هذا.. ـ قتلتِ زوجك، والآن تحاولين التخلص من شقيقتك؟ قهقهت ولم يخفى عليه عدم تفاجئها بمعرفته لسرها، بينما هندمت هي ثوبها تستعد لمغادرة الزنزانة: ـ كل ما يحدث أنت السبب الوحيد فيه يا يامن...كان عليك أن تحبني أنا، كان يجب أن أكون أنا زوجتك. طالع القسوة المتأصلة بوجهها، وتزعزع كيانه إثر الخوف الذي بثته ببرودها إلى اعماقه. غادرت سلمى وتركته هو حبيس نفسه وسجين لهلعه. ●● قطع مساحة زنزانته الباردة عشرات المرات جئية وذهابا والقلق يفتك بقلبه. كلما دارت عقارب الساعة نهش الهلع بفؤاده، وأخذ يتذكر رغما عنه اليوم الذي توفي فيه الملك الراحل سهيل، فانتفض وأخذ يضرب باب الزنزانة بقبضتيه صارخا: ـ أخبروا مروان مساعد الأميرة انني أريد ان أراه. جاءه الحارس، ونظر نحوه ببرود مردفا: ـ منعت الأميرة سلمى أي أحد من دخول السرداب غيرها يا حضرة الدوق. رنت صرخته الحانقة بجدران السرداب كلها وراح يركل الباب الحديدي وقلة الحيلة تقيد معصميه...ماذا سيفعل الآن وقد اختار الملك وسلمى ضحيتهما الجديدة؟ مستحيل أن يفشل في إيقافهما مجددا، مستحيل أن يكون بلا فائدة مرتين. اقترب ثانية من القضبان، تعلق بتلابيب الحارس وأمره دون أن يلتفت لحقيقة وضعه المزري: ـ أحضر لي ورقة ودواة حبر... طالعه الحارس بشدوه وكاد يقابل طلبه بالرفض؛ ففيروزة أمرت قبل أن تقع فريسة المرض بعدم السماح له بأي شيء، وحين أتت سلمى إلى القصر لترعاها شددت الخناق عليه أكثر، طالعه يامن برجاء متوسلا: ـ أرجوك، الأميرة فيروزة في خطر محقق. غاب الحارس لدقائق، ثم عاد وبيده ما طلب، سلمهم له عبر القطبان بينما يتلفت حوله من شدة ما أصاب قلبه من خوف. شكره يامن مردفا: ـ شكرا لك، لا تقلق لن يعلم أحد أنك ساعدتني. ـ حضرة الدوق... راع يامن نداء الحارس المتوتر، فطالعه متساءلا وألف سيناريو يعصف بعقله، استطرد الحارس مزدردا لعابه: ـ أخبرني أحد حراس القصر أن حالة الأميرة لا تبشر بخير. هز يامن رأسه بشدوه وراح يردد بإقتضاب: ـ ستكون بخير...ستكون بخير. مرت دقائق، خط فيها يامن رسالة مبهمة لا يمكن لأحد أن يفهمها غير المقصود بها. اقترب من الباب وعبر القضبان سلمها للحارس قائلا: ـ احرص على ان تصل للمساعد مروان بأسرع ما يمكن. أومأ له الحارس وراح يهرول بالممر يخبئ الرسالة داخل درعه بإحكام. مر اليوم، وكل دقيقة فيه تحمل في طياتها عبق الموت والهزيمة، جلس الدوق في ركن الزنزانة القصي يخفي وجهه المخذول بين ركبتيه، كان بداخله ينتظر ساعة الصفر التي ستعلن فيها الدنيا هزيمته للمرة الأخيرة. في خضم حلقات اليأس القاتلة تلك، سمع خطوات تقترب من الزنزانة، تسلل لقلبه الهلع حين تخيل أن تكون سلمى وقد أتت لتقيم احتفالا بانتصارها أمامه، لكن الباب فتح وراح الزائر يقترب ويجاور الدوق في جلسته على الأرض متحدثا: ـ وصلتني الرسالة، كان يجب أن انتظر حتى منتصف الليل، فعيون الأميرة سلمى مزروعة بكل أركان قصرك. رفع يامن رأسه بتعب، وطالع أسارير مروان المتجهمة، فهمه مروان وأردف معللا: ـ كان يجب ان أكسب ثقة سلمى لأبقى جوار فيروزة يا صديقي. ـ سلمى تحاول قتلها يا مروان صمت مروان لهنيهة، فاستطرد يامن مقررا: ـ حاول أن تبعدها عنها لبعض الوقت، أنا متأكد من أنها تفعل بها شيئا لتقتلها. أومأ له مروان وكاد يهم بالمغادرة حين أوقفه يامن فجأة: ـ علينا أن نخبر فيروزة بالحقيقة، إن علمت الحقيقة كاملة هي من ستنقذ نفسها من أيديهم. ـ يامن، فيروزة لم تفتح عينيها منذ أيام، وإن حدث واستيقظت تجعلها سلمى تشرب دواءها لتنام مجددا...إن علمت فيروزة بحقيقة كيف حصل مزدهر على العرش فلن يتركوها لتنتقم، سيقتلونها بدم بارد. ـ امنعها عن إعطائها ذلك الدواء أيها الاحمق هب يامن واقفا وصرخ به بغير تصديق: ـ استغل أي لحظة تكون بها مستيقظة واخبرها بكل الحقائق، أرجوك...مصير الأميرة والمملكة أصبح بين يديك الآن. شد يامن على يدي مروان بتوسل، فأومأ الأخير له متنهدا وراح يغادر دون أن ينطق بحرف جديد. ●● مر مروان أمام غرفة الأميرة، كان مكتوف اليديدن قليل الحيلة لا يعرف كيف يمكنه أن يساعد صديقه وينقذ المملكة من شر سلمى ومزدهر. أخذت الأفكار السيئة تعصف برأسه؛ وراح يتساءل ما الذي تعطيه الأميرة سلمى لفيروزة حتى تفقدها صوابها هكذا وتجعلها تلازم الفراش. في خضم عراكه مع أيكة الأفكار تلك، لمح الجارية تخرج من الغرفة وتغلق بابها. مر بها بينما يكمل سيره، توقف لهنيهة وحدثها هامسا: ـ اتبعيني. فزعت حين حدثها، وأخذت تتلفت حولها لتتأكد أنه يحدثها هي، بينما أكمل هو سيره حتى نهاية الممر. تبعته كما طلب، وحين خرجت من الممر جذبها بسرعة، وألصق جسدها بالجدار ونصل خنجره البارد يلامس نحرها. ازدردت لاعبها من هول المفاجأة، فقال مهددا: ـ حين تستيقظ الأميرة الفيروزة، سأكون أنا أول من يعلم بهذا. نظرت نحوه بذهول لا تفهم ماهية حديثه، فأستطرد هامسا حتى لا يصل صوته لمسامع الغادرين: ـ قبل أن تعلم الأميرة سلمى حتى...هل فهمتِ؟ أومأت له الجارية والهلع يفتك بقلبها الذي وصل صدى نبضاته حتى مسامع مروان، فتركها، أدخل خنجره في غمده الذي يسكن حزامه وراح يكمل سيره كأن شيئا لم يكن. حين غابت الشمس، وأظلمت السماء على القصرجاءته الجارية إلى الحديقة وفي يدها صحن من كوؤس الشراب. كان يتناقش مع أحد الحراس بأمر ما، قدمت لهما الشراب، ولما طالعها بتساؤل هزت رأسها بإيجاب وراحت تغادر سريعا. ابتسم منتصرا، وراح يتجرع الشراب دفعة واحدة قبل أن يهرع مهرولا إلى داخل القصر. تسلل متلفتا والتوتر ينهش بقلبه، فإن علمت سلمى بدخوله إلى الحجرة لن ترحمه ستشك به وسينتهي به المطاف مقتولا بأبشع الطرق. اصطحب معه زوجته الطبيبة نيرة التي تعاون طبيب القصر، فحتى الطبيب بنظره مجرم هنا ولابد أنه عاون سلمى بطريقة ما. أغلق الباب بإحكام حتى لا يدخل أي مخلوق وهما بالداخل، وراح يسير مع زوجته بخطى وئيدة حتى الفراش. لمحته فيروزة، لكنها لم تتعرف عليه من شدة الإعياء، فحث زوجته على القيام بعملها سريعا. ولما فرغت نيرة من الفحص، تنهدت بأسى وراحت تشرح بإختصار: ـ كما توقعت، يبدو ان أحدهم يعطيها دواء ليجبرها على النوم هكذا، دواء مهدئ...الأميرة ليست مريضة بل منومة. سكتت لهنيهة طالعت فيها زجاجة الدواء على الطاولة التي تجاور الفراش، ثم أستطردت مستنكرة: ـ ذلك الدواء لم يحضره طبيب القصر، هذه ليست الزجاجات التي نستخدمها، أنظر هنا، هذه العلامة تشبه العلامات التي يميز بها الدجالون خلطاتهم المقرفة. وأشارت نحو الزجاجة توضح مقصدها بعدما قربتها من أنفها لتخمن محتوياتها. ـ ماذا سنفعل الآن؟ علينا أن نجعلها تستفيق بأسرع ما يمكن فالوقت ينفذ. سأل مروان والقلق يعانق قسماته. ـ سأعطيها شيء من شأنه أن يبدد أثر المهدئ ذاك، ولكن بشرط... طالعها مروان متساءلا بقلق، فأردفت مجيبة بتحذير: ـ بشرط ألا تتناول ذلك المهدئ ثانية، وإلا لن يفلح أي شيء قد نفعله. هز مروان رأسه شاردا يحاول أن يدرك كيف سيمنع عنها يد سلمى المؤذية، فلا يوجد مخلوق بهذه المملكة قد يجرؤ على الوقوقف بوجه جبروتها وسطوتها الطاغية. انتفضت نيرة فجأة، وراحت تطالع مروان بقلق جلي، عقد حاجبيه وهمس مستفهما: ـ ما الأمر؟ ـ عليّ أن أفحص الاميرة مجددا يا مروان. طالعها بشدوه لا يفهم إلام ترمي، فأجابته بينما تطالع الأميرة بأسى: ـ أشك بأن الأميرة فيروزة حامل. ●● ـ يتبع ـ

📜 الفصل السادس 📜

"مادام الضوء يزعجنا...لنقتل حامل الشعلة" كان مروان يركض في طرقات سرداب القصر بتيه جلي وأوصال مرتعشة، لا يعرف كيف وصل حتى زنزانة الدوق، ولا بأي طريقة أقنع الحرس المناوبين بالدخول إليه رغم الخناق الذي تحكمه عليه سلمى بعدما سيطرت على القصر بكل من فيه، كل ما كان يذكره أنه دخل إليه مشدوها شاحب الوجه ومقطوعة أنفاسه. أصاب هلع لا يحتمل قلب يامن حين رآه بهذه الهيئة وهرع نحوه يتمسك بذراعيه ويهزه متساءلا. رفع مروان رأسه وقال دون أي تطويل: ـ الأميرة فيروزة حامل. كمم يامن ثغر مروان بيديه سريعا، وألصق جسده بالحائط البارد، ومن شدة المفاجئة غير المتوقعة همس له محذرا: ـ أصمت أيها الأحمق... تلفت الدوق حوله بحذر وراح يكمل بهدوء: ـ لن يعلم أحد بهذا الخبر أبدا...ولن أوصيك يا مروان مستحيل أن يصل خبر كهذا إلى سلمى، إن علمت بهذا فلن تنتظر طلوع شمس الغد حتى تردينا جميعا قتلى، بمن فيهم أنت، هل فهمت؟ هز مروان رأسه بشدوه، بينما ما يزال يامن يكمم فاهه بكفه البارد. افلته يامن وابتعد، راح يجلس على طرف السرير المعدني شاردا تكسو أساريره معالم الإرهاق، فرغم سعيه وفيروزة المضني للحصول على هذا الطفل كل تلك السنوات، إلا أن توقيت الخبر لم يكن مناسبا ابدا، أصيب قلبه بصاعقة جعلته حائرا في أمره، فكيف لذلك الطفل أن يولد في جحر الأفاعي هذا؛ والده مسجون بلا وجه حق وأمه مهددة حياتها بالأنهيار. فكر بينما يغادر مروان الزنزانة بهدوء؛ إما ان يعيش ذلك الطفل، وإما أن تكون كارثة يروح ضحيتها الجميع هنا بلا رحمة. ●● كانت فيروزة الصغيرة تقفز قفزات متقطعة بينما تجمع في سلتها الصغيرة من القش بعض زهور عباد الشمس المحببة لقلبها الغض، وكانت مربيتها تحاول بخطوات متعثرة اللحاق بها وبخطاها المتحمسة. بدت في ذلك الفستان السماوي الذي يصل حتى بداية قدمها في السادسة من عمرها، وبان في مقلتيها العسليتين رغم الحماس توتر طفيف في كل التفاتة كانت تلتفتها من حين لآخر لتتأكد أن لا أحد يراقبها تمارس هوايتها المفضلة في جمع الأزهار. تعثرت فجأة قدمها الصغيرة في حشائش طويلة غادرة ولامست بركبتهيا وكفيها الرقيقين الأرض متألمة تأن بوجع. سارعت نحوها المربية، وأخذت تحاول معاونتها على النهوض، لكن نهوضها لم يكتمل حين ظهرت أمامها سلمى التي بدت أساريرها الفاتنة، طولها المتوسط وشعرها البني الداكن الذي يرفرف خلفها حتى منتصف ظهرها في الثانية عشر من عمرها. نزلت راكعة حتى تصل بطولها إلى فيرروزة التي ماتزال مستندة على خضرة الأرض بركبتيها، قالت ونبرة التعاطف المزيفة تغدق حروفها: ـ أوه...فيروزة الصغيرة سقطت مجددا. ثم استطردت مستهزئة بفجاجة: ـ أتنتظرين كالعادة أن يأتي أبي ويحملك إلى الداخل حتى تنهضي أيتها المدللة؟ طالعتها الصغيرة بمقلتين يترقرق بهما الدمع الطفيف، فأكملت تواصل إضافة الملح على الجروح السابقة بينما تلتفت نحو صديقاتها الائي حاوطنها كثلة من التابعين: ـ غريب، كيف يمكن لشخص حرم أخوته من أمهم أن يعيش كبريء لم يقترف خطأ يا فتيات. طالعتها فيروزة بتيه، لا تفهم لماذا قد تحدثها أختها الكبرى بتلك اللهجة اللاذعة. ركلت سلمى سلة الأزهار التي استقرت جوار فيروزة، وراحت تدهس بتلات زهرات عباد الشمس تحت كعب حذائها العالي. بكت الصغيرة وراحت تنشج من هول صدمتها، وحين حاولت منع أختها عن فعلها الوحشي، داست سلمى على كفها الصغير بوقاحة دون أن تلتفت لصراخ أختها الصغرى. صرخت بها المربية تحاول رضعها: ـ سلمى توقفي عن فعل هذا...يكفي ـ اسمي الأميرة سلمى، كونك مربيتنا لا يسمح لك بتخطي الألقاب. قاطع وصلة وقاحاتها تلك صوت تسلل من خلفهم صارما: ـ وهل من أخلاق الأميرات الإعتداء على شقيقاتهن؟ سلمى التفت بلهفة حين تبينت هوية المتحدث من نبرته التي تخترق في كل مرة شغاف قلبها، ردت حين تأكدت من هويته بنبرة مترددة تبرر: ـ آه..يامن، كنت أحاول مساعدتها على النهوض، ولكنها تصر على البكاء فقط كالعادة...مدللة. لم يكلف يامن الذي بدى في عمر سلمى تقريبا بزيه النبيل الذي أضفى على هيئته رغم صغر سنه هيبة واضحة- عناء النظر نحوها، تخطاها وراح ينحني بجزعه ليصل لفيروزة ويمسك بكفها التي تألمت وبان الإحمرار عليها ويعاونها برفق على النهوض. عانقت فيروزة بنظراتها الهلعة الأرض تراقب أزهارها التي راحت ضحية حقد أختها. انتبه يامن لشرودها بسلتها المبعثرة، فراح يلملم لها ما نجى من الأزهار بداخلها مجددا. نهض تحت أنظار سلمى المغتاظة، وراح يمسك بيدي فيروزة ويحكمهما على السلة. نبس يهدئ من روعها ويرمي بالحديث نحو سلمى التي تكاد تموت غيظا: ـ حين يحاول أحدهم التنمر عليك يا سمو الأميرة، دوسي له بكعب حذائك على قدمه بقوة. وراح يمثل لها مبتسما كيف تفعلها، ثم استطرد حين راحت هي تتأمل وجهه البشوش: ـ حتى وإن كان ذلك المتنمر أميرة، وتدعى بالصدفة سلمى. انهى جملته وامارات الانتصار تعلو اساريره. مسحت بظهر يدها وجهها المغدق بالعبرات واقتربت من اختها الكبرى التي راحت تطالعها بكبرياء وغرور جلي، ابتسمت لها فيروزة ببراءة، رفعت قدمها تهوي بها بقوة على قدم شقيقتها الكبرى المذهولة والتي صرخت إثر فعلتها المفاجئة...أحست فيروزة الصغيرة حينها أن كلمات يامن نفضت الغبار عن شخصيتها القوية التي كان من المفترض أن تكون عليها أميرة مثلها. ـ هذا يكفي يا فتيات...دعينا نعود للداخل يا فيروزة. انهت المربية الجدال تجر ساعد فيروزة وتسحبها نحو القصر. التفتت فيروزة بسرعة حينها تطالع يامن الذي راح يراقب رحيلها بترقب تتعلق بثغره ابتسامة فخورة. وحين اختفت هي والمربية بالداخل، محى صوت سلمى الغاصب ابتسامته واخذ كلامها المسموم يرن بأذنيه كالطنين: ـ هل يعلم الدوق منتصر أن ابنه الحبيب يحرض اطفال القصر على العنف؟ ـ وهل يعلم جلالة الملك ان ابنته تتنمر على شقيقتها وتحملها ذنب لم تقترفه؟ راقب رد فعلها البارد لوهلة، ثم استطرد يرفع سبابته في وجهها محذرا: ـ لستِ الوحيدة التي فقدت أمها، تلك الصغيرة لم تسنح لها الفرصة حتى لرؤيتها، بينما انتِ عشتِ معها لست سنوات كاملة... أما هي فولدت ووجدت نفسها بلا أم وتحت رحمتك انتِ...أتحسدينها على تربيتة رأس تحصل عليها كل حين من الملك؟ عقدت حاجبيها بغضب وراحت تصرخ في وجهه بلا رادع: ـ لا تملي عليّ أفعالي يا هذا.. ـ أنتِ أنانية مدللة...كفي عن تصرفات الأطفال هذه يا سمو الاميرة. وغادر دون ان ينتظر ردها حينما لمح صديقه مروان يقترب نحوه بيده السيوف الخشبية ليتدربا على المبارزة. ●● أحست بألم إصابة كفها الذي دعسته سلمى تحت حذائها، فراحت تتململ في نومها وتحاول بجهد جهيد أن تفرق أجفانها. أزعجها ضوء النهار الذي أحست به يحاوطها، وراحت همهمات متوارية تتسلل إلى مسامعها لكنها كانت مشوشة. كانت الكلمة الواضحة الوحيدة التي سمعتها هي: ـ استيقظت... فتحت عينيها، وراح الإرهاق المتشبث بأهدابها يعانق مقلتيها. راقبت ملامح غرفة نومها هي والدوق بشرود، تحاول استرجاع آخر ومضة بذاكرتها المتعبة. قطع تأملها وشدوهها صوت نيرة القلق جوارها: ـ سمو الاميرة هل تسمعينني؟ أتعرفين أين أنتِ؟ هزت فيروزة رأسها بوهن بعد لحظة من السكون، وأخذت تطالع نيرة بينما تزدرد لعابها لترطب حلقها الذي جف إثر نومها الطويل، ثم نبست بصوت مبحوح: ـ ما الذي حدث لي؟ ـ سأشرح لكِ كل شيء، لكن عليّ أن أخبر مروان أولا بأنك استفقتِ. راحت نيرة تتراجع للوراء خطوات عديدة بحماس مشوب بالتوتر، وحين اقتربت من الباب، تذكرت شيئا هاما وعادت مهرولة تقترب من الفراش، وتحذر الأميرة هامسة: ـ لا تخرجي من الغرفة حتى أعود...وإن دخل أحد في غيابي لا تجعليه يعلم أنك مستيقظة. بان التيه على ملامح فيروزة المتسائلة، فهزت نيرة رأسها بسرعة توضح: ـ هذا من أجل سلامتك...اعتبرِ أن هناك خائن يحاول اذيتك، ساعديني واحمي نفسك حتى أعود مع مروان. وغادرت مسرعة بعدما شدت على يدي الأميرة بإحكام تطمئنها. رفعت فيروزة رأسها تستند بها على مسند الفراش خلفها، تكالبت عليها الذكريات دفعة واحدة فأصبحت لا تعرف أيها حقيقة وأيها كان كابوسا. بان على أساريرها الموجوعة الألم الشديد. تأوهت حين أصبح كل شيء من حولها لا يحتمل، وراحت تزيح الغطاء من فوق جسدها بلهفة متوترة. انزلت ساقا وخلفها الأخرى ولامست بقدميها العاريتين الأرض الباردة. وقفت بصعوبة جلية، وأخذت تترنح في سيرها تحس في كل خطوة تخطوها بأن الدنيا ترجها رجا.. ●● رنت نغمات البيانو بإيقاع هادئ. كانت أصابع سلمى تنساب بإحتراف على المفاتيح بينما تغمض عينيها تتلذذ بمذاق كل نغمة تصدرها أناملها العازفة. أخذ الإيقاع يرتفع رويدا، ومع علوه جالت بذاكرتها مشاهد دفعها لفيروزة التي كانت في سن المراهقة حينها من على كرسي البيانو باستمتاع، تمنعها عن الإقتراب منه. ارتفع الإيقاع أكثر، ترنمت بينما تتذكر شعورها بالنشوى والمقصلة بنصلها الحاد تهوى على رقبة زوجها السابق وتهلكه. ثم علت موجة الموسيقى بدرجة ملحوظة، جعلت لج الذكريات يخطفها نحو ذكراها الأسوء...ضغطت بأهدابها على مقلتيها ورأت يامن ينزوي بفيروزة في حديقة القصر ويخبرها بهيام أنه سيطلب يدها من والدها الملك اليوم. خالجها شعور الخذلان نفسه الذي طعنها حينها، وعبست أساريرها حين تذكرت كم كانت متحمسة لتعترف له بعشقها الأزلي منذ الصغر. أخذ إيقاع الموسيقى يرتفع ويرتفع، أطراف أصابعها ترتطم بمفاتيح البيانو بقوة أكبر وأكبر...جال بذهنها لذة الانتصار حين رأت والدها على فراش الموت، ثم فيروزة الواهنة بفراشها...ويامن المسجون مكتوف اليدين يصرخ بها حين ذهبت لترى الهزيمة في عينيه، أخذت الابتسامة تشق ثغرها رويدا رويدا، وحين ابتسمت باتساع كانت المقطوعة قد انتهت. تنفست براحة حين عم الهدوء غرفة الموسيقى بقصر الدوق. قاطع لحظات نشوتها تلك دخول مزدهر المفاجئ دون إنذار. التفتت له بهدوء ثم نبست: ـ جئت سريعا...ظننتك ستأتي غدا. ـ رسالتك لم تكن مطمئنة...ماذا عنيتِ بأن وقتها ينفذ؟ ـ يعني أنني قررت أن وقتها قد نفذ...لا أفهم ما الذي يجعلنا نماطل كل هذا الوقت. ـ جنونك هذا سيجلب المصائب فوق رؤوسنا...علينا التريث قليلا. عادت تبتسم بعدما جمد وجهها تحاول فهم ما يرمي إليه، وراحت تجلس قبالته على الكرسي الوثير، بينما كان هو جالسا على الأريكة واضعا ساقا فوق الأخرى. ـ لماذا أرى جلالة الملك متوترا؟ هل هذه أول مرة نفعلها يا أخي؟ ـ أخرسي... هب مكانه معتدلا يهدر والغضب يعانق كل ذرة من كيانه. انقلبت اسارير سلمى المستريحة إلى العبوس فجأة، واستطردت: ـ لماذا الغضب الآن؟أليست خططي هي التي جلبت لك العرش إلى تحت قدميك يا سمو الملك؟ كف عن تمثيل البراءة أمامي على الأقل. ـ حين تخلصنا منه كان ذلك لأنه عجوز خرف سيهلك المملكة بأفكاره القديمة، كان على استعداد لتنفيذ كل فكرة يجلبها له يامن دون تفكير...أما الآن، فأنا لا أفهم المغزى وراء ما نفعل. علت ابتسامة مستهزئة زاوية ثغر سلمى إثر كلماته، وراحت تحدثه والبراءة المزيفة تقطر من كل كلمة تنبس بها: ـ لسانك عاجز حتى عن ذكر اسمه، يا لقلبك الرقيق...ألهذه الدرجة ضميرك يؤنبك على قتل والدك وسرقة العرش؟ ●● ـ يتبع ـ

📜 الفصل السابع 📜

"كنت قاعدة مستثناة لطيفة من بين قواعد الدنيا الصارمة كلها..كنت كالعودة إلى الديار في نهاية المعركة." انتفض مزدهر، وهب واقفا يقترب من سلمى حيث جلست. قبض على وجهها بكفه الضخم، وراح بصوت كالفحيح يهمس جوار أذنها: ـ لم اقتله وحدي...قتلناه معا، ولم يكن والدنا هو الضحية الوحيدة يا سلمى، لا تجعلي الأمر يبدو كما لو كنت أنا المستفيد الوحيد من تلك الواقعة. شدد على كلمة "والدنا"، ثم نفض وجهها عن يده حين افرغ ما بجعبته، فالتفتت هي بجمود تنظر حيث حرك هو رأسها غصبا، أما هو فراح بخطى واثقة يقترب من الشرفة التي كانت خلف البيانو يوليها ظهره. تنهد، ثم أخذ يردف مستطردا بنبرة هادئة ومغايرة تماما عن تلك الغاضبة التي قذف بها الكلمات في وجهها منذ قليل: ـ ولم تخططي لتساعديني أنا من الأساس، أعلم جيدا أن هدف خطتك الأساسي كان التخلص من زوجك..كنتِ على استعداد تام أن توسميه بالخيانة وتصبحي أرملة إن كان ذلك هو السبيل الوحيد لخلاصك منه. لامست سلمى وجهها تتحسس موضع قبضته بألم بينما ترن كلماته في أذنيها كطنين يكاد يفقدها حاسة السمع. كان جليا على ملامحها أن وقع أفعالها ونواياها التي لم تفصح عنها علنا من قبل ثقيل جدا على مسامعها. نهضت تقترب منه، كانت على وشك الرد وإيقافه عند حده، رأت أنها في طريق تحقيق رغباتها أعطته سلطة تكاد تدهسها، وفي أثناء تنفيذها لخططها نست أمره تماما، نست أن مزدهر في لحظة من اللحظات سيكون هو بذاته جلادها ويدمرها. كانت بداخلها ترفض بشدة أن تكون الشرير الوحيد الذي يهزم في نهاية الرواية. فكرت أنها على الأقل لو هزمت، فلن تسمح بأن تطال الهزيمة رأسها وحدها...ستجعل حينها المقصلة تتسع لرأسين غصبا. زفرت تجلي الضيق الذي اختلج به صدرها، لكن صوت تهشم شيء زجاجي يتسلل من خلف الباب الموصد قطع عليهما جلسة إعترافاتهما تلك وقذف بقلبيهما الآثمين رعب لا يحتمل، وما زاد من وطئة ذاك التوتر هو التفاتة سلمى المذعورة، حين لاحظت أن الباب كل ذلك الوقت كان مواربا ولم يكن في أي لحظة من اللحظات مغلقا. ●● سقطت هي الأخرى جوار المزهرية الزجاجية التي تهشمت حين استندت بكل ثقلها على الطاولة التي تجاور الباب، أفقدتها جرعة اعترفات اخويها المكثفة صوابها، فلم تقوى ساقاها على حملها أكثر. ثم أدركت فجأة فداحة ما حدث، لقد كشفت نفسها، سيتخلصان منها هي أيضا بسهولة جمة بهذا الجسد الضعيف الذي يكبله وهن المرض. نهضت تتشبث بالجدران، وراحت تركض في طرقات قصرها تائهة لا تدري إلى أين يمكنها الفرار...أين يمكن ان تفر من رأسها ومن ضجيجه؟ وإلى أين تذهب حين يصبح عدوها الأخطر هما الذان تجري بجسديهما نفس دمائها؟ كان خافقها يضرب بصدرها بعنف، وكانت بداخلها تأمره ألف مرة ان يتوقف ويخلصها من ذلك الألم المضني. وجدت نفسها بلا وعي تسلك طريق السرداب، لا تدري لماذا ألحت عليها رأسها أن تتجاهل تحذير نيرة وتخرج من الغرفة. خرجت عارية القدمين بلا هدى، سمعت صوت البيانو فتبعت نغماته، حتى قادتها ساقاها إلى هلاكها. اخترقت ذكرياتها ويامن أيكة أفكارها المشعثة بينما تتشبث بالجدران تحاول أن تتماسك حتى تصل إلى زنزانته، تذكرت إحدى حفلات والدها الملك، ورأت للمرة الأولى نظرات سلمى التي اخترقتها حين قدمها والدها إلى الحضور أولا بغير قصد. ظنت في المرة الأولى أنها تتخيل فقررت أن تعمي بصرها عن تصرفات أختها. لكن حين أنشغل الملك عنهما بباقي الضيوف، وقفت سلمى جوار فيروزة التي كانت تبلغ وقتها التاسعة عشر، وقالت دون أن تنظر نحوها مشغولة بمراقبة الحفل: ـ لا تنخدعي بكلام أبي، لستِ بذاك الجمال، كان يحاول فقط أن يطيب بخاطرك كعادته بينما أنتِ مسخ النظر نحوه لا يطاق.. ثم التفتت نحوها بهدوء، ابتسمت باتساع حين رأت آيات إنكسار فؤاد أختها الصغرى بائنة على وجهها، وراحت بعدها تنضم للحفل بحماس حين طلب منها أحد الحضور أن تعزف لهم مقطوعة اعتادت هي عزفها في كل الحفلات على البيانو. خرجت حينها راكضة بعيدا عن الحفل بغير هدى، انزوت بركن في الحديقة وأخذت دموعها تترقرق على صدغيها بلا رادع، أحست حينها أن شيئا قاسيا قد اخترق صدرها، وشعرت أنها لو كانت سرابا لا يرى سيكون أهون ألف مرة من وجع خافقها الذي ينهش بصدرها الآن. سمعته حينها يحمحم خلفها، أحست به يجاورها على المقعد، ورأت بزاوية عينها منديله الذي مده نحوها بهدوء. أرادت في ذلك الحين أن تبتلعها الأرض من تحتها، لكنه بدد لديها كل المشاعر حين نبس متساءلا: ـ لماذا دائما تسكتين لها؟ ـ هل ستسافر للدراسة مجددا؟ سألته تتهرب من سؤاله الذي تجهل إجابته، كانت لا تفهم لماذا تصبح بهذا الضعف أمام سلمى، كانت تسأل سؤاله هذا لنفسها في اليوم ألف مرة. ـ لقد عدت للأبد.. سكت لهنيهة يتأمل عينيها التي ملأها الإنكسار، ثم استطرد: ـ يبدو أن هناك من يحتاج منديلي ليمسح به دموعه في هذه المملكة...وأنا لا أعيش بعيدا عن منديلي ابدا. مد يده مجددا بالمنديل نحوها، فأخذته بأنامل ترتجف. رق قلبه حين لاحظ ارتجاف كفها، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الإرتجافة بالذات كانت ارتجافة الأمان الأولى التي شعرت بها، وكان هو مصدرها. تناهى لسمعه نغمات البيانو، فالتفت لها ونهض واقفا، سألها بينما يضع ذراعه اليسرى خلف ظهره ويمد اليمنى نحوها: ـ دعينا لا نفوت الرقصة يا سمو الأميرة. طالعت كفه الممدودة نحوها بدهشة، كانت تعلم أن الأميرة لا يمكن أن ترقص إلا مع زوجها أو أحد أفراد أسرتها، وكانت متأكدة من علمه بذات الشيء. نهضت تقف أمامه، فمثل هو أنه يمسك بكفها دون أن يمسكها، وبيده الأخرى حاوط ظهرها دون أن يلمسها، جارت مسرحيته تلك وراحت تضع يدها على كتفه دون لمسه، وراحا يرقصان ونغمات البيانو التي تعزفها الأميرة سلمى تحيطهما وتبارك على قصتهما الساحرة. رفعت رأسها حين أنتهت الذكرى من بث الصور برأسها، رأت أنها تقترب من زنزانته التي رمته بها بيديها، فشهقت تنتحب مع كل خطوة حين تذكرت أنها كانت كلما تنهشها سلمى بكلماتها الوقحة تجده بطريقة ساحرة يظهر من العدم ويضمد جراحها بإتقان...كان يجيد التربيت على قلبها الهش دون أن يشعرها بأنها تثقل عليه حياته، كان دوما يشعرها بأنها فراشة من فرط الخفة التي تتملكها جواره. أصاب الثقل أقدامها حين أصبحت تقف أمام الزنزانة، أحست بالخجل يأكلها، فكيف لأول بادرة شك أن تقذف بقلبها القسوة نحو فؤاده الرقيق؟ تساءلت كيف نست كل ذلك الحب وهو الذي كان دوما يشعرها بأنها استثناءه الوحيد؟ فتح الحارس الباب لها حين أطالت الوقوف دون أن تنطق. رأته يرفع رأسه الذي كان يخفيه بين ذراعيه جالسا على الأرض، رق قلبها لحاله ولامت نفسها في تلك اللحظة ألف مرة على تلك الحال التي وصلا لها بسبب غبائها. حين عانقت عيناه عيناها، هب واقفا من هول صدمته، ظن لوهلة أنه جن من كثرة جلوسه بمفرده في هذه الزنزانة الموحشة، وأنها مجرد هلوسة تتجسد أمامه بوضوح. ولما دلفت إليه بخطى مترنحة، لحق بها قبل أن تسقط على الأرض، أمسك بذراعيها بهلع، أصابت هيئتها وارتجافاتها المستمرة فؤاده بسهام الخوف، لاحظ قدميها العاريتين فانقبض صدره، وراح يسأل بكلمات ترتعش على شفتيه: ـ استيقظتِ أخيرا...ما الذي حدث؟ كيف جئتِ وحدك؟ وأين مروان؟ كانت مقلتاها سابحتين في لج الفراغ حولها، فأخرجها هزه لها من تلك الهوة، طالعته مشدوهة، وأخذت بدون مقدمات تنتحب والكلمات تخترق قلبها من حدتها حين نطقتها وأصبح الأمر واقعا ينطقه لسانها: ـ قتلا أبي...قتلاه بلا رحمة...كيف؟ كيف استطاعا؟ فهم أنها علمت ما خشي على قلبها منه طوال تلك السنين، لقد جاهد بكل ما لديه من قوة أن يمنع عن روحها هذا الألم الذي لن يحتمله أي انسان، ألم أن يتجسد الخذلان أمامك في هيئة أخوتك. حاول أن يمسح على ظهرها برفق، لكن أوصاله ارتجفت إثر هلعها الذي كسى الأجواء من حولهما، كانت محاولات بائسة منه في تهدئة روعها، وكان يعلم أن لا مواساة في هذا العالم قد تقوى على تضميد جرح كهذا. انزلقت بجسدها واهنة حتى الأرض، انهارت وسقطت على ركبتيها وراح هو يتبع حركتها ويجلس أمامها مكتوف اليدين، ولما أحس أن الكلمات قد خذلته في مواساتها، جذبها برفق إلى أحضانه، فراحت مستسلمة تستند برأسها على كتفه وتنشج في صمت. أحست للمرة الأولى -منذ استيقظت من مرضها بعودتها لديارها حين تناهى لسمعها دقات قلبه الذي شعرت به ينبض ألما من أجل قلبها. رفعت رأسها عن كتفه، ازدردت لعابها بألم، وراحت تتحاشى عيناه بينما نبست شاردة: ـ أنا أسفة...أنا حقا آسفة على كل ما حدث لنا بسببي. تطلب الأمر منه هنيهة حتى يتبين ماهية ما تتحدث عنه، وحين عاد إلى الواقع، وتسلل الخدر إلى أطرافه إثر برودة الزنزانة التي أدرك أخيرا منذ دخلت هي أنه ملقى بها منذ ما يقرب من عشرة أيام يحارب وحده على جبهة الظنون والهلع. هز رأسه، أراد أن يخبرها أن وقت الإعتذار بالتأكيد ليس الآن، أرادها أن تهدأ حتى ينجو بها وبطفلهما على الأقل في الوقت الراهن. قاطع كلماته التي كانت على طرف لسانه مداهمة مروان للزنزانة بهلع صارخا: ـ سمو الأميرة...كدت تصيبيني بسكتة قلبية. وزع نظراته الهلعة بينها وبين يامن بينما يتنفس الصعداء. أرسل يامن نحوه نظرة ذات مغزى، ففهم من هيئتها وانهيارها أنها علمت بالكارثة التي أخفياها عنها منذ وقعت. نهض يامن من على الأرض، وساعد فيروزة ذات الأوصال المرتعشة على الوقوف بثبات. لامس كتفيه يدعمها، وراح يسألها مقررا: ـ أتريدين الثأر؟ هذا قرارك وحدك، ولا يمكن لأي كان أن يتدخل به...حتى أنا. كانت شاردة، تائهة في متاهة مرعبة من الأفكار، كانت تفتقد أن تكون صاحبة قرار، أن تكون ممسكة بزمام أمورها هي على الأقل، لكن حين أصبح الأمر في حيز التنفيذ، أحست انها تود الإختباء أو الموت. رفعت رأسها، وقرأت في عينيه القوة التي يقدمها نحوها، رأته يحثها ان تتحلى بالثبات حتى يصلا لبر النجاة، فهزت رأسها إيجابا دون وعي حين بثها هو الأمان الذي كان قلبها يموت عطشا لأجله. شدد قبضته على كفها الباردة، التفت نحو مروان والقى بأوامره نحوه مقررا: ـ ستأخذ الأميرة إلى مكان آمن خارج القصر...الأميرة وطفلها أمانة في رقبتك. سحبت يدها من كفه بهلع كان جليا على أساريرها، وسألته يمتزج تنفسها المتسارع مع كلماتها الهلعة: ـ طفلها؟! ـ يتبع ـ

📜 الفصل الثامن 📜

"أنين الحب ولوعته يعمي بصيرة المحبين ويتفنن بغدره بهم...ولابد أن النجوم التي شهدت قصتنا ترثيها الآن ببعض الدموع." السائد في وقت كهذا هو دجن الليل وعتمته، لكنها أحست به -بينما تهتز بها العربة التي يقودها مروان في طرقات المملكة الساكنة أكثر ظلمة من أي ليلة قد عاشتها. كانت فيروزة تحس بذلك الظلام الذي يتخلل مهجتها بالكامل وكد انسكب وفاض على كل ما أحاطها. ماذا سيحدث الآن؟ أعادت على نفسها السؤال ذاته الذي سألته ليامن حين علمت أنها حامل، أحست حينها بقلبها يهوى إلى قاع سحيق من الرعب، وأدركت حين طالعها يامن بأسى بأن النجاة من هذا الموقف لم تعد خيار، بل هو قرار حتمي وسينفذ مهما حدث. تنهدت بينما تخبئ نفسها بين البضائع التي أحاطها بها مروان حتى يتمكن من التسلل بها خارج القصر بأمان، ثم بللت شفتيها وانزلت بصرها تلامس بطنها للمرة الأولى بتوجس. تساءلت والأسى يملأها؛ كيف يمكن للحظة انتظرتها لسنوات مريرة أن تكون بكل هذا الهلع والبرود؟ ترقرقرت عبرة حارة على وجنتها المحمرة إثر الهواء البارد الذي أخذ يضرب وجهها بعنف كلما أسرع الحصان في جر العربة نحو وجهته. وبعد قليل من الوقت أو أكثره؛ لم تكن تنتبه كم مر حقيقة، توقف مروان بالعربة فجأة، فانقبض قلبها وسار الخدر بأوصالها، لامست خنجرها الذي خبأته تحت الرداء الطويل بحزام فستانها، أخذت نفسا عميقا واستعدت للمجهول تتوعده بضراوة. أرهفت السمع، فأحست بوقع أقدام يقترب من طرف العربة الخلفي حيث تختبئ، ازدردت لعابها، وأخذ نفسها يتسارع وقلبها يخفق بلا هوادة، ثم انكشف الغطاء الذي ألقاه مروان عليها وعلى البضائع، فوجدته يبتسم وبيده مصباح زيتي مردفا: ـ لقد وصلنا... ـ كدت تقتلني رعبا يا رجل، ظننت أننا كُشفنا. قالتها بينما يساعدها مروان على النزول من العربة. ـ لا يجب أن تكوني متشائمة هكذا يا سمو الأميرة، مازال أمامنا درب طويل من المعارك... علت زاوية فيهه ابتسامة حذرة بينما يقترب من بيت في بداية أحد الأزقة المظلمة ويطرق بابه بحذر. تسرب شعاع ضوء خافت من ثقب صغير بالباب ثم ما لبث ان مرت عدة ثوان تبعها فتح الباب بسرعة. أطلت نيرة من وراء الباب الخشبي وهمست على عجل بينما تتلفت حولها: ـ أدخلا بسرعة، سيمر عساكر المراقبة الليلية في غضون دقائق. أومأ لها مروان بينما يشير للأميرة بالدخول سريعا، ابتلعت فيروزة غصة اقتحمت حلقها بشراسة وراحت على مهل تخطو خطوتها الأولى داخل المنزل. ومن فرط استغراقها في أيكة أفكارها، أفزعها صوت نيرة حين بادرت بحماس بعدما احكم أوصد مروان الباب بإحكام: ـ لم أتخيل يوما أن يكون أول زائر في منزلنا الخاص هي الأميرة بذاتها. كانت آيات التيه بائنة بشدة على محياها حين طالعت نيرة، ابتسمت لها بهدوء، وراحت تمسح الغرفة التي وقفوا بها جميعا بحرص. حمحم مروان وأخذ يشرح لها بتوتر: ـ منذ توفي الملك الراحل سهيل والتوتر أصاب صفوف الجيش والحرس، الجميع كانوا قلقون من غدر الملك مزدهر بهم بعدما تمكن من زمام السلطة، وحذرني أبي قبل أن يموت، أخبرني بصراحة ألا أثق بأحد منكم فلا أحد جدير بالثقة بعد رحيل الملك... تنهد يستجمع بقية ما اراد قوله، وبينما يراقب ردات فعل فيروزة وتفاعلها مع كلامه أضاف: ـ لذا كنت أدخر من النقود ما استطيع حتى أشتري منزل خاص بي وبنيرة، حتى لا يكون القصر الملكي ملجأنا الوحيد في أي لحظة من اللحظات. ـ كان والدك محقا...كان رجلا رزينا، وحارس شخصي شجاع دافع عن الملك حتى أنفاسه الأخيرة. بادرت فيروزة بالابتسام لتطمئنه، فبادلها هو بابتسامة حزينة مكسورة. أحست نيرة بالتوتر الذي كسى الأجواء فجأة، فقالت ببعض الحماس: ـ أنظر ماذا فعلت يا مروان، أخذت تثرثر وتركنا الأميرة واقفة وارهقتها، هيا اذهب واحضر اطباق العشاء من المطبخ بينما اساعدها لتستقر بغرفتها واطمئن على صحتها. اومأ لها بهدوء وانسحب نحو المطبخ دون أن ينبس بكلمة. جذبت نيرة فيروزة بسرعة وقادتها بحماس نحو إحدى غرف المنزل، أنارت بعض الشموع وراحت بابتسامة متشبثة بثغرها تشرح لها: ـ وضعت لك بعض الملابس بهذه الخزانة، وإن أردتِ أي شيء في أي وقت فلا تتردي في طلبه مني، من دواعي سروري أن أكون في خدمتك يا سمو الأميرة. ضغطت فيروزة بامتنان على يدي نيرة وراحت تتسلل الكلمات من بين شفتيها شاكرة: ـ أن أدين بحياتي وحياة طفلي لكما، لولاكما لكنا في عداد الموتى الآن... ـ ليس عليكِ قول ذلك الآن، مروان يعتبرك صديقة طفولته، وأصدقاء مروان الأعزاء هم أعزاء على قلبي كذلك. أجلستها نيرة على السرير حين أحست أن علامات الإرهاق أضحت جلية على ملامحها، ثم اردفت دون أن تثير ريبتها: ـ ارتاحي، وحين تشعرين أنك جاهزة تعالي لنتناول العشاء معا... ●● قطع يامن الغرفة المظلمة جيئة وذهابا للمرة العاشرة في هذه النصف الساعة، أصابه هلع جم حين أخذ عقله يرسم له سيناريوهات فشل خطته التي قرر تنفيذها في لحظة تهور منه دون أن سمح بأن يلقي عليه عقله أوامره بأن بالتأنى فيما هو مقدم على فعله. أحس بالتعب يتخلل ساقيه وركبتيه، انحنى يلتقط أنفاسه ويستند بكفيه على ركبتيه، لكن لحظة التقاط الأنفاس تلك لم تدم سوى لدقيقة فقط فقد اقتحم الغرفة شخص لم يتبين هو ملامحه من شدة الظلام الذي تغرق به هذه الغرفة. لكنه عرفه من صوته حين تحدث بهدوء بعدما أغلق الباب بسرعة: ـ الأميرة بأمان... ـ مروان...لماذا تأخرت؟ ربت مروان على كاهله ومضى نحو طاولة بركن الغرفة التي تقع في منزله الصغير بداخل قصر يامن وراح يشعل شمعة حتى يتمكنا من رؤية بعضهما، ثم أردف دون أن ينظر نحوه: ـ كنت أتأكد من عدم ملاحظة جواسيس الأميرة سلمى لغيابي، كما أن الملك يرسل دوريات عسكرية كل ليلة في الشوارع ليتأكد من عدم وجود تجمعات تقام للحديث عنه وعن نظام حكمه...يبدو أنه يدرك مدى فشله ويخاف أن يفتضح أمره بصوت مسموع. ـ هل فيروزة بخير؟ سأل يامن بسرعة حين أحس بقدر الخطر الذي يحيط بهم، فأومأ مروان إيجابا وراح يخرج من الخزانة بعض الخبز ويعد مائدة ليتناولا العشاء معا. وحين جلسا مقابلين لبعضهما يلوك كل منهما لقمته في فيهه ويبتلعها بصعوبة جمة، قال مروان بعد صمت قد طال: ـ خروجك من الزنزانة ليس كافيا، علينا أن نخرجك من القصر بأسرع وقت ممكن قبل أن تلاحظ سلمى وتدمر كل زاوية بالقصر حتى تجدك. هز يامن رأسه بينما يبتلع غصته مع لقمة الخبز غصبا؛ أيهرب من قصره وقصر والده ويختبئ كما تلوذ الفئران بالفرار بعدما كان دوقا محترما وقائد جيش تهتز لأجل سيرته صفوف جيوش العدو؟ ثم أخذ يذكر نفسه أنه الآن خارج الزنزانة بفضل فيروزة التي صرخت بالحرس حين حاولوا أن يعصوا أوامرها ويمنعوه من الخروج معها...حدث نفسه يطمئنها بأن كل ما قد يأتي تاليا هو بالتأكيد أسهل ويمكن تلافي مخاطره...سيمضي هذا الفصل العاصف كما مر أشباهه، وسيمسك بزمام أموره مجددا قريبا. ـ أحتاج ورق وحبر.. نبس يامن بعدما رفع رأسه فجأة حين جال بذهنه أمور من كثرتها استعصى على قلبه تحملها لدقيقة أخرى. ●● السقف...بنقوشه الشفافة تلك...يا له من محظوظ، ومن حسن حظه أنه لا يجب عليه خوض معارك جمة مع كل شخص قرر العيش على أرض مملكة الجنوب مثلها؛ هكذا قادها التفكير بينما أنتهى بها الحال محدقة بالسقف لساعات فشلت في عدها حتى أكتسى كل شبر بالغرفة بضوء الصباح الجم. كان السهاد ضيف فيروزة لهذه الليلة، وظنت في قرارتها أنها لن يغمض لها جفن حتى تكون قريرة العين في فراشها ويحيط بجناباتها الآمان الذي عاشت طوال حياتها تفتش عنه. اقتحم أيكة تفكيرها الصاخبة صوت طرقات خجولة على باب الغرفة، لذا اعتدلت جالسة على الفراش، وحاولت بعد ساعات من الصمت الطويل أن ترفع صوتها: ـ تفضل... ـ هل أقلقت منامك؟ نبست بها نيرة حين دخلت فور أن وصل إلى مسامعها صوت فيروزة الناعس. هزت فيروزة رأسها نافية وراحت تنظم أنفاسها بهدوء لتطرد عن صدرها الهلع الذي أخذ يحتل كيانها من كثرة التفكير طول الليل. حثت نيرة الخطى نحوها وراحت تجلس بهدوء على طرف الفراش وتسألها بهدوء: ـ كيف تشعرين الآن؟ هل زارك شعور الأعياء مجددا؟ ـ أنا بخير على ما أظن، لقد جافاني النعاس طوال الليل فقط. ـ لابد أن الأميرة سلمى أتقنت أختيار تلك المشعوذة ـ ماذا تقصدين؟ حل صمت لبعض اللحظات قبل أن ترتب نيرة اجابتها وتنطق بها بكل هدوء: ـ ما أقصده هو؛ أظنها استعانت بمشعوذة ما لتصنع لها دواء ما يجعلك نائمة طوال الوقت...وأظن أيضا أنني طوال عملي كطبيبة لم يمر علي عمل متقن لمشعوذة كتلك المشعوذة التي استعانت بها سلمى. سكتت نيرة لهنيهة حين أدركت أمر ما ثم استدركت بسرعة: ـ أنتِ لا تظنين أن العداء بيني وبين الأميرة سلمى في الماضي هو ما يدفعني لقول ذلك أليس كذلك؟ ـ لا بأس، لقد خططت لأذية كل فرد من العائلة، سيكون دربا من الجنون ألا أصدقك. ابتسمت فيروزة بأسى بينما انزلت بصرها تراقب الأرض. أحست نيرة بذلك الشجن الذي تخلل نبرة الأميرة الحزينة، فراحت تلامس أناملها داعمة، وأخذت تحكي لها: ـ كانت سلمى تنافس حتى نفسها حين كنا زملاء في المدرسة الملكية العليا، وكانت تواصل الأعتقاد بأنني شوكة مزعجة في حلقها رغم أني لم أكن سوى ابنة خادم بالقصر حصلت على منحة للدراسة وتحاول التشبث بها بكل طاقتها. سكتت قليلا تستجمع ما لديها من شجاعة ثم واصلت: ـ أظنها كانت تجهل حقيقة كونها محظوظة بشدة... ـ كان الحقد هو طريقتها الوحيدة للتعبير عن نفسها منذ كنا أطفالا. قاطعتها فيروزة حين أدركت تلك الحقيقة الخانقة. ثم أنار بريق فكرة ما بعقل فيروزة جعلها تنتفض محلها وتسأل دون تفكير: ـ هل يمكن لتلك المشعوذة إعطائي دواء ما يجعلني أرى شيء لم يحدث بأحلامي؟ ـ ماذا تقصدين بشيء لم يحدث؟ ـ كنت أشك أن الدوق يخونني... سكتت للحظة تستوعب قدر الألم الذي غزا مهجتها حين تذكرت ما حل بهم بسبب شكها الغبي، ثم استدركت: ـ ثم ظهرت تلك المرأة الغريبة وأعطتني ذلك الكأس، وأخبرتني أنه سيكشف لي حقيقة ذلك الأمر... كسى الخجل وجهها حين أحست بفداحة فعلها الأهوج، وتهورها، ثم أردفت: ـ في لحظة تهور مني شربته...وبعدها بلحظات كنت غارقة في النوم وأرى كابوس عن كل تفاصيل تلك الخيانة. طالعتها نيرة وأمارات التعجب التي حاوت بشدة عدم إظهارها تكسو ملامحها، هزت رأسها تحاول أن تضبط نبرتها ثم أردفت: ـ أظن أن أدوية الهلاوس من شأنها أن تفعل هذا الأمر...مرضى الهلاوس البصرية مثلا يمكنهم رؤية بعض الأشياء وكأنها حقيقة ومن المستحيل أن تجعليهم يصدقون عكس ما رأوا. صمتت لهنيهة، ثم واصلت بنبرة واثقة: ـ مؤكد أن ما كان يحتويه ذلك الكأس هو شيء ما يسبب الهلوسة، ولإهتمامك الشديد بأمر الخيانة تلك، صور لك عقلك الباطن ما أردتِ رؤيته. هوى قلب الأميرة الحزينة في قاع سحيق من الندم والأسى، وراحت بكل ذرة من كيانها تندب حظها وغبائها. بعد هنيهة من السكون والصمت المقفر، هبت فيروزة واقفة، وطلبت من نيرة والرجاء يتقطر من صوتها: ـ هل يمكنكِ أن تحضري لي ورق وحبر؟ ●● سمع مروان طرقات على باب منزله بقصر الدوق، وحين أقلقت تلك الطرقات منام الدوق، أحس بصداها يخترق خافقه، انتفض من فراشه، وراح يختبيء خلف الباب بينما يزدرد مروان لعابه، ويتأكد من وجود خنجره المعلق بخصره قبل أن يستجمع ما لديه من جسارة ليفتح الباب. هوى قلبه في لج الهلع حين رآها تقف إزاءه في هذه الساعة المتأخرة من الليل، وتحمل بيمناها مصباح زيتي وآمارات الإرهاق والرعب تكسو أساريرها. سألها بعدما سحبها من كفها نحو الداخل في لحظة خاطفة وأغلق الباب بسرعة: ـ نيرة...ما الذي أخرجك من المنزل في هذه الساعة من الليل؟ ابتلعت غصتها التي حاربتها طوال طريقها إلى القصر ونبست بأنفاس منقطعة: ـ اختفت الأميرة... ●● ـ يتبع ـ

📜 الفصل التاسع 📜

" ماذا لو أن الحياة دثرت أرواحنا المرتعشة من فرط الشجن بلمحة من السلام القصي جدا؟" شدت على لجام الجواد بأوصال ترتعش حتى تبطئ من سرعته على بعد أمتار من بوابة قصر الدوق العملاقة، ورغم شعور الهلع الذي يغدق كيانها بالكامل كانت مقلتاها اللتان لم يظهر سواهما من تحت قلنسوة ردائها الأسود تبوحان بصخب عن رغبتها وإصرارها الذين لم يعد بحوزتها سواهما. لفحت نسمة باردة وجهها وقذفت القشعريرة بجل جسدها، فزفرت بترو وراحت تواصل التقدم بفرسها من جديد نحو بوابة القصر الذي كان بالأمس ملجأها وحصنها الأول وتسرب من بين أناملها عنوة ككل شيء امتلكته، ولمحت على مرمى بصرها الحراس يتأهبون حين انتبهوا لها تتقدم بحذر نحوهم فأخذ خافقها ينتفض بصدرها بلا رادع. استرجعت خطتها التي استنتجت بعد سهاد طوال الليل بأنه لا بديل لها حتى تنتهي هذه القصة المآساوية بخاتمة تليق بها؛ تأكدت من مروان صباحا أن مزدهر مازال يمكث بقصرها بحجة البحث عنها، وسألت نيرة في خضم حديث عابر إن كان الحصان الذي جر العربة التي اختبأت بها ليلة هروبها مايزال بالحظيرة الملحقة بمنزلهما، وحين ردت عليها بالإيجاب؛ أحست أن كل الظروف مهيأة لتنفيذ ما تريد. فكت الحصان وسحبته من الحظيرة حين خلدت نيرة إلى النوم وغادر مروان ليطمئن على الدوق بمخبئه داخل القصر. " قف مكانك؟ ماذا تفعل هنا في هذه الساعة؟..عد أدراجك إن كنت تقدر حياتك" بدد صوت الحارس غيمة أفكارها المثقلة بالهموم حين صاح موجها رمحه نحوها، ولم يكن قد تبين من شدة الغسق في تلك الساعة من الليل الحالك أنها امرأة متدثرة برداء فحمي يخفي أي علامة قد تفضحها في طريقها إلى هنا. هبطت من فوق حصانها وبينما تشده من لجامه سائرة نحو الحارس الذي كان يحدثها، أنزلت قلنسوة ردائها بهدوء، فانتفض الرجل حين تعرف عليها وراح يصرخ بلهفة جلية: " إنها الأميرة، لقد عادت الأميرة فيروزة..." كممت فيروزة فاهه حين أدركت أن خططتها تسير بثبات نحو هاوية الفشل بسبب هذا الحارس المتحمس، تلفتت حولها بهلع وراحت تحدثه ورفاقه الذين اقتربوا منها إثر صوت صاحبهم: " لماذا تصرخ في هذه الساعة يا هذا؟" ازدردت لعابها حين أحست بحلقها وقد أضحى من شدة توترها قاحلا جافا، أطبقت جفنيها للهنيهة تنظم أنفاسها، ثم عادت تطالعه بهدوء مردفة: " لا أود لأحد أن يعلم بعودتي حتى أقابل الملك أولا، هل تفهمون؟" هز الحارس رأسه وما تزال فيروزة تكمم فمه في غفلة منها، فلما أدركت، تركته ومرت حذوه، فأفسح لها المجال يحني رأسه احتراما لها بينما تسير بخطى وئيدة وحذرة نحو الداخل، فالدرب أمامها مفروش بأشواك لا حصر لها. كانت أنفاسها تزاحم القلق بصدرها وتخنقها، فقررت بقرارتها أن الآن لا رجعة، حتى لو انطبقت السماء على الأرض. أرجعت قلنسوة الرداء على رأسها مجددا دون أن تخفي وجهها تماما كالسابق، قبضت كفيها تعتصر كل المشاعر التي تجتاحها وتسحقها، وواصلت السير داخل القصر نحو وجهتها الواضحة..فاليوم هو موعد الخلاص. ●● عزيزي يامن، يحكى أن في عصر فات، وقع الملك في حب فتاة فقيرة، وحين قرر الزواج بها، أقام كل من حوله السدود في دربه وحاولوا باستماتة أن ينحروا قلبه وقصة عشقه الغضة فداءاً لمصالحهم الجشعة. أظنك تدرك ما فعل هذا العاشق يا عزيزي، ترك لهم الحكم والسلطة وانعزل بحبيبته بعيدا عن كل ذلك الضجيج الذي لا يجلب لروحه سوى الشقاء. ولكن أولئك المغموسة قلوبهم بماء الحقد والجشع كانوا يحسدونه حتى على الهدوء الذي ينعم به بعيدا عن جمعهم الخانق، وحينها أجمعوا بأن حبيبته التي اضطرته لهجر عالمه بالكامل لأجلها هي سبب أكيد في هدوء حياته. وفي غمضة عين انتزعوا منه زوجته كما جردوه من مملكته وكل انتمائته سابقا. وحينها أدرك لأول مرة أن ميدان هذه الحرب مازال ميدانه، وفهم أن دناءة أعدائه لن تضمحل حتى وإن سحب هو قواته. عاد الملك لقصره مجددا، ولكن كعاشق يغلي قلبه بمراجل الغضب، وينوي الثأر من كل ذرة تراب ساهمت في نزع حبيبته من كنفه. زوجي العزيز يامن، هذه الحرب حربي منذ البداية، وتلك العاصفة التي أودت بسعادتنا وبيتنا الدافئ كنت أنا بدايتها، والندم الذي ينهش بخافقي الآن لن تهدأ ناره التي تتلظى بداخلي إلا إن توليت أنا زمام هذه المعركة بنفسي، دعني أقف أنا من أجلنا هذه المرة، لأقتنص حقي الذي استسهلت تركه لهما منذ البداية. ومن أجل روح أبي التي أزهقت في سبيل الجشع لن أترك ركن في هذه المملكة إلا وكان جحيما يحاوطهما من كل اتجاه وينهش من سلامهما بقدر ما اقترفا من أذى. أحبك دائما وحتى الموت. زوجتك التي لا تود الإستسلام، فيروزة. اعتصر يامن الرسالة بقبضته وهوى بها على الطاولة أمامه، وبقدر ما اعتمر خافقه من غضب، كان الهلع يتأرجح بكل إنش من كيانه ويهلكه. أخفى وجهه بكفيه وأخذت وتيرة تنفسه تتعالى مع كل لحظة تمر دون أن يعلم مصير حبيبته. نزع مروان الرسالة التي اندثرت معالمها إثر قبضة الدوق الثائرة، مر بعينيه على السطور في عجل، ثم رفع عينيه نحو زوجته وأمارات الدهشة تكسو أساريره. سألها بتيه: ـ هل تحدثتما في شيء قبل أن ترحل؟ ـ لا شيء مميز، سألتني فقط إن كان الحصان مايزال بالحظيرة الملحقة بالمنزل، ثم عادت لغرفتها ولم تخرج طوال الليل. ـ ما الذي تنوي فعله بالضبط؟ رفع يامن في هذه اللحظة رأسه فجأة ودون أن يحيد نظره عن الفراغ أمامه، نبس بهدوء مريب: " الأميرة تنوي قتل الملك الليلة.." شعر مروان بأن الأرض من تحته تميد به، أقترب بخطى متعثرة من الدوق وحاول أن ينطق رغم جفاف حلقه: " لقد سألتني صباحا إن كان الملك مايزال يمكث بقصركما…الملك يبيت الليلة هنا" نهض الدوق من فوره حين التقطت مسامعه ما قال، تناول سيفه وخنجره من أحد أركان الغرفة وأحكم تثبيتهما بحزامه، ثم التفت نحو مروان يلقي تعليماته: " تعال معي، ولتبقى نيرة هنا حتى نعود..دعنا نلحق بتلك المجنونة قبل أن تقدم على القضاء على نفسها" ●● توارت في نهاية الممر الذي تقع فيه غرفة الملك، بقت تراقب بعيون ملؤها الغضب، وبداخل رأسها الصاخب صوت وحيد يتردد في كل لحظة يلح عليها بالتقدم وإنهاء ذلك الصداع الذي يحتل كل إنش من دماغها منذ تعرت أمامها الحقيقة دون أن تسعى إليها. البرود كان جلي على أساريرها حين أخذت تخطو بثبات نحو باب الغرفة، ولكن كفيها المنقبضين على ثوبها كشفا عما يعتمل داخلها من عواصف التشتت والتيه. وقفت أمام الباب دون أن تنطق للحظة، وأخذ الحارس على الباب ينظر نحوها بشدوه، وحين دقق النظر في ملامحها وأكتشف من تكون، تعالت دقات قلبها حتى أنها أحست بها تبعث بالألم حتى أذنيها، ثم نطقت تلحق بالحارس قبل أن يفضح أمرها: " افتح الباب، يجب أن أقابل الملك فورا… لا أود لأحد أن يعلم بعودتي حتى أقابله، أفهمت؟" أومأ لها الحارس بتفاجئ جلي، وراح ينحني لها بينما يفتح الباب بهدوء، وبتلك اللحظة فقط رأت خطواتها المعدودة نحو الهاوية تتقلص شيئا فشيئا، فعادت تشدد قبضتيها على ثوبها بينما تدلف إلى الداخل. تناهى لسمعها صوت إغلاق الباب، فتحسست الخنجر المثبت بحزام ثوبها بأوصال ترتعش، ثم وجهت بصرها نحو شقيقها الذي يغط في نوم عميق على فراش من حرير، أنزلت غطاء الرداء عن رأسها وبخطى خلى منها التوتر أقتربت تتهكم متمتمة: " يا لك من حقير…" فمظهره المستريح بينما ينام قرير العين هكذا جعل الغضب يتلظى بخافقها، وغرز بصدرها قتاد الشجن على ما آلت إليه حياتها البسيطة من وراء جشعه. أخذت تقترب أكثر وتدقق النظر في أساريره التي تنضح بالسلام الذي اقتنصه وسلمى من خلف تدمير روحها الغضة. في تلك اللحظة فقط انتزعت خنجرها من غمضه وقربته بثبات من عنقه، وحين أحس هو ببرودة النصل تتسرب إلى جلده هب مفزوعا من موضعه. جال ببصره يراقب برود أخته الجلي بينما يعانق نصل خنجرها نحره، وكان ظلها يتراقص على الحائط من خلفها إثر ضوء الشموع الخافت، ورغم تلك الإضاءة الهادئة كان لون ثوبها القاني بارزا مشعا يقذف بقلب مزدهر الهلع. صاح بها حين استجمع شتات نفسه بعد لحظات: ـ عدتِ إذن؟ ماذا تفعلين في هذه الساعة؟ ـ أودعك… ـ يبدو أنك فقدت عقلك تماما… ازيحي هذا النصل الآن تشبثت ابتسامة متهكمة بثغرها حين ألقى إليها بهذا الأمر الذي استفزها زيادة، فراحت تضغط زيادة على عنقه بسلاحها الحاد، وأردفت متجاهلة ما قال: ـ هذه المملكة لن تنجو إلا إن تخلصت منك…ولا أحد يقدر على ذلك سواي يا مزدهر. ـ تقترفين أكبر خطأ بحياتك يا فيروزة. ـ على الأقل لم يكن ذلك الخطأ هو التسبب بمقتل أبي الذي لم يقترف شيء بحياته سوى أنه كان ملك مخلص لمملكته. ـ وهل ستحكمين أنتِ مثلا؟ كلكم حمقى ستسببون في انهيار مملكة الجنوب. زفرت بضجر ثم استطردت مقررة: " هراءك أصابني بالصداع، انتهى وقتك، ولا تقلق دور سلمى يأتي من بعدك، فكلاكما مجرم يستحق الموت…وداعا يا أخي.." أطبقت جفنيها تستعد لجز عنقه، ازدردت لعابها ولامست بطنها تستجدي بذلك بعض الإطمئنان من جنينها، وحين شرعت تنفذ ما جاءت لأجله سحبتها قبضة قوية من رسغها فسقط الخنجر من بين أناملها. " هل فقدتِ عقلك يا فيروزة؟" في تلك اللحظة فقط أحست بالأرض تنهار من تحت قدميها، وحين فرقت أجفانها وأبصرت عيني يامن تلقي نحوها أطنان من العتاب واللوم، استقر بها المقام بين ذراعيه فاقدة لوعيها أخيرا. هوى فؤاد يامن في لج الهلع حين خارت قوى فيروز بين أحضانه فجأة، وهو الذي كان ينوي أن ينهرها على تهورها وأن يصرخ بكل ما تملك روحه من خوف وضيق في وجهها، ولكن الآن…الآن لا يدري كيف يخرج بها آمنة من جحر الأفاعي هذا. تلفت حوله بينما يسند رأسها إلى صدره، فألتقط بصره مزدهر يتسلل من فراشه نحو باب الغرفة، وفي غضون لحظة فقط استعاد يامن رباطة جأشه، جعل فيروز مستلقية على الأرض بهدوء، انتزع خنجره بحركة خاطفة من حزامه وبأنفاس حارقة وقبضة لا ترحم، سحب مزدهر من تلابيبه وألصقه بالجدار والخنجر تفصله إنشات قليلة عن قطع عنقه. كان يامن من فرط انفعاله، وكأس توتره الذي فاض وأغرق روحه يداعب نار الحقد بداخله، كل ذلك جعله يلهث بينما يلقي بكل كلمة في وجه الملك بحذر: ـ سنخرج الآن يا سمو الملك…وستصمت تماما حتى نختفي ـ أصبحت تهددني ولا تخشى بطشي يا حضرة الدوق! ـ أنا لا أهدد، بل كلمتي وعد، وأنا أعدك بأن القادم سيكون سلسلة من جحيم متواصل، وستتمنى حينها لو أن أحدنا قد قتلك الآن وعتق روحك من ذلك العذاب… ولم يمهله دقيقة أخرى للرد، فقد ضربه ضربة مدروسة خلف أذنه اليمنى بقبضته جعلته يعانق الأرض من فوره. عاد متعجلا لزوجته التي افترشت الأرض الباردة، أبعد غرتها عن عينيها المغمضتين، وتنهد تنهيدة حارة تحمل بين طياتها وهن الأيام الماضية كلها بكل خيباتها وألمها. حملها بحرص بين ذراعيه، وحين اقترب من الباب فتحه مروان وأزاح لثامه عن وجهه وقال مصدوما: ـ ماذا حدث لها؟ ـ فقدت وعيها بلا سبب…دعنا نخرج من هنا سريعا. ـ هيا بنا، لقد تكفلت بأمر الحراس، الطريق نحو الخارج آمن تماما. ●● كان الطريق محفوف بخفقات التوتر رغم كل تخطيط مروان وحذره في أن يتكفل بأمر الحرس الذين قد يعترضون دربهم حتى خارج القصر…كانت أعين الدوق ورفيقه معلقة بمؤخرتي رأسيهما في كل خطوة تقربهم من المخرج. ورغم كل ذلك القلق الذي أخذ ينهش بكل إنش من صدر يامن بينما يقرب فيروزة النائمة نحو خافقه أكثر وأكثر، كان ظهره مستقيما ورأسه شامخا يسير بخطى وئيدة فوق أرض قصره كأنه لم ينتزع من قبضته قط، وكأنه في لحظته هذه لا يبتغي الهرب بزوجته المنهكة هذه بعيدا عن جحر الأفاعي هذا…كان يرفض رفضا قاطعا أن يدعهم يفوزون عليه بأي شيء حتى وإن كان ذلك الفوز بعقله الباطن فقط…مازالت الحرب قائمة ومايزال لديه كل ما يمكنه من الزفر بغنائم هذه المعركة الظالمة كلها. لا يذكر كيف تمكنوا من جمع كل شيء من منزل مروان بالقصر والخروج في غضون دقائق، ولا تسعفه ذاكرته في استيعاب كيف كان الخروج من بوابة قصره سلسا هكذا… كل ما ركز عليه في ذلك الحين كان وجهها الذي اشتاق تفاصيله، وحسرته على وهج اساريرها الذي خفت بفعل قسوة أيامها الراهنة…ولم يعد له إدراكه سوى أمام منزل نيرة ومروان الذي اختبأت فيه فيروزة لأيام مضت.. طمأنته نيرة حين أراح جسد زوجته على الفراش بحذر: ـ إنها منهكة…لابد أن كل هذا كان أكبر من إستيعابها ـ كل هذا الغدر أكبر بكثير من أن يحتويه قلب كقلبها الغض…لقد قضيت سنوات زواجنا الأربع أحاول حماية فؤادها من هذه الجروح الغائرة.. ـ لا تقلق يا حضرة الدوق، الأميرة فيروزة ليست ضعيفة كما تراها…أظنها مصدومة فقط والصدمة تعطل العقل عن التفكير السليم..دعها تنام وتستريح حتى الصباح، وحينها سيتمكن كلاكما من إتخاذ القرارات الصحيحة… وأخذت تعدل من الغطاء الثقيل على جسد الأميرة النائمة بهدوء، ثم أستدارت تغادر الغرفة لتترك للدوق مساحة خاصة يستريح فيها لبعض الوقت بعيدا عن ذاك الضجيج الذي سجنه خلف قضبانه في أيامه الماضية، ولكنه أستوقفها بنبرة منهكة: ـ شكرا لكِ على كل شيء… ـ عليك أن تنال قسطا من الراحة أنت أيضا.. أومأت له تتعلق بثغرها ابتسامة رزينة وأقفلت تغادر الغرفة وتوصد بابها خلفها. وحين تسلل لإدراكه أنه بمفرده الآن، خانته غصة متوحشة وتكالبت على عينيه العبرات، وجد نفسه يحيط ركبتيه ويضم نفسه المشتتة بينما جلس على الأرضية الباردة والظلام ينبعث من قلبه الوحيد إلى كل الموجودات الساكنة حوله بسادية. وعندما كادت الشهقات تخنقه وصرخة مكتومة تصارعت على إخراس صوته، ترنح حتى الفراش واستلقى جوار زوجته والدموع تعيق عنه رؤية أي شيء آخر سوى كنفها الدافئ الذي لا يود شيء في لحظته هذه سوى التحصن به حتى ينتهي هذا الكابوس المرير… فقربها نحوه وأخذ بأنامل ترتجف يمسح على خصلاتها الداكنة ولا يحيط بهما غير صوت شهقاته الخائنة، ولا يتبادر لذهنه سوى ذكرى ذاك اليوم الذي أدت تبعاته للحظته المظلمة هذه… ●● قبل خمس سنوات.. بوابات القصر الملكي العالي أوصدت بأمر من مستشار الملك سهيل، الدوق يامن، ومنع كل من بداخل القصر من الخروج منه حتى إشعار آخر..تأهب الجميع وسادت غيمة من القلق أجواء القصر كله بكل طرقاته. زرع الدوق الممر أمام جناح الملك جيئة وذهابا وكل السيناريوهات التي بددت هدوء عقله لم تتضمن من بينها ما سيلقيه على مسامعه طبيب الملك بعد لحظات… ومن داخل الجناح تناهى لمسامعه صرخة مكلومة وجلبة مختنقة، وتبع كل ذلك القلق خروج الطبيب أمام الدوق منكس الرأس والصدمة رفعت راياتها على كل إنش من قسماته. تلعثم الطبيب بينما يكبح عبرات خائنة تجاهد مقلتيه: " تعازي الحارة لحضرتكم…" ازدرد يامن لعابه، وحينها أحس أن كل أنهار المملكة لن تفلح في أن يرتوي ظمأ حلقه القاحل. تقدم خطوتين من الطبيب الذي مازال يحني رأسه من هول صدمته، وفي حركة خاطفة ألصق جسده الهزيل بالجدار وهمس بنبرة كالفحيح يسأله لاهثا: ـ سمموه؟ أومأ الطبيب مرتجفا وأنفاسه تكاد تتلاشى إثر قبضة الدوق التي تعصر عنقه في الجدار، فباغته بدفعة أخرى متساءلا: ـ هل علم من بالداخل بذلك؟ ـ لا يا سيدي… ـ ولن يعلم أحد تحت سماء هذه المملكة عن هذه الحقيقة سوى بأمري، أتفهم؟ هز الطبيب رأسه عدة مرات، فأفلته الدوق وراح ينظف حلقه قابضا كفيه ويحبس قدر ما استطاع من الهواء برئتيه قبل أن يدلف إلى جناح الملك. اكتشف يامن حين دخل لغرفة الملك بأنه لم يدرك بعد هول الكارثة التي حلت على المملكة، أحس لوهلة بأنه لوح من جليد لا يشعر ولا يغزوه الشجن…لمح الأميرة فيروزة راكعة جوار الفراش ملامحها متجمدة ولا يتحرك من جسدها سوى أناملها المرتعشة التي تمسد على كف والدها الباردة الخالية من الحياة، ورغم أن الصدمة التي لم ألجمته، لم تككبح فؤاده عن رغباته الجامحة في عناقها ومواساة قلبها الذي كان يغرق في براثن الشقاء. وبركن قريب آخر رأى الأميرة سلمى تنشج ويتهدج صوتها نحيبا بينما يعانقها زوجها ويواسي قلبها الذي قد يظنه الجميع مفطور…التفت يامن في هذه اللحظة حين لم ير مزدهر بالصورة، وحين رآه على مرمى بصره جوار شرفة بركن قصي من جناح الملك ويضم كفيه خلف ظهره بأسارير خالية من التعباير، يراقب انهيار أختيه دون أن يحرك ساكنا..هنا أحس يامن بأن صورة العائلة المكلومة غير مكتملة، خصوصا حين تفرس بملامح الأمير مزدهر الذي أخذ بين فينة والأخرى يتأفأف بلا سبب. وحين قرر الدوق الاقتراب من ولي العهد وملكهم الجديد لتعزيته، أو في قول آخر كان يقترب ليتحقق من شكوكه التي كانت تقض مضجعه منذ شهور، انهارت خططه في ذات اللحظة حين تناهى لسمعه صوت الأميرة سلمى وصراخها الذي تعالى في وجه زوجها: " هل قتلت أبي؟ هل سممته؟" التفت يامن نحو موقع الشجار وأول ما وقع بصره عليه كانت زجاجة صغيرة تلوح بها الأميرة في وجه زوجها الذي تجمد من هول صدمته وفرت الدماء من وجهه ولم يصدر منه سوى صمت مرير…فواصلت زوجته والدمع لا ينفك يترقرق على صدغيها: " ما هذه الزجاجة؟ وكيف وصلت لجيب سترتك يا عزيزي؟…ألهذا قررت مساعدتي في تحضير العشاء الليلة؟" كان يبدو على الرجل بأن وقع الصدمة والفضيحة قد ألجمه، واتهامات الأميرة الصريحة قد دبت بجسده المشلول صاعقة قاتلة، وزد على ذلك أنها تعلقت بتلابيبه ورفعت كفها تود صفعه لولا أن مزدهر قد وقف رادعا لها يمنعها عن مواصلة هذه الجلبة. رفع مزدهر في هذه اللحظة رأسه وأشار للدوق بالتصرف، ففهم يامن ما عليه فعله وأمر حراسه باعتقال الأمير سليم زوج الأميرة سلمى وأمير مملكة (غلوراف) حليفة مملكة الجنوب وجارتها على حدود الغرب…وكان ذلك القرار الأول للملك مزدهر كملك جديد لمملكة الجنوب… ●● جعلت الذكرى جسده يرتجف إثر القشعريرة المريرة، ولحظتها أحس بفيروزة التي أسند رأسها على صدره بينما ما تزال مغمضة العينين تمسح على صدره وصوت أنفاسها المتهدج يعزف على نفس إيقاع شهقات قلبه الذي طفح به الكيل وفاض. فضمها أكثر، وأغمض عينيه يتوسل الراحة، فلم ترأف بحاله الذكريات وواصلت جلده… تذكر برودة الزنزانة التي باغتته ولفحت جسده بالضيق حين خطى خطوة أولى وراقب الأمير المتهم منكس الرأس يجلس على طرف الفراش المهترئ بالركن… وعاودت الأشواك التي اقتحمت حلقه حينها تبثه ذات الألم بينما يحاول أن يبدأ التحقيق مع الخائن الذي قتل ملكهم، سأله ببساطة بعدما أخرج سيفه من غمضه وأستند عليه بكفيه: ـ هل كنت أنت الفاعل؟ طالعه سليم بشدوه، وتعلقت بثغره ابتسامة مريرة، فأعاد يامن صياغة السؤال بنبرة ضجرة: ـ هل سممت طعام الملك سهيل يا سمو الأمير؟ ـ إلى متى ستواصل مجاراة هذه المسرحية يا حضرة الدوق؟ ـ ماذا تعني؟ ـ أنت تسألني بنبرة العالم بحقائق هذه الواقعة… ـ ربما الحقائق التي أصدقها ليست نفسها الحقائق التي تعرفها أنت، أخبرني بما تعرف إذن لنرى… ـ لست بأحمق، حتى وإن كنتُ أنا الفاعل، أتظن أنني كنت سأتجول بالقصر ومعي سلاح الجريمة بهذه السذاجة؟ هنا أومأ الدوق متفكرا يرتب قطع اللعبة غير المتناسقة ثم أشار للأمير سليم بالمواصلة: ـ كيف وصل السم إلى جيب سترتك إذن؟ ـ أليس الأولى أن تسأل لماذا قررت فجأة الأميرة دخول المطبخ للمرة الأولى في حياتها اليوم؟ ـ أتتهم الأميرة سلمى بتلفيق الجريمة لك؟ ابتسم سليم بغير تصديق ونطق الكلمات بهدوء واحدة واحدة وعينيه مثبتتة بإصرار نحو الدوق: ـ بل أتهمها بقتل الملك.. ●● ـ مجموعة من الأغبياء… هدرت بها سلمى في ذات اللحظة التي هوت بها عصاها المعدنية على ساقي الحارس وأردته راكعا أمامها يأن مرتجفا. ـ أظن يا سيدتي…أن حراس القصر ليس..ليس لديهم خلفية عن أوامر سموك بمنع الأميرة فيروزة والدوق من التحرك داخل..داخل القصر وخارجه. ـ اسمعني جيدا أيها الأحمق… إذا لم تعثر عليهما أنت وجنودك قبل طلوع شمس الغد، فلا تجعلني أرى وجهك ثانية… أمسكت تلابيبه بينما واصل الحارس تأوهاته المختنقة، فأستطردت بنبرة متشفية: ـ لأن لا شيء غير تشويه وجهك سينفس عن غضبي الذي تسببت به…أفهمت؟ ـ أمرك يا سمو الأميرة…أمرك. دفعته سلمى بطرف العصا، فارتمى الرجل أرضا، ولكن صوتها جعله يهب واقفا في ذات اللحظة حين أردفت: ـ والآن أغرب عن وجهي… هرول الحارس خارجا من القاعة، وفي ذات اللحظة التي أوصد بها الباب انفجرت سلمى وفقدت سيطرتها على ما تبقى من رباطة جأشها، أخذت تصرخ بجل ما لديها من طاقة وألحقت عصاها المعدنية بكل ما كان في مرمى بصرها الدمار، كانت تأن حين أدركت عجز أحبالها الصوتية عن مواصلة النشيج، فراحت تزيد في وتيرة تدميرها حتى تطايرات شذرات الزجاج وجرحتها أسفل عينها اليسرى. كانت تلهث كمن نفذ الهواء من الغرفة حوله، وأخذ خافقها يتسابق وقلقها في مارثون من الأفكار السوداوية اليائسة…ماذا سيحدث الآن إذا فشلت في العثور على أختها وإنهاء أمرها قبل أن تطالها أيادي الثأر الغادرة؟ أقتربت من جدار عن يمينها، انحنت تستند بكفها عليه وتنظم أنفاسها عل أفكارها المسمومة لا تصيب عقلها الذي حضرها ويرديها قتيلة…ولكن الباب انفتح فجأة وحلت عاصفة باردة أصابت صدرها ببرودة مؤلمة اقتحمت المكان. رفعت رأسها تتبين صاحب هذه الجرأة الفجة الذي اقتحم عليها خلوتها المخجلة، لكنه باغتها وألصق جسدها بذات الجدار الذي استندت عليه وأخذت قبضتيه تثبتان كتفيها وتمنعاها عن الحراك بينما لفحت أنفاسه الحارة وجهها هاتفا: ـ كل هذه المصائب التي حلت على رأسي بسبب أفكارك الفاشلة… أشاحت بوجهها بعيدا عن نظراته، ازدردت ريقها وردت بنبرة واثقة لا تتناسب مع انهيارها المخزي قبل لحظات: ـ جلالة الملك، ما بال حصونك تزعزعها زفرات بعض الحثالة؟ أنت تعلم بأن أختك الصغرى لا تجرؤ على قتل حشرة، أتظنها قادرة على قتل أحدنا؟ ـ إذا لم ينتهي هذا الأمر الليلة يا سلمى، فاعتبري نفسك كبش فداء لتلك المهازل واستعدي للموت…وأنا لا أهدد عبثا يا شقيقتي العزيزة.. ثم نفض يديه عنها وهدر مغتاظا: أفهمتِ؟ وحين استدار مزدهر وأقفل يخطو نحو باب القاعة، قاطع طريقه طرقات سريعة على الباب، تبعها صوت يطلب من سلمى رؤيتها، فسمحت له، وأخذت تعدل هندامها الذي تشعث إثر جدالها مع شقيقها، ورفعت خصلت من شعرها البني تمردت ونزلت على عينها. دلف الطارق مهرولا، أنحنى للملك حين تفاجأ به لحظة فتحه للباب، ثم راح يفرغ ما بجعبته مسترسلا دون رادع: ـ تمكن جواسيسنا من تحديد موقع الأميرة والدوق سموك… وهنا رفرت رايات الظفر على أساريرها تتطالع وجه الملك الممتقع بتشفٍ… -يتبع-

📜 الفصل الأخير 📜

"يا دهرُ عندكَ لي ثأرٌ سأُدرِكُهُ حتى ونابُكَ في ضِلعيَّ ينتهِشُ". تميم البرغوثي. بعد مرور يومين.. " جلالة الملك، الدوق يامن يقود فرقة كاملة من المنشقين عن الجيش نحو القصر الملكي العالي الآن.." كانت تلك العبارة التي ألقاها مستشار الملك المزدهر على مسامعه مقتحما قاعة العرش إذانا بتعميم النفير العام في كل أنحاء المملكة. لم يقدر مزدهر على أن يواري شتات نفسه وشدوهه إثر ما سمع. فرغم الهلع الذي لازمه منذ الليلة التي تسللت فيها فيروزة إلى جناحه بقصرها ومحاولتها قتله، لم تصل مخيلته بالاستنتاجات إلى هذا الحد…لقد استهان بيامن دائما، والآن يدرك عاقبة ذلك…لقد كان الدوق جريئا حازما، ودقيقا طوال الوقت، أما هو فكان متحفظا مختالا، لا يهمه شيء سوى فرض سيطرته على كل من يفوقونه فطنة…عاش مزدهر حياته كلها يحاول إثبات جدارته دون أن يبذل أي جهد…ظل يؤمن حتى لحظته هذه بأن دمه الملكي الرفيع، وقدره الذي جعله يولد أميرا ووريثا للعرش يعطي له الحق بالدوس على رأس أي مجتهد يحاول إثبات جدارته على حسابه. الآن غروره لن يسعفه في إنقاذ عرشه، وسرعة بديهته التي أدرك أهميتها اليوم لن يعينه الوقت على استدراك مصيبته بها، لأن سلمى بزوبعتها وجنونها اقتحمت عليه قاعة العرش وقطعت حبل أفكاره المتشابك صارخة: ـ أرأيت؟ يامن وجنوده على أعتاب القصر… ـ ما هذا الهراء الآن؟ ـ أنظر بنفسك… تركته مشلول عن الحركة موضعه، وهرعت تفتح الستائر وتشير من النافذة نحو بوابة القصر العالية. اقترب بخطى متلجلجة نحو النافذة، ورأى حراس القصر يقعون واحدا خلف الآخر، لمح النهايات تلوح له على مرمى البصر وتحكم الخناق عليه في كل لحظة تمر عليه هنا…لم يكن يتوقع أن تكون حركته سريعة هكذا، فلم يمضي سوى ساعة واحدة منذ علم بأنه سيقتحم القصر قريبا. أما سلمى، فتركته والتفتت راكضة من فورها حين لمحت الحارس الأخير لبوابة القصر يسقط مصابا تحت نصل يامن، اوقفها مزدهر ممسكا برسغها مشدوها: ـ إلى أين؟ ـ لن أدعه يدمر ما عشت أحاول تحقيقه… ثم نفضت كفه عن معصمها وولت مدبرة.. وحينها فقط استجمعت رأسه شتاتها وأخذت توجهه بالتصرف في الحال. صرخ بحارسه الخاص في حزم: ـ أحضروا سيفي والدرع في الحال…هذه المملكة لن تحمل على أرضها سوى أحدنا اليوم..إما أنا أو أنت يا يامن. ـ أمرك يا جلالة الملك. مرت الدقائق التالية عليه كسنين عجاف، ترش مخيلته على جروح هلعه أطنان من ملح اليأس والهزيمة. تولى مستشاره الذي عينه بعدما عزل يامن من المنصب أمر جمع القوات المسئولة عن أمن القصر وسلامة الملك، وحين دلف مزدهر لغرف الاجتماعات تلك، رأى فقدان الأمل يبتسم له في شماتة على وجه كل جندي من جنوده، وكان ذلك كافيا ليلجم لسانه عن النطق. حمحم مستشاره حين طال صمته، فأطال النظر نحوه في وجوم ثم أردف: ـ ليقدم كل منا روحه فداء لمملكة الجنوب اليوم…ولنضرب الخونة بيد من حديد. ثم ضرب بقبضته على الطاولة أمامه، قبل أن يستطرد: ـ لكم مني كل الصلاحيات في تفادي هذا الهجوم.. ثم لاذ بصمت قصير قبل أن يكمل: ـ ولكم أمري بقطع عنق كل من تخول له نفسه بالوقوف في صف الدوق يامن…حتى وإن كانت الأميرة فيروزة. وأعطاهم إشارة التحرك وبقى هو خلفهم، وحيد في الغرفة، يستجمع ما بقى لديه من جسارة، ويمني نفسه بعمر طويل على العرش حين يتمكن من الخلاص من هذه الشوكة العالقة بحلقه منذ زمن. عدل من درعه على صدره، وتمم على سيفه وخنجره، ثم وارى التوتر الذي يفتك بقلبه خلف ثوب الخيلاء وخرج من الغرفة إلى مصيره. وبساحة القصر الواسعة، كان يامن مايزال يكابد عناء ما تبقى من الحراس المسئولين عن الأمن بداخل القصر. وحين لمحه مزدهر بينما يخطو خطوته الأولى على بعد عدة أمتار، حث خطاه وركض نحوه يبتغي الخلاص في دقائق الحرب الأولى. وعلى مسافة خطوات معدودة، أخرج السيف من غمضه، زفر زفرة الأستعداد، ورفع النصل في الهواء، وحين قرر أن يهوي على عنق عدوه اللدود، ظهرت فيروزة أمامه، وحالت بينه وبين زوجها في لحظة خاطفة… ●● قبل يومين من الاقتحام.. " هل أفسدتُ كل شيء، وانتهى أمرنا؟" كانت نبرتها ترتعش مع كل كلمة تخرج من بين شفتيها. بدد صوتها المتهدج إثر غصتها التي جاهدت في كتمها الظلام حولهما، وحين طال انتظارها لرده عليها، سرت قشعريرة اليأس بأوصالها. كانا لا يزالان مستلقيان بالفراش، وكانت هي تستعيد وعيها رويدا رويدا، حتى توصل بها ادراكها إلى استيعاب تهورها الذي أقدمت عليه في ذات الليلة. استدار يامن نحوها متنهدا وعاود عناقها يمسد على خصلاتها متفكرا، ثم أردف: " أعلم كم هو مؤلم أن يُصفع المرء بكل هذه الحقائق الفجة فجأة، ولكن يا حبيبتي كدتِ تسمحين لهما بجعلك الخائن الوحيد في هذه القصة.." تناهى لسمعه همهمات بكائها المكتوم، فشدد العناق، ثم استطرد مقررا: " محاولة قتل الملك… أمام الجميع ودون دلائل تدينه وتدعم موقفك، كل ذلك كان سيضعنا جميعا في مهب الريح..أنتِ، أنا، وطفلنا…طفلنا الذي لا يستحق واقع كهذا الذي يحاصرنا ويحكم خناقه على أعناقنا." ثم تسللت أنامله بهدوء تلمس بطنها، يدعم فكرته، ويذكرها بجنينها الذي أسقطته سهوا من حساباتها في خضم رغبتها الجامحة في الانتقام. واصل مواساتها بنبرة هادئة حين تعالى نشيجها في الظلام: ـ دعيني أتصرف…دعيني أجعل الجميع يقف لهما بالمرصاد، فلا خائن في هذه المملكة يستحق أن تناله أيادي القصاص بقدرهما. ـ وماذا ستفعل؟ ـ سأعيد عرش الملك سهيل لمن يستحقه… ●● قبل يوم واحد من الاقتحام.. كانت أنامل فيروزة الباردة ترتعش براحة يد يامن التي عانقتها منذ تسللا لهذا المكان المعزول عن الناس. حين أحس بقلقها ينبعث إليه إثر ارتجافاتها المتقطعة بين فينة وأخرى، طالعها بعينين تتوسلان، ونطق متمتما: ـ لا داعي للقلق…لم يحن موعد الاجتماع بعد، قصدت أن نصل باكرا حتى لا نثير الشكوك بكثرة عددنا. ـ لماذا أصررت أن آتي معك؟ يامن… سأفسد الأمر مجددا. أفلت يدها من قبضته ولامس كتفيها يقربها نحوه، ثم تنهد مردفا: ـ اسمعيني جيدا…لا يجب أن يرى أي مخلوق مخاوفك واضحة هكذا على ملامحك، حتى وإن كان أنا، و…. قاطع استرسال حديثه طرقات خجولة على باب المنزل، فترك فيروزة وتسلل بهدوء نحو الباب، ثم أرهف السمع بعدما طرق هو طرقتين من الداخل، وحينها وصلته الاجابة من الطارق: " ال..م..ف" وفي ذات اللحظة، كان يفتح الباب متعجلا ويسمح لذلك الزائر بالدخول على الفور. "حضرة الدوق، سمو الأميرة، البقية من قادة الجيش المنشقين عن صفوف الملك قادمون خلفي ليعلنوا الولاء الكامل لخطتكما في انقاذ المملكة.." انحنى القائد أمام الأميرة ثم تقدم لداخل مكان التجمع حين أشار له الدوق بذلك. التفتت فيروزة نحو يامن بسرعة حين ابتعد الرجل عنهما قليلا، وعيناها تسكبان من بئر الهلع من المجهول دلاء لا تعد ولا تحصى، فرد عليها هو دون أن تنطق: " سيتضح لكِ كل شيء بعد قليل…لا داعي للهلع." مرت ربع ساعة، سبقها تسلل باقي الأفراد المعنيين بهذا الاجتماع السري، وتحلقوا حول طاولة تتوسط غرفة داخلية بذلك المنزل المهجور. دلف مروان بعدما تأكد من وصول جميع القادة الذين تواصل معهم بنفسه من أجل تنفيذ خطة الدوق، وأقترب من يامن هامسا : ـ سأكون بالخارج مع رجالي..تعرف كيف تناديني حين تحتاجني. ـ على إشارتنا. ثم ربت على كتف مروان ممتنا قبل أن يلتفتت الأخير مغادرا المكان. كانت فيروزة تقف على بعد خطوات من مركز التجمع بركن، وحيدة تراقب بعينين زائغتين في ترقب، ولكن يامن قاطع شرودها في أيكة القلق وسحبها من كفها نحو رأس الطاولة، وأوقفها أمامه بينما افتتح الاجتماع مقررا: " قبل أن نتفق على خطتنا، ليرفع يده من يبايع الأميرة فيروزة كملكة لمملكة الجنوب.." وفي تلك اللحظة فقط هوى قلب فيروزة بلج من رعب لا حدود له، والتفتت في هلع نحو زوجها تكذب أذنيها، بينما هو كانت تبث بعقله صور لا تنقطع من ذكرى أيام لها فضل في وصول هذه القصة لنهاية قاسية كتلك التي تقترب… ●● قبل خمس سنوات.. عاد الدوق لزنزانة الأمير سليم مرة أخرى بعد أيام لا يذكر عددها، أقيم عزاء ضخم للملك الراحل، وضرب ثوب فيروزة الأسود وأساريرها الباهتة فؤاده في مقتل…وما أخر التحقيق أكثر كان صدمته التي منعته عن إستيعاب الجريمة التي سلبته قدوته، قائده وأبوه الروحي قطرات الماء التي يقبض أنامله عليها. " دعنا نبرم اتفاق يا سمو الأمير؛ أخبرني بكل شيء دون إسقاط حرف واحد، ولك مني تأخير الحكم عليك حتى أثبت براءتك إن أقنعتني.." رفع سليم رأسه مبتسما باستهزاء بيّن حين سمع اقتراح الدوق، وما لبث إلا أن نطق مقررا: " أتعلم أنك سبب رئيسي فيما وصلنا إليه اليوم؟" بانت الدهشة على وجه يامن إثر سؤال الأمير، فبدد الأمير دهشته مستطردا: "كنت الشخص الوحيد الذي تجرأ ورفض سلمى، لقد تحول حبها لك إلى جنون ساحق حين لم تقبل الزواج بها، وها نحن نجني ثمار هذا الرفض يا حضرة الدوق…" تلعثم الدوق مصعوقا وسأل متلجلجا: ـ أتزوجتها وأنت تعلم كل هذا؟ ـ ما كان ليمنع تلك الحرب الوشيكة بين مملكتي ومملكة الجنوب غير هذا الزواج..لكني لم أكن أعلم بالتفاصيل سوى بعد الزفاف، نظراتها المتناقضة نحوك دائما كشفت مكنونات قلبها. ـ وكيف يثبت كل هذا براءتك من التهم المنسوبة إليك؟ ـ بعض حراسي الشخصيين أسروا إلي بشكوكهم نحوها ولكني كذبتهم… ـ وما الذي تضمنته هذه الشكوك؟ ـ حارسي الشخصي سمعها تخطط لقتل أحدهم مع الأمير مزدهر بغرفتها القديمة بالقصر الملكي، وكانت الخطة تنتهي باتهامي بهذه الجريمة. ألجمت الصدمة لسان يامن وأمسكت ثغره عن النطق، أقتل الأميرين الملك بدم بارد؟ هز رأسه في هذه اللحظة، وتبادر لذهنه إحتمالية أن يكون سليم يلعب على عقله الباطن ويخدعه، فالتفت له متشككا وأردف: ـ وما دليلك على ما أدليت به الآن؟ ـ يمكنك أن تطلب شهادة حراسي الشخصيين.. ـ أولئك الذين جلبتهم معك من مملكة غلوراف وهم على استعداد تام ليفدونك بأرواحهم، هذا يثبت إدانتك يا سمو الأمير. ـ حارسي الذي سمع خطة سلمى ومزدهر هو نفسه الحارس الذي عينه الملك سهيل لضمان أمني بمملكة الجنوب… ثم لاذ الأمير بصمت قصير، قبل أن يباغت الدوق مستطردا: ـ يا حضرة الدوق، أنا محبوس هنا، وفاقد للأمل تماما، أما أنت فلك السلطة وكامل الحرية في تحري حقيقة ما أخبرتك به، وأعرف جيدا أنك رجل صاحب عزم لا يقهر، إذا أردت شيئا نفذته ولو على رقبتك. حينها فقط، لمس يامن صدق الأمير ويأسه الجم من النجاة من هذا الفخ القاتل.. ●● كانت الذكرى تتبادل الأدوار مع واقعه، وصوت الأمير سليم يتداخل مع أصوات قادة الجيش المنشقين بالاجتماع. " إذن يا سادة، أظن أن جميعنا متفقون الآن، ألدى أحدكم اعتراض على التنفيذ غدا؟" ألقى يامن على القادة سؤاله متنهدا، ولكن الوقت لم يسمح له بتلقي الجواب، لأن مروان دخل في عجل وهمس له متوترا: ـ جواسيس سلمى على بعد أمتار من هنا… ـ أمن المخارج السرية للسادة فورا يا مروان. أومأ له مروان مهرولا نحو الخارج، بينما تناهى لمسامع الجميع طرقات الجواسيس العنيفة وأصواتهم الآمرة: " افتح الباب فورا بأمر الملك مزدهر…لا تجبرنا على العنف يا حضرة الدوق." ●● يوم الأقتحام.. جحظت عيني مزدهر حين أدرك أن سيفه الذي كاد ينهي حرب قبل أن تقام قد تفادته أخته الصغرى بسيفها ببراعة، وبحركة خاطفة أوقعت نصله من بين يديه وجلجل صوتها بساحة المعركة صائحة. انتبه يامن لصوتها فالتفت نحوها ورآها في مواجهة مزدهر، ترفع سلاحها بجسارة وتتفادى ضرباته بعدما استعاد سيفه بينما يستهزئ هو بها: ـ تمسكين السيف ببراعة يا أختي ـ ألم أتعلم منك يا أخي؟… تأوهت حين أحست بقوته تفوقها وشعرت بأن مقاومتها تتضاءل في منع سيفه من الوصول لها. رفع مزدهر رأسه صدفة، فلمح يامن من بعيد يكاد يتمكن من دخول القصر بقواته، فدفع فيروزة أرضا بغتة وتمتم بينما يتخطاها: "حربي ليست معكِ، ابتعدي عن طريقي…" وحين انتبه يامن لزوجته التي سقطت على الأرض في طريقه إليها، باغته مزدهر بلكمة قوية أحس على إثرها بالأرض تميد به وبطنين مميت يخترق أذنيه. رفع يامن رأسه حين خف الطنين عن بث الدوار برأسه، وابتسم مستهزأً بخصمه: ـ أراك وقد أصبحت جريئا يا جلالة الملك…فاجأتني. ـ سأحرص أن يكون هذا آخر ما قد تراه عيناك إذن.. ـ وأصبحت تهدد علنا أيضا؟ أستفزه يامن بحديثه، فرفع نصله وحاول إصابته، لكن الدوق كان متيقظا عكس ما بدى عليه وتفادى الهجمة مبتسما: ـ لدي خبر سعيد لك يا سمو الملك…لابد أن مجلس الأمة الآن يعلنون قرار عزلك في ساحة الاحتفالات بوسط المملكة. ـ أتظنني سأقع فريسة لأكاذيب خائن مثلك؟ قهقه يامن هنا بينما تواصلت الضربات على جبهتين بينهما، ثم أردف حانقا: ـ تكذب الكذبة وتصدقها إذن، رائع! ـ دعني أخرسك للأبد إذن… وأخرج مزدهر خنجره بغتة من غمضه وكاد يطعن الدوق في غفلة منه، لكن نشوى الزفر التي علت أساريره دمرتها آهات الألم إثر سيف فيروزة الذي أصاب ظهره بجرح على امتداد طوله من الخلف. صرخت فيروزة حتى يتمكن زوجها من سماعها: " أستطيع قتلك يا مزدهر، خطأك الوحيد أنك تستصغر أمري دائما.." سقط أخوها أمامها راكعا من شدة الألم، فالتفت لتواجهه وجها لوجه، ثم أستطردت متشفية: "قاتل مثلك لا يجب أن يقتل في زحمة القتال هكذا، بل يجب أن يشهد الجميع نهايتك لتكون عبرة ومثال مخجل في تاريخ ملوك المملكة." وأنهت حديثها بركلة ملؤها الغيظ جعلته يفترش الأرض مخروسا مربوط اللسان. في ذات الحين كان يامن مشغولا بأمر مستشار مزدهر الذي أتى لنجدته حين رآه في مأزق. أصبح يامن بعيدا عن زوجته عدة أمتار، ولكنه كان حريصا على أن يكون موقعه يسمح له بمراقبتها والتأكد من سلامها في خضم قتاله المحتدم. ضاق زرعا بمستشار مزدهر ذاك فلكمه لكمة قاتلة أفقدته الوعي وأبعدته عن طريقه. وحين زفر الضيق الذي تملكه بسبب ذلك الرجل، لمح من بعيد ظل يهرول بطرقات القصر ذات النوافذ المطلة على الساحة الكبيرة..وعندما دقق النظر بذلك الخيال، رآه يثبت قوسه بأحدى الشرفات، ويحدد هدف سهمه بحذر، وحين تتبع الدوق اتجاه السهم تبينت له هوية الظل ذاك. نبس بهلع جلي: "سلمى…" هرع نحو زوجته صارخا ومناديا بحسرة: " فيروزة….فيروزة…انتب…" وقبل أن يتم تحذيره لها كان السهم قد انطلق بالفعل نحو الهدف. وحين تمكن من الوصول لها، أخترقها سهم أختها الغادر وأفقدها التوازن، وعندما كادت تسقط أرضا لحق هو بها وعانقها يحول بينها وبين أي بادرة غدر جديدة… ركع بجسدها أرضا يتفحصها ملتاعا ومرتعشا، فرأى أن السهم أصاب كتفها، لكنها تعاني لتنظم أنفاسها الآن، رفعت كفها الذي تلون بدمائها القانية ولمست به صدغه، ونبست مختنقة: " لا بأس…لا بأس، أنا بخير" خانته عبراته وشوشت رؤيته، وتكالبت الغصة ولسعتها الحارقة على حلقه، وحين رآها تفقد وعيها من شدة الألم، صرخ بالجميع حوله وقد أدرك أقتراب النصر وسقوط غالبية جنود مزدهر: "أحموا الملكة…أحموا الملكة!" تمكن بعض القادة المتحالفون من تأمين عربة وبعض الجنود لنقل الأميرة المصابة بعيدا عن ساحة القتال، وفي ذات اللحظة رأى يامن مزدهر يستعيد وعيه ويتجه مترنحا نحو مروان الذي انشغل بأمر أثنين من جنود الأعداء وحيدا. هب يامن لنجدة صديقه، وباغت مزدهر من الخلف يقرب خنجره من عنق الملك الجريح،كان مزدهر يلهث من شدة الإرهاق والوهن، فصاح يامن بمروان حين انتهى من أمر الجنديين: " مروان…سلمى، لا تدعها تخطو خطوة خارج القصراليوم…فيروزة تريدها حية." انهى أوامره مشيرا نحو موقعها، فأومأ له مروان وهرول مسرعا نحو طريق مختصر لا يعلم بأمره سوى حرس القصر أمثاله. في ذلك الحين تعالت صيحات النصر من عدة جبهات قتالية، حرس القصر سقطوا جميعهم تقريبا، والآن فرغت الساحة على الملك والدوق، وفرغت رأس يامن كذلك من كل شيء سوى كل مواقف مزدهر المخزية منذ توج وريثا للعرش بعمر السادسة عشر.. كل اعتراضاته غير المبررة على قرارات الملك سهيل في أمور الحرب، عناده وغروره وغيرته المستفزة من دعم الملك سهيل لآراء يامن وتقديره لكل كلمة ينطق بها…ورغبته الجامحة في خوض الحرب مع مملكة غلوراف رغم كل المؤشرات التي أكدت أنهم خاسرون لا مفر أمام تطور أسلحة جيرانهم بغلوراف، وأن معاهدة السلام معهم هي الحل الوحيد. كان مزدهر دائم التكبر، حتى أنه في النهاية صور له غروره بأن والده لم يعد يصلح كملك، ظل يراه جبانا، وواصل مناداته ب"العجوز المتخاذل" في خلواته بعصبته الداعمة لأفعاله المتهورة. ثم كان ذلك اليوم الذي كاد فيه الدوق يصل للشاهد الوحيد الموثوق في قضية تسمم الملك، وحين حدد موقعه، وهب لاستجوابه، فاجأه مزدهر بيقظته وترقبه لكل خطوة يخطوها هو، كان مزدهر يسبقه بخطوة واحدة للمرة الأولى. أبلغه مروان بأن مزدهر عثر على الحارس الشخصي للأمير سليم وأمر قواته باعتقاله، استشاط يامن غضبا وتأكد لديه صدق الأمير، لقد وقع الرجل ضحية الغدر بالفعل، وفرصة الدوق الوحيدة لتخليصه تنزلق من بين أنامله بغتة الآن. أقتحم يامن غرفة العرش دون أن ينتظر إذن الملك الجديد، فألجمته الصدمة حين رأى الشاهد الذي قلب المملكة رأسا على عقب بحثا عنه يقف الآن أمام مزدهر منكس الرأس. هلل مزدهر حين رأى يامن تتقاطر الدهشة من مقلتيه: ـ حضرة الدوق، تعال، تعال…بلغني أنك تبحث عن هذا الشاب، فجلبته لك بنفسي. ـ إذن كان الأمير سليم محقا في كل ما قال؟ ـ ذلك الخائن سيعدم غدا…نسيت اخبارك، انا آسف. تزعزع ثبات الدوق، وانقبض قلبه، ثم تمتم مقررا: ـ لا يمكنك فعل ذلك دون أن أشير أنا بنهاية التحقيق، يا سمو الأمير. ـ التحقيق انتهى بالفعل، دعني أريك… ثم نزل عن العرش، أخرج خنجره من غمضه، وبحركة غير متوقعة جز عنق الشاب المسكين الذي كان يملك بذرة امل أخيرة لنجاة الأمير سليم بدم بارد. نفض مزدهر يديه من الدماء التي تناثرت عليها إثر فعلته المتبجحة، ثم نقر بسبابته على كتف الدوق مستطردا: ـ هل صدقتني الآن؟…إنك عنيد منذ طفولتك يا يامن، وهذا هو ما سينتج عنه عنادك إن واصلت التمسك به. ـ كنت أبحث عن قاتل الملك بكل مكان، وغاب عن عقلي تماما أن الملك كان يربي قاتله تحت جناحيه. ـ آهٍ يا حضرة الدوق، يا لك من قليل التركيز، هل ناديتني منذ قليل بسمو الأمير؟ ثم كور قبضته وضرب يامن بها ضربة خفيفة على صدره مردفا بغيظ: ـ لا تدعني أسمعك تناديني بلقب غير يا جلالة الملك ثانيةً، أفهمت؟ وهكذا، عاد يامن للمرة الأخيرة إلى زنزانة سليم، وعكس المرات السابقة كلها، دلف منكس الرأس، مشتت الذهن، وتغزو رأسه كل الأفكار المتهورة. طالع الأمير بخيبة أمل جلية، وأردف مقررا: ـ قتل مزدهر الشاهد الوحيد أمام عيناي. ـ لا بأس يا حضرة الدوق، لم أكن أتوقع نهاية أخرى لحياتي الحافلة هذه. تنهد الأمير مبتسما بإنكسار، وواصل بمقلتين مشوشتين إثر الألم الشديد الذي غزا صدره: "عشتُ حياة طويلة في الظل، وها أنا اليوم أموت تحت أضواء المملكة كلها…أليست تلك نهاية مستحقة؟" أخفض الدوق رأسه يخفي تأثره الشديد ببكاء الأمير المغدور على أطلاله المؤذية، فاستطرد الأمير ينظر نحو الفراغ كما لو كان شريط حياته يبث أمام ناظريه للمرة الأخيرة: " كنت أظن أن تولد الأبن الأصغر لحاكم المملكة هو أقصى أنواع الحظ العسير، فلا أنت وريث للعرش، وغالبا لم تكن في حسابات والدك الملك حين قسم المهام على اخوتك الأمراء، وبالتالي لست بشخص يمكن لرأيه أن يهم أحد…ولكني لم أتخيل قط أن بزواجي من سلمى سأكسر رقما قياسيا جديدا في سوء الحظ هكذا.." طالعه يامن بقلة حيلة حينها، أراد أن يواسيه، ولكنه أدرك في اللحظة الأخيرة أن لا شيء قد يقلل من وطأة موقف كهذا على قلب رجل يسير بخطى متعثرة نحو الموت الأكيد، فتركه يواصل حكاياته، فلابد أنه الشخص الأخير الذي سيستمع له في حياته، وكانت تلك الفكرة باعثة للقشعريرة بجسده ومخزية له ولفشله في انقاذه بشدة. " لم يتم أخذ رأيي في قرار زواجنا ذاك، تقرر الأمر في اجتماع مجلس الحرب الذي لم يُسمح لي بحضوره، اقترح الملك سهيل أمر المعاهدة، فرأى ابي أنه لا بأس بإرسالي إلى هنا والزواج من ابنة الملك الكبرى. هكذا يكون له عين بأرض حلفائه، ويزفر هو بنسبٍ رفيع." سكت الأمير لوهلة ثم التفت نحو يامن حين أدرك أمر ما، مردفا: " ربما لهذا تمكنت سلمى من إيقاعي بفخها، حين تزوجنا أعجبت بشخصيتها القوية، ورأيت أنها الزوجة المناسبة التي لم أكن لأجدها حتى وإن بحثت بمملكتي لنهاية حياتي، أدركت هي هذا، فهمت أنني كنت أنتظر منها أي اشارة بالقبول واستغلت ذلك حين قررتْ فجأة أن تعطي لزواجنا فرصة في زيارتنا الأخيرة هذه للقصر الملكي، كدت أفقد عقلي إثر تصرفاتها التي تثبت صدق اقتراحها، لهذا لم أفكر مرتين حين طلبت مني أن أعاونها في إعداد وجبة والدها المفضلة، طار عقلي لحظتها، أحببت شعور أن يقحمك أحدهم في شيء يخصه، وغمرتني غبطة أن يصبح لرأيي المنبوذ أهمية تذكر." لاحظ الأمير المخذول صمت الدوق الذي طال، فألقى بكرة الحديث في ملعبه مقترحا: ـ عليك ألا تترك فيروزة وحدها بينهما، تزوجها في أسرع وقت وأبعدها عن جحر الأفاعي هذا.. ـ فيروزة؟! ـ من يقتل والده طمعا، ألا يمكنه قتل أي مخلوق يعيق تحقيق رغباته؟…وجميعنا يعلم كم تحبها يا حضرة الدوق. فهم يامن خطورة الأمر، وتساءل كيف غاب عن ذهنه شيء كهذا، أخذ يقلب الأفكار برأسه بخصوص الأمر الذي ألقاه عليه مزدهر عنوة منذ قليل. قام الأمير من مجلسه واستقام في وقفته يمد كفه نحو الدوق مودعا: " كم هو محزن أن يتعرف المرء على قائد فز مثلك يا حضرة الدوق في ساعات حياته الأخيرة، هل سأراك غدا قبل تنفيذ الحكم؟" صافحه يامن بحرارة، وهز رأسه نافيا بخزي مقررا في أمر مزدهر الذي فرضه عليه: ـ لن أتمكن من ذلك، سأكون في طريقي لمهمتي الجديدة كسفير خارج المملكة. ـ عدني إذن، عدني بأنك أنت من سيلقي بخطط سلمى ومزدهر في مكب الفشل الذريع…أظن أنني سأكون مستريحا بقبري هكذا. طال شرود الدوق في كلام سليم، ثم تنهد في إصرار: " أعدك يا سمو الأمير.." فتح يامن عينيه حين توقف به سيل الذكريات عند هذا الحد، كان النصر قد تقرر له حينها، وكان مزدهر راكعا في وسط الساحة مقيد اليدين ، مسلسلة عنقه. شد الدوق شعر مزدهر رافعا رأسه للأعلى وهامسا في أذنه: " ما رأيك لو استغللت الوقت المتبقي قبل إعدامك في مراجعة جرائمك؟…هناك رجل صالح خصني بوصيته الوحيدة قبل موته غدرا وأوصاني بأن أنال أنا شرف نحر عنقك…دعنا ننتظر شريكتك في الجريمة ثم نبدأ محاكمتكما العاجلة.." على صعيد آخر كانت سلمى تائهة في ممرات القصر السرية بعدما توارت لبعض الوقت عن أنظار مروان الذي لم يسأم من ملاحقتها منذ ما يقرب من الساعة. تسللت الطمأنينة إلى دواخلها فجأة وتملكتها الجرأة في مواصلة السير، أحست لوهلة ان النجاة حليفتها الآن، فمستحيل أن يتغلب عليها أحد في الخروج من متاهات الممرات السرية للقصر الذي قضت به طفولتها تكتشف خباياه. " ألديكِ خطط اليوم يا سمو الأميرة؟" بدد مروان طمأنينتها الكاذبة مبتسما، وتقدم نحوها بثقة حين تسمرت هي بالأرض وعجزت عن مواصلة الطريق. " يكفي يا سمو الأميرة، يكفي دماء إلى هذا الحد.." وحين اقترب كفاية ليلقي القبض عليها، تبددت غيمة الهلع من حول عقلها ورفعت خنجرها تحاول طعنه، وكان مروان رغم غيظه الشديد نحوها حريص على تنفيذ رغبة الاميرة فيروزة في القبض عليها حية. وفي اللحظة التي اختفت من أمامه جميع الحلول في مواجهتها دون أن يؤذيها، جاءه العون على هيئة ضربة من الخلف أفقدتها وعيها. حين سقطت سلمى على الأرض ظهرت نيرة خلفها وبيدها عصى غليظة ترفعها في الهواء بحنق، كادت تعاود ضربها رغم فقدانها للوعي تماما، إلا أن مروان منعها في عجل موضحا: ـ اهدأي…أمرت الأميرة فيروزة بجلبها حية. ـ تلك المجنونة، كيف تتجرأ وتحاول أذية زوجي؟ ـ لا بأس يا فتاة، لي زوجة كمارد المصباح، تظهر حين يضيق بقلبي السبل. أحاط بكتفي زوجته الثائرة، وربت على ظهرها لتهدأ، ثم أردف مقررا: " دعينا ننتهي من هذه المصيبة الآن..لابد أن الدوق ينتظر." ●● " قرار المحكمة الملكية العليا فيما نسب إلى المتهم مزدهر بن سهيل، أولا…" اجتمعت المحكمة الملكية العليا بذات الساحة التي شهدت هزيمة الملك مزدهر المخزية قبل عدة ساعات، وبأمر من مجلس الأمة، ألقى رئيس المحكمة الحكم: " عزله من منصبه كملك لمملكة الجنوب وتجريده من كل الامتيازات التي حصل عليها طوال حياته كحاكم وكوريث للعرش…ثانيا،…" في ذلك الحين لم تنزل عيني يامن عن وجه مزدهر المكسو بالخزي، أعجبه أن يرى الخيبة واليأس يتدرجان على قسماته بمرور الوقت عليه في قفص الاتهام، وأحس بالرضا يعانق برودة الخذلان التي ملأت دواخله طوال الفترة الماضية، والآن فقط يمكن للملك سهيل أن يهنأ بمرقده، ويستطيع الأمير سليم -الذي لم تحاول مملكته حمايته حتى او الدفاع عنه خوفا من أن يستغل مزدهر تلك الجريمة ومهاجمة أراضيهم أن يرتاح بقبره. أرهف الدوق السمع يتابع بنود الحكم الذي سيثلج صدره إلى آخر عمره: " بعد تحري دقة الأدلة، وصدق الشهود، واعترافات سلمى ابنة سهيل، قررت المحكمة المتمثلة في شخصنا، بإعدام المتهم بذات الطريقة التي أعدم بها الأمير سليم أمير مملكة غلوراف." سكت رئيس المحكمة لهنيهة ينظم أنفاسه ثم أستطرد مقررا ما تبقى من الحكم: " وبناءا على قرار مجلس الأمة نعلن نحن، المحكمة الملكية العليا تصديقنا على قرار تولي فيروزة ابنة سهيل شئون الحكم بمملكة الجنوب كملكة فعلية دائمة، على أن يتم تتويجها في حدث منفصل قريب…رفعت الجلسة!" شعر مزدهر بالأرض تميد به، فتلوى يسقط على الارض فاقدا لشتات نفسه الخائنة بداخل القفص. فتح الباب الموصد، ودخل ثلاثة جنود إلى القفص يعدونه لتنفيذ الحكم في الحال، اخترق الهلع صدره، وأحكمت الصدمة الخناق عليه، وأخذت جرائمه التي ارتكبها بثقة فجة تتابع أمام عينيه وتستفزه بكل آيات الشماتة؛ وباغتته مهجته الآثمة بسؤال لم يخطر على باله المشغول بالكبر يوما؛ ألم تفكر يوما بأن كل ما طمعت به لن يرافقك إلى قبرك ومرقدك الآخير؟ وبينما يدفعه الجنود إلى مركز ساحة القصر الملكي، تلفت حوله يبحث عن وجهها بين جموع الوجوه الشامتة، وحين لم يقدر على إيجادها، فاجأه رد يامن عن تساؤلاته الصامتة: " لم تقدر شقيقتك على رؤيتك تحتضر أمامها، رغم خيانتك وغدرك بوالدك مازال قلبها يرق نحوك غصبا عن إرادتها…" سكت الدوق لبعض الوقت يطيل النظر بوجه مزدهر ويراقب رد فعله، ثم استطرد يشدد على كلماته: ـ لكنها أوصتني بالتأكد من أن تلفظ أنفاسك الأخيرة أمامي.. ـ فلتذهبا للجحيم سويا إذن.. وضربه رغم قيود يديه بكتفه الأيمن في صدره. فقهقه الدوق متشفيا ثم اردف: " أخبرنا إذن حين تصل بأحوال الحياة هناك..بما أنك ستسبقنا." لم يعره مزدهر اهتمام وسار بنفسه حتى منصة الأعدام دون أن يجبره أحد على ذلك، وركع مغترا بنفسه رافعا رأسه، يوحي للجميع بأنه لم يهزم شر هزيمة على أرضه وبداخل قصره منذ ساعات قليلة فقط. وسأله القاضي قبل أن يبدأ تنفيذ الحكم: " أتندم على جرائمك؟" فرد هو بثبات لا يعكس عواصف الخزي بقلبه: " لست بنادم.." فعاد القاضي يسأله السؤال الأخير: " ألك أمنية أخيرة ننفذها لك قبل الموت؟" لم يكلف نفسه عناء النطق بالإجابة، واكتفى فقط بهز رأسه نافيا بجمود. وفي تلك اللحظة أشار الدوق يامن على جندي المقصلة بتنفيذ الحكم أخيرا على الخائن. -يتبع بالخاتمة-

📜 الخاتمة 📜

"كانت طعنة بروتوس هي الطعنة القاتلة، بخلاف كل الطعنات الأخرى، لم يطعنه في جسده وإنما في شخصه، في إرادته وآماله." جبران خليل جبران حين تلقت فيروزة العلاج وأستفاقت تماما عقب إصابتها، أجبرها الطبيب على ملازمة الفراش لأسبوع بعدها حتى يتأكد من سلامتها هي وجنينها الذي كادت أن تفقده إثر تلك الإصابة. وفي اللحظة التي تمكنت بها من ترتيب شتات أفكارها، طلبت من يامن أن يؤجل محاكمة سلمى حتى تستعيد قوتها وتتمكن من مواجهتها وجها لوجه..فهناك حقائق لا تعد ولا تحصى لن يهدأ لها بال قبل التأكد من صحة كل حقيقة منها على حدى. واليوم آن أوان الحساب الذي تأجل منذ أعوام. توقفت فيروزة عن السير بالممر على بعد أمتار من زنزانة شقيقتها، كانت بكل خطوة تخطوها يزداد الخناق على قلبها المكلوم. كان يامن يسير خلفها على بعد خطوتين بناءً على رجائها بالمواجهة وحدها، كانت تود أن تضرب الضربة الأخيرة بحربها بنفسها. وحين طال توقفها عن السير اقترب منها وربت على كاهله المنحني ونبس مشجعا: ـ ليبق ظهر ملكة مملكة الجنوب مستقيما دائما، فحتى الجدران هنا تتربص لكِ وتترقب إنحناء جزعك الصلب. ـ لم أكن أدرك أنني مرهقة لهذه الدرجة يا يامن.. ـ أستندي على ساعدي إذن، وبدلا من أن تسير قدماكِ المتعبتان وحدهما، لتعينهما قدماي حتى تتمكني من السير دون عون أحد كما كنتِ دائما. شدَّ على كفها، وحثها على مواصلة السير وإنهاء أمر هذه المهمة الأخيرة. وأمام باب الزنزانة أشار للحارس بفتحها، ترك كفها بهدوء ودفعها بخفة نحو الأمام. وقبل أخذ الخطوة الأولى نفذت نصيحة زوجها، رفعت رأسها، وجعلت ظهرها مستقيما أمام أعدائها المتربصين؛ الجدران، سلاسل الأصفاد، وشقيقتها.. وحين استجمعت جسارتها ودلفت أخيرا، أطالت النظر بوجه سلمى دون أن تنطق، فكل المفردات تبخرت فجأة من رأسها. " إلى متى تنوين تركي معلقة هكذا؟ فلتأمري بقتلي ولننهي هذه المسرحية المقرفة.." سهلت سلمى عليها الأمر حين لم تسطع ترك أحد غيرها يفتتح المشهد كعادتها، ولم يكن منها سوى الابتسام مستهزئة ومردفة: " أظنك لن تتغيري أبدا..فحتى وأنتِ خائنة تنتظر مصيرها المظلم، مازلتِ تلقين بأوامرك عليّ بخيلاء." تفكرت فيروزة لوهلة ثم واصلت مقررة: " أجيبي على أسئلتي بصدق للمرة الأخيرة بحياتك، ولكِ مني وعد بإنهاء أمرك في اسرع وقت.." طالعتها سلمى حينها بوجه خالٍ من التعابير، فتجاهلتها فيروزة وألقت بسؤالها الأول الذي أرق نومها لشهور: ـ أكنتِ أنتِ من جلب تلك المشعوذة إلى قصري؟ ـ نعم، أنا من دفعت لها لتخدعك، ودعيني أضيف لكِ معلومة جديدة.. صعقتها الثقة الكامنة بكل حرف من إجابات أختها، وأقشعر بدنها إثر الرضا الواضح عن أفعالها الذي حرصت على إظهاره أمامها. تركت لها المجال لتكمل إجابتها المبتورة، فهمست سلمى بتشفٍ: " كنت أنا من وضعت خصلات الشعر الأشقر على ثوب يامن بيدي.." زعزعت نبرتها المستفزة من ثبات فيروزة النفسي، ولكنها كانت خير من يعرف ألاعيب أختها وبراعتها في تحريك الجميع حولها كعرائس الماريونيت الميتة. فردت عليها بوقار شخصية الملكة التي أصبحت عليها: " ممتاز، إنكِ تسهلين علينا الأمور كثيرا، وتجيبين على أسئلة لم أسألها بعد..لذا دعيني أسألك سؤالين أخيرين.." طالعتها سلمى بترقب، فأحست فيروزة بالكلمات تخنقها وبحلقها غصة تمنع صوتها عن مواصلة الحديث، لكن ورغم كل ذلك العناء سألتها: ـ هل سممتِ طعام أبي؟ ـ نعم فعلت، ما هو السؤال الأخير؟ ـ لماذا؟ قهقهت سلمى والمرارة تكسو قسماتها المغتاظة، ثم أردفت والغل يقطر من كلمة ينطقها ثغرها: ـ لقد كنتِ تسرقين مني كل شيء منذ اللحظة التي خلقتِ بها؛ أمي أولا حين ماتت وتركتني بينما تلدك، ثم أبي الذي لم يكن يرى أحد سواكِ منذ توفيت أمي، وأخيرا الرجل الذي أحببت…أليس من الحماقة أن تسأليني هذا السؤال الآن؟ ـ لم أسرق منكِ أيا منهم، أظنكِ يا سلمى استسهلتِ خيار الحقد والصراع على الحب، فذلك الذي يحب لا يؤذي…وذلك الذي أسميته حبا لم تعبري عنه سوى بالحقد والأذى.. لم يأتيها رد من اختها، فحين لم يعجبها مضمون الحوار سدت أذنيها وتجاهلت وجودها. أما فيروزة فبجزء ضئيل بداخلها كانت تنتظر منها أن تتوسلها أو أن تبدي أي بادرة للندم، كان بداخلها شعور يلح عليها لإلتماس أي عذر لها ومسامحتها قبل إعدامها. لكنها نست لوهلة أن أختها تقدس كرامتها وعزة نفسها وأن تقديسها لتلك المبادئ هو ما أرداها مجرمة مدانة تنتظر أن يتقرر بأي طريقة يمكن أن تعدم أميرة خائنة. لذلك قررت أن تقلدها، أن تتمسك بقسوة قلبها نحوها للمرة الأولى والأخيرة، أرادت بأعماقها أن تكرهها للأبد.. وعقب تلك المواجهة الباردة ببضع ساعات، كانت سلمى مقتادة نحو المقصلة، تتراقص أمام عينيها المشوشتين أشباح ذكرى يوم كهذا، يوم قضى غدرها على زوجها الذي لم يرتكب في حياته أي جرم سوى أنه لم يثق بغيرها. وحين أخذت تعد خطواتها التي كانت تخطوها على منصة الاعدام نحو المقصلة، رأت للمرة الأخيرة صورته متجسدة بوضوح أمام ناظريها، وعلى وجهه ذات التعبير الذي طالعها به للمرة الأخيرة قبل أن تختفي أنفاسه. وقبل أن تهوي المقصلة على عنقها مباشرة، رأته أخيرا يبتسم بحبور ورضا. ●● بعد مرور عام.. "اللوحة مائلة قليلا نحو اليمين، قم بتحريكها نحو اليسار قليلا.." صاحت بها زهراء، وصيفة الملكة فيروزة ومساعدتها الشخصية حين انتبهت لإهمالهم بتعليق اللوحة. ظهر الضجر على وجه أحد العمال الذي رد عليها متأفأفا: ـ هل سنواصل تعديل وضع هذه اللوحة حتى الصباح؟ ـ إن رأيت أن الامر يتطلب ذلك، فسنفعل… ـ ولماذا لا تصعدي أنتِ إلى هنا وتضبطيها كما تشاءين؟ ـ يا لك من وقح، أتظنني أعبر عن رأيي الشخصي هنا؟ أتود أن تفسد مفاجأة الدوق للملكة وتواجه عاقبة ذلك معه رجل لرجل؟ ـ دعينا نستريح قليلا إذن يا سيدتي، أنهكنا العمل هنا. قهقهت زهراء هنا وأشارت نحوهم جميعا تحثهم: "تعالوا جميعا، أوصيتهم بتحضير كعك الليمون من أجلكم بالمطبخ.." وبينما يبتعد صوت زهراء وقهقهات العمال مع اقترابهم من المطبخ، دخلت نسمة ربيعية وداعبت الغطاء الذي اخفى معالم اللوحة وأسقطته عنها، كاشفا عن صورة زيتية بديعة للعائلة الملكية الحاكمة، الدوق على اليسار ببذته العسكرية الأنيقة يضم الملكة فيروزة نحوه بذراعه الأيسر، وعن يمين الملكة رسم الفنان تصوير للملك الراحل سهيل يحيط بكتفي ابنته الصغرى في حنان أبوي جم، وعلى ذراع الدوق الأيمن كان الأمير مراد ولي العهد مستقرا نائما. -تمت بحمد الله-

تعليقات

المشاركات الشائعة