هاجس الروح (نوفيلا)

غلاف

📜 المقدمة 📜

الجريمة لا تموت تظلّ مستيقظة في قلب القاتل حتى وإن لم تنكشف تبقى عالقةً بين ضميرٍ قد مات بسبب توحّش القلب وبين روحٍ تَهيم حول جثّتها لا تهدأ حتى تكشف الحقيقة. تظلّ تتجوّل لتجد مخرجًا لها من هذا القبر، تبحث عن أقرب شخصٍ إليها وتبدأ بإرسال إشارات، ترسم خطوطًا، وتصدر أصواتًا، حتى تظهر الحقيقة التي دُفنت معها. فاحذر من الظلام ومن الأصوات التي تتناغم مع أصوات الطبيعة من حولك فقد تكون إشارةً تُخرج سرًّا دُفن أمام عينيك دون أن تراه.

📜 الفصل الأول 📜

أشرقت شمس الصباح لتخترق أشعتها نافذة هذا المنزل الضخم، إنه منزل عائلة الأكرم، لتداعب أهداب هذا الشاب النائم بهدوء في فراشه بعد سهرةٍ طويلةٍ مع أصدقائه عاد بعدها لينام بعمق حتى إنه لم ينتبه إلى هذا المنبّه فتأخّر الوقت ولم يذهب إلى العمل. حاول والده أسعد أن يتّصل به ولكن لم يتلقَّ المكالمة فاتّصل بالخادمة وطلب منها أن تُرسل أحدًا من الخدم إلى غرفته ليوقظه، فالتفتت سعدية إلى الخدم من خلفها لتجدهم جميعًا مشغولين بإعداد الطعام لحفل اليوم عدا تالين المسؤولة عن تنظيف الغرف، فقالت سعدية: تالين، اطلعي صحي البيه الصغير وقوليله إن أسعد بيه مستنيه في الاجتماع. أومأت لها تالين وذهبت مسرعة إلى غرفته وهي تتحكم في ابتسامتها التي علت وجهها بعد أن غادرت المطبخ، وإن كانت تتساءل في داخلها: هل هذه السعادة بسبب أنها ستراه؟ أم لأنها ستكسب قليلًا من الوقت لتشاهده وهو نائم؟ اقتربت من الغرفة وفتحت الباب بهدوء لتراه ممدّدًا على الفراش، رموشه الطويلة السوداء ترسم أهداب عينيه بخطٍّ يكاد يمتد إلى قلبها ليرسم نبضات عشقٍ تتوهج بداخلها. جثت على ركبتيها وظلّت تتأمل ملامح وجهه وتسمع صوت أنفاسه وكأنها نغماتٌ تُعزف على أوتار روحها. كيف لا تغرم به، وهو يمتلك أجمل ابتسامة رأتها منذ أن فتحت عينيها على هذه الدنيا! معذورةٌ أنتِ، فلستِ الوحيدة التي تقع أسيرته، وكيف لا تقع في غرامه وهو ريان الأكرم، الشاب الوسيم، طويل القامة، مفتول العضلات، لديه من الغرور ما يصنع حوله هالةً لا تستطيع أي امرأة أن تخترقها. تنهدت هذه الفتاة لتقرّر أن تتوقف عن مشاهدته في هذا الوقت القصير، وتقف باستقامة أمامه وتقول: ريان بيه... ريان بيه! فتح ريان عينيه لينظر إليها. ها هي تالين ذات الوجه الملائكي التي ترسم ابتسامةً على وجهه كلّما رآها. لا يعلم سبب هذا الشعور، ولكن ما جعله يستبعد أن يكون إعجابًا صريحًا هو ذلك الشبه الذي تمتلكه، والذي يذكّره بملامح والدته التي توفّيت منذ أن كان في الحادية عشرة من عمره. نظر لها وابتسم ثم قال:بتصحيني ليه يا تالين؟ أنا نايم متأخر. قالت تالين: أسعد بيه اتصل ومستني حضرتك في الاجتماع. نظر ريان إلى هاتفه ليرى الوقت فانتفض في فزع وقال: يا خبر! أنا إزاي مسمعتش المنبّه؟! طلّعي يا تالين بدلة بسرعة وجهزي كل حاجة، هغسل وشي وأخرج على طول. ذهب ريان إلى المرحاض وتوجّهت تالين إلى غرفة الملابس وجهّزت حلّته وقميصه وربطة عنقه وحذاءه، ثم وضعت عطره المميز لتسرق منه نفحةً صغيرةً تستنشقها وهي تغمض عينيها. خرج ريان من المرحاض وتوجّه إلى غرفة الملابس ليشاهد تالين وهي تستنشق عطره، فابتسم وقال: طيب ما أنا موجود أهوه! تركت تالين العطر لتذهب من أمامه مسرعة في خجل، فأمسك ذراعها ونظر داخل عينيها نظرةً أربكتها لتهرب الدماء من جسدها وقال: على فكرة، ريحته عليّا بتبقى أحلى. جربي تشميها بس مرة واحدة، وأوعدك مش هتخرجي من حضني أبدًا. نفضت يده وقالت: عن إذنك يا ريان بيه. جذبها ريان مرة أخرى لتنظر داخل عينيه وقال: أنا عارف إنك معجبة بيا، مش معقول مش هفهم نظراتك! مبقاش ريان الأكرم لو مفهمتش بصّة بنت ليا وهي معجبة. قالت تالين: وأنا قلت لحضرتك قبل كده أنا مش زي البنات اللي حضرتك بتبدّل فيهم زي الشرابات. ريان: مش عارف ليه مش مصدقاني؟! هما اللي مش سايبني في حالي بس عارفة لو بس تحني عليّا وتوافقي تبقي معايا مش هبص لواحدة غيرك. صدقيني، إنتِ مش عارفة قيمة نفسك! ده إنتِ لو لبستِ زيهم هتمسحيهم من أي مكان. تالين: لا شكرًا، لا أمسحهم ولا يمسحوني، سيبني في حالي وأنا هبقى تمام. ريان: طيب وقلبي ده، مش حرام عليكي تعلقيه وتسيبيه؟ تالين: متقلقش، هتيجي واحدة وتعلقه مني. ريان: إنتِ فكرتك عني وحشة أوي على فكرة. تالين: معلش، أصلي مش بفهم الناس صح. ريان في هيام: مش مهم الناس، أفهميني أنا بس، ولو مش فاهمة أفهمك. كادت تالين أن تضعف أمامه وقلبها تتسارع نبضاته فحاولت تغيير مجرى الحديث فقالت: أعتقد توفّر الغزل ده لبليل، في حفلة وأكيد البنات كلها هتبقى قدامك، فوفّر الغزل ده ليهم. ريان: ده إنتي غيرانة بقى! تالين في توتر تحاول أن تخفي مشاعرها أمامه: أغير على ليا بس، اللي مش ملكي مغرش عليه. ريان: وأنا كلي ملكِك، بجد إنتِ مش حاسة باللي في قلبي. تالين: لا، أنا بس فهماك صح وعندي مخ، مش ممكن هتسيب كل البنات دول وتبصّ لخدامة شغالة عندك في البيت. ريان: أعمل إيه؟ قلبي من يوم ما شافك من ست شهور وهو ماحي كل البنات اللي حواليا. تالين باستهزاء: لا سلامته! عن إذنك عشان عندي شغل كتير، وأظن أسعد بيه مستنياك. ريان: آه صح، طيب ينفع كده واخدة عقلي كمان! تالين: لا، أنا أمشي من قدامك أحسن. ركضت تالين لتغادر الغرفة وتغلق الباب خلفها، لتقف أمامه وتضع يدها على قلبها الذي يخفق بقوة بعد سماع كل هذا الغزل منه. أرهقتَ قلبي بحديثك المعسول ألا يكفي نظرةٌ معذّبةٌ من هذه العينين؟ ماذا ستفعل بي بعد؟ عادت تالين إلى عملها مسرعة وغادر ريان المنزل واتجه إلى شركة والده وحضر الاجتماع، وبعد أن انتهى منه ذهب إلى غرفة أسعد الذي لم يتوقف عن توبيخه بسبب السهر ليلًا وإهماله للعمل. ريان: يا بابا، كان عيد ميلاد قصي. أسعد: عيد ميلاد قصي ولا البنات اللي في الحفلة؟! اسمع، أنا سيبتك تعمل اللي إنت عايزه بس لحد كده كفاية. إنت داخل على التلاتين، هتفضل مقضيها بنات وسهر كده كتير؟! شوفلك عروسة بنت ناس تتجوزها، ولو مشفتش عروسة عدلة هجيبلك أنا واحدة. ولا نِبعِد ليه؟ ما هي حور موجودة ومستنيّة منك تعبّرها، ولا تحطّها في لستة المعجبات؟ ريان: تاني يا بابا حور؟! أسعد: مالها حور؟ حلوة ودكتورة شاطرة زي أبوها، كويس أصلًا إنها بصتلك وإنت خريج تجارة كده. ده لولا الشركة دي كان زمانك مرمي في أي شركة شغال محاسب بتلات تآلاف جنيه في الشهر. ريان في غرور: إنت مستقل بابنك على فكرة! وبعدين لما أحب أتجوز، هتجوز واحدة تملا عيني عشان صدقني يا بابا لو اتجوزت واحدة مش بحبها هخونها كل يوم. ترضى ابنك يبقى خاين؟! أسعد في تهكم: لا طبعًا، يبقى صايع أحسن! روح على مكتبك وشوف شغلك بلاش حرقة دم على الصبح. أعمل حسابك حور جاية الحفلة ياريت تبطل هزار مع البنات قدامها، عادل صاحبي وبيزعل على زعل بنته، فاهم؟ ريان: وأنا مالي أنا؟ هي بتغير عليّا ومفيش بينا حاجة أصلًا، تبقى مشكلتها مش مشكلتي. أسعد في غضب: غور من وشي يا ريان! رفع ريان يده في استسلام وخرج من الغرفة. حلَّ المساء، وتعالت أصوات الموسيقى داخل بهو المنزل الذي امتلأ بالمدعوين. وقف ريان مع أصدقائه وعن يمينه قصي صديقه المقرّب يتبادلان المزاح والضحك، بينما كانت حور تتابعه من بعيد وهي تقف بجوار والدها. قالت وهي تتنهد: طب حتى ييجي يسلم علينا! ابتسم عادل وقال: قولتلك متقلقيش، أسعد وعدني إنه هيتجوزك إنتِ. ردت حور بضيق: يا بابا، أنا مش في دماغه أصلًا، ده بص على كل البنات في الحفلة إلا أنا! ده حتى الخدامة بيبص عليها! ضحك عادل وقال: إنتِ اللي وقعتي فيه وأنا قولتلك قبل كده ده مش بتاع جواز بس طالما حبيبتي عايزة حاجة عيوني ليها. قالت حور في حنين: يا بابا هو طيب، بس لو يبطل حوارات البنات ديه. أما ريان فكان يتابع تالين وهي تضع المشروبات أمام المدعوين. لاحظ قصي نظراته وقال: هي ديه تالين؟ ريان: آه... عرفتها إزاي؟! قصي مازحًا: بجد عينك عليها في كل حتة، هو إيه الحوار؟ ريان: معرفش، بس أول لما بشوفها عيني مش بتعرف تبعد عنها، مش عارف ليه مدياني وش كده مع إني متأكد إنها معجبة بيا. قصي: بتفهم، عارفة إنك بتتسلى. ما أكيد مش هتبص لخدامة وتبقى واخد الموضوع بجد! ريان: إيه ده؟! لا خالص على فكرة، لو حسيت إني بحبها فعلًا مش هيفرق معايا خدامة ولا مليونيرة، ده كلام قديم. قصي متعجبًا: يعني لو حبيتها بجد هتتجوزها فعلًا؟! ريان بابتسامة واثقة: آه. قصي: طيب وأسعد بيه؟! ده عايز يجوزك حور، الدكتورة ها! اللي واقفة من ساعة ما جت عمالة تطلع رصاص من عينيها عشان إنت مش معبرها، وإنت ولا على بالك. ريان ببرود: ومش هيبقى على بالي. مرت تالين بجواره وهي تحمل الأكواب فأمسك يدها وقال بخفوت: ما تمشي عدل يا تالين، الشباب كلها عمالة تبصلك. قالت في تحدٍ: طيب ما تلم عينك إنت شوية، اللي قربوا يقعوا من وشك من كتر البص على البنات! ريان ضاحكًا: طيب ده أنا عيني متشلتش من عليكي من الصبح، كفاية ظلم بقى. تالين بسخرية: شوف إزاي؟! أنا ظالمة كمان! ريان : أوي... ظالمة وقاسية. تالين: أخص عليّا، عن إذنك يا ريان بيه. ذهبت تالين إلى المطبخ وقالت: أنا تعبت يا خالة سعدية، حد غيري يخرج بقى. سعدية: كلهم تعبانين من عمايل الأكل طول النهار، وإحنا اتفقنا إنك تخدّمي على المعازيم، خدي الصينية دي وقدّميها. رفعتها تالين وخرجت من باب المطبخ لكنها لمحت باب القبو مفتوحًا فعادت مسرعة وقالت في صدمة: باب الدور اللي تحت مفتوح! نهضت سعدية في ذهول وقالت: مفتوح؟! إزاي؟! خرجت من المطبخ لترى الباب فعلًا مفتوحًا فارتبكت وقالت بخوف: يمكن حد من المعازيم فتحه غلط، انزلي اقفليه بسرعة. تالين في خوف: لا! وأنا مالي؟! حد غيري ينزل. سعدية بحزم: يا بت انزلي اقفليه قبل ما أسعد بيه يعرف! زفرت تالين وقالت بتذمر: يوووه... أنا بخاف يا خالة سعدية. أخذت منها سعدية الصحون ودَفعتها نحو الباب فنزلت تالين وهي متوترة وأغلقت الباب بسرعة ثم صعدت وهي تلهث قائلة: متخليش حد يفتحه تاني، لو حد قرب ابعديه فورًا. سعدية: حاضر... خدي الحاجة وروحي. في تلك الأثناء، كان أسعد يقف مع عادل وحور ثم أشار إلى ريان كي يأتي إليهم. زفر ريان في ضيق وقال لصديقه: أهوه بابا دبسني أروح أسلم عليهم. تقدّم ريان إليهم وصافحهم، فقال أسعد مبتسمًا: أنا كنت لسه بكلمه الصبح وقلتلُه على الخطوبة وكده. قال عادل ضاحكًا: خلاص هستناكم تيجوا عندنا البيت وتتقدّموا رسمي، دي مجرد شكليات كده كده حور زي بنتك. نظر ريان لهما في ضيق، وفي تلك اللحظة اقتربت تالين لتقدّم المقبلات فسمعت أسعد يقول: طبعًا حور بنتي وخلاص هتبقى مرات ابني... مبروك يا عروسة. نظرت تالين إلى حور ثم إلى ريان في حزن، قبل أن تنسحب من أمامهم. لاحظ ريان نظرتها وشعر بالحزن هو الآخر وقرّر أن يُنهي هذا الأمر بعد الحفل. انتهى الحفل، وبدأت تالين بتنظيف المنزل. كان ريان يبدّل ثيابه في غرفته، ثم نزل إلى أسفل ليتحدث مع والده فوجد تالين تنظف البهو وملامح الحزن تعلو وجهها. اقترب منها وقال بهدوء: عارف إنك زعلانة. التفتت إليه وقالت ببرود: وهزعل ليه؟ ريان: الجوازة مش هتّم، متقلقيش. تالين: ليه؟! دي حتى دكتورة حور حلوة وبتحبك وبعدين دي دكتورة يعني. ريان: هو القلب بيحب بالشهادات؟ ما أنا قلبي واقع فيكي أهوه. تالين بانكسار: بلاش تضحك عليّا يا ريان بيه، كفاية كلام يخليني أتعلّق بحبال دايبة، إنت ابن البيه وأنا الخدامة. عارفة إنك عايز تاخد غرضك مني وترميني. نظر لها ريان بغضب وقال: آخد غرضي منك؟! إنتِ شايفاني إيه؟! آه، أنا كنت بتسلى مع بنات وأسهر وأخرج، بس عمري ما فكرت التفكير القذر ده! دي فكرتك عني بجد؟! سكت لحظة ثم قال ببرود: ماشي يا تالين أنا مش هضحك عليكي بكلام معسول تاني. غادرها غاضبًا ودخل غرفة المكتب حيث وجد أسعد يراجع بعض الأوراق. ريان: بابا، هو أنا وافقت على جوازي من حور؟! أسعد: ومتوافقش ليه؟ ريان: عشان مش عايزها، مش عايز أتجوزها. أسعد: ولا عايز تتجوز أصلًا! عايز تفضل سهران مع البنات وتضيع وقتك وخلاص. ريان بغضب: مين قال كده؟! أنا عايز أتجوز اللي بحبها اللي أنا أختارها! أنا مش عيل صغير توقفني وتحرجني قدام الناس، واعمل حسابك أنا مش رايح أتقدّم لحد. أسعد صارخًا: يعني إيه؟! بتكسر كلمتي؟! ريان: لا، بس إحنا مديناش كلمة عشان نكسرها حضرتك عرضت الفكرة بس وأنا مش موافق. عن إذنك. خرج ريان غاضبًا، وترك والده ينظر إليه في حيرة وغضب. نظرت تالين إلى ريان وهو يصعد الدرج بوجهٍ متجهم وكانت قد سمعت جزءًا من حديثه مع أسعد. أنهت تنظيفها بسرعة ثم دخلت المطبخ وأعدت كوب عصير وقررت أن تصعد إلى غرفته لتعتذر له. وقفت أمام الباب مترددة ثم طرقت بخفة ففتح ريان الباب وقال بحدة: عايزة إيه؟! تالين: جيبالك عصير. ابتسم ريان بسخرية وقال : وجيالي الأوضة بليل ومش خايفة؟ إفرضي عملت فيكي حاجة دلوقتي؟ تالين: لا مش خايفة أنا جاية أعتذر. جذبها من يدها وأدخلها الغرفة وأغلق الباب ثم اقترب منها فصاحت بارتباك: إنت بتعمل إيه؟! انحنى قليلًا لينظر إلى عينيها بقوة وقال بصوت منخفض: بثبتلك إنك فعلًا خايفة مني، بصي نظرتك اختلفت إزاي؟! أخرجي ومتجيش الأوضة دي تاني. التفت ووالاها ظهره ولم ينظر إليها فوضعت الكوب على الطاولة وقالت قبل أن تغادر: أنا آسفة بس غصب عني، عمري ما هصدق إنك فعلًا معجب بيا. نظر إليها وقال: ليه؟ تالين: عشان حاجة مش منطقية، أنا فين وإنت فين. ريان: مبفكرش كده وياريت متفكريش كده، بس واضح إن فيه أسباب تانية مش ده السبب الوحيد. تالين: لا في أسباب تانية. ريان: إني مش كويس وبتسلى بيكي؟ تالين: آه، خايفة تكون بتتسلى بيا. ريان: طيب لما تتأكدي إني مش بتسلى إبقي تعالي قوليلي ولحد ما ده يحصل مش عايز أشوف وشّك تاني. تالين برجاء: أنا آسفة، مكنش قصدي. ريان ببرود: اطلعي برا. تالين: مش هعرف أنزل وأسيبك زعلان كده حقك عليّا. ريان: انزلي ومشوفش وشّك تاني، اتفضلي. نظرت له في ألم وغادرت الغرفة. تنهد ريان بعمق ثم نظر إلى كوب العصير وشربه وأغلق إضاءة الغرفة ونام. وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سمع صوتًا غريبًا في الغرفة كأنه أنفاس مرتفعة. فتح عينيه بذهول وأضاء المصباح فعاد الصوت مرة أخرى، كان كأنه صوت فتاة تناديه باسمه من بعيد. شعر بالخوف ونهض يبحث عن مصدر الصوت واقترب من النافذة لينظر خارجًا عل الصوت يكون من الخارج لكن فجأة انطفأ الضوء. اقترب ببطء من المصباح خائفًا ومدّ يده المرتجفة نحو مفتاح الإضاءة، وما إن أضاء المكان حتى وجد أمامه شبح أمرأة تقف بجوار الكومود وتنظر إليه بقوة. ارتدّ إلى الخلف في ذعر وصرخ بصوت مرتفع ثم تراجع بخطوات سريعة مضطربة حتى تعثر بالطاولة وسقط أرضًا وارتطم رأسه بقوة بالأرض ثم فقد وعيه.

📜 الفصل الثاني 📜

تسلّل شعور الخوف إلى قلبه لأول مرة، كان مثل الطير يهيم في الأجواء ويطلق جناحيه دون حدود وكأن العالم صُمم لأجله، فلم يكن يعرف معنى الخوف أو اليأس، وابتسامته كانت تشرق يومه وتبعث أملًا لمن حوله. بالرغم من غروره وثقته الكبيرة بنفسه، وقوة شخصيته التي جعلته لا ينكسر أمام شيء، ها هو يُسيطر عليه الخوف ليتحول إلى شخص آخر مهزوز الشخصية، يرهب كل شيء من حوله، ويصبح شخصًا انطوائيًا يبتعد عن أقرب الناس إليه وتختفي ابتسامته التي كانت تُزين هذا المنزل الموحش الذي استيقظ على صوته الرنان في صدمة ليخرج أسعد من غرفته في ذعر ويدخل غرفة ريان ليجده مستلقيًا على الأرض مغشيًا عليه، فجثا بجواره على الأرض وقال: ريان.... ريان. لم يستيقظ، فخرج من الغرفة ليذهب إلى غرفته واتصل بالطبيب على الفور ثم طلب من الخدم أن يحملوه ووضعوه بالفراش وجاء الطبيب وقام بفحصه ثم خرج من الغرفة وتحدث مع أسعد وقال: مفيش حاجة تقلق، واضح أنه اتخبط في دماغه وده سبّب له إغماء. أسعد: بس هو كان يصرخ. الطبيب: على العموم هو فاق واتكلم معايا عادي لو حضرتك حسيت بأي مشكلة تانية كلمني. ذهب الطبيب ودخل أسعد الغرفة ووقف الخدم بالخارج ومن بينهم تالين التي تنظر إلى باب الغرفة في حزن، راغبة في الدخول لتطمئن عليه ولكن تذكّرت ما أمرها به فاكتفت بأن تطمئن عليه من بعيد. دخل أسعد الغرفة ليجد ريان جالسًا على الفراش، وينظر إلى جانب المصباح حيث ظهر هذا الشبح أمامه فوجده أسعد ينظر إلى الفراغ فقال: مالك يا ريان؟! حاسس بحاجة؟ نظر له ريان وكأنه داخل حُلم وقال: هو اللي شفته كان بجد ولا حلم؟! أسعد: شفت إيه؟! ريان: شفت حد واقف هنا، الأول سمعت صوت غريب وبعدين النور اتقفل رجعت عشان أشغله شفت حد واقف هنا. أسعد: حد مين يعني؟ ريان: شبح، شبح ست شكلها وحش أوي. أسعد: شبح إيه يا ريان! إيه الكلام الفارغ ده؟! ريان: بقولك شوفت شبح، ومش أي شبح، كانت شبه ماما أوي، يعني شبحها هي. عقد أسعد حاجبيه ونظر إلى الفراغ في تعجب ثم عاد النظر إلى ريان وقال: طيب نام وارتاح دلوقتي. ريان: أنا.... أنا خايف. أسعد: طيب أنا هفضل جنبك، نام متقلقش. ريان: طيب متقفلش النور، سيبه شغال. أسعد: حاضر. ظل أسعد بجواره حتى نام ثم انتظر قليلًا وخرج من الغرفة بهدوء وتحدث مع الطبيب بالهاتف وأخبره بما قاله ريان فقال الطبيب: هو بيمشي وهو نايم؟ أسعد: لا، محصلش قبل كده يعني. الطبيب: طيب أعرضه على طبيب نفسي، لو بيمشي وهو نايم ممكن كان بيحلم ولما صحي من الحلم ولقى نفسه واقف افتكر إن الحلم حقيقة. أسعد: طيب بكرة هعرضه على دكتور نفسي. عاد أسعد إلى غرفة ريان وظل بجواره حتى غفى على الكرسي، في الصباح استيقظ أسعد ليجد ريان لايزال نائمًا، فخرج من الغرفة بهدوء متألمًا من النوم بهذه الوضعية على الكرسي ثم نزل إلى أسفل وتحدث مع سعدية وقال: قوليلي يا سعدية، هو فيه حد فتح الدور اللي تحت؟ سعدية في ارتباك: الصراحة يا بيه اه، إمبارح وقت الحفلة لقينا الباب مفتوح. أسعد في غضب: مين فتحه؟! سعدية في خوف: معرفش يا بيه والله، أنا حتى خفت أنزل أقفله خليت البت تالين هي اللي تقفله. أسعد ولايزال غاضبًا: طيب غوري، غوري من وشي. أغمض أسعد عينيه في قوة، محاولًا أن يجد طريقة ليبعد ريان عن هذا الأمر، ثم أمسك هاتفه واتصل بعادل قائلًا: صباح الخير يا دكتور. عادل: صباح النور يا أسعد، أخبارك إيه؟! أسعد: تمام، قولي يا عادل معاك نمرة الراجل ده اللي بيقولو عليه بيقرأ الكف وبيعمل معجزات كده ده؟ عادل: آه الدجال ده اللي اسمه سلطان؟ معايا نمرته. أسعد: طيب ابعتهالي ضروري. عادل: عايزه ليه؟! أسعد: داخل صفقة كده تقيلة وعايز أطمن. عادل: طيب تمام، هبعتلك النمرة دلوقتي. أنهى أسعد المكالمة وانتظر حتى أرسل له عادل رقم الهاتف واتصل به على الفور، فوجد أحد المساعدين يتلقى المكالمة ثم أبلغه بأنه يجب عليه حجز موعد أولًا، فقام بحجز الموعد بعد يومين. عاد أسعد إلى غرفة ريان ووجده قد استيقظ ويبدو في حالة جيدة مقارنةً بما كان عليه أمس، فقال وهو يبتسم له: صباح الخير يا ريان. ريان: صباح النور يا بابا، هو حضرتك مرحتش الشغل؟ أسعد: أروح الشغل إزاي وإنت تعبان كده؟ ابتسم ريان وقال: ربنا يخليك ليا يا حبيبي، هو الدكتور قالك إيه إمبارح؟ تنهد أسعد وقال: قالي إعرضه على دكتور نفسي، ممكن يكون بيمشي وهو نايم وكان بيحلم بكابوس ولما فاق منه كان واقف فذاكرته اتشوشت. عقد ريان حاجبيه وقال: تفتكر؟! أنا فعلًا حالتي مكنتش طبيعية إمبارح، وبعدين ليه هشوف شبح ماما بعد السنين ديه كلها؟ أسعد: بص إنت قوم خد دش وانزل نفطر سوا وبعدين نروح للدكتور ونطمن عليك. ريان: حاضر يا بابا، نص ساعة وهنزل على الفطار. تركه أسعد وذهب إلى غرفته. كان مشتتًا لا يعرف سبب حالة ريان، هل حقًا مريض أم أن هذا الباب المغلق على المجهول هو السبب؟ بعد وقت، كان أسعد يجلس على الطاولة في انتظار نزول ريان إلى أسفل. نزل ريان ووجد الخدم يضعون الطعام على الطاولة، ولاحظ أن تالين لا تتواجد معهم فجلس وتناول الطعام. كانت تالين تنظر إليه من بعيد وهي تختبئ خلف الحائط وتنظر إليه بقلق، وفجأة رتبت يد على عاتقها فنظرت خلفها في ذعر وقالت: خضيتيني يا خالة سعدية. سعدية: واقفة كده ليه؟ تالين: بطمن على ريان بيه. سعدية: ولما أنتي عايزة تطمني، رفضتي تحطي الفطار ليه؟ تالين في خجل: أصل، أصل إمبارح عملت حاجة ضيقته وقالي مش عايز أشوف وشك، فخفت لو شافني يتضايق زيادة فعشان كده مخرجتش. سعدية في ملل: وعملتي إيه خلاه يقولك كده؟ هربت تالين من الإجابة فقالت: خلاص بقى يا خالة. ذهبت من أمامها مسرعة حتى تتهرب من أسئلتها ودخلت المطبخ. انتهى ريان وأسعد من الطعام وخرجا معًا وذهبا إلى أحد الأطباء النفسيين. دخل ريان وقصّ له ما حدث وقال له أسعد ما قاله الطبيب بالأمس فقال الطبيب: بما إن مفيش شكوى غير اللي حصل إمبارح فانا مش هقدر أجزم إذا كان ده مرض نفسي فعلًا أو المشي أثناء النوم. دلوقتي هطلب منك لو اتكررت الحالة ديه تاني تجيلي وياريت بلاش قهوة في وقت متأخر أو خمور أو أي حاجة بتأثر على المخ، وكمان حاول تشرب حاجات مهدئة عشان تساعد على الاسترخاء وتنام مرتاح زي الينسون أو اللبن والكاكاو السخن، ولو حصل حاجة تاني بلغني فورًا، وده الكارت بتاعي كلمني في أي وقت. أخذ ريان منه البطاقة وتحدث معه قليلًا ثم عاد إلى المنزل. كان ريان شارد الذهن، هل كانت حقًا هواجس وحلم ظنه حقيقي؟! كان يشعر بغرابة في الأمر فحقًا فكان ذهنه مشتت ربما لأنه استيقظ من نومه ولم يكن في وعيه الكامل. دخل ريان المنزل ولاحظ تالين التي تقف عند باب المطبخ. عندما رآته نظرت إليه في خوف، تشعر بداخلها بأنها تريد أن تذهب إليه وتضمه بين ذراعيها كي تطمئن أنه بخير، أما هو فنظر لها ولاحظ نظراتها ولكنه تذكر حديثها بالأمس فالتفت وذهب من أمامها دون أن يتحدث وصعد إلى غرفته. جلس على الفراش، ينظر بجوار المصباح الموضوع على الكومود في المكان الذي رأى فيه هذا الشبح. ظل في هذا الوضع لفترة يحاول أن يحسم ما حدث له لكنه فشل في ذلك، فتنهد بقوة ونهض من مكانه ووقف بجانب الكومود ونظر بجواره ليلاحظ ورقة صغيرة مطوية. فأمسك بها على الفور وفتحها ليجدها ورقة قديمة للغاية والحبر الذي خُطَّ به الكلمات كاد أن يتلاشى، فحاول أن يستجمع الكلمات: "أنا خايفة يا صفية، نفسي أشوفك أوي وعايزة أهرب من هنا، خايفة يكون اللي في بالي صح، ساعتها هروح فين ومش عايزة أرجع للفقر تاني." نظر ريان إلى الورقة في صدمة، صفية هي خالته التي انقطعت أخبارها منذ وفاة والدته. إذًا من أين جاءت هذه الورقة؟ نزل ريان مسرعًا ودخل المطبخ وقال في غضب: مين نضف أوضتي النهاردة؟ وقفت سعدية أمامه في فزع من هيئته وصياحه وقالت: تالين هي المسؤولة عن التنظيف. وقف أمامها في غضب وهي ترتجف من هيئته وقال: إنتي اللي حطيتي الورقة ديه؟! نظرت تالين إلى الورقة وقالت: لا، هي ديه كانت في أوضة حضرتك؟ ريان غاضبًا: متسأليش... تجاوبى وبس. نظرت له تالين في حزن وقالت: أسفة يا بيه. ريان: شفتي الورقة ديه في أوضتي؟ تالين: لا. ريان: إزاي مشتفيهاش وإنتي اللي نضفتي الأوضة؟ تالين: يا بيه مشفتهاش، طيب كانت فين؟ ريان في غضب: قولت متسأليش، يعني مش إنتي اللي حطيتها في الأوضة؟ تالين: لا. ذهب ريان من أمامها ودخل غرفة المكتب عند أسعد ووضع الورقة أمامه وقال: ديه إيه؟! هلاوس ومشي وأنا نايم برده؟ أمسك أسعد الورقة وعقد حاجبيه في تعجب وقال: جبتها منين ديه؟! ريان وهو يجوب الغرفة أمامه في توتر: لقيتها مكان ما شفت الشبح إمبارح وأكيد ديه مش صدفة. مش صفية ديه تبقى خالتي؟ أسعد في ارتباك: أيوة... أيوة هي. ريان: طيب إيه الجواب ده، فهمني. أسعد: إهدى يا ريان مش كده، إهدى وهنشوف حل للموضوع ده. ريان: أنا مش عيان ومش بمشي وأنا نايم، اللي حصل ده كان حقيقي والدليل أهوه الورقة بين إيديك وباين عليها بقالها سنين. أسعد: غريبة فعلًا، جات منين؟ ريان في غضب: إنت بتسألني أنا؟! أسعد: يا ابني إهدى مش كده. ريان: محدش يقولي إهدى، بقولك شفت شبح أمي، ليه أمي تجيلي في الهيئة ديه؟! وإيه اللي كانت خايفة منه زمان عشان تكتب كده لأختها؟! أسعد: أمك كانت دايمًا عندها إحساس إني هسيبها عشان كانت فقيرة وكمان عيانة، دايمًا كنت بحاول أطمنها وأقولها إني مش عايز غيرها ومش فارق معايا إنها فقيرة بس مكنتش بتصدق، وإنت شايف مفكرتش حتى أتجوز بعدها. ممكن تهدى ونشوف إيه اللي بيحصل بعقل. مش يمكن وحشتها فجات تشوفك؟! ريان: هو فيه كده؟! ده كلام عقل يعني؟ أسعد: وهو إنك تشوف شبحها ده عقل؟! زفر ريان وخرج من المنزل، وأخذ سيارته وذهب تحت نظرات تالين التي تنظر عبر النافذة لتتابع تحركاته والقلق يسيطر عليها. لأول مرة ترى ريان في هذه الحالة، لم تراه بهذا الغضب والتوتر من قبل فكان دائم الابتسام والبهجة. كيف تحول إلى هذا الشخص؟ شعرت بالحزن قليلًا من طريقة حديثه معها ولكن تأكدت بأنه ليس في حالته الطبيعية. ظل ريان يجوب بالشوارع في تخبط دون وجهة محددة، لا يعرف ماذا يحدث وكيف؟! أما أسعد فكان في خوف وقلق، ينظر إلى الورقة بين يديه في تعجب. كيف وصلت هذه الورقة إلى ريان وهل حقًا رأى ريان شبح والدته؟ قام أسعد بعدة مكالمات ثم انتظر عودة ريان. تأخر الوقت، وظلت تالين تنتظره عند النافذة وأسعد يجلس بالبهو يحاول أن يتصل به ولكن الهاتف مغلق. حتى عاد ريان فوقف أسعد أمامه في قلق وقال: كل ده تأخير يا ريان؟! ريان: معلش يا بابا، أنا مش مرتاح ومش عارف مالي. أسعد: طيب أنا من رأيي ترتاح ومتقلقش، أنا لقيت راجل روحاني هيجي البيت يشوف إيه اللي بيحصل بالظبط. ريان: روحاني إيه بس يا بابا! أسعد: ما هو أعمل إيه؟! مش لاقي حد يفيدنا في اللي إنت فيه ده. تنهد ريان بقوة وقال: ماشي ماشي. رتب أسعد على عاتقه وقال: اطلع يا حبيبي ارتاح وأنا هخلي حد من الخدامين يعملك حاجة سخنة تشربها عشان تعرف تنام. أومأ له ريان بنعم وصعد إلى غرفته تحت نظرات تالين التي تتابعه منذ أن دخل المنزل ثم سمعت صوت أسعد وهو يقول: سعدية. ركضت إليه تالين وقالت: خالة سعدية نامت يا بيه. أسعد: مش مهم، إعملي لريان كاكاو سخن وطلعيه أوضته. نظرت له تالين في حيرة فريان يرفض اقترابها منه. لاحظ أسعد صمتها فقال: سمعتيني؟! تالين في ارتباك: حاضر. ذهبت تالين إلى المطبخ وأعدت له مشروب الشيكولاتة الساخن وصعدت إلى غرفته. وقفت قليلًا أمام الباب ثم تنفست بقوة وطرقت الباب فسمعت صوت ريان يسمح لها بالدخول، ففتحت الباب ودخلت الغرفة بحذر ووجدته يجلس بالفراش ويبدو عليه الإرهاق كثيرًا فاقتربت منه وقالت: أسعد بيه طلب مني أعملك ده ومفيش حد صاحي غيري، آسفة مقدرتش أقوله لا، أنا هحطه وأمشي على طول. وضعته تالين سريعًا وكادت تخرج من الغرفة ولكن أمسك ريان يدها ونظر لها في إرهاق وقال بصوت ضعيف: ليه منمتيش لحد دلوقتي؟ نظرت له تالين في حنين ولم تستطع أن تكبح مشاعرها أكثر فقالت: كنت خايفة عليك أوي، إنت كويس؟ ريان: خايفة عليا ليه؟ تالين: إنت عارف ليه، رد على سؤالي بقى وطمني عليك ولا مش من حقي أسألك؟ وضع ريان كف يده الآخر على يديها ليضم كفها بحنان ونظر لها وقال: حقك عليا، اتعصبت عليكي مكنش قصدي. تالين: مش مهم، طمني عليك، مالك فيك إيه؟ ابتسم ريان ابتسامة حزينة وقال: شكلي اتجننت يا تالين. جثت تالين بجوار الفراش وقالت في فزع: بعد الشر عليك من الجنان، ده أنت سيد الناس كلهم. ابتسم ريان وقال: مع إني زعلان منك، بس أنا محتاجلك دلوقتي خليكي جنبي. تالين: مينفعش أقعد في الأوضة هنا، وبعدين أسعد بيه قلقان عليك أوي وممكن يدخل في أي وقت. ومتزعلش مني حقك عليا، أنا مكنش قصدي أقول كده إمبارح، بس مش مصدقة إنك بجد بتحبني. ريان: عشان يعني فقيرة وكده؟ على فكرة أنا أمي كانت فقيرة برده وبابا إتجوزها، وإنتي شايفة بابا ماديًا عامل إزاي. تالين: متعلقنيش بأمل مش هيحصل، أنا خايفة أصدقك وأنزل في الآخر على جدور رقبتي، وبعدين هتعمل إيه مع حور؟ ريان: مش هتجوزها بالعافية أكيد، بس خليكي معايا أنا تعبان أوي النهاردة. تالين: طيب بص، أنا هفضل جنبك لحد ما تشرب الكاكاو ده وهسيبك تنام. وضعت تالين الكاكاو بيده وشربه وهو ينظر إليها ويمسك يدها بيده الأخرى. كان هناك حديث آخر بين العيون يبوح بما في القلوب، حديث يشرح مدى الحب الذي يقبع داخل قلبيهما. حتى انتهى ريان ووضع الكوب بيدها فقالت: اعتقد تنام بقى، إنت منمتش إمبارح ولا أنا كمان، هسيبك ترتاح. كان ريان يشعر بالراحة قليلًا. فمن لا يشعر بالراحة في وجود الحبيب بجواره؟ تمدد بالفراش وأغلقت تالين الأنوار وخرجت من الغرفة. قبل الفجر بساعة واحدة، سمع ريان أصوات قوية بالغرفة ففتح عينيه ليتحقق من الصوت فوجد التلفاز يعمل وهناك بعض أصوات تشويش. فنهض ونظر إلى التلفاز ليرى خالته صفية وهي تقف ببهو منزله، وهناك بعض الرجال يمسكون بها ويضعونها خارج المنزل، وهي تصيح بقوة: "أختي مكنتش عيانة، إنت خفيتها، خبيتها فين؟ فين حنان؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أختي مماتش، فين أختي؟! يا حناااااان." أغلق الرجال الباب في وجهها وأُغلق التلفاز. ظل ريان ينظر إليه وهو يفتح عينيه في صدمة.

📜 الفصل الثالث 📜

حين يقف الجميع في وجهك ساخرين من عينيك التي التقطت ما عجزوا عن رؤيته ويتهمونك بالخيال المريض وبالهروب من الواقع. كأن قلبك آلةٌ اختلَّت أو أن روحك أضحت مسرحًا للوهم. أنت وحدك تدرك الحقيقة تسمع وقعها في صدرك كما يُسمع نبض الحياة. ترى آثارها منقوشةً على جدران الصمت، وتشعر بها كأنها لهيبٌ لا ينطفئ في داخلك. أيكون الجنون في أن ترى ما لا يريدون رؤيته؟ أيكون المرض في أن تؤمن بما لم تجرؤ أفواههم على الاعتراف به؟ أنت تعلم أن الحق لا يحتاج إلى شهودٍ كي يبقى وأن البصيرة قد تكون أثقل من العيون العمياء. دعهم يضحكون ويتهمون، ويُطلقون أحكامهم الرخيصة عليك. فأنت لست وحدك بل الحقيقة معك، وما يُتَّهَم بالخيال اليوم سيغدو غدًا واقعًا يبتلعهم بصمتٍ مهين حين تكشف عن الحقيقة والغرض مما يحدث أمامك الآن. هناك شيء ٌ غامض تحاول أمي أن تفتح عيني عليه وقد فهمتُ الرسالة ولن أرضخ حتى أعرف ماذا تريد مني فعله؟ لم يحاول النوم مرة أخرى، فقد كان يفكر بما قاله أسعد، أخبره مرارًا بأنها كانت مريضة ولكن ما رآه منذ قليل على هذا التلفاز يخبره بأن هناك خطبًا ما. لماذا أصرت صفية على إنها لم تمت وأنها لم تكن تعاني من أمراض؟ ولماذا قام أسعد بطردها من المنزل؟ وأين اختفت منذ وفاة والدته؟ ظل يفكر حتى أشرقت شمس الصباح وارتفعت بالسماء ثم أمسك هاتفه واتصل بقصي قائلًا: أيوة يا قصي، أنا عايز منك خدمة. قصي: قول يا ريان. ريان: عايز حد من عندك يدور على واحدة اسمها صفية مهران، كل اللي أعرفه إنها كانت ساكنة في الجمالية زمان، معرفش إذا كانت لسه هناك ولا لأ. قصي: طيب متعرفش فين في الجمالية بالظبط؟ ريان: لا، ما لو كنت أعرف كنت رحتلها. قصي: طيب، هبعت حد من الرجالة هناك يدورو عليها. أنهى ريان المكالمة ونهض من الفراش وهو يشعر بالصداع حتى سمع صوت الهاتف مرة أخرى فعاد لينظر بالرقم المتصل فوجده حور فتلقى المكالمة فقالت : إزيك يا ريان؟ ريان: بخير الحمد لله، إنتي عاملة إيه يا حور؟ حور: الحمد لله، بابا قالي إنك تعبان، مالك حاسس بإيه؟ ريان : لا كان تعب بسيط وراح، شكرًا على سؤالك. حور: إنت بتشكرني على إيه يا ريان ده أحنا متربين سوا يعني مفيش بينا شكر أو كده ريان: صح مفيش بين الأخوات شكر، معاكي حق. استمعت حور إلى هذه كلمته الأخيرة وصمتت قليلًا والحزن يرتسم على ملامح وجهها البرئ فا ها هو يرفضها مرة أخرى ويضع بينهما هذا الحاجز.... حاجز الأخوّة فقالت في صوت ضعيف مخنوق بالبكاء : أيوة طبعًا، على العموم كويس إنك بخير، هقفل عشان عندي شغل. أنهت حور المكالمة دون أن تنتظر رده فنظر ريان إلى الهاتف في حزن وقال : معلش يا حور، قلبي متعلق بغيرك، أنسيني بقى وعيشي حياتك. سمع ريان صوت طرق الباب فذهب ليفتحه ووجد تالين تقف أمامه فقالت : صباح الخير، الفطار جاهز تحت. ريان: صباح النور يا قمري. ابتسمت تالين وقالت : هو إنت كنت بتكلم حد؟ ريان: آه، ديه حور كانت بتطمن عليا. تبدلت ملامحها في ضيق وقالت : طيب عن إذن حضرتك. كادت تذهب فأمسك يدها وجذبها لتدخل الغرفة وأغلق الباب ونظر داخل عينيها وقال: شكلك وإنتي غيرانة حلو أوي. تالين: وإنت شكلك بقيت كويس عشان بقيت غلس تاني. ريان: لا خالص، بس حاسس إن فيه حد بيحاول يوصلي رسالة فا همشي ورا الرسايل ديه لحد ما أعرف الأشباح عايزة مني إيه. عقدت تالين حاجبيها في ذعر وقالت: أشباح؟! أشباح إيه يا ريان؟ ريان: زي ما بقولك كده، أنا بشوف شبح أمي. نظر لها ريان قليلًا ثم قال: عارفة إن فيكي شبه منها بس هي عينيها كانت ملونة مش زيك، عمري ما هنسى لون عينيها ولا شكلها، إنتي عارفة إن لون عينيها ده اللي خلاني أتأكد إن الشبح اللي بيظهرلي ده شبحها هي؟ تالين متعجبة: تاني هيقولي شبح، إنت بتخوفني ليه؟ ريان: متخافيش يا حبيبتي، متجننتش لسه، هو اه كان باين عليا الجنان لما حبيتك بس لسه بعقلي متقلقيش. تالين: ليه بقى، وأنا لو حبتني تبقى مجنون؟ اقترب منها ريان لينظر داخل عينيها في حب وقال: مجنون بيكي يا قلب ريان. دفعته تالين بيدها في عاتقه وقالت: هتفضل تضحك عليا كده كتير، إوعى أنا نازلة. وضع ريان يده على الحائط بجوارها ليمنعها من الحركة وقال: لا مفيش نزول،ما تيجي نتجوز؟ تالين: بالأشباح ولا من غير؟ ريان: لا هتتجوزيني بالأشباح اللي معايا ولا مش طايقة حماتك من أولها؟! تنهدت تالين وقالت: الصبر يارب، بس يا ريان بقي الكلام ده. ريان: تالين أنا مش بهزر، أنا فعلًا بشوف شبح أمي وواضح إن فيه حاجة عايزة توصلهالي بس مش عارف هي إيه. تالين: يعني إيه؟! وليه بعد كل السنين ديه؟! ديه خالة سعدية قالتلي إنها ماتت من سنين. صمتت تالين قليلًا ثم قالت: معقول بسبب الدور اللي تحت؟! ريان: ماله الدور اللي تحت؟ تالين: أصل يوم الحفلة حد فتح الباب اللي تحت خالص وأنا نزلت قفلته. ريان في تعجب: وإيه علاقة الدور اللي تحت بماما؟ تالين: أصل الموضوع حصل في نفس اليوم، وبصراحة كلنا بنخاف من الدور ده. ريان: مفيهوش حاجة أصلًا، بس بابا قافله من ساعة ما خدنا البيت ده ومحدش بينزل فيه يعني. تالين: طيب الأكل برد، يلا عشان تفطر لأن أسعد بيه أمرنا إنك تاكل كويس عشان فيه ضيوف جايين بليل. ريان: ضيوف مين؟ تالين: معرفش، يمكن حور. ريان: لا حور بعد اللي قولته من شوية مش هتيجي. ابتسمت تالين وقالت: ليه قولتلها إيه؟ لاحظ ريان سعادتها فقال: قولتلها بحب واحدة تانية مجنناني ومش عايزة تقولي كلمة حلوة تبرد قلبي ده. شعرت تالين بالخجل من نظراته ودفعت يده التي وضعها على الحائط بجوارها وخرجت سريعًا من الغرفة. نظر ريان إلى أثرها بسعادة، ثم أخذ حمامًا دافئًا وارتدى ثيابه، واتصل بأسعد يسأله عن ضيوف هذه الليلة. فأخبره أن ذلك الروحاني سيأتي الليلة بعد أن توسّط له أحد المعارف ليحضر إلى المنزل. نزل ريان لتناول الطعام، ثم تلقّى مكالمة من قصي وأخبره بعنوان صفية فترك المنزل سريعًا وتوجّه إلى العنوان، اقترب بسيارته من أحد المنازل القديمة فأوقفها أسفل المبنى ثم نزل منها وصعد إلى الطابق الثاني، طرق الباب مرّاتٍ عدة حتى خرج أحد الجيران وسأله: بتدور على مين يا ابني؟ ريان: خالة صفية... صفية مهران. الجار: يااااه، ديه سابت البيت من زمان. ريان: من إمتى بالظبط؟ الجار: من ساعة ما أختها ماتت الله يرحمها، عزلت ومرجعتش تاني ولا حتى باعت الشقة، زي ما هي كده مقفولة بقالها سنين. ريان: طيب متعرفش هي فين أو أي حاجة عنها؟ الجار: لا يا ابني، أخبارها اتقطعت من ساعتها، زي ما تكون هربانة من حد والله أعلم. ذهب ريان يجوب بالشوارع، عقله مشتّت. انقلبت حياته رأسًا على عقب في يومين. تُرى، ما الذي حدث بالماضي؟ وماذا تريد أمه منه؟ حلّ المساء، وعاد ريان إلى المنزل ليجد أسعد في انتظاره وقال: كويس إنك جيت كنت لسه هكلمك، الراجل جي كمان شوية، تعالى استناه معايا. جلس ريان بجواره وهو يبدو عليه الحزن فقال أسعد: هو فيه حاجة تاني حصلت إمبارح؟ ريان: لا. أسعد: يبقى زي ما قال الدكتور تعب بسيط هيروح، على العموم برده الراجل اللي جي ده لو فيه حاجة فعلًا في البيت هيعرف. أومأ له ريان في صمت وبعد وقت طُرق الباب وفتح أحد الخدم ليدخل الروحاني المنزل. قام أسعد وريان بالترحيب به وجلسو معًا. بعد قليل قال الروحاني سلطان: مفيش أشباح بس البيت فيه طاقة سلبية كبيرة، فيه حاجة غلط فيه، لكن مش حاسس بأشباح في المكان. ريان: ما يمكن مش موجودين دلوقتي. سلطان: لو فيه شبح في مكان بيبقى مربوط بيه، مش بيبعد عنه بسهولة، وحاليًا أنا مش حاسس بأي حاجة غير إن فيه طاقة غريبة في البيت مش أكتر، على العموم الملح ده يتحط في الأركان هيسحب الطاقة السلبية والبخور ده يفضل شغال في البيت لمدة أسبوع، وهاجي تاني وأشوف الوضع بعدها. ذهب سلطان وترك الملح والبخور فنظر إليهما ريان وصعد إلى غرفته فقال أسعد: مش هتتعشّى؟ ريان: مش قادر، عايز أنام. أسعد: طيب هخلّي الخدم يعملولك حاجة دافية تشربها قبل ما تنام. أومأ له ريان وطلب من سعدية أن تعد له لبن دافئ وترسله إلى غرفته. بعد وقت بدّل ريان ثيابه وجلس بالفراش ودخلت سعدية لتعطيه اللبن ثم خرجت. كان ريان ينتظر تالين ولكنها لم تأتِ فشرب اللبن وأطفأ الأضواء القريبة منه ثم استلقى لينام. قبل الفجر، سمع ريان أصوات نداء داخل الغرفة مرة أخرى؛ أصوات مرعبة. يتخللها فحيح غريب ينادي باسمه. مد يده المرتعشة خوفًا ليضيء المصباح بجواره ولكن لم يعمل، فجلس بالفراش وهو ينظر حوله في ذعر في هذا الظلام. وضع يده على الفراش ليرفعه عنه ولكن شعر بشئ عليه، تحسّسه بيده ليجد ورقة مطوية. الأصوات بدأت تهدأ تدريجيًا حتى اختفت تمامًا. أمسك ريان الورقة ونهض من الفراش ومشى بحذر حتى وصل عند الباب وأشعل الضوء ونظر إلى الورقة التي بيده وفتحها. وجد اسم المشفى التي يمتلكها دكتور عادل صديق والده واسم عادل بالكامل أيضًا ورقم غرفة وتاريخ وفاة والدته. نظر إلى الورقة في يده في دهشة وهو يعقد حاجبيه في حيرة.

📜 الفصل الرابع 📜

كأن الخوف ظلٌ طويل يلاحقه ويلتف حول قلبه فيقيده لكنه لا يقتله. في لحظةٍ ما، حين تشتد العتمة ويعلو صدى الأسئلة يتحول هذا الخوف من قيدٍ إلى نارٍ صغيرة توقظ العزيمة ويصبح الرعشة التي تدفع القدم للأمام بدلًا من أن تشلّها، والهمس الذي يذكّر بأن الحقيقة لا تُوهب لمن يختبئون بل تُمنح لمن يجرؤون. الخوف الساكن في القلوب قد يبدو جدارًا عاليًا لكنه في عمقه بوابة سرية وكلما ارتجف المرء أمامها أدرك أنه أقرب إلى عبورها. وما أن تُفتح حتى يتحول الخوف نفسه إلى سلاح يضيء الطريق ويجعل العيون أكثر حذرًا والروح أكثر استعدادًا لمواجهة ما كان يبدو مستحيلًا. هكذا يصبح الخوف ليس عدوًا بل حليفًا خفيًا يدفع نحو الحقيقة التي تنتظر من يملك الشجاعة ليُمسك بها رغم الارتجاف، ورغم الظلال التي ما زالت تسكن القلب وحتى وإن كانت بوابة النهاية على شكل ورقة صغيرة، وُضعت بين يديه فكانت كفيلة بفتح باب من الأسئلة في عقله، وقف ينظر إليها في صمت ثم سمع صوت طرق بسيط على الباب وخطوات خارج الغرفة. فتح الباب ليلمح شبح والدته يقف عند الدرج في آخر الممر ثم نزل أمامه. ركض ريان خلفها ليرى أين ذهبت، وصل عند البهو ليقف على أسفل الدرج ينظر حوله بحثًا عنها، وأخذ يلتفت يمينًا ويسارًا شاعرًا بأن رؤيته مشوشة. وضع يده على رأسه ونظر إلى أسفل ليجد وجه والدته تنظر إليه وهي تقف على الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي فارتعب من وجهها وارتد إلى الخلف في فزع، ثم اقترب من الدرج لينظر مرة أخرى فلم يجدها فنزل إلى أسفل وهو يتنفس بصعوبة ويشعر بثقل قدميه. وصل إلى باب القبو المغلق وحاول تحريك قدميه المرتعشتين للنزول إلى أسفل. فهو منذ طفولته لم يُسمح له بذلك، إذا كان أسعد يمنعه من الذهاب إلى ذلك الطابق. بدأت قدماه تتوقف عن النزول ثم صعد مرة أخرى إلى غرفته، في الصباح، استيقظ ريان على صوت تالين التي تقف بجواره ترتب على كتفه ليسمعها وفتح عينيه وابتسم، ثم جذب يدها لتسقط على جسده ففتحت عينيها في صدمة ونهضت سريعًا وقالت بغضب: عيب كده على فكرة. ابتسم ريان وقال: ده عقاب عشان سيبتي خالة سعدية تطلع اللبن إمبارح. تالين: وأنا مالي هي اللي خدته. ريان: طيب ما إنتِ وحشتيني، أعمل إيه؟ تالين: لو سمحت يا ريان متعملش كده تاني. ريان: لو سمحت يا إيه؟ قولي كده تاني. تالين في خجل: لا، مش هقول. ريان: ليه طيب؟ أنا بحب اسمع اسمي من شفايفك القمر ديه. تالين: بطل كلامك ده بقى. ريان: لو مش عاجبك، ممكن أقوله لواحدة تانية؟ تالين: طيب جرب كده وشوف هعمل فيك إيه. ضحك ريان وقال: أيوة بقى، أحب أنا التهديدات اللي مش بخاف منها ديه. تالين: لا خاف مني بقى. ريان: يا بنتي أنا بشوف أشباح هخاف منك وإنتِ قصيرة كده، هتعملي إيه طيب لو قولت الكلام ده لواحدة تانية؟ تالين: همشي ومش هتشوف وشّي تاني أبدًا. ريان: لا مرعبة ديه فعلًا، إوعي تعملي كده، إنتِ متعرفيش أنا بحبك أد إيه. نهض ووقف أمامها وقال: مش ناوية تسمعيني كلمة حلوة تبرد قلبي اللي قايد نار ده؟! تالين: لما تقولي اللي في قلبك بجد. ريان: أكتر من كده؟! تالين: الصراحة، أنا لسه مش مصدقاك. ريان: طيب أعمل إيه عشان تصدقيني؟! أنا بجد بحبك يا تالين، والله ما بهزر. تالين: بجد؟! يعني مش هتبعد عني مهما حصل؟ ريان: مش لما أقرب الأول. يا مفترية بقالي ٦ شهور مستني منك أي كلمة. تالين: ولو قربت.... هتبعد؟ ريان: مش هبعد، هفضل معاكي لآخر يوم في عمري. تالين: طيب هتعمل إيه مع والدك؟ ريان: هقوله عايز أتجوز تالين، بسيطة خالص. تالين: والله! ديه بسيطة؟! طيب إيه الصعب؟ اقترب ريان لينظر داخل عينيها وقال: الصعب إنك تطلعي مش بتحبيني، ديه أصعب حاجة ممكن تحصلي في حياتي، تخيلي لو في الآخر طلعتي مش بتحبيني؟! تالين: مين قال إني مش بحبك؟ ريان بسعادة: يا فرج الله، يعني إنتي بتحبيبني؟ تالين بخجل: آه. ريان: لا... اسمها آه بحبك، آه وتسكتي هزعلك. أزداد خجلها فقالت: آه بحبك. ريان بصوت مرتفع: يا نهار أبيض يا جدعان، نطقت... نطقت أخيرًا، أعمل فرح طيب ولا إيه؟! ضحكت تالين وقالت: بس وطي صوتك هتفضحنا. ريان: مش مهم، ما أنا هنزل أفضحنا كمان شوية. تالين: لا إهدى بس كده وخلينا نفكر براحة عشان أسعد بيه يوافق. ريان: متقلقيش سيبيها عليا، بس إنتِ مش متخيلة إنتِ إديتيني عزيمة النهاردة إزاي. أنا أصلًا رايح مشوار وخايف منه أوي، خايف أعرف حاجة تقلب حياتي. عقدت تالين حاجبيها وقالت: مشوار إيه ده؟ أمسك ريان الورقة وأعطاها لتالين وقال: الورقة ديه،الأشباح حطوها في أوضتي إمبارح. نفضت تالين الورقة من يدها في خوف وقالت : بسم الله الرحمن الرحيم، ليه بس كده؟ كده تخوفني؟! وبعدين إيه حكاية الأشباح اللي إنت عمال تتكلم عليهم دول؟ ريان: مش مصدقاني ولا هتعملي زي بابا؟ ويقولي ده مرض نفسي وإنت بتمشي وإنت نايم، أنا عارف أنا بشوف إيه. تالين: طيب خلاص متتعصبش مصدقاك، بس هتروح فين يعني؟ ريان: هروح مستشفى الدكتور عادل. تالين بغضب: وطبعًا هتشوف حور؟! ريان: ممكن آه. زفرت تالين وكادت تذهب فأمسك ريان يدها وقال: عيني... مش بتشوف غيرك، حطيها في دماغك كده، يلا روحي حضريلي الفطار. ابتسمت له وذهبت. بدّل ريان ثيابه وهو يتأمل الورقة بخوف، تُرى، ما الذي تحاول والدته إيصاله له؟ يخشى مواجهة الحقيقة ومه ذلك يشعر بأنه مضطر للبحث عنها. كأن يتناول الطعام مع أسعد وهو ينظر إليه في تردد حتى قال: بابا.... هي ماما ماتت إزاي؟ نظر له أسعد وهو يعقد حاجبيه متعجبًا وقال: ما أنت عارف إنها كانت عيانة. ريان: أيوة عارف، بس معرفش هي كان عندها إيه، كل اللي فاكره إنها اتحجزت شهر في المستشفى وإني كنت كل يوم بقعد أعيط عشان توديني أشوفها وإنت بترفض. أسعد: كان عندها سرطان في الرئة، ومش أنا اللي كنت رافض إنك تشوفها، هي اللي رفضت تشوفها في أواخر أيامها وهي تعبانة بالشكل ده عشان متفضلش فاكر شكلها طول عمرك وهي تعبانة، إنت عارف إني مش بحب اتكلم في الموضوع ده. ريان: عارف... معلش كان عندي فضول بس. أنهى ريان طعامه وأخذ سيارته وذهب إلى المشفى. أما أسعد فطلب من سعدية وضع الملح الذي جاء به الروحاني في الأركان وإشعال البخور في المنزل باستمرار ولمدة أسبوع كما طلب منه. وصل ريان إلى المشفى وطلب مقابلة حور لتساعده في البحث عن ملف والدته، فلم يرغب بأن يتحدث مع عادل بالأمر حتى لا يخبر أسعد. وبعد وقت، دخل مكتب حور التي وقفت في سعادة عندما رأته وقالت: بقالك كتير أوي مجتش هنا. ريان: ده حقيقي.... الصراحة مش بحب أعطلك عن شغلك. حور: لا مش بتحب تشوفني أصلًا، عادي عادي يا ريان خدت على كده. نظر لها ريان بصمت، فقد رأى الحزن داخل عينيها عكس الابتسامة الزائفة التي تُزين وجهها، ولكن لا يستطيع أن ينهي هذا الحزن. قالت حور وهي تجلس على مكتبها: قولي بقى... إيه سبب الزيارة السعيدة ديه؟ ريان: الصراحة.... حابب أعرف اللي حصل مع والدتي الله يرحمها قبل ما تموت هنا في المستشفى، أي تقرير أي حاجة عن حالتها. حور: بس ده من فترة كبيرة، ١٧ سنة! أكيد هتلاقي ملفات في الأرشيف. ريان: طيب ممكن تساعديني؟ حور: طبعًا. نهضت حور ولحق بها ريان ونزلا إلى أسفل عند غرفة الأرشيف. ظلت تبحث عن تاريخ الوفاة ثم رقم الغرفة وأخيرًا ملف والدته بالمشفى وسلّمت الملفات إلى ريان، جلس على الطاولة وبجواره حور وبدأ في قراءته. وبعد وقت، قال: بس الأوضة كانت فاضية إزاي قبل ما ماما تموت! مكتوب هنا إن المريضة دخلت وماتت في نفس اليوم والغرفة مكنش فيها مرضى قبلها. حور متعجبة: مش فاهمة، تقصد إيه؟ ريان: ماما قعدت في المستشفى شهر قبل ما تموت، وملفها بيقول إنها دخلت وماتت في نفس اليوم طيب إزاي؟ حور: معرفش.... حاجة غريبة فعلًا، بس إنت متأكد إنها قعدت شهر في المستشفى؟ ريان: أيوة، أنا قعدت طول الفترة ديه أطلب من بابا يوديني أشوفها وهو كان بيرفض. حور: بص، هو مفيش حل غير إن إحنا نسأل باباك أو بابا وهما يفيدونا. تنهد ريان في توتر وقال: طيب أنا هروح، شكرًا يا حور تعبتك معايا. حور: مفيش تعب ولا حاجة. عاد ريان إلى المنزل وصعد إلى غرفته على الفور. ظل يفكر طويلًا، فهو لا يريد أن يسأل أسعد عن والدته مرة أخرى، لشعوره بالحزن على فقدانها فقرر أن ينتظر لعدة أيام قبل أن يعاود الحديث عنها. حل الليل ولايزال ريان يجلس بغرفته ورفض حتى تناول الطعام. شعرت تالين بالقلق عليه ولكن لم تستطع أن تصعد إلى غرفته، فقررت أن تستغل المشروب الليلي، وأعدته له وكادت أن تصعد به إلى غرفته إلا أن أوقفتها سعدية وقالت: لمين الكاكاو ده؟ تالين: لريان بيه. سعدية: طيب هاتِ أن هطلعه واعملي شاي لأسعد بيه. أخذت سعديه الكوب من يدها، فنظرت لها تالين في ضيق وأخذت تعد الشاي لأسعد. لم تجد تالين فرصة أخرى لتصعد إلى غرفة ريان فذهبت إلى غرفتها في حزن، أما ريان فقد كان ينتظرها أيضًا، راغبًا في الحديث معها ليقصّ لها ما حدث، ولكن عند دخول سعدية بالمشروب أصابه اليأس، وضع المشروب على الطاولة ولم يشربه. فهو يعلم أنه ليس مريضًا ولا يحتاج إلى شئ ليساعده على النوم. عاد للتفكير، حتى قاربت الساعة من الثانية صباحًا. كان يشعر بالاشتياق إلى تالين كثيرًا، وزادت رغبته في الحديث معها، فهو لا يملك أحدًا غيرها ليقصّ لها ما يحدث. قرر أن ينزل إلى غرفتها، فكل من في المنزل نائمون الآن. نزل ريان إلى أسفل واقترب من الغرفة، وكاد أن يطرق الباب إلا أنه سمع الأصوات نفسها التي كان يسمعها في غرفته، وهناك من ينادي باسمه داخل غرفة تالين بصوت مرعب. تعجب وشعر بالخوف عليها، ففتح الباب سريعًا ليجد تالين تلتفت إليه في رعب. هنا وقع في صدمة، إذ كانت تبدو في نفس هيئة الشبح الذي ظهر في غرفته أول ليلة حتى أن لون عينيها قد تبدل وأصبح كلون عين والدته. دخل الغرفة واقترب منها وهي تتراجع إلى الخلف في ذعر. كاد أن يتحدث لكنه تراجع ليغلق الباب ثم اقترب منها مرة أخرى. أغلقت تالين التسجيل ونظرت إليه في خوف فقال ريان في غضب وهو يشير إلى المسجل: إيه ده؟! لم تتحدث، وبدأت دموعها تنساب على وجهها في صمت فأعاد ريان السؤال بغضب عارم: إنطقي وقوليلي إيه ده؟... إتكلمي. تالين ببكاء: هفهمك والله بس متظلمنيش. ريان: تفهميني إيه؟! ما هي باينة زي عين الشمس، بتشتغليني يا تالين؟! تالين باكية برجاء: غصب عني والله، والله هفهمك كل حاجة بس متفهمنيش غلط. لم يعطيها ريان وقت للحديث فرفع يده وصفعها بقوة وانهال عليها ضربًا في غضب.

📜 الفصل الخامس 📜

حين يكتشف العاشق أن حبيبته لم تكن سندًا له بل هي من دفعته إلى الهاوية، لا ينطفئ الحب في قلبه فحسب بل يتحول إلى نيران تحرق كل ما يراه؛ يتحول كل ما فيه من عشق ورغبة إلى رماد. تتبدّل مشاعر الحب بأخرى مفعمة بالغضب والقهر والألم؛ فقد كان يظنها منقذته فصارت داءه، وكان يرى فيها النور فصارت زنزانة لقلبه. لم يرتكب ذنبًا سوى أنه أحبها. كانت تقوده إلى الجنون وتزرع في عقله شكوكًا في أقرب الناس إليه، وتتلذذ بعذابه وهي ترتوي من عشقه الذي يغمرها من كل الجهات. من أصعب أنواع الجنون أن تكتشف في النهاية أن من أحببت يومًا لا تقدر مشاعرك ولا تستحقها؛ فتدفنها بداخلك رغمًا عنك، وتترك غضبك يتحكّم بك آملاً أن يلتئم هذا الجرح. ومع انهيار كل هذه المشاعر فقد نفسه؛ صار يضربها أينما وجدها وهي تصرخ ليتركها أو ليمنحها فرصة لتشرح له. وبعد وقت من الضرب، وقف أمامها وهي تبكي وأنفاسه متصاعدة من الغضب؛ نظرت إليه برجاء ودموع في عينيها، ثم ارتمت أمام أقدامِه وقالت بانهيار: والله غصب عني... هفهمك كل حاجة يا ريان. جذبها ريان من شعرها وقال بغضب: ريان بيه... يا جربوعة يا بيئة. دفعها بقوة لترتطم بالفراش ثم عادت وأمسكت بساقه وقالت: حاضر....ريان بيه، بس اسمعني، أبوس رجلك وبعدين أعمل فيا اللي إنت عايزه. ريان بغضب: الكلمة ديه هتندمي عليها، عشان لو سبت نفسي أعمل اللي أنا عايزه صدقيني هموتك في إيدي. تالين: موتني.... بس اسمعني الأول، أنا دخلت البيت ده عشان أكشف حقيقة موت والدتك. ريان: وإنتِ مالك ومالها؟! وبعدين حقيقة إيه اللي عايزة تكشفيها؟! تالين: أنا بنت أختها، أنا بنت خالتك صفية، فاكرها؟ بدأ ريان يسمع لها وقال: فاكرها. تالين: خالتي حنان مكنتش عيانة، أبوك من ساعة ما اتجوزها وهو بعدها عن أمي وعن أي حد تعرفه، وبالرغم من إن إمي وخالتي مكنش ليهم غير بعض، بس ماما قالت طالما مبسوطة وعايشة مرتاحة بعيد عن الفقر اللي كانو فيه مش مهم. اتقطعت أخبارها سنين لحد ما نقلت الفيلا ديه، كانت خالتي هتتجن على أمي وكانت أتجوزت وخلفتني، وفجأة؛ في يوم لقت جواب من أختها، الأول قعدت تقولها أد إيه هي وحشاها بس ملقتش طريقة تتواصل بيها معاها غير الجوابات، عشان أسعد بيه كان بيفتش في تليفونها على طول وكان مانع إنها تتكلم في تليفون البيت، بس في آخر الرسالة كان فيه حاجة غريبة، قالتلها إنها شاكة في تصرفات أسعد من ساعة ما نقلت في الفيلا ديه، وكمان إنها شاكة إنه شريكه مات، ورجع اتقطعت أخبار خالتي فترة، وبعدين بعتت رسالة تانية قالت فيها إنها شاكة إن جوزها قتل شريكه، بسبب إنه كان بيجيله كوابيس كل ليلة وبيقول وهو نايم كلام يخوف، وبعد كده بقت تبعت رسايل لماما كل يوم، وآخر رسالة جات لماما قالتلها إنه قتل فعلًا صاحبه وشاكة إن دفنه في الدور الأرضي بتاع الفيلا ديه، وبعد كده اتقطعت أخبارها نهائي، لحد ما جالها خبر وفاتها، وعرفت من أسعد بيه إنها كان عندها سرطان وبتتعالج بقالها فترة كبيرة وحالتها كانت متأخرة جدًا، وآخر شهر قضيته في المستشفى. ريان: وإنتو إيه اللي أكدلكو إن الرسايل ديه كانت من ماما أصلًا؟ تالين: من ضمن الرسايل كانت بتتكلم عنك كتير وبعتت لماما عنوان الفيلا ديه، مين هيعرف كل المعلومات ديه عنكم ويعرف أمي غيرها؟! وكمان أكيد أمي عارفة أسلوب أختها كويس. السؤال اللي المفروض تسأله هو لو خالتي فعلًا كانت عيانة ليه مقالتش ده لأختها، ولا حاولت تشوفها قبل ما تموت؟ ولو كانت طلبت ده من جوزها مكنش هيمنع عنها أختها وهي خلاص بتودع الدنيا، ده لو بيحبها وبيموت فيها زي ما بيحكي لحد دلوقتي عنها. ريان متعجبًا: إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟! أنا أبويا مش قاتل يا تالين. تالين: إنت ذات نفسك رحت المستشفى وبدأت تدور، وأكيد اكتشفت اللي ماما اكتشفت. صمت ريان يفكر ثم قال: وحضرتك جاية تجننيني عشان تثبتي إن بابا قاتل؟ تالين: ماما مشيت ورا موضوع مرض خالتي، وعرفت إنها دخلت المستشفى في نفس اليوم اللي ماتت فيه، ولما حضرت الدفن أبوك منعها تشوفها قبل ما يدفنوها ومرديش يخليها تشوف وشها، ده غير لما ماما شافت جسمها من برا الكفن حست إن الست ديه أطول من أختها بكتير، وبعدين جات هنا وواجهت أسعد بيه وطردها وبهدلها وهددها لو فتحت بقها هيقتلها ويقتلني أنا وبابا، فخافت وسكتت، لكن مقدرتش تشيل من دماغها فكرة إن أختها ماتت مقتولة، وقعدت سنين تفكر تجيب حقها إزاي، لحد ما كبرت وبقيت في السن ده، وطلبت مني أساعدها وهي اللي رسمت الخطة كلها، وأنا عشان عارفة أد إيه هي تعبانة من الموضوع ده وافقت، وكمان قالتلي إني شبهها جدًا وده هيفيدني في تنفيذ الخطة، وعشان محدش يشك فيا لبست عدسات تغير لون عيني اللي شبه لون عينيها. كان مهمتي وكل اللي عايزاه إني أديك الحاجات اللي خلت ماما تشك في موتها، وكمان كنت عايزاك تفتح الدور اللي تحت يمكن تلاقي حاجة جوا تفيدك وتكشف الحقيقة، بس إنت هربت ومردتش تفتح الباب ده. ريان: أنا مش مصدقك. تالين: طيب ليه والدك مانع أي حد يقرب للدور اللي تحت؟ ريان: بابا منعنا كلنا من ساعة ما خدنا الفيلا أصلًا، من أول ما اشتراها، يعني ملحقش يقتل ويدفن حد تحت زي ما بتقولي. تالين: زي ما مامتك قالت مش إحنا، والجوابات لسه مع ماما لحد دلوقتي. ريان: كان ممكن تيجي تقوليلي ده كله من غير ما تعملي فيا كده، وبعدين أنا إزاي مخدتش بالي إن الشبح ده إنتِ؟ تالين في تردد: عشان كنت بحطلك حبوب هلوسة في كل حاجة تشربها قبل ما تنام، ده غير المكياج اللي كنت بعمله. نظر لها ريان بغضب وقال: إنتِ شيطان، لعبتي عليّا وخلتيني أحبك، وفي الآخر استغليتي كل حاجة عشان تجننيني. لو ربنا مكنش كشفك قدامي كان زماني في مستشفى المجانين ولا مرمي في مصحة بتعالج. إنتِ دمرتيني، وأنا مش هسكت على اللي عملتيه ده. تالين ببكاء: ماما عملت حساب كل حاجة إلا حاجة واحدة بس، إني أقع في حبك، حاولت كتير أقولها نشوف طريقة تانية بس كان خلاص معندناش حل تاني. ريان بغضب: أخرسي.... أنا مش مصدقك، إنتِ كدابة ونصابة وإوعي تقولي إنك بتحبيني. إنتِ أكبر كدبة عشتها في حياتي وأنا هوريكي هعمل فيكي إيه، قدامك الليلة ديه بس تخرجي فيها من البيت ده، لو صحيت ولقيتك لسة هنا هقول لبابا على اللي إنتِ عملتيه، وساعتها معرفش هيعمل فيكي إيه. كاد يذهب ولكن وقفت تالين أمامه وحاولت أن توقفه وقالت ببكاء: متبعدنيش عنك يا ريان، أنا والله حبيتك بجد. رفع ريان يده في غضب وكاد أن يصفعها مرة أخرى فابتعدت تالين ووضعت يدها أمام وجهها الممتلأ بالجروح والكدمات، وأردف ريان بغضب: أخرسي.... إياكي اسمعك بتقولي الكلمة ديه تاني، إنتِ أقذر بني أدمة أنا شفتها في حياتي، وأنا غلطان إني نزلت نفسي للمستوى ده. واحدة غيرك كان زمانها تحت رجلي بتبوسها إني بصتلها وهي حتة خدامة عندي، وبدل ما تحمدي ربنا على إني بصتلك حطتيلي حبوب هلوسة وجننتيني. إنتِ إزاي.... إزاي كنتي بتعملي فيا كده بليل والصبح تدخلي الأوضة تضحكي وتهزري معايا ولا كأنك عملتي حاجة؟ إزاي تبقي شيفاني هتجنن من اللي بيحصلي وقاعدة تستمتعي بحبي ليكي وغزلي فيكي كل مرة بشوفك فيها؟ إنتِ جبتي الجبروت والبجاحة ديه منين؟ عرفتي تعملي كل ده إزاي؟! أمسكت تالين يده وقالت ببكاء: والله ما كنت بمثل عليك الحب، أنا حبيتك بجد. بص أعمل فيا أي حاجة غير إنك تبعدني عنك، إنت مش عارف أنا بحبك أد إيه، أنا مقدرش أعيش من غيرك. نظر لها ريان باشمئزاز وكاد يذهب ولكن أمسكت ذراعه بقوة وقالت: مش همشي يا ريان. إقتلني حتى أنا موافقة بس مش همشي وأسيبك. أنا مش هعرف أعيش بعيد عنك، كنت ناوية أقولك كل حاجة صدقني كنت هفهمك الحقيقة قريب. دفع ريان يدها بغضب وقال: بعد إيه؟! تقولي الحقيقة إمتى؟ بعد ما أكون إتجننت ولا ماشي ورا الدجالين. تالين: بعد ما تعرف الحقيقة، بعد ما تجيب حق أمك اللي ماتت غدر. ريان: بابا مقتلش حد، بابا راجل شريف وبنى نفسه بنفسه. بابا عمره مأذى حد في حياته وحتى لو حد حاول يأذيه في السوق مبيعملش رد فعل يأذي بيه حد. وبعدين بابا كان بيحب ماما جدًا، أنا كنت عايش معاهم وشايف ده بنفسي. مش هصدقك.... عمري ما هصدقك عشان إنتِ خاينة وزبالة وإبعدِ عني بقى. خليني أشوف واحدة نضيفة تستاهل تبقى مراتي وتستاهل حبي ليها مش إنتِ. تالين ببكاء ترجوه: لا يا ريان، إنت ليا أنا، إنت وعدتني إنك تبقى ليا وعمرك ما هتبص لحد غيري. ريان: أنا عمري ما هبصلك إنتِ خلاص. ربنا نجاني منك ومن كدبة وغشك. بكرة الصبح مشفش وشّك في البيت ده.... فاهمة ولا لأ؟ حاول ريان الابتعاد عنها لكنها أمسكت بذراعه بقوة وبدأت تتوسل إليه ألا يتركها. حاول هو سحب ذراعه منها بعنف وعندما عجز عن ذلك لشدة تمسّكها، دفعها فارتطم رأسها بالخزانة وسقطت فاقدةً للوعي، وتدفّقت الدماء من أسفل رأسها. نظر لها ريان في صدمة، وجثا على ركبتيه، ورفعها على ذراعه وأخذ يرتب على وجهها على أمل تفتح عينيها ولكنها لم تستجب، فركض إلى غرفة والده وأيقظه من النوم وطلب منه الاتصال بالطبيب وأخبره أن هناك خادمة فاقدة للوعي وتنزف أسفل رأسها، فنهض أسعد واتصل بالطبيب على الفور ونزل مع ريان لينظر إلى تالين في صدمة وقال: مين ضربها كده؟ نظر له ريان ولم يتحدث، فنظر له أسعد في شك فقال ريان: لا لا.... معملتش حاجة، إنت تعرف عني إني أعمل حاجة زي ديه؟! معرفش مين عمل فيها كده؟ أسعد بغضب: طيب إيه اللي جابك أوضتها؟ ومين ضربها وخلاها تنزف كده؟ ثم نظر له متوعدًا: عارف يا ريان لو اللي في دماغي طلع صح لهوريك أيام أسود من شعر راسك. نظر له ريان ولم يستطع الرد عليه، فإن أخبره الحقيقة فلن يترك تالين وشأنها أبدًا، ولا يعرف ماذا سيكون رد فعله. يا لك من عاشق غبي! أتخاف عليها رغم ما فعلته بك؟! أتخشى أن يأذيها أحد وهي من تفننت في تعذيبك والكذب عليك. سمع أسعد صوت الباب ونهضت سعدية لتفتحه فوجدت الطبيب يقف أمام الباب وقال: أسعد بيه طلبني. سمعت سعدية صوت ريان من خلفها وهو يقول: إتفضل يا دكتور من هنا. ثم نظر إلى سعدية وقال: تعالي معايا يا سعدية، إدخلي مع الدكتور عشان يكشف على تالين. سعدية: تالين؟!.... مالها يا ابني؟ ريان: تعالي بس مش وقته، هفهمك بعدين. لحقت به مع الطبيب ودخلت الغرفة وظل أسعد وريان بالخارج وهو يرى نظرات الشك في عين والده. وبعد وقت، خرجت سعدية فنظر لها ريان وقال: خرجتي ليه؟! سعدية: الدكتور عايز يسألها على حاجة ومش عايزها تخاف مني. أسعد: يعني هي فاقت؟ سعدية: بيفوقها يا بيه، هو إيه اللي حصلها؟! ومين ضربها كده؟! نظر أسعد وريان لبعضهما ولم يتحدثا. وبعد وقت قصير، خرج الطبيب وأبلغهم أنها فقط تحتاج إلى الراحة وأنه قام بخياطة الجرح في رأسها وأعطاها بعض المسكنات وقد استعادت وعيها. وأثناء ذلك، وضعت تالين العدسات داخل عينيها مرة أخرى، ثم وجدت أسعد يدخل الغرفة مع ريان بعد أن ذهبت سعدية مع الطبيب، فوقف أسعد أمامها وقال: مين عمل فيكي كده يا تالين؟ تالين ببكاء: ابن سعادتك يا بيه، لقيته داخل الأوضة عليا فجأة وقرب مني وكان عايز..... كان عايز... ثم بكت وقالت: ولما رفضت فضل يضرب فيا لحد ما دماغي إتخبطت ومحستش بحاجة بعدها. أنا مردتش أقول للدكتور حاجة عشان سعادتك بس، لكن أنا عايزة حقي يا أما هطلع على القسم أعمل محضر فيه إنه ضربني وكان عايز يعتدي عليا وهفضحه في كل حتة. نظر أسعد إلى ريان في غضب ووجده ينظر إليها في صدمة ثم اقترب منها بغضب وكاد أن يضربها وقال: أنا عملت فيكي كده؟! أوقفه أسعد غاضبًا وقال: إنت هتضربها تاني وقدامي؟! طول عمري بقول عليك فاشل وبتاع نسوان ومش نافع. حصلت تغتصب بنت وفي بيتي كمان، عايز تضيع سمعتي واسمي في السوق عشان نزواتك يا قذر. تالين: يا بيه أنا مش هسكت غير لما يكتب عليا. وخالة سعدية هتشهد معايا وهي شافت شكلي وعارفة إني كنت داخلة أنام وأنا سليمة ده غير إن الدكتور قالي إن الجروح والكدمات ديه جناية، يعني هحبسه ومش هسيب حقي. نظر لها أسعد وقال: طيب تاخدي كام وتن... قاطعته تالين قائلة: شرفي مش للبيع يا أسعد بيه، لو متجوزنيش هلبسه كمان قضية اغتصاب وسهلة أوي أعملها، قلت إيه؟! حاول ريان أن يقترب منها مرة أخرى ولم يتمالك أعصابه، فأراد حقًا أن يضربها حتى الموت. لم يصدق ما قالت للتو ولكن منعه أسعد غاضبًا وهو يرى سعدية تدخل الغرفة وقال: كفاية فضايح بقى، إحترم إني واقف ولا أنت خلاص مش عامل لأبوك إعتبار؟ تالين: قلت إيه يا أسعد بيه؟ صمت أسعد قليلًا ثم قال: سعدية.... اتصلي بالمأذون يجي حالًا. نظر له ريان في صدمة وهو يوزع نظراته بينه وبين تالين التي تنظر إليه في انتصار.

📜 الفصل السادس 📜

أنا المخدوعُ بقناعِ الحبِّ الزائف، وحين سقط؛ لم أجد أمامي وجهَها بل وجهَ امرأةٍ لم أعرفها يومًا. كانت ملامحُها أولَ الأكاذيب التي صدّقتها حتى عيناها لم تكونا لها، وابتسامتها كانت خنجرًا ملوَّنًا بالكذب، وكلماتُها خيوطًا التفّت حولي لتنصبَ لي الشَّرك فأقعَ ضحيةً لها. كلُّ وعدٍ منها كان جسرًا هشًّا من الزجاج انهار فور أن وضعتُ قدمَ الحقيقة عليه. عندها أدركتُ أن للخيانة وجهًا آخر... وجهًا مزيّفًا بالمكر. فدفعتُ بعشقي لها عرض الحائط معلنًا غبائي، إذ أحببتُ من طعنت قلبي بسكين الغدر. كانت تدّعي أنها سندي ولم أدرِ أنها الطعنة بذاتها. لقد أحببتُ وهمًا وتعلّقتُ بظلٍّ. وها أنا الآن أتعلّم كيف أكره الضوءَ الذي كان سببَ عماي. أنظر إليها بدهشةٍ وأتعجّب مما أرى: كيف غيرت الأمورَ لصالحها؟! مستغِلّةً حبي لها. هي تعلم أنني لن أستطيع البوح بالحقيقة ولن أضعها بين أنياب غضب أبي بسبب هذا القلب المتيَّم بها. تَبًّا لك أيها القلبُ الغبي، لقد تركتَ من يتمنّين وصلك وأحببتَ من تفنّنت في قتلك واستغلالك. وها أنا أجلسُ رغمًا عني أُعلِنُها زوجةً لي. كم كنتُ أتمنى ذلك اليوم، وكم حلمتُ بأن أضمَّك بين أحضاني مُعلِنًا مِلكيّتي لكِ، لكنني أقف اليوم أُعلِنُ الحِداد على قلبٍ أحبَّ وعشقٍ ثمّ تكفَّنَ بالخيانة. تم عقد القران ودخلت سعدية مع تالين الغرفة وقالت: كنت حاسة إن عينه منك عشان كده كنت بحاول أبعدك عن أوضته بس الحمد لله إن أسعد بيه عرف وستر عليكي. تالين بخجل: هو ملمسنيش. سعدية: إحمدي ربنا إنه ملمسكيش، إنتِ دلوقتي مراته وواحدة غيرك كان زمانها عاملة فرح، حاولي تسعديه بدل ما يرميكي بعد فترة وتخسري حتى شغلك هنا. أومأت لها تالين بنعم، وتركتها سعدية ثم خرجت لتجد ريان واقفًا مع والده. حيّتهما ثم عادت إلى غرفتها. بعد ذلك نظر أسعد إلى ريان بغضب وقال: عجبك الفضايح ديه؟ ريان: يا بابا أنا ملمستهاش. أسعد: وهيفيد بإيه يا فالح، سعدية شافت كل حاجة والبت وشها متشوه، لو كانت راحت القسم وسعدية شهدت معاها كنت هتلبس قضية ومستقبلك هيضيع، المهم دلوقتي لمينا الموضوع، كام شهر كده وطلقها، وديه آخر مرة هقف معاك في حاجة زي كده، لو جيتلي مرة تانية ببلوة زي ديه هتبرى منك وأسيبك تخبط دماغك في أتخن حيط، إتفضل خد عروستك على أوضتك فوق. أومأ له ريان بنعم، وذهب أسعد إلى غرفته بغضب وكل ما يشغله التفكير: ماذا لو عرفت حور بالأمر؟ أما ريان فنظر إلى باب غرفتها بغضب ثم اقترب وفتحه بعنف. فزعت تالين منه وأخذت تخطو إلى الخلف وهي تنظر إليه برجاء وقالت: غصب عني، كنت هتطردني وتبعدني عنك وأنا مقدرش أبعد عنك يا ريان، مش مهم تصدق ولا لأ دلوقتي، بكرة الأيام تثبتلك أنا بحبك أد إيه. اقترب منها ريان بغضب ورفع كفه ليضربها مرة أخرى ولكن أوقفها قبل أن تلامس وجهها وقال: إخرسي، متجبيش سيرة الحب على لسانك، أنا كرهت الحب بسببك، بتدبسيني في الجواز منك يا تالين، ماشي، بكرة تندمي وتاكلي صوابعك العشرة ندم من اللي هعمله فيكي. تالين: أنا عارفة إنك بتحبني ومش ههون عليك. ريان بغضب: وليه أنا هونت عليكي؟! إنتي عارفة إني مش هقدر أقول لبابا حاجة واستغليتي ده لمصلحتك بس ماشي، اللي جاي بتاعي أنا، إتفضلي معايا على أوضتي. ذهبت تالين أمامه وصعدا معًا إلى غرفته وأغلق ريان الباب وقال: شيلي الميكرفون اللي إنتي زرعتيه في الأوضة. نزلت تالين تحت الفراش ونزعت الميكرفون ثم وضعته بيده فقال: الفيديو اللي اشتغل على التلفزيون لما صحتيني بليل، بتاع أمك ده، شغلتيه إزاي واتصور فين أصلًا؟ تالين: عملنا ديكور أنا وماما وصورنا الفيديو، بس إنت عشان حبوب الهلوسة مقدرتش تميز إن مش ديه الفيلا أوي يعني. أخذ ريان يصقف بإنبهار ويقول: جبارة، مشفتش في بجاحتك بصراحة. بكت تالين وقالت: أنا لما دخلت البيت ده مكنتش أعرفك وجيت بس عشان أظهر الحقيقة، لكن حبيتك أعمل إيه؟! بقيت بين نارين وكان لازم أخد حق خالتي من أبوك. ريان بغضب: تاني هتقولي أبوك والكلام الفارغ ده، بابا مقتلش حد. تالين: أظن إنك رحت المستشفى وعرفت إن الأوضة كانت فاضية قبل ما خالتي تموت. ريان: ده مش مبرر وأنا هسأل بابا عن الموضوع ده. تالين: طيب والدور الأرضي؟ أمسك ريان يدها بغضب وجذبها خلفه وخرج بها من الغرفة ونزل إلى الطابق السفلي وفتح الباب ورفع هاتفه وأنار المكان، فوجدت تالين المكان فارغ وقال ريان: بصي الأرض كلها معمولة بالبلاط ومفيش بلاطة مكسورة ولا باين إن فيه حد إدفن هنا زي ما أنتِ بتقولي، صدقتي إن كل ده أوهام في دماغ مامتك وبس؟ نظرت تالين حولها ثم نظرت إلى ريان في حزن فجذبها مرة أخرى وخرج وأغلق الباب ثم صعد بها إلى غرفته وأجلسها على الفراش وجلس أمامها وقال: بصي يا تالين، أنا كان ممكن أعدي كل اللي إنتِ عملتيه ده وأقول معلش كانت مامتها فاهمة غلط وكلت دماغها بكلمتين، وهي عيلة وصدقت، وكان ممكن برده أسامحك عشان مهما كان إنتِ بنت خالتي، لكن كدبك عليا واستغلالك لحبي ليكي لدرجة تخليكي تتبلي عليا إني كنت عايز أعتدي عليكي وتتجوزيني غصب عني ده بقى مش هعديه، فا بصي يا بنت خالتي واسمعي الكلمتين دول عشان ده آخر كلام بيني وبينك، الجوازة ديه شهرين تلاتة بالكتير وهتنتهي. كادت أن تقاطعه وهي تبكي فأردف بغضب: مسمعش صوتك تاني، قعاد معايا في الأوضة هنا مش هيحصل ومحدش يعرف بجوازي منك غير خالة سعدية وبس، لو عرفت أو شميت إن حد عرف هطلقك في وقتها، إنتِ زي ما أنتِ، خدامة في البيت ده، وأول ما يتم الطلاق تاخدي بعضك وتمشي ومشفش وشّك تاني، أما بقى الكلام الفارغ اللي بتقوليه على بابا ده مش عايز اسمعه تاني، مفهوم؟ تالين ببكاء: بس أنا بحب... قاطعها ريان بغضب وقال: مفهوم؟ أومأت له بنعم فقال: غوري على أوضتك. نهضت وهي تبكي حتى وصلت عند الباب فقال ريان: استني. نظرت له تالين وهي تبكي ووجها غارق بالدموع فقال: إعملي حسابك جوازي من حور هيبقى قريب، مش عايز أي لعبة من ألاعيبك، أنا غلطان إني نزلت بمستوايا لواحدة زيك. غادرت الغرفة تجرّ خلفها حزنًا وكسرة، وامتلأ صدرها بألمٍ لا ينتهي. كانت تتمناه وبعد أن أصبح لها بات أبعد مما يكون. اختفت نظرات الحب من عينيه وتبدّلت بالاشمئزاز. لم يعد الصدر الذي كانت تتمنى يومًا الاتكاء عليه بل أصبح لعناتٍ تلاحقها من كل اتجاه. تمضي في الممر، وكل خطوة تخطوها تزرع في رأسها سؤالًا واحدًا: هل سيتزوج غيري؟ هل خسرته حقًا؟ يا لندم قلبي وحسرة حبي، فلم يعد لها سوى الوداع. عادت إلى غرفتها وارتمت على الفراش، تضع وجهها على وسادتها وانهارت في البكاء. أما هذا المخدوع فرغم ما فعلت، لم يتحمل بكاءها. كانت دموعها كالجمر يسري على صدره لا على وجهها. نظرة الحسرة في عينيها ألمته وكادت أن تحطم الجمود الذي يصنعه على وجهه. لم يكن يعرف أن الكلمات التي يلقيها عليها لينتقم لجرح قلبه ستجرح قلبه أولًا. مرّ الليل الطويل بين بكائها وندمه على حديثه، حتى سطعت شمس النهار. نزل ريان إلى المطبخ وطلب أن يتحدث مع سعدية. فخرجت من المطبخ ووقفت أمامه وقال: اللي حصل إمبارح مش عايز حد يعرفه غيرك مفهوم؟ سعدية: حاضر يا بيه. ريان: تالين في أوضتها تحت عايزك تعالجي الجروح اللي في وشها وجسمها، ومتخرجش من أوضتها غير لما تخف أو تحط أي حاجة على وشها تداري بيها الجروح ديه. سعدية: حاضر يا بيه. ريان: وهتفضل خدامة في البيت زي ما هي لا أكتر ولا أقل. سعدية: اللي تشوفه. ريان: نفذي يلا اللي قلت عليه. ذهب ريان إلى الطاولة وبعد وقت نزل أسعد ووجده يتناول الطعام مرتديًا حلته ومستعدًا للذهاب إلى العمل، فاقترب منه وجلس أمامه وقال: إيه النشاط ده؟ ريان: بقالي كتير مرحتش الشغل ومتأخر عليّا حاجات لازم أخلصها. أسعد: إيه الجواز علمك المسئولية ولا إيه؟ ريان: بابا، لو سمحت أنسى الموضوع ده كأنه محصلش وأنا شهرين وهطلقها أصلًا. أسعد: أهم حاجة متحملش منك. ريان: ملمستهاش أساسًا. أسعد: وطالما مش عايز تلمسها عملت اللي عملته إمبارح ده ليه؟ ريان: إنت عارف موضوع الحالة النفسية اللي عندي، وأكيد مكنتش في وعيي. أسعد في قلق: لا كده حالتك بقت خطر فعلًا، وبعدين يا ريان؟ وليه مقولتليش إمبارح. ريان: عشان النتيجة واحدة سواء بمبرر ولا لأ، كانت هتفضل تهددنا وبرده مش هقدر أقول على موضوع مرضى. أسعد بحزن: اممم، فهمت. ريان: أنا كنت عايز أسأل حضرتك على حاجة. أسعد : قول. ريان: هي ماما دخلت المستشفى بتاعت الدكتور عادل قبل ما تموت بشهر؟ أسعد: لا، دخلت يوم ما ماتت. ريان: بس هي كانت محجوزة في المستشفى من بدري. أسعد: أيوة، كانت في مستشفى تانية بس نقلناها عند عادل عشان كان جايبلها دكتور من برا مصر يعالجها وللأسف ملحقتش، في نفس اليوم ماتت. تأكد ريان من أن أسعد لم يفعل ذلك وكل ما فكرت به خالته صفية هو وهم وراحت ضحيته هذه الفتاة ومات حبهما على آثره. أسعد: هو أنت بتسأل كل الأسئلة ديه ليه؟ ريان: ها، لا ولا حاجة، متشغلش بالك يا بابا، عايز حضرتك تحدد معاد مع دكتور عادل عشان نروح نطلب إيد حور. ابتسم أسعد وقال: بجد؟! ريان: اه، وياريت محدش يعرف حاجة عن اللي حصل إمبارح. أسعد: طيب هتتجوز حور إزاي وتالين هنا؟ ريان: هخطبها بس ولما أطلق تالين هتجوزها. تركه ريان وقال: هقوم أشوف حاجة وأحصل حضرتك على الشركة. ذهب ريان إلى غرفة تالين، أما أسعد فأخذ سيارته متجهًا إلى الشركة وأمسك هاتفه واتصل بعادل وبعد أن تلقى المكالمة قال: أيوة يا عادل... ريان فعلًا جيه سألني وأنا قولتله نفس اللي قولته لحور.... اه الحمد لله إنك لحقتني. عادل: مش عارف ابنك ماله اليومين دول، بيفتح في الدفاتر القديمة ليه؟ أسعد: معرفش يا عادل، بس فيه خبر تاني. عادل: خير. أسعد: ريان طلب يجي يتقدم رسمي لحور، أظن كده عملت إتفاقنا كله زي ما قلت وحور هتبقى لريان. عادل: أيوة كده تعجبني، والسر يفضل في بير. أسعد: طيب الحمد لله. دخل ريان غرفة تالين فوجدها جالسة على الفراش. حاولت سعدية أن تضع بعض الأدوية على وجهها لتهدئتها من ألم الجروح لكنها رفضت. وقف ريان ينظر إليها بضيق وقال: أخرجي يا خالة سعدية وسيبينا لوحدنا. خرجت سعدية وتركت الأدوية على الفراش، فاقترب منها ونظرت له بعيون باكية مشتاقة له ولرؤيته، لاحظ ريان نظراتها فقال: كفاية كدب وتمثيل، كل حاجة اتكشفت خلاص ولا أنتِ مش بتعرفي تتنفسي من غير كدب؟ تالين: مش بكدب، عمري ما كدبت في حبي ليك. ريان: هشششش. أمسك الدواء وحاول وضعه على وجهها، فأبعدته ودفعت يده بعيدًا عنها. أمسك يدها في غضب فتأوهت من الألم. ترك يدها وقال غاضبًا: ما أنتِ لو تثبتي مش همسكك. تالين ببكاء: مش عايزة شفقة منك، جاي ليه هنا، مش قلت مش هتنزل بمستواك تاني؟ مش قلت هتتجوز ست حور بتاعتك؟ جاي هنا ليه؟ نظر لها ريان ببرود وقال: هي مش ست حور بتاعتي، هي ست البيت ده وستك وتاج راسك، وكلها كام يوم وتخدميها وتبقي تحت رجليها لحد ما أنا أطلقك وأرميكي برا البيت بمزاجي، إثبتي بقى عشان أحطلك الدوا على وشك. تالين ببكاء : اطلع برا يا ريان، اطلع برا ومش عايزة أشوف وشّك تاني. ريان: بيه... ريان بيه. نظرت له تالين في حزن وقالت: حاضر يا ريان بيه، ممكن تسيبني في حالي، أنا مش عايزة علاج ولا عايزة حاجة منك، سيبني اموت يمكن ارتاح وترتاح مني إنت كمان. ريان: ياريت والله. قذف الدواء بوجهها وتركها وكاد أن يغادر الغرفة ولكن إلتفت إليها وقال: ماما كانت في مستشفى تانية قبل ما تتنقل على مستشفى دكتور عادل، بابا نقلها عشان دكتور عادل كان جايبلها دكتور من برا يعالجها بس ملحقش يشوفها لإنها ماتت في نفس اليوم، أظن كده كل شكوككم بقت باطلة، عرفتي إنك ضيعتي كل حاجة عشان وهم في دماغك وبس؟ نظرت له تالين والحسرة في عينيها، ثم ذهب ريان وأغلق الباب. وقف قليلًا محاولًا تمالك مشاعره فمن الصعب عليه الحفاظ على هذا القناع البارد أمامها. كان وجهها وجسدها ممتلئين بالندبات، مما جعله يندم على ما فعله. وكان الحديث الذي يصدر منه من وراء هذا القلب المشتعل بحبها يستمر في جرحه أولًا. سمع صوت بكائها يعلو ويعلو فكاد يدخل الغرفة مرة أخرى، لكنه منع نفسه وتركها وذهب إلى الشركة.

📜 الفصل السابع 📜

كانت تنظر إلى أثره كما لو كانت ترى طيف روحها يغادر جسدها تاركًا كل أمل وكل حلم وكل لحظة سعادة كانت تتمناها بجواره، تموت تحت أقدامه. لم يبقَ سوى الندم يعتصر قلبها دون هوادة، لكن الندم لن يعيده ولن يرمم قلبها الجريح بكلماته القاسية. فهو يخطو بعيدًا عنها قاصدًا امرأة أخرى. وبعد أن أصبحت زوجته ومنت نفسها بأن يكون ملكها، تراه يتربع بين يدي غيرها. ستنعم بأحضانه الدافئة وتسمع كلامه العذب وترى الحب في عينيه وهو ينظر إليها نظرة العاشق. هي من دفعته إلى الهاوية، ولم يصدق حتى ما قالت أو رأى أنها كانت محقة فيلتمس لها عذرًا. ظلت تنظر حولها وهي تبكي بشدة، تشعر ببرودة المكان فقد غادر دفء حياتها بعيدًا عنها فلم تجد سوى هاتفها فأمسكت به بيد مرتعشة وطلبت صفية وقالت: أيوة يا ماما. صفية بقلق: مالك يا تالين بتعيطي ليه كده؟ تالين: ريان عرف كل حاجة، ضربني يا ماما علقة وكان عايز يطردني من البيت ومصدقش ولا كلمة من اللي قولتها، ودافع عن أسعد بكل قوة ونزل تحت الدور الأرضي ودور بنفسه، ولما ضربني إتخبطت في دماغي وأغمى عليا وأضطر يجيب الدكتور، وأنا هددت أسعد إني هفضحهم وهقول للناس إن ريان كان عايز يعتدي عليا، فا خاف وطلب المأذون وجوزنا لبعض، بس ريان كرهني يا ماما، هو اه حماني ومقالش لأسعد إني بنتك، بس خلاص مش طايقني ورماني تحت في أوضة الخدم وعايز يتجوز حور ويطلقني بعد كام شهر، أعمل إيه يا ماما؟ إلحقيني. صفية: كل ده حصل إمبارح؟ تالين: آه، قوليلي حل في المصيبة ديه. صفية: ما هو طول ما هو مش مصدقك مش هيبص في وشك، هيشوف إنك بس كنتي بتكدبي عليه. تالين: طيب أعمل إيه برده؟! صفية: نفذي الخطة زي ما اتفقنا، وازرعي الميكرفون في مكتب أسعد وهو هيقع لوحده. تالين: وبعدين؟ صفية: ساعتها خدي التسجيل وسمعيه لريان وهو يتصرف. تالين ببكاء: على ما أعمل ده كله هيكون اتجوزها يا ماما، أنا قولتلك بلاش أكمل وسيبيني أقوله الحقيقة، قولتلك نشوف طريقة تانية غير ديه وإنتِ مردتيش، كل أما كنت بشوفه بالمنظر ده كنت بكره نفسي أكتر وأكتر لحد ما خلاص كرهني. صفية: يا بنتي في الحالتين مش هيصدق يبقى عملنا إيه؟ تالين: على الأقل مكنش كرهني، مكنش حس إني غشيته وخدعته وكنت السبب في جنانه. صفية: طيب إهدي، معرفش الواد ده عملك إيه غيرك فجأة كده، ده احنا كنا بنتحايل عليكي تشوفي عريس حتى. تالين: حبيته، وهو حبني بجد، أو كان بيحبني ودلوقتي هيبقى لغيري، أقفلي يا ماما مش قادرة أتكلم. أنهت تالين المكالمة، أما ريان فذهب إلى الشركة وطلب قصي إلى مكتبه وبعد قليل دخل قصي المكتب وقال: إيه يا ابني، مختفي فين ده كله؟ وسألت أسعد بيه قالي إنك تعبان شوية، وبتصل مش بترد عليا، مالك فيه إيه؟ ريان: أقعد يا قصي وأنا هحكيلك، بس مش عايز مخلوق يعرف حاجة عن اللي هقوله ده. قصي: قول يا صاحبي متخافش. قصّ له ريان ما حدث، وقصي ينظر إليه بدهشة ثم قال: معقول تالين يطلع منها كل ده؟ ريان: أنا جوايا نار من إمبارح يا قصي، نار مش هتبرد غير لما أذلها قدامي، ومش هاين عليا أعمل فيها كده، فيه حاجة جوايا بتقولي غصب عنها، كانت فاهمة غلط، بس مش قادر أسامحها على اللي عملته، ديه كانت بتحطلي حبوب هلوسة، إنت متخيل عملت فيا إيه؟ أنا أول مرة شفت الشبح كان هيجرالي حاجة بجد، قولت خلاص اتجننت وفي الآخر بتشككني في بابا، لا لا، ديه مجنونة رسمي وأنا مش هسمحلها تدمر حياتي بالشكل ده. قصي: هو حقك مش هقولك لأ، بس جوازك من حور مش صح يا ريان، أولًا ده جواز مش لعبة وإنت مش بتحبها، ثانيًا حور ذنبها إيه تتجوزها بس عشان تحرق قلب تالين؟ ريان بحزن: أي واحدة غير تالين مش فارقة معايا، كلهم زي بعض بالنسبالي. قصي: طيب ما هي مراتك دلوقتي. ريان: مش عايز أشوفها كده، أنا كل اللي شاغل دماغي أذلها إزاى؟ قصي: والله يا صاحبي خايف عليك تقع في الآخر وإنت اللي تزعل مش هي. ريان: ومين قالك إني مش زعلان؟ وعشان زعلان وهي السبب هدفعها التمن. عاد ريان إلى المنزل بعد يوم عمل طويل، ثم بدل ثيابه ليذهب مع أسعد لطلب يد حور رسميًا. نزل إلى الأسفل منتظرًا أسعد، ثم توجه إلى غرفة تالين ودخل الباب دون أن يطرقه. فقالت تالين: مش تخبط الأول. ريان: ليه داخل على بني أدمة والمفروض احترمها مثلًا؟! ده إنتِ تحمدي ربنا إني داخل أوضتك الزبالة ديه، المهم متضيعيش وقتي، حلوة البدلة؟ تالين: إنت جي عشان تسألني عن البدلة؟ ريان: طبعًا، مش تشوفي جوزك وهو عريس ورايح يتجوز واحدة غيرك، أمال أحرق دمك زي ما حرقتي دمي إزاي؟ بكت تالين وقالت: حرام عليك اللي بتعمله فيا ده؟ ريان بغضب : واللي كنتي بتعمليه فيا حلال؟! تالين: حقك عليا يا ريان. نظر لها بغضب فأردفت: بيه، ريان بيه، أعمل إيه طيب عشان تسامحني؟ ريان: بوسي رجلي. نظرت له تالين بصدمة فقال: أصلًا هتوسخي الجزمة بلاش. تالين: للدرجة ديه؟ ريان: لا أصعب بصراحة، أنا بقيت قرفان منك وقرفان إنك على ذمتي. تالين بحزن: طلقني يا ريان. ريان: تؤ تؤ، لما أخلص حقي منك الأول، لما تبقي خدامة لمراتي وتذلك قدام عيني وأنا واقف أتفرج وأضحك على منظرك. تالين: ماشي، أعمل اللي يريحك يا ريان. تركها ريان وذهب. وعندما خرج من الغرفة شعر بأن ما به من غضب قد هدأ قليلًا، لكن لا يزال يسيطر عليه رغبة الانتقام منها. ذهب إلى منزل حور، وقام أسعد بطلبها للزواج وحددا موعد الخطبة بعد ثلاثة أيام في منزل أسعد. عاد ريان وأسعد وأبلغا الخدم بالاستعداد لاستضافة حفل خطبة ريان في المنزل. نظرت سعدية إلى ريان بحزن، فهي تشعر بالشفقة على تالين القابعة بغرفتها متألمة وحزينة مما حدث. بعد وقت، صعد ريان إلى غرفته وأحضرت له سعدية كوبًا من اللبن فقال ريان: لا مش عايز يا سعدية خديه معاكي. كادت تذهب ولكن توقفت والتفتت إليه مرة أخرى وقالت: طيب ليه يا ابني بتذل البت بالشكل ده؟ طلقها وسيبها تروح لحال سبيلها. ريان: معلش يا سعدية، هي اللي جابته لنفسها. سعدية: ديه بت غلبانة وشكلها بتحبك، ديه مبطلتش عياط من ساعة ما مشيت. ريان: تتفلق، اطلعي وإقفلي الباب وراكي. حاول ريان أن ينام، ولكن حديث سعدية عن بكاء تالين ظل يتردّد داخل رأسه، ومعه سيل من اللعنات يصبّها على هذا القلب العاشق الأحمق. ثم وضع وسادة على رأسه ونام. مرّت ثلاثة أيام، ولم يحاول ريان أن يرى تالين فيهم. كان يريد أن ينساها، أن يبدأ حياته دونها ويعتاد الأمر. حاول التقرب من حور التي تعشقه حقًا فهو يعلم أنها فتاة جيدة وبريئة، ولم ترَ بالعالم سواه؛ فهو حب طفولتها. وجاء موعد الخطبة، وقد تزيّن المنزل وأصبح مستعدًا لاستقبال العروسين. أثناء انشغال الخدم وكل من في المنزل بالتحضيرات، تسلّلت تالين إلى غرفة مكتب أسعد ووضعت تسجيلًا أسفل المكتب ثم خرجت سريعًا. في المساء، أخفت تالين آثار الضرب على وجهها بمستحضرات التجميل مما زادها جمالًا على جمالها. استجمعت قوتها لتقف وتؤدي مهام وظيفتها كخادمة، ترحب بضيوف حفل خطبة زوجها وحبيبها من غيرها. كانت تشعر برجفة قلبها وحزنًا عميقًا داخل صدرها، شعور جعلها تفقد القدرة على التنفس كأن روحها تغادر جسدها ببطء. اقتربت سيارة ريان ودخلت الحديقة. نزل منها وهو يرتدي حلة سوداء زادت وسامته، والتف حول السيارة ليفتح الباب لحور ويمسك يدها لتقف وتنظر إليه بعيون عاشقة متيمة. أما تالين فوقفت مكانها، تنظر إلى ما يحدث وبداخلها صرخات قلبها كانت تكاد تفوق صوت الموسيقى والتصفيق بالمكان عند دخول العروسين. لم تتحرك ولم يرتد طرفها توقفت رئتاها عن التنفس، وانسابت دموعها في صمت. نعم، سيصبح ملكًا لغيرها. هل هناك ما هو أسوأ من هذا الشعور الذي يعتصرها؟ وضع ريان يد حور على ذراعه ونظر أمامه، لتقع عيناه على تالين التي تنظر إليه ويبدو على وجهها ألم وحسرة وانكسار لم يره من قبل. أشاحت تالين بوجهها بعيدًا عنه. ريان أراد رؤيتها مكسورة، لكنها لم تتحمل نظرة الشماتة في عينيه فهربت من أمامه وركضت إلى الداخل وهي تبكي حتى اصطدمت بسعدية فقالت: مالك يا بت بتجري كده ليه زي العامية؟ تالين ببكاء: أنا مش قادرة يا خالة، أبوس إيدك خلي حد يشتغل مكاني، مش قادرة أشوفه مع واحدة تانية. سعدية بحزن: طيب روحي يا بنتي وأنا هقف مكانك بنفسي. نظرت لها تالين بأمتنان ثم ركضت إلى غرفتها. لم تخرج تالين من الغرفة مرة أخرى. كانت تسمع صوت الموسيقى، والضحكات، والتصفيق يتردد داخل المكان، فحاولت أن تضع أي شيء داخل أذنها لتمنع الصوت وأغمضت عينيها بقوة. وما زاد ألمها أكثر أنها بمجرد أن أغلقت عينيها رأت صورة ريان أمامها. ليس ذلك المنتقم القاسي بل ريان حبيبها، الذي كان يغمرها بكلمات العشق والغزل وعيناه التي كانت تحتضنها في كل مرة ينظر إليها. زاد بكائها وهي تصرخ: وحشتني يا ريان أوي! وبعد وقت، هدأت الأصوات وانتهى حفل الخطبة. دخل ريان المنزل بصحبة حور التي كانت تمسك يده بقوة، ومعهما عادل وأسعد بعد أن غادر المدعوّون فقال عادل: مش يلا نمشي بقى يا حور. أسعد: سيبهم مع بعض شوية يا عادل وتعالى ناخد القهوة سوا في المكتب. عادل: آه والله وقتها، دماغي صدعت من الصوت. أسعد: هاتي القهوة يا سعدية على المكتب. دخل عادل وأسعد وجلس ريان وحور بالبهو فقالت حور: هي فين تالين؟ مشفتهاش بتخدم في الحفلة يعني؟ ريان: معرفش، يمكن عيانة ولا واخدة أجازة. حور: الصراحة مكنتش برتاح لنظراتها ليك ولا نظراتك ليها. ريان: امممم. حور: ريان هو إنت متأكد إنك فعلًا عايز تتجوزني؟ ريان: مش سألتي السؤال ده قبل كده وجاوبت عليه؟ حور: معلش أحب اسمعها تاني عشان اطمن، إنت جننتني يا ريان بجد وطلعت عيني. ريان: اطمني. رأى سعدية تدخل المكتب ثم خرجت فقال: هقوم أسأل سعدية على حاجة وأرجع. نهض ريان وأوقف سعدية وقال: فين تالين؟ سعدية: في أوضتها يا بيه. ريان: وليه مخدمتش في الحفلة. سعدية: أول مرة أعرف إنك بالقسوة ديه، ديه مراتك يا ابني، عايزها تخدم في فرحك وتشوفك وإنت بتتجوز غيرها، ده إنت تقتلها أهون عشان مفيش ست تستحمل وضع زي ده. ريان: وهي مصدقة نفسها إنها مراتي؟ بعد كده بلغيها أوامري تتنفذ، لما تمشي حور خليها تجيلي فوق. سعدية: حاضر يا بيه. بعد قليل، خرج عادل وأسعد وذهبت حور إليهما، كانت تشعر بالدوار قليلًا فقال عادل: إنتي تعبتي حبيبتي؟ نروح؟ حور: ريحة البخور قوية أوي، أول مرة أشم بخور زي ده. أسعد: آه، ده جديد. ريان: لو تعبانة نطفيه. حور: لا لا، كده كده هنروح يعني، يلا يا بابا عشان نسيب ريان يرتاح. قاما بتوصيلهما إلى الباب وصعد ريان إلى غرفته وبدّل ثيابه وانتظر تالين، دخلت تالين الغرفة وعندما وقفت أمامه رفع يده وصفعها بقوة فنظرت له بصدمة وقالت: عملت إيه تاني عشان تضربني؟! ريان: أنا مش قلت تقفي تخدمي في الفرح. وكمان إيه الزفت اللي حطاه في وشك ده؟ بتحاولي توقعي صيدة جديدة؟ طبعًا ما الصيدة الأولانية باظت فقولتي تدوري على واحد أهبل غيري. تالين بغضب : كفاية إهانات، وإياك تمد إيدك عليا تاني. ريان غاضبًا: إنتي بتهدديني؟! تالين: أفهمها زي ما تفهمها، إنت ملكش حق تمد إيدك عليا لا بصفتي خدامة ولا بصفتي مراتك، أنا سكتت المرة اللي فاتت عشان بس عذرت صدمتك لكن فاكر إنك خلاص مسمحولك تضربني في أي وقت، مش هيحصل. ريان محذرًا: صوتك ميعلاش، فاهمة ولا لأ؟ تالين: هتعمل إيه تاني؟ عايز تدمر فيا إيه تاني؟ هونت عليك يا ريان تعمل فيا كده؟ هونت عليك حبك الوحيد تكسرها بالشكل ده؟ قدرت تستحمل كسرتي قدام عينيك؟ قلبك موجعكش عليا؟ ارتبك ريان وصمت والتفت ليواليها ظهره فوقفت أمامه مرة أخرى وقالت: هتقدر تبقى لغيري؟ هتقدر تلمس واحدة غيري؟ مش كنت بتقولي مش شايف حد غيرك؟ دلوقتي شفت وبالسهولة ديه؟ ريان: مستنية مني إيه بعد اللي عملتيه؟ تالين: مش قادر تسامحني؟ مش قادر تفهم إنه غصب عني؟ طيب قولي أعمل إيه عشان تسامحني وأنا هعمله. نظر لها ريان في ضعف، هو اشتاق إليها، كلما اقترب من حور شعر بأن قلبه ليس داخل صدره بل تركه عندها في هذه الغرفة الصغيرة، رأت تالين نظرة حنين في عينيه فاقتربت منه وقالت: لسه بتحبني، مش هتقدر تنساني بسهولة، أنا عارف إن قلبك ملكي ومش هسيب جسمك يبقى ملك غيري، أنا مراتك ومحدش هيشاركني فيك. ريان: بس أنا مش عايزك. اقتربت منه أكثر ليضعف ريان أمام عينيها وقالت: كداب، عينيك فضحاك، قلبك ليا وهيفضل ليا، متعاندش يا ريان عشان منخسرش احنا الاتنين. ريان: خُسارتك مكسب. وضعت يدها على وجنته وقالت في همس: عارفة إنك مجروح مني وعايز تجرحني زي ما جرحتك، بس والله الوجع اللي جوايا أكبر بكتير من اللي جواك، إنت دوست عليا أوي يا ريان، قلبي بيوجعني، حرام عليك بقى. لم يتحمل ريان أكثر فقرب وجهها من وجهه وضم وجنتيها بين راحتيه وقال: سلامة قلبك. انسابت دمعة من عين تالين وقالت: وحشتني أوي، وحشني كلامك وصوتك. ريان: أنا مش عارف أسامحك، مش عارف يا تالين. تالين: هفضل طول عمري تحت رجلك عشان تسامحني بس متسبنيش، متعملش فيا كده، متتجوزش عليا يا ريان عشان خاطري. ريان: الوضع دلوقتي أصعب، بابا مش هيوافق. تالين: وافق أو موافقش أنا مراتك. نظر ريان إلى ملامحها في اشتياق واقترب منها أكثر ولكن اُطفئت الأضواء فجأة فقالت تالين: النور قطع معقول؟ ريان: النور برا شغال. ذهب ببطء اتجاه زر الأضاءة ليشعله فلم يشتعل فقال: غريب النور مش شغال ليه؟ تالين: مش عارفة، حصل قفلة ولا إيه؟ عادت الإضاءة ووجد ريان شبح يقف خلف تالين، فنظر له بصدمة وجذبها إلى جواره، لتنظر خلفها وتصدم من هيئته، فقال ريان بغضب: تاني يا تالين؟ تاني؟! تالين بذعر: والله ما أنا؟ أنا معملتش حاجة، ده شبح حقيقي. نظر له ريان مرة أخرى بدهشة من هيئته، ولكن توقف مرة أخرى عندما رأى شبح آخر يقف بجواره مما زاد صدمته وفتح عينيه بعدم استيعاب.

📜 الفصل الثامن 📜

حين يتحول الخيال إلى حقيقة، فتعصف بكل أفكارك وتترك عقلك خاويًا لا يدرك ما يحدث أمامه، فقط تظل تنظر إلى ما يحدث بعقلٍ مغيّب. أما هي، فقد نظرت إلى الأشباح أمامها بصدمة، نعم، يبدو عليهما أنهما حقيقيان. ظلت تجوب بنظرها إليهما وإلى ريان، الذي يقف أمامها بكل جراءة، ليس بقوة شخصيةٍ منه أو عدم رهبة، بل لظنه أن هذا فخ جديد منها، فوقف ينظر إليها بغضب، بينما هي ظهر عليها علامات الخوف بشدة، خاصةً عندما اقترب منها أحد الشبحين وقال بصوتٍ عجيب: شكرًا. كان عقلها لا يفكر في هذه اللحظة سوى بشيءٍ واحد: كيف ستبرر موقفها أمام ريان الآن؟ فهو ينظر إليها نظراتٍ مليئة بالشك، وفجأة اختفى الشبحان من أمامهما، فنظر ريان لها وأخذ يصفق بقوةٍ وقال: كل مرة بتثبتيلي إنك هتفضلي حقيرة. قالت تالين خائفة: أنا معرفش حاجة عنهم، ريان دول حقيقيين، أنا معملتش حاجة. ريان بغضب: كفاية بقى، كل أما أصفالك ترجعيني تاني لنقطة الصفر، وبعدين شبح إيه اللي يظهر يقولك شكرًا ويمشي؟! إنتِ عايزة تطلعيني أهبل وخلاص؟ تالين: يا ريان صدقني، أنا مليش دعوى باللي حصل ده. قاطعهما صراخ أسعد وهو ينادي بقوة: ريااااان! خرج ريان مسرعًا، ولحقت به تالين، ودخلا الغرفة ووجدا الشبحين يمسكان بأسعد، وقد تبدلت ملامحهما إلى الغضب الشديد. فتراجع ريان إلى الخلف خوفًا من هيئتهما، ووقفت تالين خلفه في ذعرٍ، وأمسكت بملابسه بقوة، فصاح ريان: سيبوه، إبعدوا عنه! نظر له أحد الأشباح وعادت ملامحه إلى الهدوء، فقال ريان: أبعدوا عنه حالًا. فتركاه واختفيا من أمامهم، فغاب أسعد عن الوعي من هول ما رأى، فاقترب ريان منه في ذعر وصاح: بابا! بابا، حصلك إيه؟ لم يُجب، فأمسك هاتفه واتصل بسيارة إسعاف لتنقله إلى المشفى سريعًا. ثم اقتربت منه تالين وقالت: إهدى يا ريان، إن شاء الله هيبقى كويس. ريان بغضب: إخرسي بقى! إنتِ مش شايفة نتيجة اللي إنتِ عملتيه؟! لو بابا جراله حاجة يا تالين، مش هيكفيني غير روحك أطلعها بإيدي من جسمك! تالين: متظلمنيش، بقولك مش أنا اللي بعمل كده، يا ريان ده بيختفوا فجأة وشكلهم بيتغير، هعمل أنا ده كله إزاي؟ حكم عقلك شوية. ريان: آه أحكم عقلي، عشان المرة ديه يتقال عليا مجنون واترمي في مستشفى المجانين، صح؟ بقولك إيه، أنا مش فايقلك دلوقتي، غوري من وشي. تالين: هغير هدومي وأجي معاك المستشفى، مش هسيبك لوحدك. ريان: لا طبعًا، حور أكيد هتيجي، وهي أولى تبقى معايا، مش إنتِ. تالين: هي أولى إزاي يعني؟ وأنا اللي مراتك! ريان: بذمتك مصدقة نفسك؟! أنا مش طايق أبص في وشك. برا يا تالين، غوري على أوضتك لحد ما أطمن على بابا، غوري! نظرت له تالين في حزن وذهبت من أمامه، وبعد وقت جاءت سيارة الإسعاف، وقام ريان بنقل أسعد إلى مشفى وصعد معه بالسيارة ووصل إلى مشفى دكتور عادل، واتصل به ليبلغه بالأمر، فذهب مسرعًا ومعه حور. وبعد الكشف عليه، خرج الطبيب وقال: خير يا دكتور عادل، متقلقش، واضح إنه اتعرض لموقف صعب شوية، فالضغط ارتفع جدًا، وده سبب الإغماء. إحنا هنحطه تحت الملاحظة في العناية، هنزل الضغط، والحمد لله مفيش جلطات ولا حاجة. ريان: يعني هيفضل هنا؟ الطبيب: يومين بس نطمن على الحالة، ويروح معاك إن شاء الله. ريان: شكرًا يا دكتور. ذهب الطبيب، ونظر ريان إلى عادل وقال: آسف يا عمي، نزلتك في وقت زي ده. عادل: لا طبعًا، مفيش داعي للاعتذار، الحمد لله إنه كويس. بس إيه حصل مرة واحدة كده؟ ريان: ها، لا، تقريبًا من الفرحة. إنت عارف بابا من زمان وعايز يجوزنا أنا وحور. عادل: ممكن، الحمد لله إنها عدت على خير، يلا نروح يا ولاد، وبكرة الصبح نيجي. ريان: ماينفعش أفضّل معاه؟ حور: لا حبيبي، ديه عناية مركزة. متقلقش، أنا بكرة الصبح هتلاقيني جنبه، وهو إن شاء الله هيبقى كويس، وتيجي تقعد معاه وتكلمه بكرة. ريان: ماشي، يلا طيب نروح. عادل: تعالى أوصلك في طريقنا. ذهبوا معًا، أما تالين فقد كانت تجلس في غرفة ريان وتنظر حولها في ذعر، وحين تتذكر أن حور مع ريان الآن تزفر في ضيقٍ من شعور الغيرة الذي يتخلل صدرها، لكنها تحاول أن تبعد هذا الشعور وتحاول أن تركز على ما حدث اليوم وظهور تلك الأشباح بهذا الشكل. ثم تذكرت التسجيل الذي وضعته في غرفة المكتب عند أسعد، فنزلت على الفور، ودخلت المكتب سريعًا وأخذته، وعادت إلى غرفة ريان، وقامت بتشغيل المسجل وسمعت الحوار الذي دار بين أسعد وعادل، لتفتح عينيها في صدمة، وقررت أن تعطي هذا التسجيل لريان ليعرف الحقيقة كاملة. بعد وقت، وصل ريان إلى المنزل، وصفّ عادل السيارة لينزل ريان ويشكره على توصيله. فقالت حور: ريان، ممكن أنزل أشرب؟ ريان: آه طبعًا، تعالي. نزلت حور من السيارة، وانتظر عادل بالخارج، ودخلا معًا المنزل. وعندما سمعت تالين صوت السيارة، خرجت من الغرفة سريعًا، ولكنها توقفت واختبأت بجانب أول الدرج عندما رأت حور تدخل معه. ثم تركها ريان ودخل المطبخ ليحضر لها الماء، وخرج وهو يحمل الكوب بيده، فأخذت حور الكوب منه ولمست يدها يده، فظهر الارتباك على ريان من لمستها. نعم، هو لا يريد أحدًا غيرها ولا يرى غيرها. أبعد يده وشربت حور الماء، ثم نظرت إليه وقالت: شكرًا. مد يده ليأخذ الكوب، فأبعدت حور الكوب وأمسكت يده واقتربت منه، ونظرت داخل عينيه وقالت: هو أنت مش عايز تقولي حاجة؟ تحمحم ريان وقال: حاجة إيه؟ حور: إنت عارف إني بحبك يا ريان، كان حلمي نبقى لبعض، وعمري ما اتمنيت حاجة تانية في حياتي غيرك، وربنا استجابلي وبقيت ليا، بس نفسي تكمل، واسمع كلمة بحبك منك. ريان: ما أكيد خطبتك عشان كده يا حور. حور: عشان إيه؟ عايزة أسمعها منك، مش طالبة حاجة تانية. وقف ريان متخبطًا، نعم، هو قرر الزواج منها، ومن حقها أن تعلم حقيقة مشاعره. وعندما سمع هذا الرجاء وبهذه الطريقة، وقف عاجزًا لا يرى خيارًا آخر أمامه سوى الكذب، فقال: بحبك يا حور. ابتسمت حور له في سعادة، وتراقص قلبها عندما سمعت هذه الكلمة، على عكس تالين التي وصلت الكلمة إليها كسيفٍ يقتل روحها ويقطع قلبها إلى فُتات، وانسابت دموعها على وجهها بألمٍ لا يوصف. حتى غادرت حور، وصعد ريان الدرج وهو يشعر بالغضب من ذاته لقوله هذه الكلمة لها وهو غير صادق بها. وعندما وصل أعلى الدرج وجد تالين تقف ودموعها تملأ وجهها، فعلم أنها سمعت ما قال، فنظر إليها بجمودٍ عكس حزنه الذي يدفنه داخل صدره وقال: واقفة كده ليه؟ تالين: بتحبها؟ ريان: مش شغلك، روحي على أوضتك، مش طايق أشوفك. تركها ببرود أعصاب ودخل غرفته، فلحقت به وهي في قمة غضبها وقالت: لا، شغلي! إنت جوزي أنا وحبيبي أنا، ومش مسمحلك تحب ولا تتجوز غيري! جلس ريان على الفراش في هدوء وقال: وهتمنعيني إزاي إن شاء الله؟ تالين ببكاء: بطل برود يا ريان، أنا عارفة إنك بتحبني ومش هتحب غيري، إنت قولتلي كده، قولتلي إنك بتحبني أنا وبس ومش شايف غيري. ريان: وحاليًا مش شايفك أصلًا. تالين: أنا عارفة إني غلطت، ومستعدة أعتذرلك طول عمري على غلطي ده، بس متعملش فيا كده. وقف ريان أمامها في غضب وقال: أنا مشفتش بجاحة زي ديه قبل كده! إنتِ مش شايفة بابا فين بسببك النهارده؟! تالين: بسببي ليه؟! قولتلك مليش دعوى باللي حصل من شوية. ريان غاضبًا: والمفروض أصدقك، صح؟! إنتِ كدابة يا تالين، وأنا مش هعرف أصدقك تاني! أنا مش عارف إنتِ متخيلة إزاي إني ممكن أشوفك زي الأول وأفضل أحبك بعد اللي عملتيه فيا؟! وكمان جاية تكملي على الموضوع بعملتك السودة النهارده، وعايزاني أفضل مخلص ليكي؟! ده أعمله إزاي؟ وبأي عين واقفة دلوقتي وبتحاسبيني على اللي بعمله؟! حاسبي نفسك الأول! تالين: أحلفلك بإيه إني مليش دعوى باللي حصل النهارده؟ ريان: آه؟ اتفضلي إكدبي تاني، وخليني أصدق إن فيه أشباح فعلًا في البيت! اتفضلي، الأهبل واقف قدامك ومستني يصدق كدبك! ما هو أنا لو صدقته تاني أبقى أهبل يا تالين! بصي من الآخر، بعد اللي حصل في بابا النهارده، إنسي أي حاجة كانت بينا، ده حتى لما حاولت أصفالك، جيتي وعملتي عملتك الهباب ديه، وبابا بين الحيا والموت بسببك، أنا مش مصدقك بجد. تالين: وليه متقولش إن الأشباح ديه ظهرت فعلًا بسبب اللي والدك عامله؟ اتفضل، اسمع التسجيل ده. أمسك ريان المسجل ونظر إليه في تعجب وقال: إيه ده كمان؟! تالين: ده تسجيل لأسعد بيه ودكتور عادل، لو سمعته هتفهم كل حاجة. قذف ريان المسجل أرضًا بقوة وقال: تاني؟! برده بتحاولي بكل الطرق تطلعي بابا قاتل وخلاص! لسه مصدقة اللي مامتك قالتهولك، وكمان عايزاني أقتنع بيه غصب عني؟! بصي يا تالين، أنا آخر حاجة أقدر أعملهالك عشان محسش إني ظلمتك، إني هخليكي على ذمتي ومش هطلقك دلوقتي عشان سمعتك، والناس متقولش إنك إتجوزتي تصليح غلطة لما يعرفوا إنك اتطلقتي بعد كام يوم، وده مش عشان بحبك، لأ، عشان إنتِ في الأول والآخر بنت خالتي. لكن غير كده، أنا كنت طردتك من البيت ده دلوقتي حالًا. تالين ببكاء: يا ريان حاول تصدقني، طيب اسمع التسجيل بس. صاح ريان غاضبًا: مش عايز أسمع! مش عارف أصدقك، أنا مبقتش عايزك يا تالين، افهمي بقى! نظرت له في حسرةٍ، شعورٌ بالانكسار والخسارة والندم جعلها تفقد الأمل في كل شيء. لأول مرة ترى هذه النظرة داخل عينيه، نعم لقد كرهها حقًا. لم تتحدث فقط تركت الغرفة بهدوء تحت نظرات ريان الغاضبة، التي تحولت إلى حزن بعد أن غادرت الغرفة بهذه الهيئة. هو لا يستطيع أن يصدقها، بل يرفض ذلك لا يريد أن يتحطم عالمه بهذه الطريقة، لا يريد أن يرى والده قاتلًا والقتيلة هي أمه. أحيانًا نخاف من رؤية حقيقة الأمور، فنرفض حتى تصديق أي شيء يؤدي إلى رفع غطاء الكذب عن أعيننا، وهذا ما كان يشعر به ريان. فأسعد هو كل عائلته ووالده، ولا يملك سواه في هذه الحياة. يحاول أن يبعد تلك الشكوك عن رأسه، مذكرًا ذاته بكل الأفعال الجيدة التي فعلها أسعد معه ولأجله، فكيف يصدق ذلك عنه ويقف ليشير إليه بأصابع الاتهام؟ أما تالين، فعادت إلى غرفتها منهزمة ترفع قدمها عن الأرض وتتقدم بصعوبة. فقدت ريان، كرهها، أصبح ملكًا لغيرها، وهي السبب. بعد ساعات قليلة، سطعت شمس النهار وبدّل ريان ثيابه وذهب إلى المشفى سريعًا ليرى أسعد. وعندما وصل، أبلغه الطبيب بأنه ما زال لا يقوى على الحديث، ومن الأفضل أن يتركه حتى يرتاح قليلًا. فذهب إلى الشركة وباشر العمل بدلًا عن والده، وكان يبدو عليه الحزن والشرود ولاحظ قصي ذلك، فلم يترك له مجالًا حتى قص عليه ما حدث. فقال قصي: يا ريان، تالين معاها حق، ما هي واقفة جنبك هتعمل ده كل إزاي؟ وبعدين، إنت بتقول شكل الأشباح اتغير وكمان اختفوا من قدامك فجأة مش زي ما كانت تالين بتعمل. ريان: مش عارف يا قصي، وبعدين إنت تقصد إنها معاها حق في اللي بتقوله على بابا؟! قصي: لا طبعًا، بس كل اللي بقوله إن ممكن فعلًا يكون في أشباح. ما تتصل بسلطان ده وافهم منه إيه اللي بيحصل، يمكن يفيدك. ريان: ده أنا نسيته خالص، تصدق إنه قال نشغل البخور ده، والملح يبقى في البيت لمدة أسبوع؟ قصي: هو كده الأسبوع خلص؟ ريان: آه، النهارده تقريبًا آخر يوم، أنا لما أروح هتصل بيه من على موبايل بابا، عشان مش معايا رقمه. قصي: هتعمل إيه مع تالين؟ ريان: مش عارف، أنا كنت متعصب وخايف على بابا، وعكيت الدنيا معاها، وكمان سمعتني أنا وحور فمعرفش بقى، أنا مش عارف أصدقها يا قصي. قصي: أو رافض تصدقها. ساعات الحقيقة بتوجع بس مهما هربت منها، هتظهر هتظهر. نظر له ريان ولم يتحدث، وبعد وقت عاد إلى المنزل، وعندما دخل، لم يستطع أن يفكر بشيءٍ آخر سوى تالين، فوجد نفسه يتوجه إلى غرفتها على الفور وفتحها ليجدها فارغة. ولحقت به سعدية سريعًا وقالت: مكنتش عارفة أقولك ولا لأ، ولا يهمك الموضوع أصلًا يعني يا ريان بيه، بس تالين مش موجودة في البيت. نظر لها وهو يعقد حاجبيه وقال: يعني إيه؟! سعدية: يعني تالين سابت البيت، دخلت الصبح أشوفها ملقتهاش في الأوضة. ريان: اتصلتي بيها؟ سعدية: ما ده الغريب، تليفونها وهدومها هنا، معرفش راحت فين، وسابت كل حاجة، حتى الفلوس مش موجودة. نظر لها ريان في صدمة، وظل ينظر بالغرفة، ووضعت سعدية الهاتف بيده وتركته وذهبت. وتخلل إلى صدره شعورُ فقدانها الذي جعل كل شيءٍ ينهار أمامه في لحظة.

📜 الفصل التاسع 📜

من الحماقة أن لا نشعر بقيمة الأشياء إلا عندما نفقدها. فنحن غارقون في سيلٍ من النعم، ولا ندركها إلا حين نُحرم منها. كم من شخصٍ فقد حاسةً من حواسه، وكم من آخر فقد طرفًا من أطرافه، ولا يشعر بألمه إلا هو وحده. أما هذا المخدوع، فلم يدرك عِظم عشقه لها إلا حين اختفت من أمامه. أليس أنت من دفعتها عنك بكل قوتك؟ أليس أنت من ضربتها، وحرمتها حقوقها كزوجة، وجعلتها خادمةً في منزلها؟ رأيت الحسرة في عينيها وأنت تذهب لتكون ملكًا لغيرها، وها أنت الآن تبحث عنها! تشعر بالضياع دونها! إنها الحماقة ذاتها... أن تتعامل مع من تحب على أنه سيبقى إلى الأبد. فلا أحد يُخلَّد في هذه الدنيا، وفي أي لحظةٍ قد تخسر كل عزيزٍ عليك. فتمسّك بمن تحب، فربما يكون الفراق أقرب مما تظن. نظر ريان إلى سعدية، وفي لحظةٍ كأن الزمن توقّف حوله، رحلت؟! أين؟ كيف سأجدها الآن؟! فليس لديّ أي معلومةٍ عنها. لا أعلم أين تسكن، حتى هاتفها بين يديّ. جلس ريان على فراشها غير مستوعبٍ لما حدث بعد، ثم نظر إلى خزانة الملابس، وفجأة تذكّر الثياب التي كانت ترتديها بالأمس. نعم، كانت ترتدي ثياب النوم، وحتى إن رحلت فلا بدّ أنها بدّلتها. بحث في الخزانة ولم يجدها. نزل مسرعًا إلى المطبخ وسأل سعدية إن كانت قد أخذت شيئًا من ملابسها، لكنها أكدت أنها لم تفعل. وقف ريان شاردًا، وشعور غامض في داخله ينبئه بأنّ هناك خطبًا ما. خرج من المطبخ وعقله يعجّ بالأفكار، لكن الخوف والحزن على فقدانها جعلاه يفقد تركيزه، فلم يجد أمامه سوى الاتصال بقصي. حدّثه ريان عمّا حدث، فأخبره قصي بأنه سيأتي إلى منزله على الفور. بعد وقت، وصل قصي وجلس مع ريان في البهو وقال: طيب، تفتكر حصلها حاجة؟ ريان: معرفش يا قصي، مش عارف أفكر ولا أركز... هتجنن بجد، هي راحت فين؟! قصي: والله يا ريان، أنا حاسس إن في حاجة غريبة فعلًا بتحصل في البيت ده، وبعدين ريحة البخور دي غريبة أوي بجد. فتح ريان عينيه في صدمة وقال: أنا هتصل بسلطان، هو اللي هيقدر يفيدني في الموضوع. قصي: هو إنت لسه مكلمتوش؟! ريان: أنا أول ما دخلت البيت، رحت عشان أشوف تالين فورًا، ولما لقيتها مش موجودة دماغي وقفت. قصي: للدرجة دي متعلق بيها يا ريان! طيب ليه بتعذبها كده؟ حتى لو غلطت، هي بررت موقفها وقالتلك إن مكنش قصدها كل ده يحصل. بصراحة، إنت دوست عليها أوي. زفر ريان وقال: عارف يا قصي، بس إنت بجد مشفتش حالتي كانت عاملة إزاي بسبب موضوع الأشباح ده. لو كنت شفت التعب اللي كنت فيه، وشفت منظري وقتها، كان زمانك بتقولي "تستاهل". قصي: أنا مش بقول إنها مش غلطانة، بس بقولك إن رد فعلك كان صعب على أي واحدة. يعني مش كفاية إنك ضربتها، لا، ده كمان رحت وخطبت واحدة تانية قدام عينيها، وهي مراتك اللي مخليها خدامة في بيتك! ريان: طيب، ممكن كفاية لوم وخليني أشوف موضوع سلطان ده الأول؟ قصي: اطلع هات تليفون أسعد بيه واتصل بسلطان... لما نشوف آخرتها. صعد ريان إلى غرفة أسعد وأخذ هاتفه، ثم اتصل بسلطان على الفور وقال: حضرتك الروحاني سلطان، صح؟ قال سلطان: أيوه، مش ده رقم أسعد الأكرم؟ ريان: أيوه، أنا ابنه. في الحقيقة حصلت حاجة غريبة كده في البيت عندنا، ومحتاج حضرتك تيجيلي في أسرع وقت. سلطان: كده كده كان فيه معاد بينا النهارده، بس كنت مستني تليفون من أسعد بيه يبلغني بالوقت بالضبط. ريان: تقدر حضرتك تيجي إمتى؟ سلطان: أنا فاضي دلوقتي، لو مناسب أجي. ريان: مناسب جدًا، أنا مستني حضرتك. خرج ريان من غرفة أسعد ونزل إلى أسفل منتظرًا سلطان. وبعد وقت، وصل سلطان، فقصّ عليه ريان ما حدث مع والده أولًا، ثم مع زوجته، وأيضًا ما فعلته تالين من خداع في الأمر. قال سلطان: بص، أنا من ساعة ما دخلت البيت وأنا حاسس بطاقة غريبة. لما أسعد بيه قالّي على الأشباح اللي إنت بتشوفها، شكّيت شوية في الكلام، بس عشان أتأكد خليتكم تستخدموا البخور ده والملح كمان، عشان لو فيه فعلًا أشباح تظهر. وواضح إن كان فيه فعلًا، بس مش ظاهرة للعين. قال ريان في صدمة: يعني إيه؟! اللي ظهروا لبابا دول أشباح فعلًا؟! سلطان: أيوه، للأسف. ريان: والأشباح دي عايزة إيه؟! سلطان: أكيد فيه حاجة مستخبية وهما عايزينها تظهر. شرد ريان يفكر، فقال قصي: طيب وتالين؟ سلطان: أنا مش عارف حصلها إيه، بس لو تالين كانت عارفة حاجة ومخبياها، يبقى ممكن يكونوا خدُوها. ريان في ذعر: خدُوها إزاي يعني؟! أنا عايزها ترجع! سلطان: لازم أتواصل معاهم وأعرف هما عايزين إيه، وخدوها فعلًا ولا لأ. ريان: مستني إيه؟! بسرعة! قام سلطان بإشعال بعض البخور، ثم جلس يتمتم قليلًا حتى سمعوا أصواتًا مرتفعة في الدور السفلي. وقف ريان وقصي في ذعرٍ من ارتفاع الأصوات، فأشار سلطان إليهما أن يهدآ. ظل سلطان يتمتم حتى انطفأت الأضواء فجأة، نظر قصي وريان حولهما في ذعر، ثم سمعا صوت تالين من بعيد. وقف ريان وقال: تالين، إنتِ فين؟! فقال سلطان: الأشباح خدوها. ريان: ليه؟! خدوها ليه؟! سلطان: هي كانت بتساعدهم، ولما فشلت خدوها عشان يضغطوا عليك. ريان: طيب، عايزني أعمل إيه؟! فجأة اشتعلت الأضواء مرة أخرى، ونظر قصي عاليًا في صدمة. ربت قصي على عاتق ريان، فنظر له ريان ووجد عينيه مثبتتين في الأعلى، وعلى وجهه علامات الذهول. رفع ريان بصره فوجد تالين تقف على السقف، وملامح وجهها تثير الرعب في القلب. نظر سلطان إليها وقال: ده استغلّوا جسمها. حاول ريان الاقتراب منها، فأمسك سلطان بيده وقال: إهدى، أنا هتواصل معهم. اقترب سلطان وقال بهدوء: قولوا، عايزين إيه؟ هبطت تالين فجأة أمامه وقالت بصوتٍ مختلف تمامًا عن صوتها، صوتٍ يدبُّ في القلوب رعبًا: الحقيقة. سلطان: بخصوص إيه؟ تالين: عايزين ناخد حقّنا من اللي قتلنا. ريان: مين اللي قتلكم؟! تالين: إنت عارف. ريان: مش مصدق اللي بتقولوه، ابعدوا عن تالين. تالين: مش هنسيبها غير لما تجيب حقّنا، لولاه مساعدتها مكناش قدرنا نخرج ونتكلم، مش هنرجعها غير لما حقنا يرجع. انطفأت الأضواء مرة أخرى، وبعد وقتٍ قصيرٍ اشتعلت من جديد. نظر ريان حوله في ذعرٍ يبحث عن تالين، حتى سمع صوت غلق باب الطابق السفلي. ركض مسرعًا وحاول فتح الباب، لكنه كان موصَدًا من الداخل. عاد ريان إلى البهو ونظر إلى سلطان وقال: الباب اتقفل ومش عارف أفتحه، أعمل إيه؟ سلطان: طيب إنت عارف مين اللي قتلهم؟! نظر له ريان ولم يتحدث فأردف سلطان: الحل في إيدك إنت، للأسف أنا مقدرش أعملك حاجة. تركه سلطان وغادر ونظر قصي إلى ريان وقال: بص، أنا عارف إن الكلام صعب وميتصدقش، بس لنفرض إن كلام تالين حقيقي، هتعمل إيه؟! ريان في غضب: لا يا قصي، بابا لا يمكن يكون قاتل. قصي: طيب براحة، أنا مش بقول إنه قاتل بس على الأقل خلينا نتأكد. ريان: هنتأكد إزاي طيب؟! قصي: طيب نكمل في الطريق اللي إنت بدأتَه. ريان: ولحد ما أوصل للحقيقة بقى هسيب تالين كده محبوسة معاهم؟! قصي: مش عارف، أنا مش عارف إيه اللي بيحصل ده كله بصراحة. ريان: روح يا قصي دلوقتي، أنا عايز أقعد أفكر دماغي مشتتة، سيبني لوحدي شوية. تنهد قصي وقال: طيب هسيبك ترتاح ولو عايز أي حاجة مني اتصل بيا فورًا هتلاقيني عندك. ذهب قصي وعاد ريان إلى الأسفل محاولًا فتح الباب مرة أخرى لكن دون جدوى. نظر إلى الباب في يأسٍ وظل ينادي باسم تالين. شعر بالحزن يسيطر عليه والخوف من فقدانها جعله في حالةٍ من الضعف لم يشعر بها من قبل. عاد ريان إلى غرفته وجلس على الفراش، واضعًا رأسه بين راحتيه. لم يستطع إنكار أن هناك جزءًا بداخله يصدّق ما قالته تالين لكن عقله لا يرغب في الاعتراف بذلك. لم يكن يريد أن يرى والده بهذه الصورة؛ فمهما بلغ الإنسان من العمر سيظل يرى والده هو البطل الخارق في قصته. رفع ريان رأسه متنهّدًا بقوة وفتح عينيه ليرى المسجّل الذي أعطته له تالين في آخر مشادةٍ بينهما. نهض وأمسك به ثم عاد ليجلس على الفراش وظلّ ينظر إليه مطولًا. نعم، الخوف يسيطر عليه ولا يقوى على سماع الحقيقة، لكنه في النهاية استجمع شجاعته وقام بتشغيله. فلاش باك/ كان أسعد وعادل يجلسان بالمكتب فقال أسعد: وعدتُ ووفيت. عادل: أنا كنت عارف إن ريان هو اللي هيجي يطلب حور في الآخر، بنتي حلوة وألف مين يتمناها بس احنا كان بينا اتفاق ولازم يتم. أسعد: وخلاص كده، أظن نقفل بقى على كل الحوارات القديمة ديه. عادل: نقفلها، والحمد لله واضح إن ريان بقى كويس، عارف لما قولتلي إنه شاف شبح أمه؟ ولا الجواب اللي كانت كاتباه لأختها، أنا قلت بس ريان هيعرف الحقيقة وهنروح في داهية، وخصوصًا لما راح المستشفى وبدأ يدور ورا موت حنان، لولا إن حور جات قالتلي كان زمانك اتفضحت قدام ابنك. أسعد: عمري ما هنسى وقفتك معايا يا عادل، هي اللي كانت خاينة وتستاهل القتل، بس مقدرتش أخلي ريان يعرف حقيقة أمه. عادل: والله يا بخت الواد ده بيك، ده أنت حتى مردتش تعمل تحليل تتأكد منه إذا كان ابنك ولا لأ، مع إن واحد غيرك بعد خيانة مراته كان شك في نسبه. أسعد: حتى لو مش ابني، عمري ما هشيله من على اسمي، أنا مليش غيره في الدنيا. عادل: طيب، ربنا يخليهولك يا سيدي، هقوم بقى أخد حور ونروح. عودة من الفلاش باك. نظر ريان إلى الفراغ أمامه وانسابت دموعه رغمًا عنه. أمي خائنة! أمي خانت أبي! لذلك قتلها! وهل هو حقًا أبي؟! صدمةٌ كانت كفيلة أن تُبدِّد كل أفكاره من رأسه، شعورٌ بالانهزام والضعف جعله لا يقوى حتى على النظر إلى وجهه في المرآة. ما أصعب أن تأتيك الطعنة من أقرب الناس إليك. كيف تحمّل أبي هذا؟! ولايزال يقف أمامي يقول أنه يحبها ولم يستطع أن يتزوج غيرها! أهذا عشقٌ أم مرض؟! لقد طعنته بالخيانة والغدر، طعنت كبريائه كرجل. كيف فعلت ذلك بعدما انتشلها من الفقر وجعلها سيدة هذا المنزل؟ أهذا ردُّ الجميل؟! كم من عاشقٍ أُصيب بطعنة الغدر وأبى قلبه النسيان.

📜 الفصل العاشر 📜

ليتني لم اسمع. وُلدت هذه الجملة في صدره على الفور فالندم الآن يزرع بذوره بداخله ليحصد منها ألمًا كاد أن يقتل كل جميل فيه. ثم تردد سؤال آخر في داخله أكثر إيلامًا: "من أنا؟ من هو أبي؟" أغلق عينيه على ألمه محاولًا أن يوقف سيل الأسئلة التي انهمرت داخل عقله وكل سؤال يعصف به في اتجاهٍ أشد من الآخر. لكن عقله لم يتوقف، ظلت الأسئلة تتوالى عليه: هل أمي خانت أبي؟ هل أنا ابن الخطيئة؟ هل حقًا أسعد ليس والدي الحقيقي؟ هل أبي قتلها فعلًا؟ توالت الأسئلة الكثيرة حتى صاح في غضب وبكاء قائلًا: كفــــــــــاية. قذف المسجل من يده ووضع رأسه بين راحتيه يضغط بقوة عليها كي يُوقف تفكيره حتى سمع آخر سؤال يتردد في ذهنه: " إذن، من هو الشبح الآخر؟" زرع هذا السؤال بذرة شكٍّ فيما سمع، فإذا كانت أمه خاطئة إذًا فكيف يأتي شبحها لينتقم منه؟ هناك حلقة مفقودة وهذا ما آثار شكوك ريان أكثر، فقرر أن ينهي هذا الصراع ويذهب إلى أسعد ليواجهه ويسمع الحقيقة منه. ظلَّ ريان على الفراش، يحدِّق في الفراغ، وما زاد حزنه هو احتياجه لتالين. نعم، الآن فقط يشعر بغيابها، ويُدرك كم كانت أهمَّ شخصٍ في حياته، ليزداد ندمه أكثر. تذكَّر ما فعله بها، وتلك النظرة الحزينة التي كانت ترتسم في عينيها عندما رأت حور متعلِّقة بذراعه أمام الجميع. كان كطائرٍ جريحٍ على يد صاحبه، ينظر إليه في عتابٍ وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة قائلًا: "أنتِ من قتلتني غدرًا." لكنَّه أدرك أخيرًا أنَّ عقابه لها كان أشدَّ قسوةً من القتل، فقد تحملت كلَّ ما فعله بها فقط لتبقى بجواره. رفضت أن تتركه في الوقت الذي كان ينهال عليها ضربًا، وتمسكت به وبحبها له، وفعلت المستحيل كي تصبح زوجته، حتى وإن عرَّضت سمعتها للخطر، فلم تأبه لأيِّ شيءٍ سواه. نعم، أحبَّتني... صدقًا أحبَّتني، وأنا أيضًا أحببتها. حلَّ الصباح وبدل ريان ثيابه سريعًا وذهب إلى المشفى. وجد أسعد قد استعاد وعيه بالكامل ووافق الطبيب على زيارته له. دخل ريان الباب وقبل رأسه أولًا ثم قال: حمد الله على السلامة. لاحظ ريان أن أسعد ليس على طبيعتة، عيناه تجوبان الغرفة كأنه يخاف من ظهور شيء ما فقال ريان: مالك يا بابا؟! أسعد في ارتباك: أنا شفتهم، الأشباح اللي كنت بتقول عليهم، صدقتك خلاص، قولي إنت شفتهم تاني؟ قالولك حاجة؟! عقد ريان حاجبيه وقال: هيقولو إيه يعني؟! أسعد: أي حاجة، لو قالولك أي حاجة قولي عليها. تنهد ريان وقال: هو إنت خايف من إيه؟ مخبي عليا إيه؟ زاد ارتباك أسعد فقال: أنا؟!..... مش مخبي، هخبي إيه يعني؟! تنهد ريان بقوة وقال: أنا عرفت الحقيقة يا بابا، عرفت إني مش ابنك. أسعد: مش ابني إزاي يعني؟! ريان: شبح ماما قالي كده، قالي إني مش ابنك، وإنها كانت جاية عشان تقولي كده. أسعد في غضب: يعني أمك كانت بتخوني؟! إزاي وإمتى؟! ريان: مسألتهاش، بس أنا حابب أتأكد. أسعد: لا، أمك استحالة تعمل فيا كده، ديه كانت بتتمنى رضايا، كانت بتعشق التراب اللي بمشي عليه. ريان: طيب قتلتها ليه؟ فتح أسعد عينيه بصدمة ولم يستطع أن يجيب عليه فأردف ريان بغضب: قتلتها ليه؟! طالما أنت متأكد إنها مخانتكش، ليه قتلتها؟ وليه دكتور عادل بيقول إنها كانت خاينة؟ أسعد بتعجب: هو عادل قالك كده؟! ريان: بابا أنا قولتلك إني عرفت كل حاجة؟ فاضل سؤال واحد بس هيجنني، لو هي مخانتكش، قتلتها ليه؟ أسعد: كنت عارف إنهم مش هيسيبوني، أنا غلطان إني خدت الفيلا، غلطان إني مسبتهاش وهربت. ريان: بابا، فهمني من غير ألغاز. دخل عادل الغرفة وهو ينظر إليهما بتعجب وقال: بتزعقو ليه كده؟ فيه إيه يا ريان؟! والدك لسه مخفش وواقف بتتخانق معاه. زفر ريان بقوة فقال أسعد: لا يا عادل، ده زعلان مني عشان مش واخد بالي من صحتي. عادل: ماشي بس مش كده، وعلى العموم متخافش عليه، هو بس راحة يومين في البيت وهيبقى زي الفل. ريان: هو ينفع نروح؟ أسعد خائفًا: مستعجل على إيه؟ كان ريان يرغب بإنهاء هذا الأمر سريعًا لأجل تالين الحبيسة في ذلك الطابق وحدها دون طعام أو شراب فقال ريان: معلش، مش عارف أقعد في البيت من غيرك، وبعدين طالما بقيت كويس هنفضل في المستشفى ليه؟ عادل: أيوة بقى كويس ويقدر يروح، استنى بس الدكتور هيمر على الضهر كده ويكتبله خروج. دخلت حور الغرفة وابتسمت فور رؤيته ثم ألقت التحية عليهم ووقفت بجواره، نظر لها ريان وحاول أن يهدأ من روعه فلا ذنب لها بما يحدث، وكان شعوره بالغضب من نفسه يسيطر عليه حاليًا بسبب تسرعه بإتمام هذه الخطبة. عادل: خدي ريان الكافتيريا يا حور وافطرو سوا وأنا عندي شغل هخلصه واجيلك يا أسعد، وهبعتلك ممرضة تشوف لو محتاج حاجة ولو هتغير هدومك هتساعدك. أومأت له حور وذهبت مع ريان. كانت تنظر إليه في سعادة وقالت: حمد الله على سلامة عمي. ريان: الله يسلمك. حور: أنا زعلانة منك عشان مكلمتنيش إمبارح خالص. ريان بغضب: إنتِ مش شايفة اللي أنا فيه يا حور، والشغل اللي مرمى على دماغي ده، ده أنا منمتش لحد دلوقتي. حور: أنا مش قصدي يا حبيبي، أنا عارفة إنك أكيد مضغوط، بس.... كل الحكاية إنك وحشتني. تنهد ريان وقال: آسف يا حور مش قصدي، حقك عليا إني اتعصبت عليكي. ذهبا معًا. وعند الظهيرة عاد ريان إلى الغرفة ووجد الطبيب يفحص أسعد قبل خروجه من المشفى، وكتب له بعض الأدوية ثمّ ذهبا إلى المنزل سويًا. ساعد ريان والده حتى صعد إلى غرفته فبدّل ثيابه وجلس أمامه وقال: أظن دلوقتي نقدر نتكلم من غير ما حد يقاطعنا ولا يسمعنا، فهمني اللى حصل كله. أسعد: أنا مقتلتش حد. زفر ريان بقوة وقال: بابا، أنا عندي مصيبة أكبر وفيه واحدة ممكن تموت من ورا الموضوع ده، فلو سمحت قولي الحقيقة عشان خلاص أنا عرفت إنك قتلت أمي، كفاية بقى وقولي. أسعد: مين ديه اللي هتموت؟! انطفئت الأضواء فجأة وتردّد في الغرفة صوت قوي: أسعد.... أسعد. نظر أسعد حوله في ذعر وقال: إفتح البلكونة يا ريان، مش شايف حاجة. لم يجيب ريان فأردف أسعد في خوف: ريان، إنت فين؟! اشتعلت الأضواء ووجد أسعد شبحًا ينظر إليه عن قرب فصرخ في ذعر ونظر بجواره ليجد تالين وقد تبدّلت ملامحها بشكل مخيف؛ كانت تمسك بريان وهو ينظر إليها وكأنّه فاقد العقل، محدّقًا أمامه دون حراك فقالت تالين: ابني اللي حرمته مني وهو لسه صغير، قتلتني بدم بارد عشان تداري على عملتك، قتلتِني بعد ما عرفت حقيقة اللي عملته، بس خلاص كل شيء وليه آخر يا أسعد، لو معترفتش بالحقيقة وبجرايمك كلها هناخد ريان زي ما خدنا مراته. نظر لها أسعد في ذعر وقال متلعثمًا: حن.. حنان؟! تالين: قول الحقيقة، ده آخر إنذار ليك. أومأ لها أسعد في ذعر واختفت تالين وهذا الشبح الآخر من أمامه وعاد ريان إلى طبيعته فقال: مشيو؟! فين تالين؟ أسعد: هي ديه اللي إنت خايف عليها؟! ريان: أيوة خايف عليها، عشان بحبها، تالين حبيبتي وروحي متعلقة بيها، لازم تعترف بالحقيقة عشان يسيبوها، أرجوك يا بابا قولي عملت كده ليه؟ تأكّد أسعد أن لا محيص من الحقيقة، فقرر أن يعترف ليرفع هذا الثُقل عن عاتقه فقال: هقولك عشان خلاص مبقاش ينفع أخبّي أكتر من كده، بيهددوني إنهم هياخدوك إنت كمان وأنا مش هستحمل يجرالك حاجة بسببي. ثم تنهد وقال: أنا لما بدأت شغل وفتحت الشركة ديه كان عندي شريك فيها، بدأنا سوا وكبرنا سوا بس فجأة إتغير وكان عايز يفض الشراكة ويفتح مشروع برا مصر، كان شايف إن السوق في الدول العربية أحسن وكده، وأنا كنت متجوز وإنت كنت في مدرسة وكبرت خلاص وليك حياتك هنا، أما هو مكنش ليه حد أصلًا وأمه ماتت ومكانش ليه غيرها، رفضت إني أخرج لسوق العمل برا وحاولت أقنعه نفضل في مصر وإن الشغل شغال كويس ومفيش مشاكل، وفي يوم كنت جاي أشوف الفيلا ديه عشان اشتريها وهو جيه معايا، وبعد ما شفناها كلها ووصلنا للدور اللي تحت وقفنا نتكلم شوية وقالي: "بس الفيلا غالية وإنت هتحتاج الفلوس ديه لما نفض الشراكة عشان تعرف تقف في السوق لوحدك" وعرفت إنه قدم على طلب هجرة خلاص وباع شقته وكل حاجة ليه، وقفت بصتله بذهول ولقيته طلع الورق من شنطته وكان مجهز كل حاجة عند المحامي وطلب مني أمضي الورق، محستش بنفسي غير وأنا بضرب فيه، شقى سنين بيضيع قدام عيني في لحظة، الشركة مكنتش هتعرف تقف على رجليها من غير نص رأس المال، قعد يترجاني أسيبه وأنا مش حاسس بنفسي ومش عارف بضربه إزاي، لحد ما لقيته مش بيتحرك ولا بينطق، بصيت في إيدي لقيت حديدة معرفش مسكتها إمتى، وضربته بيها إزاي، بس للأسف كان مات، طلعت كلمت السمسار وقولتله إني هخلص في الفيلا دلوقتي، قفلت عليه ورحت اشتريت الفيلا ورجعت وأنا جايب عدة ودفنته في الدور اللي تحت، وبعدها جبت بلاط جديد وعملت الأرضية كلها بيها، وجبتك إنت وأمك وقعدنا هنا، ومنعت أي حد ينزل الدور ده، وقبل ما ادفنه بصمته على تنازل لكل أملاكه ليا وقلت للناس كلها إنه هاجر برا مصر وساب كل حاجة. محدش دور عليه ولا سأل وبقت الشركة ليا لوحدي وبس، من ساعتها وأنا الكوابيس مكنتش سيباني واللي لاحظت ده هي أمك، كانت دايمًا تسألني " إيه الكلام اللي بتقوله وإنت نايم ده؟" وأنا اتهرب منها لحد ما بدأت تجمع الحقيقة ودورت على شريكي، وعرفت إنه مسافرش ولا حاجة زي قلت، وفي يوم وقفت ووجهتني ومعرفتش أنكر، قعدت تصرخ وتعيط وطلبت الطلاق وكانت عايزة تاخدك وتبلغ عني، فااا... ريان: قتلتها؟! ما اللي يقتل مرة يقتل ألف. أسعد: مقدرتش أستحمل إني أخسر كل حاجة. ريان: كمل. أسعد: خنقتها لحد ما ماتت، استنيت لحد ما البيت كله نام وشلتها ونزلت بيها، بس سعدية شافتني وقولتلها إنها عيانة وهوديها المستشفى، خدتها ودفنتها في الصحرا ورجعت قولت إنها اتحجزت، وفضل قدامي مشكلة واحدة، هقول إنها راحت فين؟! ملقتش قدامي غير عادل، رحت تاني يوم وقولتله إن حنان بتخوني، وإني شفتها بعيني ومحستش بنفسي غير وهي ميتة في إيدي، ساعتها عادل قالي تستاهل، بس وقفنا عند نفس المشكلة، نحلها إزاي؟! وعشان مروحش في داهية، قالي "متقلقش وسيب الحوار ده عليا". لحد ما في يوم اتصل بيا وقالي إن فيه واحدة متسولة دخلت المستشفى، وعندها ورم خبيث ومفيش أمل في علاجها، وبعد ساعتين، اتصل بيا وقالي إنها ماتت وعمل ملفها باسم حنان عشان مكنش معاها أي إثبات شخصية، وطلب مني أني أجي واستلم الجثة وادفنها مكانها وساعتها محدش هيشك فيا. ريان: وإيه المقابل؟! فلوس؟ أسعد: خد فلوس طبعًا، وكمان.... اتفق معايا إنك تتجوز حور بنته، عشان عارف إنك الوريث الوحيد ليا، وبكده هيبقى خد كل فلوسي مقابل اللي عمله عشاني، ووافقت. تنهد ريان بقوة وقال: حتى أنا دخلتني ضمن البيعة؟! كل ده عشان تداري غلط ورا غلط؟! قتلت أمي عشان كشفت حقيقتك؟ حرمتني منها عشان قالتلك لا؟! عشان مقبلتش تعيش مع قاتل زيك، وكمان سوءت سمعتها، إنت إيه؟! معمول من إيه؟! ده أنا لآخر لحظة كنت بدافع عنك، لآخر لحظة كنت بقول لأ، بابا لا يمكن يكون قاتل، طلعت مغفل، وعامل فيها بتحبها ومتجوزتش بعدها إخلاصًا ليها؟! أسعد: لا أنا فعلًا بحبها... قاطعه ريان بغضب: لا، إنت متجوزتش عشان خفت مراتك التانية تعرف سرك هي كمان زيها، خفت على نفسك وبس، إنت لو بتحبها لا يمكن كنت تقول عليها كلمة ولا تطعن في شرفها وهي ميتة، وتخلي عادل ده يقف يقولك إتأكد إن ريان ابنك، مكنتش هتقبل تحطني في موقف زي ده، ولا يتقال عليا كده، إنت مش بتحب حد غير نفسك وبس، وعشان كده أنا كمان هقولك نفس اللي قالته أمي، يا تعترف بالحقيقة يا هروح أبلغ عنك. أسعد: هعترف، خلاص مبقاش فيه حاجة تستخبى، أي سر في الدنيا ولابد يتكشف في يوم من الأيام. ريان: أنزل أبلغ البوليس ولا تيجي معايا نروحلهم؟ أسعد: هاجي معاك.

📜 الفصل الحادي عشر 📜

يا الله، أيّ قلبٍ يمكنه أن يحتمل لحظة كهذه؟ أن تنكشف الحقيقة كسكينٍ يشقّ الصدر ليزرع فيه ظلامًا أبديًّا. كان الأب في نظره وطنًا... ظلًّا يحتمي به من قسوة الأيام وصوتًا يأمن له حين ترتجف الأرواح لكنّه الآن يرى في عينيه وحشًا يعرف اسمه، وصوتًا مألوفًا صار يُرعبه. تذكّر والدته، ضحكتها... دفءَ كفّها.. تلك النظرة التي كانت تُطفئ نيران حزنه، أصبحت مصدر ألم لا يحتمل، ثمّ تذكّرها وهي تغيب فجأة دون وداع... دون تفسير، فقط الغياب الملثم بالكذب. وها هو التفسير الآن يقف أمامه بملامح أبيه. كم تمنّى أن تكون كذبة أو تهيؤًا، أو أي شيءٍ سوى الحقيقة. كم أنكر وحارب تلك الأفكار، كم دافع عنه، لكن الحقيقة لا ترحم بل جاءت دامية.. باردة، تُلقيه بين نارين: حبّه لمن كان أبًا وحنينه لمن كانت كلّ الأمان. صرخ في داخله ألف صوتٍ ولم يخرج من فمه سوى الصمت، صمتٌ ثقيل كجدارٍ بينه وبين العالم، كأنّ كل شيءٍ فقد معناه، الاسم، الدم، العائلة، وحتى نفسه. هنا وتساءل: كيف أعيش بنصفٍ قاتل ونصفٍ مقتول يسكنان في الجسد ذاته؟ أينتهي الابن حين يكتشف أن ما في عروقه ليس سوى خطيئةٍ تورّثها من الآباء؟ ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يرى في أبيه سوى قبراً متحرّكاً، ولا في نفسه سوى طفلٍ يتيمٍ مرتين مرّةً بموت أمه ومرّةً بحقيقة أبيه. ثمّ تذكّر هذه الفتاة، تلك الحبيبة التي تحملت إنكاره ودفعت الثمن غاليًا. كان ريان يقف بالطابق السفلي بينما كانت الشرطة تُخرج ما تبقى من جثة صديق والده الذي دُفن أسفل منزله، أما أسعد فانتظر داخل القسم حتى عاد ريان مع عناصر الشرطة، ليذهب معهم إلى مكان دفن زوجته، هنا ووقف ريان يشاهد جسدها يُستخرج من تحت التراب، لم يتمالك ما تبقّى من صبره وتحمّله، ضعف وبكى، لم يرَ سوى ابتسامتها ولم يشعر سوى بهذه الغصّة التي سكنت قلبه. وقعت عيناه على أسعد الذي ينظر إلى الأرض خجلًا مما فعل، فاقترب منه ريان والغضب يسيطر عليه وقال: كنت سيبتها... سيبتها تهرب وتاخدني معاه، هددها بأي حاجة غير إنك تقتلها! أنا أعمل إيه دلوقتي؟ زاد بكاؤه وقال بصوتٍ متهدّج: أعمل إيه؟! أسامحك إزاي؟! أبص في وشّك إزاي وإنت قاتل أمي؟! أعمل إيه فيك؟! أتعامل معاك بأنهي وشّ؟ أقولك بابا إزاي وإنت حارمني من حضنها، روح الله يسامحك، الله يسامحك على اللي عملته فيّا. ترك كل شيء وعاد إلى المنزل ليجد عناصر الشرطة قد أغلقته وطردت جميع العاملين. اقتربت منه سعدية وهي تبكي وقالت: هو اللي بيقولو ده حقيقي؟! أومأ لها ريان بالإيجاب والحزن يسيطر عليه فأردفت: أنا مش قادرة أصدق؟! نظرت إلى ريان ورأت كم الألم الذي يشعر به وكأنه هَرِمَ بالعمر في ليلةٍ واحدة فقالت: أنا عارفة إن الصدمة صعبة عليك، بس إنت أدها يا ريان، متأكدة إن ورا الشاب اللي كان بيضحك ويهزر ده واحد تاني قوي وقادر يقف قصاد أي مشكلة ويحلها. أومأ لها مرة أخرى فقالت: طيب هتروح فين يا ابني؟ ريان: إنتو هتروحو فين؟! سعدية: لينا رب اسمه الكريم. ريان: أنا أول ما أموري تستقر هتصل بيكم كلكم ترجعو شغلكم لو حابين تشتغلو معايا. سعدية: أنا معاك ابني ووقت ما تحتاجني هتلاقيني. ريان: عَدّوا عليّا بكرة في الشركة خدو مرتباتكم. سعدية: متشغلش بالك بينا، شوف بس حالك وربنا يقويك على اللي جي. اقترب ريان من عناصر الشرطة وقال: ينفع بس أدخل آخد هدومي. نظر الشرطيان إلى بعضهما وقال أحدهما: أدخل بسرعة واطلع على طول. دخل ريان المنزل ليجد شبح أمه يقف أمامه وقد تبدلت هيئته، كانت هي أمه بوجهها الملائكي، تنظر إليه بابتسامة دافئة فاقترب منها ونظر لها ودموعه تنساب على وجهه وقال: ماما! حنان: أيوة ماما يا حبيبي، كنت عارفة إنك هتجيب حقي. ريان: أنا آسف يا ماما، آسف على اللي بابا عمله. حنان: إنت معملتش حاجة عشان تعتذر، إنت وقفت قدامه عشان الحق يظهر عشان إنت شجاع وقوي، إوعى تفكر إن اللي حصل عيب في حقك... لأ، ده يخليك ترفع راسك طول العمر لإنك وقفت مع الحق ضد أقرب الناس ليك. ريان: بس أنا تايه، مش عارف أعمل إيه. حنان: فترة وهتعدي، وهترجع تاني وأحسن من الأول، إبدأ من جديد لوحدك وهتقدر تقف على رجلك، دلوقتي أنا اطمنت عليك ولازم أمشي. ريان وهو يبكي: لا، خليكي معايا شوية. حنان بابتسامة حزينة: مين قال إني مش معاك، أنا دايمًا هفضل معاك، وبعدين فيه واحدة هنا مستنية مساعدتك، خلي بالك منها، ديه بنتي اللي مخلفتهاش واستحملت كتير عشاني. ابتعدت من أمامه ليرى تالين ملقاة على الأرض فاقدة للوعي، فركض إليها ووضع يده على وجهها الشاحب فلاحظ برودة جسدها، فخرج سريعًا وهو يحملها بين ذراعيه ووضعها بالسيارة ثم انطلق بها إلى المشفى. بعد وقت، كان يقف ريان خارج غرفة بالمستشفى وخرج الطبيب وقال: حضرتك تبقى مين؟ ريان بسرعة: أنا جوزها. الطبيب: هي ليه مش بتاكل؟ ارتبك ريان ثم قال: كان فيه مشكلة... يعني خناقة بينّا وهي رفضت تاكل. الطبيب: واضح إنها بتحبك أوي، على العموم هي محتاجة شوية محاليل كده عشان ضغطها منخفض من قلة الأكل، وانزل كده هات أكلة محترمة واطلع صالحها وأكلها. ريان: حاضر، حاضر يا دكتور. ذهب ريان ليشتري بعض الطعام، فسمع صوت رنين هاتفه، فنظر إليه ليجد حور هي من تتصل فتلقّى المكالمة على الفور وقال: ألو. صرخت حور بصوت مرتجف قائلة: إلحقني يا ريان، بابا اتقبض عليه. ريان بهدوء: عارف. حور بصدمة: عارف؟! عارف منين؟ ريان: حور أنا مش قادر أتكلم دلوقتي، روحي معاه القسم وإنتِ هتعرفي كل حاجة، أنا مش عايز اسمع كلمة على الحوار ده خالص. أنهى ريان المكالمة لتبقى حور تنظر إلى الهاتف بذهول، وقفت في حيرة، لا تعرف ماذا تفعل ثم تماسكت واتصلت بالمحامي، وطلبت منه أن يلحق بوالدها إلى قسم الشرطة، وبدلّت ثيابها وذهبت إلى هناك. بعد وقت، كانت حور تقف أمام غرفة الضابط وتسمع صراخ عادل بالداخل وهو يقول: بس هو قالي إنها خانته! الضابط: وهل ده مبرر يا دكتور عادل إنك تساعده وتتستر على جريمة بالشكل ده؟! تستغل المستشفى بتاعتك وتديلة جثة مجهولة يدفنها مكانها! ده القسم اللي قسمته يا دكتور؟! عادل بارتباك: ما... ما أنا مكنتش أعرف، مكنتش أعرف إنه قاتل وإنه بيشركني في جريمة زي ديه من غير ما أفهم. الضابط: كان لازم تبلغ مش تساعده، حتى لو خانته كان هيخرج براءة بالقانون لو أثبت الزنا، لكن هو حَكم عليها بالإعدام وإنت ساعدته، كده إنتو الاتنين تحت المساءلة القانونية، وللأسف يا دكتور المستشفى بتاعت حضرتك هتتقفل بسبب استغلال المرضى للتستر على الجرائم. صاح عادل: الله يخرب بيتك يا أسعد زي ما خربت بيتي، يا باشا هو ضحك عليا، فهمني إنها خانته، والخاينة تتعاقب بالموت، أنا راجل صعيدي ومعرفش غير ده. الضابط: صعيدي أو لأ، إنت راجل متعلم ومثقف، الكلام ده كان بيتقال زمان، لكن دلوقتي بالقانون تاخد حقك، ده حتى الدين قال هات أربع شهود، مش تصدق كلام جوزها من غير دليل وكمان تساعده. خرج عادل مُقيّدًا بالأصفاد وخلفه المحامي، نظرت له حور بصدمة وقالت: فيه إيه يا بابا؟! عادل بحزن: سامحيني يا حور، أنا مكنش قصدي كل ده، سامحيني. أخذه العسكري ونظرت حور إلى المحامي وقالت: فهمني فيه إيه؟ زفر المحامي في حزن وقصَّ عليها ما حدث، فلم تعد قادرة على الوقوف، فجلست بصعوبة على الكرسي خلفها. تذكرت ريان، هل من الممكن أن يسامح والدها فيما فعل؟! لقد اتفق مع والده وأخفى جريمته. أمسكت هاتفها واتصلت به مرة أخرى. كان ريان قد عاد إلى المشفى وظلّ بجوار تالين منتظرًا أن تستعيد وعيها حتى سمع صوت رنين هاتفه فنظر إليه ليجد حور تتصل به، تلقّى المكالمة وقالت حور ببكاء: ريان أنا عرفت... عرفت كل حاجة، إنت فين؟! ريان: في المستشفى. حور بصدمة: إنت كويس. ريان: كويس. حور: طيب أنا عايزة أشوفك. ريان: هبعتلك اللوكيشن تيجيلي. أنهى ريان المكالمة وظلّ ينظر إلى تالين وبعينيه آلاف الاعتذارات الحزينة. بعد وقت، وصلت حور وطرقت باب الغرفة، وفتح لها ريان الباب لتنظر إليه بحزن الذي تبدلّ إلى دهشة حين رأت تالين ممدّدة بالفراش وهو يجلس بجوارها. نظر لها ريان وقال: إدخلي يا حور. دخلت وجلست بالغرفة وعيناها مرتكزتان على تالين ثم قالت: هي مالها؟! ريان: لا ده موضوع كبير، قوليلي عايزة إيه؟ حور: طيب إنت ليه قاعد جنبها كده يعني، ديه حتة شغّالة! سايب كل اللي إحنا فيه ده وقاعد جنبها، أطلبك عشان تيجي القسم تقف معايا ترفض عشانها؟! ريان: اه، رفضت عشانها، عشان هي مش مجرد شغّالة، تالين تبقى بنت خالتي.... وفي نفس الوقت... مراتي. فتحت حور عينيها بصدمة وقالت: مراتك؟! إنت متجوزها؟! ريان: أيوة، بصي يا حور أنا ظلمتك معايا كتير، بس أنا كنت واضح من الأول معاكي ودايمًا كنت بقولك إنك زي أختي، حصل حاجات كتير أوي خلتني أوافق على الخطوبة وأهمها إن بابا كان بيضغط عليا، النهاردة بس عرفت إن جوازنا كان تمن سكوت أبوكي عن حقيقة الجريمة اللي عملوها سوا، أبوكي مكفهوش الفلوس اللي خدها من بابا... لأ، ده كمان شرط عليه إني أتجوزك عشان يضمن إن كل فلوس بابا تبقى ليكي. تجمّعت الدموع في عينيها فزفر ريان بقوة وقال: أنا خلاص، حياتي أتدمرت، الشركة هتروح بسبب السرقة اللي حصلت وأكيد نصيب شريك بابا الحكومة هتتحفظ عليه ده غير سمعة الشركة اللي هتروح في الأرض، باقي راس المال هيرجعلي اه بس بعد سداد المرتبات والديون والشروط الجزائية للعملا هيبقى شوية ملاليم، الفيلا مش هعرف أعيش فيها خلاص ولا حد هيرضى يشتريها، أنا بقيت صفر على الشمال، وهدفع تمن اللي حصل ده كله غالي أوي... ولوحدي. بالنسبة لينا بقى، أنا بحب تالين، حصل مشاكل بينا وسوء تفاهم كبير ده اللي خلاني أتمم الخطوبة منك، لكن أنا وإنتِ يا حور مننفعش لبعض، أنا لو طلعت بحاجة واحدة كويسة من حياتي ديه... فهي تالين، ومش هقدر أضيعها من إيدي تاني، كفاية أوي اللي حصلها بسببي. نظرت إليه حور مطولًا، لم تجد حديث يُقال، فقط ألمٌ وحسرةٌ إعتصرتا قلبها، ظلّت تنظر إليه بصمت ثم قالت بصوتٍ مرتعشٍ مكسور: فهمت، معاك حق، أنا همشي ومش هيضايقك تاني أبدًا. خرجت حور من الغرفة وهي تتمالك دموعها رغمًا عنها. ونظر ريان إلى الباب حتى سمع صوت تالين تقول بضعف: كنت عارفة إنك لسه بتحبني. نهض ريان واقترب منها سريعًا وأمسك يدها وقال: حبيبتي، إنتِ كويسة؟ ابتسمت تالين بضعف وقالت: دلوقتي بس كويسة، روحي ردت فيا لما سمعتك بتقول كده لحور. ريان: حقك عليا، مكنتش قادر أصدق يا تالين، أو مكنتش عايز أصدق، معرفتش أشوف بابا قاتل، قسيت عليكي ودفعتي تمن خوفي. تالين: أنا فهماك يا حبيبي ومش زعلانة منك، كنت عارفة إنك في الآخر هتفوق وتقف جنب الحقيقة، كنت واثقة فيك، بس اللي وجعني... كلمة بحبك اللي قولتها لحور، كانت أقوى من كل الضرب اللي خدته منك. قبل ريان يدها وقال: مكنتش من قلبي، أنا محبتش غيرك ولا عايز غيرك، سامحيني... متزعليش مني، أنا هعوضك عن كل ده. تالين: وجودك جنبي هو العوض الوحيد اللي مستنياه. ريان: مش هسيبك، بس.... بس أنا مش معايا أي حاجة دلوقتي، ولا حتى مكان نعيش فيه، كل اللي أملكه هو قطعة أرض كان بابا كاتبها لماما قبل تموت وأنا ورثتها، أنا هبيعها وأبدأ من جديد، هتقدري تتحمليني لحد ما أرجع أقف على رجلي من تاني؟ تالين: أنا هفضل جنبك حتى لو مش معاك حاجة خالص، إنت عندي كفاية. ابتسم ريان وقال: ربنا يخليكي ليا، بس فيه مشكلة كبيرة دلوقتي، أنا مش عارف هنخرج من هنا نروح فين. تالين: بيت خالتك موجود يا ابن خالتي، تنورنا، وكمان تيجي تطلب إيدي منها رسمي، ولما تظبط أمورك شوية، نعمل فرح صغير هناك وتجبلي فستان حتى لو إيجار، وتاخدني من بيت ماما، موافق. ريان: جدًا، بس قبل ما نخرج لازم تاكلي، إنتِ جسمك ضعيف ومحتاج أكل. تالين: أنا جعانة، وعايزة أكل معاك، إنت عارف إن عمرنا ما كلنا مع بعض؟! ريان: بعد كده مش هاكل غير مع مراتي حبيبتي. ابتسمت له بسعادة وهي ترى الحب في عينيه مرة أخرى. وفي النهاية، لم يكن نصرًا صاخبًا بل هادئًا كنسمةٍ بعد عاصفة، دافئًا كأحضانٍ وجدت طريقها أخيرًا بعد طول ضياع. انكشفت الوجوه وسقط الزيف ووقف الحق شامخًا يعلن أنه وإن تأخّر لا يضيع. ظلّ الوفاء الكلمة الأخيرة في حكايتهما. يربط بين القلوب كما لو كان وعدًا خُطّ قبل الوجود. وهكذا، انتهت القصة كما بدأتها النوايا الصادقة بانتصار الحبّ على كل ما حاول أن يهزمه وبميلاد فجرٍ جديد يحمل اسمهما معًا. النهاية

تعليقات

المشاركات الشائعة