أهداب والماضي (نوفيلا)

غلاف

📜 تمهيد 📜

صمت .... ربما و إن اعتاده البعض منا فيما مضى ، و ألقى عليه طابع الحكمة ؛ إلا أنه صار يتوقد الصدر كـلعنة إلتفت تُـطوِّق جدران حاضرها ...... لم تَعِـي ما فعلت ....فقد زيَّـن لها الكِتمـان البقاء على السرائِـر يغلفهـا طـي التخفِـي .... وها هي اليوم تتجَـرع الندم ... فاحـذر أيها الصامت ....!! اليوم .... قد يكتب التاريخ ما لكْ، و ما ليس لكْ ... بحياةٍ هادئـة ... و فِـراشٍ وثيـر ... طمأنينة ، و كلنا فى الحياة نسيـر .... لكن الوتيرة ليست على نفس الشـاكِلـة ... و حين تتبدل الأقدار ، لا نجد متسع من الوقـت لنستعد لما هو قادم .... لذا ..رِفقًـا بنـا أيها القدر ....فالحلِيم هو من مَـلَكَ نفسه عند الغضب .....»

📜 الفصل الأول 📜

     « رســــــالـة » صباح مُشْـرِق ، يتخللـه نور الصباح ...يبُـث فى النفـوس عبقًـا ترتوِي منه الصدور . و ها هي تنهض من فِراشها فى نشاط اعتادته منذ أن تفتحت عيناها على دنياها ، و خطت بقدميها الصغيرتين أولى خُطواتِـها المتعثرة .. لينفرِج ثغرها عن إبتسامةٍ رقيقه  ، انحنى لها الجمال قائلاً : — ما أسعدنا بكِ فاتِنـةً تُنافِس شمس السمـاء !! اتجهت إلى المرحاض لتنعم بحمامها المنعش ، غير مُتناسيه ما عليها من مهام مدرسيه كلَّفتها بها معلمتها بالمدرسـة . وبعد أن انتهت .... تقدمت تستقبل القِبلة....تؤدي فرضها فى خشوع ..ذاكرةً الله عز وجل بالدعـاء لوالديها ، و شقيقها الأكبر دوام الصحة والعافيه .. ثم ارتدت ثيابها على عجل ، لتهبط الدرج فى سرعة ، بملامح يتجلى عليها السعادة ، قائله فى حماس : — صباح الخير يا بابـي ...صباح الخير يا مامـي . إلتفتَت إلى شقيقها الأكبر " عماد " تتأمله بنظرة مشاكِسه، فى حين اعتلت ملامح الضيق وجـه الأخير مُردِفًـا بنبرة تكاد تُشابِـه نبرة شقيقته إلى حدٍ كبير : — صباح الخير يا مامي ....صباح الخير يا بابي.... مفيش صباح الخير يا  " عُمده "....؟! انطلقت الضحكات صادحة من الجميع ، تَنُـمْ عن ذاك الرباط المقدس الذى يغلُف تلك الأسرة المصرية الصغيرة السعيدة التى تتألف من أربع أفراد ...يترأسها الأب " مدحت الصواف " ؛ وهو رجل فى منتصف الأربعينات ، يمتلك إحدى دور النشر لإصدار وطباعة الكتب ، وسيم الملامح ، أنيق الثياب ، يتميز ببشرة سمراء أكسبته خفة ظل يسعد بها البعيد و الداني ... تزوج من السيدة " فريـدة واصِـل " التى تصغُره بعشر سنوات كامله ، إلا أنـها لم تشعر بالندم ولو للحظة بفارِق العمر بينهما . كانت "فريدة" تعمل صحفية بإحدى المجلات ، إلتقت بزوجها للمرة الأولى فى مكتب رئيس التحرير ، لينعقِـد اللسان عن الحديث ، و تتولى النظـرات قيادة الحوار .. أيام ، و ليالٍ مضت ، لينقُـش الغرام قلبَيْ الحبيـبين ، وحين أيقن " مدحت " بإكتمالِه ، و إرتواء فؤاده مِمَـن كانت له النبض ، والشعور ... قرر إرساء دعائم الوِصال لتتم الزيجة السعيدة ، و تصل قافلة الغرام إلى وجهتها ..... " مملكة الزوجية  "  . لتمر الأيام و الشهور ، كسِلسال من المحبة التى عبقـت بأجواء الهيام ، ويُتوَج الحب بطفلين أحدهما " عماد " البالغ من العمر أحد عشر عامًا ، و الذى أشرق على تلك الأسرة بعد عامٍ فقط من الزواج .. و زيَّـن سماء والديه بسعادة لا إكتفاء منها ... والأخرى هى الجميلة " أهـداب " التى تصغُر أخيها بسبع سنواتٍ فقط ...على إثر ولادتِها أنهت " فريدة " تعاقُدها مع تلك المجلة ، للتفرغ الكامل لأسرتها الحبيبة ... وتكتفي بِـدورَيْ الأم ، و الزوجـة المُحبـة .... — " يلا يا حبيبتي ..... مش هنفطر النهارده ولا إيه ..؟! .... أنا كده هتأخر عــ الشغل ... تِحبي آجي أساعدِك .... أنا مستعد والله..... معنديش مشكله .... " كانت تلك الكلمات الأنيقة الدافئة التى ألقاها " مدحت " على مسامِع زوجته ، بداية الشرارة لحلقًات متواصِلة من الشغف ، لينهض عن مقعده على الطاولة ، و يتسلل فى هدوء إليها داخل حَـرمِـها المقدس " المطبخ " .. انتبهت إليه " فريدة " ، لتعلو وجنتيها إبتسامة جميلة ، مُدعِية الإنشغال ...... ثم انتفضت على لمسات زوجهـا الخبيرة ، يحتويها بين ضلوعه ، هامِسًا فى أذنها اليمنى : — ما تسِيبك مـِـ الفطار ، و تيجي نِحَلَّي .... حاكِم أنا مشبعتش النهارده منك ، ولا أخدت كِفايتي ..... قبلات شغوفة ، و أنفاس حارة يحرقها الشوق صاحبت هَمسِه ، لتنتفِض " فريدة " بإطلاق العنان لمشاعرها الأسيرة ، و إلتفتت إليه فى عشق فاق حدود الهيام .... لحظات .....  ثوانٍ ...... دقائق .... لا يمكن الجزم .... فحين تظمأ الروح ، تنبـُش الجسد للبحث عن الارتِـواء و ها هو يحيا معها ، بسيمفونية ملحمية ...ربما لها بداية ، ولكن النهاية غير واضحة المعالم ...... إلتحام .... ليس فقط فى الأجساد ، بل الأنفاس التى تتابعت ، ليصرخ الحنين : — " كفى ..... فلتتبدل ساحة النِـزال " لذا شَمَّـر عن ساعديه ، و أوصم أذنيه عن أجراس الإنتظار .... ها قد حانت ساعة العمل فى محراب عشقهما " سكنهما الدافىء " ، و لا تزال أمامهما جولات من عشق ... حملها بين ذراعيه فى رفق ، و انطلق بها إلى غرفته ، ليجد_ عَـدُوَيْ اللذة _جالسين على الفراش .. تحمحم " مدحت " ليبتلع ريقه الجاف من هول المفاجأة ، ثم أردف فى ضيق : — إنتوا بتعملوا إيه هنا ......؟! ....الفطار عــ السفرة ، مش على السرير ....!! بنظرات ماكرة ، أجاب " عماد " فى تملُـص : — و هو فين الفطار ده يا سي بابا .... ما إحنا قاعدين عـ السفره بقالنا ساعه ، لما العصافير اللى فـ بطننا بطلت زقزقة ، و خرجت تشوفلها حد يِأكلها ..... هنفطر ..... ولا نروح المدرسة خفيف ...خفيف .... !! اكتست ملامح " فريدة " بأمارات الخجل ، لتدفن وجنتيها داخل عُنق زوجها ، قاضمة شفتيها الناعمتين فى إحراج ، فى حين ظهر العبوس على ملامح " مدحت " ، كاظِمًـا غيظه من خسارة  لحظاته الدافئة مع فريدته التى لا يمكن التعويض بعد ضياعها .... ثم هتف فى حِـده : — ما كان مِــ الأول .... كنت أخدت أختك معاك ، و روحتوا المدرسة ... لازم يعني تعطلني بالشكل ده عـ الصبح تساءل " عماد " عن ضيق والده الذى أصبح يعتاده منه فى الآونة الأخيرة ، ليُتمتم والده قائلا : — كان معايا مأمورية مهمه ..... مهمه جدًا ..... مهمه خالص ..... بس للأسف فشلت فيها بسببك . عاود " عماد " السؤال فى إصرار قائلاً : — مهمة إيه يا بابي .....؟! .... هو حضرتك مش رايح المؤسسة النهارده ...؟! ..... أقولك يا بابي يا حبيبى ؛ أنا عندي حل .... أنا كمان أغيب عن المدرسة ، و أقعد معاك هنا .... و أساعدك فى المأمورية دي ..... إيه رأيك ؟! تهللت أسارير " أهـداب " لتُصافِح شقيقها فى مرح ، هاتفه فى سعادة : — " براڤــو عليك يا " عُمده " ..... أنا كمان أغيب ، و نقعد كلنا نساعد بابي ..... شوفتي يا مامي ، أنا و " عمده " شاطرين إزاي ، و بنسمع الكلام ....يلا بينا ، نغير هدومنا ، ونيجي نساعد بابي ....بسرعة يلا . " اتسعت مُقلتي " مدحت " من تصرفات صغِيريه ، لتهمس " فريدة " فى عبث : — عاجبَك كده .... قولتلك استنى لما ترجع من الشغل ، لكن إنت راسك و ألف سيف تعمل اللى فـ دماغك ..... حِلَّهـا بقى . اضطر " مدحت " للتخلي عن رغبته ، ليهمس إلى زوجته فى شوق : — هو إنتِ قولتي حاجه .... أنا اللي بقول ، و بَنفـِذ كمان .... لولا المفعوصين دول ، كان زماني مسيطر دلوقتي ، و الإشتباك على آخره ، و......... قاطع " عماد " والده عابِسًـا : — يلا يا بابي ..... هو إحنا هنفضل كده فـ أوضة النوم .... لا مِنها خلصت المأموريه ، ولا منها روحنا المدرسة .... ما تِـرْسَالك على بر..... و هات من الآخر ، ناوي على إيه دلوقتي ؟! إكفهرت ملامح " مدحت " الذى إعتاد الشغب من ابنه البِكرِيْ ، ثم أجاب : — البركة فيك إنت و أختك .... يلا قدامي عـ السفره ، نعمل كام سندويتش ، ناكلهم فى العربية .... يلا .. وبعد قليل ، استعد ثلاثتهم للرحيل ، كلٌ إلى وِجهتِه .... حاملين قلوب سعيدة ، و نفوس مشرقة ... إلا أن " مدحت " ترجل من سيارته قبل الانطلاق بها للحظات ، مُعلِلاً لصغيريه نسيـان هاتِفه بالداخل هبط من سيارته سريعا ، فى تجاه منزله ، ليهتف " عماد " عابثًـا : — بليـز يا بابي و حياتك ...بلاش مأموريات تانيه ، إحنا كده هنوصل المدرسة على جرس الفسحة . شعور بالغيظ ، و الغضب يحمله لذاك الفتى الفَطِـن الذى لا يتأنى عن إفقادِه فرص من ذهب  ، لكنه يملُك مع شقيقته الصغرى كامل نياط قلبه . ظل يُتمتم بكلمات غير مسموعه ، وما إن دلف إلى بيته ، حتى ركض إلى زوجته ، ليتوغل فى محيطها الساحر الذى أفقده الصواب ...هامسًا وسط قُبلاته الجنونيه فياضة المشاعر التى حرص على توزيعها على ملامحها بسخاء  : — ماهُـو أنا مكنتش هقدر أروح الشغل كده ، بدون ما أعوض خسارتي فيكي بسبب ابنك .... متعمليش عشا النهارده ، هاخدك ونتعشى كلنا بره ، و بعد ما نرجع ... أفترسِك ... وَخَـزات خفيفة تألم لها " مدحت " حين وجد صغيرته المشاكسة " أهداب " صاحبة السنوات الأربع ، راكِلـه أبيها فى مُؤخِرة قدميه : — يلا يا بابي .... عايزه أبوس مامي زيك .... يلا بقى سـيبها شويه ..... اقترب " مدحت من ابنته ليضمها مع أخيها ، و زوجته إلى صدره ، داعِيًـا المولى عز و جل لهم بدوام السعادة ، و المحبة .... و بعد قليل ..... رحل الجميع ، مودعين " فريدة " ببسمة حنونه ، و قُبْلات مشتاقه .. تسلل النهار سريعـا .... ما بين واجبات ، ومسئوليات غلّفـها الاخلاص ، و الصدق .. لتنتهي " فريدة " من إلتزامات المنزل ، و تقرر الذهاب الى أحد المتاجر ، و إتيان ما ينقُصها من احتياجات ، ثم دلفت إلى غرفتها الأقرب إلى قلبها بعد عودة سريعه . تملكتها رغبة غريبه فى النوم ، إلا أنها نفضت عن كاهليها الكسل ، ثم أبدلت ثيابها على عجل ، للبدء بإعداد طعام الغداء . عاد الطفلين إلى منزلهما بالأتوبيس المخصص للطلاب ، على مُحيَّاهم أمارات الفخر . فقد حصلت " أهداب " على علامات تامة فى اللغات الأجنبيه ، التى أصر والدها على ثِـقَل حصيلتها اللغويه بها منذ الصِغر . فى حين تألقت مُقلتي " عماد " ، ليقرر إلقاء مفاجأته على والديه حين عودة أبيه من عمله ، فقد وعده بإهدائه بعض الألعاب الإلكترونيه التى تنمي الذكاء إن حصل على المركز الأول فى رياضة " الهوكي " . استقبلتهما الأم فى سعادة ، لترتوي من أحضانهما الدافئه ، ثم همست قائله : — يلا ....عـ الحمام ... ناخد دش سريع ، و نتغدى علشان نعمل الواجبات و الوظايف المدرسيه قبل ....إيه يا حلوين  .....؟! أجاب الإثنان دون سابِق إتفاق : _ قبل ما بابي يرجع من الشغل . تصفيق حار من الجميع ، مُهللين ، لسعادتهم بفكرة خروجهم للعشاء تلك الليلة ، ثم ركضا إلى الأعلى لتبديل الثياب ، و التمتع بحمامهما الدافىء . لحظات نختطفها من الزمن ، تتجلى خلالها السعادة على مرأى ومسمع من طالبيـها ، إلا أنها قد لا تدوم طويـــــلاً ... وبعد وجبة غداء شهية ، اتجه الجميع لإنهاء واجباتهم المدرسيه ، و مراجعة ما هو مطلوب من معلميهم . انتهى النهار سريعًا ، ليطأ الليل فى موعده ، دون تأخير .. فى تلك الأثناء ،أنهى " مدحت " أعماله ، ليعود سريعا إلى منزله ، و أسرته الغاليه .. ينهل من شهد قُربهم ما يُزيل عنه أعباء يوم مزدحم من العمل ... و فى غضون ساعة عاد إلى منزله ، يحتوى أسرته الصغيرة بين ذراعيه ... ليطالبهم بالإستعداد والتأنق ، فَـهُمْ على موعد مع سهرة لطيفه ، و عشاء فاخِر . اختارت " فريدة " ثوب بلون الزمرد ، أنيق ..ينسدل على زوايا خصرِها الممشوق فى وداعة ، كما لو أن الثياب تحتضن جسدها فى هيام .. ثم أتمت زينة شعرها الحريري الذى يصل إلى مؤخرة عُنقها ، لتُقرر استرساله .. لم تضع مساحيق التجميل ، فزوجها العاشق تفتك به الغيرة حتى المصب .. ليدنو منها فى تودد قائلاً : — حبيبتي ..... مش ناوية بقى تلبسي الحجاب ... إحنا اتكلمنا فى الموضوع ده كتير ، و إنت وعدتيني إنك هتنفذي طلبي . أجابت " فريدة " فى ارتياح : — و أنا عند وعدي يا حبيبى ... بكره باذن الله قبل ما ترجع من الشغل ، أكون عملت شوبينج ، و اشتريت كل اللى يناسبني .... هو أنا أقدر أرفضلك طلب . يحتويها بقلبه ، قبل عينيه .... يعشقها بصدره قبل لمسات يديه ، إلا أنه لو ترك لرغباته العنان فلن يبرح فراشهما ؛ لذا أجاب بأنفاس متلاحقه : — تحبي نأجل العشا لبكره ، و نطلب دليفري ..؟! تملصت " فريدة " من بين ذراعيه ، قائله فى دلال ضاحك : — لا .... و غلاوتك ، لو فكرت تِعملها .... الهُكسـوس اللى بره هيهجموا عليك ... و أنا بصراحة هساعدهم ... ارتفع أحد حاجبيه فى استنكار ليتساءل فى دهشه : — نعم .... تساعديـهم !! أجابت فى دلال ، مُصطحبه إياه إلى الخارج ، قبل أن يتراجع عن موعده : — أيوه .... وحشنى الخروج معاك .. إنت و الولاد... يلا بقى يا دوحه .... سهـرة ممتعـة تألقت فيها فريدة ، ليُقْـبِل عليها زوجها ، مُقبِلاً أناملها الرقيقة فى نـهم ، ثم انحنى فى رُقي طالبًا إياها لِتتناغم معه برقصـة ناعمة على أوتار ألحان هادئة وثَّـقت معانِ الغرام ... و ياله من مشهد ... !! غيـداء رشيقـة كالريـم الشارد ...تتهادى بين ساعديه ، و قد أسكنها الضلوع ، و تربعت على عرش الفؤاد . تناست من حولها ، لا ترى سواه لها رفيقًا .... و كيف لا و هو حبيب العمر . أحاطها كما يُحيط السِـوار بالساعِد فى تَملُك .... يتأمل ملامحها فى لهفة ... ذاك الوجه ، و تلك الملامح الفاتنه ليست محض تأمُل أو شعور بالحنين ...... هى الأقوى من ذلك ، و الأعمق..... يراهـا قَـبَسْ من نور أشرق أعماقه.... فأضاءت العالم من حَولِـه .... لذا فإن اللحظات بجوارها ..... هى العمر بأكملِـه .... و فى نهاية تلك الأُمسيـة الرائعه ، أهداهـا " مدحت " قلادة من الذهب الأبيض ، إلتمعت لها مُقلتيها حتى نافست ضوء القمر .... و انتهى الوقت سريعا ، ليعودوا إلى عُشِّهِـم الدافىء ، هائمين فى بحر الرضا ، و السعادة . تسللت " أهداب " الى فراشها الدافىء ، كذلك فعل شقيقها الأكبر ، فى حين اتجهت فريدة إلى زوجها سعيدة ، مُصغِية ....إلى أنفاسه المنتظمة ..... و انتهت تلك الليلة على وفـاق كباقي سابقيها . فى الصباح الباكر تجدد العهـد بين الزوجين ، ليجتمعا على الطاوله ، فذاك اليوم هو يوم العُطلة الأسبوعي ، الذى يصبو اليه الجميع ، للتمتع بذلك اللقاء الأسري الحميمي الدافىء . و فى خِضم حديثهم الممتع ، صدح رنين جرس المنزل ، ليقطع وصال الحديث ، ومـا إن قرر "مدحث " النهوض لمعرفة هوية الطارق ، حتى طالبته زوجته بدلال استكمال طعامه . تقدمت "فريدة " من باب المنزل ، شاعرة بإنقباض غريب فى صدرها ، إلا أنها نفضت عن كاهليها توتر لا سبب له ثم نادت : — " من الطارق ؟! " الصمت ..كان هو المُجيب لسؤالها البسيط .... فتحت الباب على مصراعيه ، تُـعاوِد السؤال ، ثم إلتفتت يمينًا ويسارًا ..... لكن لا إجابة إلا من المجهول ... استعادت سكونها من جديد ، لتقرر الدلوف إلى الداخل ، لمشاركة أفراد أسرتها لحظاتهم الصباحية ، إلا أن الجواب لم يُقْـرِضها الحيرة طويلاً ، فقد استمعت إلى خطوات ثقيله تقترب .... خطوات لرجل غامض النظرات ، مفتول العضلات ، عابس الوجه ، يعلو جبهته جُـرح غائر ، زاد من قسوة نظراته .... ثم توقف أمامها ، يكاد لا يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة .... وضع يده فى جيب بنطاله ، لتستقر فى راحته رسالة مجهولة الهوية ...قدمها إياها ، ثم انطلق دون كلمة أو بصيص من إشارة ...... بِتِيـه ، و حيرة ، و تجهم ..... اعتلت الدهشة ملامح فريدة ، فقد أوشكت على سؤال ذاك المجهول عن مكنون الرساله ، و عن هوية مرسِلهـا ، إلا أنها لم تفعل ....بل لاذت بالصمت ، ليرحل عنها كأدراج الرياح .. تحسست " فريدة " الرسالة ، لتجد أنها فارغة من الخارج ، بلا عنوان أو دليل ينُـم عن مـُرسِلها ، خاوية تماما ... وجدت فريدة نفسها ، دون سبب مُقنِع ، أو هدف مُحايد  تُخفي الرسالة عن زوجها داخل سُترتِـها ، لتتساءل : — لِمَ فَعلْتْ ما فَعلْتْ ؟! شعر مدحت بأشواك القلق غائِرة ، لينهض عن الطاولة ، متجهًا إلى زوجته الغاليه ، هامسًا جـوار أذنيها : — اتأخرتي ليه كده ....؟! ..... ومين الضيف الرِزِل اللى قطع وصلة غرامنا عــ الصبح كده ؟! ارتعشت "فريدة" بين يديه ، لتُحاول تمالك شتات أمرها ، ثم اكتفت بإبتسامة ...لحق بها جواب أشبع فضولـه : — ده عم "جلال " ....كنت طلبت منه امبارح يجيلي الصبح بدري.... محتاجة شوية طلبات ، و فرصه .... النهارده أجازة نقضيها كلنا سوا . اكتفى "مدحت" من ردها البسيط ، ليرافقها إلى الطاوله ، و التمتع بوجبة شهيه ..... لكن شتَّـان بين الآن ، وما سبق الآن بلحظات ..... ساعات تمر على الجميع ، إفترش خلالها مدحت حديقة منزله الصغيره المُرتبة فى إبداع يدل على لمسات فنيه خبيرة ، يُلاعِب أطفاله ، و يُعوض معهم ساعات غيابه بالعمل .... وفى تلك الأثناء ، انتهزت "فريدة " فرصة انشغاله ، لتصعد إلى غرفتها التى أحكمت وثاق إغلاقها جيدا ، ثم أسدلت ستائر النوافذ و أخرجت الرسالة.... كانت تعلم أنها ربما تُبالِـغ فى ردة فِعلها ، إلا أن استجابتها تنم على قلق غير مفهوم ، لذا إلتهمت عينيها الكلمات على عجل ، و تفوه اللسان بمكنون أصابها فى مقتل : — « ابنتي الحبيبة .. فى اللحظة التى تتسلمين فيها تلك الرساله ، أكون قد فارقت الحياة ... أعلم جيدًا أنني لم أكن يومًا الأب الذى تفخرين به ، و قد سببت ما يكفى من الآلام للجميع ، إلا أن مشيئة القدير جعلت من قلبي الصلب ، ونفسي الأنانية الطامعة سلاحًا لهلاكي ... أتوسل إليكِ بإسم الأبوة التى لم أعيها إلا بعد أن ابتعدت عنكِ ، بإسم الدماء التى تجري فى عروقِك أن تغفري لي ، و تذكري أنه مهما فعلت من آثـام ، فأنا لازلت بالواقِـع والِدك .. أُدرِك خيبتي ، و رحيلي عن والدتِك لسنوات طويله ، تحمَلتْ فيها المسكينة الكثير فى سبيل تعويضك دوري الغائب ، ولكن انتقام الله قد طال أباكِ ، و ها أنا صريع الموت بلا أنيس ولا جليس ... إغضبي ما شئتِ ، فلتُدرِكني اللعنات ، لكن لا تحيدي عن أخويْكِ .... أعلم أن زواجي من امرأة أخرى كان الجريمه التى لا تُغتفر ، و لكنها أثمرت عن طفلين ظللتُ أُخفي أمرهما لأكثر من ثلاثون عامًا .. عديني ابنتي ألا تتركيهم للضياع .... إخوتِك فى أمَسْ الحاجه إليكِ..و دعِي الأمر طي الكتمان ... لقد أعطيت أخاكِ " فريد " عنوان منزلك ،و ألحَـحْت عليه التواصل معكِ بعد أن تتسلمي هذا الخِطاب .. ....... عديني ابنتي .... و اغفري لي ... عسى الله أن يتقبلني فى ظل رحمته .                                            والِدِك                                                 مصطفى واصِـل  » و ما أبشع المأسـاة حين تأتي الضربة من أقرب الأقربين انهمرت الدموع من عينيها ، بعد أن أفلتت تلك الرسالة التى شقت قلبها نصفين .... قبضة بارده من جليد أحكمت حولهـا الوِثـاق ، كلّ ما حولها صار فَخـًَـا للبكاء...... الأرضُ لم تَعُد تضيق بها فقط ..... بل صار الثرى كما المدافن قاتمة ....... وها هى السماءُ أطبقتْ على رأسها ؛ حتى أوشك الصمتُ على تحطيم قلبها .... ظلت تتذكر ، وتعود إلى الماضي المُلطخ بالمآسي .... ماضي جمعها بوالدتها المسكينة ، التى تحملت الكثير فى سبيل تربيتها ... التى لم تخلو عينيها يومًا من دموعها الحارة الموجعه .... لم تكِل ... لم تُعاتِب .... لم تشكو .... و إن وجدت من ملاذ الصمت قارب ... و خَفَـتَ صوتها حتى صارت ذكرى بإحدى المصحات العقليه ، لتتجرع الألم بعمرها البائس مرتين .... فأيُّ وجع تَحملتِ يا أمي !! مرت الدقائق بطيئة مُتثاقله ، ولا تزال فريدة على حالتها التى يتقهقر لها قلوب الرجال ..تبكي فى ألم ، و عندما أيقنت أن زوجها قد ينتبه إلى ما تعاني ..... نهضت من مجلسها لإعداد طعام الغداء ، وهى فى حيرةٍ من أمرها .... ماذا تفعل ؟! ... أتُخبر زوجها بتلك الرسالة ، و فحواها ؟! ....أم تتكتم الأمر ...؟! وبعد تفكير عميق ، اهتدت فريدة إلى إخفاء أمر الرساله ، وصاحبها ، لقد أوصاها أباها بالكتمان ...و عليها أن تفعل ....فمهما فعل ، لا يزال والدها ، و أولئك أشقائها ... ثم تحدثت إلى نفسها فى خفوت : — لو أنا قولت " لمدحت " ...هيكره بابا ويحتقره ، وأنا مقدرش أتحمل النظرات دي أبدا ... عشان كده لازم أسكت ، و أتحمل لوحدي السر ده ..... لازم ... ثم نهضت إلى غرفة إعداد الطعام ، لتتفنن فى طهي أشهى الوجبات ، و عقلها فى مكانٍ آخر : — يا ترى هم فين ؟!... و عايشين إزاي ؟!.... و هيقبلوني فى وسطهم ...و السؤال الأهم : كانوا فين كل السنين دي ، و ليه دلوقتي بالذات طلبوا يتواصلوا معايا ...... طيب هقابلهم إزاي ...؟! .....ولو قابلتهم ، هيحبوني ...؟! يا ترى مدحت ممكن يعرف ؟! .... « إبْـكِ يا قلبي على فِـراق الأحبة ، و احزن على من ضاعت حياته بِكِـذبه...... إبـْـكِ يا قلبي .... » يُتبــع ........

📜 الفصل الثاني 📜

« مكالمـة منتصـف الليـل » « نحن لا نبكي ... بل نبتسم ... لنختلِـق السعادة ... تُـلاحِقُنـا الذكريات الوضيعة ، تتكىء على أكتافِنا التى إنحنت من فرط الأسى ...... و نختطِـف من المستقبل ...لحظات فكيف نغفل عن الجِراح .... وداخلنا مسئوليات إن تحدثنا قد يشوبها الشوائب ....» تبتسم .... و لكن لَـهـوِها لم يعُد ذات مغزى ... تُجالِسهُـم الطاولة ، فتُلَوِك الطعام بين فكَّيـها ، و تتجاذب أطراف الحديث ، و تساند الزوج و الولد .... ولكنها فى أمَسْ الحاجه للمساعده ... تُعانِق ابنتها ، و تتلقى منها الدُعابـات ، ولكنها تبدو حائِرة لينتهي النهار بطيئًـا مُهمَـلاً ..... و يأتي الليـل ساكِنًا متلذِذًا . استعدت إلى التسلل لِفِـراشها ، قبل إنتهاء زوجها الحنون من حمامه الدافىء ، كيلا ينتبه على ذبول عينيها.... إلا أن قلب المُحب دليله فى الظُلمة ...... فقد ارتدى منامته الليلية ، ليُقبِل عليها فى حنو ، و سُهاد .. قائلاً : — مالِك يا روحي ....!! ..... فيه حاجه تعباكي .... أنا زعلتِك فــ حاجه ..... طمنيني ...... عيونك فيها حزن مش عارف سببه ....!! أجابت "فريدة" وهى تُصِر على إنكار الحقيقة العاريـة ، ثم أجابت بقليل من الحماس : — لا يا حبيبى ..... مفيش حاجه... أنا كويسه جدًا ، كل ما فى الأمر ، إني حسيت بشوية ملل ، قولت أقعد شويه ، ومحبيتش أقلِقك ...... لامس "مدحت" وجنتي "فريدة" فى ولــه : — بقى تحسي بالملل ، وأنا عايش على وش الأرض ....طب إزاي ، و أنا أبقى كده لازمِتي إيه فــ الدنيا .... أنا عايـش علشانِـك إنتِ و الولاد ...... و خليكي فاكره ، أنا من غيركم ولا حاجه .... خصوصًا إنتِ يا "فريدة "...... إنتِ كل دنيتي ، ولو بعدتي عني .... هتبقى نهايتي..... تركوها فى محبسِها طويلاً .... و أوصدت عليها ألف بابٍ و باب ..... لا تتذكر كم الآهـات ، و التساؤلات التى تعصف بعقلِـها .... لذا قررت أن تبكي ، ومع بكائها ... و عِناقِـه ..... تهدأ ليهمس جوار عُنقها ..... —مالك يا حبيبتى ...بتعيطي ليه ، بس ...!! أجابت "فريدة" فى انكسار : — افتكرت ماما .... و إزاي عانت ، و تألمت من غير ما تفكر تتكلم أو تحكي .. إحتواها زوجها بأحضانه الدافئة ، هامسًا لها : — وحشني حضنك الدافئ يا " فريدة " ..أنا عارف إن وفاة والدِتِك لسه مش قادرة تتخطيها ، لكن يا حبيبتي الموت علينا حـق ، و الدنيا دي كلها إلى زوال .. لازم تفكري فى نفسِك ، و صِحتِك ، و فى الولاد ... وجوزِك برضه له حق عليكي ، و لا إنتِ ليكي رأي تاني ..!! ابتسمت " فريدة " رغمًـا عنها ، تتحسـس ضلوعه التى هى وسادتها الحانية ، ثم همست : — يا حبيبى أنا كُلي ليك .... إنت كل حياتي يا " مدحت" ...أنا عشت الحب معاك ، و حسيت بكياني جوه مملكتك ...لكن الفراق صعب ... صعب أوي ... ليه بابا عمل كده ..؟! ... ليه عمل فيها كده ... ؟! دي ماما كانت بتحبه ... لكن هو كان ... كان .... الله يسامحه ... الله يسامحك يا بابا ... ظلت " فريدة " عالقة ما بين مطرقة الحيرة ، و سِندان الرغبة ... داخلها يُطالب بالاعتراف لزوجها الحبيب عما تراءى بِمحيطها العابر ، و الرسالة المجهولة التى تلقتها دون وازِع من يقين ... و لكن القلب ... تلك المُضغة التى تتوسد الصدر تُصر على نَهْـرِها عن ذلك ... من أين لها بِـرِدود أفعاله ؟! ... ربما يتقبل ... و ربما لا يفعل ... أتُخبره بأوجاع نهشت جيوب الغدر ، فيأتى من غاب ربيعه ، ليرسم على مشوارها المقسوم لحظات من خطر .. لقد رحل منذ سنوات لا تجد لها عـدًا ... ما الذى أتى به الآن ؟! و كيف تستوعب وجود إخوةً لها من إمرأة ، تسللت إلى مِحراب أمها ، و اقتنصت والدها إلى غير رجعة ... أليست هى من تلاعبت به ، حتى أنشأ بقلبه بيتًا لها ، لتتجرع والدتها الإهمال ، و الغيرة ... وها هى تزيد من النيران إشتعالا بأبناء لها من سِلسالِها القاتِم ... يكفي .... لا يمكنني كشف أغوار عائلتي المُخزيه أكثر من ذلك ... يكفيه ما يعرف ... و لندع للأقدار تُسطِّر ما عليها فعله .. بعد معاناة طويلة مع التفكير ... استسلمت " فريدة " إلى النوم الذى سلبها الراحة ، لينثر على ربوع وعيها كوابيس من غَدْر . و فى الصباح .... أحيت أشعة الشمس بداخلها ... قبس من أمل .... و تراكمات من يأس .. إلا أن " فريدة "  التى اعتادت أن تُقدم الكثير لأسرتها الصغيرة ، لن تدع للأفكار السيئة مجالاً للهيمنـة ... اتجهت " فريدة " إلى غرفة ابنتها الجميلة " أهداب " توقِظها لتنتعش قليلاً قبل بدء يومٍ دراسِي جديد ... اجتمع أفراد الأسرة على طاولة الطعام ، فى حين أعدت " فريدة" وجبات من الطعام اللذيذ المُحبب إلى قلوب ثلاثتهم .. لتلتهِم "أهداب " الطعام فى شغف ، تتلاعب نظراتها ، و تتبادلها مع شقيقها فى مكر ، هاتفة : — بابي ... هو حضرتك هتروح الشغل على طول ، ولا فيه مشاريع متأخره عليك ... أنا المرة اللي فاتت اتأخرت عن الطابور .... تلقي " عماد" الحديث من شقيقته الصُغرى ، ليضع لمسته المشاكسه : — آه والله يا بابي ... أنا كمان الـ مِـس وقفتي عـ البوابه و سألتني ... اتأخرت ليه يا عماد ...؟! ... قولتلها أصل بابي كان عنده مشاريع مهمه و كان لازم يلخصها مع مامي ، قبل ما يروح الشغل ... احمرت وجنتي " مدحت " من الغيظ ، لتكتِم " فريدة " ضحكة عابثه تحررت فور رؤيتها لزوجها الغاضب ، لتتساءل بين ضحكاتها : — و يا ترى الـ مِـس بعد ما عرفت طبيعة المشاريع ، قالت لك إيه يا عمده ؟! أجاب" عماد" فى خبث : — وشها إحمر أوي يا مامي ، وبعدين إضايقت وقالت : ناس ليها مشاريع ، و ناس عايشه مع الجرابيع.... إلا قوليلي يا مامي ....يعني إيه جرابيع ؟! نهض " مدحت " من كرسيه ، ليركض خلف ابنه البِكرِي ، قائلاً: — أنا اللي هجاوبك ، و أعرفك مين هم الجرابيع بس مش بالكلام ... بالفِعل .... ظلت حَلبَـة السباق مستمرة ، لتتعدى العشر دقائق ... إلى أن انطلقت صافرة الحَكَم من " فريدة "، مازحة : — إنت كده هتِوصل المدرسة على جرس الخروج ... يلا يا عمده ...هتتأخر ... إلتفت الصبي إلى والده ، يتساءل فى كَـيْد : — و بابي ... مش ناوي يروح شغله ...؟! اتسعت مقلتي " مدحت " فى ضيق ، ليزفر قائلاً : — وإنت مالك إنت ... طب بالعِند فيك مش رايح ... و هقضي اليوم كله مشاريع ... إذا كان عاجبك ... افتر ثغر "عماد " عن ابتسامة مرِحة ، ليُلقي بتحية الرحيل ، إلا أن والده لم ينتبه إليه ، فقد كانت عيناه ترتكز على مشهد آخر ، خَـرَّ له قلبه صرِيعًا ... "فريـدة " ... زينة النساء ولا شك ... ليست بالأميرة ولا بالملكة .... بل تتوجت على عرش هؤلاء .. تتلاعب بقلبه العاشق ، كما يتلاعب الذئب بفريسته ... و ها هو يقف أمامها يُعلِن خضوعِه ... فمن تذوق الشهد لا يبرح موضعه إلا إن اكتفى ... وكيف يفعل ..؟! بعد أن ارتوى من ثغرِها العذب ، أقبل على طفليه يحتويهما فى دفء ، و أبوه ، ثم أوسعهما من القبلات الكثير .... لتنتهي جرعة العشق بوداع مؤقت .... رحل " مدحت " إلى عمله ، مصطحبًا ابنته و ابنه إلى مدرستيهما .... فى حين عادت " فريدة " إلى مملكتها ، لتؤدي واجباتها فى إتقان وشغف .... احتلت الواجبات المنزليه الجزء الأكبر من التفكير ، لتندمج فيه بنشاطها المعتاد ، فها قد أعدت طعام العشاء ، و أتمت ما عليها فعله ، لتجلس قليلاً ، تنشد من الراحة بضع دقائق ، إلا أن صوت الهاتف لم يُمهِلها كثيرًا ، لتستجيب له هاتفه : — ألــو .... مساء الخير... مين يا فندم....؟! جاوبها الصمت للحظات قليلة ، استمعت فيه " فريدة " لتنهيدات حارة ، يُرافقها نبرة حزينة مُردفـًا : — مستنيكي بكره الساعة ٣ فى جنينة" الشروق" ... ياريت متتأخريش ....أنا متعودتش أستنى كتير... شعرت " فريدة " بالريبة لتهتف فى تردد : — مين حضرتك ؟! ابتسم الآخر فى سخرية تسللت إلى مسامعها : — معقول مش عارفه مين .... هعمل نفسي مصدقِك .... أنا " فريد " أخوكي يا "فريدة ".. "فريد مصطفى واصل " ارتعشت أوصال " فريدة " لتهمس : — إنت.... إنت عرفت رقمي منين ..؟! أجاب " فريد " فى تهكم : —  هى أسئِلتِك كلها كده ... ساذجه ...!! ...عرفت من المحامي طبعًا ... مش عايز تأخير ، وإلا هضطر أجيلِك البيت ...سلام. انتهى الإتصال فى دقائق معدودة ، سكب بداخل " فريدة " أمارات الخوف ، و التراجع عن نيتها فى اللقاء ، إلا أنها خَشِيت أن يُنفِذ تهديده ... و يطرق على أبواب عالمها الهادىء الكامن بزوجها و الأبناء .. لذا انتظرت الغد على أحر من نيران الجمر ... عاد الطفلين بعد يومٍ دراسيٍ مُتعَب ، لترافقهم إلى الأعلى ، والحصول على حمامهما المنعش الذى يُزيل عن كاهلهِما لمحات الإرهاق و التعب ... أعدت لهما وجبات الطعام السريعه ، ليعودوا إلى أداء الوظائف المدرسيه ، لحين عودة الزوج المُحِب من عمله ... عاد " مدحت " تلك الليلة ، مُثقل الجسد ، فاتر الثغر ...مُكلل بـتِلال الإنهاك الذى يفرضه عليه العمل .. و ما إن لمح بسوداويتيه زوجته الفاتنة ، حتى دب فى جسده النشاط المُفاجِىء ، ليحتويها بين ذراعيه فى لهفة عاشق ، هامِسًـا جوار عنقها ، مُقبِّـلاً إياه : — وحشتيني يا " فريدتي " ... تخيلي بَـكُون فى قمة التعب ، و بس أشوفِك أنسى روحي ... مش معقول الحب يعمل فيا كده ...أنا مبقيتش أتحمل غيابك عني .... أعمل إيه ، و إنتِ كل دنيتي .." اتسعت ابتسامة " فريدة " لتحيطـه بذراعيها النابضان بعشقه : — أقولك أنا تعمِل إيه ... إنت تيجي معايا كده بهدوء ، و بدون مقاومة .. تاخد الشاور بتاعك ، و تتفضل عـ السرير ... و أنا فى لحظه أكون قدامك بصينية العشا ، تاكل و تشبع .. ابتسم " فريد " لإدراك زوجته ما يريد ، ثم تساءل فى اهتمام : — و الولاد ... ناموا ؟! أجابت فريدة فى تودد : — من بدري ... تهللت نواجزه ، ليحملها كما طفلته ، هامِسًا : — جميل ... أهو كده بقى نعرف نشتغل بدون ازعاج ... إلا أن صوتًـا ما أصـرَّ على وَأْد أمنياته فى مهدِها ، ليبرز العابثان فى حبور : — إتأخرت ليه يا بابي ... ينفع كده ... قعدنا مستنيينك كتير كتير ، و إنت اتأخرت ... فـمامي جهزت لنا العشا لوحدنا .... عاجبك كده ..؟! شعر " مدحت " بالقليل من الراحة ، ليهمس : — طيب طالما اتعشيتوا ....لسه صاحيين ليه ؟! أجاب عماد فى شجاعة : — نِسَلِّيك يا بابي ... لغايت ما تنام .. أوشك " مدحت " على الصراخ بوجهه ، إلا أن الهاتف كان له السبق .... ليصدح صوته فى إلحاح ... اتجه " عماد" للإجابة ، مردفًا : — ألــو ..... ألــو .... مين معايا ... ألو ... هتف مدحت فى تساؤل : — مين يا " عماد " ؟! أجاب " عماد " فى حيرة : — مش عارف يا بابي .. محدش بيـرد ... لم يعبأ " مدحت " بذاك الأمر البالي ، فَـچُل تفكيره ، هو قضاء ليلة سعيدة مع زوجته ، و أبناءه إلا أن الهاتف ، أصـر على تعكير صفو تلك الليلة ، ليقرر " مدحت " الإجابة هذه المره — ألــو ... ألــو .... ما ترد يا جبان ....رد يا حقير ..... قسمًا بالله لو كررتها ، لأمحيك من الوجود .... ثم أغلق الهاتف ... صعد الجميع إلى الطابق العلوي ، إلا أن " مدحت " لم يعد كما كان ، فقد تخلل القلق ، والتوتر قلبه ، لـيَشرُد طويلاً . حاولت " فريدة " أن تَصرِف عن خاطِره ما حل منذ لحظات ، لتهمس جوار أذنيه : — واضح إن حبيبى فَقَـدْ نشاطه ، ومش ناوي يجتهد معايا النهارده ... و أنا اللي مستنياك من بدري ... و مجهزالك ليلـة من ليالينا الــ..... — "يلا ...يا بنتي ... شكلنا كده لا هناكل ، ولا هنلعب ... تعالي ننام أحسن ... بدل ما يضيع علينا النوم كمان ..." كانت تلك الكلمات من ذاك العمده الذى كثيرًا ما إعتاد مشاكسة أبيه ، ليحمل " مدحت " عدوه الحبيب" عماد " على ظهره ، و يريحه فى فراشه ، مُقبِلاً إياه ، ثم أسدل عليه الغطاء فى اهتمام ، و أخفض إضاءة الغرفة .. أقبلت " فريدة " على غاليتها " أهداب " تحملها فى حنان جارف ، لوضعها على فراشها الوثير ، إلى أن استسلمت إلى النوم فى هدوء ، و أمام باب الغرفة ، تألقت نظرات عابثة من "مدحت"الذى خطط لقضاء ليلة دافِئة بين العشق ، و الجنون .... فى اليوم التالي قررت "فريدة" الذهاب للقاء شقيقها "فريد" حتى تقطع الشك باليقين ، وتضع حدًا لوساوِس الريبة التى قلَّمَا عصفت بها ، لتنتظر رحيل زوجها الغالي ، و طفليها فى سكون . أنهت "فريدة" ما تراكم عليها من شئون المنزل ، لتستعد و تتأنق كعادتها ، ثم رحلت بسيارتها إلى موعدها المجهول مع "فريد" . وما إن وصلت إلى تلك الروضة المشعة بعطور الأزهار المختلفه، حارت فيما تفعل ..كيف ستلتقيه وهى ليست على عِلم بشخصِه ؟ هل سيفِي بوعده حقًا أم أنها ضحية تلاعُب البعض !! أفكار مشتته، و تساؤلات متشابِكة تصُول ، وتجُول بعقلها اليقِظ ، تخلله صوت شجي حزين يهمس : — ازيِك يا "فريدة" ...أخبارِك ايه ؟! إنتبهت "فريدة"إلى صاحب الصوت ، لتتملكها الدهشة فى غرابة ، فمن تراه أمامها الآن ، و قد كانت تظنه أصغر مما اعتقدت .. إلا أن من يقف أمامها الآن صورة مُعاكِسة تماما لمن أوقد مُخيلتها ... جلس "فريد" بإبتسامة مِرهقه، يتألق بوسامته التى لفتت انتباه جميع رواد الحديقة ، فمن ذا الذى يراه ولا ينجذب إليه . وسيم الملامح ، لطيف المُحيا ، غامض النظرات ، قوي الشكيمة و.... أنيق الثياب ... يتراوح عمره ما بين أواخر العشرينات و أوائل الثلاثينات ... ليجلس فى هدوء ، قائلاً: — قرأتي الرسالة كويس ؟! أجابت "فريدة" فى تلعثُم : — أكيد ... بس اللي عايزه أعرفه ... إنت كنت فين طوال السنين اللي فاتت ؟... وإشمعنى دلوقتي قررت تتواصِل معايا ...؟ ...و بعدين أنا كنت متخيلة إن إنت يعني ....." لم تجد "فريدة" من الكلمات ما يُعبر عن مقصِدها، لتصمت ... فى حين استكمل "فريد" الحوار فى وداعه: — تقصدي إني شاب كبير ... مش كده .!! ... كنتي فاكراني أصغر من كده ... أنا عارف .. لكن اللي إنت متعرفيهوش إن والدي اتجوز أمي بعد والدِتِك بـ ٣ سنين ... يعني إنت أكبر مني بـ ٥ سنين بس . عاودت "فريدة" سؤالِه قائله : — مجاوبتِش على سؤالي ... إنت كنت فين طوال السنين اللي فاتت؟! أجاب "فريد" فى ثبات : — فى اسكندرية ..... عايش مع خالي " رأفت" اللي لولاه كنت بقيت فى الشارع أنا وأخويا. تهدجت أنفاس تلك البريئة ، لتردف فى وجع : — إزاي ده ...!! ... أومال بيتكم فين ... و بابا كان فين ...و والدِتك ..؟! ابتسم "فريد" فى سُخرية مريرة ، محدثًا إياها فى شجن : — بكل بساطة ... إحنا إتحكم علينا بالضياع بسبب والدك ، و والدتك ... اتسعت مُقلتي "فريدة" من الضيق ، و الغضب ، فلم تكن لتحتمل مِساس والدتها بكلمة ، و إن رحلت ... لتصرخ فى وجهِه : — إنت بتقول إيه....!! ... آه أنا فهمت ... إنت جاي تزيِّف الحقائق ، وتضحك على عقلي بكلمتين .... إنسى يا "فريد" ... أنا اللي غلطانه إني صدقتك ، و وافقت أقابلك . استمع إليها "فريد" بآذان مُصغِية ، ليردف : — خلصتي كلامِك .... اسمعيني بقى ... أنا جاي النهارده عشان تسمعي ... مش عشان حاجه تانيه ... و لازم تسمعي ... معندكيش حرية الرفض ... أمي عاشت فى حرمان بسببها ... ضحت كتير ، واتحملت أكتر ... بعد ما كان بابا هو اللي بيطاردها عشان توافق تتجوزه ، بقت زيارته لينا مرة كل كام شهر ، و ده كله بسببها ... صمت "فريد" يلتقِط أنفاسه ، ثم أكمل : — عايزه تعرفي إيه اللي حصل ... عايزة تعرفي اللي كان غايب عنك .... أقولك يا "فريدة" هانم من البداية و أنا و أمي على هامش  السيرة .. أول ما بابا شاف والدتي ، كانت بتشتغل فى المطار ، قسم الجوازات .. إنبهر بيها ، وبجمالها  اللي كان سِـر نكبِتها ... مش دايمًا الجمال مِنحة و نعمة .. لأ .. ده ساعات بيكون نِقمة على صاحبه ... و ده اللي حصل مع أمي .... بابا اللي ألَـح عليها شهور إنه يتجوزها ،لدرجة إن كل زملائها فى المطار انتبهوا على تردده عليها ، و طبعا أمي البريئة وسط مشاعره دي ، صَدقِت ، و وافقِت ... ثم رحل " فريد" بأنظاره ، و عقله بعيدًا ... يبكي والِدته سيئة الطالع ، التى تحملت ما لا يحتمله بشر .. لتُطالبه "فريدة " بالاستمرار فى الحديث : — الحق ينقال بالبداية كان بابا بيعشقها ، عاشت معاه أجمل أيام حياتها ، كان حنون ، رقيق ... عرف إزاي يملُكها ... لغايت ما بلغِته إنها حامل .. والدِتك وقتها عرفت بجوازه ، وطلبت منه يا إما يطلق أمي ، يا إما هتبعد عنه نهائي وتسيـب البيت ... و فـ عز تعب والدتي ببدايات الحمل ، بابا كان رافض يكون ليه طفل تاني غيرِك ... إنتِ كنتِ كل حياته ، و أولوياته ليكي و لوالدتِك .... وبعد ما كان بيقضي مع ماما بالأيام ... اتغير و ظهر على حقيقته ، وطلب منها تتخلص من الجنين ... ومش بس كده .. ده حرمها من المصاريف ، وهجرها ، و ساب البيت كان بيغيب بالشهرين ... من غير جنيه واحد ، و رغم كل ده كانت بتحبه ... حرمت نفسها من أبسط حقوقها عشان تحميني وأنا لسه جواها ... باعت دهب جدتي ، و صرفت على نفسها منه ، و يوم ما كان يرجع ينزل فيها ضرب و إهانة و تجريح ... لدرجة إنه ضغط عليها تروح للدكتور و تعمل اجهاض فى الشهر السادس ... وقتها والدتي بَطِّلت تطالبه بأي حقوق ، و لما الفلوس اللي معاها خلصت ، نزلت تدور على شغل ... مفيش حاجه إلا و عملتها ... اشتغلت فى مطعم ، و عاملة فى المستشفى ، حتى خدمة البيوت فى سبيل إنها تحافظ عليا .... و رغم غياب والدك عنها ، إلا إن والدتك فضلت مصممة على قرارها ، و بالفعل سابت البيت ... وقتها بابا بكل أنانيه ، و جحود رجع لماما عشان يطلقها ، وياخد الشقة ويرميها فـ الشارع ... لكن اتفاجىء إنها فى المستشفى بتولد ... و لما عرف الخبر من الجيران راح على هناك... يمكن ساعتها ، حس بشوية عطف ناحيتي ، ضمِّني لصدره ، و سمَّـاني على اسمِك ... و بعد ما ماما قامت بالسلامة ، كان بيزورنا كل وقت والتاني ... ماما مكانتش طماعة .... اكتفت بالكام زيارة كل شهر ، و جواها كانت لسه بتحبه .. كان بابا فهِّم والدتك أنه طلَّـق أمي ، لكن لما عرفت إنها لسه على ذمته ، قررت تعمل اللي ميجيش فى ذهن ابليس نفسه ... قررت تتخلص من أمى ،ومني ، و من بابا إذا أمكن ... و فضلت تراقب بيتنا كتير  لـحد ما تلاقي الفرصة المناسبه ، و تلدغ لدغتها .... أمك مش زي ما إنت متخيلة ، ولا انظلمت زي ما فَهمتِك ..... اللي انظلمت بجد هي والدتي ، و أنا النهارده لازم أبرَّأها قُدامِك.... أمي اللي ماتت فى غمضة عين من شدة القهر ، والوجع ...اللي الشقا ضيع جمالها ، و طفَّى بريقها .... أبسط واجب أعمله عشانها إني أعرفِك الحقيقة عشان روحها ترتاح فـ قبرها .... عرفتي دلوقتي ... أنا جاي ليه ...؟! .. ناوية تسمعي الباقي ، ولا هتكتِفي بِكده .. و نكمل بعدين ...؟! يُتبـع ..........

📜 الفصل الثالث 📜

« حقيقـــة ... عسل كما العلقَـم » بالأمس.... كانت ضحكاتِـها الرنَّـانـة تتردد فى المكان شـوقِهـا الثائِـر على خجلِـها ... عبـق نشوتِها لا يَزال يرسِم حُلـم لا يُكـف عن تِكرارِه .... فهـا هى و الحب جرعـة لا تكتمِل إلا بهما ..... هي و العشق روايـة لا تنتهي .... و إن بَاتت اليوم على النقيض... دموعِهـا تنسال من أوجاع حقيقة تلو الأخرى ... تكاد لا تُصدِق .... أذَاك أباها الذى تحمل اسمه ، وكيف يقترن الكُره بالسماح على ما اقترف ....!! عادت كما الجدار الذى ظن أنه صلْـدْ ، و قد تكسَّـر .... هي الحزن الذى تجسد ، كجبـل شاهق يجثُـم على صدرها .... أذاك مستقبلها الذى رسمته بِيديها ، أم أنها تتوهم من فرط خيلائِـها .... — " ليتني لم أتلقَ تلك الرسالة .... ليتني لم أفعل .... ليتني ...!!  " ظلَّـت فريدة على نفورِها القاطع .... عمن يتحدث ذاك الرجل ؟! ...... عن والدها ... و الأدهى عن والدتها .... التى عانت ما عانت ثم أسلمت الروح إلى ربها وحيدة فى مصحة للأمراض العقلية..... و يُطالبها أن تُصدِق ...... بل و تستسلم لأرض الواقِـع .... وبعد بُرهة من صمت ، أشفق عليها "فريد" بمُحياهـا .... صرخت " فريدة" ، ضاربِة بمن حولها عرض الحائط : — " لأ ..... لأ ......كله ده كذب .... إنت بتكذب عليا.....أنا لا يمكن أصدق .... بابا لا يمكن يكون بالبشاعه دي ... أينَعم هو ظلم أمي كتير ، و وجعها أكتر ...لكن لا يمكن يكون عديم الرحمة والضمير كده .....؟!.. إنت عايز تشوه صورتهم قدامي ، عشان زعلان على والدِتك .... حقك تزعل عليها ، لكن مش هسمَحلك تغلط فى بابا ولا ماما .....!! تيبست ملامح " فريد " ... و ازدادت سوداويتيه قتامة ، ليصيح فى وجهِـها : — أنا مبكذبش .... ده اللى حصل ..... و بلاش تتكلمي عن والدِتك بالفخر ده ، لإني مظِنش ده هيكون  رأيِك بعد ما تعرفي إنها مجرمة ، و حاولت تقتلني .. ولا خافت ربنا ، و لا ضميرها وجعها ...... ....... لم يترك "فريد" الفرصة والمجال لشقيقته ...ليكشف لها أدق الدلائل ، و أصوبها.... ليستكمل بعنف : — إنتِ فاكره إن والدتِك ماتت بسبب معاناتها مع والدِك ، و إنها المجني عليها اللى انوجعت منه ، و اتحملت إهاناته زي ما فَهمِتك ... لا يا أختي العزيزة .... والدتك ماتت بعد ما حاولت تتخلص من أمي ، و تقضِي عليها ... ماتت بعد ما خطفتني من البيت ، و حاولت ترميني فـ النيل .... راقبِت والدِك ، ويوم ما إجى يزورنا فـ البيت و يطمن علينا .... إنتظرت لما مشى ، و أدى الواجب اللى عليه ... زيارة روتينيه بيغطى بيها موقِفه ، و يملا بِيه خانة الأب ... وخطفتني مـ الجنينة .... و لولا العناية الإلهيه ...بعتت خالي ومراته فى الوقت المناسب..... كنتي هتفضلي زي ما كنتي متخيله .... بنت وحيده .... لا ليكي أخ ولا أخت .... استمرت على إنكارها لما سمعت من مصائب ، كادت تودي بحياتها ؛ ثم نهضت تنشد الرحيل بلا عودة .... استقامت فى محاوله منها المسير الى الجهة المعاكسة لطريقه ، إلا أن "فريد " جذبها إليه فى قوة : — على فين يا " فريدة "هانم ..... ماشيه كده بسرعه من غير ما تسمعي باقي اللي حصل.... لأ ملكيش حق ..... و طالما قررتي إنك تشرفيني بمقابلتِك الغالية ، يبقى حق أمي عليكي إنِّـك تعرفي الحقيقه كلها كامله ، و إنَّـك تسمعي من الألف لليـاء ... لإني مش هتنازِل عنها النهارده ...زي سنين عمري اللي فاتت كلها ... و لأنها أدركت أن الحياة لا يحكمها سوى مفهوم  القوة والضعف  ...  الذكاء  والغباء  ... الدموع و الآلام .... فكان عليها أن تتوقف ... لن تخسر قضيتها أمامه ... هو الذى يظن أن والدتِها قد أذنبت فى حقهم ، و عليها أن تؤكد له العكس ...... لذا جلست من جديد .... تتسارع أنفاسِها كمن كانت فى صِراع مع الجدل ... انتفضت فى إرهاق ، ثم أردفت : — إنتَ كذاب ومخادع ... أنا مش مسئوله عن أوهام فـ عقلك المريض ده .... لكن لازم تعرف إن اللى إنت بتقوله ، وبـتِتِهم بيه أقرب الناس لقلبي ، هتتحاسب عليه .... ارتسمت ابتسامة ساخرة ، لمُـقلتين يغزوهُما الدموع ، ليصبح "فريد "صورة متناقضة من الألم و سخرية القدر ، ثم جلس إلى جوارها هذه المرة ، ليقول بشِفاه مرتعشه: — خـالِي ومراته كانوا جايين يزورونا ، و بما إن مراته كانت أول زيارة ليها القاهرة ، فكرت تاخد صور تذكارية لكل مكان تُشوفه ، و طبعًـا الكورنيش كان من أهم أولوياتها .... وهى بتصور ؛ شافت والدِتِك شايلاني على إيدها ، و هترميني من فوق الكوبري ... ومش بس هى اللى شافت.... لأ ...كان فيه غيرها كتير ...... بس خافوا يقربوا منها تنفذ تهديدها .... خالي الوحيد اللى اتجرأ و هجم عليها من ظهرها .... لِحقني بعد ما كنت خلاص قربت ....... المهم ...أمى لما خرجت الجنينه تدور علينا ، و ملقتنِيش...كانت هتتجنِن ، لولا واحده من الجيران بلغتها بالسِت اللى شالتني و هربت ... والنتيجة إن والدتي من القلق جالها أزمة قلبيه ، و دخلت المستشفى ..." ثم وضع إحدى يديه فى جيب سترته الداخلى ، ليُخرِج من داخله صورة تذكارية ...ما إن تفحصتها "فريدة " حتى صرخت ... لم تكن تلك الصرخة مفادها الفرح ، كما يطلقون فى العادة ... ولكنها كانت صرخة من ألم ....صرخة من وجع ... صرخة من خذلان .... ...... ما بين يديه دليله القاطع على تبرئـة والدته من آثـام ، و ذنـوب لم تقترفها بعمرها الماضي المُرقَّـع بالأوجاع ... دليل أكد فيه اليقين ؛ مشهد والدتِها  ، حامله طفلاً صغيرًا ؛ تكاد تُسقِطـه من بين ذراعيها ... وفى تلك اللحظه .... انهارت فريدة ، ليجتمع حولها عشرات من رواد ذاك المطعم ، فى محاولة منهم لتهدئتها ، أو تقديم يد العون و المساعده ..... شعر "فريد " بالشفقـة تجاه شقيقته الكبري ، ليحاول السيطرة على انهيارها ، ثم طالبها بالنهوض . انفض الجمع من حولهم ، ليَدَعوا " لفريدة" حرية الاختلاء بنفسها دون حرج .... فى حين انحنى عليها "فريد" قليلاً ، حتى شعرت بأنفاسه التى تخضبت من مشاعر  التعاطف البائسة ...قائلا : — سامحيني يا "فريدة " ... أرجوكِ تسامحيني ..... أنا كل همِّي هو والدتي اللى رحلت فى عز شبابها ... ماتت و سابتنـا فى قمة احتياجنا ليها ..... تمالكت " فريدة " حالها قليلا .... فيكفـي شقيقها ما عاناه ، و ما احتمل....لذا سألته فى لهفه : — وبعدين.. إيه اللى حصل بعد كده ؟! أجاب دون أن يسلط نظراته عليها كما السابق : — خالي أخدني منها بصعوبه ، بعد ما حالتها كانت أشبه بالجنون ..... الناس وقتها بدأوا يتشجعوا ، وحاوطوها وأقسموا ما يسيبوها إلا قُدام البوليس .... و هناك..... فِضلتْ تخرف بكلام مش مفهوم ، و تصرخ بهيستريا ..... لغايت ما مدير الأمن حولها على مستشفى الامراض العقليه.... لكن ..... تساءلت "فريدة " ببعض الحذر : — لكن إيه ....؟! ابتلع ريقه الجاف ، ليُجيب فى صوتٍ خفيض: — لكن الدكتور المسئول عن حالتها أكد إنها واعية ، و مفيش عندها أي عارض نفسي أو ذهني يفرض عليها إنها تدخل المشفى ، و إن وجودها هناك رغبة منها .... و إنتِ طبعا عارفة الباقي ..... هنا ..... لم يكن السؤال محل الطلب او الاحتياج ، ولكنه تسطير لما حدث بالماضي قمة الرجاء .... لتردف فريدة وسط عبراتها  : — زورتها كتير فى المستشفى .... كنت كل مرة بحاول أعطيها أمل فى بكره ..... قالت لي إن بابا كان بيتوجع عليها ، و كان يتمنى يضحى بكل ما يملك ، وترجع لحضنه من تاني .....ولما الموضوع طوِّل ، و حالتها بدأت تتراجع ..... بابا انقلب حاله .... سهر طول الليل فى الملاهي ، يرجع سكران من كتر الخمر.. لغايت ما انهارت الشركة ، و أعلن إفلاسه .... ومن بعدها قرر يبعد ... ابتسم فريد ابتسامة ساخرة ليقول : — عايزة تعرفي حقيقي بابا راح فين ....؟! .... أقولِك أنا ... راح لوالدتي بعد ما خرجت من المشفى ، خرجت علشان يحمِّلها نتيجة استهتاره .... علشان يتهمها إنها السبب فـ اللي حصل لوالدتك ..... و لما تعب .... امي هى اللى لازمته ، وسهرت على راحته ، و كانت الوحيدة اللى فضلت ترعاه .... علاجه اتكلف كتير لدرجة إني اضطريت أسيب المدرسة ، واشتغل فى محطة بنزين ..... مرت سنين .... و بابا حالته بتتحول من سيء لأسوء ، وقتها كان عندى ١٥ سنه .... كل يوم أخرج مـ البيت، و أرجع على نفس الوجع .... إلا يوم واحد .... واحد بس .... رجعت فيه ، لاقيت ماما بتقولي إنها مبسوطه جدًا ، و إن بابا حالته اليوم ده كانت أحسن لدرجة إنه طلب أنها تلازمه طول الوقت و ألـح عليها إنها تسامحه ، مش بس كده دي شاركته الفراش كمان .... و تاني يوم صِحينا ، لقيناه اختفى ... مِشى من غير ما يفكر فينا لحظه ..... و الجواب اللى استلمتيه ده ، كان آخر رباط بيني و بينه .... عدت الايام حاولت فيها أقوم بدوري على أكمل وجه ، لكن المفاجأة الحقيقية كانت ، لما ماما اكتشفت إنها حامل .... مش عارف إذا كان ده من حُسن حظها ولا سوء حظها ... بس ربنا رزقنا بـ "  لـؤي "  ..... عشنا فى البيت فترة ، لغايت ما تراكمت علينا الديون .. وقتها قررت أبيع البيت عشان أسددها ، خصوصًا لما خالي إجى و أخدنا معاه اسكندريه.... هى دي حكايتي .... و هي دي مأساة أمي ، اللى عاشت مظلومه مع زوج أناني ... حرمها من كل حقوقها " مأساة صنعها القدر .... مأساه تتألم لها القلوب .... مأساة تجسدت من إجرام إمرأة زلزلت كيانها وخَـزات الغيرة ، حتى تركت المنطق فى أجواف الغفران ... و سارت إلى الجريمة بثبات و بلا تردد .. و رجل شَكَّـل المعنى الصريح للأنانية  و الجُحُـود ...تلاعب بإمرأة ، ذنبها الوحيد أنها أنثى عاشقة لزوجها ... تلاعب بها كما يتلاعب الليث بفريسته .... و عندما انتهى من وجبته الشهيه ... قرر الإغفال عنها ، و غلق الأبواب بلا وازع من تأنيب الضمير ...... نهضت " فريدة " ، تُربِت على كتِف أخيها فى إشفاق ، هامسة فى حنان : — سامحني يا "فريد "... سامحني يا حبيبى .... والله ما كنت أعرف ، و لا تخيلت فـ يوم ؛  أكون أنا الجانية عليك إنتَ و والدتك .... سامحني ، و حاول تِـطوي صفحة الماضي .... و طمني عليك  وعلى "لـؤي " ... أخباركم إيه ...؟! .... لسه عايشين من خالك ؟!..... أجاب "فريد " بعد أن كفف دمعه الحار ، بمحرمة ورقيه ... لتظهر على شفتيه شبح إبتسامه : — أيوه .....لسه قاعدين عند خالي .... " لؤي " دلوقتي عنده ٨ سنين .... كنت ناوي أجيبه معايا تشوفيه ، لكن تراجعت فـ قراري باللحظه الأخيره ..... بصراحة أنا مكنتش ضامن رد فِـعلك ولا تصرفك هيكون إزاي بعد مقابلتنا دي .... عشان كده قولت التأجيل أفضل . شعرت "فريدة " ببعض الحُزن من سوء حظها ، فقد كانت على شوق لرؤية الصغير " لـؤي : لتردف : — خُســارة ... كان نفسي أشوفه و أعوضكم عن اللى فات ....استنى .... ...... ثم فتحت حقيبتها ، لتُخرج من داخلها دفتر الشيكات بغرض مساعدة أخويها ، و رد الحقوق إليهما ولو قليلاً ؛ إلا أن "فريد" ارتسمت على ملامحه أمارات الغضب ، و الاشمئزاز ليصيح : — هو إنت ناويه تعملي إيه .....؟! ...   واضح إنك فهمتي غلط يا مدام " فريدة " .... أنا لما طلبت أشوفِك ...كان حلمي و أمنيتي  إني أشوف أختي الكبيرة، وأقابلها،  و أطمِّـن عليها .... مش عشان الفلوس زي ما إنت متخيلة ... أنا لا يِلزمني فلوسِك ، و لا شفقتِـك ، ولا حتى نظرِتك دي...... أنا بس كنت بحلم أتواصِل مع أختي الكبيرة ... و ..... هتفت "فريدة" فى امتنان : — "فريد" .... أنا مقصدتِش أبدًا الفكره اللي إجت فـ دماغك ....أنا مش بتعامل معاك بإشفاق ..... بالعكس أنا اللى مشفقة على حالي ..... لكن هنعمل إيه ، إذا كان ده النصيب والقدر .... الشيك ده مجرد هديه .... هدية بسيطة من أختك الكبيرة ... معقول هتكسفني .....و تزعلني منك  .....!! لم يُرد "فريد" إحزان شقيقته.... و قد عـزَّ عليه قول لا ، لكـن رجولته فرضت هيبته على هامش الموقف ... ليبتسم فى خجل يصحبه الرجاء : — أرجوكِ يا "فريدة "...بلاش تضغطي عليا ... أنا الحمد لله مُتيسِّـر الحال ... و شغلي ماشي تمام ، و معنديش أي مشكله فى الفلوس .... أوعِدِك .... لو احتجت مساعدة ، مش هـطلبها إلا مِنِك إنتِ  ...." ليسـا ذراعين يحتويان جراحِها فحسب  ؛ و إنما وطن صغير ..لا محل له على الخريطة ، ولكن بقلبها موقعه... و فى رحلتها الشاقة .... وجدت السعادة على هيئة رجلين ... أحدهما صار لها زوجًا ، و والِـدًا لأبنائها ... و الآخر عثرت عليه اليوم ..... وها هي الآن تشعر بأمانها الداخلي ، لتُشرق ملامحها الجميله مُعقِبة على فِعلته: — يعنى مُصمم برضه تكسفني يا "فريد"  ..... رافض هدية أختك الكبيرة ... مكنتش متخيلة إنك بالقسوة دي .... حقيقي أنا زعلانه منك..." تَحزنْ .... و كيف تفعل ، و قد أقسم برب القلم ، حين وطأت إلى مجلسه ، ألا يدعها تتألم بعد اليوم .... ليهمس : — طب خلاص متزعلِيش ... أنا ميهونش عليا زعلِك .... و أدي الهدية يا سِتِّـي ....ثم أردف بمزاح : _بس يا ترى المبلغ يستاهل .... ؟! تفرست فريدة ملامحه الوديعه ...لينفجر كلاهما ضاحكين ، تشدو فراشات السعادة ، و تتطاير من حولهما فى حنينٍ جارف . فى حين تساءلت " فريدة " فى سرعه : — دلوقتي بقى عايزين نتفق عـ الميعاد القادم .... هشوفك إمتى وفين ... ؟! ... و بليز يا " فريد " .... المرة الجاية هات معاك "لـؤي " ... نفسي أشوفه ..... " رافقها فريد إلى سيارتها ، ليُصافحها فى ود ، و محبة نشأت مؤخرًا بين شقيقين ، ليقول : — إيه رأيِك فى الأسبوع الجاي ....!! ..... مش عايز أشغِلك ، و عارف إن بيتِك ، و أسرتِك ليهم الأولوية نَفَـت " فريدة "ذاك التصريح ، لتُصِـر على شقيقها ضرورة اللقاء للمرة الثانية قبل نهاية الأسبوع ، ليكتمل اللقاء بِـوعد مُصرَّح به ...تكتمل جوانبه يوم الأربعاء القريب ... ليودعها آملاً من ربه رؤيتها التى أحيت بداخله الكثير ..... وانتهى اللقاء الأول على خير ما يُرام ...... عادت "فريدة " إلى منزلها الهادىء هائمة ... و ربما الهيام  هنا يختلف .... فقد أودعت أسرتها ، فردين أخرين .... شقيقها " لـؤي و فريد  " .. انتهى النهار سريعًا ..يليه ليل هادىء دافىء .... تتخلله لمسات العشق ..... ليعقبه النهار كمنوال لا ينتهي الا بأمر القدير ... ليأتي اللقاء الثانى الذى انتظرته " فريدة " بفارِغ الصبر.....ومع اللهفة استقبلت شقيقها الصغير الرائع " لؤي " ... ذاك الفتى الصغير ...صاحب الملامح الوديعة ، ذو العينين كـزُرقة المحيط ، خصلاته المُنسدلة على كتفيه تبرق كما أشعة الشمس اللامعه ..... استقبلته بأحضانها .... ببحر عينيها .... بإحتواءها كأم و ليست شقيقة ..... إحتوته كما لو أنها تلتمس الإحتواء بقُربًِه و اقترابه . ثم تعددت اللقاءات بينهم .... لقاءات سرقتها فريدة من الزمن ، لقاءات لا يعلم بها زوجها الحبيب ، فحين قررت ألا تُصارحه كان منطقها الرأي السديد .... — " لا يحق له العِـلم .... وحدها تستحق أن لا تَـشي بأخويها ... و ألا تُفشِـي أسرار والِدتها الراحلة .... وما فعلت ... و لكن .... — هل أصابت " فريدة " فى إخفائها الأمر عن زوجها " مدحت "..... ؟! .... أم أن للأقدار شـأنٌ آخر ....!! يُتـبـع ..........

📜 الفصل الرابع 📜

« لقـاء ......... و فــراق » وأنـا التـى لم أعِـي السلامَ يومًـا ، إلا حين إختارني القدر عزيزةً فى مِحرابِك ..... فأيقنت أن بين عَـضُديْك ...الأمـان والسكـن ... و كأن العالم قد توقف عن الإستدارة حين أحنيت رأسِك ، و أرحْتَـهُ على صدري ..... و لم يبقَ لِي من وجودي سوى أنفاس ...مُتقطعه لا تكتمل سوى بوصالك .... تتابعت الأيام من حَسَن .....لأحسن ... لتُشرق سماء الكون بفجر يومٍ جديد ... ومع وتيرة العمل التى لا تنتهي .. عاد "مدحت" إلى منزله باكرًا على غير عادته ...ليُفاجِىء "فريدة " برحلةٍ شيقة إلى ألمانيا يصحب فيها عائلته الصغيرة المكونه من أفرادِها الأربع إضافةً اليه ..... ولأن "فريدته" لم تُخلق عبثًا.... بـل اتزن الوجود بأكمله على كتفيها .....قرر "مدحت" استرجاع ذكريات أيامٍ شهدت أن مذاق الشهد يُعادل الثلاثين يومـا ...ولكنه عندما عاد إلى منزله ، لم يجد زوجته ..... ذاك الأمر الذى سبب له قليل من الضيق ، لرجاءه رؤية تأثير المفاجأة المرتقبه على ملامح وجهها .... لذا إلتقط " مدحت " الهاتف ، للتواصل معها ، و مُطالبتها بالعودة على عجل ..إلا أن هاتف "فريدة " التى حرصت على إغلاقه أثناء لقاءها بشقيقيها ...كان لمحة القلق التى نبتت بتلافيف عقله ..... انطلق "مدحت" مُسرعًا إلى الخارج ....للبحث عن زوجته ، أثناء محاولات اتصالاته الكثيرة برفيقاتها اللائي يعلمهُـن جيدًا .... و أثناء انشغاله بأحد تلك الاتصالات الهاتفية ، لمح سيارة فريدة الخاصه يقودها السائق فى حنكة ، دالِفًـا إلى الداخل . على الفور ، أغلق "مدحت" الهاتف ، و اتجه إليه لسؤاله عن مكمن زوجته فى حيرة : — "فريدة" هانم فين يا "عزت" .... وليه راجع لوحدك ؟! أجاب "عزت" فى هدوء : — "فريدة" هانم طلبت مني أوصلها لمنتزه الشروق ، و طلبت مني أرجعلها الساعه ٣ . ازدادت دهشة "مدحت" ، كونها المرة الأولى التى تسلك فيها زوجته سبيل الغموض ، ليُعاود التساؤل : — وهى بتعمل إيه هناك ؟! نفى عزت " السائق " معرفته بِـسر أفعال "فريدة " التى تكررت كثيرا فى الآونة الأخيرة ، ليُجيب إجابة مقتضبه : — والله يا أفندم .... أنا معنديش عِلم ..... أنا بنفذ أوامرها مش أكتر ..... لم ينتبه "مدحت" إلى بقية حديث "عزت" ؛ فيكفيه ما قد سمع من أمر غير اعتيادي على زوجته ، ليقرر قيادة سيادته والذهاب إلى المنتزه ، باصِـقًا بفمه على بذور الشك .... ربما اعتاد بسنوات عمره التى تجاوزت الأربعين ...الحفاظ على القوانين ، خاصة قواعد المرور ، إلا أنه اليوم لا يهتم ، وبالأحرى لا يُطالب من حوله بإلتماس الأعذار والمبررات ..... فإن رضيت أم لم ترض ...... لن أنتظر ، و لن أتمهل ...... وفى وقتٍ وجيز ..... كان "مدحت" على مشارف المنتزه ، يُقلب أنظاره فى الجالسين ..... فـالواقفين ...... الجميع فى حالة  من السعادة والهيام .....و الأطفال يركضون هنا ... وهناك ..... بأنفاس مضطربة .... أسرع "مدحت" الخُطى ، يحاول التمسُك بسِـلاح كاظِمِـي الغيظ .... حتى لا تتوقد داخله أمارات الوساوس ... وسؤال يتردد على مَسمعِه فى إلحاح ..... — ما هو سر غياب زوجته عن منزلها لأربع ساعات متواصله ، دون عِـلمه ؟! بعيون ثاقبه كالصقور ..... جعلت الأفكار "مدحت" من نبراس الخطر.... جرسًـا يُهدد عرش قلبه .... ليُقلِّـب أنظاره بين الوجوه ، علَّـه يجدها .... حتى لمحها من بعيد ... لم تتملك الراحة من قلب مدحت ..... بل جفت الدماء فى أورِدته ....حين وجد بجانبها شاب ، واسِدًا ذراعيه حول كتفيها ، يتحدثان فى سعادة ، و أصوات المرح تنتعش فى المكان . أحقًا فعلت "فريدة" ذاك الإثم ، و هو الذى قرر مفاجئتها لاستعادة شارات العشق بينهما .....!! ارتعشت ساقيه ، فلم تعد تحتملانه كما السابق ... بل قررت خيانته هى الأخرى ليسقط على عُقْـر خيانتها ..... حتى ظن أنه على وشك فقدان الوعي ..... انهمرت الدموع من عينيه كالنهر الجارف ، يجرف فى طريقه كل ما يطاله .... أين أخطأ ؟! .... ومتى شاهدتْ منه تقصيرًا ؟! لقد كانت لقلبه أقرب من الوتين .... هى الدفء الذى سطره له القدر ... المرأة التى لم ير لها مثيلاً ولا بديلاً ..... وبدلا من أن يواجِههـا ، أو يُمسكها بجُرمها المشهود ...رحل إلى سيارته يقودها فى انهيار .... لم يعد يعبأ بما أمامه ، ومن أمامه ..... و لولا رعاية القدير ..  لكان الآن بين عداد الموتى .... مرت الساعات بطيئة كالسلاحف .... مُتثاقله كحيوان الكسلان .....دون عودة "فريدة " .... لتتوقد عيونه لهيب الجمْر ، فى حين أطلق ضحكته الساخره الأليمه : — لسه مشبعتيش من عشيقك يا خاينه ؟! مش مِكفِيكي خمس ساعات ....!! ....... أما أنا صحيح طِلعت مغفل ...." ينتظر زوجته بجسد يشتعل كالجحيم ... وعندما رأى تذاكر الرحلة ، مزقها بين أنامله .. ثم أمسك بصورتِـها التى توجهـا على عرش قلبه زوجةً عاشقه ؛ ليُلقيها تحت قدميه محطمة ....مبعثرة .... عادت "فريدة " إلى منزلها .... بعد أن قضت الساعات الخمس ، بصحبة شقيقيها سعيدة ، مشرقه .... جاهله لما تحمله لها الساعات القادمة ... وما إن وقع بصرها على زوجها ، و انتبهت إلى نظرات الغل فى عينيه ... وصورتها المحطمة التى تطأها قدميه..... حدثته فى ترقب ، و قلق : — "مدحت ".... إيه اللى حصل....؟! .... مالك يا حبيبى ..... إنت كويس ؟! أجاب "مدحت"، و كأن تساؤلها هو ما كان ينشده منذ ساعات : — ليه تعملي فيا كده ... أنا عمري قصَّرت معاكي ، أو مع الولاد ...؟!.... إيه الذنب اللي أنا عملته فـ حقِك ، عشان تأذيني و تحطميني كده .... مش شايفاني رجل بعد كل السنين دي ....؟؟.... من إمتى و إنتِ بتقابليه ....؟! ..... و مين هو .... ؟.... انطقي ..... ارتعشت شِفاه "فريدة" التى حارت فيما ستُصرح ، إلا أنها لم تقوى على الحديث .... فقررت إسـتِفتاء عقلها علَّـه يُفتيها بالصواب ..... إلا أن تلك المُهلة البسيطه التى لم تتعدى الثوانِ العشر ....كانت كما الدهر على نفس "مدحت" ... ليقرر إخماد نار قلبه ، و إستيفاء الحساب من زوجة عمره .... صفعة على وجهها .... زلزلت كيانها كورقة فى مهب رياح الخريف ؛ لتسقط على إثرها فى قسوة بعد أن انسالت دمائها الحارة من بين شفتيها .... لم ينتظر "مدحت" اعتراف إمرأته التى وجدها أمامه خاطِيـه ... كريهة .... خائنة ..... لا تستحق سوى الموت .... لينهال على كامل جسدها بصفعات ، و لكمات مُوجِعه كادت أن تصيبها فى مقتل ... ظلت صرخات "فريدة"  ما بين الإستغاثه و الرجاء لذاك الغافِل المُتسرِع عَلَّـه ينتظر لحين سماع كلماتها ... لكنه ظل على جنونِـه ؛ حتى فقدت الوعي ... من شدة القهر ، و ذاك الشيطان الذى يجثم على صدره ، و احتل عقله و فكره ..... استمر "مدحت" فى إتيان عقاب لا يحتمله بشر ، دون الإنتباه إلى تلك الغيبوبه التى سقطت فيها "فريدته" من شدة الألم ..... إلا أن مشيئة القدير قد تجلت بعودة " أهداب" الصغيره إلى منزلها.   و بدلاً من أن ترتمي بأحضانها كما المعتاد ، و تقص على مسامعها ما حدث فى يومها من أحداث شابهت بوصفها المغامرات ..... وجدت أمها مُتكومه على الأرض .... الدماء تنزف من كافة أنحاء جسدها ، و لا يزال أباها ينهال عليها بالضربات المبرحة .... ركضت " أهداب "  فى خوف نحو والدتها ، جاذبة والدها الذى ظهر كما الوحش الكاسر يفترس فريسته .... ثم صاحت فى غضب و كُـره : — إبعد عن ماما .... حرام عليك .... إنت عايز تموتها .... ابعد يا بابي ... أنا بكرهك ...مش بحبك  ..... أمام تلك اللطيفة الصغيره ، كان "مدحت" فيما مضى  أسِير جمالها و رقتها .... إلا أنها فى تلك اللحظه لم تعد سوى ابنة تلك الخائِنـه التى استغلت غيابه لساعات... ربما أيام  .... أو سنوات .... أو حياتهما كلها ... من يدري !! وعند تلك النقطة ، جذب " مدحت " ابنته من ذراعيها فى خشونه ، و قسوة ...ثم ألقاها بعيدًا كما الخُرقة الباليه المُهمله ..... ثم عاد إلى زوجته لإستكمال ما بدأ ، ليجعل من خصلاتها الناعمة كما السوط الذى ينهال به رجل القانون على من افتعل الجرائم .... نهضت " أهداب " فى وجع ، راكضه إلى الخارج فى محاولةً منها لطلب النجده ..... لتجد عزت " السائق " الذى ارتمت أمام قدميه ، باكيه ، تُطالبه بنجدة ، و إنقاذ والدتها — إلحقني يا عمو "عزت" .... بابا بيضرب ماما وهيموتها .... إلحقها إعمل معروف ..... حين استمع "عزت" إلى ما صرحت به "أهداب"  ....ركض إلى الداخل ، هاجمًا على "مدحت" الذى كان كما الوحش الكاسر ، فما كان من "عزت" إلا أن كال له اللكمات واحده تلو الأخري ، مُستغِلاً جسده القوي ، و عضلاته المفتوله ..... حتى سقط على الارض .... ثم اقترب "عزت" من "فريدة" التى كانت كما الجثة الهامده ، غير واضحة الملامح من الدماء التى إكتسحت بلونها القانِـي وجهها البرىء .... ركض "عزت" إلى السيارة حاملاً سيدته ، لترافقه" أهداب" إلى المشفى ؛ فى حين طالبت الصغيرة  السائق ، بالاتصال على شقيقها الأكبر "عماد " ،  مُحذرًا إياه بعدم العودة إلى المنزل ، بل و اللحاق بهما الى المشفى . لم يحاول عزت سؤال الصغيرة عن سبب الشجار الغريب الكائن بين "مدحت" وزوجته التى يعشقها عشق تعدى حد الجنون .... و إنما إتصل بِـعماد ، و أبلغه بالإنطلاق الى المشفى ، لظهور بوادر خفيفه من التعب على والدته و قاد السيارة فى غضب سيطر على داخله ...... وصل إلى المشفى صارِخّا فى الجميع ، بطلب النجده .... بينما تجمع عدد من الأطباء حول جسد تلك المسكينة التى ما إن رأوها حتى ارتعشت اوصالهم قائلين : — إيه الإفترا ده ... مين الظالم اللى عمل فيها كده ...؟! تردد عزت فيما يقول ، وما عليه أن يفعل ، ليهمس فى ضغوط : — دى ....دى حادثـ.......... قاطعه أحد الأطباء الذى حمل جسد "فريدة" إلى غرفة الفحص : — لأ ... استحاله ده يكون حادث ... دي أثار تعذيب ... و واضح جدًا علامات أصابع على رقبتها و وشها .... ربنا ينتقم منه .... ثم طالبوا بخروج "عزت" مع الصغيرة للقيام باللازم . أثبت الفحص الظاهري عن كسور متعدده فى الحوض ، و الذراعين ،  و الكاحل الأيسر ... و اشتباه فى وجود  نزيف بالمخ .... ليقـرروا إيداعها غرفة العمليات فى الحال . بعد ما يقارب النصف ساعة ، وصل "عماد" الى المشفى ، ومنها إلى الطابق الرابع بعد أن أخبرته العامله فى الاستقبال عن وجهته ... ليركض صائحًا فى قلق: — فيه ايه يا أسطى "عزت" .... ماما مالها ..... جرالها إيه ....؟! انطلقت " أهداب"  تُـردِد على مسامع أخيها ما فعله والدِها المُتجبر من عذاب لوالدتِـها ، ليجن جنون عماد ، و يركض فى محاوله منه الذهاب إلى والده و تلقينه درس لا يُنسى .. إلا أن عزت استوقفه قائلا فى نُصح : — لا يا "عماد" .... سيبك من أبوك دلوقتي ... المهم والدتك و أختك .... و أوعدك حق والدتك مش هيروح... و أنا ليا تصرف تانى معاه ....بس نطمن عليها الاول .... الانتظار ..... ما أسوأه ....!! ... و ما أقساه !! الانتظار ... هو اللغة التى لا يقرأها القارىء ، ولا يحتويها الصمت .... و إنما يعاني منها المعذَبـون .... هو مدرسة القلوب التى عليها أن تحتمي بالصبر واللين ... هو الفراغ الذى تملأه الوساوس ..... من مخاوف القادم ..... وما عليهم من سبيل إلا أن ينتظروا .... طال الانتظار ..... و طال .... إلا أن ما له بداية ....لابد له من نهاية ..... و إن أوجعت..... خرج الأطباء بعد مجهود مُضنِـي ... ليردف أكبرهما سنًا و خبرة : — بصراحة المدام حالتها سيئه جدًا .... عندها كسور متعددة في الحوض والكاحل و الذراعين ... و كمان فيه شرخ في العمود الفقري .... كان عندنا خوف ، و قلق أن الحالة تتعدى الإصابات دي ، و توصل لنزيف فـ المخ .... بس الحمد لله لِحقناه .... هى دلوقتي فـ العناية المركزة ، و هتحتاج على الأقل ٤ ساعات عشان تفوق ..... ادعولها ...... بس أحب أقولك إني بلغت البوليس ... حالة المدام لا يمكن اسكت عليها... دي جريمـة شروع فى قتل ..... عن اذنكم ... ما سمعه " عماد "كان نذير الخطر ، ليقرر إشباع والده من الآلام كما فعل بوالدته .. إلا أن "عزت" نحَّـى عنه تلك الفكره ، ليؤكد له القيام بالمطلوب .. أوصى "عزت"  "عماد" الاهتمام بشقيقته، ومحاولة تهدئتها .... و المكوث فى تلك الاستراحة المواجهه لغرفة العنايه المركزه .... ثم رحل السائق عزت إلى منزل "مدحت" ، لمعرفة ما أصابه من جنون !!.. أفاق "مدحت" على انكسار قلبه الذى عشق إمرأة حد الإدمان ..... لم يكن يهتم ، أو يشعر بأوجاعه من شِجـاره السابق مع "عزت" ..... و لكن قلبه المحطم هو الذى ينزف . استقام لينظر إلى مأساته .....  بمعاناه لا سابق لها .... فماذا جنى من مشاعر تفردت بها "فريدته" ، و لم تكافئه سوى بالخيانة و ما أبشعها ؟! لم يعد يحتمل الحياة مع ذنوب زوجته ...و لا يحتمل الخلاص منها أو الإنفصال عنها .... لذا اتجه بقلب أصابه اليأس و الإنهيار ، و اقترب من أحد أدراج مكتبه .... ليفتحه فى بطء كاشِفًا عن مسدس كان قد وضعه بإهمال ، ظانًــا منه استحاله استخدامه ... إلتقطـه مدحت بأنامل مرتعشه ، ولسان يرتجف، همس : — مكنتش متخيل ييجي اليوم اللى أفكر أستخدمك فيه ....  أنا هصبر و أستنى لما ترجع البيت .... أيوه .... هقولها إني سامحتها ، ولما ترجع تقابله من تاني ...  أخلص منهم ...... هي متستاهلش تعيش .... متستاهلش قلبي اللى عشقها. ..... ده جزائي إني اختارتها بعمري .... إني بعشق التراب اللي بتمشي عليه .... تبقى دي مكافأتي .... لكن أنا مش ضعيف. .... لأ ...مش ضعيف ...أنا لازم أنتقم منها ..و مِنه .... منهم هم الاثنين  .. ثم وضع إحدى الرصاصات فى ماسورة المسدس ، ليُعيد سحب الزناد مرة أخرى تتلاعب به الوساوس هامسًا  : — هتقدر تصبر يا مدحت ..... !!......والولاد.... مش يمكن مش ولادك ....و انخدعت فيهم هم كمان ..... طيب هتقدر تنتقم منها إزاي ....؟... ده إنتَ قلبك بيتقطع من اللى عملته فيها ..... لأ ...... أنا مش هقتلها ..... أنا اللي لازم أموت ،و أعيِّشها بقية عمرها بذنبي .... أيوه لازم أموت ..... و إنتِ يا "فريدة"  كل لحظه  لازم تتمني الموت من عذاب الضمير ... و فى لحظات توقفت خلالها عقارب الساعة ، رفع "مدحت" المسدس إلى موضع قلبه بأصابع تهتز من فرط انفعاله..... فى تلك اللحظه كان "عزت" قد وصل إلى المنزل ، ليدلف إلى الداخل ، للقاء مدحت الذى لطالما اعتز به واحترمه .... ........ و على حين غرة أطلق مدحت الرصاصة فى نفس اللحظه التى صرخ عزت بعلو صوته : — لااااااااااااااااااا ........ ولكن ذلك التحذير لم يعد له جدوى ، فقد أتى بعد فوات الأوان سقط "مدحت"  بين قدمي "عزت" وسط بركة من الدماء .... ليبكي السائق دموعه الحارة ، ثم أسرع بهتاف رجال الإسعاف ... فى حين شلَّـت المفاجأة قدميه ، يصرخ عقله عما عليه أن يفعل .... كيف سيُبلِّـغ تلك المسكينة راقدة المشفى بما حدث لزوجها ؟! و أولئك الطفلين .... كيف سيحتملا مرارة اليُتم ؟! ما أظلمَكِ أيتها الدنيا ...!! أتلك تدابير القدر ....!! ....بين ليلة وضحاها ..... موت ...و فقد ..... رحماك يا ربي !! رحمــــــــــاك ..... وصلت عربات الإسعاف ، بأصواتها المدويه التى يوفرها الكثير.... ليحملا جسد "مدحت" إلى المشفى ، فى حين لم ينتبه "عزت" لمجيئهم ، ليقترب منه أحد الأطباء سائلاً: — إنت تِقرب للحالة ايه ...؟! أجاب عزت بعد أن آفاق قليلا : — أنا السواق بتاعه ، و مراته كمان فى المستشفى تعبانه ..... هيعيش يا دكتور ....؟! أجاب الطبيب بعمليه : — مظنش .... الرصاصة إجت تقريبا فـ القلب ، و فقد دم كتير ..... و النبض ضعيف جدًا .... إستعد لأي خبر حتى لو كان هيوجعك .. . عن إذنك ..... و خُد بالك البوليس جاي ف الطريق لأننا بلغنا ..... دي حالة انتحار بين السبابة والوسطى ..... وقف "عزت" بجسد منحني ... عيونه تحُـول بين ذاك المشهد القاتل لمشاعره ، حين أطلق مدحت "الرصاص" على قلبه ، وبين بركة الدماء التى لطخت الأرض.. لتتحول تلك الفيلا الصغيرة إلى ساحة للجريمة ....و استجوابات كثيرة شددت من اوجاعه .... ساعات لا طائل منها إلا الاتصال المتكرر ، بـ" عماد" و شقيقته الكبري .... الذى حرص فيها عزت ألا يُخبرهما عما حدث لوالدهما المسكين ... فى حين ألح "عزت" على أفراد الأمن بضرورة كِتمان ذاك الخبر المفجع عن وسائل الإعلام ، حتى لا تجد منها ذريعة لإصابة شركة" مدحت " و أعماله فى مقتل و خاصة بعد مرض زوجته و رقودها بالمشفى بين الحياة والموت  . انقضَت ساعات النهار ، ليصل أفراد البحث الجنائي الذى أكد أن " مدحت"  قد فقد عقله ، و أتى على الانتحار بِملء إرادته دون ضغط أو ترقب من أحد .. لينفض  ، و ينتقل أفراد الأمن الى المشفى للإطمئنان على تلك الحالة الخطرة ، ربما لم تحن لحظة نهايته بعد ..... حرص "عزت"  على تنظيف المكان مما لطخه من دماء ، تحسبًا لعودة فريدة مع أبنائها ربما بالمستقبل القريب ..... من يدري ...!! جدران مظلمة ..... هدوء عميق موحِش ..... تلك هى الأجواء بالوقت الحاضر . ... ومن يسترجع يومًا مضى لا يجد سوى الفرحة و ضحكات الاطفال الصارخة ، تؤكد للجميع ..... هنا تسكن السعادة ......  هنا يسكن السلام والحب ...!! نظر "فريد" فى ساعة يده ، تشير عقاربها إلى الحادية بعد منتصف الليل ، ليؤنب حاله على ترك الصغيرين طوال اليوم بلا طعام أو رعاية ... ثم قاد السيارة ، قاصدًا المشفى ... وعند وصوله ..... وجد" عمـاد " يحيط كتف شقيقته الصغرى بذراعيه ... و تتكئ تلك البريئة على صدر أخيها غافيه .... لا تعي ولا تعلم ما قد ينتظرها بمستقبل غير واضح المعالم ...... جلس "عزت" بجوار "عماد" ، ليحتويه بنظرات العطف قائلاً : — طمني يا حبيبى ..... ماما فاقت ولا لسه ....؟.. أنا دلوقتي هروح للدكتور اطمن منه .... على فكره أنا جيبت معايا عشا إنما إيه .... بيتزا و كباب و شاورما .... كل الأكلات اللي بتحبوها .... هروح أطمـــ........ قاطعه "عماد" فى صرامة رجل بالغ ، و ليس طفل بريعان الزهور : — ده مش وقت أكل ،  ولا شرب يا عم "عزت" .... إنت شوفت بابا ...؟.. حصل إيه ...؟.. و قالك ايه ..؟... إزاي قدر يعمل فـ ماما كده ..... ما تقول ايه اللي حصل .... بتيه ، و انقباضة صدر أجاب "عزت" : — هو والدك بس عنده مشاكل في البيت ، و عليه ديون للشركة و البنوك .... و والدتك كانت محتاجة فلوس ، وهو مِتنرفِز ..... فمقدرِتش تحتويه ..... قام اتعصب عليها شويه .... معلش كل حاجه هتبقى أحسن ...  صدقني ..... أنا هقوم أكلم الدكتور... وإنتَ خليك هنا .... مش هتأخر ... لم يكن "عماد" رغم صغر عمره ، بالسذاجة التي تجعله يُصدق ما قد سمع .... إلا أنه لم يُـرِدْ صب الوقود على جمر من لهب .... لذا اكتفى بما سمع ، و إن لم يصدِق ..فقد صمت .... توالت الأيام و تتابعت بِـمُـرِ العلقم ، ليُشدد "عزت" التركيز على الطفلين ، بعد أن طلب من زوجته رعايتهما فى بيته المتواضع ، في حين استمر بزيارته المتكررة " لفريدة" التى أفاقت ، و تحسنت حالتها الصحية بشكل ملحوظ ... فى تلك الأثناء ، تمكن القلق من قلب "فريد" ، بعد تغيُب شقيقته الكبرى عن موعد لقاءهما ثلاث مرات متتاليه ، ليقرر المخاطرة ، و الذهاب إلى منزلها للإطمئنان ، والسؤال عنها ..... كان المنزل خاويًا كما الخلية الجوفاء .... بجدران صلبه يابسة ، ولا شى يدعو للحياة فيها ... ترجل "فريد" من سيارته ، يُقلب أنظاره على باب الفيلا الصغيرة ، لينتبه إلى غياب حارس الأمن ، و بلا تردد أكمل المسير إلى الداخل ليلتقي بالجنايني الذى سأله عن السيد "مدحت" صاحب الفيلا تأمل الجنايني ملامح "فريد" قليلا ، يحاول اعتصار بنات أفكاره فى محاولة منه لمعرفة هويته ، لكن دون جدوى لذا أيقن أنه أمام شخص غريب عن تلك المنطقه و بفطنته أجاب : — لا والله "مدحت" بيه مسافر ، و هيرجع كمان يومين اطمأن قلب "فريد" قليلا ، ليعاود سؤاله من جديد : — طيب ...أقدر أقابل الهانم .... بلغها أن "فريد" ابن عمها عايز يقابلها .. لم تكن ملامح "فريد" تُنبىء بالعدوانيه أو المكر ... وإنما تسلب الوجدان من حيويته و دفئه ..... لذا أيقن ذاك الرجل الأشيب بخبرته الطويله فى معاملة الآخرين ، حُسن نيـة "فريد" .... ليُفكر قليلاً هامسًا لنفسه : — والله الشاب شكله محترم ، و ابن حلال ... يمكن قريبها فعلا .... أي نعم أنا معاهم من سنين و عمري ما شوفت أي حد من قرايبها ، لكن أكيد هى لسه هتقابله النهارده لأول مره ، ويمكن مكنتش تعرف إن ليها عم أصلا .... ........ ثم أردف ببسمة هادئه : — والله يا بني .... هى الست "فريدة "هانم تعبانه شويه ، و فـــ........... لم ينتظر "فريد" سماع باقي الرد من الجنايني ، ليختلج قلبه من الوجع والقلق ، ثم صاح فى سرعة : — تعبانه .... تعبانه مالها ..... يا حبيبتى يا "فريدة" .... هى فين ...؟! ... فى أي مستشفى...  ؟! أجاب الجنايني براحة قلب بعد أن شاهد بِـأُُم عينيه قلق ابن العم على من هى من دمه : — فى مستشفى الهلال الدولي .. انطلق "فريد" بسيارته ، يقودها بجنون السرعه ، غير عابىء بصفارات الانذار من السائرين بجواره ...إلى أن وصل إلى المشفى ومنها إلى غرفة فريدة .. توقف أمام باب الغرفة ، يلتقط أنفاسه قليلاً ، وحين تمسك بمقبض الباب ، اقترب منه أحد الأطباء قائلا : — سيادتك تقرب لمدام "فريدة "...؟! أجاب فريدة بصدق ، دون انتباه لضرورة إخفاءه لهويته : — أيوه ...أنا أخوها .... بس ... بس كنت مسافر ، و لسه راجعه مــ السفر من ساعه تفهم الطبيب صدق قوله ، قائلا : — حمدا لله عـ السلامة ... متقلقش ... مدام "فريدة" دلوقتي أحسن .... أي نعم هى كانت جاية فـ حاله سيئه جدًا.... لكن الحمد دلوقتي أحسن كتير . تساءل "فريد" بدهشة : — هى عندها إيه ؟! تدارك الطبيب الموقف ، ليقرر عدم الافصاح عن وضع الحالة ، خوفا من زرع بذور الكراهيه بقلب الشقيق تجاه زوج أخته ، ليقول : — واضح إنها عملت حادث ، اتسبب لها فى كسور متفرقة بجميع انحاء جسدها ... لكن كلها شهر وترجع أحسن من الاول... استنكر "فريد" ما سمع ، فكيف لشقيقته بتلك الإصابة ، و ذاك الحادث دون علمه : — يعنى هتفضل فـ المستشفى شهر ؟! أجاب الطبيب بعمليه : — لأ ... حوالي أسبوعين بس ، و باقي فتره العلاج تقدر تستكملها فى البيت بعد أن اطمأن "فريد" على وضع شقيقته الصحى ، دلف مع الطبيب إلى الداخل ، لتتسع مقلتي "فريدة" حين أبصرته : — "فريد "... إنت عرفت منين إن أنا هنا ....؟! .... إنت روحت البيت ....؟! .... "مدحت "شافك .... ؟! ابتسم الطبيب موجِهًا حديثه إلى "فريدة ": — ممكن نأجل وصلة الترحاب دي لبعد الفحص .... وبلاش انفعال أرجوكي ... احنا ما صدقنا حالتِك تستقر . أنهى الطبيب الفحص ، ثم رحل فى هدوء بعد أن اطمئن الجميع لإمتثال "فريدة" للتعافي ، فى حين تبادل كلا الشقيقين أطراف الحديث طويلا . لم تُرد" فريدة " إخبار أخيها بالخلاف الدائر بين الطرفين ، لذا صممت عن الحقيقة وتعللت تعرضها لحادث مرور أودى بها إلى المشفى   خلال الأيام السابقة. ، أنهى أفراد الفحص الجنائي جمع الأدله ، ليذهب الضابط المكلف بالتحقيق الى المشفى والاطمئنان عن حالة "مدحت" ، لاستكمال الإجراءات ... لكنه تفاجىء بكارثة لم تخطر له على بال .... يُتـبع ......

📜 الفصل الخامس 📜

« خـــديـعـــة » أين ..... و متى ..... و كيف .... و كل ما يدعو إلى التساؤل أحاط بضابط الأمن ، حين علم بعدم وجود صاحب بلاغ الانتحار " مدحت " ..... ليحيك رأسه بأنامله فى بلاهة ، و حيرة ...... لقد تم إدخاله المشفى للعلاج ،.....أين ذهبت جثته....؟! و لأن  ما في جعبة الكتمان ... لا يذهب إلى أي مكان ....فقد ظن هو بشخصيته أن ذاك الجاني هو نفسه  المجني عليه ، و إن الشك فى مصداقية الأمر لا يَحتَمِلُ ...ولا يُحتمل........ التفت إلى مسئولة الاستقبال التى أودعته بسمتها ، ثم تساءل : — إنتِ متأكده إن مفيش مريض دخل بِـإسم "مدحت الصواف" ، ولا هو مات، و أسرته استلمت الجثه ؟! أجابت الفتاة بذكاء : — يا حضرة الضابط .... أنا السيستم قدامي ، ومفتوح ... طالما مفيش تسجيل للبيانات ، يبقى مفيش مريض اجى بالاسم ده ....ربما يكون فيه غلط ف بياناته ولا حاجه ...!! انتاب الغيظ نفس الضابط ، ليمسك هاتفه لتحرير إتصال بوحدات المعمل الجنائى ..... فى نفس الوقت الذى ألقى فيه الدكتور "سمير " نظرة أخيرة على "مدحت" الذى إنتهى من إجراء عمليه شديدة الحساسية له ، و وضعه في غُرفة العنايه المركزه . أوصى الممرضة المرافقه له بتوخي الحذر ، ثم خرج فى ارتياح .... ليقابل زميله دكتور "مصطفى" الذى همس فى أذنيه : — ها ايه الأخبار .... ؟! ..... بلغتهم يكتموا عـ الموضوع ....؟! أجاب دكتور" مصطفى" قائلا : — كله تمام يا صاحبي.... والله لولا إن ملكش ذنب ؛ أنا لا يمكن كنت شاركت فـ مهـزله زي دي .... تحدث "سمير" فى ثبات : — أَدِيـك قولتها .... مليش ذنب .... كنت عايزني أستنى لما يجيبـوا أجلِي .... دول صعايدة يا بُوي ..... هو أنا قدُّهم .... ابتسم "مصطفى" مُوقنا بحديث صديقه ليؤكد قائلاً : — آه والله عندك حق ....ده بيقولوا دول عيلة واحده بس ... أومال الصعيد كله عدد سكانه أد إيه ....؟! .... ده أنا اتخضيت من شكلهم لما حاوطوا المستشفى .... الحمد لله ربنا بعتلنا الحل لغايت عندها ... ليعود سمير بذاكرته إلى الوراء ..... قليلاً منذ يومين ..... استقبلت مستشفى "الشفاء" حالة عاجلة خطِـرة لأحد الرجال صعيدي الهويه، مُضرج بدمائه نتيجة عدد من الطلقات الناريه ؛ يصحبه عدد كبير من الرجال ... بينما تجمع حوله عدد من الأطباء ، يقودهم دكتور "مصطفى" إلى غرفة العمليات . استمرت العمليه ٧ ساعات متواصله ، ليُفاجَىء دكتور "مصطفى" بإصابة الرجل بأورام سرطانية فى المرحلة الأخيرة ،و منتشرة بشكل كبير حول الكبد ، و الرئتين تفيد أن ذاك المريض فى حالة احتِضار... كان على "مصطفى" استخراج الرصاصات التى اخترقت الكليتين و الطحال  ، و أثناء تركيزه ...توقف القلب فجأة .. حاول "مصطفى" استعادة النبض من جديد ، وبعد عناء فعل .... إلا أنه ولشدة إرهاقه أغفل عن خطأ فاحش ، توقفت له الدماء فى عروقه .. فقد انزلقت أصابعه لتقطع الشريان الأورطى ، مما أدى إلى نزيف داخلى ، و توقف الدم عن السريان فى باقي أنحاء الجسم ..... حاول "مصطفى" احتواء الموقف .....إلا أن الصفير المتواصل أنبأ عن وفاة المريض . خرج "مصطفى" من غرفة العمليات الخلفيه فى حالةٍ يُرثى لها .... لا عِلْم له بما عليه أن يفعل ، و كيف سيواجه أسرة المريض . يَنعي شبابه الذى لم يُزهِر بعد ، فبالتأكيد لن يستوعب أحد منهم أن المريض على مشارف الموت ، حتى وإن أكد لهم إصابته بالسرطان فى كافة أنحاء جسده ، ليتساءل فى دهشه : — إزاي المريض ده كان عايش طبيعي ، فى ظل المرض ده .....؟! .... معقول مكنش بيتوجع..... ولا حس بأي ألم ..... !! ..... طب إزاي ...!! ظل الدكتور "مصطفى" يرتجف ، يحاول ترتيب أفكاره لتلك المواجهه ، إلى أن دخل عليه دكتور سمير الذى انتبه إلى إمتقاع لونه ، وشحوب وجهه.... متسائلاً : — مالك كده ..... وشك أصفر ، زي ما يكون عامل عمله ....!! نظر إليه "مصطفى" فى بؤس دون إجابة ، ليتساءل "سمير"مُجددًا : — إيه مالك ...؟! .... خلصت العمليه بتاعت مريض الصعيد ولا دخَّلت حد مكانك ...؟! أجاب "مصطفى" فى لهجة هجوميه : — قصدك إنك  إنتَ اللي دخلتني مكانك ..... أنا مليش دخل باللى حصل .... الحالة كانت بتاعتك إنت ... و إنت اللى لازم تتصرف .... أنا مليش دعوه ... مليش دعوه ... انتبه "سمير" إلى ارتباك و خوف "مصطفى" البادي على ملامحه فى وضوح : — هو حصل إيه فـ العمليات ....؟! .... إوعى تقول إن المريض مات ...... ملامحه ، وصمته ، و ظهره المتهدل كان قمة الإجابة الصادقه ، ليهتف "سمير" : — يا خبر إسود ..... دي فيها قطع رقاب ، و دلوقتي هيدخلوا السيستم ، و يعرفوا إن أنا المسئول عن الحالة ... ياخراب بيتك يا "سمير"... روحت بلاش ... يعني إيه ..؟!   مش هلحق أشوف ابني ....  يا حبيبى يا بني ياللى هتتولد يتيم ... استنكر الدكتور "مصطفى" عويل "سمير"، رغم الرعب الجاثِـم على صدره جراء هوية المريض الذى لا يزال جثمانه على فراش غرفة العمليات ، و عائلته التى يحجب أعدادهم نور الشمس ، ثم حاول بث الطمأنينة فى قلبه : — جرى إيه يا جدع ... إنت هتوَلـوِل زي الولايا ... ما تستهدى بالله كده و تصلي على حبيبك النبي .. وخلينا نِهدى ونفكر هنعمل إيه ؟! نظر "سمير" إلى زميله فى شجن : — و إنت بِتجَمع ليه يا خويا ... ما إنت خلاص طلعت زين الشعره من العجينة ، و أنا اللى لابس فيها ....لوحدي . ربـت "مصطفى" على كتف "سمير" قائلاً فى هدوء : — ولا لوحدك ..و لا حاجه ... إنت فاكرني هسيبك يعنى فـ المصيبة دي ، مينفعش تواجِـههم لوحدك .... دول يكلُـوك يابا .... بقولك إيه .... أنا هخرج أقولهم إن العملية نجحت ، و بعد كده نقول إنه اتوفى فى العناية ...القلب وقف ... أي حاجه . بعيون دامعه أردف "سمير" : — و تِفتكر ده كفايه ..... لا...لا ...مش هينفع ...  الناس دي مش سهله ولا أغبيا عشان يصدقوا كلامك ... وسهل جدًا يوصلوا للحقيقة من تقرير المستشفى. ابتسم "مصطفى" فى ثقه : — ما ده اللي مطمني ... إن تقرير المستشفى لسه ما انكتبش ، و بكده يبقى سهل علينا نلعبها صح .... و بعدين صدقني يا "سمير" ... المريض ده حالته كانت  ميؤوس منها ... المرض اتمكن من الكبد و الرئتين ... أنا مش عارف هو كان ماشي إزاي ... ده رجل ميت أصلا من قبل ما ينضرب بالرصاص ... لكن نزاهة "سمير" ، تفَـوقت على خوفه ، ليُعنِف صديقه قائلاً : — متحاولش تبرر خطأك يا "مصطفى" ... الرجل مات بسبب خطأ جراحي إنت السبب فيه .... أما بقى مسالة هو هيعيش لإمتي ، أو هيموت إمتى ... دي مش بتاعتنا ، ده عمره اللي ربنا كتبهوله ... وبعدين أنا مش بعفِـي نفسي من المسئوليه ... أنا كمان غلطان إني سيبت شغلي ، و مشيت و وكِلته ليك وإنت تعبان ومرهق ، بس أعمل إيه مكنتِش أعرف والله . جلس "مصطفى" على أقرب مقعد ، يزفر أنفاسه الحارة فى صعوبه ، ثم أردف : — مقولتليـش ... هى مدام "سمر" أخبارهـا إيه دلوقتي ..... طلعت أعراض ولادة ، ولا زي اللي قبلها ....؟! أجاب "سمير" فى إشفاق : — "سمر" .... دي حكاية لوحدها ... تخيل الهانم وقعت على ضهرها ، و خافت تقوللي .... روحت لقيتها نايمه عـ السرير ، و داهنه ضهرها فولتارين ، مش عارف إزاي ..... أخدتها بعد استجواب مرير ، و روحنا عيادة الدكتوره اللى بتتابع عنها ، عشان تعملها أشعة .... والحمد لله ربنا ستر ... طلعت تمام هى والبيبى ...... الواد ده على ما يتولد ، هيكون روحي طلعت من القلق و التوتر و الخضَّة ....." دقائق متتالية ، قاربت العشرين .... على إثرها قرر "مصطفى" استيفاء خطته ، و إبلاغ عائلة الصعيدي المتوفي ، بنجاح العمليه ..... و حاجته إلى المكوث فى العناية لحين افاقته ..... و ما إن وطأت أقدامهم إلى الخارج، أسرعت إحدى الممرضات تهتف فى ذعر : — إلحق يا دكتور "سمير"..... فيه حاله خطيرة محتاجة تدخل جراحي حالا .....و فيه أمن مصاحب ليه .. انضم "مصطفى" إلى "سمير" ، ليُسرعوا إلى المريض ، و محاوله إنقاذه قبل فوات الأوان ، ليقول : — أمن ليه ....؟! .... هو مجرم ولا إيه ؟! نَفَـت الممرضة تلك التهمة لتقول : — مش باين عليه الإجرام .... ده شاب صغير و وسيم ... و شكله كده مضروب بالنار ....ده نِـزف دم كتير أوى يا دكتور تلاقت عيني "سمير "و"مصطفى "فى وجوم هاتفين : — ضرب نار برضه ..... هو إيه الحكاية ....؟! .... الشنق قصر معاهم فـ حاجه ....؟! واتجهوا سويا إلى غرفة العمليات ، بعد أن تجهزا بالتعقيم اللازم ... و عندما وقعت أنظارهم على "مدحت" ، تسمَّـر كلا الطبيبان ؛ فمن شاهداه الآن ليس "مدحت" رجل الأعمال الذى أتى بطلق ناري ؛ و إنما كان الرجل الصعيدي اللى لقِـي حتفه على فراش العمليات ... أو بالأحري شبيهه التوأم .... إلتقت أعين كليهما فى نظره سردت المكنون ، الذى صَعُبَ على كل منهما التوضيح فيه ، لخطورة الحالة ، وضيق الوقت . و شرعا بالتدخل الجراحي ، ومحاولة إنقاذ المريض بكل ما أوتيا من قوه .. الحياة مدرسة ، وكلنا فى ربوعها طلاب .... وحين ينتهي الطالب من سنوات عمره الجامعية التى تعدت الخمس ، ينال شرف القسم المهني ... فيقسم أن يبذل ما فى وسعه لإنقاذ حياة المريض ، و ألا يكِـل أو  يتعب إن واتتْـه الفرصة للتضحية بنفسه فى سبيل الواجب ..... و هذا ما فعلاه كلا الطبيبين.... و نفذاه فى حياتهما العمليه .... أما تلك المرة فكان المقصد أكبر من مجرد واجب ، أو حياة مريض على المحك . و إنما حياتهما شخصيًا هى التى أضحت على المحك ..... و إن صدَق الظن ، فربما كان ذاك الأمر من حُسن طالعهم ..... بذل كلا منهما مجهودًا كبيرًا يفوق التحمل ، حتى انتهت العملية بالنجاح ، ليتم إيداع المريض فى العناية المركزة. خرج كُـلاً من "سمير" و "مصطفى" يؤكدان لعائلة مريض الصعيد نجاح العمل الجراحى ...... ثم رافقوهم إلى غرفة العناية المركزة لرؤية مريضهم من خلف الزجاج ... أو بالأحرى رؤية "مدحت" دون علمهم بما يُخططان له ...... و فى الخارج انتظر أفراد الأمن خروج الأطباء لسؤالهم عن حالة " مدحت "  لإستكمال التحقيق . اقترب الدكتور "سمير" من ضابط الأمن يتصفح ملامحه فى وجوم قائلا : — أنا آسف يا فندم .... المريض اللى إجى مصاب بطلق ناري تعيش إنت ... اتسعت مقلتي ضابط الامن ، رغم معرفته المسبقه بحالة "مدحت" ، و خسارته الكبيرة للدماء ، إلا أن للموت رهبه لا يتحملها بشر..... ثم أضاف : — طيب جهز الجثمان واكتب التقرير، علشان أسرته تستلمه ونقفل المحضر . أومأ الدكتور "سمير" بالموافقه ، فى حين رحل الضابط ليتبقى ثلاثه من العساكر بانتظار الإجراءات الأمنية المُتبعه ، لذا اقترب "مصطفى" من "سمير" هامسًا فى خوف : — إيه اللي إنت هبِّبتُـه ده .... ولما الرجل اللى جوه ده يفُـوق ، ويحب يرجع بيته ، هنقوله إيه ... معلش إنت فقدت الذاكره ، ودي ذكريات حد تاني .... ما هو ببساطه هينكر معرفته بالصعايدة دول ، و هتبقى مصيبة أكبر من الأول... هدوء غلف ملامح "سمير" قائلا : — ولا مصيبة ولا حاجه .... تفتكر واحد زي المريض اللى جوه ده لما ييجي معاه ضابط ؛ و ثلاث عساكر ، ومصاب بطلق ناري على بُعد إنشات من القلب ، تِفتكر هيكون عمل إيه .....؟! ..... كان بينضف المسدس مثلاً ، فخرجت منه طلقة غلط ... لأ طبعا ..... ده أكيد يا إما ليه عداوه مع حد ، يا إما حاول ينتحر .... وفي الحالتين دي جريمة ، و ليها عقاب حسب القانون ، وإحنا بقى هنضغط عليه فـ الحِتـه دي .... يا إما يقول إنه إبن الصعيد لفترة مؤقته على الأقل ، يا إما يدخل السجن ، أو يخرج للي حاولوا يقتلوه.... ولو فشلوا مره ، ممكن ينجحوا فـ التانيه.. انبهر "مصطفى" من عقلية "سمير" الجُهنميه ليقول : — إيه الدماغ دي يا "سمير" .... يخرب عقلك ... ده إنت رسمتها مظبوط أوى ....بس .... بس أنا خايف من حاجه ..!! تساءل "سمير" فى حيرة : — حاجة إيه ؟! — خايف حد من المعمل الجنائي ييجي يعاين الجثه تاني ، ويلاحظوا الفرق .... ما هم أكيد قبل ما يجيبوه على هنا ، أخدوا بصماته ، وعينة من دمه .. حاول "سمير" نفض أفكار زعزعة موقفه من رأسه ليقول : — لأ.. مظنِـش ..... ده مفيش حد نهائي إجى معاه.... و الأمن مش فاضي للأمور دي ... يعنى هم مش وراهم غيره .... أقطع دراعي من هنا _ و أشار إلى إصبعه الخنصر _ إن الضابط اللي مِشى ده ما صدق إنه سِمع الكلام اللي قولته عشان يقَفِـل المحضر .. ابتسم "مصطفى" ليداعب صديقه فى محاوله لتخفيف حدة الموقف : — و هو دراعك بقى صابعك يا ضلالي ....!! أجاب "سمير" أثناء توجهِـه إلى أسرة الصعيدي : — و هو أنا يعنى مستغني عنه علشان أحلف بغِيـره .... على الجانب الآخر ...فى مستشفى "الهلال الدولي"حيث ترقد السيدة "فريده". اجتمع شمل الأخوين ، ليتفرس "عماد"ملامح شقيق والدته فى حيرة قائلا : — مامي .... إزاي أونكل ده يشهبك أوي كده ..... هو أخوكي ؟! ابتسم "فريد" ، مرحبا بـ "عماد" ، باسطًا كفيه إليه فى تودد : — ما شاء الله عليك يا حبيبى ... إنت فعلا ذكي و لمَّـاح .... أنا خالك "فريد" .. أخو ماما ...بس كنت مسافر من سنين طويله ، و دلوقتي رجعت و قررت أستقر هنا ... ظهرت الابتسامة على ثغر "فريدة" ، لتشرق ملامحها الفاتنه قائله : — بجد يا "فريد" ..... هتستقر هنا خلاص ...؟! إلتفت إليها ، مُمسكًا بكفَّيها فى رفق : — أيوه يا حبيبتى .... باذن الله عشان أكون جنبِك ، و أطمن عليكي طول الوقت اقتربت "أهداب لتجلس على ساقيه ، قائله : — تطمن عليها هى بس ؟! أشبعها "فريد" بالقُبُلات على كافة أنحاء وجنتيها قائلاً : — لأ إزاي ...و دي تيجي ..... حد فـ الدنيا يقدر ينسي البرنسيسة "أهـداب" و البرنس "عماد "...... ده انتوا الاثنين سحر الجمال كله . قرر "عزت" السائق إمهـال فريدة الراحة ، و تبادل السعادة والترحاب بشقيقها المجهول ، ليقرر أخبارها بأمر "مدحت" فى اليوم القادم..... لتنتهي الليلة كما بدأت مُتعبه ، و مرهقه ..... وفى صباح اليوم التالي اصطحب "عزت" الطفلين إلى مدرستيهما ، ثم انطلق إلى المشفى ليجد "فريد" جالسًا جوار شقيقته ، يُطعِمها وجبة الفطور بيديه .. شعر "عزت" ببعص الإرتياح ، ليطالب بالحديث إلى "فريد" على انفراد قائلا : — صباح الخير يا "فريد" بيه .....صباح الخير يا "فريدة "هانم ....طمنيني عليكي .... أخبار صحتك الغالية إيه النهارده ؟! أجابت "فريدة" تحية الصباح لتستأنف قائله : — الحمد لله يا "عزت" .... فين الولاد ...طمني عليهم ؟! — الولاد الحمد لله بخير ، فطروا و وصلتهم المدرسه بنفسي .... متقلقيش ولا تشغلي بالك ..... ارتبكت "فريدة" قليلا مما هى مُقبِله عليه لتتساءل : — و.... و.... و"مدحت" ...؟!..... متعرفش عنه حاجه ؟! هنا وجد "فريد" الفرصة سانحة فقد حار فى أمر مدحت ، كيف تُـلازم زوجته الفراش ، و ترقد بالمشفى دون  أن يحاول الاطمئنان عليها أو زيارتها ؟! لقد كان يظن أنه لم يبرح الأرض حتى يطمئن عليها ، و تعود إلى منزلها بين أحضانه و على قدميها ..... لذا أردف : — صحيح يا "فريدة" .... هو "مدحت" فين ؟! ... مش المفروض يكون جنبك فـ ظروف زي دي ... و إوعي تقوليلي إن غيابه بسبب الشغل ... وهنا أردف "عزت" كي يقطع حِبال الكذب أو الاختباء خلف مبررات واهية لا أساس لها من الصحة : — يا "فريد" بيه .... اللى حصل لمدام "فريدة" ، "مدحت"بيه هو المسئول عنه ... "مدحت" بيه هو اللي ضربها بالشكل ده ، و لولا إني لِحقتها فـ الوقت المناسب ، كانت حالتها بقت أسوء من كده ..... غلت الدماء فى عروق "فريد" ، ليصرخ دون الحرص أو التفكر بإلتزام الهدوء فى ذاك المكان الذى يجلس فيه : — إنت بتقول إيه ؟!.....  أومال ليه قولتلي إنها عملت حادثه .... أنا كان قلبي حاسس ، و مكنتش مصدق.... ......ثم أمسك "عزت" من تلابيب ثيابه ليصيح : — عمل كده ليه ؟! .... انطلق .... أجاب "عزت" فى خجل : — أنا معرفش إيه السبب بالضبط ، بس يجوز أكون ؛ كنت السبب بشكل غير مباشر ..... يومها سألني فين الهانم ، وليه رجعت من منتزه الشروق لوحدي .....قولتله إن الهانم طلبت مني أوصلها ، و بعدين أرجع لها تانى بعد ثلاث ساعات ...... والله يا باشا ده اللي حصل ... و لو كنت أعرف إنه هيمد إيده عليها ، مكنتِـش نطقت ، وكنت وِقفت له قبل ما يقرب منها ...... حاولت "فريدة" تشتيت ذهن أخيها ، ليُلغى فكرة اذعانه فى التشابك مع "مدحت" ، و إيذائه لشقيقته لتهمس : — أرجوك يا فريد ..... أنا ما صدقت رجعت لي ..... ده خلاف بسيط بس أنا عشان حساسة شويه ، متحملتش . و هنا أطلق "عزت" قنبلته المدوية هاتفًا : — مفيش داعي لإنفعالك ده يا "فريد" بيه ... "مدحت" باشا إنــ....إنــ .... إنتحر من يومين ....بعد ما رجعت الفيلا حاولت أخد منه المسدس ، و أفوَّقه عن الجريمة اللى هيعملها فـ حق نفسه ، بس للأسف هو ضغط عـ الزناد .... و مــ .... ومات ... انطلقت صرخة "فريدة" تُدوي فـى أرجاء المشفي ، ليحتويها أخيها بين ذراعيه فى شفقه : — اهدي يا "فريدة" ... عشان خاطر صحِتك وخاطر ولادِك محتاجينك ، و كلنا منتحملش عليكي الوجع.... الله يرحمه و يغفر له .... إنا لله وإنا إليه راجعون.... ثم إلتفت إلى "عزت" فى غضب: — كان لازم تستعجل ، و تقولها ...كنت اإستنى لما تقوم بالسلامة .....خلاص مش قادر تحكُـم لسانك ... أجاب "عزت" بوازِع من الندم : — أنا آسف والله .... بس الإسعاف إجى و أخده عـ المشفى و الدكتور قال إن حالته خطر و...... انتفضت "فريدة" من بين أحضان شقيقها ، لتقول فى لهفه: — يعنى هو راح المستشفى قبل ما يموت .... هو في مستشفى إيه ...؟! .... يمكن قِـدروا يلحقوه .....يمكن لسه عايش ... أنا عايزه "مدحت" يا "فريد" ... رجعهـولي ..... رجعلي حبيبى و أبو ولادي .... هو مظلوم ، هو محكوم باللى شافه ...... هتف "عزت" فى رجاء : — يا ريت يا هانم .... والله أنا بتمنى يكون لسه عايش .... الباشا أفضاله عليا ملهاش أول من آخر .... بس هو الدكتور قال إنه نزف كتير ، و إن الرصاصه دخلت القلب و..... تلك المرة ، تساءل "فريد "قائلا: — هو إنت روحت معاه المستشفي و عرفت حالته إيه .... أو لسه عايش ولا ....؟! أجاب "عزت" بنفي : — لا والله يا باشا ..... أنا انشغلت بالهانم لأن حالتها كانت صعبه أوي ، و الولاد كانوا مُنهارين .....و بصراحة كنت زعلان من "مدحت" بيه أوى ، و مقدرتش أغفرله اللي عمله فـ الهانم بعيون يملؤها الرجاء و الإلحاح ، طالبت "فريدة" شقيقها الذهاب للمشفى ، و الاطمئنان على حبيبها الأوحد ، و إن أذنب بحقها ... فسوف تغفر له ما قد فعل . لأجلها سيفعل المستحيل ، و يطوع الحديد ليجعله ليِّنًـا لذا ما إن طالبت حتى أجابها " سمعًـا و طاعـة " انطلق "فريد" بصحبة "عزت" إلى المشفى بعد أن استأذن شقيقته ، يتمنى بداخله أن يكون زوجها لا يزال على قيد الحياة ..من أجلها وأجل الصغار فقط ... ليصلا إلى المشفى فى غضون ساعة و بادرا بالسؤال عنه ، فى نفس اللحظة التى كتب فيها سمير التقرير الذى يفيد بوفاة "مدحت" نظير رصاصة تربعت بقلبه ، فأودت بحياته .... تم تحضير الجثمان فى وجود عساكر الأمن الثلاثه ، ليتم التحفظ عليه بالمشرحة ، لحين التواصل مع أسرته و استلام الجثة . لم ينتظر الدكتور "سمير" طويلاً ، فقد وصل "فريد" بصحبة "عزت" للاطمئنان على "مدحت" ، الذى أفادته موظفه الاستقبال بالذهاب إلى الدكتور المختص عن الحالة و سؤاله بنفسه.... كان "سمير" فى تلك الأثناء يُطمئن رجال الصعيد عن نجاح العمل الجراحي لإبنهم ، و عن ضرورة بقاءه بالعنايه المركزه لحين إفاقته ، و استرداده لصحته ..... وعندما علم بوجود أسرة "مدحت" ، تنفس الصعداء ليبدأ خطته التى اضطر إلى حياكتها هروبًا من مصيره سواء بالـزج خلف القضبان ، أو بالقتل على أيدي رجال الجنوب ..... خطئه الوحيد الذى اقترفه هو أنه اعتذر عن عمله ، بغية الاطمئنان على زوجته التى تحمل طفله الأول فى أحشائها ..... لذا استأذن أسرة الآخر ، ليقابل "فريد" و "عزت" ، و يلقي على مسامعهما تلك الفاجعه . طأطا رأسه فى ألم قائلاً : — هو حضراتكم تِـقربوا للمريض اللى إجى بإصابة الطلق الناري ...؟! أجاب "فريد" فى ارتجاف : — أيوه يا دكتور ... أنا أخو مراته .... أردف "سمير" فى حزن : — للأسف الحالة وصلت المستشفى شبه مُنتهية ... مجرد ما دخل العمليات و بدأت العمليه قلبه توقف ، و اتوفى .... أنا حقيقي آسف ، بس صدقني أنا عملت اللي عليا ، لكن هو عمره انتهى لغايت كده .... بكى فريد فى أسف ، و قلق على وحيدته "فريدة" حين تعلم ، فهى الآن فى أمَس الحاجه إلى الكذب المعسول بدلا من صدق العلقم ، ليقول فى ايمان  : — إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم اغفر له و ارحمه ، و أبدل دار الفناء ، بدار لا حزن فيها ولا شقاء ... نقدر ننهى إجراءات الدفن إمتى ...؟! — دلوقتي إذا حبيت .... الجثمان جاهز فى المشرحة .... البقاء لله ، و تعازي الحارة للمدام و الأولاد .... تقدروا تروحوا الإدارة و تنهوا الإجراءات ..... عن اذنكم ... بدموع هاربة ، أردف "عزت" : — البقاء لله يا "فريد" بيه ..... لكُل أجلٍ كتاب ...والله المرحوم كان ليه حسنات كتير ، عمري ما هنساها ... وكان بيعشق الهانم ... أنا مش عارف إيه اللى وصَّـله لِـكده .....!! صمت "فريد" ، ليتوجه إلى الإدارة و إنهاء الإجراءات التى احتاجت لبعض الوقت ثم قرر الانتهاء من مراسم الدفن قبل علم "فريدته" و أطفالها .... و بعد مواراة مدحت _ أو بالأحرى رجل الصعيد _ التراب ، قرأ كلاً من "فريد" ، و "عزت" ما تيسر من القرآن الكريم البيِّنات ... ليعودا من جديد إلى "فريدة" فى المشفى .. فى ذلك الوقت انتهى كل من "عماد" و "أهداب" من يومهما الدراسي ، ليصاحب شقيقته إلى المشفى و الاطمئنان على والدتهما ؛ فى حين جلس فريد يُلقي على مسامعها الحزينة خبر وفاة زوجها فى بؤس .. زرفت "فريدة" الدموع الحارة كما لم تفعل من قبل ، فى حين إنهارت "أهداب" حزنًـا على والدها ، إلا "عماد" الذى تعامل مع الأمر  بقليل من البرود ، لحزنه الشديد من والده... احتواء "فريد" كان مصدر الأمان والـزود عن أبناء شقيقته ، يشعر كلاً منهما أن والدهما لم يمت بعد ...... فقد زرع الله الحب بقلبي الصغيرين تجاه خالهما .... أيام تمر.... و أسابيع ... استعادت فيهم "فريدة" صحتها ، ليقرر الطبيب التصريح لهما بالخروج من المشفى عادت إلى الفيلا بحالة نفسية سيئه ، فلم تعد تحتمل المكوث بها بعدما حدث ..... فصورة "مدحت" و ذكرياتهم سويا ، و غضبه منها، و الأذى الذى لحِـق بها قد نقش جذوره فى كل شبر من تلك الفيلا  ....... اضطرت "فريدة" إلى التواصل مع " أمين " شقيق زوجها "مدحت" ، و إخباره بوفاته  ، الذى ما إن علم بذلك الخبر حتى حزن كثيرًا .... و قرر العوده الى مصر ..... فـ "أمين" هو الشقيق الأكبر لـ "مدحت" ...هاجر الى استراليا فى سن الثالثه والعشرين ، تزوج من سيدة انجليزيه مسلمة ، و أنجب منها ثلاث أبناء ...وقد كان تواصله مع أخيه هاتفيًا فقط من وراء الشاشات .... لم يفكر فى العوده مطلقًا إلا أن "مدحت" كثيرًا ما اعتاد زيارته فى الخارج من زوجته و طفليه .... بعد أيام قلائل ...  عاد "أمين" إلى مصر ، و قصت عليه ما حدث من رسالة والدها التى قدمتها إليه ، ليتمعن بها فى اهتمام ، ثم تعرَّف على "فريد " و شقيقه الصغير "لـؤي" و استشهد بشهادة المحامي .... لينهار "أمين "على ما حدث لـ "مدحت" من تسرُع ، و سوء الظن .... اقترح على "فريدة " إصطحاب الطفلين معه إلى الخارج ، للإبتعاد عن ظروف الحادثه و ويلاتها .... و خاصة بعد الحالة النفسيه السيئه التى عانت منها "أهداب بعدما علمت .... بعد تفكير عميق وافقت "فريدة" على أن تكون رحلة مؤقته لا تتجاوز الشهرين ، بعدها تعود مجددًا إلى مصر الحبيبة .... وَداع ما أقساه على قلب أم ...!!... خسرت منذ أيام زوجها المحب .... لتودع أبنائها الآخرين ، و إن كانت رحلتهما مؤقته ؛ إلا أنها لم تعتاد غيابهما من قبل ... و انطلقت الطائرة ..... تودع ماضٍ حزين ... و ترحب بمستقبلٍ .... قد يكون أجمل .... ربما .....يفعل ..... تولى "فريد" إدارة شئون الشركة .... و عرض  الفيلا للبيع بعد طلب صريح من "فريدة" ، لعدم قدرتها على الاستمرار فى تلك الأجواء المؤلمة ... ودعت "فريدة" ذكرياتها ، لتحملها بداخلها .... فتلك الجدران لا ترصد ما قد يحمله القلب من صور و مشاهد و سنوات من السعاده والسكينة ... تنعمت بها بقلب زوجها الراحل "مدحت" . انتقل "فريد"و "لـؤي" للسكن مع شقيقتهما بفيلا أخرى ابتاعها "فريد" من ماله الخاص ، فقد صمم على الحفاظ على أموال شقيقته ، و أبناءها اليتامي ... و الزود عنها ضد أي مكروه .... وفى بُـؤرةٍ أخرى ...... و مشفى آخر .... أفاق "مدحت" ليلحظ كلاً من الطبيبين بجواره يحمدان الله على سلامته .. ثم تحدث سمير ، بقليل من الحذر : — أستاذ "مدحت ".... أنا طبعًا أخدت بياناتك من البطاقة الشخصيه اللى كانت معاك وقت ما وصلت المشفى ... الحمد لله حالتك دلوقتى أفضل من الأول بكتير ، و قدرنا نستخرج الرصاصه اللي كانت فى مكان حساس و خطر ، بس الحمد لله ربنا وفقنا ، و كلها أيام وتقوم بالسلامة . أسدل "مدحت" أهدابه فى امتنان ، فى حين تحدث "مصطفى" هذه المرة قائلاً : — دلوقتي يا أستاذ "مدحت" .... فيه موضوع مهم أنا عارف أنه مش وقته ولا مكانه ، وكمان حالتك متسمحش ، بس لازم نتكلم فيه .... لما حضرتك وصلت المستشفى ، كان مرافق ليك أربع ضباط أمن ، فلو افترضنا إنك على عداوه مع حد ...وبصراحة اللي ضربك كان مُحترف في الرماية ... يعنى لو فشل المرة دي ، فإنت ما زلت فـ خطر ... و أنا مضمنش إنه يكررها لما تخرج من هنا باذن الله ... امتقعت ملامح "مدحت" قليلاً ،فى حين أردف" سمير " : — اهدى يا أستاذ "مدحت" ... إنت فـ أمان هنا ...  و أنا مستعد أساعدك ، بس خُد بالك اللي هقوله دلوقتي قُدامك هيبقى سِـر  بيننا ، سواء وافقت أو رفضت .... حرك "مدحت" رأسه قليلاً ، ليُفيد بموافقته ، ليستكمل "مصطفى" الحديث عن صديقه : — دلوقتي لغايت ما تقوم بالسلامة ، محدش فينا يعرف سبب الرصاصة دي إيه ، ولا مين اللى حاول يقتلك.... لكن فيه أمل تكون فى أمان بعيد عن أعدائك ، وكمان بعيد عن البوليس لو كنت مثلاً فكرت تنتحر .... إنت عارف إن الإنتحار جريمة فـ حق النفس ، و عليها عقوبه بموجب القانون ، ده غير الشوشرة اللي هتعانِي منها بعد ما عرفنا إنك رجل أعمال مشهور .... فالحل هنا .... إنك تنسى إنك مدحت ، و تاخد هوية واحد تاني غيرك .... بمعنى أصح تكون" مدحت " بهوية "كاشف" .... اتسعت مقلتي "مدحت" ، دون استيعاب ، ليستكمل "سمير" الحديث : — فيه حالة وصلت المشفى فى نفس اليوم اللى جيت فيه ... لرجل  اسمه" كاشف " من أعيان  الصعيد .... المريض ده كان برضه زيك مصاب بثلاث طلقات نارية ، لكن للأسف حالته كانت أسوء ، و كان بيعاني من أورام سرطانيه ، تقريبًا مكنش بيتعالج ، وصلت بيه لمرحلة النهاية ... علشان كده للأسف مات . أهله طبعًا مش هيقدروا يتحملوا الخبر ده ... وأنا مقدر وجعهم عليه .... الفراق مش سهل .... علشان كده أنا بقدملك فرصة من ذهب .... إيه رأيك نبلغهم إن العمليه نجحت ، و إنك إنت كاشف .... وصدقني مش هيلاحظوا الفرق ، لأن أنا كطبيب خمنت إنكم توأم ، وكل واحد فيكم كمل طريقه بشكل غير التاني .... قوللي ... يا "مدحت" إنت ليك اخوات توأم ؟! اومأ "مدحت" برأسه علامة السلب ....  ليعاود "مصطفى" الحديث: — الناس دول واصلين ، وليهم هيبه كبيرة ، و مركز ملوش أول من آخر... و إنت معاهم هتكون فـ أمان ... والموضوع هيكون مؤقت .. و إن كان على أسرتك تقدر بعد كام شهر ، ترجع لهم من تاني ... أو تصفي شغلك هنا فـ مصر و تسافر ... و يمكن كمان تستفيد من وضعهم ، ومكانتهم و تقولهم إنك كنت متجوز بره مصر ، و دول الولاد ... و تبلغ زوجتك بالموضوع .... صدقني لو فعلا اللى حصل معاك من أي حد بيتربص لك .... الناس دي أكتر حد يحميك منهم .... فكَّـر شويه .... و قبل ما ننقلك لغرفة خاصة تبلغنا بقرارك .. و احنا معاك فـ اللي تقرره .... وحمدًا لله عـ السلامة .... رحل الطبيبان تاركان "مدحت" فى حالة من التِـيه ، ثم التفت "سمير" إليه قبل أن يغادر : — على فكره التحقيق فـ موضوعك لسه قائم ، و الضابط المكلف منتظِـر إنك تستعيد وعيك ، وكل اللي موجود حاليًا لتأمينك هو ٢ بس من العساكر .. يعنى لو حاول حد يدخل المشفى و يكمل اللي عمله ، هيقدر ببساطه ، و لو فكرت إن الانتحار سهل إنه يعدي بدون عقاب تبقى بتحلم .... اللى ممكن يحميك دلوقتي هم عيلتك الجديده اللى ماليين المشفى ، و محاوطينها من بره .... ريَّـح و فكر كويس ...   يـُتـبـع.........

📜 الفصل السادس 📜

« كِذبـــــة فى هــويـــه » رحل ...... دون أن يـُمهِلها لحظات الوداع .... رحل .....  و ترك فيها فُـراقًا لا يندثِر ..... رحل ..... و قد تمنت لو ينتهى النبض ، و تشاركه الرفات .... الأيام ثقيلة .... و قد اعتادت "فريدة" منذ وفاة زوجها الاختلاء بنفسها ، لتعيش بين ثنايا الذكريات . وتمضي الأيام بلا ملامح .... و الليالي البارده فقدت دفء المشاعر .... والضحكة التى كانت تُزين ثغرها الباسم ، رحلت إلى غير عودة ...... تولى "فريد" إدارة الشركة ، تعاونه فى بعض الأحيان شقيقته الكبرى "فريدة ".... وقد أقسم أمام الله أن يضحى بعمره .. بِـطاقته .... بكل عزيز لديه من أجل الأبناء اليتامي ، و شقيقة ظهرت فى قلبه فأشرقت جُنباته ..... تعددت الزيارات بين "فريدة" و ابنتها التى سافرت مع عمها أمين ، فى حين عاد " عماد " إلى وطنه لعدم قدرته على التكيف بالخارج .... لتهدا الأمور قليلاً ... و يلتزم الجميع بالتكيف ... فالحياة مستمرة ، و إن لم نألفها فعلينا التغاضي ... ‏تلك النظرة التي تُنصت، لا تفحص... تحنو، لا تُحقِّـق، تقول بعينٍ واحدة: (أنا أراك، كما أنت… دون تبرير، دون تحسين، دون حاجة لأن تُثبت شيئًا.) هنا تحتاج إلى قلبٍ يفتح لك أبوابه دون أن يسألك: من أنت؟ إلى عينٍ ترى في رعشة يديك جملةً طويلةً من الحكايا لم تستطع أن تكتبها. أتعلم؟ ...... أن الاحتواء ليس إصلاحًا، بل أحتضان .. ليس اختِـزالًا للمأساة، بل تسكيـن لها دون نكران. ليس إنكارًا للسقوط، بل رفقةٌ هادئة تقول: (السقوط ليس فضيحة، بل دليل على أنك كنت تحاول الوقوف). وفى مشفى "الشفاء" تلك الفكرة التى شغلت تفكيره ، وهو الذى لا يزال على فراش المرض.... ذلك الأمان الذى ينشُده ، و الحسرة على ما وصل إليه .... ذاك التسرع الذى آل به إلى هنا ... بعدما كان ينعم برحابة أسرته فى أجواء العشق لزوجته ، و رعاية أبناءه.. و ها هو الآن.... مُجبر على القبول .... نعم... سيقبل بحياة لا مكان له فيها ... و بهويه لا تعنيه ..... عله يستطع معرفة الحقيقة من وراء الستار ..... ظلت الممرضة المصاحبة لـ "مدحت" على اهتمامها ، تسجل و تشرف على حالته ، في حين تناوب الدكتور "سمير" مع زميله الدكتور "مصطفى" فى الإشراف على حالته فى صمت. لم يذكر أحدهما الموضوع اللذان طرحاه عليه منذ ساعات قلائل ، ليخشى "مدحت" ، و تتملكه أمارات الريبه... أيمكن أن يكونا قد صرفا النظر عن الأمر ؟! فى حين ظل جمهور أهالي الصعيد من الأعيان و أسرهم فى ترقب للاطمئنان على ابنهم الذى سقط ضحية الغدر .. أيام تتوالى ، و حالة "مدحت"فى تحسُن .... حتى حانت اللحظه المنتظره ، وهى إنتقاله إلى غرفته الخاصة .... ليترقب موقف الطبيبين .... ولَّـت ساعات النهار ، ليُقبل الدكتور "سمير" برفقة زميله "مصطفى" إلى غرفة العناية المركزة ، وما إن شاهدهم والد الصعيدي الراحل حتى سأله بعيون ذابله : — طمني يا دكتور على حالة ولدي .... هو هيفضل إكده فى العناية .... خصيمك النبي ، خليني أشوفه و أطمن عليه.... أني بجالي سبوعين جَلبي موجوع عليه ..... ربت الدكتور "سمير"على كتف الأب المكلوم ، ليقول فى رفق و لين : — اطمن يا حاج .... والله ابنك بخير ، و حالته بقت أحسن ، و عشان أفرحك هو هيتنقل بعد شويه لغرفة خاصه ... تقدروا تشوفوه و تطمنوا عليه .....بس خد بالك بهدوء ومن غير إجهاد .... أشرقت ملامح الرجل فى سعادة ، ليرفع كفيه إلى السماء مُهلِـلاً : — الله أكبر.... يا مَنتَـا كريم يارب ... الحمد لله .... الحمد لله .... يارب احفظ لي ولدي ، و احميه ..... استأذن "سمير" من الرجل ، لتعلو أمارات السعادة وجهه فى حين ينهش القلق قلبه فى خوف مما هو قادم .... فهل سيصح ما سيفعله ؟! ..... ام أنه سيدخل بكامل إرادته إلى عُـش النحل مُغمض العينين ..... دلف كل من الطبيبين إلى الداخل ، لتنتبه الممرضة المرافقه لـ "مدحت" ، التى اقتربت منهما قائله فى عمليه: — حالة المريض أنا سجلتها فى التقرير يا دكتور ... الحمد لله مؤشراته كلها فى تحسن .... ثم قدمت له سجله الطبي .. ليتفحصه "مصطفى" فى اهتمام طبيب ، فى حين نظر إليها "سمير" قائلاً : — جهزي غرفة ١٠٣ ... علشان هننقل المريض فيها خرجت الممرضة لتنفيذ أمر الطبيب ، فى حين اقترب منه كليهما يسألانه فى اهتمام : — طمني عليك يا أستاذ "مدحت" ... أخبارك إيه دلوقتي .... فيه حاجه تعباك...؟! أشار مدحت بأحد أصابعه إلى رأسه ، ليقترب منه "مصطفى" متسائلاً فى قلق : — إيه ... راسك بتوجعك ؟! أشار "مدحت" بإيماءة بسيطه علامة الموافقه ، فى نفس الوقت الذى اهتم فيه "سمير" بفحص "مدحت" فحصًا ينم عن خبرته .... رفع "سمير" عينيه إلى "مدحت" مُطمئنًـا : — لا ... إنت النهارده أحسن بكتير ...و على فكره الصداع ده بشكل مؤقت .... فـمتقلقش .... دلوقتى إحنا هنجهزك ، قبل ما تنتقل لغرفة خاصه ... هنعملك أشعة كمان للاطمئنان .... وبإذن الله تقوم بالسلامة . قرر الاثنان الرحيل ، فى محاوله ماكِره منهم لإتيان الرد من "مدحت" دون ضغط منهم أو طلب .. و قبل فتح الباب استعدادًا للخروج ، هتف "مدحت" بوهن : — هو إنت صرفت نظر عن الصعايدة يا دكتور ؟! أجاب "مصطفى" بعد أن نجح فى إخفاء ابتسامة نصر : — لا ...مصرفناش نظر ، بس الواضح إنك مش مقتنع ولا موافق .... عشان كده قولنا إنت وراحتك .... تحلى مدحت ببعض القوة مجيبا : — لا أنا موافق ... تنفس كلا الطبيبان الصعداء ، ليلتفتا إليه يُصرحان على مسامعه ما يريد.. — من دلوقتي اسمك "كـاشف" ... والدك الحاج "زكريـا حمزاوي" ...و إنت من أعيان الصعيد ... هتقدر تتكلم صعيدي ... ولا لأ ؟! أجاب "مدحت" باستكانة من هو مغلوب على أمره : — أيوه .... بس المعلومات دي مش كفايه ... وكمان عايز أعرف أنا هكمل فى التمثيليه دي لإمتى ، و بالنسبة لهويتي الأساسيه .... أنا فـ نظر القانون هكون مجرم ولا إيه ؟! أجاب "سمير" فى صدق : — إنت في نظر القانون حاليًا ميت .... بس الموضوع ده سهل إنك تنفيه بقضيه صغيره ترفعها بعدين.... وقتها المحضر خلاص اتقفل ، ومظنش حد هيفتكر تانى ، ومش ضروري وسائل الإعلام تعرف ... أكمل مصطفى بتركيز : — وبالنسبة للمعلومات الناقصه عن هويتك الجديده ، متقلقش انا هقعد مع والدك وأتكلم معاه و أفهمه ، إن حالتك الصحية لسه مش مستقره ، و خصوصا استجابتك للي حواليك ...و كل اللي أنا هعرفه هبلغك بيه ..... ليعود" سمير " إلى حديثه : — مفيش داعي للقلق ..... أنا و"مصطفى" هنكون جنبك أول بأول .... الاختبار هيكون بعد ما ترتاح فى غرفتك الخاصه ويدخلوا يطمنوا عليك .... إحنا عاملين حسابنا لأي مفاجآت متقلقش علشان تقوم بالسلامة .... وساعتها هنشوف رد فعلهم ، هيتعرفوا عليك ولا هيشكوا فيك... تساءل" مدحت "فى ارهاق : — هو الصعيدى اللى مات ده شبههي اوى كده ؟! بدون سابق اتفاق أجاب الإثنان : — و كأنكم توأم .... حتى نفس قَصة الشعر و الملامح ...و الذقن .... و كأنه صورة منك بالكربون ..... هدأ "مدحت" قليلاً ليستعيد أنفاسه ، وفى لحظات كان فى غرفة الأشعة التى استغرقت ما يقارب الساعه ، ليطمئن الثلاثه على حالته . انتقل "مدحت" إلى غرفته ، لتأتى اللحظة المرتقبه ، حين سمح الدكتور" سمير " لوالد "كـاشف" و أربعة من أعمامه الدخول ، و الاطمئنان عليه بعد طول انتظار خلال الأيام المؤلمة السابقة..... دلف الرجال الى الغرفه فى لهفه ، ليقف الحاج "زكريا" قليلاً ، يتمعن النظر فى ذاك المُثجَى على فراش المرض قائلاً بعد فترة وجيزة : — ألف حمد لله عــ سلامتك يا ولدي ..... أجر و عافيه إن شاء الله.... كيفك دِلوك ...؟! .... طمنى عليك يا حبيبى.. اقترب الحاج" زكريا "من فراش" مدحت" ، ممسكًا بيده قائلا : — كلنا اتوحشناك يا ولدي .... و شجاعتك و رجولتك الكل عم يحكي عنيها الكبير جَبْـل الصغير.... أني ربيت راچل يُوجف على رچليه ، يِزلزل المرض ما يِهزمـُه .... عشان إكده عايزك متطولش فى الرَّجْده داي ... هنا فقط أجاب "مدحت"، أو بالأحرى _ "كاشف"_بهويته الجديده : — إن شاء الله يا حاچ ... جِريب هتلاجيني واجِف  چارك يا بوي .... تبسم الحاج زكريا ابتسامته التى تدل على صفاء قلبه : — حمدلله بسلامتك يا ولدي .... الله لا يعِيدها يارب ..... الحاچه كانت ناوية تاچِي إهنِـه تطمن عليك ، لكن لما عرفت بالخبر المشئوم ده ، تعبت و رَجدت فى السرير ... لكن لما تعرف إنك جُومت بالسلامة ، و عتتحدت وَياي ، الفرحة مش هتساعها .... اكتفى "مدحت" بابتسامة امتنان ، يُسلِط أنظاره على والده و أعمامه ، و نفسه تتأمل الأفضل ، إلا أن القادم ليس هينًا كما وصفه الطبيبان .... أيام تغدو ، ثم تودع الأخرى ... لينهض مدحت من فراشه بعد أن أمره الطبيب ، لإلتئام الجرح . خلال تلك الفتره ، تحدث الدكتور "سمير"مع الحاج" زكريا "لمعرفة بعض المعلومات عن "كـاشف "، و من هو السبب وراء الرصاص الذى أصابه ،  بعد أن أيقن "سمير" بقوة ؛ وسطوة تلك العائله ، و قدرتها على التعتيم عن الحادث ، وكف يد الأمن عن استجوابه .... برجاحة عقل ، كشف الحاج "زكريا "عن بعض الأمور ، و أخفى البعض الآخر ، ليُمهِـل اليقين فاجعة الحذر ؛ فقال : — أيوه يا دَكتـور .... "كـاشف" هو ولدي الكبير ، على خمس بنات .... هو امتدادي فى الدنيا ، و عكازي بعد شيبتي .... ولاد الحرام كَتير ، و البُغـض لما يدخل الجَلب ، الضمير يموت .... لكن الحمد لله ربنا نصفني و موجعنيش فيه .... احنا عليتنا كيف ما حضرتك شايف كَبيـرة جَوِي جَوِي ، و تِجْـدر تحمي ولادها ، لكن الغدر لما يَاجي من ولاد الحرام ، مفيش حد يِجدر يسكت عليه .... دِلوك كل اللي يهمني هو صحة وَلدي ، أما اللي حُصل ده حسابه بعدين .... وعلى يَدِّي .... بانتباه ، أنصت "سمير" للرجل صاحب الهيبه ... أشيب الفؤدين ، نَضِـر الوجه والملامح : —  والله يا حاج .. أنا شايف لو فيه عداوة حاولوا تحلوها بالمعروف ، و المناقشه ... لأن الخلاف هيخسر الطرفين ... و عموما ألف حمد لله على سلامته .... ضروري لما يرجع بلده يرتاح ، و خد بالك هو عمل عمليه كمان في المخ ، لأن الحادث سبِب له نزيف ، و بمعجزه قدرنا نوقفه ... فهتلاقيه أوقات ، فيه حاجات مش فاكرها .... شوية شويه هيرجع زي الاول و أحسن ... تساءل "زكريا "فى خوف : — جَصدَك إن ولدي فَجَدْ الذاكره ؟! فى سرعة نفى "سمير" ذلك الحديث قائلا : — لا ... مش فقدان ذاكرة بالمعنى المعروف ... دي أعراض ما بعد العمليه .... شىء عادى و بيزول مع الوقت ... ما تقلقش ... ولو قلقان كمان ، أنا ممكن أطلب من دكتور "مصطفى" ياخد أجازه من المستشفى ، و يصاحب المريض لغايت ما يطمن عليه بشكل كامل ، قولت إيه ؟! استحسن "زكريا" ذاك الرأي ، ليقول فى حبور : — يا مرحب ...يا مرحب... إن ما شاليتوش الأرض ، نِشيله على راسنا ..... الدَكتور و كل من طرفه ينورونا و يشرفونا .... جلس" سمير "مع" مصطفى" يسرد عليه ما اتخذه من قرار ، ليتفاجىء "مصطفى" ، و يفقد اتزانه صائحًا : — إنت بتقول إيه يا "سمير ".... هو إنت اتجننت ولا إيه ؟!... أجازة إيه اللي هاخدها ، و صعيد إيه اللي هروحه .... لا يا حبيبى .... أنا عملت اللي عليا ، ووقفت جنبك على أد ما قدرت ، إنما تقولي أجازه وسفر ... فأنا آسف يا صاحبي .... سافر إنت لو عايز ....!! أطرق "سمير " رأسه ، مُـطئطئًا إلى الأسفل ، قائلاً فى خِزي : — أنا عارف إني تعبتك معايا يا "مصطفى" ... و ورطتك فى موضوع ملكش دخل فيه ، بس والله ما كنت أقصد وإنت عارف ... ولولا ظروف "سمر" و حملها اللي خلاني من البداية أعتذر عن العمليه ... كنت أنا اللي سافرت معاه أطمن عليه ، و أسنده .... لكن ولا يهمك يا صاحبي .... أنا هتصرف ..... تساءل "مصطفى" فى فضول : — هتتصرف ازاي يعنى ؟! أجاب" سمير "فى خنوع : — هبعت سمر لوالدتها تقعد معايا الكام يوم اللى فاضلين قبل الولاده ، و هقولها إني مسافر ، و ربنا كبير يحلها من عنده . شعر "مصطفى" بالخِـزي ، من تخلِيـه عن صديق عمره ، و رفيقه ليقول بعد تفكير عميق : — خلاص يا"سمير" .... متشغلش بالك إنت ...  أنا برضه مُتحمل المسئوليه زيك ، ويمكن أكثر كمان ... متنساش إن أنا اللى عملتله العملية ، و الغلطه فى الأساس غلطتى .... خليك إنت جنب مراتك ، وأنا اللي هسافر الصعيد مع "مدحت " أجاب سمير مُصحِحًا : — تقصد" كـاشف" .... بلاش "مدحت" دي .... عشان تتعود ، وخد بالك إوعى تغلط...وأنا معاك على تواصل ... لو حصل حاجه ، كلمنى وأنا هتصرف ... متشكر أوي يا صاحبي ، حقيقي إنت ونعم الاخ ... اتجه كليهما إلى "مدحت" ليُبلغاه بما عرفا ، و قررا ، ثم أخبره "سمير" بخطوته الأخيرة : — دلوقتي إنت عرفت بعض معلومات هتفيدك ، وأنا فهِّمت الحاج " زكريا " إن حالتك لسه مش مستقره كفايه .... بالنسبة لمقتنياتك الشخصية الحقيقية هتفضل معايا أمانه لحين ما تقرر ترجع من تانى "مدحت"... ويوم ما تفكر... أنا معاك برضه ، و هرفع لك القضيه عند أكبر محامي فـ مصر .... عندك أي أسئلة ...؟! ...  ليك أي طلب ..... ؟! أومأ "مدحت" بالنفى ، ليستعد إلى مغادرة المشفى بصحبة أسرته من أهل الصعيد ، و مرافقة الدكتور "مصطفى" الذى قدَّم طلب إلى مدير المشفى باجازه لمدة شهر بـحُجة سفره إلى الإسكندريه للإطمئنان على والده المريض ، وبعد أن وافق المدير على مضض نظرًا لبراعة "مصطفى" فى عمله ، إلا أنه لا يملك سوى القبول .. بعد ذلك رحل "مصطفى" إلى منزله الذى يحيا فيه بمفرده ، مستمتعًا بحرية العزوبيه ، ليُجهز حقيبة سفره ، رافعا كفيه إلى السماء : — يارب سامحنى ... أنا مكنتش أقصد أقتله .... و الله ده غصب عنى ، وهو كان شبه ميت بالمرض اللى تفشى فـ جسمه ..... ساعدني فـ اللي جاي ، و اللى أنا بعمله لصالح الكل .... اللهم إني وكلتك أمري فأنت خير وكيل ، و استودعتك همي فأنت خيرُ من يُحسِن التدبير. ....... ثم رحل صوب المشفى ، ومنها إلى رحلة المجهول ....رحلة الصعيد .... اليد التى تُعيد بناءك ، وتتمسك بك فى أحلك الأوقات ..هى التى تحترم فيك الشروخ ، و تقف متأصله بعلامات النجاه ... فيا من تسهرين الليل مع الذكريات ... فضلاً و ليس أمرًا إلتفتي للوراء .... ستجدين من يقف معكِ بُنيانًا شاهقا  فى وجه الأزمات ينتظر ...لا يكل ولا يتعب ... يكتمل بسعادتك ..... ولا يُطالب إلا ببسمة و كلمتين فقط ...." أنا بخير" .... مرت الشهور متلاحقة ، حقق فيها "فريد" أرباحاً طائلة ليودعها فى حساب شقيقته دون أن يمس منها مقابل أتعابه ، أو يخصص له راتبًا محدودا .. إلا أن هذا الأمر سبب الضيق لـ" فريدة" ، فلم تكن لتحتمل تضحية أخيها بكامل صحته ، و وقته دون مقابل ... لذا ذهبت إلى شقيقها بالشركة مُكررة الحديث معه فى إلحاح حتى يرضخ — شوف يا "فريد ".... بصراحة بقى الموضوع ده تاعبني أوي..  أنا مش راضيه أبدا عن إجهادَك ده فـ الشغل ... إنت لازم تاخد أجازه ترتاح شويه ... بقالك شهرين ، ضاغط على نفسك ، وحتى نسبتك من الأسهم نظير شغلك مش راضي تاخده .... انا لا يمكن أسمح بكده تانى ... كفاية بقى يا حبيبى .. انا موجوده أشيل عنك شويه .... قولت ايه ؟! استقام "فريد" من كرسي رئيس مجلس الاداره ليقترب من شقيقته و يضمها إلى صدره فى حنان : — يا حبيبتى ... أنا مشتكِيتش .... ومش تعبان ...  وبعدين أنا أخدت عهد على نفسي لا يمكن أقرب من فلوس الولاد ، و فلوسك أيا كان .... أنا الحمد لله بحاول أوفق ما بين شغلي والشركة ، وربنا يقدرني .... إنسي ومتشغليش بالك ولا تحملي هم .... قوليلي كَلمتى "أهـداب " النهارده فيديو ولا لسه !! أجابت "فريدة" بعد أن أخذت القرار بإيداع مبلغ فى حساب "فريد" دون عِـلمه ، حتى يرتاح قلبها العاصف بثورته : — لا لسه يا حبيبى ... منتظره لما نخلص شغل ، ونرجع سوا نتعشى ونكلمها كلنا بالليل ... و فى خضم حديثهم ، استأذنت السكرتيرة فى الدخول ، لإبلاغ فريد بوجود خاله "رأفت" فى انتظار مقابلته تهللت أسارير "فريد" ، لشِدة حبه وامتنانه لذاك الرجل الذى وقف إلى جواره و جوار أخيه بدور الأب ؛ ثم أردف فى لهفه : — قوليله يدخل حالا .... و فى حفاوة استقبل "فريد" خاله العزيز استقبالاً حارًا ، ليحتويه فى اشتياق ، ثم رحبت به" فريدة" فى رُقي ، ليجلس على الأريكة بجوار ابن شقيقته قائلاً : — وحشتوني أوي أوي ..... و" لـؤي "حبيبي وحشنى بشكل .... طمنوني عليكم ... كده يا" فريد" ... تنسى خالك .... من يوم ما طلبت إنك تستقر مع أختك ، و أنا مش فى بالك خالص ....يصح كده ؟! شعرت "فريدة" ببعض الخجل ، والاحراج الذى انتبه له كلا من "رافت" و" فريد" ، لينتبه "رأفت" إلى خطأه فى التعبير ، ليهمس فى حنان : — و الله يابنتي أنا ما أقصد حاجه .... وجود "فريد" جنبك ضروري ، و أهم مني ... و لو مكنش طلب ، كنت هفرض عليه كده .... الأمر وما فيه إنهم وحشونى اوى ، ومن يوم ما اجوا اسكندريه يعيشوا معايا ، و أنا حياتي مبقاش ليها قيمه إلا بيهم ...عشان كده قولت أجى أقعد معاكم كان يوم .... شعرت فريدة بالامتنان لوجود" رأفت "جوار شقيقيها فى محنتهم ، ثم هتفت فى اتزان : — حمدا لله عـ السلامة .... خير ما فعلت والله يا استاذ "رأفت" .... حضرتك شرفتنا ، لكن ليه مجبتش المدام معاك ...؟! أجاب "رأفت" فى توضيح : —" سعاد "عند اهلها فـ دمنهور بقالها يومين ... أبوها بيجهز يقضى فريضة الحج ، وطلبت إنها تقعد مع والدتها كان يوم ، و بما إني متعودتش أقعد فـ البيت لوحدي ، اخدت اجازه من الشغل ، و قولت أجى أقضيها مع ولاد اختى أردف "فريد" فى مشاكسه : — الله الله يا أستاذ "رأفت "....يعنى لولا إن طنط سافرت ، مكنتش تفتكرنا خالص ... مش كده ؟! ضحك "رأفت" فى ارتياح : — بس يا ولد .... إنت جاي تشعللها ولا إيه ....؟! انتهت ساعات العمل بالشركة ليعود ثلاثتهم إلى الفيلا ، وما إن رأى" لـؤي "خاله بعد عودته من النادي ، حتى إرتمي بين ذراعيه فرحًا سعيدا .. هدوء خيم على تلك الأجواء المرحة ، تناولت فيها الأسرة السعيده طعام العشاء ، ثم تبادلوا الحديث حول أحوالهم المعيشية ، و أمور العمل . وفى نهاية السهرة ، انسجموا جميعا فى اتصال مشترك مع الصغيرة "أهداب" وعمها "أمين". تسارعت الأيام كما لو كانت فى سباق لتنتهي إجازة " رأفت" ، وقبل أن يقرر العوده الى الاسكندريه طالب  بإصطحاب" لـؤي"  معه بإحدى رحلاته إلى أسوان ، فقد قررت شركة السياحة التى يعمل بها مرافقته للأفواج السياحية فى رحلة شيقة إلى أسوان .... وافق" فريد "على طلب خاله فى ترحاب ، ثم رحلا الى الاسكندريه فى سعادة ... هدوء نسبي تعايشه الجميع ، كلٌ فى موضعه .... فمن جانب "كـاشف" ، وصل إلى ربوع الصعيد الشامخة .... ليجد نفسه أمام بيت أشبه بالقلعه ... ترجل من السيارة ، لترتمي بين ذراعيه إمرأة مشرقة الملامح ، دامعة العينين قائله فى سعادة صادقه : — حمدلله على سلامتك يا نضري.... ألف حمدلله على سلامتك .....اتوحشتك جوي جوي .... منهم لله اللى وچعوا جلبي عليك ، و كسروا فرحتي ... البيت بغيابك كان كيف الجبر .... ياما انت كريم يارب ... رچعتلي ولدى من تاني ....  تعال .... ادخل يا حبيبى..... أكيد انت تعبان مـ السفر ..... تعال فـ حضن امك . ما إن دلف" كـاشف" إلى الداخل ، إلا وجد جمع من النساء تهافتن على الترحاب به فى لهفه و محبة صادقه ، ليشعر خلال تلك اللحظات بشعور لم يتخلل قلبه من قبل . صعد إلى الاعلى بصحبة أبيه و عدد من أقاربه ، ليرتاح قليلا ... وبعد دقائق ....رحل الجميع من الغرفه باستثناء الطبيب "مصطفى" تاركين "مدحت" لينعم ببعض الراحة ، فلا يزال بحاجة إلى العناية واستكمال العلاج . اقترب " مصطفى" من "مدحت" هامسًا فى أذنيه فى مرح : — حمدا لله على سلامتك يا كـاشف .... إيه رأيك...؟! شايف العِـز اللي إنت فيه ، و عيلتك الجديده ، و الهيبه ...  طب والله إنت ربنا بيحبك .... مكنتش أنا ألاقيلي حد يشبهني كده .... ده أنا كنت مسكت فيهم و فقدت الذاكره مخصوص عشانهم ابتسم" مدحت "قليلاً ، ثم تساءل : — تفتكر اللى بنعمله ده صح ، ولا نصب فـ نصب ...؟! استنكر "مصطفى" قول" مدحت" ، ثم زفر أنفاسه فى حنق مردفًا : — نصب إيه بس ...؟! ... إنت إيه يا آخي عدو الثراء ... أه معلش نسيت إن إنت كنت فى الأصل من أصحاب الملايين ... وبعدين هو إحنا هناخد منهم حاجه .... إحنا بنساعدهم مش بننصُـب عليهم .. تساءل "مدحت" فى سخريه: — بنساعدهم فى إيه إن شاء الله....؟! انتبه "مصطفى" لنبرة "مدحت" الساخره ، ليبتلعها فى ضيق ثم أردف : — أقولك بنساعدهم ف إيه .... إنت مش شايف الفرحة فـ عيون الكل وخصوصًا والدَك ووالدِتك .... تفتكر لو كانوا عرفوا إن ابنهم مات ، كان ده هيبقى حالهم ..... أنا جاي معاك أساندك و أطمن عليك ، و أباشر حالتك ... مش جاي أطلب فلوس ، ولا طمعان فيهم..... الحمد لله معايا ، و عندي اللي يكفيني ..  و إفتكر كويس إننا خيرناك ، و إنت اللي وافقت .... فياريت تقفل الصفحة دي ، وتنسى الكلام ده .... الحيطان ليها ودان ، و دول صعايدة يا بوي .. ابتلع "مدحت" كلماته فى صمت ، ثم أبدل ثيابه ليرتاح قليلاً ..... يحاول التكيف مع هويته الكاذبة ...... هوية ابن الصعيد " كاشف زكريا الحمزاوي " يُتـبـع .........

📜 الفصل السابع 📜

« هــــروب » .... مِن القسوة أن يُلام من فاض كأسه فسكب ما فيه...... أو يُعاب من أثقلته جراحه فطلب أن يُخفف عن نفسه بحـقٍ ليس له ، ومن غير الإنصاف أن يُؤمَـر المتألم بالصمت والتجاوز..... فالأيام كالمحاكم حين يتأتى الوقت المناسب .... تُسنـد القضيه إلى أهلها ، وبعد نُطق الحكم ..... تُرفع الجلسة ..... فى بادئة الأمر ، كان التواصل بين "فريد" و شقيقه المرافق لخاله "رأفت" أمـرًا اعتياديا ، يحدث بصباح و مساء كل يوم .....ثم اختل الميزان ، و حدثت الفجوه .... دلف "فريد" إلى الشركة يشتاظ غيظًا من شدة انفعاله ، لا يكاد يحتمل رباط عُنقِـه ليخلعه عنه فى إهمال  ، ولا زيه الرسمي ، تتصاعد أبخرة الغضب من عينيه كما الحمم الملتهبه . ليُطالب سكرتيرة مكتبه الحضور بنبرة صارمة : —" سها " ... تعالي المكتب حالا .... ارتجفت "سها" من حِدة رئيس مجلس الإدارة "فريد" ، ثم ركضت إلى مكتبه بعد أن تأكدت من هندمة ثيابها : — تحت أمرك يا فندم . دون أن يلتفت صاح فى حده : — عايزك تلغي كل مواعيد النهارده.... أجليها لبكره .... ومش عايزك تحوليلي أي مكالمات إلا من مدام "فريده" بس .... مفهوم ... أماءت سها برأسها فى طاعه ، لتتردد قليلا هامسة بصوت لا يكاد يُسمع : — بس يا فندم .... بالنسبة لاجتماع حضرتك النهارده مع مدير البنك ... أأجـــ....... قاطعها "فريد "فى عنف : — هو إنت مبتفهميش ولا أنا بتكلم صيني .... قولت أجِّلي كل الزفت النهارده .... مش عايز حد .... إنت فاهمه .... يلا على مكتبك ..... زفر أنفاسه الحارة الداله على قمة اشتعاله ، فى نفس الوقت الذى رحلت فيه السكرتيرة إلى مكتبها فى رعب ... بعد دقائق معدودة .... وصلت "فريدة" إلى المكتب ، لتقرر الدخول إلى شقيقها ، تحمل ملامح الارهاق و القلق ، ثم قالت : — كده يا "فريد" ..... تسبقنى عـ الشركة مع إني اتفقت معاك نروح سوا . لم يبالي "فريد" لحديث شقيقته ، لشدة انهماكه فى التفكير ، ليقرر السفر الى الاسكندريه ، ثم أجاب أثناء استعداده للسفر : —" فريده "... خليكي إنت فـ الشركة النهارده مكاني.... أنا مسافر اسكندريه .... لازم أتأكد من الشكوك اللي جوايا .... ولو طلعت صح ، يا ويله مني .... ثم رحل فى سرعه تُشيعه شقيقته بعيون دامعه يكسوها القلق .... فالرحيل لا يزال الخنجر الذى لا يفتىء عن إصابتها دون أن يكِل أو يتعب . انطلق" فريد" بسيارته الى الاسكندريه ، حابسًا أنفاسه ، ينصَب چُـل تفكيره فيما حدث من ثلاث أيام على التوالي ، ليعود بذاكرته إلى الوراء قليلا ........ اعتاد الاتصال بشقيقه للاطمئنان عليه ، حتى يصفو ذهنه ، ويهدأ قلبه الذى لم يعتاد الغياب بعد ... ولكن صِفير الهاتف المعتاد لا يزال على وتيرته يُنبىء بعدم الرد ... ظن "فريد" أن عدم الرد لانشغال خاله بالعمل ...ربما يُصادف الأمر عدم تواجد زوجته بالبيت ... ليقرر التواصل معه لاحقًا .... ولكن ما حدث تكرر لمرات لا عد لها ... مرات لا تُحصى على مدار ثلاث أيام ، حاول" فريد" الاتصال بشقيقه الصغير على هاتفه الخاص ، أو هاتف خاله ، أو هاتف زوجته ...... او حتى هاتف المنزل ... إلا أن الجواب القاتل .... كان" عدم الرد" ... لينشب القلق جدران قلبه ، و تعصف الحيرة بحروف التساؤل ... وفى النهاية ..... هَداه تفكيره الاتصال بجاره العجوز الحاج "شوقي" ، الذى كثيرا ما غمـره بالحنان والعطف .... وكان الجواب مُجحفًـا لعقله ... يتآكل فى غيظ — ألــو .... ازيك يا حاج شوقي .... طمنى عليك أخبار صحتك إيه يا رجل يا طيب ... الحمد لله والله كلنا بخير ... خالي ... ماله خير. .... انا كنت لسه هسأله عنه ... كَلِّمُته كتير مردش ..... بتقول إيه .... ؟!....  إنت متأكد يا حاج شوقي .....؟! ...... طيب أنا جاي اسكندريه أشوف المهزله دي ..... و انتهى الاتصال بإبلاغ الحاج" شوقي" ، رؤيته للأستاذ "رأفت" بصحبة "لـؤي" حاملا حقيبتي سفر ، ليرحل معه فى توتر و قلق بالصباح الباكر لهذا اليوم.... فى بداية الأمر ، تصور "فريد" أن خاله سيرحل فى جولة سياحية مع بعض الأفواج كما اعتاد بعمله ، ففي السابق سافر مع الصغير إلى أسوان ....ربما تلك المرة الرحله الى احدى محافظات الحدود ....إلا أن حديث الحاج "شوقى" عن زوجة خاله قد أصاب قلبه بالرعب ... — والله يا بني .... أنا مكنتش عايز أشغِلك ولا أقلِقك .....لكن لما شوفت مرات خالك دموعها على خدها ، و خارجة من بيتها من خمس أيام ، بعد ما سلمِت مفاتيح البيت لخالك قُدام عيني ... ده اللي خلاني أقول جوايا .... إن فيه حاجه مش طبيعيه .... فكان لازم أتصل بيك و أبلغك .... يجوز حصل حاجه لا قدر الله ، و دول برضه أهلك وناسك .... اتصال كان من شأنه قلب الأمور رأسًا على عقب ، ليسقط "فريد" فى دوامة الشك ، لذا قرر السفر الى الاسكندريه لمعرفة ما يحدث خلف الستار من أمور يجهل بها.... وصل "فريد" إلى منزل خاله بعد رحلة استغرقت أربع ساعات متواصله ... ثم ترجل من سيارته ، ليفتح الباب بمفتاحه الذى أقرضه إياه خاله حرصًا منه على العوده ، منذ أن رحل عنه ليرافق شقيقته و أبنائها فى منزلها ... دلف إلى المنزل ليجد الأثاث مغطى بكِساء أبيض اللون ، يُفيد برحيل قاطِـنيه .. انطلق "فريد" فى كل الحجرات ، يُـفتش عن شقيقه دون جدوى ... ليهبط إلى الأسفل حاملاً إحدى التحف ، و محطمًا إياها فى عنف .... ربما الصوت الصادر عن التحطيم كان قويًا ، إلا أنه قد لا يزعِج من سواه .... إلا أن المفاجُآت لم تقتصر عند ذلك الحد .... و إنما تعدت إلى ما هو أسوء .... فقد دلف إلى المنزل أحد الأشخاص مجهول الهويه ، تفرس بملامح "فريد" فى دهشة ، ليهتف فى رعونه : — إنت مين يا رجل إنت ، و دخلت البيت إزاي ... و إيه اللى إنت كسرته ده .... أنا هبلغ البوليس ... جذبه "فريد" من ياقة قميصه ، ليهتف فى غضب : — هو مين اللي يجيب البوليس لمين ... ؟! ... أنا اللي عايز أعرف إنت مين ، وبتتكلم كده على أي أساس و كأن البيت مِلكك ....!! صرخ الرجل فى وجه "فريد" قائلاً : — أيوة بيتي ..... بيتي و ملكي ..... إنت بقى واقف فيه بأي صفه ....؟! اشتد غيظ "فريد" ، ليقبض على عنق الرجل فى شده مُردفًا : — إنت مجنون .... ؟! .... جاي تتهجم عـ البيت من غير خوف ، و لا كأنك فارق معاك .... البيت ده له صاحب ... ولو عرف باللى عملته هيوديك فـ داهيه ... حاول الرجل إلتقاط أنفاسه ليهمس : — يبقى أنا اللي هوديك فـ داهيه لأن أنا صاحب البيت ، و اشتريته من شهر ، و دلوقتي ناوي أنقل فيه أنا و مراتي اختل توازن "فريد" ، ليستند على الجدار من هَـول ما سَمِع ، ليُخفف الضغط عن الرجل.... ثم تساءل فى ريبه : — بتقول اشتريته من شهر .... !!..... مين اللي باعهولك ...؟! لاحظ الرجل الذى تحسس عنقه بأنامله ، الخيبه على ملامح "فريد "، ليشعر ببعض الشفقه تجاهه ، ثم تحدث إليه فى لين : — أنا اشتريت البيت مفروش من الأستاذ "رأفت" ، بعد ما عرف إني بَـدور على شقه ... الشركة اللي بشتغل فيها فتحت فرع جديد هنا ، و أنا من أسوان .... ومكنش قدامى حل غير إني أدوَّر على شقه عشان أنفذ النقل .... كلنا فاتحين بيوت يا أستاذ زي ما إنت عارف ... ولو ضاعت الوظيفه مش سهل عليا ألاقي غيرها زي ما إنت شايف . إلتمعت الدموع فى عيني "فريد" ، ليسأل الرجل : — و إنت تعرف الأستاذ "رأفت" منين ؟! أجاب الرجل فى صدق : — ما هو أنا اتنقلت هنا مكان الأستاذ رأفت ، لأنه قدم استقالته من الشركة .... و عرفت منه إنه ناوي يبيع بيته ....قولت خير وبركه ... و فرصة ؛ و جت لغايت عندى.. أنا دفعت له نص المبلغ و الباقي اتفقت معاه ، يكون تقسيط على ٣ سنين .... أكيد إنت تقرب له .... و مكنش عندك علم باللى حصل ...   على فكره أنا أقدر أوريك عقد البيع ، علشان تتأكد .. لم يكن فريد بحاجه الى إثبات فقد تخلل الشك بقلبه ، ليثبُت بما حدث ... لذا اعتذر للرجل ... ثم رحل قاصدًا منزل زوجة خاله المُخـادع .. و فى منزل أسرتها ، قابل والديها اللذان أكدا عدم رؤيتهم لابنتهم منذ عودتهم من بيت الله الحرام بعد آدائهم لفريضة العمره .... كانت ملامح كليهما صادقه توحي بالذهول من غياب ابنتهم ، فكيف لها السفر دون علمهم بذلك .... تــيه ... وصدمه تجاوزت قدرته ، ليتبين لـ "فريد" كذب خاله ، و خداعه .. ليعـي أن زياره "رأفت" له فى القاهرة دون زوجته ...ما كان إلا خطة حقيرة رسم بُنودهـا منذ زمن ، ليحققها فى الواقع مستغلاً محبة "فريد" له ، و ثقته الكبيرة برعايته لـ لـؤي ..... و أن  حديثه عن تواجد زوجته بمنزل والدها بحجة سفر الوالد لإتمام أركان الدين  .. والعناية بوالدتها لحين عودة الأب ما كان إلا مشهد من مشاهد تلك المسرحية المبتذله عنوانها  " ثقة على المحك " رحل "فريد" منكس الرأس ، ليُحدِث فريدة عما علِم ، و التى أشارت عليه بإبلاغ الشرطة ... وقد استحسن هذا العـرض ، و وثَّقـهُ بالتنفيذ دون جدوى . أيام تمـر عَلِم خلالها "فريد" برحيل خاله إلى تركيا .... ليجثم الأمر على صدره .... ويضيع أمله الأخير فى الاجتماع بشقيقه الصغير إلى الأبد ..... مرت الشهور .... شهر يلى الآخر .... تقبل خلالها "فريد" الواقع المرير ، ليعود إلى دنياه التى شكَّلـها مع شقيقته ، و العمل الذى غُرس فيه حد النخاج أما فى الصعيد .... تلك البلدة الشامخة بهامات أبناءها ... فالأمور اختلفت إلى أقصى الحدود .... يومٌ يعبر .... يَلحق به الآخر .... أظهر الترابط الحميم بين أفراد عائلة الحمزاوي .... ليتعمق "مدحت" بتلك الأسرة ، و يلتمس فى جوارهم أُلفـه لم يحياها من قبل ورغم أنها ليست جذوره ... إلا أنه تعايش معهم كما لو كان ابنها الأصيل .... انتهت أيام الإجازة التى قصدها الدكتور "مصطفى" ، ليقرر تجديدها من جديد ...  فى حين كان يتحدث مع الدكتور "سمير " و يبلغه بمُجريات الأمور بإنتظام دون تردُد .... وفى غضون ذاك الرحاب  ، اتسعت ابتسامة الحاجه "أنهار"_ والدة كـاشف _لعودة وليدها إلى قلبها ، فى حين استقرت حالة الحاج "زكـريا" الصحية من بعد العوده .... هدوء خارجي يعكس نشاط غير عادي بذاك المنزل الشامخ الذى يشبه القلعه .... ليهبط الحاج "زكريا "الدرج فى هيبة ، ثم هتف بصوته الشجي : — يا چَبـل .... دلف إلى المنزل أحد الرجال مفتول العضلات ، صلب الملامح ، ليقف أمام" زكـريا "فى احترام : — أوامرك يا حاج ... حدجـه' زكريا" بنظرات ثاقبه قائلاً : — چَهزلي "أدهم" .... وثبت عليه السَرچ چـامد .... ولدي "كـاشف" رايد يركبه بعد شوي ...و خرج "عزيزة "كمان عشان هركبها .... يلا ... نفذ اللى جولتلك عليه .... يلا .... ......العمل فى ذاك المنزل يسير على قدمٍ وساق ، لإعداد المائده بفطور صعيدى أصيل ... فى حين هبط "كـاشف" يصحبه الدكتور" مصطفى "فى رضا ، لتتأمله والدته الحنونه فى عذوبه يرافقها دفء الحنان : — يا صباح الورد يا ولدي .... يا صباح الهنا ... يا صباح البركه .... الدنيا كلياتها عـتصبح عليك يا نضري . استكمل مصطفى التحية بخفة ظله : — يا صباح اللي بتغني .... انطلقت الضحكات من الجميع ، ليتعمد "مصطفى" العبوس ، فـمطَّ شفتيه كما الاطفال قائلا بتبرم : — والله أني ما عارف كيف هفُـوتكُم وأمشى إكده.... ده أني خلاص اتعودت عليكم ، و على أكلُـكم ، و لهچتكم ... و الله ما عاد ناجصني إلا العروسه .... ما تچوَزني يا حاج "زكريا" ، و أهي تُبجى فرصة و سبب إني معاودش البندر ..... جولت إيه ؟! تهللت ملامح الحاج" زكريا " لما يحمله من مشاعر لـ "مصطفى" جعلته فى منزلة الابن ، ليقول فى حماس : — بس إكده .... غالي و الطلب من الغالي أغلى .... شاور إنت بس عـ العروس و أني أچوزهالك النهارده .... و دِلوك لو حبيت .... ابتسم "مصطفى" ، ليُربت على صدر الحاج" زكريا "فى امتنان ، و محبة صادقة تكونت خلال الأيام المنقضيه ، ليقول : — أد القول يا حاج والله ... و ده طبعا شىء يشرفني ...بس زي ما حضرتك عارف أنا عندي شغل ، و أجازتي خلصت ولازم أرجع .... والحمد لله اطمنت على "كـاشف" وبقى زي الفل أهو . اقتربت الحاجة" أنهار "من ابنها الوحيد "كـاشف" تحتويه داخل صدرها فى عشق أم قائله : — إنت تمد أچازتك يا دكتور .... و نخطب لك عروسه زينة من عندنا إهنه .... جِريب جَوي فرح ولدي ، و أملي إنك تشرفنا بوچودك .... حاكم أني خلفت ولدين إسم الله عليهم ...  "كـاشف و مصطفى "..... جفت الدماء فى عروق "مدحت" حين سمع نبأ زواجه من والدته ، ليقول فى هدوء مصطنع : — الله يبارك لي فيكي يا حاچه .... و يديك طويلة العمر ... بس موضوع الچواز ده لسه بعيد .... و أوانه لسه مچاش ... وان كان على الدكتور ، لو عايز يتجوز حدانا .... يُبجى يا زين ما اختار .... تسلل شىء من العبوس إلى ملامح أنهار ، لتهتف فى دهشه : — ليش يا ولدي تجول إكده.... ده لولا إصابتك الفتره اللى فاتت ، كنت دلوك فـ حضن مرتك ... كانك تغيرت ، ولا غيرت كلمتك ..... لاه ..... ابن الحاچ "زكريا" لا يمكن يرجع فـ كلمته ... و إنت خابـِر زين ..... إحنا وجفنا عند كتب الكتاب .... و دلوك ما شاء الله يخزي العين بجيت كيف الوتد ما تنحني ، عشان إكده يا حاچ "زكريا" اللي اتجفنا عليه من أربعين يوم ، نتممه ، والفرح يِعـاود دارنا من تانى ....." مأزِق .... لا مَناص من الفكاك منه ... ليطالب "مصطفى" "مدحت" بالتمهل ، وعدم الجِـدال ... فقط بنظره احتوى الموقف .... إلا أن الحاج "زكريا" انتبه كما الصقر للإشارات المتبادله بين ابنه و الطبيب ، ليصمت دون حديث يُذكر .... تقدمت إحدى السيدات من المجلس للابلاغ بإفتراش الطعام على المائدة الكبيرة ..ليتربعوا جميعا على مقاعدها . تخلل ذاك الاجتماع الصباحي أطراف الحديث ، لينهض الحاج "زكريا" إلى مزرعة الخيول متسائلاً: — إلا صحيح يا دكتور... ليك فى ركوب الخيل ، ولا تهابـه ؟! ابتسم "مصطفى" فى حرج ، لعدم قدرته على امتطاء أي دابة قائلا : — والله يا حاج ... أنا فارس ابن فارس ... بس فـ أحلامي بس ....إنما الواقع بيقول إني بخاف أركب حتى الحمار لا مؤاخذة .. بِـثغر تملكته بسمة غامضة ، أجاب الحاج "زكريا" فى قوة : — يُبجى خلاص يا دكتور .... خليك حدانا لحد ما تُبجى فارس كيف ولدي "كـاشف '... يلا يا ولدي ... أني عارف إنك اتوحشت" أدهم ".... بينا نشوفه .... انطلق ثلاثتهم لرؤية" أدهم "، فى حين انحن" مصطفى" على "مدحت" قائلاً : — مين "أدهم" ده .... إبنك ؟! صفعه "مدحت" بنظرة استنكار قائلاً : — و أني إيش عرفني ... ما إنت اللي ورطتني الورطه داي ..... لم يبالي" مصطفى" بحنق" مدحت "، ليردف فى مرح : — لا ....بس حقيقي متنكرش إنك استفدت من القعده هنا جو نضيف ، و أهل بيحبوك ، و هيبه ، ومكانه ، و لا لهجتك ... ده إنت بقيت صعيدي صرف يا جدع بنظره فاترة ، و ابتسامة صفراء أجاب" مدحت" : — سَمِـج .... لم يكن "مدحت "على علم بهوية" أدهم "، يتساءل بنفسه ... تُرى من يكون أدهم ، و إلى أي درجة تصل علاقتهم .... وفى الطريق .... حاول "مدحت" أن يكشف أغوار "زكريا ".... ليقول : — حَجيجي يا بوي" أدهم "وحشني جوي .... ليه يا حاچ مجولتلوش ياجي حدانا لحاله ....أهو نشرب الشاي ، و نتحدت وياه .... أطرق الحاج "زكريا" رأسه فى صمت ، ثم أجاب فى بطء يقصده : — دلوجيت اتشوفه و تتحدت وياه لحالك ... و خلي العتاب عـ جَـدر المحبة يا .... يا ولدي ... اصطف السائق السياره جوار المدخل الرئيس للإسطبل ، فى حين هبط الجميع من السياره ، قاصدين المدخل ليرحل الحاج' زكريا "بالدكتور "مصطفى "موجِهًا حديثه إلى " كـاشف " : : — إتفضل يا دكتور .... يا أهلاً و سهلاً .... نورت ... إهنه راح تشوف" أدهم "... تعالى يا ولدي ... ده اتوحشك جوي جوي .... وداخل الإسطبل ... تطلع "مدحت" إلى جميع زوايا ، وجُنبات المكان فى محاوله منه للبحث عن صديقه المجهول ، إلا أنه لم يجد سوى الخيول المصطفه إلى جوار بعضها فى انتظام منمق ينم عن عبقرية المسئول ..... ليهتف مدحت بصوته الرخيم قائلا : — هو فين" أدهم" ده يا بوي.... إلا ماني شايف إلا الخيل إهنـه .... ده أني فكرت إنه بيأكل الفرس إياك .... لم يستجب زكريا إلى حديث ابنه ببنت شِفه ، ليقترب من أكبر الخيول ، و أكثرهم قوة .... ممسكًا لجامه قائلا : — أعرفك يا دكتور .... الفرس اللي جدامك ده يُبجى "أدهم" ..... فرس ولدي "كـاشف" اللي دايما يركبه ، و يتحدت وياه .... ما تاجي يا ولدي تسلم عليه و تشرب الشاي انفلتت ضحكة ساخره من" مصطفى" ، حاول مرارًا أن يتكتمها بداخله ، لتتجهم ملامح "مدحت" فى عبوس متلعثمًا : — ما تأخذنيش يا بوي ... الأمر اختلط عليا .... مكنتش فاكر إنك تجصد بكلامك الفرس .... أصل أني حدايا واحد صاحبي اسمه" أدهم "، و استغربت إنه چِـه إهنه من دون ما يجُول .... عشان إكده كنت مستغرب إنه يطلبني أچيه ، وهو عارف البيت الكبير.... صمت .... و نظرات غير معلومه .... و حيره ... تلك المشاعر التى سيطرت على الموقف ، ليتخطى" زكريا" كليهما ، آخذًا بزمام الفرس إلى الخارج ... وما إن وطأت قدماه الساحة الواسعة المقابله للإسطبل ....حتى نادي على ابنه كـاشف ، الذى كان تائهًا ما بين الخوف و القلق ......عيناه الزائغة ما بين والده و الدكتور "مصطفى" ثم همس أثناء خروجه : — ده باينه هيُبجى مرار طافح .. ...چايلك يا بوي .... ثم لحق بوالده الذى طالبه بإمتطاء" أدهم" قائلاً: — تحت أمرك يا بوي ..... يلا يا "أدهم" ... خلينا نصطبح ، و نلف شويه فـ تكعيبة العنب إلا أن" أدهم" صهل صهيلاً عاليًا ينُـم عن رفضه لفارسه ، ليحك الأرض بقدميه فى غضب ، مرتكزًا على خلفيتيه ، فى حين هجم على "مدحت" ، الذى تراجع إلى الخلف تجنُّبًـا لذاك الهجوم العدائي انتبه الحاج" زكريا" لذلك التصرف ، أو ربما توقعه ليهتف فى" أدهم" مُحذرًا : — إوعاك يا" أدهم " .... إرجع مطرحك .... ثم اقترب من ابنه ليطمئن عليه فى حنان جارف : — إنت زين يا ولدي....؟!.... طمني عليك ..... أجاب "مدحت "بنبرة مرتجفه : — أني زين يا بوي .... متخافِش .... الله ستر الحمد لله ، لكن هو ليه أدهم عمل إكده ؟! أجاب" زكريا " بحكمة رجل تعدى عمره الستون بقليل : — يمكن زعلان منيك لغيابك عنيه .... ولا تزعل حالك ... هيرُوج و يِصفى ... تعالوا نشوف الأرض و الفلاحين ، ولا تحب ترچع الدار الكبير ...!! أجاب "مدحت" فى سرعه برغبته رفقة والده ، فى حين استأذن "مصطفى" العوده ، لضرورة إجراء مكالمه هاتفيه إلى القاهرة ، وخاصه بعد تناسيه لهاتفه فى غرفته .... نظرات متبادله بين الحاج "زكريا "، و "مدحت" تشف عن مشاعر غريبة تسللت إلى قلبيهما ، ليربت" زكريا" على كتفه قائلا : — متشكر جَـوي يا ولدي .... ربنا يراضيك .... تملكت الدهشه ملامح "مدحت" لجهله عن سبب عبارات الشكر ليردف : — بتشكرني على إيه يا بوي ...؟! أجاب" زكريا " فى حنان : — بشكرك على رچوعك لينا من چديد ..... دخلتك الدار فرَّحِت جَلب أمك ، وكل أعمامك ... والعيله و البلد كُلاتها ... عايزين نتحدت فـ موضوع چوازك .... إنت ايه صرفت نظر .....؟! ..... "حميدة" زينة الحريم يا كـاشف ....عروسة تِشرِح الجَلب ..... و لا يعنى إكمِنها أرملة ، تجُوم تبيع و تشتري فيها ..... لاه يا ولدي .... الحديت ده إحنا اتكلمنا فيه جَبْـل سابج ، و إنت بنفسك وافَجْت ، و قولت إنه مش فارِج معاك .... يُبجَى ملوش عَازه نِمـاطل من غير سبب .... تفكر "مدحت" قليلاً ، ليحاور نفسه بين تلافيف عقله ، إذن فتلك العروس أرملة ، و لابد أن ذاك" الكـاشف" لم يُمانع تلك الزيجة .... لكن كيف يتزوج ، و فى نيته البقاء بين أفراد تلك العائله لفترة محدوده ، ثم العوده الى أسرته،  بعد كشف غموض عشيق زوجته فريده ، لينتبه الى والده الذى لا يزال يتحدث ...ثم جاوبه : — أني شايف يا بوي بعد رأيك طبعا... إننا نأچِل موضوع الچوازه داي شويه ... ونركز على شغل المصنع الچديد .... أوعدك يا بوي إن الربح يعوض التكلفه فـ أجل من سنة .... تهللت أسارير زكريا لنشاط ابنه الغير معتاد ثم قال : — شايفك يا ولدي بجيت اللهم بارك نشيط ، و داخل عـ الشغل بجلب چامد ... و ده مفرحني ، لكن موضوع "حميده" لازمن يخلص كيف الشغل ... أني اتفجت مع أبوها ، و ده مهما كان خالك ، و ميصحش العالم تاكل وشنا .... يجولوا ايه....  الحاچ" زكريا" ، و ولده ملهمش كلمه ..... ترضاها لأبوك يا "كـاشف "....؟! أجاب "مدحت" بإحترام صادق : — لاه يا بوي .... لا عاش ولا كان اللي يجَصِر رجَبْتك ... أني تحت أمرك ..... بس يعنى لو استنينا شهر واحد بس مش هيُحصل حاچه ...  نكون وجَّفنا المصنع على رچليه ، عشان كمان أكون متفرغ للچواز .... مهما كان برضه مسئوليه ، و محتاچ بال رايِج .... وانتهى الحديث إلى ذلك الحد ، ليذهب" مدحت" إلى المصنع ، وينغمس فى عمله حتى النُخاع ... فى حين اتخذ الحاج" زكريا "طريقه الى أراضيه الشائعه يُشرف على الفلاحين .. عاد الدكتور" مصطفى" إلى البيت الكبير ، ليصطدم بإحدى الفتيات تتلفت حولها يمينًا و يسارًا فى مشهد مُريب ، ليقف "مصطفى "حائِلاً بينها وبين باب الخروج متسائلا : — إنتِ مين يا آنسة ...؟! ... ومالك كده بتتلفتي يمين و شمال ... ؟! .... لا تكوني عامله مصيبة ولا هربانه من حاجه ....؟! رفعت الفتاة هامتها ، بعينيها السوداء التى تزينت بالأثمد العربي الأصيل ، قائلة فى شجاعه : — حيلك ...حيلك ...يافندي....  هي مين داي اللي هربانه و بتتلفت حواليها ..... و بعدين مصيبة إيه اللي بتتكلم عنها ..... مصيبه لما تبجى تشيلك .... باعد عن طريجي أحسنلك .... أني بجولك أهو .... راچل غَتِيت صحيح .... ثم رحلت راكضه فى لمح البصر ، تُطلق ضحكاتها العذبه فى المكان قائله : — إبجى جُول لعمتي إنك إنت اللي كسرت مزهرية "لويس التاسع" اللي فَلجـانا بيها ..... أني مليش دخل ، ولا ليا يد ... الغريب هو اللي عملها " و اختفت بين المروج .... ليقابل "مصطفى" كفيه فى دهشة حائرة من تلك المجنونه الشقيه التى ظهرت كما عفريت المصباح لتتلاشى كما الضباب بلا أدنى أثر ... انطلق "مصطفى" إلى الداخل ... صافرًا بشفتيه فى مرح ...ليلتقي بسيدة المنزل الحاچه" أنهار "، التى رحبت به كما اعتادت ، ثم بادرها بسؤاله قائلا : — بقولك يا ست الكل .... كنت عايز أسأل سؤال .... وأنا داخل القصر .... قابلت بنت عماله تتلفت حواليها ، و مره واحده طلعت تجري كده .... حضرتك تعرفيها ...؟! ابتسمت" أنهار "فى طيبة دافئه ، قائله : — دي "حبيبة" بنت أخوي "چابر" .... هى طول عمرنا إكده هبله ، و عجْلها طاير مِنيها ..بس والله طيبه وبنت حلال ... هو بس لسانها فالت حبتين .... ابتسم "مصطفى" قائلا بتصحيح : — حبتين بس .... !! ...  قولى عشرة.. عشرين ... ثلاثين حبه قبل الاكل ، و بعده ... انطلقت ضحكات" أنهار" مُجلجله فى أرجاء المنزل ، تنم عن سعادتها الكبيرة ، لتردف : — يسعد جلبك يا ولدي ..... دمك شربات ...من يوم ما چيت و أنى والله بعتبرك كيف ولدي "كـاشف" ، عشان إكده كنت عايزه أتحدت وياك فـ موضوع ...لو يعنى مش هَتَجِل عليك ....!! ابتسم" مصطفى" ليُطالب السيدة" أنهار" بالجلوس ، ثم قال : — اتفضلي يا ست الكل .... أنا سامعك .... تنفست السيدة" أنهار "الصعداء ، ثم تحدثت بقلب أم تتمنى سعادة ولدها الوحيد : — إنت عارف يا ولدي ... أني مليش إلا ولدي "كـاشف" ... على إخواته البنات ....هو نور عيني اللي عـشوف بيها ، عشان إكده نفسي أفرح بيه .... مش كل البنات زي "ضُحى ".... و الموضوع ده إِتْجَفل من سنين ، وهي راحت لحالها .... يُبجى ليه يفضل إكده .... جَبْٕل الحادثه ... كنت خلاص اتكلمنا مع خاله ، و اتفجنا ... و هو كان موافج على "حميدة " ، و جَرِينا الفاتحة .... يوم لما ربنا يجومه بالسلامة ، بدل ما يجبُر بخاطر البُنَيه ... عايز بكسرها و يجصر رجبتنا ...و يفضحنا وسط الخلج.....كلمه يا ولدي ... إنت مهما كان الدكتور بتاعه ، و صاحبه .... هو هيسمعلك .... أني مش رايداه يدخل فـ خلاف مع أبوه .... إلتزم "مصطفى"الصمت التام ، لحين إنتهاء "أنهار " من حديثها ، ثم تساءل : — هى مين "ضحى" يا حاجه ..؟! أجابت "أنهار "فى هدوء : — مرت كاشف الأولانيه .... حاكم "كـاشف" كان متچوز بنت عمه" عسران" ... وكان يحبها جوي ... بس هى كانت مدلعه ، و سايْجَـه الكِبر و الغرور .... مَلدِش عليها تعيش وسطينا ... معلوم ... هى بنت بلاد بره ، هتجدر برضه تسيب أَروبا ، وتعيش حدانا كيف ..... تساءل" مصطفى" للمرة الثانيه : — هى كانت عايشة فـ أوروبا ....؟! أجابت" أنهار "بنبرة حزينه : — إيوه يا ولدي .... كانت عايشه مع أبوها و أمها فـ أمريكا .... ولما رجعوا يِجْضوا الأچازه بتاعتهم إهنـه ، وشافها "كـاشف" عچبته ، و إتْعلـج بيها ... على طول كلم أبوه ، وطلب يدها لكن عسران رفض .... أمها اللي وافَجت طمعانه فـ ولدي .... واللي هيُبجى بتاعها لما تتچوزه ..... أني يعلم ربنا مكنتش راضيه عن الچوازه دَاي .... وياما كلمت الحاچ" زكريا "و حذرته ، ورغم إن عمره ما رفض لي طلب ، ولا كسرلي كلمه ....وافَج ....و حاول يقنع أخوه ، و هدده إن رفضه ده مش هيسبب إلا  جطيعه بيناتهم .... و البنت أمها فضلت تزن فـ ودانها ..لما وافَجت ... الشهادة لله ..... أول سنه كانوا مبسوطين زي السمن عـ العسل .... لكن بعد إكده بدأت المشاكل ... و خلَّـت حياته چحيم ، و لما فاض بيه ، ومن العنـد مره ، و المسايسة مره .... طلجها و عاودت أروبا من تاني... ومن وقتها وهو جافل الموضوع ده خالص .... أومأ "مصطفى" برأسه علامة التفهم ، ثم أردف : — وهو طلقها بقاله أد إيه ؟! أجابت السيده" أنهار "فى رحابة صدر وتمنـِي : —سبع سنين .... وچع جَلبي عليه ... أبوه تعب وياه ... يكلمه ، و يترچاه ... لكن مفيش رچا .... إلا من سنة .... لما "حميدة" بنت خاله چوزها مات.... البنِـته زينة ، ولِـساتها صغيره .....  وملحجِـتش تفرح ، لأن چوزها مات بعد چوازهم بشهرين .... وحرام تعيش إكده بجالها ٣ سنين زاهدة الرچاله ، ورافضة تتچوز .... أبوها جلبه واچعه عليها ، ونَفسه يطمن عليها ، ولما كلمني ...جولت ده يُبجى يوم المُنى ... و طوالي  حددت الحاچ عنيها ، و رحب جوي ... ولما جولنا لـ "كـاشف "..... هو كمان وافج ... و جبل الحادثه بيومين كنا متفجين على كتب الكتاب ..... تخطى "مصطفى" الهواجس التى باتت تؤرقه بإنغماسهم فى تلك البلدة ، بعد أن كان على عزم ونيـه بالعودة إلى حياته السابقه إلا أنه الآن لا يتمنى أن يبرح محله ...ثم ابتسم الى تلك المرأة الحانيه : — هى العروسة عندها كام سنه ؟! — ٢٥ سنه استنكر" مصطفى " ما سمع ليقول : — بس يا حاجه ....كده حرام و ظلم للبنت ...  فرق السن مش قليل بينهم .... بلاش تستعجلوا ..... ضيقت" أنهار "ما بين حاجبيها ، لتقول فى دهشه : — فرق سن إيه يا ولدي اللى كبير.... "كـاشف " ولدي أكبر منيها بسبع سنين بس .... يعنى هو عنده ٣٢ ....و أني مش عايزاه يتأخر فـ الجواز أكثر من إكده.... نفسي أشيل عياله جَبل ما أموت .... عنَّـف "مصطفي" حديثها السابق لمحبته لتلك السيدة الحنونه ثم قال : — بعد الشر يا ست الكل .... ربنا يديكي الصحة و طولة العمر .... أنا هكلمه ، و أشوف ماله .... بس اعذريه ...أي نعم هو اتحسن جسديًـا ، لكن نفسيًا لسه شويه برضه .... و أوعدِك هقنعه .. ويتجوز ، و تشيلي أحفادك باذن الله قريب .... شعرت" أنهار "بالارتياح ، لتهتف فى سعاده : — يسمع من بُجَّـك ربنا يا ولدي .... ربنا يهديه و يسعده ، و أفرح بيه و بيك إنت كمان ... ثم غمزت عينيها فى مكر هامسة : — على فكره ....."حبيبة " تُبجى أخت"حميدة" الصغيره  .... وياسعده ياهناه اللي تكون من نصيبه ... عروسه كيف الجمر ..... .......  لتتركه بين أفكاره ، و تأملاته . يُتبــع .........  

📜 الفصل الثامن 📜

« لا بــــأس » تبًّــا للثِقـة ..... و سُحقًـا لمتصنعي الاهتمام .... اعتاد على استيعاب المقولة .." كل شيءٍ قابل للتعويض " .... وما لم يتم تعويضه ... يمكن استبداله ... وما لا يُستبدل ، يمكن الاستغناء عنه ، والتأقلم على غيابه ...مهما بلغت حجم الخسائر ..... فهى هيِّنـة .... إلا أن خسارته تلك المرة عظيمة .... فكيف يتقبل "فريد" ضياع من كان له ، ولا يزال شقيقه و ابن دمه ... لذا لم يستطع النسيان .... بل ترك الأيام كفيله بتراكم موجات الغضب ....  وعليه .... سيأتي اليوم الذى يُنفِث فيه جَـم غضبه ...... حياة هادئة ... و سكون احتل قلب "فريدة" مع ابنها "عماد" ، و خاصة بعد عودة شقيقها "فريد" إلى سابق عهده ... العمل فى الشركة يتم على قدمٍ و ساق ....وقد حققت الشركة بعد تحالف كلا الشقيقين أرباحًا هائلة؛ عما كانت عليه بالتواجد السابق لـ "مدحت" كـمالك لها ... اهتم "عماد "بدراسته ؛ إلى جانب التدريب فى النادي ..ليصل إلى مرحلة متقدمه تُنبأه بفوزه بالمركز الأول على مستوى الجمهوريه فى رياضة الهوكي ... و لا تزال الصغيرة "أهـداب" بصحبة عمها "أمين" فى استراليا ... لاستكمال دراستها بعد أن حققت نبوغـًا فاق أقرانها من الزملاء ..... استمر التواصل بين الأسرتين ، ليتناوب كلٍ منهما زيارة الآخر .....إحتِفاءً بغـدٍ أفضل ..... خلال أشهر ثلاث .... استطاع "مدحت" اكتساب محبة الجميع ، و أولهم الحاج "زكريا"، و الحاجه" أنهار" اللذان تعاملا معه كما ابنهما الوحيد .... فى حين استغل "مدحت" چُـل خبراته ، و حنكته فى النهوض بالشركة ، و المصانع إلى جانب الأراضي المتسعة الأُفـق .... لم يكن "مدحت" يكِـل أو يتعب ، فقد تحمل الأمانه بكل صدق ، و راعى نقاء الضمير بكل تصرف ... حتى حققت الشركة ما فاق التوقعات .... و بداخله .... تأقلم على وضعه ، ليغفل عن كونه "مدحت الصواف" ، و يحيا بهوية "كـاشف الحمزاوي " .... اعتاد الجلوس مع والديه .....  و الحديث مع أعمامه ، و ذويهم ...... لم يعد يتذكر ماضيه ، و صار بواقعه ابن الصعيد الأصيل .... ومع الألفه ، و المحبة ، و المشاعر الوطيدة بينهم ... قرر "زكريا" اقتناص الفرص ، و وضع حجر الأساس فى زيجـة ابنه التى تأجلت طويلا ... .....و فى المساء . اجتمع أفراد أسرة الحاج "زكريا" على مائدة العشاء ، فى ترابط ومحبة ، ليُصرِح فى حزم : — أني فخور بيك جَـوي يا ولدي ... الشركة فـ ايديك بَجَـت شركتين ، و المستثمرين فرحانين جَـوي بخط الإنتاچ الچديد .... عفارم عليك .... ولدِي صُح... لتهتف الحاجة "أنهار" فى سعادة غامرة : — اللهم صلِ على كامل النور .... اسم الله عليك يا نضري..... يسعدك ربنا ، ويفرح جـَلبك ، و يهديك .... أمَّـن الجميع على دعائها فى حبور ، لتهتف "فتون" _ الشقيقة الصغرى لكـاشف _ فى مرح : — و غلاوتك يا أبوي ... محمود چوزي بيجُولِي دايما : " و عسى أن تكرهوا شيئًا و هو خيرٌ لكم ... وعسى أن تحبوا شيئًا و هو شرٌ لكم" .... يُجصُد يعنى إن "كـاشف" أخوي من يوم ما ربنا كرمه ، و جَـام بالسلامة ، وربنا نصفنا من عنده بـِجَتْل "محمدين" وِلْد" الصاوي" ، اللي سَرَجْ البهايم ، و الشونة .... والحمد لله بجى يهتم بشغله أكتر من الأول..... ده إنت مطلعتش هين أبدًا يا خـوي ....چيبت الخبرة دي كُلاتها منين ...؟!! أسرعت "نهلة" الشقيقة الوسطى لأخواتها بوضع أصابعها الخمس فى وجه "فتون " لتقول : — "ومن شر النفاثات فى العقد . ومن شر حاسدٍ إذا حسد" .... الله أكبر... الله أكبر..... كبَّـري يا ختي ... أخوكي مناجِصش .... زمت " فتون" شفتيها ، لتصدح ضحكات الجميع بمن فيهم "مصطفى" الذى قرر البقاء فى الصعيد ، بإلحاجه على مدير المشفى الانتقال الى مشفى سوهاج العام ..... ليظل ضيفًـا على الحاج" زكريا" مقيمًا فى الاستراحة المرافقه للبيت الكبير . ثم أردفت " فتون " فى حنق : — هو أني يعنى هحسد أخوي يا " نهلة " ده "كـاشف "عندي أغلى من روحي ... ولا يمكن أتحمل عليه كلمة واصل . قرر "كـاشف" مشاكسة شقيقته الصغرى قليلاً ، ليهتف : — ولما أكون أني أغلى من رُوحِك ... أومال "محمود" چوزِك يُبجى إيه ....؟! تضرج وجه "فنون " بحمرة الخجل ، لتهمس بنبرة تزينت بالحياء : — وه يا خوي .... أني بستِحي .... خصيمك النبي تعفيني من الچواب ... ضحك الحاچ "زكريا " قائلاً : _ بجالها تسع شهور متچَوزه ، و حِبْـلَه ولسه بتخچل من جوزها .... لكن جوليلي يا بتي ... هو چوزك جالك هيعاود السُبوع الچاي فـ أوله ..و لا آخره ...؟! أجابت " فتون " فى رقة : — فى أوله يا بوي ... يوم الأحد باذن الله ... أهو يرتاح شويه من الشغل ، جَبْـل ما يرچع المصلحة ... تحلى "زكريا" ببعض الجديه ، ليُلقي على مسامع الجميع ما خطط له ، ثم اختص "كـاشف"بحديثه : — دلوجيت يا ولدي ... الشغل بسم الله ماشاء الله .. زين و عال العال ... و بدل الشهر اللى طلبته ... بَجُـو تلاته ...  أني اتفجْـت مع خالك "چابر" ...بكره باذن الله بعد صلاة العشا... أني و إنت و كل رچالة العيلة نتچمعوا عند خالك عشان كتب الكتاب .... كفاية تأخير لحد إكده ... بنت عمك و ما جَصرت أهي موافجه .... و ولدها اللهم بارك عمره عدى السنتين ، و فطمته  ...يعني لا هيعطلك ولا عـيوجع راسك .... چهز حالك بَجى ، و متنساش نفسك فى الشغل زي عوايدك.... تجهمت ملامح "كـاشف" ، لتختفي ابتسامته الجذابه رويدًا رويدا ... فهـا قد آن الأوان ، ولم يعد للتأجيل من مفـر ، ثم قال : — أوامرك يا حاچ ... انطلقت الزغاريد التى ميزت أجواء الفرح ببيت الحاج "زكريا" ، تصف سعادة كانت على المحك ، وها هي الآن محل الواقع ... لتتجاوب معها كافة سيدات المنزل من مسئولي المطبخ ، و غيرهن .... ثم نهض "مصطفى" من مجلسه ، لتهنئة "كـاشف" بعقد قرانه حيث احتواه فى صداقة وطيدة : — مبـــارك يا "كـاشف "..... مبـــارك يا صاحبي .... ربنا يتمم لك بخير ... ويسعدك .... عقبالي يارب استعاد "كـاشف" ابتسامته من خفة ظِل "مصطفى" ليقول : — مستعچل جوي إكده.... ماشى يا خويا .... هچوزك إنت كمان .. هو يعني أني بس اللي هدخل الجَفَـصْ لحالي .... ودي تاچي برضه .... !! ......  لتعلو صيحات الفرح ، و الهتافات من الجميع ، بفرحة على وشك الوصول . انتهى العشاء ليختلي "كـاشف" بنفسه ...يفكر فيما هو قادم ، وهل هو على صواب إلى الآن ..؟! .أم أن ما يفعله سيجعل من أشواك خِـداعه سيوف من لهب ؟! .... لهب أبناء الصعيد .... لهب عائلة "الحمزاوي" ... قاطع سيل أفكاره ، و مخاوفه الدكتور" مصطفى" لينضم إليه قائلا : — أنا عارف إنت بتفكر فى إيه ... و إيه اللى قالقك ... لكن تفتكر أن لسه قدامك اختيار ، أو حتى رفاهية الرفض ... أجاب" كـاشف" فى ثبات : — رفض إيه بقى ... ما خلاص .... و بعدين ، هرفض ليه ....!! ... أنا الحمد لله اتعودت على البيت ده ، و العيلة دي بقوا أهلي .... ومش مقصر لا فى الشركة ولا المصانع ... حتى الأرض براعيها بكل طاقتي ... الكل محتضنني .. إنت نفسك ، طلبت نقل عشان تكمل معايا .... يبقى إيه اللي يخليني أرفض ... أنا صحيح معرفش شكل العروسه ، بس إنت قابلت أختها و بتقول إنها قمر .. فأكيد شبهها ، و إن كان على الولد ، فهو يتيم ... وأنا هعامله زي ابني ، و عمري ما هقصر فـ حقه ... صمت "مصطفى" هنيهه ثم أردف فى دهشه : — يا اخى إنت اتكلمت عن كل حاجه ... العيله ، والشغل ، والعروسه .... لكن مش واخد بالك إنك ناسي حاجه مهمه ؟! تساءل "كـاشف" بحيرة و دهشه : — حاجة إيه اللي نسيتها ؟! استنكر "مصطفى" تناسي "مدحت" لأسرته الحقيقية و أبناءه ، ثم هتف فى ثِقـل : — نسيت عيلتك يا بيه  ... بيتك ...مراتك ...ولادك ..... إيه ...؟!  خلاص مبقوش فـ حِسبِتك ، و لا هي قعدتك هنا نَسَّتك إن وجودك مؤقت ، مش على طول .... شعر "مدحت" بالضيق من نفسه ، ربما حاول كثيرًا خلال الشهور الماضية أن يغُـض البصر عن ماضيه ... رغم كونه قد عقد العزم على تكليف أحد الرجال بمراقبه زوجته ، لمعرفة ما الذى يحدث فى غيابه .... إلا أنه لشدة خوفه من الحقيقة ، قرر التغافل ، و حجب أسرار لتوضع فى طي الكتمان — لا ...مش ناسي .... بس إنت متعرفش المعاناه اللي كنت فيها من قبل ما آجى هنا ... إنت متعرفش أنا ليه حاولت أنتحر .... صدقنى غيابي عنهم فى صالحهم ، لإني لو صدقت شكوكي .... المرة الجاية هقتلهم ، و أقتل نفسي . اتسعت مقلتي "مصطفى" ، و شهق شهقه تصلبت لها الدماء فى عروقه ، ليحاول ابتلاع ريقه دون جدوى ....لذا صمت ....فـفي النهاية ...تلك حياته الخاصه ، يفعل بها ما يشاء .. انفرج الليل عن نهار مشرق ، بدأ كما المعتاد باجتماع على مائدة الإفطار ثم الرحيل للعمل ...لينتهي سريعا و يأتي الليل .. بعد أداء صلاة العِشاء ، اجتمع الحاج " زكريا " بأشقائه ، و أنسباءه... وولده "كـاشف" لزيارة شقيق زوجته "جابر" لاتمام عقد قران ابنته ... وبعد جلسة الترحاب ، و التهنئة .... حضر المأذون ليتمم الرباط المقدس خاتمًا حديثه بالجملة الشهيرة التى تسمو لها النفوس : « بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير » ثم انطلقت الزغاريد معلنه فرحة عائلة " الحمزاوي" العريقة فى الصعيد ... تضرجت ملامح العروس "حميده" فى خجل وحياء ، فالآن فقط أصبحت مُوثقه على اسم ابن عمتها "كـاشف " لتشعر بالحنين الجارف إليه هامسة : — والله و بَجالي نصيب وياك يا "كـاشف" .... لو كنت بس حسيت باللي فـ جلبي نِحيتك ...مكنتش ضيعت من عمرنا تمن سنين وجع و ألم .... لكن ولا يهمك يا جَلبي ... أني حفظتك چواته ، و هسعدك برموش عنيا يا جَلب "حميده " دلفت والدتها و شقيقتها الصغرى إلى الغرفه لتهنئتها ، فى حين ضمتها أمها إلى صدرها فى حنانٍ جارف هامسه: — مبــارك يا بنت عمري ... مبارك يا سعدي فـ الدنيا ..... شوفتي يا بتي .... مش أنا جولتِلك جَبْـل سابِج إن ربنا هيعوض صبرك خير... و أهـا بجِيتي على اسم زينة شباب الصعيد كُـلاته .... خلي بالك مِنيه ، وحُطيه فـ حبابي عنيكي ، و إوعك تجصرِي وياه عمرك .... فاهماني يا بتي .... وربنا يِهدِّي سِـرك و يچعله چوز الدنيا والآخرة .... فى حين شرعت "حبيبة" فى الصياح بأعلى صوتها : — عُجْبَــــالي يارب .... لطمتها والدتها فى خِفـه على وجنتها اليمنى هاتفه : — عيب يا بت ... إنت لسه بدري عنيكي .... أطمن على أختك بالأول.... مطت "حبيبة" شفتيها فى دلال طفولي : — وه يامَّـا ما انتوا اطمنتوا أهـا ، و كتب كتابها لسه كان من شـوي .... شوفيني أني بـَجَى .... تململت والدتهما فى جزع قائله : — يا مُــرِّي منك ابْنِتِـه ..... يارب أچوزها هى كمان و أخلص منيها .... فى تلك الأثناء ... طلب "كـاشف" رؤية عروسه لتهنئتها  ، و الانفراد بها قليلا ... فهـا قد تملكها ، و احتلت قلبه.... تنحنح بصوتـه الشجي قائلاً فى هيبـه : — مـرت عمي ..... يارب يا ساتِـر .... أجدر أشوف "حميـدة " و أتحدت وياها شويه .... وافقت والـدة العروس فى سعاده قائله : — طبعا يا ولدي ...  اتفضل ..... مبارك عليك يا ولدي .... دير بالك عليها ... "حميدة" بتي زينة البنات كُـلاتها ، حنينة و طيبه ، و أني موصياها عليك يا ولدي ....و لو جَصرت ... جوللي وأني أعرف شغلي وياها ..... أقبل "كـاشف" بهيئته الرجوليه الجذابه ، التى يرتجف لها قلوب النساء ، ليبتسم فى وسامة بجلبابه الصعيدي الأنيق ... و لِحيته المُهندمه القصيرة ، و عيونه البارزه كما عيني الصقر ، ثم تحدث بنبرةٍ رخيمه : — مُبارك يا عروسه ..... واجفه بعيد ليه ....مكسوفه مِني ياك .... ده أني چوزك دِلـوك ، و واد عمتك كمان .... چربِـي .... سحبت الأم ابنتها "حبيبة" من ذراعيها بصعوبه ، وما إن خرجت كلاهما من الغرفه حتى زفرت "حبيبة" قائله : — وه ياما ... كنتي سيبينى أتفرچ .... شوفتي نظرة "كـاشف" لـ "حميده " كلها حُـب كيف .... ولا حلاوته و شياكته .. أني أول مره أشوفه بالوسامه داي .. نظرت الأم إلى ابنتها فى سخط هاتفه بغضب : — اتحشمي يا بت .... بدل ما اشيِعلِـك أبوكي يشوف صرفه معاكي .... وِلْـد عمك اسم الله زينة الرچال ..طول عمره كيف البدر ، و أشيك راچل بالصعيد كُـلاته ... وبعدين يا ختي ... مستعچله على إيه ... مش لما تُبجي تنفعي فـ العَلام أول ... أردفت "حبيبة" فى تحدي قائله : — هنفع ياما ... وهبجى دكتوره جد الدنيا ، و هتشوفي وفى الداخل ، اقترب "كاشف" من "حميده" ، يتحسس وجنتيها الناعمتين ، ثم كشف الحجاب عن خصلاتها التى تحررت فى انتعاش ، لتتسع ابتسامته قائلا : — تبارك الخالق فيما خلق ..... هو إنت "حميده" صُح ولا حوريه من الچنة .... چميلة لدرجة إن جلبي اللي عمره ما دج فـ حياته إلا مره ..... ليتذكر زوجته "فريدة" فى تلك اللحظه الفارقة حينما رآها مع غيره ، ثم نفض أفكاره البائسه ليحيا الواقع ، و يُنهي الماضي وما فيه انتبهت "حميدة" إلى شروده ، لتهمس فى شجن : — هو إنت لسه عـتحبها يا "كـاشف" ؟! أجاب "كـاشف" فى تساؤل : — هى مين داي ؟! — "ضُحى" يا كاشف ..مرتك الأولانيه أمسك "كـاشف" بكفي حميدة ، يضغط عليهما فى شغف ، ثم همس بجوار أذنيها : — أني مش هچاوبك بالكلام .... أني هچاوبك بالفعل ....و إلتهم شفتيها الناعمتين فى قُبلـة حطمت جدار الغيـرة فى قلبها .... ليتوغل طويلاً ، يتشرب من خمر شهدها العذب الذى لا ارتواء منه ولا مفر.... دقائق عشر .... مضت و تلك الصورة الدافئة للحبيبين ثابته لا تتغير ، حتى شعر "كـاشف" بضيق أنفاس "حميدة"  ... ليبتعد قليلاً على مضض .... أنفاسهما المحترقة بلـذة الوصال ، و الرغبة التى إلتهبت بجسديهما ...كانت أدق الأدله على عشق "الكاشف" لعروسـِه ... ثم همس بصدر يعلو ويهبط  : — عرفتي الچواب على سؤالك ... ولا الچواب مش كفاية .... إن كان عَليْ أني أتمنى تجولي لاه .... و أني سدَّاد بعون الله .... من فرط خجلها ، تمنت "حميده" لو تركض من أمامه و تختبىء فى معزلٍ عن نظراته ، إلا أنها فى حضوره لا يحق لها الرحيل .... و ها هى تحيا السعادة التى لطالما تمنت أن يشاركها كاشفها من جديد ... أيام تمضى .... ليأتي يوم الزفاف ... وما أجملها من طقوس ...فقد تزينت البلدة بأكملها بالزينات احتفاءً بعُرس ابن عائله "الحمزاوي " و على أنغام المزمار الصعيدي ، و اهتزازات الطبل ... تراقصت الخيول العربية الأصيلة بفرسانها ، وعلى رأسهم العريس الوسيم "كـاشف ".... فى حين تزينت "حميدة " ، لتتفوق على القمر فى بهائها و تألقها ..... اكتملت الفرحة بإجتماع العروسين ، بعد ليلة شهد فيها القدر سعادة بعد طول شقاء .... وها هو "كـاشف" يُسطِّـر بنقوش من مشاعر تمام الزواج ، وملكيته لزوجته ..... لحظات سعيدة ....و راحة تكللت بعشق ، ليؤكد القدر أن "كـاشف" يحيا مع "حميدة" أسعد أيام حياته ... صفحات الماضي المغلقه سقطت عنه سهوًا .... وها هو لا يبالي ، و لن يتراجع .. وفى إحدى الليالي ... قرر "مصطفى" اغتنام الفرصه ، و الحديث مع "حبيبة"، فقد ملكت مشاعره بخفتها ، و عذوبتها البريئة ليتذكر لقائه الثاني بها للحظات وجيزة يوم زفاف شقيقتها الكبرى "حميدة " قرر خلالها ألا يدعها تضيع من بين أنامله ... ليُقرر التحدث معها قبل التصريح لوالدها بما يُكنُـه القلب ، وما ينتوي عليه ..   و فى اليوم التالي .... اعتذر عن الذهاب إلى المشفى ، ليجلس جوار المنزل ، ينتظر فى لهفه خروجها المعتاد ... و لحُسن الحظ .... لم يطل الإنتظار طويلاً ، فهـا هي تتهادى كما الريم الصغير فى رشاقه ، أقسم الجمال فى حضورها على أن ينحني ... ثم اقترب منها "مصطفى" فى لهفه مازحًا : — يا ترى الغزال الشارد رايح على فين كده ...؟! شهقت "حبيبة" من الذعر ، لتهمس : — وه .... بسم الله الرحمن الرحيم .... جرى إيه يا فندي ... هو إنت هتفضل إكده لازِجلِي فـ الرايحه والچايه .... يكون فـ معلومك إنت لو مبطلتِـش تلاحِجني بالشكل ده ، أني هجول لأبوي ... و هو يشوف شغله وياك .. ابتسم "مصطفى" من جمالها الفاتن ، ليستكمل مشاكستها قائلا : — ولو قولتِلك إني بحبك  و عايز أتجوزِك ... تقولي إيه ؟! اتسع فاه "حبيبة" من جُـرأة "مصطفى" ، ثم هرولت فى حياء ؛ إلا أن "مصطفى" اعترض طريقها قائلاً : — لأ ... ما هو متحاوليش ... أنا مش هسِيبك النهارده ، إلا لو رديتي عليا ... وجاوبتيني .... بقولك بحبِك وعايز اتجوزِك ... قولتي إيه ... موافقه صح ..!! أجابت "حبيبة" فى دلال : — ده إيه الغرور بتاعك ده .... فِـكرك إنك لما تجولي أني بحبِك ، و عايز أتچوَزِك ... هَـجوم أتنطط من الفرحه ... ليه يعنى ...؟!....  هو اللي خَلجَك مخلجش غيرك .... طب أني مش موافجه ... إيه جُولك بجى ....!! عض "مصطفى"على شفتيه من شدة غيظه ، و ارتسمت ملامح الضيق على وجنتيه ليردف فى حده : — هعتبر نفسي مسمعتش منك حاجه .... والنهارده هكلم أبوكي ... ولما ييجي يسألك ..تقولي موافقه ... فاهمه ... تقولي له موافقه يا بابا .... و يوم ما يتقفل علينا باب هنتحاسب على كلامك اللى قولتيه ، و شفايفك دي اللى مستقويه بيها ، أنا هقطعهم من البـــ...... كتمت "حبيبة" أنفاس "مصطفى" بكفيها الرقيقتين قائلة فى حرج : _ اسكت... إجفل خاشمك ده خالص ... ده إنت طلعت جَلِيل الحيا .... وربنا أطُخك عيارين . عض "مصطفى" على شفتيه فى وقاحة لم يعتاد التعامل بها ، ليجد فى نفسه تصرفات ظهرت حين أحيت الحسناء "حبيبة" بحسنها قلبه ؛ ثم همس بنبرة خفق لها قلبها : — عيارين إيه ....؟! ... ما تنطقي ... ساكته ليه ... لسانك كَلِته القطـة .... قولي .. أنا ...بحبك ...يا "مصطفى".... يلا ... بِـتيـه كما لو كانت تحت تأثير خمر عينيه ، فاهت بما أراد ، ليقسِم "مصطفى" بـربه ألا يدع سواه ينل منها كزوجة أمام الله ، و أمام الناس ابتسم من داخله ، ثم ربت على وجنتيها فى حنان قائلاً : — إنتِ كنتي رايحة فين ؟! أجابت حبيبة فى خجل : — مش عارفه .... — خلاص إرجعي البيت ، وأنا هكلم أبوكي النهارده و أطلب إيدك منه رسمي ... إوعي ترفضي يا حبيبتى .. حبيبك يزعل ... مش أنا حبيبك برضه يا حبيبتي ....؟! تخلت عن كافة أسلحتها ، أسلمت القلب ، والروح لتتفوه بثغر باسم يتمناه : — أني موافجة يا حبيبى ...روح لأبوي دلوك ...و جُـوله إنك عايز تتچوزني السبوع الچاي .. حلَّـق فى السماء بفرحة لا يسعها محيطه ، ليفرد جناحيه كما الملاك الهائم فى بحور عشقها ... و كيلا تنتصر الرغبه طالبها بالعودة إلى منزلها ، ليهرول إلى والدها و يُفاتِحَـه بأمله الذى لم يتبقى لـتحقيقه سوى لحظات ... وافق الحاج "جابر "..... لتكتمل ينابيع الهيام بزيجة "مصطفى و حبيبته "... و تُمطـر السعادة من قطراتها ما يسحر القلب و يرتضيه ... سُئل طبيب الغرام عن دواء العليل ... فقال : — قليل من صوته .... وسيزول التعب ... و جرعة من الأمان .... وسينتهي الحزن إلى غير رجعه .... و إن خيروك بين كافة المشاعر .... فلتختر الأمان سبيلا ..... لذا اصطفى الامان على الجميع ... و أشرقت دنياهم ببدايات ، و استكمال البعض مما مضى . مرت السنوات سريعة كما فتاة تقف على المنحدر ، لا هى تعود ولا هى تتراجع ... إلا أنها حين سمعت صيحة الليث ... دبت فى أوصالها القوة والعتاد .. سنه تلو الأخرى .... سنة تودع سابقتها .... و السعادة مُقيمة فى رحاب الجميع... حتى أتمت دورتها عشرين دورة بعشرين سنه .... وما أسرع عداد الزمن ..... و مرور الأيام ..!! يُتبــع ........

📜 الفصل التاسع 📜

« مصـادفـة عجيبـة » ‏و إن سُئلت عن أجمل مشاعر الدنيا ...سأجيب : _ وإن أخطأت فأنت بمأمن ، و إن خانتك الظروف فأنت مُصان ، و إن تلاعبت بك الأقدار فلا تُغادر ..... و إن رحل القطار ..... فأنت بالقلب تحيا .... ولا تـَزل .... — لأ بقى ... ده مش عدل ...كل يوم كده ، و الآخِـر لما أتأخر ... أسمع محاضرة طويله عريضة عن قوانين العمل ، و قيمة الوقت .... طيب ما يراعونا شويه أكتر من كده ... أعمل إيه ...؟! .... أعمل إيه ....؟!  ... يلا مَبِدهَـاش بقى ... والله لَـدخلاه و اللي يِحصل يِحصل .... ثم دلفت الفتاة إلى مصعد رئيس مجلس الإدارة ، غير عابئة لما يمكن أن يحدث من جراء تلك الفعله ... و فى الداخل ... ارتطمت بأحدهم لتزفر فى سخط : — ما تحاسب إنت كمان ... عاجبك كده .... أهو الـزُرَار إتقطع .... يعنى تأخير ، و بهـدله كمان ... ده ايه النحس اللي راكبني من الصبح ده .... يا منجي الوحـش من الجحـش يارب ..... على مدار الثلث ساعه منذ أن ارتطمت بفاجعة صعود مصعد الموظفين إلى دلوفها للآخر ... و حديثها لم يتعدى حدود لغتها الأم _اللغة العربية_ لتُنفث عن حنقها السافِـر ، مستغلة جهل سكان تلك الدولة الأوروبية بلغتها ...لتتمادى فوق المعقول ، هاتفه : — و إنت كمان يا خويا .... شكلك كده متأخر زيي ، بس القيافـه حلوه برضه... هى البدلة دي ماركة ....؟! ...  أكيد تقليـد .... ده إحنا عندنا فـ العتبه سوق كده إنما إيه .... بيجيب كل الأوروبي ، ويعمل زيه بالتفصيل ..... إحنا شعب ملوش كتالوج ....بابا... طوال حديثها لم يتحدث .... بل إلتزم الصمت ، ثابت النظرات ، يقتات من ملامحها التى حار فيها فى البداية ، فهى المزيج من جمال الغرب ، و سحر الشرق ... ولكن حديثها الساخط أجاب على تساؤلاته. توقف المصعد عند الطابق المطلوب ، لتترجل الفتاة إلى الخارج دون اكتراث ، غير مباليه لمـن فرض هيمنته على المكان . ورغم توغلها الى تلك القاعه المتسعه المرتشقه بالمكاتب ، إلا أنه ظل يتابعها فى غموض يحفه الإعجاب ، ثم ضغط على زر المصعد ليواصل صعوده إلى الأعلى . تسللت الفتاة كما اللصوص ، لتقترب من مكتبها خشية انتباه مديرها المباشر ، إلا أنها بمجرد جلوسها على المقعد ..التفت اليها صائحا فى حده ، بلغته الإنجليزية المميزه : — كالعادة .... تأخير ... تأخير ... أَلـم أُنبِهـك بالأمس على ضرورة الالتزام بمواعيد العمل ... ألا تعرفين قانون الشركات ...؟! أجابت الفتاة فى إسفاف: — أعلم ...."اليوم كالذهب ، و الساعه كاللؤلؤ ، و الدقيقة كالياقوت ... إن ضاعوا فلا عوده ".... أحفظها عن ظهر قلب ، ولكن سيدي صدقني .... أنا أصل إلى الشركة قبل موعد العمل بعشر دقائق أقضيها كاملة أمام المصعد ، وفى النهاية كما ترى ، أتعرض للتعنيف كل يوم . امتعضت ملامح الرجل الذى إعتاد الجدية فى العمل ،  يُحاسِب نفسه كما يفعل مع الجميع ، ثم هتف : —ذاك الإنذار الأخير ، وبعد ذلك أنتِ تعلمين .... هيا ... عودي الى العمل ، لا راحة اليوم ، ولا عودة إلى منزلك إلا بعد الانتهاء من تلك الملفات ...مفهوم " أهـداب " ... ارتدت نظارتها الطبية ، لتُباشِـر عملها فى نشاط و إتقان ... تستوعب كم المسئوليات دون إرهاق أو تململ ... لا تعي معنى التباطؤ فقد ألزمت نفسها بالتميز .... ساعات العمل تتسارع دون توقف ، و النشيطة " أهداب" على وضعها دون تكاسل ... حتى أتى موعد الإنصراف لينفَـضْ الجمع من حولها ، ويرحل الزملاء و تهدأ الأصوات إلا من صوت أناملها على شاشة الحاسوب..... استمرت "أهـداب" على وتيرتها الصامته دون كـلل إلى أن انتهت من المطلوب ، لتُفكر فيما عليها فعله .... و تتساءل : — هل ترحل من الشركة مُصطحبه الملفات معها ، و إن فعلت ...فـلِمَ أرهقت نفسها بعمل كانت تستطيع استكماله بمنزلها ..... أم تصعد إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة لتسليمه إياه ، فى حال تواجده بهذا الوقت المتأخر ..؟! ظلت على حيرتها لثوان معدوده ، ثم أفاقت على صوت هاتفها الخليوي يصدح ، لتُفاجَىء بأنه رقم عمها "أمين" ... أمسكت بهاتفها فى سرعة خِشية التسبب فى قلقِه لتبتسم من القلب ، هاتفه : — ألو .. أيوه يا عمو . .. لأ أنا خلاص فى الطريق ... معلش كان فيه زحمة .... بس خلاص قربت .. نص ساعه و هوصل .... حاضر يا حبيبى ... مع السلامة . وما إن انتهت من تلك المكالمه ، حتى ابتسمت فى سُخرية مريرة قائله : — قال نص ساعه قال ..... ده أنا على ما أوصل لمكتب رئيس مجلس الإدارة تكون النص ساعه خِلصت ... يلا ... بجِملـة التأخير .... ونهضت من مجلسها ، بعد أن اتخذت قرار تسليم الملفات إلى رئيس مجلس الإدارة ، طالما فى النهاية سينتهي مآلها إليه . دلفت إلى المصعد قائله : — يا ترى مكتبه الدور الكام ....؟! ... أكيد الأخير.... و أدي الدور  الــ ١٨ ... يارب ألاقيه ، أقله تأخيري يكون بفايدة .... توقف المصعد عند الطابق المنشود ، لتترجل منه فى استعلاء ، و زهو ..تحول إلى دهشة واعجاب معًا ... فما وجدته أمامها فاق التصور ...لتتطلع إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة الذى احتل نصف الطابق كاملاً... ارتعشت أوصالها ، ثم اقترب فى شجاعه زائفه هامسة : — انتوا يا جماعة يا اللى هنا .... يا قوم ... نِيلـة عليا .. أنا بقول إيه ..... هل من أحدٍ هنا ؟... سيدي المدير....هل من أحدٍ هنا ...؟ تأمُلهـا لذاك الإبداع ، والرقي المصحوب بالفخامه ، شغلها عن ذاك الجالِـس خلف مكتبه يتطلع إلى حاسوبه المحمول الذى يكشف كل مكاتب الشركة من خلال كاميرات المراقبه الموزعـه بإتقان ... ثم انحنى إلى الأمام ، ليجعل من الصعب رؤيته ، و يترك لها المجال إلى تأمل مكتبه بأريحيه . دقائق ..... ربما تعدت الثلاثون و لازالت "أهـداب" على ذهولها من فخامة المكتب ، وحُسن ديكوره ... وما إن شعرت ببعض التعب ، جلست على إحدى الأرائك المُـريحة ، لتقول بصوت مرتفع : — أما أعيش الدور شويه .... أَسَمِّـي السكرتيره إيه أسميكي إيه ...؟!.... "چينا" .... إنتِ يا چـــينا ... تعالي هنا ... بقالي ساعه بنادي عليكي ... قال يعنى إحنا فـ قهوة .... ابعتيلي القهوة بتاعتي ، و هاتيها بنفسك ... و تاني مره انتبهي ، يا إما هخصم من مرتبك شهر ... أنا اخترتك بنت عربيه ، علشان أعرف أتعامل معاكي براحتي .... يلا.... " ثم أطلقت" أهـداب "ضحكاتها الرنانه المميزة لتهتف : _ أنا شكلي باين عليها اتجننت .... أما أقوم بقى بدل ما " أمين " يقلق ، و أنا من أد محاضرات بالليل ... " .... لتنظر إلى الملفات التى لازالت بيدها قائله : — طيب ... أنا اعمل فيكوا إيه ... أنا كنت جايه مخصوص أسلمكم لرئيس مجلس الإدارة اللى محدش يعرف شكله ده .... أكيد رجل عجوز ، مغرور ، أصلع أو أشيب ..مش هتِفـرق ، و عابس ، و مستبد ، و بيحب الفلوس ... و صوته خشن .... أكيد ... كلهم كده .... امتعضت ملامح الجالس أسفل مكتبه ، لتظهر على وجهه مزيج متناقض من أمارات الغيظ ، و الضحك ، ليفكر فيما عليه فعله ، قبل رحيل الفتاة ....إلا أنه تفاجىء بخروجها المفاجىء الشبيه بالركض .. اهتدى الأخير إلى فكرته ، ليضعها محل التنفيذ ، ثم ضغط على زر التواصل مع مكتب سكرتيرته المباشره ليصدح صوته بنبرة غليظه قائلا : — چينا .... يمكنك الرحيل الآن ، ولكن لا تنسي تجهيز ملفات صفقـة الشركة السويديه على مكتبك ، و سوف ألتقطها أثناء رحيلي .... چينـــا ... أين أنتِ ..؟! استمعت " أهـداب" إلى صوت رئيس مجلس الإدارة صاحب النبرة الغليظة ، لتحتار فيما عليها فعله ، و خاصة أن الملفات المطلوبه بين يديها ، ثم اتجهت فى جُـرأة تُحسد عليها  إلى زر الاستقبال ، لتجيب بلغة انجليزيه  : — حسنا سيدي .... سأتركها على المكتب إلى جانب ، ملفات الدوائر الإلكترونية ، و عقود البنوك ... سأرحل الآن ، فقد حان موعد نومي .... ثم عدلت من نبرة صوتها لتهمس فى خفة و نعومه بلهجتها المصرية العاميه : — تصبح على خير يا خـويا ...  يا خرابي ... دي البت طلعت اسمها چينا .... لأ .. ده أنا طِلعت بركة ، وأنا مش واخده بالي ... أما أروح قبل ما يخرج و يعلقني ... " ......ثم تركت الملفات ، لتستقل المصعد إلى الأسفل ، ومنه إلى منزلها ..... نهش القلق قلب "أمين" ، خوفًا على "أهـداب" ابنة شقيقه "مدحت" ليقرر الذهاب إليها ، و مرافقتها بنفسه ، هامسًا بقلب ملتاع : — يا ترى إيه اللي أخَّـرِك كده يا بنتي ... استر يارب .... ولكنه لم يجد الفرصة للخروج ، فقد عادت "أهـداب" بعد يوم حافل من العمل ، تحيط عنق زوجة عمها فى رفق ، و تلحق به إلى غرفته ليحتويها داخل صدره فى حنان جارف : — قلقتيني عليكي يا بنتي .... إيه التأخير ده كله ....؟! ... اسمعيني ، لو التأخير ده اتكرر ، يبقى كفايه كده ، قدمي استقالتك ، وأنا هشوفلِك شركة أحسن منها يا حبيبتى . ابتسمت "أهـداب" لعلمها برغبة عمها الصادقه فى إسعادها ، لتُحقق مزيد من الخبرة قبل عودتها إلى بلدها الأم _مصر _ ثم هتفت فى رقة : — متقلقش عليا يا حبيبى ... أوعدك إنها تكون آخر مرة أتأخر فيها .... كان عندي شغل إضافي ، فاضطريت أعمله ، و أسلمه لرئيس مجلس الإدارة..... سماح بقى عشان خاطر حبيبك النبي ... هتف " أمين" فى خشوع : — عليه أفضل الصلاة والسلام .... طيب يلا غيَّـرِي هدومِك وتعالي نتعشى ... أكيد جعانه ....!! هتفت "أهـداب" بمشاكستها المعتادة : — ميته ..... مــ الجوع .... حالاً .... أنا قاعده عـ السفره أصلا ... شايفني يا "أمين" ... شايف ..... أردف" أمين" بضحكه وديعه قائلاً : — يا بنت ...بطلي تقوليلي يا "أمين ".... بقى كل الشيبة دي و لسه "أمين" فـ نظـرِك .... افتعلت "أهـداب "الانفعال لتقول فى عتاب مصطنع : — هو إنت ناوي تخونني يا " أمين" ... قول... إعترف ... حرر "أمين" ذراعيه من احتوائه لها ، ليقول فى أسف : — عليه العوض ومنه العوض ... حالة ميؤوس منها ... اتسعت ابتسامه "أهـداب" ليعلو صوتها تدريجيا : — يعني مش هينفع حتى التدخل الجراحي .... خسارة كانت فـ عز شبابها .... استمعت السيدة " ربـاب " زوجة "أمين" إلى المقوله الأخيره ، لتتساءل فى قلق : — هى مين دي اللى مش هينفع فيها تدخل جراحي ... مين تعبان يا حبيبتى ؟! قهقهت "أهـداب" من فرط حبورها لتقول : — دي الحالة الميؤوس منها ... أقصد حالتي حسب رأي عمي طبعا .. تنهدت "ربـاب" لترفع عينيها إلى السماء مُعلنه الاستسلام أمام العلاقة المرحة العابثة بين زوجها و ابنة أخيه ، ثم جلسوا جميعا على الطاوله لتناول طعام العشاء . بعد ما يُقارب الساعه أو يزيد بعض الشيء ، تسللت "أهـداب" الى الفراش ، لتنل ما يكفيها من النوم والراحة استعدادًا لبدء يومٍ جديد .... ولكن الحال اختلف على النقيض لدى الطرف الآخر ... ما إن عاد رئيس مجلس الإدارة إلى الفيلا وهو شارد ، عيناه تتربع على ذكرى ملامحها التى لم تخلو من الفتنه والأنوثة .... ساحرة صغيره غلبت فى دهائها الذئاب ، إلا أن زُمْـرة الليوث لا تكتنف عن افتراسها ...و هو حاكم الليوث الخبير فى الاقتناص بلا منازع .... ظل الليل بأكمله ، يفكر فى فريسته التى شغلت تفكيره ، لا يتخطى ولو تصرف أو ايماءة صدرت بعفويتها و مرحها .... حقًا مميزة ..... فى الصباح الباكر ... استيقظت "أهـداب" تتألق بنشاطها المعتاد ، لترتدي ثوب خريفي أسود اللون ، يتخلله بعض الخيوط الذهبيه ، و أسدلت خصلات شعرها الذهبيه لتتموج على كتفيها فى جاذبيه ألهبت جمهور الرجال .... تناولت القليل من عصير التفاح المنعش ، لتركض إلى الشركة ، داعية الله وصولها قبل الموعد . و أمام المصعد واجهت " أهـداب"نفس المعاناه اليوميه ، لتقرر التسلل إلى مصعد رئيس مجلس الإدارة كما العـادة ، وما إن دلفت إليه حتى استمعت إلى صوت أحدهم من خلفها يهمس : — اضغطي عــ الزُرار بسرعه قبل ما حَـد ياخد باله ، ننطرد كلنا ... ضغطت" أهـداب" على الطابق السابع ، تلتفت إلى مصدر الصوت ، الذى ما إن رأته حتى دُهِشت قائله : — أنا شوفتك قبل كده .... ؟! ارتفع إحدى حاجبي الشاب فى دهشه حقيقيه ، قائلاً : — إنتِ لِحقني تنسيني ... إحنا اتقابلنا هنا بنفس الطريقه امبارح .... واضح إن ذاكرتك ضعيفه أوي .... أجابت "أهـداب" ببعض الامتعاض : — إسمها شوفتِـك بالصدفه ... مش اتقابلنا ... هو أنا أعرفك أصلاً ... إلا صحيح ، هو إنت بتعمل إيه فـ أسانسير رئيس مجلس الإدارة ...؟! . أجاب الشاب : — أصلي بحب فيه .... قولت أجي أزوره ، و أطمـن عليه ... تساءلت "أهـداب" فى انتباه : — هو إيه ده اللي بتحب فيه ، و جاي تزوره ؟! — الأسانسير ... ابتسمت "أهداب" لعثورها على من يُشبههـا فى فنون المرح الساخر ، قائله : — لأ ... حلوه .... إنت بتشتغل هنا من إمتى ؟! أجاب الرجل : _ من شهرين .... يعنى لسه طازه بالسوليفان .... و لو حد خد باله إني بركب أسانسير الملِك ، هَـيِرمُوني فـ الشارع ، و أرجع تانى لصفوف العاطلين ..... و إنتِ ..؟! همست فى سرعة حين وصل المصعد إلى الطابق السابع : — لأ ... أنا خبرة عنك .... بقالي سبع شهور .... يعنى تقولي يا ريِّسَـه ... سلام يا كبيــر .. تساءل الشاب بصوت مرتفع ، متجنبًا انتباه البعض إليه : — لكن مقولتليش .... اسمِك ايه يا ريِّسـه  ؟! — " أهـداب" .... و إنتَ ...؟! صمت قليلا ثم أجاب : — أدهم .... لحظات و كانت " أهـداب" أمام مكتبها ، فقد وصلت اليوم فى موعدها المحدد ، لتبلغ مديرها المباشر بتسليم الملفات إلى سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة ، بعد أن طالبتها بها .... مُخفيه سرها الدفين بـمغامرة الأمس و صعودها إليه .... فى مكتب رئيس مجلس الإدارة دلفت السكرتيرة الخاصة إليه فى عمليه ، لتهمس برقة : — تفضل سيدي  ... تلك هى الأجندة الخاصة بمواعيد اليوم ... وضعها على مكتبه بإهمال ، ثم هتف بلهجة آمره مشيرًا إلى شاشة حاسوبه : — أرأيتي تلك الفتاة ... أريد ملفها بالكامل أمامي خلال نصف ساعه . اومأت الفتاة برأسها علامه الطاعه ، ثم رحلت فى هدوء ... ليهمس بعد رحيلها قائلا : — أما أشوف بقى إيه حكايتك يا "فتاة المصعد"  ... فى غضون دقائق كان الملف الوظيفي لـ " أهـداب " بين أنامل رئيس مجلس الإدارة ، الذى تصفحه فى إمعان واهتمام ، لتلتهم عيناه سطوره فى إعجاب ، نظرًا لما لفت انتباهه من تفـوق الفتاة بمجال إدارة الأعمال ، وحصولها على المستوى الأول على جامعة سيدني ، لتفوق جميع أقرانها فى براعه ، ناهيك عن فتنتها ، و جاذبيتها الفائقه ..... ليقرر ما عليه فعله دون هوادة أو تأخير ... انتهت ساعات العمل على خير ما يرام ... لتستعد " أهـداب" لرحلة العودة إلى المنزل ، فى حين اقترب منها مديرها المباشر قائلاً فى رفق : — أديتِ اليوم عملكِ بنجاح مُلفِت للإنتباه ... حقًـا أنا فخور بكِ "أهـداب" ... أرجو ألا تُضمِـرِي لي السوء ... من تعنيفي لكِ بعض الأحيان .... ابتسمت "أهـداب" فى مودة تعود إلى احترامها له ، قائله : — أشكرك كثيرًا سيدي .... لا داعي للإعتذار ... فأنا أتفهم موقِفَـك جيدًا .... و أعدك بالحضور فى الموعد الأيام القادمه كاليوم .... الى اللقاء . استقلت "أهـداب" مصعد الموظفين إلى الطابق الأسفل ، لتنتظر وصول أحد سيارات الأجره ، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه .... ففي الانتظار صبرٌ قد يطول .... تأففت بشدة ، لتزفر فى حنق : — يعنى لا بدري نافع ، ولا متأخر نافع ....فينك يا "عمدة" .. تشوف أختك وهى متبهدله ، و البرستيج بتاعها ضايع خالص . اقترب "أدهم" الذى كان يُراقبها منذ أن أنهت عملها ، ليتسلل خلفها ، هامسًا بالقرب من أذنها : — و ايه اللى ضيع بريستِـيجك يا "أهداب "...؟! انتفضت "أهداب" حين شعرت بأنفاسه الحارة تُداعب عُنقهـا فى حرارة ، ثم التفتت فى بطء هامسة : — يعنى مش شايف وقفتي دي ... يصح برضه آنسة رقيقة زيي تقف تِستنى تاكسي ، و حتى الظروف متساعِدهاش .... ابتسم "أدهم" فى رجوله ، تتألق زرقاويتيه فى جاذبيه قائلا : — لأ....ميصحش طبعا ... مدموازيل " أهداب " تتعامل معاملة البرنسيسات ، و مش مقامها تاكسي ... إنتِ مقامِك أكبر بكتير .... تركزت عينيها فى خاصته لتردف : — و تفتكر يا "أدهم" .... أنا مقامي إيه "فولفو ولا لانسر" ؟! أشار" أدهم " إلى ما خلفها قائلا بفخر : — هو ده مقامك .... ليموزين .... تفضلي .... اقتربت "أهداب"  من السيارة ، لتلتف حولها فى إعجاب من تصميمها الأنيق قائله : — هو إنت بتشتغل إيه بالضبط ؟! أجاب "أدهم" باسـمًا : — موظف زيي زيك .... و إوعي تصدقي إنها بتاعتي فعلاً .... أنا أصل طموحي كبير  أوى ، و كنت بفكر أتجنن و أركبها بدل رئيس مجلس الإدارة.... زي الأسانسير كده .... تراجعت "أهداب"  قائله فى ارتياب : — ده على اعتبار إن سواق رئيس مجلس الإدارة لا يرى ..لا يسمع .. لا يتكلم ... أهبل هو عشان تركب ببساطة كده ....؟! أجاب "أدهم" فى سعادة لم يشعر بها من قبل : — يا ستي خلينا نحلم ... هو الحلم ببلاش .... يلا يا مُحبِطه معنوياتي ... خلينا زي الشعب ...." ثم جذبها من أناملها فى رفق لاستكمال المسير إلى الجانب الآخر من الطريق ، آملاً وجود سيارة أجرة تقُلهما كلٌ إلى منزله . استجابت "أهـداب" إلى صُحبتِـه فى حيرة ، فلم تكن تعتاد مرافقه الغير ، و خاصة الرجال ، إلا أنها وجدت فى " أدهم" خير صديق ؛ لتسأل : — هو إنت بتشتغل فى قسم إيه ؟! أجاب "أدهم"فى تلقائيه : — المبيعات و التسويق .... محسوبـِك أحسن واحد فى مصر يبيع الهوا ف أزايز ... ضحكت "أهـداب" لتهتف فى مرح : — نصاب يعنى .... حملق "أدهم" فى ملامحها ، يتصنع العبوس قائلا : — لسانِـك ده هيوديكي فـ داهيه .... لو حد سِمعك من الشركة هيقولوا إن الشركة نصابه ، و بتشغيل نصابين .... يعنى إنتِ كمان زينا يا جميل ... توقفت إحدى سيارات الأجرة أمامهما ليستقلها الإثنان ، فى حين أجابت "أهداب" : — بترُدهَـالي بالذوق يا "أدهم " بيه ... ماشى ... لِـعِلمك بقى ... أنا قاعده في الشركة دي أكتسب خبرة ، مش أكتر .... كلها كام شهر و أرجع مصر ، بعد ما أكون مؤهله كفايه ... انقبض صدر "أدهم" للحظات ، حين استمع إلى حديثها عن العودة لمصر ليقول فى حزن : — و ليه ترجعي مصر .... مستقبلك هنا مضمون ، و شركة Fulton Group من أكبر الشركات اللى تقدري تحققي فيها نجاح مضمون فى أسرع وقت ... هنا امتيازات كتير عن مصر ... عايزه ترجعي ليه ...؟! أجابت" أهداب" فى رَويه : — لأن حياتي كلها فـ مصر... أنا وجودي هنا كان الدراسة ، ومن بعدها لاكتساب الخبره ... لكن أسرتي كلها هناك ... و بعدين إنت زعلان ليه كده .....!! ..... هو أنا كنت حبيبتك ، و خايف إني أمشي و أسِيبَك ...!! جملة بسيطة ، ربما تساؤل بسيط أتى منها بلهجة ساخره ، إلا أن وقع تأثيرها أصاب قلب " أدهم" فى مقتل ، ليقول : — لأ ... طبعا ... حبيبتى إزاي ... ده يدوب مرتين بس شوفتِك فيهم ... و عموما ربنا يوفقك ... انتبهت "أهـداب" إلى ملامح الوجوم التى حُفِـرَت على وجه " أدهم " وثغره ، لتحاول التخفيف من وطأة حديثها العابث ، قائله : — على فكره بقى ... أنا كنت بهزر معاك ... متزعلش أوى كده ، و إلا و الله ما عدت راكبه معاك الأسانسير و لا منولاك شرف صحبتي من تاني ... ابتسم " أدهم" ، ليتخبط قلبه فى أمواج من المشاعر ... أحقًا يأتي الحب بتلك السرعه ، و يسرق العقل من اتزانه !!.... إهدأ يا قلبي .... تساءلت "أهداب" فى مرح : — إنتَ عايش فين ؟! ... و مع مين ....؟! .... و إيه اللي  جابك استراليا بالذات..؟! .... و كمان إنتَ منين فـ مصر .... ؟! ضحك " أدهم" فى رجوله ، قائلاً : — كل دي أسئلة ... ده استجواب بقى .... يا حضرة وكيلة النيابه .... بقولِك إيه .... ما تيجي أعزمك عـ العشا ؛ و نتكلم براحتنا .... قولتي إيه ؟! نظرت "أهداب" إلى الطريق طويلاً من زجاج النافذة ، ثم قالت : — آسفه يا "أدهم"... أنا مبخرجش مع رجل غريب لوحدنا ، ولا بتعشى مع حد إلا أهلي ، و مش معنى إن أنا فـ أوروبا ، فإنى أكون نسيت تقاليد بلدي اللي اتربيت عليها ..... إنتَ زميل ف الشركة .... علاقتنا فـ حدود العمل ، لا أكثر ولا أقل ..... من داخله ، كانت السعاده تتطاير كما فراشات البساتين ، ليطمئن قلبه عمن هداه ، ثم أردف فى بؤس : — حِيلِـك ...حِيلِـك .... إيه ده كله ...!! ... كل ده عشان عزمتِك عـ العشا ... يا بنتي .. أنا كنت أقصد ناكل سوا كام ساندويتش برجر زي الفول والطعميه فـ مصر ... مش أكتر من كده ...هو أنا برضه أد مطاعم سيدني ... دي عايزه مرتب شهر بحاله .... تفهمت "أهـداب" حديثه ، لتعتذر للمرة الثانيه رافضه فى رقي : — معلش يا "أدهم" مش هقدر .... وبعدين هو مش فيه بريك نص ساعه كل يوم ... أنا بنزل كافيه الشركه أحيانًا ... ابقَي إعزمني براحتك ... إنما خارج الشركه معرفكش .... ثم طالبت السائق بالتوقف ، قائله : — أنا هدفع الأجرة مقابل عزومة الغداء فى الشركة ... و كده نبقى خالصين ... سلام بقى يا كبير ... ورحلت " أهـداب" فى سرعه ، لتلتفت إلى الشارع الخلفي ، وتنحدر منه إلى مسكن عمها ، فى حين  أُصيب " أدهم" بالذهول من سِحر تلك الفتاة التى أشعلت مشاعره للمرة الأولى منذ أن وطأت قدماها تلك الدولة الساحره.... عادت " أهـداب" إلى منزل عمها ، لتتفاجىء بوجود والدتها الجميله" فريدة " ، التى أقبلت عليها فى فرحة ، سانحة لدموعها لتنسال على وجنتيها اللامعتان كحبات اللؤلؤ ...وقد أحاطت والدتها بذراعيها فى شوق و لهفة هامسة: — وحشتينى أوى يا مامي ... وحشتينى أوى .... إيه المفاجأة الحلوه دي ... مقولتليش ليه إنك جاية النهارده ، كنت أخدت أجازه من الشغل ، وقضينا اليوم كله سوا ... أجابت "فريدة" بدموع الفرح ، و لوعة الاشتياق : — حبيت أعملهالِك مفاجأة .... وحشتينى أوى يا قلبي ... طمنيني عنِك ... عامله إيه فـ الشغل ... ؟! .... مش ناوية بقى ترجعي معايا مصر ؟! أجابت " أهداب" فى طمأنينة ، لتتمسح بصدر والدتها كما الهرة الصغيره : — قريب أوى يا مامى .... صدقيني وجودي فـ الشركة دي ساعدني كتير ، و أكسبني خبره كبيرة .... عشان لما أرجع مصر أكون أد المسئوليه ، و أخفف الحِمل عن "عُمده "، و خالو .... ولا إنت عايزاه يقول عليا فاشله ، رجعت زي ما روحت .... ابتسمت والدتها متمنية لها دوام التوفيق و التألق ، ثم دار بينهما حديث طويل حول أحوال أسرتها، و الشركة ، لتُفاجئها والدتها بقرار خشيت إستحالة حدوثه .... حيث قرر خالها فريد الزواج أخيرًا بعد أن عَـزف عنه لسنوات طويله ... فرحت "أهداب" كثيرًا لذاك الخبر الرائع ، لتسأل والدتها حول هوية العروس ، ثم أجابتها فى حبور  : — اسمها " خيلاء "... دكتوره .... والدها بيشتغل محامي معروف ، ووالدتها مديرة مدرسة .... هى من أسرة محترمه ، و أنا قابلتها وحبيتها جدا .... و كمان خالك سأل عليها ، وحسِّيته مبسوط ...  أخيرًا هفرح بيه ...  ياما طلبت منه يعيش حياته ، لكن هو رفض ، و صمم يتحمل الأمانة و ميفرطش فيها .... الحمد لله إجى اليوم اللى أفرح بيه .. " تساءلت "أهداب" عن موعد الزواج ، لتُجيبها والدتها فى هدوء : — خالك مصمم ميحددش ميعاد الفرح إلا لما ترجعي .... شدِّي حِيلك بقى .... كلنا موقفيـن حياتنا عشانِك .. تساءلت "أهداب " فى مشاكسة : — ليه هو حضرتِك عايزه تتجوزي إنتِ كمان يا مامي ؟! جذبتها والدتها من خصلات شعرها فى رفق قائله : — عيب يا بنت ...  جواز إيه اللى هفكر فيه بعد أبوكي الله يرحمه .... ده أنا بفكر إمتى هجـوِزِك إنتِ... أخوكي و الحمد لله ربنا كرمه بزوجة بنت حلال ، و خلِّـف كمان ... فاضل أطمن عليكي إنتِ كمان .... أجابت " أهداب" فى رقة : — يــاه يا مامي .... أنا لسه بدري عليا .... لما أطمِّـن على مستقبلـِي ، و أثبت ذاتِـي ... أبقى أفكر فى الجواز ...... وانتهت الأمسية ... ليأتى يومٌ جديد ..... تكررت مصادفات "أدهم " مع "أهداب" ، ليصبح المصعد هو نقطة التلاقي ، فى حين إلتزم كل منهما عمله بإتقان ، ليأتي موعد الاستراحة اليومية .. هبطت "أهداب"  إلى الأسفل ، لتبحث بعيونها عن "أدهم" ، ولكن لم يحالفها الحظ ، لتظُن أن عدم حضوره سبب له ضيق فى صدره ، من رفضها المتكرر عزيمته لها خارج الشركة ... قررت "فريدة"  العوده إلى مصر ، بعد أن اطمأنت على ابنتها بصحبة شقيق زوجها الراحل " أمين " ،  لتودعها مع عمها و زوجته فى المطار . انقطعت مقابلات المصعد الوجيزة بين " أهداب،و أدهم " لينال الحزن من قلبها دون تفسير . لم تكن تتخيل أن "أدهم" بشخصيته المرحة ، و حضوره الواثق قد امتلك من قلبها مساحة جعلتها ترفض عبورِه العابِـر ، لذا قررت السؤال عن تغيبه ، ربما قد أصابه مكروه .... استقلت المصعد للطابق العاشر ، قسم التسويق والمبيعات ، للبحث عنه ....وبمجرد هبوطها إلى تلك القاعة الواسعه التى تجمع مكاتب الموظفين ... شعرت " أهداب" بالقليل من الحِكه نظرًا لرائحة العطور الرجالية المميزة ، لتُحاول قدر استطاعتها كتـم نوبة العُطاس التى تُراودها بين الحين والآخر .... إلا أنها لم تستطع .... حالة من الصمت سيطرت على المكان بكل من فيه ، ثم لحِقَـهُ موجه من الضحك نظرًا لنوبـة العُطاس المُتهيجة لـ " أهـداب " ، فى حين توقف أحدهم قائلاً بلغة انجليزيه مُتقنه : — إيه يا آنسة .... كل ده عطـس .... واضح إن عندِك حساسية ... نصيحة بلاش تتعرضي للروائح أيًـا كان نوعها ... و القِسم ده بالذات مش هيفيدك ..... لم تنتبه " أهداب " إليه ، فقد كانت تستعيد وعيها ، بعد أن هدأت قليلا ، لترفع مقلتيها إلى ذاك الرجل فارع الطول ، مفتول العضلات كما المصارعين قائله : — أنا فعلا وجودي هنا أكبر غلط .... زيك كده بالظبط ... أنا كمان شايفه إن ملكش مكان هنا .... ضيق الرجل ما بين حاجبيه بمظهر ينم عن خبرته ، ليقول فى حده : — زيي إزاي يعني ....!! مش فاهم؟ أجابت أهداب فى وقاحة : — بص فـ المراية و إنت تعرف ..... ......ثم رحلت تاركة إياه بين الدهشه و الضيق .... يُتبــع ..........

📜 الفصل العاشر 📜

« قلــوب فى متـاهـــة » « و فى لحظه قصيرة.... تمتد إحدى الكفوف بزهرةٍ إليك ... و تبتسم الثغور .... ولكنَّ باطِنِـها مُستَتِر ..... هناك لحظة لا تُعلِـن عن قُـدومِها ، لكنها حين يحين موعدها .... تُبدِل الأمور رأسًا على عقِب .... و ذاك ما حدث ..... لأهداب ....تغير كل شيء حين التفتت إلى الخلف ، فوجدت أن ماضيها قد غَفَـل عن إشارات الدليل .....لتغدو بمستقبلها كما الكفيفة ..... و تتأكد أنه ما كان يومـًا بالـوهم المريح...» اتجه الرجل إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة ، بخطوات شابهت الركض ... لتقف السكرتيرة الحسناء "چينا" احترامًا ، و تبجيـلاً لسيادته .... ثم قالت : — هل ترغب بفنجان من القهوة سيدي ؟! أجاب الرجل بلا مبالاة : — لا ....لا شىء .... ثم إلتفت إليها قائلاً : _ انتظري ..... أريدك فى مكتبي حالاً .... دلفت "چينا" إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة ، لتتفاجىء بوجوده واقِفًـا برجولته الصريحة أمام المرآة ، ليشير إليها قائلاً : — اقتربي .....  ماذا ترين فى المرآة ...؟! أجابت الفتاة بدهشة لا تخلو من ملامح الاعجاب الصارخ : — أرى حضرتكم سيدي . فاجئها الرجل بسؤاله الثانى ، قائلا فى جرأه : — وما هو رأيك الشخصي بي كرجل ؟! أجابت الفتاة فى تِيـه و استسلام : — ساحر..... جذاب  .... متفجر الرجوله .... أتـود أن نتواعد سيدي ... لا مانع لدي .... تجهمت ملامح الرجل فى لحظات صارخًـا: — عودي إلى مكتبِك فى الحال .... يا لعبث النساء ...!! وبعد رحيلها بملامح الخيبة ، همس إلى نفسه ، بعد عودته الى تأمل نفسه فى المرآة : — طالما أنني أمتلك زمام قلوب النساء ، عمَّ كانت تقصد فتاة العُطـاس .... ماذا تقصد ..؟! يا لِـي من أحمق ..... لابد أن أعرف من هى ...؟! ثم أمر السكرتيرة الحضور إلى مكتبه للمرة الثانيه ، ليهتف : — أريد ملفات كافة الموظفات الشاغرات بقسم التسويق فى الحال ... أومأت "چينا" برأسها علامة الطاعه ، لتُرسِـل إليه عبر البريد الالكتروني كافة ملفات الموظفات ، التى أمعن فيهن النظر دون جدوى ، ليتساءل : — إن لم تكن تعمل بذلك القسم ... إذن لـِمَ كانت هناك ؟! ...ماذا علي أن أفعل الآن ؟! .... حسنًـا سأُراجع كاميرات المراقبه ... و قد فعل لينتبه إلى " أهداب" ، ثم ثبت الصورة عليها ، و اتجه إلى الهاتف للتواصل مع رئيس قسم الموارد البشرية آمرًا : — سأرسل إليك الآن صورة لفتاة .... هى موظفه معنا فى الشركة ... أريد ملفها الوظيفي بالكامل ...فى غضون ١٠ دقائق . أجاب الرجل بنبرة مرتجفه : — فى الحال سيدي ... بملامح مكفهِـرة ، ألقى ذاك الجالس على كرسي رئيس مجلس الإدارة نظراته على ملامح أهداب الفاتنه ، يتشبع من جمالها الأخاذ ، قائلاً : — ويلك مني يا فتاة العطاس !! فى غضون دقائق .... كانت بيانات "أهداب" كامله ، أمامه ... ليبتسم فى نصر زاهي هامسًا : — و أخيرًا .... ها قد وجدتك آنسة "أهداب" ... اشتقت إلى لمسات شرقيه ... قاطع حديثه اتصال مفاجىء عابِـر للقارات ، لينتبه إلى صاحبه ، و يجيب فى سرعة بلغة عامية مصرية : — والله عال ... إيه يا صعيدي ... مش ناوي تِـرجع بقى تشوف شركتك .... ولا هي قاعدة الصعيد وحشتك ؟! أجاب الطرف الآخر ضاحكًا : — و هى يعني شركتي أنا لوحدي ... ما إنت كمان معايا شريك مُساهم فيها .... استقام الأول بطولِـه الفارع ليهتف فى مكر : — أدِيـك قولتها .... مُجرد مساهم ....لكن لو إنت قررت تزود لي الأسهم ٣٠٪ كمان .... أنا معنديش مشكله أمسك الإدارة كمان شهر لو تحب ... أجاب الأخير فى رفض باسِـم : — لا يا حبيبى ... إنت عارفني ... كفاية عليك ١٥٪ نصيبك ....  إنت هتنهـب ولا إيه ....؟! رددت أرجاء المكتب ضحكاته الصاخبة قائلاً : — و ماله ...  أنا يطلع عيني فى مؤسسة ضخمة بآلاف الموظفين ، و إنت تفضل تاكل بـط و وِز .... هنيالك يا كبير الصعيد . .....ثم ارتسمت الجدية ملامحه ، ليردف : — صحيح ....  طمنِّى على جدك ... أخبار صحته إيه دلوقتي ؟! أجاب الآخر برضا : — الحمد لله أحسن .... كلها يومين ، و أرجع.... بقولك إيه .... فيه موظفه ممتازة فـ القسم المالي ... متفانية جدًا فيه ، و بتقدم تسهيلات ممتازه مع البنوك ... عايزك تصرفلها مكافأة شهرين .... عَـلا صفِير الأول قائلاً بمزاح : — وااااو .... ومين بقى الموظفه الممتازه اللي لفتت انتباهك دي ؟! تجهمت ملامح الأخير قائلاً فى غضب : — " لـؤي " ..... إنت عارف كويس إني مبحبش الأسلوب ده ... إحنا صحيح أصدقاء و شركاء ، لكن لاحظ إن أنا جذوري من الصعيد....  و لا يمكن أكون هوائِـي زيك ... أنا صحيح بقالي سبع سنين فى أوروبا ، لكن إنت عمرك كله قضيتُـه هنا ..... فبلاش النظام ده معايا ..... ارتفع أحد حاجبي" لـؤي "فى تلاعُـب هاتفًا : — إيه يا جدع .... مالك ... ما تهدى علينا كده ... إحنا مش أد الصعيد .... و عِرق الصعيد الناشف ده .... أنا بضحك معاك .... وعموما قوللي إسم الموظفه دي ، و أنا هقوم باللازم ... أكيد شغلها ممتاز و تستحق .... تصدر الوجوم ملامح الآخر قائلا : — اسمها " أهداب " .... " أهداب مدحت الصواف " .... خلي بالك من الشركة ، و أنا زي ما قولتِلك.... كلها يومين وأكون عندك ....سلام . ليعاود " لـؤي "صفيره الممتد تلك المرة ، قائلا فى لـؤم : — ما أمكرِك أيتها الشقيه...!! ..... أتتلاعبين بالرجال بتلك البساطة ، ومن يرى براءتِـك ينساق وراء سحر عيناكِ شبيهي السماء ..... حسنًـا ... طالما انضم " لـؤي "لحلبة النزال ، فلنمرح قليلا .... و لنرى ما الذى يُميزِك ؟! وكما تتبدل حالات المناخ .... فالأجواء أيضا تتبدل ... لنطوي صفـحة الغـرب ببرودته القارصة  .... و نعود إلى أعماق الشرق بحرارته الدافئة ... و لهب الصعيد ... بعد أن أنهى حديثه مع صديقه ... ذاك الحديث الذى ضاق له صدره ، لتكن تلك المرة الأولى التى يدخل فيها معه فى جدال .... و ربما السبب غير ذلك ... فقد أخفى ثوب الحقيقة داخله ، ليستعيض عنها برداء كبرياء أبناء الصعيد .... إلا أنه من داخله يوقن أنه اشتاق إليها حد الجنــون .... سافر بذكريات عشقه لها بعيدًا ... عندما رآها للمرةِ الأولى ... لتعود الإبتسامة الحالمه إلى شفتيه هامسًا: — وحشتيني يا فتاة المصعد .... وحشتيني أوى... يا ترى حبيبتى اللي مجنناني عاملة إيه دلوقتي .... ؟!معقول تســ......" قاطع سيل أفكاره ، هتاف والده الدافىء ليردف باسمًا : — سافرت بفِـكرك على فين إكده يا ولدي ...؟! ... جُولتلِّـي هتكلم مع صاحبي فـ الشركة ، و شايفك أني خلصت حدِيتك وياه .... إيه اللي شاغلك إكده ....؟! ... حصل مشاكل ولا حاچه لا جدر الله ؟! ... انتبه الى والده ، ليعتدل فى جلسته فى احترام قائلاً : — لا ... يا بوي ... كله زين والحمد لله ... هو بس "لـؤي" مش جَـادر على إدارة الشركة لِـوحدِيه ... وكان بيستعچلني أعاود استراليا ، فأني جولتله يومين وراچع ... عاود الأب الحديث بحنان ، و رِفق : — و كان لازمته إيه الدوخة والشحططه داي يا ولدي ... إحنا مبسوطين والحمد لله .... ما تصفِّـي الشركة داي وترچع مصر .... تبدأ من جديد .... والله عالم البيزنس فى الصعيد ، أرباحه ياما ... إسالني أني .... أجاب إبنه فى امتنان وحب : — أني عارف يا بوي ، ولا يمكن أنسى فضلك عليّ ... ده كفايه إنك اللى موِلت المشروع ، وعمرك ما جَصَّرت معايا من يوم ما بدأت تأسيس فـ الشركة لحد دِلوك ، وبعدين يا بوي ... إنت ليك أسهم فى الشركة ٢٥٪ و چدي ٣٥٪ ، و عمي چابر ١٠٪ ...و أني يا دوب ١٥٪ بس .. يعني لازم أكون فى الشركة و أراعي مالنا برضيك ... الشركة داي بسم الله ما شاء الله ، لولا هي علينا ، من يوم تأسيسها و احنا حالنا ، و وضعنا المالي اتبدل كتير عن الأول. أردف الأب فى حكمة و رزانه : — يا ولدي ... الدنيا مش كلها مال وبس ...لاه ... دي إسم ، و أصل، و هيبه ،و تمسكك بتجاليد بلدك ، ودي كلاتها حاچات لا يمكن تتاجِل بمال .... أني بس خايف الدنيا تِسرِجك ، و أني عايز أچَـوزك و أفرح بيك ... ده إنت الحيلة على اخواتك البنات يا "صـداح " يا ولدي ... ربت "صـداح"  على كتف والده قائلا فى محبة و اعتزاز : — چريب يا بوي ... جريب جوي هفرحك ، باللي تريده لولدك ... أنا عايش فـ الدنيا دي بنفسك ، و بس .... عودة لأجواء العمل فى الشركة ، فقد أنهت "أهداب" عملها ، كما العادة بدقة وإتقان ، تتلافـى أي أخطاء من شأنها القليل من تميزها ، لتستعد للانصراف و حين اقتربت من مصعد العاملين ، تراءى إلى ذهنها "أدهم "، لتشعر بالسخط من ذاك الرجل الذى تسبب فى خسارتها فرصة الاطمئنان عليه ، ثم قررت المجازفة ، و ركوب مصعد رئيس مجلس الإدارة ، علَّهـا تراه و تُعاتبه ... انتظرت قليلا لحين خلو الردهة من العاملين ، لتضغط الزِر و تدلف إلى الداخل بأنفاس متلاحقه ، ما لبثت أن شابها اليأس ... ثم همست فى حنق : — و أنا اللي افتكرت إني هشوفه ... منك لله يااللي فـ بالي ، لو مكنتش قاطعتني ، كان فاتني سألت عليه ... يلا ... حظي وأنا عارفاه .... انتبهت "أهداب" إلى أن المصعد بدلا من هبوطه إلى الأسفل ، الأ أنه يصعد إلى الأعلى ، لتتنفس الصعداء قائله فى سخط : — يلا .... واضح إن رئيس مجلس الإدارة ناوي يركب الأسانسير .... وماله ، خليها تكمل ، وتترفِـدي يا " أهداب" ، بدل ما تقدمي استقالتك بكرامتِك ....مِنك لله يا اللى فـ بالي ...." ظلت تُردد الجمله الأخيرة مرارًا وتكرارا ، حتى انفلتت من شفتيها بعلو صوتها فى تلك اللحظه التى توقف فيها المصعد أمام راكبه ... و ما إن فُتح المصعد و دلف إليه حتى استمع إلى تلك الجمله فى صفحة وجهه ... اتسعت ملامح "أهداب "، لتحاول إبتلاع ريقها الجاف ، ليرمقها الآخر بنظراته الحارقه قائلا : — ما الذى تفعله فتاة مثلك فى مصعد رئيس مجلس الإدارة ؟! استعانت أهداب بالقليل من الجرأة قائله فى شجاعه: _ هذا السؤال عليك أن توجهه إلى نفسك أولاً. حار الرجل فى لسان تلك الفتاة السليط ليضغط على كلماته فى غيظ : — ألا تعلمين من أكون أيتها البلهاء ؟؟ ظهر العبوس على ملامح "أهداب" ، لتردف فى صراخ : — إلزم حدودك يا هذا .... أنا لست بلهاء ... إنما الأبله هو من يقف امامي الآن و يتصدر المصعد بجسده كما مصارع الثيران ... مكانك ليس هنا ، و إنما فى إسبانيا ... ضاقت أنفاس "لـؤي" ليحاصر" أهداب" فى أحد جوانب المصعد ، بعد أن ثبت المصعد بين الطوابق ، هامسًا بلغته العربيه و صوت يشبه فحيح الأفعى : — بقى أنا مصارع ثيران ، و أبلَـهْ ، ومكاني فـ أسبانيا .... و ماله ... بس أوعدِك يوم ما أروحها هتكوني هناك قبل مِنِّـي .. اتسعت ابتسامة" أهداب" الساخرة ، التى تُخفِـى خلفها خوفها الدفين من ذاك الضخم : — و أنا هروح أسبانيا بصفة إيه إن شاء الله ؟! أجاب"  لـؤي" بأنفاسه التى كادت تُشعِـل أوصالها من اقترابه الخطر : — بصفتِك مراتي..... أنا "صـداح الوليد"  ... رئيس مجلس الإدارة .. تفاجأت " أهداب " من هوية الرجل الماثل أمامها ، لِـتنهر حبات العرق الغزيرة .. ملامح وجهها ناصع البياض ، فى حين ارتعشت أناملها من التوتر ، لتسقط بين ذراعيه فاقدة للوعي ... لحظات فارقه ، تبدلت فيها مشاعر "لـؤي" من سخط و غضب إلى قلق وتوتر ... حين سقطت " أهداب" بين ذراعيه ، مستسلمة لإغمائها المفاجىء ... ليحملها بين ذراعيه القويتين كما الريم الصغير ؛ ثم وضعها فى سيارته لينطلق بها إلى منزله الخاص .... فى غضون دقائق معدودة ، هبط "لـؤي" من سيارته ، ليصعد إلى مسكنه الخاص البعيد كليًـا عن فيلا والده ، ثم دلف إلى غرفة نومه ، ليريحها فى رفق على الفراش أحضر "لـؤي" أحـد زجاجات العطر ، ليقربها من أنفها المستقيم الناعم .... ولكنه تراجع ؛ فقد جذبته ملامحها الفاتنه ، ليقترب منها بأنامله يعبث فى خصلاتها الشقراء ، ومنها إلى حدود عنقها المرمري ... فاتنه .... تسرق الألباب ..... ثم اقترب رويدا ...رويدا ، يتنفس عبيرها الدافىء المستكين ليهمس : — إنتِ عملتي فيا إيه .... مفيش بنت قابلتها ملكتني فـ لحظه زيك .... أعمل معاكي ايه دلوقتي ...؟! ... إنتِ إزاي جميله كده .... !! ..... إزاي ...!! ثم ابتعد قليلا ، لؤضع القليل من العطر على باطن راحته اليمنى ، ليدع " أهداب " تستنشق عطره الأخاذ و فى غفوتها ،انتبهت لعطر يتسلل إلى أنفاسها ، لتتسع ابتسامتها فقد أيقتنت أنه عاد ..... نعم عاد .... عاد " أدهم" تفتحت عينيها فى بطء ناعم ، مردده بثغرها الشهي : — أدهم .... أدهم تملك الحنق و الغضب من قلب "لـؤي", ، ليتساءل بنبرة خافته : — "أدهم" .... مين "أدهم "ده ؟! وفى لحظات كانت "أهداب" بكامل وعيها ، لتنتبه على ذاك الجالس جوارها ، المنحني بصدره القوي عليها حد النشوه ، لتتلعثم قائله : — إنت ... أنا ... إنت بتعمل إيه .. أنا جيت هنا .. إزاي .. هو أنا فين .... أنا.... ابتعد "لـؤي" قليلا ، ليربت على كتفيها محاولا بث القليل من الطمأنينه إلى قلبها مردفًا فى هدوء : — إهدي ... إنت كويسه ، و أنا معملتش حاجه... متخافيش... انت بس فقدتي الوعي فى الأسانسير ، فجيبتك عندي هنا عشان أفوقك ... سلامتك ألف سلامة يا "أهداب" هانم .... لكن قوليلي ... مين "أدهم "؟! لم تكن" اهداب" بالثبات الكافي الذى يجعلها تفكر فى رويه ، إلا أنها أجابت : —" أدهم " ده يبقى زميلي في الشركة ... بس انت معملتش حاجه صح .... انا محدش قرب مني ... انت مقربتش ... مش كده نفى،" لـؤي" اقترابه منها ليقول فى لين : — والله ما قربت منك ، كل اللي حصل أنى شيلتك ، و جيبتك على هنا ... و بعدين متنسيش اني مسلم زيك ، و على فكره بقى أنا كمان مصري ، و والدي كمان مصري ... اطمنتي ولا لسه !! استقامت "أهداب" لتركض إلى المرآة ، و تتحسس بأناملها الناعمه جسدها فى قلق قائله : — شِيلتني ، و جيبتني بيتك و بتقول معملتش حاجه ... أومال لو كنت عملت ، كان هيحصل إيه تانى ... انطلقت ضحكات" لـؤي" المرحة قائلاً : — لأ بقى .... كان هيحصل كتير .. بس مش وقته نتكلم عنها دلوقتي .. يلا عشان اوصلك ، ولا تحبي نقعد كمان شويه ... انا جاهز ... من كله و مستعد . زفرت" أهداب" أنفاسها فى حنق ، قائله فى غضب : — وقح ، و قليل الأدب . انطلقت " أهداب ' ..... "لـؤي خلفها قبل أن تبلغ باب منزله قائلا : — وانا مش هنكر ... الاعتراف بقلة الأدب فضيله .... رفضت "أهداب"  رفضًا باتَا رفقة لـؤي" إلى منزلها ، لتستقل أحدي سيارات الأجرة إلى المنزل فى حين تبعها "لـؤي" بسيارته للاطمىنان عليها ، و التأكد من عنوان منزلها الكائن ، ولا يزال عقله يردد نفس التساؤل : — من" أدهم " ؟! هبطت "أهداب“ من السيارة ، لتصعد إلى منزلها ، لتتفاجىء بعمرها آمين على وشك ذهابه إلى الشركة السؤال عنها ، ثم أردف : — ايه يا بنتي ... شوفي بقى ..انا خلاص مبقتش قادر على القلق والتوتر ده ... كل مرة تاأخري كده ، و يضغطوا عليكي فى الشغل ... إنت لازم تسيبي الشركة دي ، و أفتكر أن كفايه كده ... بقالك شهور بتتدربي ، و اكتسبتي خبرة كفايه ... أنا بخاف عليكي ... ارتمت إهدار بين ذراعيه فى حب ، ثم قالت : — حاضر يا" أمين ".... عيوني ليك ...  أوعدك أقدم استقالتي نهاية الشهر ده ... أنا فعلا لازم أحط النقط على الحروف ، و لو مقدرتش .. خلاص هيام امري لله وارجع مصر .... تساءل " أمين" فى حيرة : — نقط إيه يا بنتي ، و حروف إيه ؟! — لا ... ولا حاجه يا عمو ... أنا اقصد الشغل الي انا مكلفه بس ، لازم أنتهي منه قبل ما اقدم استقالتي ، عشان كمان استلم شهادات الخبره .... أسدل الليل ستائره على تلك الدولة الاوربيه ، ليعلو الحنين ضجيج العقل ، فذاك الهائم الذى عُرف بزير النساء ، ظل يتقلب على فراشه من لهيب لهفته عليها .... لقد أصبح عاشقًا لفتاة شرقيه من بلدته .... و صار طموحًا إليها و فقط .... هى التى توغلت إلى موطن لم تقدر عليه غيرها .... هى المصرية أهداب ... فاتنته ... يشاركه الوله ، بل يزيد ....فقد صار اشتياقه إليها جنونه ... كيف استطاع البعاد ، و تحمل الغياب طوال تلك الفتره ...؟! يا الله .. ما احلاها حين تبتسم ... وحين تتعب... هى الجذابه فى كافة تفاصيلها ...." جلس صدام يفكر ، و يفكر.... إلى أن أوجه إلى دولاب ملابسه ، يتناول من بين طيات ملابسه ذاك الصندوق المخملي صغير الحجم ، ثم فتحه ليتألق ما بداخله ببريق نافس نور الشمس العابرة من شرفتي غرفته ، ثم همس : — لازم أعترف لها بالحقيقة .... أنا بحبها ، و مش هقدر أنكر ده ... مش هستنى لما ترجع مصر ، و تضيع مني ...  هقولها على كل حاجه ، و اعتذر لها... هداب حنينه ، و هتسامحني .... وحشتني اوي .... يارب اجعلها من نصيبي .... مر اليومان الفاصلان ...ليهبط صداح الدرج ببيت والده الكبير ، ليودع چده الحبيب ، و چدته الغاليه ... مرورًا بوالديه اللذان لم يرتويا من حضوره بعد . فى حين ارتمت والدته على صدره ، ليحيطها بذراعيه القويين قائلاً فى مزاح : — ما تسيبك من البلد ياما ، و تاچي معايا استراليا ...و لا أبوي هيوحشك ، ومش هتجدري تبعدي عنيه .... من بين دموعها الحارة المشتاقه ،ابتسعت ابتسامة والدته لتردف : — أني مجدرش أبعد عن أبوك يوم واحد ....أبوك بيچري فـ دمي .. هو النفس اللي أني أتنفسه ... كيف أهمله لحاله ، و أسافر لحالي ... لا يمكن يا ولدي .... تعالت صيحات اعجاب بناتها الخمس ، ليسحبها زوجها من بين ذراعي "صـداع " ، ويتلقاها بين خاصتيه قائلا : — ولا أني أجـدر على بعدك يا غالية يا أم الغالي ... سطر  الغرام مشهد من أروع مشاهد العشق ، ليرحل "صـداح" إلى المطار ، بصحبة صديق والده الدكتور "مصطفى" الذى فعله وعزز فول بال بالونة رفقته ، وبعد أن انتهي من إتمام كافة الإجراءات ...احتوى" مصطفى"" صداح " أتى بين ذراعيه قائلا بلهجة صعيديه خالصه نظرا لسنوات عمره العشرون التى قضاها فى تلك البلدة : — عايژك المرة الجاية ترجع و معاك فرسة أچنبيه حلوه أكده ... عايزين نحسن السلالة ... ولا تجولي أتزوج من الصعيد ، و لا أني عندي انتماء .... فكر لجُدام ابتسم صداح فى مشاكسة قائلا بمكر : — واضح يا عمي إن حريم الصعيد مبجتش ماليه عنيك ... لأ أني لازم أنبه حبيبة .... لتكون مجصرة ولا حاچه الحج نفسها قبل ما الدكتور عينه تزوغ اهنه و لا اهنه ... أظهر مصطفى الشجاعه المزيفه قائلا : — وه ... وفيها ايه يعني أما افكر أتچوز ... أني راچل و لسه شباب ، و أجدر بعون الله أفتح بيتين و تلاته .... ضحك صدام فى وچل قائلا : — طيب ..احذر مني بجى ... حاكم كله الا خالتي يا دكتور .... حريم العيله كلاتها فـ كفه ، و "حبيبة 'وحدها فـ كفه تانيه ... ثم ودعه ..... صاعدا إلى الطائرة ، ومنها إلى الغرب البعيد .. إلى حيث تكمن معشوقته " أهداب " قررت أهداب استكمال تلك الأيام العشر المتبقيه من الشهر الحالي ، لتنهي على إثرها ملفها الوظيفي مزينًا بشهادة الخبرة الموثقه من إحدى كبرى شركات العالم .. لتعود دون أن تلحق بمن رحل قبل أن يصعد على متن قاربها .. نهار جديد ... مع زحام العمل اللامتناهي .. و تلك الرشيقة المجتهدة .. أيقونه الذكاء محط إعجاب الجميع ... و فى خضم انشغالها .... تلقت اهداب أمر مباشر ، بتسليم بعض التقارير المالية الى سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة ، نظرًا للإجهاد البادي على ملامح مديرها المباشر ، و الذى ظهر للعيان أمام الجميع . إلا أنه و لتمسكه بالعمل ، رفض الانصراف باكرًا .... فما كان من أهداب إلا القبول ، للذهاب إلى مكتب سكرتيرة رئيس مجلس الإدارة التي أسمتها من قبل لقاءها بها .. چينا . استقلت المصعد كما العادة لتصل فى دقائق معدودة ...ثم ألقت عليها تحيه الصباح ، لتسلمها التقارير المطلوبه ... إلا أن "چينا" استوقفتها ، لتطالبها بتقديم الملفات الى رئيس مجلس الإدارة شخصيا ، لرغبته بتوضيح بعض النقاط المحاسبيه التى أوجبتها فى التقارير. استجمعت " أهداب " جأشها ، و تقدمت من مكتبه الخاص ، لتدلف إلى الداخل بشموخها المعتاد ، و ثقتها التى تستحقها عن جدارة . وقعت عينا "لـؤي عليها ، لتضطرب  أنفاسه فى تسارع ، يتمني لو يسرق من الزمن لحظات ، يشبع ما بداخله من اشتياق ... و قد انحنى كبرياءه أمام صاحبة اللسان السليط .. طالبها بالجلوس ، سائلا إياها عن مشروبها المفضل ، لتعتذر فى رقي قائله : — ميرسي يا فندم ... تفضل دي التقارير المالية للمشروع الأخير ... انا راجعتهم ، و اتصلت بالمهندسين ، و أكدت عليهم البدء فى الانشاء بداية من بكره باذن الله عيناه .... بل عقله ... و القلب معا لا يستوعب خبرتها ، و عباراتهاا المنمقة بمجال الأعمال .. جميلة الملامح ... رائعه الظاهر والباطن ... لا يجد ما يفيد النقصان أو العيوب ... يتمناها ... يريدها .... حقًا يريدها بقوة ... بعنفوانه ... بتعصبه ..... بكامل إرادته .... ولن يتركها سائغة لغيره ... أمسك الاوراق ، يتطلع داخلها بعيني خبير ، لا يعرف الخطأ ، صنوانه المقدس فى العمل ، ولا شىء يجابهه ... يشهد كل من تعامل معه أنه رغم سنه الشاب إلا أنه نقش بصمة فى عالم الأعمال .. بعد أن قلب الاوراق بين يديه ، و عيناه تجوب كافة السطور ، ابتسم قاىلا فى فخر : — حقيقي برافو عليكي يا أهداب .... إنت فعلا متميزه جدا فـ شغلك .... أنا بتنبألك بمستقبل مشرق ، و هتنافسينا قريب ... ابتسمت إهداب للمرة الأولى فى حضور ذاك الرجل ، لتهمس فى خجل : — ميرسي يا فندم .... أكيد الاطراء ده وسام اتباهى بيه ... انا مضطره استأذن عشان معايا لسه شغل ... أي اوامر تانيه ...!! أقدم لؤي على تصرف كان قد شغل تفكيرة منذ الأمس ، ليقرر البدء فى خطوته القادمه من الآن طالبًا إياها بالتمهل قليلا : — لحظه بس ... مستعجلة على ايه ... أنا كنت عايز أتكلم معاكي فـ موضوع مهم ... ارتبكت "أهداب" لدي سماعها لكلماته ، فلا شك أن وراء تلك النظرات و العبارات ما يُقلِق ، لتهمس فى ترقب : — خير حضرتك ... موضوع ايه اللي سيادتك عايزني فيه ...!! أجاب" لـؤي "فى إمعان : — أولا.. أنا عايزة اعترفلك بحاجة مهمه أوى .... أنا مش رئيس مجلس الإدارة .... انا شريك و مساهم فـ الشركة بنسبة محدوده ... و بالتالي اسمي مش صداء ... أنا اسمي لُضوارؤي .... ثانيًا .... قاطعته أنداب فى ضيق : — هو لسه فيه ثانيا ....يعنى كنت بتخدعني ، و بتضحك على عقلي ... أقدر اعرف ليه عملت كده ... و هو أنا هيفرق معايا ايه لو كنت رئيس مجلس الإدارة أو حتى موظف بسيط عنده .... و بعدين انا ايه علاقتي بيك أصلا عشان تتعامل معايا كده ، و ايه الموضوع المشترك اللي استدعى من حضرتك تقولي دلوقتي ... كان لؤي على يقين من رد فعل أهداب الحانق ، و الغاضب معا ، إلا أنه دهش من حديثها الصارم كثيرا ، ليقول : — ممكن تهدي .. و تروقي ... أنا عارف اني غلطت لما أوهمتك بهوية تانيه غير هويتي ، و انك مستغربه انا ليه بقولك الكلام ده ، و ايه مصلحتك منه ... متستغربيش .... اللي لازم تعرفيه هو اني معجب بيكي جدا ... من أول يوم شوفتِك فيه ، و أنا مبهور بيكي .... بقيت بسهر ليل ونهار أتخيلك .... انا اتعودت اكون صحيح ، و مبحبش اللف والدوران قاطعته" أهداب "بتردد : — بس أناااا...... استوقفها" لـؤي "بإشارة من يده قائلا : — إسمعيني أرجوكي للآخر ....انا طول عمري صريح ...مش هكدب عليكي و أقولك اني معرفتش بنات والكلام المزيف ده ... لأ ..انا عرفت بنات كتير ، مقدرش أحسبلك عددهم ، لكن معرفتي بيهم لا تتعدي عزومة غدا أو سهره فى أي كازينو ... كنت فى كل بنت ، بدور على اللي ناقصني و اكمله فيها ، لكن لحسن الحظ ده محصلش إلا لما شوفتِك .. منكرش اني كنت متغاظ منك جدا بسبب شجاعتك و جرأتك اللى مشوفتهمش ف بنت غيرك ، ويمكن ده اول حاجة شدتني ليكي ... "أهداب " ... أنا مش بقولِـك ردي عليا دلوقتي ... خدي وقتك ، و فرصتك ... لكن إعرفي أني منتظِرك ، و ننتظر ردك بالموافقه على جمر النار ... أرجوكي متتأخريش عليا .... تقدري دلوقتي تتفضلي ... لم تدرك' أهداب" ما عليها قوله ، و أي تصرف يجب أن تفعل ، فقد سحب  "'ؤدي "من تحت قدميها بساط الرفض ، ليجعل من حسن أخلاقه ، و فصاحة حديثه ممر متسع للتفكير . وفى الحال ....استقامت اهداب ، تطلب الاذن بالعودة إلى مباشرة عملها ... إلا أن" لؤي" هتف باسمها بنبرة رجوليه جذابه ،جعلتها تلتفت إليه ، ليلقي على مسامعها نبأ المكافأة التى رصدها رئيس مجلس الإدارة ، امتنانّا منه لاجتهادها فى العمل — على فكره ..... السيد رئيس مجلس الإدارة كلفني بصرف مكافأة شهرين لاجتهادك و تميزك فى شغلك ... و ده أنا مليش دخل فيه اطلاقًا ... بالعكس نبوغِك هو سِر تفوقِك ، وده مش بس رأينا ... لأ ..ده رأي مديرِك المباشر ... مبــــارك ثم أنهى حديثه بغمزه من عينه اليمنى ، ارتجف لها قلب أهداب ... لترحل أسـيـرة علامات استفهام ، بلا أجوبه ...... يُتبــع ........

📜 الفصل الحادي عشر 📜

« عــاد ليـضع كلـمـة النهـايـة » « تمنيت وجودك بجانبي يا أبي ... ففي لحظات ضعفي قد لا تسعفني الكلمات إلى اللجوء إلى من كانت ولا تزال شراعي بقارب النجاه .. تمنيت أن تسطر اسمك بواقعي ، و تُرشدني إلى الصواب. ماذا عليّ أن أفعل ، و أنا ببراءَة قلبي طفله تتهجى الحروف ...؟! ماذا أنا بفاعله ..؟! ... أو بالأحري ... ماذا عليّ أن أفعل يا أبي ... الراحل ؟! » عودة إلى مكتبها ، تُفكر .. و تُفكر ... و تُفكر .. لقد تفاجئت بما لم تعتقد ... كان شُغلها الشاغِـل هو معرفة سر غياب "الأدهم ".. و ها هو يرحل تاركًا خلفه عيون تبحث عن رايات السلام .. و وسط تفكيرها الذى أصاب من استكانتها الألم ، شعرت "أهداب" بصداع لا يُحتمل ، لتقف على مضض،ثم قررت الذهاب إلى المرحاض لتضع بعض قطرات الماء علَّهـا تفِي بالغرض .. إلا أن تلك المحاوله لم تؤتي ثمارها ، فالوجع يشتد ولا يكتفي من صبرها ، لذا قررت "أهداب" الذهاب إلى الطابق العلوي بتلك المؤسسه الشامخة ، لعلها بنسِـيم الهواء ، يهدأ عقلها المحموم قليلاً . و فى الأعلى ... سطر الإعجاب المشهد ، لترى "أهداب "صورة متكاملة لتلك البلدة بما يوحي بعظمة العلي القدير ... هدأت أنفاسها كثيرًا ... لا يعزُوها سوى سعادة اللحظة .. فى ذلك الحين .. ترجل "صداح "من سيارته بعد رحلة العوده من الصعيد ، ليستقل المصعد ، مُبتسمًا ، يتذكر الجميله التى ملكت قلبه بعشق فاق حد التباهي ... إشتاقها للدرجة التى جعلت من أنفاسه الساخنة ، موقدًا للقاء ... و هى التى لم تتريث فى إبهاره بين الفينة والأخرى . تلقى "صداح" عبارات الترحيب الحار من كافة الموظفين لديه ، ليترجل إلى مكتبه ... فى نفس اللحظه التى استقبله فيها صديقه العزيز" لـؤي "بترحاب مُبطَّن بالسعاده .. — حمدا لله عـ السلامة يا باشا ... الشركة نورت بأصحابها ... تفضل بقى إقعد على كرسيك ، و أرجع أنا بقى مكاني من جديد .... بعد ما كنت تعودت عـ المكتب ، مش عارف هتحمل خنقة مكتبي إزاي .... ضيق" صداح "ما بين ناظريه ، ثم خلع عنه سترته الأنيقة ليجلس على مكتبه فى شموخ قائلا فى شغب : — ده البيـه ما صدق بقى ... هو إن غاب القط ، إلعب يا فار ولا إيه ..؟!..لا يا بابا ... كل واحد لازم يعرف حدوده من هنا ورايح .. تعالت ضحكات "لـؤي" : قائلاً : — حقك يا كبير الصعيد .. حقك طبعًا ... لكن قوللي يا "صداح" صحيح .... هم الصعايدة كلهم حلوين زيك كده ..؟! ... أول مرة أعرف إن فيه من الصعايدة عيونهم ملونه ، و بِـوسامتك دي ... عارف الشىء الوحيد اللي رغم حبي ليك بضايق منه ، مبحبش تكون معايا فـ مكان عام ، ولا إحتفالات . رفع "صداح" إحدى حاجبيه متسائلا فى استنكار : — ليه بقى إن شاء الله يا سي" لـؤي" ..!! أجاب "لـؤي" بإعجاب ، مقتربًا من "صداح "حد الاختراق ، ليهمس كما لو كان مُحبًا يتغزل فى إمرأته : — لأنك الوحيد اللي بتغطي عليا دايمًا ... العيون كلها تكون عليا جنس ناعم وجنس خشن ، و وقت ما إنت تظهر فـ لحظه ينسوني ، و لا كأني موجود و يتجمعوا حواليك .... شوفت بقى إن وسامتك دي خطر على مستقبلي . ابتعد "صداح" ، ليرفع قبضته القويه فى وجه "لـؤي" مُحذرًا : — مالك يا جدع إنت عـ الصبح كده ... ما تُظبط الزوايا ، بدل ما أظبطك أنا .. إنت شارب حاجه ؟! حاول" لـؤي "كتم ضحكة كادت أن تفلت من بين شفتيه قائلا : — آه ..شارب ... شارب إتنين قهوه ، و واحد إسبريسو ثم تعالت ضحكاتهما .... لتنتهي عند هذا المشهد برحيل "لؤي" إلى مكتبه .. شعر صداح بالحنين إلى فاتنته "أهداب" ، ليفتح حاسوبه الشخصى ، و يقرر البحث بعينيه عنها عبر الكاميرات ، التى أسفرت عن صعودها إلى العُليه ... انتهز "صداح" تلك الفرصة التى لن تتكرر ، ليُقرر الحديث معها عما يُكِنه قلبه ، و عن حقيقة شخصيته ... فالشوق تعدى حدود الكتمان أو الصبر . و ما هى إلا لحظات ...حتى رأى جميلته الساحرة تُشرِق برشاقتها المكان كما شمسٌ صغيرة أحيت بقلبه مشاعر لم يصادفها من قبل .. اقترب منها حد اللهفه ، ليتنفس عبيرها الأخاذ هامسًا : — مكنتِش متخيل إن غيابِك عنِّي هيأثر فيا بالشكل ده ... لدرجة إن همسك ، ضحكتك ، ابتسامتك ، حتى عصبيتك ...كل حاجة فيكي وحشتني ... وحشتينى يا "أهداب" دارت الدنيا من حولها، و ما كان منذ قليل سر حيرتها ..أصبح بصوته العذب قمة اليقين ... لا يمكنها الهروب أو النفي ... تشتاقه ... حقًا تفعل ،ففي ابتعاده ، شعرت بضيق أنفاسها ... يعني لها الكثير ، فلم يعد عابر سبيل صادَف مشوارها ، ولكنه الرجل الذى نقش بقلبها حروفه المقدسه "الحبيب " لذا تشربت السعادة من كأس اللقاء ، و ها هي تلتفت لتغرَق فى مُحيط فضيتيه اللامعتين كسِرداب متسع عميق الأغوار .... ثم همست بإبتسامتها الجذابه : — كُنت فين ...؟! ... بِعدت ليه كده من غير ما تقولي يا "أدهم "... أنا كنت قلقانه عليك ... حاولت أسأل عنك ، لكن مقدرتش ... الشركة كبيره و أنا طول الوقت مشغوله ....روحت فين فجأة ، و عِرفت منين مكاني .. أنا...." قاطعها "صداح" بقلب عاشق حد النخاع ، ليبتسم بجاذبية تليق بمكانته ، و وسامته ، ثم أردف : — "أهداب" .... أنا كنت مسافر لأهلي فى مصر ... جدي كان تعبان شويه ، و كان لازم أطمن عليه... مقدرتش أودعِك ، و كنت محتاج فرصة أتأكد من حاجات جوايا ، بقت بالنسبة لي الحلم اللى أنا عايش علشانه... وحشتينى لدرجة إني مبقتش أحس بالحياة من غيرك ... لا أكل ، ولا شرب ، ولا نوم .. و لا الدنيا نفسها تسوى لحظه واحده أكون فيها معاكي ، و أحس بنبض قلبك .... "أهداب"... أنا بعشقك ، و مينفعش أكمل من غيرك ... تتجوزيني يا قلب "صداح" و كل دنيته ..!! ارتبكت "أهداب" من اعتراف "صداح"المفاجىء ، لتتمهل قليلا ، ثم انتبهت إلى جملته الاخيره... يريد الزواج بها ... يعشقها حد الإدمان .... يتمناها ولا يتمنى سواها .... يريدها إمرأته ... يريـــ.... لحظه .... ثم صرخت فى وجهه قائله : — إنت قولت يا قلب مين ..؟! ... هو إنت إتجننت يا "أدهم" ، بتحبني و عايز غيرك يتجوزنى .... إنت بتطلب إيدي لرئيس مجلس الإدارة ... لأ ...حقيقي و نعم الرجوله ... حاولت "أهداب" العبور من أمامه ، وداخِلها يمقُتُه فى لحظات ظنت به السوء ، إلا أن ذلك المُحب العاشق لن يبرح الأرض حتى يملكها ، ويتملكها برحابة قلبه زوجة و حبيبة ... ليهمس فى تلذذ : — إستني بس .... أنا لسه مخلصتش كلامي ... تفتكري إيه اللي يخلِيني كل يوم أركب أسانسير رئيس مجلس الإدارة بكل بساطه بدون ما حد ينتبه... إيه اللي يخلِيني ألِـح عليكي أننا نتقابل برة الشركة و نتغدى فـ أي مطعم ، فى حين إنك لما طلبتي إننا نتشارك فترة الاستراحة بكافيه الشركة اعتذرت أكتر من مرة ... مجاش فى بالك لحظة إن "أدهم" ممكن يكون هو نفسه "صداح" رئيس مجلس الإدارة ، و إن كل الموظفين معاهم تعليمات إنِك تاخدي راحتك فى أي مكان بالشركة .." إلتزمت "أهداب" الصمت للحظات ، ثم صدحت ضحكتها الساخره ، تُطوِح بكفيها فى عشوائيه و بلا هدف صائحة: — ياااه ... حقيقي النهارده يوم المفاجآت ... أنا هـسَمِّيه يوم اعترافات العظماء .... اللى كان بيقول إنه رئيس مجلس الإدارة و إن اسمه "صداح" جاي النهارده يعترف و يقول إنه كِذب و إسمه" لؤي" و شريكك ف الشركة و التانى اللي اتكلمت معاه ، و تصورته زميل عزيز و اسمه "أدهم "، يِختفي بالأسابيع من غير ما يقول و لما يرجع ، يعترف إنه هو نفسه صاحب الشركة و اسمه "صداح" ....طيب بجملة الاعترافات ... انا كمان عايزه أعترف ... أنا مش "أهداب" ... البنت الساذجة اللى انتوا فاكرينها عشان حلوة وكيوت ، تبقى لعبه فـ ايديكم ... والشركة دي أنا هقدم استقالتي ، و حتى شهادة الخبره ، مش عايزاها ، و هرجع بلدي أشتغل فى شركتي .. و إيه رأيك بقى ... وعد شرف مني .. أنافس شركتك دي لغايت ما أمحيها من السوق... مبقاش "أهداب" إما خليتك تعلن افلاسك ، و على إيدِي." ..... و انطلقت راكضة ، دموعها الحارة تسيل على وجنتيها الناعمة بلا هوادة كما الشلال ... تسمر "صداح" فى مكانه للحظات وجيزة ، إلا أنه استدرك حاله ، و لحِـق بها قبل أن تصل إلى المصعد الذى كان بداية اللقاء ، ليجذبها من ذراعها فى رفق ، فى حين ارتدت إلى صدره المشتعل بآهات الغرام قائلاً : — أنا ميهمنيش لا الشركة ولا الفلوس ولا الدنيا بحالها ... كل اللي يهمني هو إنتِ و بس .... لو كان إفلاسي على إيدِك ، مش هزعل ، كفايه إنِك تكوني المكسب الوحيد ليا من الدنيا .... أنا بحبِك بجنون ، و بـغِير عليكي ... صدقيني ... أنا مكنتش أعرف إنِّي بحبِك بالشكل ده  ، عشان كده خبيت عليكي هويتي .... لكن والله ما بلعب بيكي ولا بتسلى .... أنا عايز فرصة واحدة بس أثبِتلِك حبي ، و إني جدير بيكي ... أرجوكي ... بلاش تحكمي عليا بالموت ... أنا عايش على حلم واحد و نفسي أحققه ... إنِك تكوني مراتي و أم أولادي ..." لحظه .... عاود قلبها النبض الصاخب ، و تسارعت أنفاسها ، تتمنى من داخلها لو تحيا معه تلك اللحظه إلى الأبد ، إلا أن كبريائها سطر العناد لتردف : — و أنا بكرهك ، ومش عايزاك ... و سيبني بقى عشان أنا مش قعدالك فـ الشركة دي أكتر من كده ... إنت عارف كويس إنِّي كده كده هسافر ... و أهي فرصة و جَت لحد عندي .... إبعد بقى يا... تحب أقول" أدهم "ولا "صداح" ...؟! — لا أدهم .. ولا صداح ...  قولي يا حبيبى ... قوليها ... — أنا بكرهك ... — كدابه....عيونِك بتقول غير كده ، و دقات قلبِك بتقول غير كده ، و رعشة ايدِك بتقول غير كده ... لكن ... لكن "لـؤي" مين اللي بتتكلمي عنه ، و تعرفيه منين ... ؟! ... إنت فيه بينك وبينه  إيه ...؟!...انطقي ... هل أصابه الجنون حتى يُلقي عليها الإتهامات ...؟! ... كيف يسمح لنفسه بالصراخ فى وجهها ؟! .... وما هو أسوء من العِتاب ..... تضخم، لترفع "أهداب" كفها الصغير ، و تلطم "صداح" لطمة قوية ، اهتزت لها رجولته ، ليشتعِل قلبه بنار الغضب قائلاً : — "أهداب" ... إنتِ بترفعي إيدك ، و بتضربي رجل صعيدي بالقلم على وشه .... !! كل ده عشان بحبك ، و بَـغِير عليكي يا غبيه ... غِلطت و خبيت عنك حقيقتي؛ لكن الصدفه اللي قابلتك فيها هى اللي فرضت عليا كده ... لو كنت قولتِلك إني صاحب الشركة ، كنتي هتخافي ... حبيت أخفف عنِك الموقف ، عشان كده اخترعت قصة "أدهم" ، و اعتذرت ... لكن إنك تكلميني عن "لؤي" ، و إن حصل بينكم كلام ، و عايزاني أعدِّيـها عادي ... ليه فاكره إني مش رجل ، ولا أخلاقي أوروبيه ، و بتعامل ببرود ... لا يا هانم ... ولازم تعرفي إن القلم ده هنتحاسب عليه ، بس ... .... ثم اتسعت ابتسامته الرجولية لتلتمع وسامته كما القمر فى ضي السماء مستكملاً : — بس لما نتجوز ، و تبقي مراتي و ملكي .... ساعتها نتحاسب على رواق ." رغمًا عنها ابتسمت ، إلا أن دلالِـها الأنثوي ، فرض عليها التملص من بين يديه ، لتدلف إلى المصعد بمفردها ، وقبل أن يكتمل إغلاقه همست فى مشاكسة : — برضه ... مش هتجوزك ....بِـعينك يا "أدهم" ..." و استمرت فى الضحك المتواصل ، بشغف قلبها بما أحيا روحها عشقًا .... إنه الحب ولا شك ... وقف "صداح" يتأمل المصعد ، ليقترب من جداره الأملس ، يتحسسه بحذر كما لو كان يخشى عليه من قوته ، ليقترب أكثر ، و أكثر. .. إلى أن قبَّـلـَهُ فى شهوة .... ثم ابتعد يصف حَالِـه بالعاشق المجنون .... هبط إلى الأسفل ، ليطالب "لـؤي" بالحضور إلى مكتبه فى الحال ، وفى غضون دقائق ..دلف إليه مازحًا : — إيه يا Boss  لِـحقت أوحشك ...؟! .. أنا لسه سايبك من دقائق.... ثم اقترب منه قائلا : — تحب نروَّح البيت ، أطفِّي نارَك ... تأمله "صداح" بنظرات ثاقبه ، و ملامح غاضبة ، ثم قال : — إبعِـد عن "أهداب" يا "لـؤي" ..... "أهداب" تخصني ... شوف غيرها .. ما إنت كل يوم مع واحده ... مش هتتعب يعنى .. ابتلع "لـؤي"مِـزاحه ، ليحل محله أمارات السخرية ، ثم أردف : — آااااه ... قول كده بقى .... إنت باعتلي مخصوص عشان البرنسيسه ... مش كنت بتقول إنها زي أي موظفه ، و مُكافئتك ليها عشان مجهودها ، لِحقت تغيَّر كلامك ، و تضمها لأملاكك .... لأ ... حقيقي برافو عليها .. طلعت مش سهله أبدًا ... ضيق "صداح" ما بين حاجبيها ، ليضغط على قبضته حتى كادت أن تنكسِر ، ثم أردف فى صرامة : — "لـؤي" .... عندك .... "أهداب" خط أحمر ... ممنوع تقرب منه ، أو تمسَّـها بكلمه .... و بعدين إنت دخلك إيه ، تخصني أو لأ .... دي حياتي و أنا اللي أقول مين يدخلها ، ومين لأ ..... إنت صاحبي وأخويا .... وأنا مش عايز أخسرك .... إزدادت نبرات "لـؤي" الساخرة ، ليرافقها بحديث ناغم يملأه التهكم قائلاً : — صاحبك ،و أخوك ... والله كويس إنك لسه فاكر ....  بس خد بالك إنت كده بتتسرع ، لأن البنت دي مش زي ما إنت فاكر ...  وَارِد أوي تكون طمعانه فيك ، و بتحاول تمثل عليك البراءة .. أنا اتكلمت معاها قبلك ، و عرضت عليها الجواز ، و هي كانت شبه مقتنعه .... و فرحتها أنا قرأتها فى عيونها .... عشان كده بقولك فكر ، وبلاش تتسرع بقرار تندم عليه .." هجم صداح على صديقه ، مُمسكًا إياه من تلابيب قميصه صارخًا : — إخرس .... لأقطعـلك لسانك ..." أهداب" لا يمكن تكون بالصورة اللي بتحكي عنها .... أنا عارفك كويس ، لما تحب تقرب من بنت ، بتدور على نقطة ضعفها علشان تدخل لها منها .... و بعدين تبعد ولا كأنه فارق معاك.   رد" لـؤي "فى غيظ و انفعال : — برضه ناوي تكمل معاها .... طيب ..  إيه رأيك تديها فرصة تفكر ، و بعدين هتشوف بنفسك لما أطلب منها الجواز ... هترد عليا بإيه ، عشان تعرف إني  مش بكذب عليك ...." ورحل من المكتب غاضبًا ، يكاد قلبه يتآكل من حِمم الغيرة والغضب ... ثم قرر أن يلتقيها ، حتى وإن اضطر الأمر إلى ذهابه إلى بيتها ... ظلت " أهداب" بمكتبها ، تشعر بسلام نفسي هادىء ، و سعادة فاقت الحُسبان ، لتترك قلبين يحترقان من لوعة الحب و العشق الملتهب .. انتهت ساعات العمل ، لتقرر العودة الى منزل عمها "أمين" ، و تضع نَصب عينيها رغبة "صداح" فى الزواج منها ، لِـتتخذ القرار الصائب .. لا تُنكِـر اشتياقها له ، ولا فرحتها برؤيته ، ولا إعجابها الشديد به ، لتجد منه اليوم عاشق مُحِب ، بملامح فاقت حدود خيالها لفارس الأحلام ... و أمام البوابة الأمامية للشركة ، انتظر "صداح" ليلمح عبورِهـا الراقي ، و خُطواتِـها الأنيقة ، قمة الأنوثه ، ثم أردف متسللاً بخطوات من هدوئها لا تُسمع  : — « غزال شارد تايه فى الفلا ، و مِلوَّع أحبابه ....     و غافل عن عيون العِدا ، اللى مِغلبَا وليفه ....     لو تعاند و تقدر عـ البعاد ، يا ورد الصبا ...      حبك بقلبي ساكن ، والشوف روحى الفدا ....» بحبك يا "أهداب" ... بعشقِـك عشق ..... إمتى هترُدِيلي قلبي اللي خطفتيه ، و تقولي موافقه ... خلينا نتجوز ، و نخلف بنوتة حلوه كده قمر زي أمها ، تجننِّـي من كتر طلباتها ، و ولد جامد رجل ابن رجل صعيدي العصب زي أبوه يخاف على أخته من نسمة الهوا .... وافقِـي خلي الفرحة تدخل قلوبنا "أهدابي"... أنا دايب فيكي ..." تخضبت وجنتي "أهداب " من فرط الخجل ، لِتَـعِدُه بالرد العاجل ، بعد أن تأخذ فرص التفكير ، ثم رحلت عنه فى هدوء . بعد إن اطمئن "صداح" لرحيل "أهدابه" ، رحل أيضا فى هدوء ، تاركًا أمنيته بين يدي القدير ، يفعل بها ما يشاء ... و أمام منزل "أهداب" ... كان "لـؤي" بانتظارها ، يزفر أنفاسه المشتعله من شدة الغضب ، لا يحتمل الرفض أو التفضيل ... و عندما رآها تترجل من السيارة ، اقترب منها باسمًا ، مُلقيًا تحية المساء .. فى حين ارتبكت "أهداب" مما هو قادم — مستر "لـؤي" ... خير. ... إيه اللي موقفك هنا .. جنب بيتي ؟! أجاب "لـؤي" فى تودد : — كنت مُنتظرِك .... وحشتيني ، و حبيت أفكرِك بطلبي ... من شدة تفكيري فـ جوابِك ، مش قادر أستنى ، و هـاين عليا أدخل لعمِّك ، و أطلب إيدك منه رسمي ... تلعثمت " أهداب" من شدة الإحراج ، لتُقرِر تسطير النقاط على الحروف ، حتى لا يتهِمها البعض بالتلاعب ، و الخِداع ... لتهمِس فى توتر : — والله يا مستر" لـؤي "... أنا أصلي مقدرش أعيش هنا ... حياتي كلها فـ مصر ، وأنا لما قدمت أوراق الملف الوظيفي فـ الشركة كان بهدف الخبره .... وكلها أيام و ينتهي العقد بتاعي ، و أقدم استقالتي ، و أستلِم شهادِة الخبرة  ؛ و أرجع مصر من تاني .... عشان كده أنا بعتذر لحضرتَك ، مش هقدر .. نظر "لـؤي" إلى" أهداب "فى مكر ، يعلم حد المعرفة إخفاءها أمر علاقتها بـ "صداح" ....ثم أردف : — و أنا مستعد أنقِـل شغلي ، وحياتي وبيتي لمصر ... كفايه عليا إنِك معايا ... ده عندي بالدنيا كلها يا قلبي ... اقشعرت أوصال "أهداب" ، لتهمس وسط خجلها : — لأ ..ما هو أنا ميرضنيش إنك تنسي كل حياتك وبيتك و شغلك.. و ترجع تبدأ من أول وجديد.... عشان كده صدقني ... كمل حياتك زي ما بدأتها و إتجوز اللي تقدر تعيش معاك فـ الغربة ، و تملأ دنيتك سعادة ..." احتقنت وجنتاه من فرط غيظه ليردف : — يعني رفضِك ده ، مش عشان فضَّلتِي عليا "صداح" مثلاً ، و لا عشان قدر يدخل قلبك ، و يلعب بمشاعرك .. وطبعا صدقتي كلامه ، ما هو صاحب الشركة الصعيدي الجدع اللي مفيش فـ رجولته .. خُسارة كنت فاكرِك أذكى من كِده ... طِلعتِي بتنخدعِي بسهوله .. عمومًا حلال عليه الوردة المفتحه ، و حلال عليكي الكداب المخادع ... سلام يا أمورة ." .....و رحل "لـؤي" تاركًا فجوة واسعه بقلب "أهداب" .. فجوة من الشك و الظنون .. ظلت "أهداب" على حيرتها بعدمـا سَمِعَت من "لـؤي" ، بعضُها لا يصدق من تفوه به بلسانه الحاقد الذى لا يتمنى السعاده لشريك عمله ، و البعض الآخر يحتاط من خِيار قد يكون الشوكة القاصمة لظهر البعير .. فى حين رفرفت السعادة بقلب "لـؤي" لما زرعه بنفس "أهداب" من تُـهم مُلفقة لصديقه الحميم ، ليشتاط غضبا ، ويصر على استحالة وصاله لها ، طالما فضَّلته عليه و ارتضت به .... و فى ظل شرودِها البائِس ، اقترب منها السيد "أمين" عمها الحاني ليطئن عليها ، حين وجدها بزاوية من التفكير العميق ... ليهمس فى رويه : — مالك يا حبيبتى ... حصل حاجه في الشغل ؟! أجابت "أهداب" فى تـِيه : — بصراحة يا عمو .. حصل معايا حاجه كده .. و حابه أخد رأيك فيها ، بس بليز ..بلاش تكلم مامي فيها دلوقتي ، قبل ما أخد قرار نهائي ... بهدوءه المعتاد ، أومأ لها علامه الرضا ، ليستمع إلى حديثها بآذان مُصغِيه ، و ذهن مُنتبه ..حتى إنتهت و بعد قليل من الصمت .. أجاب "أمين"  : — عايزة رأي عمِّـك اللي يهمه مصلحتك ، لو على حسابه ، و يخاف عليكي من الهوا .... أنا رأيي إنِّـك ترجعي مصر ... و إن كان على شهادات الخبرة ، أنا أقدر أستلمها مكانِك و لما أنزل مصر أجيبهالك معايا ... فى كل الحالات إنتِ هتستلمي شغلك فى شركتك ، يعنى أوراقِك مش لازم تكون جاهزه فى الحال ... انقبض صدر " أهداب "  من فِكرة العودة دون "صداح" لتهتف فى انكسار : — و "صداح" يا عمو .... أسيبه ، و أصدق كلام "لـؤي" ... ما يمكن يكون بيخدعني عشان رفضته ، و بعدين "صداح " منتظر مني الرد ... همشِي كده من غير ما أرد عليه ... ده عمره ما ينسهالي أبدًا ... ابتسم "أمين" فى حنان مُحدِثًـا إياها بنبرة هادئه : — اللي يحب بيغفر وينسى ، ربما فعلا يكون كلام "لؤي" كذب و إفترا على شريكه .. لكن إحنا من هنسيب نفسنا للظنون ... عشان كده .. إنتِ هتنزلي مصر ، و سيبيلي أنا الموضوع ده .. أنا هـسأل عنه كويس وعن أخلاقه ، و هكلم خالِك "فريد" يسأل عنه فـ بلده ... و كده يبقى عندنا تفاصيله كلها هنا و هناك ... وقتها بقى لو بيحبك بجد ، مش هيستسلم ، و هيسافر مصر وراكي ، و يرجع يكرر عرض الجواز على والدِتك للمرة الثانيه ... ساعتها نقوله آه و إحنا مطمنين ..." تساءلت " أهداب " فى توتر : — و إفرض إنه مرجعكش مصر ... هعمل إيه !! أجاب " أمين" بعد أن إحتوى إبنة أخيه بين ذراعيه : — ولا تعملي حاجه ... ساعتها يبقى ميستحقش لحظه تفكير واحده مِنِك ... و يبقى فعلا مستهتر وما يستهلش نزعل عليه .. رغم اوجاع قلبها ، و خنجر الخوف الذى أصاب صدرها ، إلا أنها أومأت علامة الاقتناع ... لتردد : — يارب متخذلنيش فيه أبدًا ، و إبعد الوجع عن قلبي ، ولو فيه خير ليا قربه مني ، و لو شر إبعِده عني ... و إرضِيني و إرضِي قلبي يارب .. و فى اليوم التالى ... انطلقت " أهداب " إلى مطار" سيدني " بعد أن أتم عمها الحنون "أمين" حجز طائرة للرحلة الجويه لمصر ، ليودعها مع زوجته وداعًا حارًا مُغلف بالدموع ... صعدت "أهداب" إلى الطائرة بقلب مكلوم ، و أنفاس مُثقلة ، لتُغمِض عينيها طوال الرحلة ....إلى أن وصلت إلى أرض الوطن بأمان . استقلت "أهداب" إحدى سيارات الأجرة للعودة ، فى حين انتظرتها والدتِـها بالفيلا حسب تعليمات العم "أمين" الذى سرد على مسامع زوجة أخيه ما قصته عليه "أهداب" .. فى البدايه حزنت "فريدة" من كتمان ابنتها الأمر عليها ، إلا أن "أمين" وضح لها حقيقة موقف "أهداب" ، و خوفها المستميت من كسر مشاعر والدتها إذا تبين خداع "صداح" من صِدقه .. لذا تغاضت عن الأمر ، و أخبرت أخيها "فريد" ؛ ليعقدا العزم على تولي الأمر ، ومعرفة كل ما يخص هذا الشاب .... وصلت " أهداب" الى الفيلا ، يبدو على ملامحها أمارات الحزن والإرهاق الشديدين ، لتحتويها والدتها بشوق و لهفة يشوبها الدهشه ، ثم أردفت : — حمدا لله على سلامتِك الغاليه يا حبيبتى ... ليه مقولتلِيش إنِك راجعه من السفر النهارده ، كنت استقبلتِك فى المطار مع خالِك ... بس مفاجأة تجنن ... نورتي بيتك و بلدك يا عمري ... يلا .. اطلعي ارتاحي ، أكيد الرحلة كانت مُتعِبه ... خدي الشاور بتاعِك ، و نامي ... ولما تصحِي نتغدى سوا ، ونتكلم براحتنا . استمعت " أهداب" لنصائح والدتِها ، لتدلف إلى غرفتها فى حنين ، ثم انتعشت بحمامِها الدافىء لتتسلل إلى الفراش فى راحة و أمان .. بعد أن تلقى فريد اتصال شقيقته ، قرر إسناد الأمر إلى شقيق زوجته ، نظرًا لمهارته كضابط محنك فى وزارة الداخليه ، ثم تحدث معه هاتفيا فى اهتمام : — ألو ...صباح الخير يا سليم .. الحمد لله ... كلنا بخير و الله ... بقولك يا "سليم" .. فيه خدمة عايزك تقدمهالي ، بس بأسرع وقت ... تسلم يا صاحبي ... " أهداب" بنت أختى "فريدة" متقدم لها عريس ، هو عايش فى استراليا بس أصوله من الصعيد ... كنت عايزك تجيبلي كل المعلومات عنه ، و عن عيلته بالتفصيل المُمِل ... و أرجوك اهتم بالموضوع من غير تأخير .. أجاب سليم على الجانب الآخر برزانته المعهودة : — بس كده ... إنت تؤمر يا "فريد" ... "أهداب" أختي الصغيرة ... سيبلي أنا الموضوع ده ، ومتشغلش بالك ... وانطلق "سليم"فى مهمته ، بعد أن حصل على المعلومات من "فريد" حول هوية "صداح"و هوية عائلته ، فى حين أخبر "فريد" ابن شقيقته "عماد" بالأمر ، ليتعجل عودته من الاسكندريه ، و الذى حصل على عطلة من الشركة يستعيد فيها نشاطه مع أسرته ... فى استراليا ... وصل "صداح" إلى شركته ، عاقدًا العزم على الارتواء من "أهداب" بسماع صوتها المغرد كما أنغام البلابل ، إلا أنه فوجىء بتأخيرها لما يزيد على الساعتين . أوصى مديرها المباشر بإبلاغه فور حضورها ؛ ثم أنهى ذاك الاتصال بقلب يشوبه القلق . مرت ساعات العمل بطيئة متثاقله ، و عيني "صداح" القويتين كالصقر على مكتب "أهداب" عبر الكاميرات لا تتحرك قيد أُنمله... و الأمر لم يتغير عن سابقه ليقرر التواصل معها هاتفيًا ، إلا أنه تفاجىء بهاتفها المغلق .. ظل "صداح" يجول ويطول ، تتناوب على تلافيف عقله أفكار سيئة حول تغيبها ، و حين انتهت ساعات العمل ... قرر الذهاب إلى منزلها للاطمئنان ، و اقتطاع الشك باليقين .. رن جرس المنزل ، ليصدح صوته المُتناغِم ، فى حين فتحت السيدة رباب باب المنزل ، لتفاجَىء بـ "صداح" ، ابتسمت فى عذوبه قائله : — مساء الخير سيدي ... من أنت ؟! .. وماذا تريد ؟! أجاب "صداح" بلهجته المصرية الأصيله : — أنا "صداح الوليد" ... أقدر أقابل الأستاذ "أمين" ...!! ابتسمت "رباب" فى ترحاب ، لتأذن له بالدخول ، ثم قدمت له مشروبًا دافئًا ، إلى حين لقاءه بزوجها الذى حضر  على الفور ليستقبل "صداح" فى ود و سعادة قائلاً : — اهلا و سهلا "صداح" باشا ... اتفضل . ابتسم "صداح" فى امتنان من مقابلة "أمين" الرائعه ، ثم أردف : — مفيش داعي لأي ألقاب ...تقدر سيادتك تناديني "صداح" وبس ... أنا جاي النهاردة أتكلم مع حضرتك مع موضوع مهم ، وطبعا آسف إني جيت بدون موعد سابق ، لكن بصراحة غياب "اهداب" عن الشركة النهارده قلقني .. عشان كده قولت أجى أطمن عليها بنفسي . ابتسم "أمين" ليتساءل فى مكر : — حضرتك شرفتني طبعا ، لكن هو معاليك متعود تطمن على كل موظفيك المتغيبين عن العمل ؟! أجاب " صداح"  بعد أن انتبه إلى حنكة الرجل وذكاءه : — لأ طبعا .... "اهداب" مش مجرد موظفه عندي فـ الشركة ... بصراحة أنا معجب بيها من فتره ، و طلبت إيدها للجواز ، وكانت قالت إنها محتاجة وقت تفكر ... وأنا احترمت كلمتها ، لكن لما تغيبت عن الشغل النهارده ، قلقت ليكون فيه حاجة ... أجاب "أمين" إجابته الثاقبه : — "اهداب" سافرت مصر ، ومش هترجع هنا تاني إلا للزيارة .... و بالنسبة لشهادات الخبره و ملفها الوظيفي كنت ناوي بكرة باذن الله أجي الشركة و أستلمهم مكانها .. نزل الخبر على قلب العاشق كالصاعقة ، ليردف فى وجع : — سافرت ليه ..؟! .... أنا طلبت إيدها للجواز ، وهى وعدتني تفكر ... إزاي تسافر من غير ما تبلغني ... و يعني إيه معدتش راجعه استراليا ... طب وأنا ... مفكرتش فيا لحظه .... معقول رفضت تتجوزني ..؟! رد عليا يا أستاذ "أمين" ..أرجوك ... أنا قلبي هيقف ، و عقلي هيتشل .... ريحني ... قول أي حاجه .. ظل "أمين" صامتا لدقائق ، ثم أردف : — بصراحة ... فيه عريس متقدم لأخوها الكبير ، و طلب منها إنها تنزل ضرورى  بحجة تعب والدتها ، وهى مكانتش تعرف ... و دلوقتي هى مش عارفه تعمل إيه ...؟! استقام "صداح"صارخًا فى غضب ؛ ملوحًا فى عشوائيه : — يعنى إيه ...؟! ... عايز يغصِبها عـ الجواز ...؟! .... ليه هى سايبه ... و أنا روحت فين ..؟! .. الجوازه دي لا يمكن تتم .... أنا هسافر مصر ، و أقابله ... و يانا يا هو.. ورحل صداح و شارات الغضب تشعل بنيرانها كل ما تطاله ...بينما عزفت الفرحة أوتار قلب" أمين" ، لتظهر ابتسامته التى تحولت فى لحظات إلى ضحكات صاحبة من السعاده ... لتتساءل زوجته : — فيه إيه يا "أمين" ..؟! ... ومين الشاب الوسيم ده ...؟! أمسك "أمين" براحة زوجته ، لتشاركه الجلوس ، ثم سطر على مسامعها الأمر ، لتتألق ملامحها بعلامات الفرح ، ثم أطلقت سيمفونيه رائعه من الزغاريد المُبهجة فى سماء استراليا السائدة بالغيوم .... فى غضون يومين كاملين ، استطاع "سليم" التوصل إلى كافه المعلومات عن "صداح" و أسرته العريقه بالصعيد ... وفى المساء ... إلتقى بكلٍ من فريد و شقيقته و عماد ، ليلقي على مسامعهم ما ألمه فيما يخص العريس المنتظر .. أخبرهم أن "صداح" من أكبر عائلات الصعيد ، توفى والده قبل ولادتِه ، ليتولى رعايته زوج والدته "كـاشف الحمزاوي" بكل حب واهتمام ... فى حين أنجبت والدته خمس بنات ...ليصبح الأخ الوحيد لشقيقاته ... فاحِش الثراء ، استطاع بمهارته و براعته تأسيس شركة من أكبر الشركات الأوروبية ، تتخطى أرباحها ملايين الدولارات سنويًا .. بالإضافة إلى أملاكهم بالصعيد من أراضي و أطيان . ثم أردف "سليم" : — باختصار ... "صداح" شاب ممتاز ، و على خُلق ، متدين جدًا ، و ملوش فى الغلط .... يعني اختيار ممتاز يشرَّف أي بيت .... حقيقي لو اتقدم لـ " ندى" أختى أوافق وأنا مغمض . كانت "أهداب" مختبئة فى الشرفة الخلفيه للفيلا ، و حين استمعت للجمله الأخيرة التى ألقاها "سليم" على مسامع الجميع ، تهللت أساريرها  فى سعاده ، لتركض تجاه والدتها هاتفه : — شوفتي يا مامي ... مش قولتـلِك إن "أدهم "... قصدي "صداح" شاب ممتاز ، و يستحق إنك تقابليه . ربتت الأم على وجنتيها فى رضا ، و فرحة اكتملت بقلبها ، فها هي صغيرتها على مشارف الزواج ، لتهمس : — مبــــارك عليكي يا عمري ... حقيقي أنا فخورة بيكي ، و فرحانه ... حاسة إني طايرة من الفرح ... بس ممكن نأجل الكلام شويه ، لما نسمع رأي عمك "أمين" كمان ...بعد ما يسأل عنه هناك ... إحنا عرفنا اللي هنا ... و اللي هناك مهم أكتر . ابتسم " فريد" قائلاً : — من الناحية دي إطمن خالص ... الأستاذ " أمين" لسه مكلمنى قبل ما آجى ، و قاللي كلام جميل جدًا ... خلاني مستعد أقابله النهارده قبل بكره ، وخصوصا بعد ما قعد معاه وكلمه ... تخيلوا إنه اتعصب لما قاله اللى اتفقنا عليه ، و صمم إنه يرجع مصر ... و قال الجوازه دي على جثته ... و أدينا مستنين ... بس يخوفي يِجمع الصعيد كله ، و يعملوا هجوم شامل علينا .... ضحك "عماد" ليشاكس شقيقته الصغيرة : — و الله وهنبقى من ضحاياكي يا "أهداب" ارتسمت الضحكات على الوجوه ... ليشدو كيوبيد الحب لحن الغرام ، بقلب عاشقين بدأت شرارة الهيام بينهما فى أروقة المصعد . يُتبــع .......

📜 الفصل الثاني عشر 📜

« عُــذرًا أيهــا المـاضـي ..!! » « حقًـا بارعة فى محبة الأشياء كأنها خُلقت لها ..... ‏وجريئة فى إفلات الأشياء كأنها لم تمسَّهــا أبــدًا ....لكن تلك القاعدة الأزلية التى تربعت على أذهان السابقين ، قد انمحت بفعل ماضيها المؤلم لمن أهدته أطنان الثقة ، و خاب به الظن .... ومن جعلت من ضلوعها جسرًا واثق الخُطى بأقدامه حتى وطأ بها القلب ، و أدهس .... ليتني أمحي الماضي و كأنه لم يكن .....!! » عاد "صداح" إلى الشركة ، يكاد جسده ينفجر من رصاصات الغضب ، ليستدعي "لـؤي" ، و المستشار القانوني ، ثم أخبرهم عن نيته بالسفر العاجل إلى مصر لظروف طارئه حلت على أسرته ، على أن يتولى كليهما إدارة الشركة فى غيابه . وبعد ثلاث ساعات ، كان يركض مهرولاً فى اتجاه الطائرة التى ستحلق به فى سماء استراليا ، للعودة إلى بلده الحبيبة و معشوقته الوحيدة "أهداب" القلب . وما أسرع عجلات الزمن ... تنتهي إلى غير رجعه ... هبطت الطائرة فى مطار القاهرة الدولي ، ليستقل "صداح" أحد السيارات فى الطريق إلى شركة" الصواف" ، و طلب الزواج من فاتنته ، و إلا فـحربٌ بِـحرب ... وأمام الشركة ، هبط "صداح" من السيارة يتأمل بُنيان الشركة فى ثبات ، ثم ترجل إلى الداخل ، ليتساءل حول مكتب رئيس مجلس الإدارة صعد المصعد ، ليئن قلبه فى عشق ... فتلك شركة حبيبته ، و ذاك مصعد الشركة الذى من المفترض تربعه على عرش قلبيهما .. اقترب بخطواته الواثِقه من سكرتيرة صاحب الشركة ، ليقدم لها بطاقة فاخرة تسطر حروفها اسمه الفخم  و هوية شركته ، و طالبها بلقاء عاجل . اتسعت مُقلتي الفتاة ، لتفغـر ثغرها فى بلاهة ، من شدة إعجابها بـ "صداح"ورجولته الصارخة ، هاتفه بلا اتزان : — بتقول عايز تقابل مين ..؟! ...و هو أنا منفعش ....؟! استنكر "صداح" حديثها السافِـر ، ليقول : — إنتِ بتقولي إيه ؟! ... بقولِك أنا عايز أقابل رئيس مجلس الإدارة من فضلك ...بلغيه إني مُنتظِرُه .. و عايزُه ضروري... ياريت تتفضلي ، و إلا هدخله بنفسي... نهضت الفتاة على مضض ، لا تريد أن ترحل من أمامه ، لتتلفت عن يمينها و يسارها إلى أن اختفت بداخل مكتب رئيسها ... و فى لحظات عادت تُبلغه بانتظار صاحب الشركة نهض "صداح" فى هيبه ، ليسير بشموخ و ثقة ، ثم دلف إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة قائلاً : — مساء الخير يا أفندم تقدم "فريد" ليصافح "صداح" ، الذى كان في انتظاره بعد أن علم من "أمين" قرار "صداح" بالعودة ، ثم طالبه بالجلوس — أهلا وسهلا "صداح" باشا ... تحب تشرب إيه ؟! أجاب الشاب فى جديه أكسبته غموض زاد من وسامته ، ليردف : — متشكر جدًا ... أحب أعرفك بنفسي : « صداح الوليد » رئيس مجلس إدارة شركة Fulton" Group "، أكيد سيادتك سمعت عنها ، وعن ريادتها فى مجال الأعمال والبورصة .. أجاب" فريد" بفخر : — أكيد طبعًا ... اسمك و اسم شركتك غني عن التعريف ... وأنا "فريد مصطفى" رئيس مجلس إدارة شركة الصواف ، و خال " أهداب" .. إلتمعت مُقلتي "صداح" حين استمع إلى حروف إسمها ، لينتهز الفرصة ، و يبدأ حديثه من نهايته : — أنا نزلت مصر مخصوص لهدف واحد .. إني أطلب إيد الآنسة " أهداب"  للجواز ... أنا بحبها من زمان ، وسبق و اتقدمت بعدها للأستاذ " أمين"  ، و "أهداب" نفسها تعرف و طلبت مني فرصة تفكر .... شوف يا "فريد" باشا ... مسألة إن" أهداب" تتجوز رجل غيري ، ده من رابع المستحيلات حتى لو اضطريت أخطفها .. صدقني أعملها بكل بساطة ... أنا مش جاي أهدِد ... أنا جاي و بدخل البيت من بابه ... بحبها يا عالم ... هو الحب الطاهر بقى حرام ، ويتقابل بالرفض ... طب ليه ...!!  ... صدقني لو حضرتك لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي حد يحبها ويخاف عليها أدي ... ...ليستعيد صلابته من جديد قائلاً : — موافق ولا ناوي تدخل معايا فـ عداوة إنت مش أدها ...." تهللت نواجز "فريد" ، لتتسع ابتسامته التى تحولت إلى ضحكات صاخبه.. قائلاً  : — لأ .... ده إنت حالتك طلعت أخطر مما كنت متصور ... هو الحب جنون بالشكل ده ...؟! ... طيب إهدى يا عريس و اسمعني ... إن كان عليا أنا موافق ، مش عشان خايف منك، ولا من الكلام الفارغ اللي إنت قولته ... لأ ... أنا موافق لسبب واحد بس ... تساءل "صداح"فى حيرة : — سبب إيه يا "فريد" باشا ؟! أجاب "فريد" فى هدوء باسم : — إنك حقيقي شاب مسئول ، وشهم ، ومن عيلة محترمة ... و بتحب بنت أختي فعلا ، و إلا إيه اللي هيفرِض عليك تسافر و تيجي من المطار على هنا ،. وتنفعل بالشكل ده ... صـدَّق صداح ليؤكد كلماته ، هامسًا : — والله يا أفندم ... أنا مش بس بحبها ... أنا تعديت حدود العشق ... مقدرش أعيش من غيرها ... "أهداب" كل حياتي ، وأنا مستعد لكل طلباتها ، بس هى تؤمر و أنا عليا التنفيذ . تنحنح "فريد"، ليردف فى شىء من الجديه : — تمام يا عم الحبيب ... خلينا بقى نتكلم فـ الجد ... يا ترى أهلك فـ الصعيد يعرفوا بموضوعنا ... يعنى هل إنت بلغتهم برغبتك فى الجواز من بنتنا ، ولا كلامك معانا بشكل مبدئي ... أجاب "صداح" فى ثقة : — موضوع عيلتي  متشغلش بالك بيه إطلاقًا ... همَّا يتمنوا أتجوز النهارده قبل بكره ... وبمجرد ما أبلغهم إني  بحب بنوته زي القمر و بنت ناس و من عيلة هيوافقوا على طول. .. ومش بعيد يطلبوا يتعرفوا عليكم النهارده كمان ... و بعدين أنا طول عمري سيد نفسي ، و قراري باخده ، ومش برجع فيه أيا كانت الأسباب أو الظروف .. زفر "فريد" فى ارتياح قائلا : — يبقى على بركة الله ... بلغ أسرتك و شوف رأيهم ، و بعدين كلمني و نحدد ميعاد ... فيه نقطة بقى مهمة جدًا ، و والدة العروسة مش هتتنازل عنها ... دلوقتي إنت ناوي تستقر فى استراليا ولا هتنقل شغلك مصر ، ولا إيه مُخططك لبعد الجواز ؟! ابتسم "صداح" فى جاذبيه ، ليردف : — أنا فاهم كويس إن والدتها صعب تنحرم منها بشكل كامل ، عشان كده عايز حضرتك تطمنها ... أنا حياتي ما بين مصر و استراليا ... يعنى منين ما أكون مراتي معايا ... أهلى كلهم هنا ، وكل سنه برجع مصر أربع وخمس مرات ، و مقدرش أستغنى عنهم ... و ساعات كتيرة والدي بيسافر مكانى ...يعني مفيش داعي لأي قلق ... وقت ما حماتي تشتاق لبنتها ، تاني يوم نكون عندها .. أصر "صداح" على قراءة الفاتحة تمهيدًا مؤقتا ليرتاح قلبه ، بامتلاك "أهدابه" ملكة لفؤاده  ، و وتينًا لا يكتفي ... ثم عاد "صداح" إلى ربوع الصعيد ، ليزف إليهم الخبر السار ... بعد ساعات متواصله ما بين رحلة الطائرة ، إلى رحلة الذهاب إلى شركة "أهداب" ، ثم العودة ثانيه إلى الصعيد. ... خـَّر جسد "صداح" من شدة التعب ... ليستريح قليلاً ، ثم استكمل طريقه إلى منزله و عندما وصل ، صعد إلى غرفته دون كلمة .... حينما أقبل على الفراش ، سقط على وجهه من شدة التعب ، ليغرق فى نومٍ عميق . دلفت والدته الحنونه "حميدة "  إلى حجرة ابنها البكري ، تتأمل ملامحه فى اشتياق ، لتتخلل بأناملها الرفيعة خُصلات شعره الحريريه ، ثم قبلته قُبلات متفرقة ، لتسدل عليه الغطاء ، ثم تركت الغرفة ليستمتع بنومه الهادىء . بعد أربع ساعات متواصله ، استيقظ مُتثائبًا ، و قد استعاد نشاطه ، لينهض من فراشه .. ثم دلف إلى المرحاض ليحصل على حمامه المنعش . بعد أن انتهى ... ارتدي ثيابه على عجل ، ليهبط الدرج ، ينتوي لقاء الجميع و الحديث معهم بشأن زواجه .. اجتمع جميع أفراد أسرة الحاج "زكريا الحمزاوي " ، يتحدثون فى أمورٍ عِده ، لحين استيقاظ "صداح" ، فقد اشتاقه الجميع ، ولا سيما جده و والده ... لطالما اعتبره الحاج زكريا أحد أحفاده ، بل و الأغلى إلى قلبه ، و الأقرب على الاطلاق ... لذا لم يفرق فى المعاملة بينه و بين صغار بناته ... و قد زادت محبته له حين حذا صداح نهج جده ، ليُثبِت للجميع أنه امتداده ، و صورته المصغرة ، و إن لم يكن من نسلِه .. هدأت الأصوات حين سمع الجميع وقع خُطاه الثابت على الدرج ، لتتسع ابتسامة "كاشف" و والده" زكريا " فى حين انضم إليهم "صداح"، ملقيا بكامل جسده ، ليحتويه جده الحبيب فى محبة صادقه ، و شوق لا ينضُب .. بعد أن ارتوى من جده ، انتقل إلى والده التى ظل يُربت على ظهره فى لين و عطف هامسه : — اتوحشتك جوي يا ولدي .... طولت الغيبة يا غالي ، و جلبي اللي ما يهاب الوحوش ، صار يهاب البُعد يا غالي ... إرچع بَجَى لأهلك وناسك ... الكل هيتوحشوك جوي جوي ... دمعت مقلتي "صداح" من مشاعر والده صادقة دافئة وأمان لا يقاوم ، ليردف فى تأثر : — والله يا بوي أني اللي اتوحشتك ، و اتوحشتكم كِلياتكم ، و دِلوك عندي ليكم خبر بكنوز الدنيا كلاتها ... خبر بجالكم سنين هتتحدتوا وياي عليه ... يا چدي ...يا بوي ... ياما ... أني رايد  أتچوز ... انطلقت الزغاريد من نساء البيت الكبير ، تتردد صداها فى أرجاء المكان ، لـتُكبر الجده قائله : — الله أكبر .. الله أكبر... يا ألف نهار أبيض .. يا ألف نهار مبروك ... يا جمال سيدنا النبي ... أخيرا يا ولدي .. هتتچوز وتريح جلب سيتك ، و تراضيني فيك ... ياما إنت كريم يارب أطرق الجد بعصاه بكل قوته ، يلتزم الجميع الصمت ...فى حين تحدث كبير العائله : — و ياتري يا غالي عينك على مين على إكده ... ولا إنت وافجت عـ المبدأ و جدك يختار لك بنفسه . أجاب "صداح" فى احترام : — مع احترامي ليك يا چدي ... ربنا يخليك لينا ... بس فـ الموضوع ده بالذات ، القرار قراري ، و أني خلاص اخترت زينة البنات كلاتهم.... صبيه تجول للجمر جوم ، و أني أقعد لحالي .... من يوم ما شوفتها جلبي اتحرك من مكانه ... بنت ناس ومن عيله كبيرة ، ومحترمه يا جدي ... و بتحب الصعيد وناسه .... أني رايدها يا جدي ، ومش رايد غيرها تساءل "كاشف" عن هوية تلك الفتاة سارقه قلب ابنه الوحيد : — ومين دي يجى يا ولدي اللي خطفتك إكده ؟! أجاب "صداح" فى عشق : — اسمها "أهداب مدحت الصواف" يا بوي انقبض صدر "كاشف" حين سمع اسم عروس ابنه ، ليتخبو الدماء من ملامحه ، ثم تراجع إلى الخلف ، متسائلا فى هلع : — بتجول إسمها إيه ؟! أجاب "صداح" دون أن ينتبه إلى ما ظهر جليا على ملامح أبيه : — بجولك يا بوي ... إسمها "أهداب مدحت الصواف" ، أبوها الله يرحمه ، و أمها ست اللهم صل عـ النبي تشوفيها يامَّا تجولي أختها الكبيره . تساءل "كاشف" فى سرعة بنبرة صارمة ، و أنفاس متلاحقه : — أمها إسمها إيه !! فى تلك الأثناء ... اجتمعت الأنظار لتستقر على ملامح "كاشف" الذى كرر السؤال على أذهان الجميع : — ما تنطج ... بجولك أمها إسمها إيه ؟! أجاب "صداح" فى هيبه : — مالك يا بوي ... فيه حاجه ... إنت تعبان ولا إيه ... ؟! .. كرر "كاشف" السؤال للمرة الثالثه ، ولكن تلك المره صاحَبَ سؤاله ، بسلوك لم يطرأ منه من قبل ، فقد جذب ابنه من ذراعه فى حِده و قوة ، ليصرخ : — جولتِلك إنطج .... إسمها إيه ؟! — إسمها "فريدة" يا بوي... هو إنت تعرفها .. ؟! استقام "كاشف " فى انكسار ، شاعرًا أن حصونه القوية قد إنهارت على رأسه ، ليتراجع إلى الخلف دون أن ينتبه ، فتعثرت قدماه و سقط على ظهره فاقدًا للوعي . ركض الجميع فى اتجاه "كـاشف" ، يرتسم الرعب والقلق ملامحهم ، ليحمله ولده "صداح" ، ثم صعد به إلى غرفته بالأعلى . فى حين اتصلت "حميدة" بزوج شقيقتها الدكتور "مصطفى" الذى حضر بعد دقائق وجيزة للاطمئنان على "كاشف" فحص "مصطفى" ذاك المُثجي على فِـراشه ،ثم حقنه بمهدىء بسيط ، ليستكين قليلا ... ليقول : — هو بصراحة الضغط مرتفع ، ودي أول مرة تحصل معاه ... و كمان ضربات القلب سريعه ... أكيد انفعل أو فيه حاجه ضايقته .... أنا إعطيته حقنة مهدئة ، و شايف إننا نسِيبه دلوقتي يرتاح ... ولما يفوق أنا هاجي أتكلم معاه وأشوف إيه اللي زعله .... صحيح ... حمدا لله على سلامتك الغاليه يا "صداح" يا بني .... نهض الجميع فى طريقهم إلى الخارج إلا من اثنين ، والده و زوجته ... التى طالبها الجد بالرحيل ليرتاح جسد ابنه قليلاً .. وما إن خرجت "حميدة" ، و فرغت الغرفة إلا من "كاشف" و والده الحاج "زكريا" ، حتى اقترب من ابنه ، مُربِتًـا على صدره فى حنان جارف ، هامسًا : — أني عارف يا ولدي سر وچعك ... عارف إن بعد العمر الطويل ده كُـلاته ، و حياتك اللي إخترتها وسطِينا ، و تضحياتك الكبيرة لأچلي و لأچل أمك و عيلتك و البيت الكَبير كُلاته .... رِچِـع الماضي يِدُج بابك من چديد .... فِكرك أني مصدج من يوم ما چيت البيت أول مره ؛ إنك ولدي "كاشف ".... لاه يا ولدي ... أني عارف زين إن ولدي الله يرحمه ... و إنك واحد تانى غريب عَنِّينَا ، لكن يِعلم ربي أنِي حبيتك كيف ما حبيت ولدي ، و أكتر كمان. إلى تلك النقطة ، إسْتَلَّ "مدحت" سيف الشجاعه ، ليجلس على فِـراشه ، بعيون دامعه مُتسائلا" : — يعني كُنت عارف ياحاچ إني مش ولدك ، وجِبِلْت جُعادي فى البيت وسط بناتك ، وسلَّمتِني كل مالك و ممتلكاتك ، و اتعاملت معايا و كأني "كاشف" ... وطول السنين دي صابر على خِداعِي ليك وساكت .... طب ليه يا بوي ؟! ... إيه سِرَّك ...؟! ابتسم الحاج زكريا فى شجن ، هاتفًا : — مستغرب ليه ...؟! ... مَنكرِش فى البدايه إني اتخدعت فيك ، وصَدَّجْت حَجِيجِي إنك ولدي ، لكن لما رچِعت الصعيد ، انتبهت لحَاچات كتير كانت مختلفه بينك وبين ولدي ... ولما اتأكَدت بعد أكتر من مَوجَف ، و الحَجَايِج الكَتير اللي إنت مش عارفها ، بِحِچة إنك ناسيها ، بَـعَتْ أخوي چابر _حماك _ و طلبت منه يسأل ، و يعرف الحَجِيجه و عرفت إن ولدي "كاشف" الله يرحمه مات فـ العمليات ، وإنه كان عنده المرض الوحش ... سلمت أمري لله ، لكن إنت چيت و أثبت لي إنك راچِل صُـح ، وأمين وصَادِج ، حبيتك أكتر من ولدي اللى كان دايمًا چايِبْلِي المشاكل ... رضيت عليك ، ولما إنت أخدت جَرَارَك  تعيش إهنِه ، جُولت أكيد أهلك وناسك باعُوك ، و أني اشتريتك يا ولدي بعمري كله.... أسند "مدحت" رأسه بِكفيه فى يأس قائلاً : — طيب جُولي يا حاچ أعمل إيه دِلوك ... أهَمَـل بيتي ، ومَرَتِـي كيف ... و "حميدة" ذنبها إيه ... و "صداح" لما يِعرِف هَـيْجُول عليا إيه ...؟! بنظره ثاقبه ، و حِنكة ولَّدتها حكمة سنوات ماضِيه ... أردف "زكريا" : — السؤال إكده مش مظبوط يا ولدي ... السؤال الصُح هو .. هل إنت جَفَلْت صفحة الماضي ، و على استعداد تواجِه مَرتك المصراويه ، و لا حبك ليها لسه مِعشِش چُواك ...؟! بلاش تبعد عيونك عني يا ولدي .. أني أبوك و فاهمك زين ، و عارف إنك لسه عَـتحبها ؛ و شوفتك كَتير بِتتطلع بِـصورها اللي معاك عـ التَلفون  ؛ وياما دموعك نزلت من الجَهْـر .... الشيء الوحيد اللي چاهل فيه ، ليه تركت مرتك طالما عَـتحبها إكده ؟! صرخ "مدحت" بقهر : — لإنها خانتني ، وعرفت راچل غيري ... كانت بتستغل غيابي فى الشغل ، وتروح تِجَابله .. ومش بعيد الولاد كمان يكونوا مش و....... وضع "زكريا" كفه على ثغر "مدحت" ينهاه عن ظن السوء ، مُستغفرًا ربه فى خشوع قائلاً : — لاه يا ولدي ... كله إلا الظن ... لو الشك دخل جَلبك ، إجْطَع طريجُه بالمواچهه ... كنت واچهها و إسالها ... يا ترى عملت إكده ولا طاوعت شيطانك ، وهربت ...؟! طأطا "مدحت" رأسه للأسفل فى عجز هامسًا بلسان يرتجف : — لا يا بوي ... أني كنت چبان ، مجدرتش أسمعها مِنيها ، نِزلت فيها ضرب لما وَجَعِت جُدام عيني غرجانه بدمها ، ولما "أهداب" ... بِتي رچعت من المدرسه فضلت تبكي ، و نادت السَوَّاجْ و خدوها ع المستشفى... أني مجدرتش أتحمل أكمل وياها ، ولا حتى أطلِجها عشان إكده ضربت حالي بالنار و انتحرت ... لكن الأجل لسه مچاش ، و أديني أها جاعد وياك .... هز الحاج "زكريا" رأسه فى أسف مردفًا : — أستغفر الله العظيم من كل ذنب .. يعنى يا ولدي مكفاكش ذنب واحد ، تجُوم تنتحر ، تعمل اللي ربك حرَّمه على عباده ... وده كله ليه.... عشان ضعيف ... كنت اصبر لما تتوكد ، و يا إما تستمروا و ينصلح عُودها ، يا تفارجُوا بالمعروف ... مبسوط دِلوك من حرمانك من بيتك ، ومرتك ، و مالك، و عيالك ... أدي آخرت التسرع يا "كاشف" إلتقت أنظار كِلا الرجلين ، ليؤكد "زكريا" أبوته قائلاً : — هتفضل طول عمرك "كاشف" ولدي .... دِلوك لازم تفكر هتعمل إيه ... "صداح" بيحب بِـتك ، واضح إن أمها مجَصَرِتش معاها ، و ربتها أحسن تربيه ... و شكلها كمان زينة و بدر كيف أمها و لا إنت إيه رأيك ؟! ابتسم "مدحت" بحالميه ، يستعيد ذكريات عشقه لـ "فريدة" قائلاً : — يـــــاه يا بوي ... "فريدة" دي صبيه كيف البدر ، غزال ماشي عـ الأرض ، نجمة سَجَطِت من سماها ووجِعِت على حِجري ... يا بـــوي ..اتوحشتها جوي جوي ، بس .... بس أني طلجتها .. رميت عليها اليمين بعد ما غابت عني ... جلبي وچعني جوي يا بوي .... و خايف من اللي جاي ... ربت "زكريا" على كتفه فى حنان مُردفًـا : — رَوَجْ إكده ، و صلِ عـ النبي ... أني معاك ضهرك وسندك ، ولا يمكن أخذلك واصل ... إحنا الأول نجول الحجِيجة لـ "صداح" ، وهو حكيم كيف چده ، هيعرف يتصرف زين . و فى الحال ، نادى الحاج "زكريا" على حفيده "صداح" ، الذى كان ينتظر فى الخارج  : — تعالي يا ولدي ... اجعُد و إسمع أبوك زين ... .... ثم ألقى "مدحت" على مسامع "صداح" حقيقة الماضي الأليم كامله ، ليشهق "صداح" من تأثير الصدمه التى زلزلت كيانه ليهتف فى حنق : — يعنى جصدك إن "أهداب" تُبجَى بتك يا بوي ... ليه يا بوي ظلمتها و ظلمت مرتك ... كل السنين اللى عدت داي ، مفكرتش فـ يوم تطمن عليهم ، ولا تعرف أخبارهم .... و كأن ماضيك انمحى ... طيب أهو الماضي رِچع يُدج بابك من تاني .. هنعمل إيه دلوك ..؟! لم يقوى "مدحت" على الرد ، و كيف يفعل ..؟! .. وماذا عليه أن يتفوه ؟! ... لقد سبق السيف العزل ... فى حين تحدث الجد بنبرة منخفضة ، للتخفيف من حِـدة الموقف ، قائلا : — "صداح" ... اجفِل خاشْمَك ... چنِّـيت ياك ده مهما كان أبوك اللي شالك و انت لسه عيل صغير ، ورباك أحسن تربيه ، و لا عمره جصَّر وياك ، ولا فَرَجْ بينك وبين اخواتك .. ده يُبجى چزاته ... حِـبْ على رأسه ، و اطلب منه يسامحك. شعر "صداح" بالذنب و الخجل من انفعاله الحانق على والده ، ليقترب منه فى احترام ويُقبل رأسه فى تبجيل ، و امتنان هامسًا فى ترجي : — حَجَك عليّ يا بوي ... سامحني الله يرضى عنِّيك  ... و الله ما كنت أچصُد ، أني بس انفعلت من خوفي عليك ... الموجَف صعب ، و المواچهة أصعب ... طيب بجولك ايه ... أني لو حكيت مع أمها ولا أخوها أو حد من جرايِبها .. أخشى إنهم يحرموني مِنيها ...  أنِي شايف إن المفاچأة أفضل للكل .... إنت تتصل بيهم يا چدي ، و تعزمهم عـ الغدا إهنه بالبيت ، و لما أمها تشوف أبوي ساعتها هتتفاچىء ، و يمكن وَجْتَها تِجدَر تسألها يا بوي ، و تعرف مين الراجل اللي كان معاها و يجربلها إيه .. ؟! أني كل اللي أعرفه إنها متجوزتش بعد ما إنت بعد الشر بعدت عنيها .. و لو كانت حَجِيجي عتخونك ، كنت اتچوزته ، و الفرصة كانت جـدامها سنين طويله ، خصوصًا إنها حلوه جوي عبست ملامح "مدحت" بأمارات الغيرة والغضب هاتفًا: — اتحشم يا وِلْـد ...لَـطُخَك عيارين ... إنت هتتغزل فـ مرتي جُدامي ... مش مكفيك البت ، طمعان فـ أمها كمان. انطلقت الضحكات من ثلاثتهم لتهدأ عواصف الغضب قليلاً ، ثم أردف "مدحت" قائلاً : — جَبْـل ما تعزمهم يا حاچ ، أني لازم أتحدت مع "حميدة"، و أحكيلها كل حاچه ... لازم تعرف أني مين ، و إيه اللي چابني إهنه ... وربنا يهديها و تستوعب اللي هَـجُوله احتوى "زكريا" ولده قائلاً بإطمئنان : — متجلجش .... "حميدة" عاجْله ، و عتحبك ، و متجدرش على بُعدك واصِل ...المهم تفكر زين هتعمل إيه وَيَّـا أم العروسه ، ولو طلعت بريئة من اتهامك وشكك فيها ، هيكون إيه مَوْجَفَك يا ولدي ... فكر ، و خُد جَرَار النهاردة جَبْـل بُكره . أجاب "صداح" فى لهفه : _ آه و غلاوتي عندك يا بوي ... "أهداب" وحشتني جوي جوي ، و أني عشمان فـ ربنا و فيك نتمم الچوازه بأسرع وجت . تساءل "مدحت" فى حنان و شوق : — إوصفهالي يا ولدي .... شكلها كيف ، طبعها كيف ، جولتلها ايه لما اتجابِـلتوا ... احكيلي على كل حاچه ..." .... و جلسوا سويا ، يخبرهم "صداح" بكل صغيرة وكبيرة ، أشعلت قلب "مدحت" من فرط اشتياقه ، و عقل "زكريا"من حنينه إلى امتداد ولده "مدحت أو كاشف ". مضى النهار سريعًا بجلساته المُغلقه ما بين "مدحت" ووالده وولده ، لتشعر "حميدة" بالقلق و التوتر ، ثم أطرقت باب الغرفة مستأذنة بالدخول : — العواف يا حاچ ... العشا جاهز ... العيلة كلاتها مستنظراكم عـ العشا ... هتفضلوا اهنه ...بزياداكم عاد ... أني جَلجَانِه ، وانتوا عمالين تتحدتوا ، وأول ما أدخل عليكم تسكتوا ... مخبراش إيه اللي بيحصل من وراي .... فيه إيه يا أبو "صداح "... أني مرتك ... احكيلي ... إنت مخبي عني حاچه ... لا تكون عيان و مخبي عليّ ...!! انتهز "مدحت" الفرصة ليُطالب زوجته بالجلوس ، ثم قال : — اجعدي يا حميدة .. أني عايزِك فـ موضوع مهم ..  لكن جَبْـل ما أتكلَم ، عايزِك تسمعي كلامي زين ...و إوعك صوتك يِعلا ولا حد يسمعه ....." ... وسرد عليها ما خفي عنها طوال السنوات الماضيه ، لتوَلوِل فى حسرة هاتفه : — يا ألف حسرة عليك يا "كاشف" .... يعنى أني اتچوزت واحد تاني غير ابن عمي ... و جَسِيمة الچواز مزوره على إكده ... ؟! .... يعني چوازنا باطِل .؟! نهض "مدحت" من مجلسه يطوي الغرفة ذهابًا و إيابًا ، ثم قال : — أدي اللي كنت فاكرها عاجْله ، و هتفهم زين .... لاه يا أم البنات ... چوازنا شرعي وبحلال ربنا ، و الجَسِيمة بإسمي "مدحت الصواف" ، و المأذون من طرف الدكتور "مصطفى" صاحبي اللي كان بيعالچني ، و عرض عليا الموضوع من بدايته ، و أجدر أفرجك عليها علشان تصدجي ... و بعدين عتتحسِري على وِلْـد عمك جُدامي ... جُـدام چوزك يا مرتي ...يا عشرة العمر ... هتفت "حميدة" بقلة صبر : — وه صعبان عليك خَلعِـتْ جَلبي على ابن عمي ، و عمال تحاسبني ... و أني أعمل إيه دِلوك ، و إنت عتجول إن ليك مرتك اللي فـ البندر ...لاه وكمان ابني هيتجوز بِتَّـها .... شايفها سهله عليّ يا چوزي ، يا أبو عيالي ... جولي دِلوك ... إنت ناوي على ايه ....؟! ... هتطلجني ، ولا هتردها ؟! أصاب الجزع قلب "مدحت" ليزفر فى ضيق : — طَـلاَجْ إيه يا وليه اللي عتحكي عنيه ... ده بعينك إني أفارجِك إلا لما رب العباد ياخد أمانته. انخلع قلب "زكريا و صداح" ، لتصرخ "حميدة" هاتفه : — ألف بعد الشر عنيك يا غالي ... الله ياخد من عمري و يِدِيك ، لما تشيل أحفاد أحفادك ... ابتسم "مدحت" قائلاً : — أصيله يا "حميدة" ... أني عايزك تعرفي إني عـحِبك أكتر من روحي ، ولا يمكن استغني عنك واصل ... لكن موضوع حياتي السابجة ده مش سهل ، و "فريدة" دِلوك تعتبر طليجتي ... ولسه معرفش إيه اللي حصل بغيابي طول السنين اللي فاتت ... خلينا نتعامل بالهداوة ، وخطوه خطوه ، و أهم حاچه دِلوك إنِك عَرفتي ، و مفيش أي حاچه هتتغير ... إحنا كيف ما كنا ، و أجْرَب كمان . تنفس "زكريا" الصعداء ، ليتبادل النظرات مع "حفيده" الذى قال : — ممكن بجي ننزل نتعشى ، عشان  تلحق تكلم حماتي يا چدي و تعزمهم عـ الغدا .." وفى لحظات اصطف الجميع على المائدة يتشاركون طعام العشاء ، إلى أن دلف الجد إلى مكتبه ، يمهد للخطوة الثانيه فى إحياء ماضي لم تندمل جراحه بعد .. كانت فريدة تتجول بحديقة الفيلا ، مغمضة العينين ، تحيا ذكريات الماضي ، لتهمس بلا وعي : — الله يرحمك يا "مدحت"... كنت نفسي تفرح معايا ... "أهداب بنتنا كبرت ، وبقت عروسه .. و خلاص هتتجوز . إلا أن سيل حديثها الصامت لم يكتمل ، حيث إلتفتت إلى نداء حفيدها الصغير "مدحت" ، لتقترب منه و تحمله فى حنان و حب قائله : — حبيب تيتا و روحها و عقلها ... كنت بتنادي عليا ليه بقى ؟! أجاب الصغير صاحب السنوات الثلاث بتلعثم : — تيتا فون تاعك رن ... ضحكت فريدة بسعاده و ارتياح : — الفون تاعي رن ... و مجيبتوش ليه ؟! أجاب الفتي فى براءة : — سَان بابي إزعل من دوحه .. و إس كلمه . دلفت فريدة إلى الداخل ، لتلتقط الهاتف ، مجيبة : — ألــو .... مساء النور ... أيوه أنا "فريدة" ... آه أهلاً وسهلاً يا حاج "زكريا" .... لا أبدًا ..مفيش إزعاج ولا حاجه ... الحمد لله كلنا بخير ... و "أهداب" تمام ... إيه عزومـة .. معلش مش هقدر ... الشغل واحد معظم وقتي .... و زيارة الصعيد محتاجة على الأقل يومين ... طيب إيه رأيك ... نعمل تعديل بسيط ، و العزومة تكون عندنا إحنا  كده أفضل للجميع ... بس أصل ... اسمعني بس .... مش عارفه أقولك إيه ... طيب حاضر ، و أنا ميرضنيش إن حضرتك تزعل .... لأ ..بلاش بكره ...خليها بعده ، أكون رتبت أموري و كمان عشان الشغل و أسرتي كمان ... بإذن الله ... "صداح" ... أكيد طبعًا يشرفني ... فرصة سعيدة .. أنا اللي اتشرفت بحضرتك والله ... مع السلامة . و انطلقت "فريدة " تبلغ شقيقها و جميع من بالفيلا بالخبر المفاجىء ، لعزومة تحمل أطنان من المفاجآت... مرت الأيام سريعة ، ليأتي اليوم الموعود بوصول "صداح" إلى فيلا والدة عروسه ، ليُلقي عليها نظرات اختلفت كُليا عن مثيلتها بالمرة السابقه ... و لكن ما لم يكن بالحسبان ، أن الفيلا السابقه التى ضمت كلاً من "مدحت"و "فريدة"  ، تم بيعها منذ ذلك الحين ، وأن تلك الأخرى هى التى سطرت الحاضر الخالي من والده . استقبلت" فريدة " "صداح" فى ترحاب شديد ، تُزين ثغرها الباسم ضحكه راقيه ، لتتحدث : — حمدًا لله عـ السلامة يا "صداح" ... اتفضل يا حبيبى ... اشرب قهوتك معانا لغايت ما " أهداب" تجهز ... إنت عارف بقى البنات و تجهيزاتهم ، عشان تتعود من هنا ورايح .... ابتسم "صداح" فى سعادة ، يتأمل "فريدة" بنظرات حنونه ، ليردف : — على أقل من مِـهلها ... أنا أستناها العمر كله ... "أهداب" هى النفس اللي عايش بيه .... تؤمر و أنا عليا التنفيذ ... شعرت فريدة بسعادة فاقت الحدود ، ليتبادل "عماد" النظرات مع خاله العزيز "فريد" ، فى نفس الوقت الذى هبطت فيه "أهداب" الدرج كالفراشة الرقيقة ، وَقْـعْ خطواتها كما عزف الناي .. تتدلل فى ثوبها الفضي اللامع الذى عكس بريق عينيها الزرقاوين ، و خصلات شعرها الحريرية المموجة ، كما أمواج المحيط ... ثم اقتربت ، تسحر الأذهان بصوتها الناعم مرحبه : — حمدا لله عـ السلامة يا "أدهم" ... نورت مصر و أهلها رفع "صداح" أحد حاجبيه بشكل مسرحي مازحًـا : — برضه " أدهم "... مُصمِمه ؟! أجابت "أهداب" فى مشاكسة : _ عشان تفضل فاكر إنك خدعتني ، وكدبت عليا . اتسعت ابتسامة "صداح" ، ليقترب منها فى عشق : — ما أنا طلبت السماح من الباشا ...  وهو  طيب وحنين ، و مهونتِـش عليه ... أعمل إيه تاني يرضيك يا باشا ... قول وأنا راضي ... لو يكفيكي عمري ، أنا رهن اشارتِك.. نهض كلا من "فريد و عماد" ، ليجذبا "صداح" بعيدًا عن "أهداب" قائلين بصوت واحد : — لأ.... روق كده وإلا هرجع فى كلامي . ارتفعت ضحكات الجميع ، ليبدأوا رحلة الذهاب إلى الصعيد ..... و إلى الماضي ... يُتبــع ........

📜 الخاتمة 📜

« يا قلــب لا تغفِــر » « انتهى ما بيننا…كما تنطفئ الشموع .. ولا شىء يواسي الوصال المنقطع ... فما مضى قد مضى.. ظننت أن الحب العظيم الذى وسِع صدري هو حامي الحما ، و نوري بظلمات الوجع ... و إذا به قمة الإنهاك ، و الإنتهاك ... أيا صلب الفؤاد .. كفاك عُذرًا ...! و ممن تنشد سُهد الوِداد ...!! إذا الليل تألق بشمس الضيا... فلا سكن ولا وليف فقد المحيا الممات .. !! فسلامٌ على ما لم يكتمل ...!! و سلامٌ على قلبي حين نطق جهرًا ... انتهى..! » تزين البيت الكبير ، فى ربوع الصعيد للقاء الماضي و المستقبل ، لتشرع حميدة فى الإشراف مع الحاجه أنهار على أصناف المأكولات بِـهمة و اهتمام الكل فى حالة ترقب ، و ابتسامة تشارك فيها أفراد عائلة الحمزاوي ... فى حين تسلل التوتر إلى أوصال مدحت ، يراجع مع والده ... ما عليه فعله . و قد اتفق كليهما على عدم ظهوره ببداية اللقاء ، على أن تسطع المفاجأة بين زوايا المائدة . الجميع على عِلم .. وكلٍ منهم يعي جيدًا دوره و يحفظه عن ظهر قلب .. انتهت ساعات النهار ، ليأتي الليل خجلا ، فها هو بيت الحاج زكريا يتلألأ بأنوار عكست فرحة الجميع ، فى حين أبلغ صداح جده بقرب الوصول و أمام بوابة البيت الكبيرة .. وقف الحاج زكريا فى شرف وصول أنسبائه ، يرافقه إخوته بشموخ و هيبه لا يُنكرها القلم . اقتربت السيارات الثلاث من البهو الخارجي ، لتتوقف فى هدوء ترجل صداح فى سعادة إلتمعت بناظريه ، ليشتاق إلى فاتنته التى فضلت رفقة خالها فريد بسيارته و ما إن هبطت من السيارة فى دلال ، حتى اشتعل قلبه من سحرها الأخاذ الذى يُذهِب العقول . تقدم الحاج زكريا مع إخوته للترحيب الحار بالجميع ، ليدقق النظر فى فريدة و ابنتها أهداب ثم ابتسم قائلا : — يا أهلاً وسهلاً.... يا ألف مرحب ... يا نور النبي الزين .. اللهم بارك ... تفضلوا ... تفضلوا .... الصعيد كلاته نور بتشريفكم ... حمدا لله ع السلامة ... اتسعت ابتسامة فريدة لترد تحيه الحاج زكريا ، الذى أغدقها بعبارات الترحيب الحارة بما فاق التوقع ، لتهتف فى خجل : _ ميرسي جدا يا حاج زكريا... حضرتك ذوق أوي ... كلنا والله اتشرفنا بحضرتك و أسرتك الكريمه . دلف الجميع إلى الداخل ، فى حين إختبأ مدحت خلف إحدى الشراشف يتأمل أسرته .. زوجته ... ابنته ... و ابنه الغالي عماد ... وما إن وقعت أنظاره على غالية روحه فريدة ، حتى خفق قلبه من شدة الاشتياق لا زالت على نضارتها ، وسحرها الجذاب ... ابتسامتها التى أشرقت قلبه ، لينسي بعذوبتها ما قد مضى .. يا إلهي .. كم اشتاقها حد الجنون ... يتمنى لو يوصمها بنقوش قلبه ، و ألا يسمح لها بالرحيل ... فهى أسيرته ما دامت الحياة قائمة .. ثم همس : — وحشتينى يا فريدة ... يـــاه ... كنت فاكر إن نسيتك و قفلت باب عشقك جوايا ، لكن بعد ما شوفتك مش هقدر أبعد تاني ، أنا مسامحك حتى لو خونتيني ... مسامحك مهما تعملي ... يارب رد لي روحي ..يارب أتقنت حميدة رسم البسمة على شفتيها ، إلا أن داخلها يتعذب .... قلبها يئن من الغيرة ، و خاصة بعد رؤيتها لفريدة و ما لمسته من جمالها الأخاذ ... تقبض على قلبها بمطرقة الصبر ، و تلتمس من ربها التحمل . جلس الجميع فى الأرائك التى تتوسط المنزل ، لتتركز نظرات الجميع على أهداب ، و أمها فى حين حار مدحت فى هوية فريد ... يتساءل : — تُرى متى رآه ، و أين ... و من هو ؟! أطرق فريد رأسه قليلا ، ثم تحدث بنبرةٍ ثابته : — فرصة سعيدة يا حاج زكريا .. و الله رغم انشغالنا فى الشركة ، إلا إني سيبت الدنيا كلها ، و جيت عشان خاطر نن عنيا أهداب ... شعور بالألفة ارتسم على قلوب الجميع قبل وجوههم ، ليسأل زكريا فى فضول  : — يا أهلاً وسهلاً ....  ده إحنا زادنا الشرف يا باشا ... أعرفكم بعيلة الحمزاوي ... أكبر عائلات الصعيد ... أخوي الحاچ چابر ، والد حميدة مرت ولدي كاشف .... و ده أخوي الحاچ واصل ... و ده أخوي الحاج ضرغام ... وده أخوي الحاج فضل ... و لسه لما تجعدوا معانا يومين تلاته هتتعرفوا على باجي العيلة . تفوهت فريدة بصوتها العذب : — أهلا وسهلا بيكم ... طبعا عيلة الحمزاوي لا غبار عليها ... و سمعتكم الطيبه وصلت عندنا فى القاهرة ... حقيقي إحنا محظوظين بالتعارف الجميل ده . أجاب الحاج جابر بإعجاب صارخ : — والله ما چميل إلا إنت يا جمر .... ده إحنا عندنا غفر. اتسعت ابتسامة فريدة ، لتهتف : — ميرسي جدًا على ذوقك ... و بعدين سحر و رقة بنات الصعيد مش موجود فى أي محافظه تانيه .. ليكم جمالكم الخاص ... أردفت حميدة قائله فى غيرة قاتلة ، حاولت أن تخفيها بصعوبه : — تشكري يا بنت الاصول ... ده بس من ذوجِك و لسانك اللى هينجط عسل . قلب عماد أنظاره بين الحاضرين ، ليتساءل : — يا ترى والدك يا صداح ... يبقى مين فى البهوات ؟! أجاب الحاج زكريا فى غموض : — ولدي كاشف چاي فى الطريج .... أصل حصلت مشكله بسيطة إكده فى الشونه ، وهو الوحيد اللي يجدر يحلها ... متجلجوش .. هيكون اهنه جبل العشا ... تبادل الجميع أطراف الحديث ، بمواضيع عده إلى أن ارتفع صوت الهاتف ، ليُسرع مدحت الصغير إليه ، فى حين نهضت فريدة لاحتواءه قبل الوصول ،إلا أن الحاج زكريا نهاها عن ذلك : — اجعدي يا بتي ... اتركيه يتحرك ويجري براحته .. ده بيته ، و بيت جده ... اللهم صل عـ النبي ذكي و نشيط كيف أبوه .... ثم التفت إلى فريد متسائلا : — ولدك ده يا ...  هو حضرتك تبجي مين ؟! قاطع الفتى الصغير حديثهم ، ليركض تجاه والده قائلاً : — بابي ... سوف كاسف عايز كلمك . التقط عماد الهاتف من طفله ، ليقدمه إلى الحاج زكريا ، ملتمِسًا العذر : — معلش يا حاج زكريا ...  مدحت كده على طول شقي و ملوعنا كلنا . ارتجف قلب مدحت الذى صار يترقب انضمامه إليهم ، خاصة حين علم بوجود حفيد من صلبه امتداد لوجوده ،سُمي تيمُنًا بجده مدحت أجاب الحاج زكريا فى هدوء : — ألو ... فينك يا ولدي ...الحبايب وصلوا ... يلا .. تعالى بجى ، وسيبك من الشونة و أصحابها ... ليه إكده ... و عملت كيف ..؟! ... عفارم عليك يا ولدي .... طول عمرك راچل ابن راچل ... ربنا يبارك لي فيك ... ماشي يا ولدي ... متتأخرش .... فى رعاية الله.. ثم استقام واقفا فى شموخ ؛ قائلا : — اتفضلوا .... العشا جاهز ... ولدي هيتأخر شويه .... هيبجى ياجي بعدين ... أردف فريد فى حرج : — خلينا نستناه ... إحنا لسه مش جعانين .. المهم إننا نتجمع كلنا على سفرة واحده ... إلا أن الحاج زكريا صمم على حديثه لحاجة فى نفسه اصطف الجميع على المائدة ، نظرات صداح تتبع حبيبته أينما ذهبت ، لا يكاد يهتم بكل من حوله ، إلا من سواها ... يعشقها حد الفناء فى روحها ... فهو الهائم حد الجنون ... كانت المائدة زاخرة بأشهى المأكولات ، التى أبهرت الجميع ، لتشاطر الحاجه أنهار الجميع فى البدء بتناول الطعام قائله : — أني بجى مش هعزم عليكم ... الدار داركم ... و احنا خلاص بجينا عيله واحده .. ومفيش بيناتنا أغراب ... مد يدك يا ولدي ... مدي يدك يا بتي ... بسم الله ... بدأ الجميع فى تناول الطعام فى متعه و تلذذ ، أصوات ضحكاتهم تُسعد القلوب ... و رغم شعور أهداب ببعض الخجل ، إلا أنها أحست بالألفه بين أفراد تلك الأسرة الجميلة الطيبه. و فى خضم سعادتهم ، و شعور اللذة بالترابط الأسري الذى غمر العائلتين ، دوي صوت أجش فى المكان ، لتلتفت فريدة إلى صاحبه ، لتحتلها الصدمة و الوجوم ، فإذا بالطعام يتوقف فى حلقها حتى كادت تزهق أنفاسها ، ليركض إليها مدحت فى حب فشلت السنوات فى اضمحلاله إلا أن فريدة لفظت ذاك الرجل كما لفظت قطعة اللحم العالقه بجوفها ، لتنعته بالحقارة ، و تدفعه بكامل قوتها إلى الخلف هاتفه بسعال متواصل : — حقير ... ظلت فريدة على سعالها المتواصل ، ليقدم إليها الجميع بلا استثناء عدد من أكواب الماء ، إلا أنها لم تقبل الارتواء إلا من أخيها .... وما إن هدأت قليلا ، حتى صرخت قائله : — بينا من هنا .... حاسة إني مخنوقه . أدرك فريد أن شقيقته تعانى من خطبٍ ما ، ليقرر الصمت قليلا  ، ثم أجاب : — حصل حاجه يا حبيبتي ... احنا لسه متكلمناش ... وبدلا من أن تُجيبه ، نظرت إلى مدحت نظرات الكره ، لتقول : — معلش ... المكان بقى مكتوم.... أصلي خلاص فهمت سبب تمسك البيه المحترم ببنتي ... لكن يا ترى إنت بقى يا صداح بيه دورك إيه فى القصة دي ..؟! يقربلَك إيه المحترم اللي واقف ده .... شريكك ... ؟! ... أكيد شريكه .... مكنتش متخيله إن حقارتك توصل للدرجة دي ... بينا يا فريد .. يلا يا عماد .. أما إنت يا أهداب ... أنا حسابي معاكي بعدين .... تاهت نظرات الجميع ما بين صداح و ذاك الغامض الأخير ... الذى لم ينتبه لشخصه سواها ... سوى فريدة و حين سحبت ابنتها و ابنها من أيديهم إلى الخارج ، لم يقاوم عماد ، بل كانت المقاومة من أهداب التى أصرت على فهم ذاك المشهد البالي بلا تفسير .. لتُصر فريدة على الهرب ، دون تفسير لماضٍ أوجع قلبها حتى تحطم ... إلا أن إصرار أهداب كان كما الشوكة التى قصمت ظهر البعير .... محاولات من فريدة لا تنتهي ، لتهرب من تلك الورطة الشنيعة ، ومواجهة لن تحقق سوى الأهوال ، إلا أن فريد تجسد ثبات المنطق ، و زهو العناد ... ليتساءل : — أنا عايز أعرف هو إيه اللي بيحصل بالضبط ...مين ده يا فريده ..؟! ... و لسه نظرات الكره دي اللى شايفها فـ عنيكي ...؟! ... هو إنت تعرفي الرجل ده ....؟! وجوم أصاب أسرة زكريا الحمزاوي ، رغم علمهم جميعا بما سيحدث ، إلا أن وقع الفعل ليس كما القول ... ليختار جميعهم الصمت والتخاذل .. و خاصة مدحت أو كما ينادوه كاشف . بينما فاض الكيل بفريدة لتصرخ ، بعد أن فقدت اتزانها : — عايزين تعرفوا فيه ايه ...؟! .. نفسكوا تفهموا إيه الحكاية ...؟! ... ما تنطق يا بيه ...ساكت ليه ... ثم اقتربت من مدحت ، حتى صارت بمواجهته ، هاتفة بغضب يملؤه الكراهيه : — إيه لسانك انقطع ، و لا إيدك اتشلت .... فاكر آخر مرة عملت فيا إيه ...؟! ... فاكر ...ولا أفكرك ....؟! ... لأ .. أنا هفكرهم هما .... عايزين تعرفوا مين البيـه ... ده مدحت باشا الصواف ... أبوك يا عماد .... أبوكي يا أهداب .... ويبقى جوزي السابق يا فريد .... مدحت الصواف اللي طعنني فـ شرفي ، و إتهمني بالخيانه ، و آخر مرة شوفته نزل فيا ضرب لما كنت هموت فـ ايده ، و دخلت بسببه المستشفى شهر كامل .. مدحت الصواف اللي صورلي مشهد هزلي إنه انتحر ، ومات .. و عملناله جنازه ، و فضلت عمري كله زعلانه عليه .... ومن شدة إخلاصي رفضت أتجوز من بعده ... ثم اقتربت من ابنتها ، مردفه بحسرة : — هو ده مدحت أبوكي ... اللي لما رجعتي من المدرسة ، و شوفتيه بيخنقني ، ناديتي على السواق يلحقنى و يبعده عني .... معقول يا بنتي ... نسيتي شكله... آه سوري ... أصل الموضوع ده قديم أوي ... من أكتر من ٢٠ سنه بس .... لتعود إلى مدحت ثانيه : — سيبت بنتك عندها أربع سنين ، ورجعت بتمثيليه جديدة ، مع أبطال جداد و هى عندها ٢٤ سنه .... إنت لا يمكن تكون بني آدم .... إنت شيطان .... أنا بكرهك ... راجع تاني ليه ....؟! ... عايز إيه ...؟! ... لسه فيه حاجه معملتهاش عايز تعملها ... مش مكفيك اللي عيشته بسببك ، و العذاب اللي فضل ملازمني طول السنين اللي فاتت ، راجع تحيي الماضي ليه ...؟! .. إذا كنت فاكر ، إن ولادي أطفال زي زمان ، و تقدر تلعب بيهم ... لأ ... فوق لنفسك يا بيه .... أنا معايا رجلين يودوك ورا الشمس.... و زي ما ربنا خلصني منك ... بعتلي أخويا فريد ... سندي و عزوتي و الصدر الحنين اللي ياما مسح دموعي ....  منك لله يا مدحت ... ربنا ينتقم لي منك.. إلى هنا ... لم يحتمل مدحت الصمت ، ليقترب من فريد الذى جمدت المفاجأة حركته ، ليهتف : — أيوه ... أنا عرفتك .... هو .... إنت ... إنت اللي أنا شوفتك مع فريدة فـ الجنينه ... يعني .. قصدِك .. إن اللي واقف ده أخوكي ... ؟! طب إزاي ... إنت مكنش ليكي إخوات ... من يوم ما اتجوزتك ، و أنا عارف إنك وحيدة أمك و أبوكي ... يبقى إزاي ده أخوكي ...؟! .... ما تنطقي ولا شاطره بس ترمي اتهامات وخلاص ..!! بقلب صلب ، و وجه مكفهر ، و أنفاس حارة من شدة الغضب ، اقتربت فريدة من مدحت حتى لامست صدره ، ثم رفعت كفها اليمنى لتلطمه على خده لـطمه قويه زلزلت كيانه صارخة : — لسه زي ما إنت قذر و حقير ... راجع بعد كل ده تستجوب و تشك و تتهمني من تاني ... فريد فعلا أخويا ... أخويا من أب بس .. وده اللي أنا عرفته قبل عملتك السوده بأيام .... مكنتش أقدر أحكيلك و أقولك إن أمي اللي فضلت طول عمري موجوعه إنها انظلمت و اتوجعت ، و اتبهدلت ... تكون فى الحقيقة هى الجانية ... و إنها من شدة غيرتها ، و طمعها كانت هتقتل طفل صغير لمجرد إنه طلع أخويا ، وإنها دخلت مستشفى الامراض العقليه بإرادتها عشان تهرب من السجن ... احتفظت لنفسي بالسر جوايا علشان ما أصغرش فـ نظرك ، و تستقل بيا ..... وقولت لما ظروف أخواتي تستقر ، أبقى أحكيلك وإنت أكيد هتعذرني ، ومش هتحمل أمي الذنب ... لكن إنت اتسرعت ... وبدل ما تديني فرصة أتكلم و أشرحلك ، و أبرأ نفسي ، قررت تقتلني ...  و راجع تاني تعيد الكره ..يا خيبة أملي فيك  .... فى تلك اللحظه العصيبة ، أفاق فريد ليلتقط أحد الأسلحة المثبته على الجدار ، ليرفعه فى وجه مدحت وسط موجة من الرعب أصابت حميدة ، و صداح، و الحاج زكريا ، و كل رجال الصعيد ... صرخت فريده ، تحاول أن تكف أخيها عن فكره انتقامه ، من مُعذب شقيقته لتهمس فى نبرة ترجي : — لا ....يا فريد ... عشان خاطري بلاش .... بلاش تضيع نفسك عشان ندل ...ما يسواش ... إنت أنقى من إنك تلوث إيدك بدمه .... أنا سايباه لربنا ...يجيب لي حقي منه ... و إنت كمان ... سيب المسدس عشان خاطري ... أنا محتاجالك ، و مراتك و ولادك محتاجينك ... طب بلاش أنا ... بنت أختك محتاجالك ... أهداب حبيبتك .. يهون عليك تضيع نفسك ، و نخسرك ... سيبه لربنا .... يلا ... هات المسدس .. ربنا يهديك ... كلماتها كالسحر ... جعلت من قلبه المشتعل بنار الغضب و الانتقام ... ماء زلال يروي قلبها العطش إليه ، ليلقي المسدس باحتقار ، قائلا بإشمئزاز : — أنا هسيبك بس ، عشان خاطر أختي و أولادها ... لكن قسمّا بالله ... لو فكرت تقرب منهم تاني ... ليكون آخر يوم فـ عمرك .... إنت ميت من زمان فـ نظر الكل ، و طالما اخترت بيت وعيله ، و نصابين زيك .... خليك عايش وسطهم ، و مارس ألاعيبك براحتك... يلا يا فريدة ... عماد ... أهداب ... يلا كلنا ... بأجساد مثقله ... سار الجميع إلى الخارج ما عدا أهداب التى حولت أنظارها ما بين والدها ، وصداح ، تنسال من عينيها الدموع كما الشلال ؛ لتئن هامسة : — للدرجة دي كنت لعبه فـ ايديك عشان خاطره ... قدرت تأذيني و توجعني بالشكل ده ، وأنا وثقت فيك ، و سلمتك قلبي .... ربنا يبعتلك اللي يكسر قلبك ، وينتقم لي منك .... ثم ركضت إلى الخارج ..... نظر صداح إلى والده بقهر ، و خيبة قائلا : — ارتحت دلوقتي... ضيعت مني حب عمري ، و الأمنية الوحيدة اللى تمنيتها ... مبسوط بعد ما سوءت سمعتنا ؛ و بقينا فـ نظرهم نصابين ... و كل ده بسبب غباءك ... و أنانيتك .... لم يحتمل زكريا إهانة ابنه كاشف ، لينهر صداح صارخًا : — صــــــداح ..... وجف عندك ... كلمة تانيه ، هتبرا منك ، و أرميك بره البلد كلاتها .... بتغلط فـ أبوك بدل ما تواسيه بمصيبته .... هي داي آخرت تربيته فيك يا ناجص ... عشان حرمه تغلط فـ أبوك .... خيبت أملي فيك .... يا خسارة تربيتنا فيك يا ولد وليد الضَوْ ... تحدث مدحت بإنكسار : — سيبه يا بوي .... سيبه ... هو عنده حج .... أني فعلا كنت غبي ... و أناني .... من كتر حبي فيها ، متحملتش أشوفها مع راچل غيري ... انكسرت والشيطان وسوس لي ..... خسرت بيتي بسبب الشك ... اتحرمت من مراتي و ولادي ... و دلوك بيدفعوا تمن غلطي ... أني اللي أستاهل ضرب النار ... والله يا بوي ... أني فعلا مستحقش أعيش ... احتواه الحاج زكريا فى حب جارف قائلا : — ألف بعد الشر عليك يا ولدي ... أيوه إنت ولدي ... إنت كاشف ، واللي يجول غير إكده ، أني اللي هطخه بالنار ... أني عارف الحقيقة من الأول ، و قلبي و ربي راضي عنك يا مدحت ....و عمري مهنسالك چميلك اللي برجبتي طول العمر ... والفرحة اللي رسمتها على وچوه كل نفر فـ العيلة .... بموت كاشف ولدي ، راحت كل أحلامي ، و ضهري انكسر ... و عودي انخلع ، لكن مدحت اللي واقف جدامكم ده هو اللي رجعلي روحي من تاني ...   حرم نفسه من بيته ، ومراته ، و ولاده اللي ياما كان نفسه يرچعلهم ، لكن كان خايف عليا ، و عليكم من الصدمه ... أمنته على بيتي وفلوسي و حالي كله ، و صان الأمانة ، و كبرها ... و اشتغل ، و شِقى لما بجى العشرة مليون ...ميه و مِتين .... لما جولت له اتچوز يا مدحت .... وافج بدون ما يعارضني ، وجاب مرته و ابنها ، و حطهم فـ عنيه ، و رباك أحسن تربيه ، ولما ربنا كرمه بخواتك البنات ... عمره ما فرج فـ المعامله ولا جصر مع أمك ... وهي واجفه و تشهد .... ارتمت حميدة تحت قدمي مدحت تقبلهما فى عشق لا ينتهي ، تنسال دموعها الحزينة كما السيول ؛ لتهتف فى رجاء : _ أحب على رچلك يا أبو صداح ما تزعل ، حجك عليا أني .... و غلاوتك عندي أني لو عشت عمري كله تحت رجليك ما يكفيك اللي عملته عشان أني و ولدي .... إنت جوزي ، وحبيبي ، و أبو ولادي ، و عمري كله يا مدحت ... أني عيشت معاك أسعد سنين عمري ، بعد ما كنت دفنت نفسي بالحياة جبل ما أتچوزك .... أحِب على يدك ما تزعل .... كلنا محتاچينك ، و أني عحبك جوي يا مدحت ... إنت النفس اللي عتنفسه ...." رفعها مدحت فى رفق ، ليحيط كتفيها بذراعيه فى حب : — طول ما أني عايش ، و فيا النفس .... حِسك عينك تنحني لمخلوج .... أني لا يمكن أتخلى عنك يا شريكة عمري... إنت حتة مني يا حميدة .... و متخافيش أني مش زعلان من صداح ... فيه أب يزعل من وَلده ..... شعر صداح بأشواك الندم ، ليُقبل قبضة والده ، ومقدمة رأسه و صدره ، ثم ارتمي بين ذراعيه قائلا فى ندم : — حجك علي يا بوي .... سامحني و غلاوتي عندك ... و الله يا بوي ما كنت أجصد ، هو أني بس من الانفعال ، جولت كلام من ورا جلبي .... سامحني يا بوي .... و وجف جار ولدك .... أني عحب أهداب بتك ، و عـهشجها ، مجادرش أعيش من غيرها ... دي حياتي يا بوي ... حياتي نَفسيها .... خلينا نجعد ، ونشوف هنصلح الموجف ده كيف. حمد الحاج زكريا ربه ، على زوال لحظات الغضب ، و وسواس الشيطان ، ليطالب الجميع بالوضوء و صلاة ركعتين ، ليستعيد كل منهم نفسه . وبالفعل كان الجميع مصطفين فى ترتيب ونظام يؤمهم مدحت ... إلى أن انتهوا من الصلاه ..ليجلسوا فى هدوء.. هتف زكريا قائلا فى جديه : — لو عايز ترچع لمرتك من چديد يا ولدي .... يبجى لازم ترجع تكسبها ، وتراضيها ،كمان عشان ولدك ... والحَج ينقال ، العروسة جمر كيف أمها ... ذوجك حلو يا صداح كيف أبوك ... ظل مدحت يتبادل أطراف الحديث مع أسرته ، ليفكر فى أي الطرق التى يمكن بها تعويض فريدة ، و العودة  بها إلى رحابه ... حتى يتسنى لابنه الفرحة و السعادة بمحيط ابنته .... رحلت فريدة مع شقيقها و أسرته ، و أبناءها و الأحفاد ، لتبكي أهداب فى مرارة ، فى حين ارتفع صوت فريدة تواسيها فى رفق : — بس يا حبيبتى ... متعمليش فـ نفسك كده ... الحمد لله ربنا كشفهم في الوقت المناسب ... إنت تنسيه خالص ، و تركزي فـ شغلك ... هو ده المهم دلوقتي ، ومع الوقت ، هيتلاشى ولا كأنه موجود .... وأنا متأكده إن ربنا هيعوض صبرك خير ... يلا يا حبيبتى إرجعي بضهرك لورا ... و حاولي ترتاحي ... واستكملت فريد رحلة العودة التى اختلفت كليا عن سابقتها ، ليعود الجميع بقلوب منكسرة .. و صدور يكسوها الخيبه . ساعه تلو الأخري ، إلى أن وصل الجميع إلى فيلتهم بالقاهرة ، لتركض أهداب على الدرج فى انهيار ، ثم دلفت إلى حجرتها فى أنين  .. سقطت أهداب على فراشها تبكى والدها الذى حرمها من وجوده عشرون عاما ، و تبكي عمرها الضائع و هى التى عاشت يتيمة الأب سنواتها العضال ، و تبكي حبها المزيف ، و فارسها الذى ما كان إلا صداحًـا للباطل بدلا من الحـق .. إلى أن شعرت بأنامل والدتها التي ظلت إلى جوارها ...تواسيها بقلب يتجرع الحزن . ترى والدتها من شدة الصدمات كما الغيوم التى تسبق المطر ، لذا كظمت أهداب حزنها بالأعماق ، لتطوي تلك الصفحة إلى غير رجعة دون خفقة قلب ... ثم همست : — سامحيني يا مامي ... أنا السبب فـ اللي حصل... يا ريتني ما حبيته ولا قابلته ... ولا إديته الفرصة اللى آلاف يتمنوها ... أنا اللي حطيتك فـ الموقف ده .. أرجوكي سامحينى . ربتت والدتها على وجنتيها فى شجن هاتفه : — وإنت ذنبك إيه يا بنتي ... أبوكي هو اللي ندل وجبان ... عشت معاه ١٢ سنه مخدوعة فيه ... و يمكن ربنا أراد إنك تقابلي صداح أو الله أعلم اسمه إيه ، عشان يكشف لنا ستر أبوكي ، اللي بقالنا ٢٠ سنه فاكرينه ميت ... أنا مش ندمانه للزيارة دي ، أد ما ندمانه على عمري اللي راح معاه ... لكن الحمد لله وسط كل الشوك ، ربنا كرمني بيكي إنت وأخوكي و خالك .... وأنا مش طمعانه فـ أكتر من كده ... إنسي و لا كأن حصل حاجه .... واللي يرشك بالميا ...أنا أرشه بالنار .... إضحكي و فرفشي للدنيا ، و الشركة مستنياكي .. أنا هقوم أحضر العشاء عشان نتعشى كلنا .... و انصرفت فريدة بعد أن شيدت بقلبها قبر لزوج لايزال على قيد الحياة ... انتهى العشاء فى صمت ، لا يحفُـه إلا أصوات الأحفاد ، ليهتف عماد محاولا رسم علامات المرح : — أهداب هانم سيدة الأعمال المتألقه ناوية تيجي الشركة إمتى ، عشان تقطع علينا .. ؟! ... خدي بالك إحنا صحيح متعلمناش فى أوروبا ، لكن خبره برضه. انفلتت ابتسامة معصومة من الخطأ ، تحررت من شفتيها لتقول : — خد بالك أنا فـ الشغل ، معرفش أخويا .... ثم إلتفتت إلى فريد مستكمله : — ولا خالي تسلل شىء من الألفه بين أفراد الأسرة الصغيرة ، حاملين الأمل من جديد . ثلاث أيام مضت على تلك الواقعه ، لتعود أهداب إلى شركتها ، و تنشغل كليا فى أمور العمل و فى ليلة اختفى فيها القمر ، عادت أهداب إلى الفيلا يصحبها خالها و شقيقها ، لتعتذر عن تناول وجبه العشاء من شدة الإرهاق ، فى حين فضلت أن تأوى إلى الفراش لتنال قسط من الراحة وبعد أن تسللت إليه، انطلق رنين هاتفها فى إلحاح ، لتتثاءب فى تعب ، و بعيون نصف مغلقه ، أجابت : — ألـــو ... ميـــن ؟! تسلل إلى سمعها صوته المشتاق ، ليهمس فى ترجي : — أهداب .... و غلاوة والدتك عندك اسمعيني ، و متقفليش الفون .... أنا بحبك بجنون يا حبيبى ، بابا غِلط ... أنا عارف ، ومستعد يصلح غلطه بأي طريقه ، لكن والله اللي حصل كان غصب عنه ، من حبه فـ والدتك مقدرش يتحمل ... الرجل لما بيعشق ، الغضب بيغشي عنيه ، مبيبقاش شايف قدامه ، و فـ لحظة انفعال ممكن يغلط الغلطه اللي يفضل طول عمره ندمان عليها ... و ده اللي حصل مع بابا .. على فكره أبوكي هو اللي رباني، و أنا بعتبره أبويا ، و عمره ما فرق بيني وبين إخواتي ... هو ندمان صدقيني ، و مستعد يتنازل عن كل ما يملك ، بس والدتك تقبل تسمعه .. سنين وأنا بشوفه مهموم ، قاعد لوحده و شارد ، و ياما سألته ، كان يرد عليا إن فيه حاجات بتضيع مننا ، ولما بنفكر ندور عليها ، نلاقي نفسها بنرجع لورا ، مش بنطلع لقدام ... أنا مكنتش ببقى فاهمُه ، بس مكنتش بضغط عليه .... بابا مدحت أحن و أطيب أب أنا شوفته فـ حياتى ... إتحمل الأمانه على أكمل وجه ... إديني فرصة أقابلك و أتكلم معاكي ... خليني أوضح لك اللي غايب عنك ... بلاش تقفلي فـ وشي الباب فـ لحظه ضيق .... أرجوكي .. شعرت أهداب بقلبها يئن من تأثير كلماته ، إلا أن صوت العقل فرض كلمته ، فأغلقت الاتصال فى وجهه .. ليومين كاملين ... تعددت محاولات التواصل بين صداح و أهداب ، لعدد قد تجاوز المائه و يزيد ... و رغم رفض أهداب المتكرر إلا أن صداح لم يمل أو يستسلم ... بعد أن فاض الكيل بأهداب قررت الإجابة لتكيل له من الإهانات الكثير ، إلا أن سماعها لصوته العذب المتيم ، قد ارتجف له الفؤاد الساكن بالصدر لتجيب : — مش معقول اللي إنت بتعمله ده .... إفهم بقى إني مش طايقاك ... ولا عايزه أسمعك ، ولا أسمع غيرك .... سيبني فـ حالي بقى ... تأجج الاشتياق بقلب صداح الذى حُرم من سماع صوتها لأيام عديدة ليهتف : — وحشتيني ... وحشتيني أوى .. هونت عليكي كده يا بنت قلبي ... نسيتي قوام أسانسير حبنا... ده أنا هاين عليا أسافر استراليا مخصوص أبوس الحديد قدام كل الموظفين ، حتى لو هيقولوا عليا مجنون ... هأكدلهم إنك إنتِ اللي جننتيني فـ حبك ..... إديني فرصة ، أنا هنا فـ القاهره بقالي خمس أيام ، نفسي أشوفِك ...اعتبريه لقاء عمل .... أنا عايز أشارك شركتك ... إيه رأيك ..؟! .... وافقي و ارحمي قلبي المجروح من يوم ما بعدتي عنه .... إيه رأيك نتقابل النهارده فـ المكان اللي يعجبك ، نتكلم ... ولو كلامي معجبكيش ، أوعدك إني هبعد ... بس هرجعلك من تاني .... لحد آخر يوم فـ عمري ، هفضل مستنيكي ... تملكت الدهشة من قلب أهداب ، تسأل نفسها عن سبب رغبة صداح فى الفوز بها ، رغم وجود الملايين من الاختيارات ، فـفي النهاية هو الرجل الذى يمتلك كافة المقومات ، و المؤهلات التى تجعله فارس الأحلام بلا منازع ... لتجد لسانها  الثائر يجيب : _ أشوفك كمان ساعه فـ كازينو النهر ... تهللت أسارير صداح ، ليركض إلى كازينو النهر ينتظرها قبل الموعد بساعة كامله انصرفت أهداب من الشركة ، مُتعلله بموعد عمل هام ، لتذهب إلى الكازينو ، وحين لمحت صداح من بعيد يجلس على إحدى الطاولات ، ارتجف قلبها من مكمنه ولكنها إدعت البرود ، و اللامبالاة ، لتجلس دون أن تبادله التحيه ، هاتفه بلهجة حانقة : — خير...  كنت عايزني فـ إيه ؟! ابتسم صداح ابتسامته الجذابه التى قهرت جدران قلبها ، ليهمس : — طيب... مش ترتاحي خمس دقائق من المشوار على الأقل . ابتسمت أهداب بسخرية هاتفه : _ ليه ...؟! ... حد قالك إني جاية من الشركة لهنا على رجلي .... ياريت تنجز ، و تقول كنت عايزني في إيه ... أنا ورايا مواعيد مهمه .. اتسعت ابتسامة صداح هائمًا : — برضه ..بعشقك ... ومهما تقولي....  عارف إنه من ورا قلبك .. حاولت أهداب التمرد ، لترحل من أمامه ، إلا أن ذاك العاشق المتيم لم يدع لها فرصة الهرب ، ليمسك أناملها فى هيام قائلا : — متحاوليش تهربي مني ، لأنى مش هسيبك ، ولا هضيعك من إيدي ... حتى لو اضطريت أتجوزك غصب ... أنا بعشقك ،و عارف إنك بتحبيني ... بطلي مكابرة .. و اسمعينى .... أو .... إسمعيه هو ..... و التفت إلى مدحت الذى انضم إليهم ، بحنان أبوي جارف ، ليهمس : — بقيتي نسخة من والدِتك ...  طول عمرك بتشبهيها ، و طول عمري بفتخر بيكي ... اسمعيني يا بنت عمري ، و إحكمي على أبوكي ولو بالاعدام ....أنا راضي .. المهم تسمعي ... و سرد على مسامعها ما حدث بماضٍ تجاوز العشرون عاما ، ليئن قلبها ، هامسه فى تيه : — بس ماما مش هتقدر تسامحك ... مهما كان اللي حصل ، فـ ده ميمحيش الحقيقه .. إنك اتخليت عننا .... أردف مدحت فى وجع : — سامحيني يا بنتي ... غصب عني .... كل يوم عدى عليا بعيد عنكم ، و أنا بموووت ألف مره ... كنت بكدب على نفسي و أقول نسيت ...لكن الماضي عمره ما يتنسى ... أنا مش عايزك تشغلي بالك باللي بيني و بين والدتك ... كل اللي يهمني دلوقتي إنك تصدقي صداح ... ابني بيحبك فعلا ، و كل أمنيته يتجوزك ..  وأنا مش هآمن عليكي إلا معاه . تخضبت وجنتي أهداب من فرط الخجل ، لتهمس : — المهم دلوقتي هي ماما ... عمرها ما هتوافق ترجع لك ، و لا هتوافق على جوازي منه ... إلتقط مدحت أنامل ابنته ، ليُقبلها فى شغف قائلا : — ركزي إنت ف شغلك ، و في العاشق الولهان ده .... وأنا هحاول مع أخوكي ، و بعدين خالك ....و أمك نخليها للآخر ... أنا عارف إنها هتتعبني .. بس أنا راضي مهما تعمل ، و مهما تقول ... وانتهى اللقاء بسعادة نبتت بعد  أن جدبت أرضها ، لتعود أهداب إلى الشركة دون أن ينتبه إليها شقيقها أو خالها فريد ... وما حدث مع أهداب من لقاء بوالدها تكرر مع شقيقها عماد الذى قرر والده مدحت لقاءه بشكل مفاجىء ، بعد علمه من أحد الأطراف ذهابه إلى أحد البنوك لطلب بعض التسهيلات البنكية .... تواصل صداح مع مدير البنك ليجعل ذاك اللقاء متعدد الأطراف ، ورغم حنق عماد فى البدايه و غضبه ،الا أنه استمع بلسان المنطق ، ليتشعب بداخله جذور الشوق لوالده الحبيب .. لم يتبقى أمام مدحت سوى فريد ، الذى قرر الحاج زكريا التفاهم معه ، ربما يمنعه الخجل من إهانة رجل بمثل عمره و هيبته . و قد كان اللقاء عاصفًا برياح البغض ، التى تحملها الحاج زكريا من أجل ابنه مدحت و حفيده صداح ... فأولئك لا يزالوا من بين أفراد أسرته ، و لن يكف أو يتعب فى المحاوله لاستعادتهم تحت جناحه الرحب .. وبعد ساعتين أفاض فيهما زكريا بما عاناه من أوجاع خسارة ابنه الوحيد كاشف، و تضحية مدحت من أجل الجميع ، و عشقه الجارف لزوجته فريدة و أبناءها ... ليتذكر فريد والدته ، وما تحملته فى سبيل تربيته ، و خسارته لشقيقه الذى مر على غيابه تسعة عشر عاما كامله دون معلومة تريح قلبه .... لذا قرر لقاء مدحت ، و تبادل أطراف الحديث معه ... خمسة عشر يوما شهدوا الكثير ، ليتم اللقاء الحساس بين فريد و مدحت ، صرح خلاله مدحت عن عشقه لزوجته فريدة ، و عن ندمه لما فعل ، و عن نيته فى التنازل عن حياته إن اقتضى الأمر ، علَّها تغفر له ... ليتصافح كلاهما ، و يتفقوا على إصلاح أخطاء الماضي ، و عودة الطائر المغرد إلى عشه .. و فى حفل ميلاد مدحت الصغير ، حفيد فريدة ... قرر مدحت حضور الحفل الذى حرصت فريدة على إقامته فى الفيلا ؛ ليقتصر على الأسرة فقط ، بعد الاتفاق مع كل من فريد ، و عماد و أهداب سرًا اجتمع الجميع حول الطاوله المستديرة ، و أنوار الشموع تحيي الصغير فى وداعة ، ثم تغنوا جميعا أنشودة الميلاد المعتادة ، لتنطفىء الأنوار على غير العادة فى مشهد خطف القلوب ، وما إن عادت الأضواء ثانيه .... انتفض الجميع بشهقه مزيفه ، يتساءلون فى قلق : — إلحق يا عماد ...مامي راحت فين .... ؟! ... إنتِ فين يا مامي ...؟! فى حين وُضِعت لاصقة على شفتي فريدة، تمنعها من الصراخ ، و أخرى على عينيها ؛ بعد أن اختطفها أحدهم من الحفل ، ليدفعها إلى السيارة فى رفق ، التى انطلقت فى سرعة إلى وجهتها المجهوله حاولت فريدة الفكاك من قبضة الخاطف إلا أنه كان سيد الموقف ، لتقف السياره بعد ما يقارب الساعه ، ترجل بعدها الخاطف حاملا فريدة على ذراعيه فى قوه ، دالفًًا إلى الداخل . لم تكن فريدة على وعيها التام ، بعد محاولات الهروب التى أرهقتها ، لتلاحظ جلوسها على أحد الأسرة المخملية الناعمه اقترب منها الخاطف ، ليخفف رباط عينيها قائلا بصوته الشجي الحار : — تعبتيني معاكي ... كنتي الصدر الحنين اللي بحس جواه بالأمان .... و دلوقتي بقيتي حيرتي ، و وجعي ... آن الأوان ترجعي لقلب حبيبك ، اللي لا يمكن يتحمل بعدك عنه لحظه أكثر من كده. ارتعش ثغر فريدة حين وجدت مدحت ، زوجها العاشق بملامحه الوسيم التى لم تقدر على تخطيها السنون ، لتتلعثم هامسة : — مدحت ... إنت أكيد إتجننت ... إزاي تعمل كده ... فاكر إنك لما تخطفني ، هرجعلك ....لا ...انســ ..... لم تستكمل فريدة حديثها ، فقد تاهت الكلمات فى بحور عشقها الجارف ، ليسطر على شفتيها موجات من القبلات الهادرة فى سخاء ... لا يكتفي ... لا يشبع .... لا يترك لها فرصة الحديث أو الرفض ... و ها هي التى أقسمت ألا تدع لوجوده بقلبها من عودة ، ترضخ لنداء احتياجها له ، ليعلو صوت الحب فوق همهمات الرفض ... ساعات من ينابيع الشهد الساخنة اقتضت على العاشقين ، لتريح فريدة رأسها على صدره الذى اكتفى بجسدها كساء يستره ، ثم همس مدحت بجانب شفتيها : — سامحيني يا عمري .... أنا عارف إني غلطت ، و اتعذبت سنين فـ بعدك ...  أنا بعشقك يا فريدة .... ولا يمكن هقدر أبعد عنك .. إنت النفس اللي أنا كملت بيه ، و عايش بيه و علشانه .. ارجعيلي بقلبك ، زي ما رجعتي بجسدك . رفعت فريدة رأسها لتواجه مدحت متسائله : — أنا مرضيتش أتجوز ، لكن إنت اتجوزت ، و خلفت ، عايزني أرجعلك بعد ما إنت اللي خونتني .. أنا عارفه إني ضعفت دلوقتي ، لكن دي هتكون أول  و آخــ ..... قاطع حديثها  فى رجاء و تعاطف : — أنا اتجوزت حميدة بطلب من الحاج زكريا ، محبيتش أكسره ... منكرش إني حبيتها و خلفت منها ... لكن إنت غير يا فريدة .. إنت حبيبتي الأولى والأخيرة .. مشاعري ليكي مختلفه ، و عشقي ليكي جنون ...أنا أقدر أبعد عن حميدة، لكن مقدرش أبعد عنِك ولا أتحمل غيابك عنى .. كفايه ٢٠ سنه بِعاد .. عشان خاطري و خاطر الولاد .. أنا مطلقتكيش.. صداح بيعشق أهداب .. خلينا نفرح بيهم ، و بعدها أخدك على استراليا نقضى شهر عسل من أول وجديد . أصابها الضيق من فكرة زواجه من أخرى ، و وجود أبناء مشتركين لتهتف فى حنق: — ولما ترجع هتتعامل معايا بجدول مش كده ..؟! و تقولي إنت أسبوع ، و ضرتك أسبوع ... صح ؟! حلق من فرط سعادته حدود السماء ، لما شعر به من غيرتها العاشقه له ، ثم قال : _ أم صداح أخدت حقك سنين طويله ، ودلوقتي آن الأوان إني أرجعلك حقوقك كلها .... هنسافر شهر عسل جديد، و هرجع أنا وإنت على بيتنا .... لغايت عيد جوازنا ...  حقك فيا مفيش فيه فصال ... خمس شهور أنا وإنت وبس ... وبعدها عدل ربنا هيحكم بينكم ... أنا مش هقدر أتخلى عنها عشان بناتي ، وكمان هي ملهاش ذنب .. لكن إنت اللي فـ القلب يا حبيبة القلب ... سطر الغرام ألحانه للمرة التى لا عد لها ، ليبتعد مدحت بعض الانشات حتى تزفر أنفاسها المتقاطعه من هول النشوة ، ثم همس : — عايزين نحدد ميعاد جواز العريس وعروسته ... الواد جاب آخره ... أنا خايف يفقد السيطره ، و يقلد أبوه ، ما هو العشق فاض بيه ... قولتي إيه ؟!. أجابت فريدة ببعض التملص : — أسأل أهداب الأول صدحت ضحكة مدحت الصاخبة : — أهداب موافقه ...و هتموت عليه كمان ... دي بنتي و عشقها باين فـ عينيها ، زي أمها اللي مجنناني بجمالها ده ... إنت إيه ... جمالك ده ملوش حل .... تعالي .... و هنا سكنت الألسنه ، ليفيض الهيام بمكنون طال انتظاره .. اجتمعت الأسرتين فى فيلا فريدة ، ليحددا موعد زفاف العروسين ،  الذى مزق روابط أشجان الماضي ، و جمع بالموده و العشق سلسال صلب الحلقات رفع راية السلام على ربوع آل الصواف ، و آل الحمزاوي ... و قد اتفقوا على اقتسام حياتهما الزوجيه ما بين الصعيد والقاهره و استراليا تم الإعلان المرئي والمسموع عن حفل زفاف رجل الأعمال الشهير صداح الوليد على كريمة رجل الأعمال مدحت الصواف ... الذى فضل الإبقاء على هويته الأخرى كاشف الحمزاوي تجنبًا لمتاهات إعادة القيد المدني من جديد داخل شركة Falcon Group  ... جلس لؤي على كرسيه ، زافرًا أنفاسه الحارة فى غيظ ، يُقسم بداخله ألا يدع الفرح يدق أبواب صديقه صداح ، بعد أن رفضته أهداب ، لتقرر استكمال حياتها مع من هو أفضل منه .. ليصرخ بجنون : — بقى كده يا أهداب ...بتفضليه عليا ....ترفضيني أنا عشانه ... ده أنا اتغيرت علشانك ... قفلت كل الصفحات ، و قررت أبدأ معاكي من جديد ، تقومي تخدعيني ، و تختاريه هو .. كل ده عشان الفلوس ... طب ما أنا معايا اللي يكفينا و يفيض ... ومش هحرمك من حاجه ... تدوسي على قلبي بعد اللي قولتهولك ، و توهميني إنك مبتفكريش ف الجواز ، و إنت هربتي معاه ... عموما مصر مش بعيد .... والبلد اللي عمري ما روحتها ، هسافر لها مخصوص ، و الجوازه دي بشرفي لا يمكن تتم ، لو بموته و موتك يا أهداب.... و اتجه إلى خزينة مكتبه ، ليخرج جواز السفر ، ثم حجز أول رحلة طيران قادمه إلى مصر عاد إلى منزله الأنيق ، ليصعد الدرج فى سرعة ، ثم قام بتجهيز حقيبة سفره ، ليدلف إلى الغرفة خاله رأفت قائلا فى دهشه : — إنت بتجهز شنطتك ليه يا لؤي ...؟! .. إنت مسافر ولا إيه ...؟! أجاب لؤي دون أن يلتفت إليه : — أيوه مسافر هولندا ... عندى عقود مع شركات هناك ولازم أراجعها بنفسي . تساءل رأفت فى قلق نهش بقلبه ، من ملامح لؤي الغاضبه : — و ليه صداح ميسافرش بنفسه ... إنت كنت لسه فـ ايطاليا من شهر ونص .... وأنا مبلحقش أشبع منك يا حبيبى . حين سمع لؤي اسم صداح تغلب الغل عليه ، ليظهر جليا على ملامحه ثم هتف بنبرة مرتفعه : _ بلا صداح بلا زفت ..  أنا لو اعتمدت عليه ، هنروح فـ داهيه ...الشركة هتغرق بسببه ، وأنا ليا أسهم فيها ، و دي ملايين زي ما حضرتك عارف ... عشان كده هسافر أصلح بلاويه.    حلت الدهشه ملامح رأفت ليقول : — و من إمتى صداح  غرق الشركة .. اللي أعرفه إنه شاب ذكي جدا ، و متألق فى مجال الأعمال ، و رغم سنه الصغير إلا أنه فى فتره قليله بقى من أكبر رجال الأعمال المخضرمين فى أوروبا ... صرخ لؤي فى وجه خاله قائلا : _ ما خلاص يا خالي ... هو صداح اللي يقربلك ولا أنا ..؟! ... بكره تشوف بلاويه بنفسك ، لما أسحب الأسهم بتاعتي و أسيب له الشركه ... أنا مضطر أمشى عشان الطياره ... أشوف وشك بخير ... تساءل رأفت بقلب ملتاع ، بعد أن ضمه لؤي إلى صدره للمرة الأخيرة ، وانطلق إلى الخارج كما لو كان فى سباق مع الزمن : — هترجع إمتى يا بني ؟! — بعد أسبوع .... و رحل إلى المطار و منه إلى مصر . دب القلق فى قلب رأفت ، ليُجري اتصالا هاتفيا بالشركة للسؤال عن وجهة سفر لؤي ،فى حين أجابت سكرتيرته الخاصه : — السيد لؤي فى الطريق إلى مصر ... ليحل محله السيد نائب المدير المنتدب ... لا أعلم سيدي ... السيد صداح رئيس مجلس الإدارة أيضا فى عطله مفتوحة إلى مصر .... يمكنني الاتصال بمطار سيدني ، و البحث فى مواعيد الرحلات ....حسنا ... حظا موفقا ... إلى اللقاء تأكدت نوازع القلق بداخل رأفت ، ليخشى حدوث أي مكروه لابنه لؤي ، الذى ضحى من أجله بالكثير ، فقط ليكتفي به .... ظل رأفت على حيرته ، ماذا عليه أن يفعل ، ليقرر التواصل مع صداح ... الذى كان فى خضم انشغاله بالتجهيز لحفل الزفاف . لذا فقد باءت تلك المحاولات بفشل ذريع ، على إثره إتخذ رأفت قراره الذى ينطوي على شىء من الخطورة ، ألا وهو العودة إلى مصر ، و اللحاق بـ لؤي قبل فوات الأوان ... رحلة غير  مأمونة العواقب ، ولكن لابد منها ... عليه أن يعود إلى أرضه التي تركها فى الماضي هاربًا من ابن شقيقته الكبرى " فريد " متسائلا بارتياب : — أيحالفه الحظ باللحاق بـلؤي قبل الأوان ، ثم العوده لكليهما دون مصادفة فريد ؟! أعلنت  انطلاق الطائرة ، ليلحق رأفت بالركاب ، ثم جلس فى كرسيه ، و شرد فى همومه هامسا : — يا ترى الحظ هيحالفني المرة دي كمان و زي ما خرجت من مصر المرة الأولى ، هخرج منها للمرة الثانيه من غير ما حد ينتبه .... من غير ما تاخد بالك يا فريد .... آآه فريد . . وحشتني أوى يا بني... ياما نفسي أخدك فـ حضني ، ياترى أخبارك إيه ...؟! .. و اتجوزت ولا نسيت نفسك ...؟! ..... سامحني يا فريد .... كان لازم أكون أناني ..... لؤي من حقي ، وأنا أبوه ...." ..... و انطلقت ذكريات الماضي تطرق عقله بلا هوادة ... وصل لؤي أرض الوطن ، ليستقل أحد سيارات الأجرة ، متجهًا إلى محافظة سوهاج _ أرض الصعيد الشامخ - وبعد رحلة مرهقه لساعات طويله ، اتجه إلى بيت الحاج زكريا ، متصنعًا الفرحة والود ، يخفي بداخله كراهيه لا حد لها ، ثم طرق الباب . ركضت دلال ، شقيقة صداح الصغرى الدرج فى مرح ، وسعادة مغلفه بفرحة زيجة أخيها المرتقبه ، لتستمتع إلى تلك الطرقات القويه على باب المنزل الكبير ، لتهتف فى حيرة : — مين اللي جفل الباب إكده ...داي أول مره بيت الحاچ زكريا ينجفل ، وكمان فـ مناسبة حلوه كيف داي ... أما أروح أفتح ،جبل ما اللي عيخبط يكسره فوجنا ... اقتربت من الباب الذى كاد أن ينخلع من شدة الضربات ، لتهتف بنبرة طفولية غاضبه : — چرى إيه يا جدع إنت ... مالك عتخبط كيف الطو..... إنت مين يا باشا ... !! فغر ثغر دلال ، فتاة الصعيد صاحبة البشرة السمراء المحببه للقلوب ، و الشعر الأسمر الناعم المنسدل فى عشوائيه ، و العيون التى زينتها بالكحل العربي لتنافس لون مقلتيها السوداوين ، التى انبهرت بوسامة لؤي وملامحه الغربيه قائله فى انجذاب : — هي العيون داي بتوعك ..؟! أجاب لؤي فى سخريه : — لأ ... مستِلفهم من واحد صاحبي .... قوليلي ... صداح موجود ؟! لم تنتبه دلال لنبراته الساخره ، لتجيب بنفس حالتها الهائمه : _ صداح سافر عـ البندر .. عيجهز لفرحه ، عقبال عندك ... إنت متچوز ولا لأه ؟! أجاب لؤي فى غضب : — و إنت مالك ... هتفتحي معايا تحقيق ... صداح فين فى القاهره ...  قاعد فى أي فندق ؟! أجابت الفتاة بابتسامة بلهاء : — لأه ... هو مش هيجعد فـ فندق ... هو جاعد عند نسايبه فى الفيلا حداهم ... تساءل لؤي بسرعه قبل أن يشتاط غضبا : — العنوان ... تعرفيه ...؟! — إيوه .... فى المهندسين ...شارع الأمراء .... فيلا ١٤ .. مجولتليش هو إنت هتاچي تاني يا چميل ...؟! إلا أن صداح دلف إلى السيارة دون إجابة ، ورحل ثانيه ، ليسطر الرحله الثالثه منذ رحيله بمطار سيدني ... وصل لؤي إلى الفيلا المقصودة ، ليلمح صداح مصطحبًا أهداب بسيارته ، و سعادتهم تعطي إشارات القبول على الوجوه . لتنخر صدره وخزات الغيرة ، و يصمم على قتلهما  معا قبل إتمام الزيجة ... استطاع بطريقته الخاصة الحصول على دعوة الزفاف ، التي تزينت بإسمي العروسين ، و موعد الحفل فى مساء الغد . ذهب لؤي إلى أحد الفنادق القريبه ، وصعد إلى غرفته التى تم حجزها لليلتين ، فى حين استرجع خطته بخطف أهداب إن تسنت له الظروف بدلا من قتلها ، لينالها دون زواج ... وهكذا يكون الانتقام الحق الذى يشفي قلبه و جراحه.... فى اليوم التالى تجهيزات الفيلا بزينات الحفل الراقيه ، التى أتمهتها أفخم شركات تجهيز الحفلات ، فى حين كان صداح يرتدي سترة حلة الزفاف ، يشعر من شدة فرحته بسعادة فاقت الوصف. فى حين اصطفت حجرة العروس بالفتيات الفاتنات اللاتي ظللن يتغنين ، و يتراقصن فى رشاقة ، تعبر عن حبور تجاوز الأفق . لتطغى أهداب برشاقتها و جاذبيتها الأخاذة على كافة النساء ، حين توقفت أمام المرآة تتأمل اكتمال زينتها ، و ثوب زفافها الباريسي الذى أحضره إليها والدها بعد اختيار دقيق كانت تتهادى كما أميرات الأساطير ، غير أنها بدنيا الواقع الملموس ... هى قبس النور الذى أشرق ظلمات الليل ، لتجعل من ليلتها تاريخ لا يُنسى ... اقترب والدها يحتويها بين ذراعيه ، مهنئًا إياها فى حبور ، ليتشبع منها قبل سطوع شمس زوجته التى لا زالت بغرفتها مختبئة عن العيون — مبــــارك يا بنتي .... ألف ألف مبارك ... اللهم صل عـ النبي ... قمر ... والله أنا مش هاين عليا أفرط فيكي ، و أسلمك للواد ده ... بقولك إيه ، ما تيجي نرجع فـ كلامنا ... و نستنى شويه .. إنت لسه صغيرة ، و أنا لسه مشبعتش من بنتي ... أجابت أهداب بشقاوتها المعتادة : — و هو حضرتك فاضيلي يا بابي... دي مامي واكله عقلك خالص ... ده أنا حتى متأكده إنك بتفكر فيها دلوقتي ، ومش معايا أصلا ... اتسعت ابتسامة مدحت قائلا بحب : — هي فعلا وحشتني أوي .. بقالها ساعه مطلعه عيني ..ولا راضيه تطلع من أوضتها ، ولا راضيه إني أدخلها ... مع إنى قولت لها إني هكون مؤدب ، ومش هعمل حاجات ... كتير يعني ... انتبهت أهداب على شرارات الغيرة التى سيطرت على ملامح حميدة _ زوجة أبيها _ لتُنبه والدها هامسه : — طيب خلي بالك يا بابي ... إنت بقيت دلوقتي جوز الاثنين ... الطرف الثالث بيغلي من الغيره ... نظر مدحت إلى حميده ملقيا لها بقبلة فى الهواء ، احتوتها حميدة بين كفيها ، ليحدث ابنته : _ أبوكي زي الجوكر يعرف إمتي يلعب ، و إمتى ينسحب .. متشغليش بالك ... بقولك يا بنتي ... إنت خلاص بقيتي فـ ذمة رجل ... أروح أنا بقى للي على ذمتي ، و مدوخاني دي ... و قبل أن يمسك مقبض الباب ، أشرقت فريدة ، بسحر لم يطأ إمرأة من قبل ، بحضورها الطاغي الذى لا يقدر على مقاومته بشر .... فسبحان من أبدع هذا الجمال ، و جعل القلوب تسبح فى بحار عينيها ، و تغرق فى محيطهما .... و دون أن يعطي مدحت الاهتمام لمن حوله ، حملها بين ذراعيه فى عشق ، يدور بها فى حلقات ، ليست مُفرغة ، بل شاغرة بمشاعر متقدة .. أقبل صداح على عروسه ، التى رافقها والدها ليزفها إليه فى فخر ، و كبرياء لتنطلق تصفيقات الجميع ، وسط مشاعر الامتنان من الحاج زكريا و زوجته الحاجه أنهار تشابكت أنامل العاشقين ، و العيون اختصرت المسافات ، لتتحرر من محجريهما، و تعانق روحهما فى سخاء ثم دلفا إلى مجلسهما ببهو الفيلا المخصص برقي لهما ، لتتهادى نغمات ناعمة ، تبشر بدعوة الرقصة الأولى .... تلقى صداح التى تألق بجاذبيه غير مسبوقة ، أنامل حبيبته ، ليضمها إلى صدره ، ويلتحما فى مشهد راقص أقسم  كل من تابعه ، أنهما جسدًا واحدًا ، و ليسا جسدين. فى تلك الأثناء ... هبط لؤي الدرج ، بعد أن أتم التأكد من وجود مسدسه الذى ملأه بالذخيرة ، مقررا الخلاص من كليهما ، إن لم تسمح له الظروف باختطافها دون خسارة و أثناء سيره ، كان رأفت فى طريقه إلى بيت فريد ، ليستعين به فى البحث عن شقيقه .. وليكن ما يكون أجواء الحفل الرائعه ... و العروسين المتألقين ... و فرحة جميع الحاضرين .... و هالة الضوء التى توجت الفيلا ... كانت كلها فى مخيلة لؤي ولكن الفارق الوحيد ، هو العريس. لم يكن ليرى صداح فى مخيلته ، ولكنه يجد نفسه الراسخ بجداره جوار عروسه الفاتنه أهداب وصل لؤي إلى الفيلا ، مقدمًا إلى أفراد الأمن دعوة الحفل ، ليدلف إلى الداخل ... ووسط موجات السعادة التى تملكت كل الحاضرين ، تعمقت صفعات الخيبة داخل لؤي ... ليقترب ... و يقترب.... و يقترب و حين صعُب عليه امكانيه اختطافها ، أخرج السلاح من جيب بنطاله ، ليهتف : — صـــداح .... التفت الجميع إليه فى خوف ، فى حين حاول رجال عائلة الحمزاوي الهجوم على لؤي ، لتكن لهم الغلبه ، ولكن صداح نهاهم عن ذلك ، فـفي النهاية ... يظل لؤي صديقه الحميمي القديم ثم هتف : — محدش يضرب نار ... ده لؤي صاحبي ... تلاقيه عامل مقلب مضحك زي عوايده . صرخ لؤي : — طول عمرك نبيه ... هو معلش مقلب بس مش مضحك ... يعني هيكون فيه دم كتير ..  أنا مش فارق معايا حاجه .... سنين طويله وأنا حاسس بالوحده ، ولما شوفت اللي تملأ حياتي ... تخطفها مني ... و اللي يوجع إنها اختارتك إنت ... ...... ثم نظر إليها بعيون ذابلة مليئة بدموع الوجع والعتاب : — اخترتيه ليه ... ؟! ... أحسن مني فـ إيه ...؟! ... هو أنا وِحش للدرجة دي ... مش مالي عينك ، عشان تفضليه عليا ...  طب إيه رأيك ... يا نعيش أنا وإنت سوا ... يا نموت سوا برضه ... و العريس بتاعك معانا ...  و تبقى ليلة شهداء الغرام ... سحب لؤي زناد مسدسه ، ليقترب منه صداح فى حزن : — متزعلش مني يا صاحبي ... غصب عني حبيتها ... أنا قابلتها قبل منك ... و قولت لك خلى بالك منها .... كنت إطلب عمري ، فداك .... لكن أهداب ...لأ ... مش هقدر أضحي بيها ... لو عايز تقتلني..براحتك ...  لكن مراتي لأ .... مش هسمح بكده ... يا صديق عمري و أخويا و سندِي و شريكي .... اقترب "فريد" من "لؤي" ، ليخطط لـتطويقه من الخلف ، قبل إتيانه على أي عمل جنوني ... لتسعفه الظروف ، ويسقط المسدس من بين أنامله ، ثم سدد له لكمة كالقنبله ، ارتج  لها عقل لؤي ورغم أوجاعه.. أبى أن يرضخ فى البدايه ، وحين أراد لوي تبادل التسديد .... تسمر فريد يتأمل ملامحه بوجه مكشوف  ، ليجدها لؤي فرصة سانحة للقضاء على فريد بلكمة أقوى من سابقتها .. وما إن فعل حتى صرخ رأفت : — لا يا بني .... إوعى تضيع نفسك .. إلا أن "لؤي"  كان قد فعل ، ليسقط "فريد" أرضا ، أنفه و شفتيه مضرجة بالدماء... كانت اللكمه قويه ، مع استسلام تام من" فريد" ... أحاط بعض رجال الصعيد بـ "لـؤي" ليتمكنوا من شل حركته ، فى حين ارتمت فريدة ، و عماد ، ومدحت ، و الباقي بجانب فريد ...الذى لم يفقد وعيه بعد صرخ رأفت فى خوف و جزع : — أنا كنت عارف إن فيه حاجه مش مظبوطه ... ليه تضيع نفسك ، و تأذى صاحبك .. صداح ميستحقش منك كده .... الجميع فى حيرة بين مشهدين ، إلا أن ذاك المُثجى على الأرض فى عالم آخر ، لينتبه إلى صوت "رأفت" ، هامسًا : — خالي التفتت "فريدة" إلى شقيقها ، تبكي بلا توقف قائله : — اتصل بالاسعاف يا "مدحت" ... يلا بسرعه إلا أن فريد أمسك بأناملها فى ثبات : — خالي يا "فريدة ... خالي رأفت....ساعديني أقوم ... استنكرت "فريدة "ما سمعت ، فقد ظنت أنه يهذى من شدة الاصابه ، ليطمئنها زوجها" مدحت" باقتراب وصول الإسعاف ... و لكن "فريد " و إلحاحه ، و إصراره على رؤية الرجل ...جعل مدحت يساعده على النهوض والتماسك ، ثم اقترب من الرجل ليضع ذراعه على كتفه هامسًا فى وجع: — خالي ... كنت فين ..و فين أخو..... و سقط فريد مغشيا عليه .... صفارات الإنذار المدوية لسيارة الاسعاف يسرت على الحاضرين الإسراع بفريد إلى المشفى للاطمئنان عليه ... لتتحول الفرحة فى لحظات إلى قلق و ترقب وحزن ... رافق عدد كبير من الحاضرين سيارة الإسعاف ، لينفض الجمع ، ويعتذر الحاضرين متمنيين الشفاء العاجل لفريد ، فى حين سحب صداح صديقه لؤي إلى داخل الفيلا ، صارخًا فى وجهه بلوم و عتاب : — إنت إتجننت ... إيه اللي إنت عملته ده ... عارف لو الأستاذ فريد حصله حاجه ، أنا هقطع علاقتي بيك للأبد ، ومش بس كده .... هفصِل الأسهم بتاعتك كمان ... خلاص ضاقت بيك الدنيا ، مش لاقي غير مراتي تطمع فيها .... أنا لولا الظروف ، و قلقي على خال مراتي ، كنت حاسبتك حساب الملكين ، لكن معلش ... إنت هتفضل تحت ايدي ، لغايت ما أفضالك ...." و أغلق باب المكتب فى إتقان ، ثم رحل إلى المشفى. ظل" لــؤي "يجوب المكتب روحة وإيابا ، يحاول سبر تلافيف عقله ، و البحث وراء ذكرياته ، ليصل إلى إجابة سؤاله : — أين رأى خال العروس ، ومتى ، وما هو الرابط الذى شعر به للحظات قبل أن يفقد صوابه ويسدد له اللكمات ؟! بل السؤال الأصوب لم تغيرت ملامح خاله رأفت حين تفاجأ به ؟! رافقت أهداب خالها المسكين إلى المشفى بثوب الزفاف ، ناهيك عن عبراتها التى انحدرت على وجنتيها لتبلل مقدمة عنقها فى مشهد يحار فيه المتأمل من سحرها والشجن . و فى المشفى ، تجمع الأطباء حول فريد ، بإدخاله إلى غرفة الفحص . و بعد دقائق معدودة .. خرج الطبيب قائلا : — واضح إن المريض غالي عليكم أوى .. اطمئنوا كده .. مفيش أي خطر ... بعض الرضوض و الكدمات تحتاج أسبوع بالكتير و تختفي ... لكن اللي قالقني هو الضغط ... هو المريض بيشتكي من ضغطه المنخفض ، لأن معدله مش طبيعي ... ولا هو بيمر بظروف حادة سببت العارض ده ؟! أجاب مدحت فى أسف : — والله يا دكتور هو اتعرض لمفاجأة صعبه ، و موقف مش سهل أبدًا ... و يجوز يكون ده السبب لأن فريد مكنش بيشتكي من حاجه إلا إرهاق الشغل المعتاد أومأ الطبيب علامة التفهم ثم أردف : — مفهوم طبعا ...  إن شاء الله يقوم بالسلامة .. هو حاليًا نايم ، و بياخد جهاز يرفع الضغط شوية ... ومجرد ما نطمن عليه ... يقدر يخرج بالسلامة ...عن اذنكم. دلف رأفت ، عماد و شقيقته سيئة الطالع أهداب التى كُتب عليها قضاء ليلتها الأولى بالمشفى بدلاً من أحضان زوجها بعشهم الدافىء ، لتتبعهم فريدة وزوجها و زوجة فريد و أبناءه . بينما انتظر الحاج زكريا مع إخوته بالخارج احترامًا لراحة المريض. دموعهم الحارة نسجت ملحمة من المشاعر التى رتلت العلاقة القويه بينهم ، ليدعو الجميع له بالشفاء العاجل ثم إلتفت مدحت إلى ابنته و زوجها قائلا فى جدية : — يلا يا صداح .... لغايت كده وكفايه ... يلا أوصلك إنت و عروستك .... مينفعش تقضي يوم فرحك فى المستشفى... ده فـال وحش يا ابني .. أطرق صداح وجهه للأسفل فى أسف ، ليحتوي زوجته الباكيه هامسًا : — يلا يا حبيبى .... مينفعش تفضلي هنا بفستان الفرح ، أنا وافقت إنك تيجي معانا ، رغم إني مش مقتنع بالخطوه دي ... بس مقدرتش أمنعك خصوصا إن الأستاذ فريد غالي عليا جدًا ... و باذن الله يقوم بالسلامة ... اعترضت أهداب فى بادىء الأمر ، إلا أنها رضخت فيما بعد نظرًا لشعور الانـهاك الذى تملكها ، ليصطحبهم والدها إلى فيلتهم الخاصة . قضي الجميع ليلتهم فى المشفى ، بعضهم بجوار فريد ، و الآخرين بالاستراحة . عاد مدحت بعد عودته من الفيلا ، ليجد رأفت جالسًا على إحدى المقاعد المقابلة لغرفة فريد ، مطأطىء الرأس ...جفت دموعه من كثرة البكاء ... نظر إليه مدحت فى حيرة حول هوية ذاك الشخص ، ليقترب منه فى هدوء : — اهدى ... فريد بخير ، و بإذن الله هيقوم بالسلامة .. لكن ... أقدر أعرف إنت مين ...؟! .. و ليه زعلان أوى كده على فريد ...؟! ... هو إنت تعرفه....؟! زفرة حارة ، وتنهيدة حملت أطنان من الهموم صدرت من رأفت ، لينظر إلى مدحت فى إمعان ، ثم تفوه بما سبب الحيرة فى نفس مدحت : — أنا هاجى أشوفه بكره ....ربنا ياخد من عمري ، ويعطيه ... عن إذنك .... و رحل فى صمت دلف صداح إلى داخل الفيلا ، ثم أغلق بابها فى اهتمام ، ليعود إلى زوجته تاركًا خلفه كل ما يقلقه... لتعود البسمة إلى شفتيه ، ونظرات العشق والوله ... ثم حملها بين ذراعيه فى حب ، راكضًا درجات السلم فى لهفة عاشق هامسًا أمام شفتيها : — أخيرًا بقيتي مراتي ... و دخلتي عرين الأسد .... استعدي بقى للإفتراس يا وليفتي ... ليلة من المشاعر المتقدة ، و فاكهة حان موعد اقتطافها ليبدأ العروسان باستقبال ليلتهم بركعتي الزواج ، ثم الدعاء ..... إلى افتراش الفراش .... و قد انتهز صداح الفرصة ليغتال خجل أهداب بكرم مشاعره ، و شُعلة أحاسيسه حتى غمرها حد الغرق .. يتفهم خوفها الذى تسلل برجفة أوصالها ، و رعشة كادت تسيطر عليها ، إلا أن أنوثتها الطاغيه ، كانت سر الأسرار ، و هو خير من يكتشف الكنوز... جوهرته الغالية التى يعلو بريقها كل لحظه ، وما إن سطر نقوش ملكيته لها ، لم يتمكن من الاكتفاء أو التراجع ... يريد المزيد فـنهرها الشهي لا نهاية له ... و لا بأس من جولات عاصفة حتى يتمكن التعب من أحدهما .... ها هي الآن بين يديه ، و آبار الحرمان ستفيض إلى قمتها .... بعد ما يقارب الساعتين ، لم تعد تشعر أهداب بحاضرها ، و إنما صارت مُحلِقة فى آفاق الصداح الذى تخلل إلى أعماقها فصارت به أيقونة العشق و نشوته ... ظل مدحت على حيرته ، و تساؤلاته حتى الصباح ...إلى أن أفاق فريد بعد زوال تأثير المهدىء ، ليتململ على فراشه ، هاتفا فى ضيق : — هو فين ..؟! ... راح فين ...؟! .... هرب تاني .... أنا لا يمكن أسيبه ... راجع تانى ليه ... جاي يخطف مين المرة دي ...؟!... بنت أختى ولا مين ...؟! أفاقت فريدة الناعمة بجوار زوجته ليحاولوا احتواء انفعاله ، إلى أن هتف مدحت : — إهدى يا فريد ... لو قصدك على الرجل الغريب اللي دخل يهدي الشاب المجنون ده ... فمتقلقش .. هو قال إنه جاي كمان شويه يطمن عليك ، وأنا بعت ناس وراه يعرف لي مين ده و إيه حكايته ....؟! إلا أن من دلف إلى الداخل ، قطع عليهم أطراف الحديث ، ليهتف فى ندم : — مفيش داعي لكل ده ... أنا بنفسي جاي ، ومستعد لأي عقاب منك يا فريد ... انتبهت فريدة ، لتعود بذاكرتها إلى الخلف ، لتتذكره بعد عناء ... إنه هو ... نعم ... هو .... — الأستاذ رأفت ... إنت كنت فين ؟!  ... و فين لؤي ؟! نهض فريد من الفراش يئن ، ليحاول مدحت إثناءه  عن سلوكه المتهور ، دون جدوى . ثم اقترب من خاله ، حتى توقف أمامه ، و بصق على وجهه صارخا : — أنا بكرهك ... حرمتني من أخويا عشرين سنه ، وراجع ليه ... أخويا جرى له حاجه صح ...!! ..   قول ... مات ؟! مسح رأفت البصاق عن وجهه فى احراج ، ليهتف بندم : _ لأ...  ألف بعد الشر عليه .... لؤي بخير ، وإنت شوفته .. كلكم شوفتوه .... ما هو ده الشاب اللي رفع السلاح على صداح ... رن الصمت على المكان بعد شعلة الحقيقة التى ألقاها فريد وسط الجميع ، لتكوي بنارها الجميع بلا هوادة جلس رأفت على إحدى الارائك فى إرهاق قائلا : — أنا هحكيلك كل حاجه .... ثم سرد على مسامعهم ما فعله منذ أن اختطف لؤي ، ورحل به .. والمبررات التى أخرس بها ضميره إلى نهاية المطاف ، ليُنهي حديثه : — و دلوقتي الأصحاب فى صراع علشان نفس البنت ... صداح بيحبها ، و لؤي برضه بيحبها ... هجم مدحت  على فى غضب ، ليجذبه  من ياقة قميصه فى خشونه صارخـا : — إنت بتقول إيه ... إنت مجنون.... أهداب بنتي دلوقتي متجوزه صداح ... و النهارده ليلة الصباحيه ... يا إما تفَـوَّق ابن أختك و تعقله يبعد عنهم ، يا إما  أقسم بالله ما هعمل حساب لحد ، حتى مراتي و فريد .... لؤي تربيتك يا رأفت ، و إنت المسئول .. طالب رأفت رؤية لؤي ، للحديث معه ، ليصمم فريد على الخروج من المشفى و رؤية أخيه الغائب الذى اشتاقه شوق الأب لوليده ... وبعد ما يقارب الساعه ، وصلوا إلى فيلا مدحت...فى ترقب و حنين ... دلف الجميع إلى الداخل ، ليوجه مدحت سؤاله حول مكان لؤي ..إلى أحد العاملين بالفيلا ، الذى صرح بـأسر صداح له فى المكتب منذ البارحه... فتح مدحت باب المكتب بمفتاحه ، ليترجلوا إلى الداخل ليجدوا لؤي نائمًـا على إحدى الارائك فى هدوء ملامحه الجذابه الملكيه أحيت بقلب فريد حنينه إليه ، لينحني إلى مستواه ، مُقبلاً رأسه فى شوق . أفاق لؤي لينظر إلى ملامح فريد هامسًا : — أنا شوفتك فين قبل كده ... من امبارح وأنا حاسس إني شوفتك .... إنت تعرفني ...صح !! ابتسم فريد بدموع القهر ، ناظرا إلى أخيه فى عتاب : — بقى كده يا لؤي ... تنساني ..... تنسى أخوك الكبير ... اللي حبك أكتر من روحه ... مش فاكر أخوك فريد يا لؤي ... مش فارق معاك ، لدرجة إنك تسيبني كل السنين دي ، و تسافر مع خالك ، و تهاجر ... مجاش عليك لحظه تفكر ترجع ... تقول أخويا وحشنى .. تسأل نفسك يا ترى فريد عامل إيه ..؟! .... حي ولا ميت !! صرخ لؤي محتويا أخاه داخل صدره القوي معنفا إياه : — لا .... إوعى تقولها ... ألف بعد الشر عنك ... سامحني ... أنا مليش ذنب .. خالي السبب ... هو خدني وقال إنك هتيجي تعيش معانا إنت وفريدة ... لكن إنت مجيتش ، وفضلت شهور أسأل ، وبعدين قاللي إنك رفضت تعيش معانا و إنك اتجوزت ، ومش عايزني فـ حياتك ... سامحني يا حبيبى عشان صدقته ... أنا من يومها مش طايق البلد دي ... و مرجعتش إلا المرة دي ، و لسبب ... مسح فريد على وجنتي لؤي آثار دموعه الحارة ... ليردف : — كبرت وبقيت شاب زي الورد ... بس أنا برضه أوسم منك ... عارف أهداب اللي بتحبها .. تبقى مين ؟! خفق قلب لؤي ليسأل : — مين ...؟!.... حد تعرفه ؟! أجابت فريدة بردها القاطع : — أهداب بنتي يا لؤي ... يعنى بنت أختك ... الحمد لله إن ربنا ستر ..... "و عسى أن تكرهوا شيئًا و هو خيرٌ لكم ، و عسى أن تحبوا شيئًا و هو شرٌ لكم " نزلت صاعقة الحقيقة على لؤي ليهتف فى صدمه : — يعنى أنا كنت بحب بنت أختى ...؟! ... أستغفر الله العظيم.... أستغفر الله العظيم.... ربـما ذلك المشهد أقوى من تسجيل سطوره ، لتمتزج المشاعر أسيرة القلوب ... بعد  مرور ثلاث شهور .. هدأت الأمور قليلا بين فريد و خاله رأفت الذى قرر العودة  إلى مصر ، بعد إنهاء كافة متعلقاته بالخارج ، و العوده ليشاطر أبناء شقيقته الراحله لحظاتهم السعيده ، ما تبقى من عمره ... فى حين عادت فريدة مع زوجها مدحت الذى وعدها بجوله فى أنحاء أوروبا ، لإحياء حبهما السابق ، اختتمتها بزيارة إلى ابنتها بفيلتهم بأستراليا ... استمر فريد فى إدارة الشركة إلى جانب عماد ...فى حين تصدرت أهداب منصبها الجديد فى شركة زوجها صداح بأستراليا .... لتعود إلى مصر مع زوجها و والديها لقضاء عُطلتهما بينهم  .... و فى إحدى ليالي شهر يناير البارده، جلس أفراد العائلتين حول المدفئة التى تشبه الطراز الانجليزي ببيت الحاج زكريا فى محافظة سوهاج الطريقه  ، يلتمسون بعض الدفء .. ليهتف عماد ، قاضمًا أحد البطاطا الساخنه : — إلا قوللي يا خالي ... هو إنت هتفضل كده عازب ..!! ... مش ناوي تتجوز ، ولا إيه ..؟؟.... أجاب لؤي بنظرة لا مبالية  : — آه إن شاء الله ... احتضن صداح زوجته بين ذراعيه فى تملك قائلاً : — واضح إن صاحبي لسه مش قادر يتخطى حبه القديم ... ما خلاص يا حبيبى .. أهي طلعت بنت أختك .... إنسى بقى .. التفت إليه لؤي فى سخط : — إخرس .... إنت بالذات مش طايقك... صدحت ضحكات الجميع ، إلا من أحدهما التى تكللت عيناها بالدموع ، دموع صامته تُخفى ولا تظهر ... ثم عاود صداح حديثه المشاكس قائلاً : — خلاص يا سيدي ولا تزعل ... مش أنا خطفت منك الريم الصغنن ده ... إيه رأيك فى الغزلان اللي عندها .. و التفت إلى شقيقته دلال مستكملاً : — حلوين برضه و أهو تبقى خدت حقك ... واحده بواحده ... ابتسم لؤي فى خبث : — وماله .... ده حتى الصنف الصعيدى ده لسه مجربتوش ....ثم سحب أهداب من بين ذراعيه ، وحملها إلى الأعلى هاتفًـا : — سيبني بقى أشبع من بنت أختي يا أخي ..... و حلال عليك أختك ... صدحت ضحكات أهداب بين ذراعيه هامسة : — بحبك يا خالو .... و زي ما وعدتك هسمي البيبي على إسمك .... متستغربش ... أنا حامل .... وإنت أول واحد يعرف يا حبيبى ... احتضنها لؤي فى حنان ، لتُغرِق دموعه وجنتيه .... لنطوي الأمس البعيد ....  وما بقى من الذكريات ... سوى .... أهداب و الماضي .... تمـت بحمـد اللـه.

تعليقات

المشاركات الشائعة