عين الحارس (نوفيلا)

غلاف

📜 الفصل الأول 📜

بدأ الصباح، وبدأ يوم جديد، ولا زلت أعيش مع الماضي الذي يصعب تخطيه. كالعادة، استيقظت على كابوسٍ مزعج، على صوت أختي الكبرى وهي توقظني. -أدم، يلا يا حبيبي، اصحى... الساعة تسعة دلوقتي. قلتُ بغضب: . – يا زينب، يا زينب! هو كل مرة تفوقيني من الحلم من غير ما أعرف مين الزفت اللي بيطاردني؟ سيبيني خمس دقايق بس أشوف مين ده. - هو كل يوم تحلم نفس الحلم يا أدم؟ سيبك، ده عقلك الباطن. يلا بقى عشان الشمس تلحق تدخل أوضتك. - قلتُ بكل لامبالاة يغلبها التثاؤب: - عقلي الباطن! طيب تصبحي على خير. - زينب وهي تفتح ستائر الغرفة. - يلا قوم. - قلتُ متعصبًا: - هو البيت ده محدش يعرف يعمل فيه أي حاجة عايزها؟ دايمًا كده إجبار! - قالت بحنية مفرطة: - إجبار إيه يا حبيبي؟ انت عارف إني دايمًا عايزة راحتك، بس عندك محاضرة كمان ساعتين، وبعدين وطي صوتك عشان ماما بره. - طب ها يا ست الباشمهندسة، عاملين فطار ولا هقضيها سندوتشات فول بالزبدة من عند الجربان؟ قالت زينب وهى تضحك - يخرب بيت مصطلحاتك! إيه الجربان ده؟ كفاية اسمه، أموت وأعرف بتاكل من عنده إزاي! - يا سلام على الجربان وحلاوة الفول والطعمية بتوعه! ده ولا أجدعها عربية فول قدام الجامعة، الطلبة كلهم بيجروا عليها، العربية اللي مش عاجباكي دي بيحجزوا عشان يروحوا يقفوا عليها ويأكلوا من عندها، بس دايمًا بطني بتنتفخ، معرفش ليه. - يمكن البراغيت بتزغزغها! - يا زينب، اتقي الله وبطلي قلش! يخرب بيت تقل دمك، معرفش إزاي فاروق.مستحملك،هيموت ويتجوزك! - وهو يطول ابن زبيبة؟ - انفجرت ضاحكًا: - هو كل ما أنسى، تفكريني! إيه اسمه كامل كده؟ سي فاروق؟ - قالت بنبرة حادة مخفية وراها ضحكها: - هو انت يعني مش عارف… فاروق السيد. - قلت بضحك متواصل: - ما تخلصي يا زينب، السيد إيه؟ - زينب وهي يغلبها الضحك: - فاروق السيد قشطة! - ضحكت ضحك هستيري مما جعل عيني تدمع من شدة الضحك، بينما قالت زينب: - عادي يعني، الاسم مش كل حاجة، أهم حاجة الشخصية. - وهتجيبي ولد تسميه إيه بقى؟ بندق ولا فرس النهر؟ - زينب بسخرية من كلامي: - هاهاها، خفة! وبتتريق عليا أنا؟ انت دمك سم! - المهم بقى، عاملين فطار ولا أروح للجربان؟ - تموت في العفانة! وبعدين أومال بصحيك ليه؟ قوم بسرعة، ماما مستنياك، وانت عارف لو مخلصتش لبس وصحيت خلال عشر دقايق، مش هتلاقي لا فطار ولا مصروف تنزل بيه الجامعة يا دكتور. - قال أدم: - عشر دقايق! عدى منهم ربع ساعة أصلًا! - زينب: - لا يا حبيبي متقلقش، هي لسه هتصحى ٨ ونص، قولت أصحيك انت الأول عشان تاخد راحتك. - قلتُ بنبرة مثقله بحزنٍ أكرهه: - أومال بتخضيني وتقوليلي مستنياني ليه؟ سيبيني أنام. وبعدين وجيين على نفسكم ليه؟ بجد يا زينب، مبقتش عارف ولا عايز أفهم هي ليه بتعمل معايا كده! ولا كأني مش ابنها وجايباه من الشارع. يمكن لو كانت فعلاً جايباني من الشارع كانت حبتني شوية، وعاملتني أحسن من كده. جلست زينب بجواري، ثم ضمتني بين ذراعيها قائلةً بحنان: - يا حبيبي، انت عارف ماما بتقسى عليك عشان عايزاك تبقى سند لينا، خصوصًا بعد ما بابا الله يرحمه توفى و... قطع حديثها نداء والدتي بصوتٍ حادٍ مرتفع: - زينب! أنا بقالي نص ساعة صاحيـة، أقل من عشر دقايق لو ملقتكيش في المطبخ وأخوكي لابس قدامي هطـ... قاطعتها زينب قبل أن تُكمل أسطوانتها المعتادة: - حالًا يا ماما! قال أدم بنبرةٍ مثقلة بالحزن، وكأن كل كلمة تُسحب من جرحٍ لم يندمل: - مش عارف أقولك إيه، هو ده الكلام اللي بتضحكي عليا بيه! كأني لسه العيل الصغير اللي بيتضحك عليه بكلمتين. زينب، ماما محملاني ذنب موت بابا، مش عايزاني أبقى زيه، بس لا... دي شايفة إنه بسببي مات! ثم أضاف وهو ينهض متعبًا: - زينب بلا نكد، أنا جعان ومش حمل زعيق منها على الصبح، هقوم ألبس، عندي محاضرة كمان ساعتين. أشفقت عليه زينب، وكادت الدموع تنهمر من عينيها على الألم الذي يعيش به أخوها الصغير منذ صغره، جرحه مهما مر عليه الزمان لا يلتئم. غادرت من غرفة أخيها بعد أن رتبتها كي لا تغضب والدتها منه، واتجهت لتحضير الفطور. قبل أن تغادر ، ألقت نظرة على الغرفة. كانت تتأمل غرفته التي تمثل لهُ عالمه الخاص، الجدران ذات اللون الرمادي يغلب عليها الطابع الكئيب. والستار الاسود فأخوها يكره ضوء الشمس، ودائمًا يغلق الستائر السوداء ويفتح الأباجورة ذات الضوء الأبيض الخافت طوال الليل، لأنه يخاف الظلام. قطع تأملها نداء والدتها الحاد: - زينب! هو إنتِ كل ده بتصحي الزفت؟ سيبيه، نامت عليه حيطة، براحته، كل واحد أدرى بمصلحته! زفرت زينب وقالت بضيق: - صحي يا ماما خلاص، في الحمام! سمعت صراخها عليّ، لكني لم أهتم؛ فهذا هو الطبيعي الذي اعتدت عليه طوال حياتي. تخطيت مرحلة الحزن والألم عند سماع توبيخ والدتي لي منذ زمن طويل، وبدأت في الغناء، لكن انطفأ النور فجأة. الشمس لا تدخل من نافذه الحمام، فزجاجه أسود لا يسمح بمرور الضوء. شعرت بحالة من الهلع، وأعددت نفسي للخروج، لكني انزلقت أرضًا. لم أصرخ، لم أصدر أي صوت، كنت قلقًا للغاية، ولا أستطيع النهوض. ظللت ساقطًا على الأرض ألهث، وقلبي ينبض بسرعةٍ قَصوى. حاولت زينب فتح الباب، لكنه كان مغلقًا بالمفتاح، وأخذت تناديني: - أدم! انت كويس؟! لكنني لم أجبها من أثر الخوف. زاد قلقها، وبدأت تطرق الباب بقوة محاوِلةً كسره، حتى سمعت أمي تأتي تصيح بها: - إيه يا زينب، بترزعي كده ليه؟ براحة على الباب! - باب إيه دلوقتي! ابنِك جوه، والكهربا قاطعة، والشباك مش بيدخل أي ضوء، وكمان مش بيرد! أحسن يكون حصله حاجة، وحضرتك همِّك الباب؟! ساعديني أفتحه! طرقت أمي الباب و هيا تناديني و بدا على صوتها القلق ولكنها تداريه وراء حدته - ماما ادم مريض لو انتي ناسيه و مخدش الدواء انهارده يعني ممكن يغمى عليه في اي لحظه ممكن بقا تساعديني ذهبت و الدته و أعطتها شكوش و مفك لا تدرى ماذا تفعل بهم زينب قلقه للغايه و استجمعت كل قواها و حاولت كسر الباب مره و الثانيه و الثالثه حتى فتحته رائت اخيها مرمي ارضا على ارضيه الحما م مغمى عليه أخرجته و ذهبته إلى غرفته كان ما توقعته زينب أنها غيبوبه. سكر بينما كانت تراقبهم والدتهم في صمت بأعين يغلب عليها القلق وذهبت والدتها أعطتها ادويته و قالت: - ما تخليهوش ينزل انهارده و فطري قبل ما تديله الادويه دي و خلي بالك منه انا محتاجه اروح الشغل دلوقتي عايزه حاجه ابقي كلميني اجيبها وانا جايه. زينب:ما تخليكي جنبه يا ماما هيفرح لما يلاقيكي مهتمه بيه و قاعده خصوصي عشانه - انا دكتوره في الجامعه يعني مينفعش عد م الحضور بدون سبب ده اولا ثانيا لو قعدت من الشغل وفضلت جنبه مين هيديله فلوس و مين يجيب ادويته و اكل و شرب و فواتير و فلوس جامعته و مين هيجهزك ياست زينب ما. تفتكريش يعني أنك عشان اتخرجتي هتصرفي على نفسك وتجهزي نفسك مش محتاجه مساعده مني نظرت لها زينب بعين تدمع من الحزن فا هيا تعلم أن أخيها سيحزن بشده كالعاده و التزمت الصمت لأنها تعرف أن الحديث مع امي ليس بجدوى ولن تستفيد اي شيء قالت لها امها بنبره صوت ترتعش كادت بالبكاء: زينب انتي كبيره المفروض تقدري الموقف مين قالك اني مش هاين عليا دلوقتي افضل قاعده جنبه نظرت في ساعتها يلاهوي انا اتاخرت نص ساعه بحالها انا ماشيه خلي بالك منه ها قالت زينب بضيق: حاضر روحى عشان اتاخرتي انا هخلىى بالي منه مش هنزل *** ذهبت والدتها، بينما ظلّت زينب تراقب أخاها الصغير وتقيس معدل سُكره بعدما أفاقته من غيبوبته. كان هاتفه يرنّ بصوتٍ مزعج، وكلما أغلقت زينب الخط، عاد ليرنّ مرة أخرى. قالت لنفسها: «أكيد معتز بيرنّ عشان مستنّي آدم... يا خبر، المحاضرة فاضلها ساعة، حرام أعطّل الولد! أنا هرد أحسن.» أجابت زينب وقالت له ما حدث، فزاد قلق معتز وسألها: - طيب، إنتِ متأكدة إنه كويس؟ أجيب الدكتور وأجي حالًا؟ - لا لا، مالوش داعي دلوقتي، اتظبّط وصحي، أديته الأدوية ونام. - طيب، زينب... أنا جاي أطّمن عليه. *** أغلق الخط، وفي غضون عشر دقائق كان معتز بصحبة فريد وعامر قد أتوا ليطمئنّوا على صحة صديقهم الوحيد. عندما رأيتهم، فرحت كثيرًا، شعرتُ أن هناك من يهتم لأمري بالفعل غير زينب. فنحن الأربعة أصدقاء منذ نعومة أظافرنا، مررنا بمواقف عدة سويًا، كتفًا بكتف لا نفترق ابدا هم الكنز الذي حُزتُه ولن أفرّط فيه أبدًا؛ فعندما أحزن، يحزنون معي، ويسعون جاهدين لأن يبدّدوا عني البؤس. وعندما أشعر باليأس، يكونون هم من يمدّونني بالقوة والدعم حتى أواصل طريقي نحو هدفي. هم ليسوا مجرد رفاق، ولا إخوة، بل أغلى من ذلك بكثير. هم جزءٌ من قلبي، وروحي التي أحيا بها. لولا وجودهم إلى جانبي، لكنتُ تائهًا بلا روح... فهم روحي. معتز هو أول من تعرفتُ به ، إذ كنت دائمًا أجلس وحيدًا في المدرسة، بلا أصدقاء. ومنذ أن عرفته، أصبحنا صديقين مقرّبين، ثم عرّفني على فريد وعامر. معتز ذو بشرة بيضاء، وجنتان حمروان، وعينان زرقاوان ورثهما عن جدّته الفرنسية. شاب مثقف، يتحدث العربية الفصحى بطلاقة، فوالده هو الأديب المصري الأستاذ خالد عبد الرحيم، الذي أعتبره أبي الروحي، وهو يعتبرني مثل معتز تمامًا. ويتقن معتز أيضًا الفرنسية ليتحدث مع جدته، إذ كانت لا تُجيد العربية بطلاقة، كما أحب الإسبانية حتى تعلّمها وأصبح يجيدها تمامًا. عيبه الوحيد الذي يضايقني كثيرًا هو البرود، لكنه محبّ للدراسة، بارع في مجال الطب الشرعي، ويحلم أن يصبح طبيبًا في ذالك المجال. - أما عامر، فذو بشرة داكنة، وعينين حادتين يغلب عليهما اللون البني الفاتح، وأنفٍ بارز. عيبه الوحيد الخوف من كل شيء تقريبًا، إلا من شيءٍ واحد الا وهى الجثث لكن من مميزاته التي أحبها بشدة هي الحنية المفرطة، أشبه بعاطفة الأم تجاه أولادها؛ التي لا يهدا لها بال إلا حين ترا صغارها بخير، يضحكون ولا يشكون همًّا... مثلما يفعل معي الآن. أما فريد، فذو بشرة بيضاء، وعينين خضراوين واسعتين، وشعرٍ أسود كالحرير، طويل القامة، أنيق الملامح. إنه حقًا فريد من نوعه، ذو ذوقٍ رفيع في اختيار كل شيء. غامض بطبعه، يعشق الغموض، يقرأ كتب عدة عن الغموض والتشويق، ولديه إدراك واسع وتأثر كبير بما يقرأه. لا أراه فريد ذا عيوب تُذكر؛ أعلم أنه لا يوجد إنسان بلا عيب، لكن هناك بعض العيوب لا تُعدّ عيوبًا في هذا الزمان. أحمد الله على نعمة أصدقائي الوحيدين، من يهوّنون عليّ مرّ الأيام، من لا يفارقونني في أوقاتي العصيبة، ويدافعون عني كما كانوا أيام الطفولة. نحن الأربعة أصدقاء منذ الصف الثالث الابتدائي، كنا معًا دائمًا، وعندما انتقلنا إلى المرحلة الثانوية دخلنا الشعبة نفسها، وشاء الله أن يحقق لنا حلمنا جميعًا بدخول كلية الطب البشري، لنخوض معًا كل التجارب. **** قال فريد: - ألف سلامة عليك يا آدم، إنت كويس دلوقتي؟ - والله يا بني، أنا بقيت كويس، بس زينب مصرة تخليني في السرير. طبعًا كده المحاضرة فاتتنا، صح؟ - أول محاضرة فاتتنا، بتاعت دكتور عبد المجيد. لسه فاضل واحدة كمان الساعة 11، بتاعت دكتور أحمد عبد الخالق، يعني فاضل نص ساعة. - هتروحُوها؟ أجاب عامر ضاحكًا: لا يا سيدي، مش هنروح، هنفضل معاك. نهض آدم مبتسمًا: طب كويس، يلا نروح. قوم يا عامر، هات التيشيرت اللي وراك ده. اهو. حلو، وانت يا فريد الكوتشي اللي تحت رجلك، ومعتز الشراب من على التسريحة اللي وراك. قلت متفائلًا: خلاص كده أنا لبست، يلا ننزل بس... قاطعني عامر ضاحكًا: طبعًا، أنا عارف الباقي من غير ما تقول. هنخرج نقول لزينب إننا هناخدك، ونحطها أمام الأمر الواقع. بس فعلًا ضروري تنزل، دكتور أحمد هيوزعنا مجموعات لمشروع التخرج اللي دكتور عبد المجيد عايزه، وقال اللي مش هييجي هيسقط. طول عمرك لماح يا حبيبي، بس مشروع إيه؟ قال معتز. متقلقش، واحنا في الطريق هقولك التفاصيل. ثم همّوا بمغادرة الغرفة والتوجه إلى المطبخ حيث كانت زينب. زوزو، أنا نازل. نازل فين؟ قال آدم: الكلية طبعًا، أصل... قاطعه عامر لينقظه قائلًا: أصل يا زينب، النهارده دكتور عبد المجيد قالنا على مشروع التخرج اللي لازم نعمله، بس مقالش التفاصيل. ودكتور أحمد عبد الخالق هيقول المطلوب، وهيقسّمنا لفرق، وقال اللي مش هيحضر هيسقط! يرضيك دوما يسقط وطنط تموتنا؟ قالت زينب بحيرة: أيوه يا حبيبي، بس طنط فعلًا هتموتنا كلنا لو نزل! طب بصّوا، خدوه وأنا هتصرف... بس خلو بالكوا منه، ها يا آدم، بلاش الجربان النهارده! ضحكت وقلت مداعبًا زينب عيوني يا زينبو! روحي يا شيخة، يارب تتجوزي فاروق ابن سيد قشطة وطنط زبيبة! ضحكت زينب بلهفة: من بقّك لباب السما، يا رب... بس امشي بقى يا آدم من وشي قبل ما أغيّر رأيي، يلا! وصلنا إلى الكلية... ذلك المبنى الفخم الذي يليق بدكاترة المستقبل — كما يقول دكتور عبد المجيد، أستاذ مادة التشريح. الطلبة يرتدون البالطو الأبيض الأنيق، يحملون كتبًا وكشاكيل كثيرة، والسلم الكبير في مواجهة القاعة الرئيسية، يجلس عليه طلاب الصف الأخير أو من يُطرد من المحاضرة. وفي الزاوية الأخرى، خارج الباب، مقاعد خشبية تحيط بها النباتات والأزهار. أتينا متأخرين، كان دكتور أحمد قد دخل منذ خمس دقائق. قال عامر بقلق: هنعمِل إيه دلوقتي؟ الباب اتقفل! مش هيرضى يدخلنا، وهنسقط عشان المشروع! أجابه معتز بهدوء: إهدا، يا عم، متوتر ليه؟ قال فريد بثقة: تعالوا ورايا. دق الباب ثلاث دقات متقطعة، ثم فتحه بهدوء وقال بنبرة مهذبة تليق بملامحه الملائكيه: صباح الخير يا دكتور أحمد، بنعتذر عن التأخير، بس آدم السبب. أجابه الدكتور أحمد ذو البشرة الفاتحة، والشعر الأبيض، والوجه البشوش بابتسامته الجذابة قائلًا: هدخلكم المرة دي بس عشان أنتم شباب محترمين، وعمركم ما اتأخرتوا. وعشان آدم... حبيبي. ادخلوا يا دكاترة. شكرناه جميعًا، ثم جلسنا. بدأت أشعر بدوخة غريبة، لا أعلم مصدرها... هل لأنني لم أنم سوى أربع ساعات؟ أم من السكر؟ تبًّا للتفكير الزائد... عليّ أن أُركّز فيما يقوله الدكتور. لكن النوم يجذبني بقوة. همس لي عامر: إنت كويس؟ مالك؟ مش عارف... مصدّع جدًا ودايخ. عايز ميّه. استنى ثواني... فريد، هات ميّه. ناولني فريد زجاجة الماء وقال: اشرب، وإن شاء الله هتبقى كويس. تناولت الماء على أمل أن أشعر ببعض الراحة، لكن تركيزي بدأ يتلاشى. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أرفع وجهي من بين يديّ على صوت الدكتور أحمد وهو يقول: بكده يا دكاترة نكون خلصنا. وطبعًا، زي ما قالكم دكتور عبد المجيد، عندنا مشروع التخرج. هقولكم التفاصيل دلوقتي: كل أربع أصدقاء هيبقوا مع بعض، بس الأول هنقسمكم لثلاث فرق. أنا كتبت الأسماء في الكشوف، وكل شعبة هنعملها قرعة. وأول مجموعة تطلع هتروح المشرحة بتاعة مستشفى الجامعة تحت إشرافي، وهناك هتشرحوا الجثة بأنفسكم. المطلوب منكم تحديد سبب الوفاة، والمضاعفات اللي أدت إليها، وتقدير المدة اللي الجثة فيها متوفية، وكتابة تقرير كامل بأسماء الأربعة وشعبتهم. وطبعًا اللي هيفشل في التقرير... هيسقط. حد عنده سؤال؟ رفع عامر يده بحماس أشبه بحماس طفل أعطته أمه حلوى: هناخد مدة قد إيه يا دكتور عشان نخلص الفحص في المشرحة؟ كل مجموعة ليها سبع أيام، قال معتز متعجبًا: بس؟ ضحك الدكتور قائلًا: على فكرة، الموضوع مش هياخد منكم أنتم بالذات أكتر من تلات أيام. إحنا مش هنجيب جثث حالتها معقدة، لأن دي أول تجربة كاملة ليكم. بس خليناها أسبوع عشان اللي يحب يشتغل على مهله. عمتًا يا عزيزي، متخافش... الوقت هيكفي ويزيد. دلوقتي هنادي على أول شعبة، وهي (A). اللي يسمع اسمه، ييجي بكرة سكشن الساعة 9. ظلّ ينادي من الكشف وأنا أضع يدي على قلبي، أدعو الله أن يجعلني أنا وأصدقائي في نفس المجموعة. لا أريد أن أكون مع غيرهم. حتى قال: عامر محروس محمد فريد محمود شوكت آدم محمد عبد المعبود معتز خالد عبد الرحيم نسيت الصداع والدوخة من شدة سعادتي! حمدت الله على استجابة دعوتي، كنا نبتسم لبعضنا بحماسٍ طفولي، ننظر لبعضنا بتلك النظرات السعيدة التي اعتدناها كلما جمعنا القدر سويا. *** غادرنا الجامعة متجهين إلى مقهى جروبي بوسط البلد — تلك الشوارع المليئة بكل فئات المجتمع: الأسر البسيطة السعيدة التي تضحك وهي تسير وتأكل المثلجات، الشباب الذين يتجولون ويجلسون في المقاهي، والأثرياء الذين يمرّون بسياراتهم الفارهة. جلسنا بالمقهى الذي وقع عليه اختياري، وبدأت أحدثهم عن تاريخ هذه المدينة. إنها تعود للعصر الخديوي، وقد شُيّدت في أواخر القرن التاسع عشر، في عهد الخديو إسماعيل وما تلاه من حكّام. تصميم مبانيها تحفة فنية تجمع بين الطراز الأوروبي الكلاسيكي والنيوكلاسيكي وفن الـ"آرت ديكو". شرفات حديدية مزخرفة بدقة، واجهات مليئة بالنقوش، نوافذ ضخمة بأقواس رائعة... يا لها من تحف معمارية! حتى مقهى جروبي ذاته كان ملتقى الفنانين والمثقفين في القرن الماضي. قضينا وقتًا ممتعًا، ثم غادر كلٌّ منّا إلى منزله، تاركين خلفنا ذكرياتٍ عطرة. عدت إلى المنزل، ولسوء حظي رأيت أمي جالسة على الكرسي المقابل للباب — ذلك الكرسي الذهبي ذو النقوش الدقيقة الغائرة التي تحرص دائمًا على تنظيفها بعناية. نظرت لي بعينيها العسليتين وشفتيها الممتلئتين بلونٍ أحمر، وملامحها الهادئة التي لا تليق مع صوتها الحاد دائما. قالت لي : كنت فين؟ قلت بفتور: يفرّق معاكي؟ تنهدت بعمق وقالت بهدوء لم أعهده منها: مش هتبطّل طريقتك دي؟ وقفت أحدّق بها متعجبًا؛ ما تلك النبرة؟ أين الصراخ المعتاد؟ أين التهزيق؟ تركتها وغادرت إلى غرفتي، أغلقت الباب، حتى سمعت طرقًا خفيفًا. ظننتها زينب، لكن المفاجأة... كانت أمي. جلست أمامي على الكرسي المقابل للسرير وقالت: بغض النظر عن قلة الأدب اللي حصلت بره، بس... إنت مالك؟ قلت مستعجباً: - مالي؟ ثم تنهدت وقلت بفتور: - والله أنا كويس، مش محتاج سؤال من حد. ممكن تسيبيني لوحدي؟ قالت بنبرة مرتعشة لم أسمعها منها من قبل: طيب. أمسكت بيدها وقلت: استني يا ماما، إنتِ كنتي عايزة إيه؟ مش عايزة حاجة... بس خليك لابس، زبيبه مستنيانا على العشا، وأختك عندهم من الصبح. فكت يدها من يدي وغادرت، فالتزمت الصمت تمامًا. ركبنا السيارة دون نقاش، فأي حديث معها عادة ما يتحول إلى عراك. هي من كسرت الصمت برفع صوت الراديو... كانت تُبث أغنية "صدفة" لعبد الحليم حافظ. نظرت إليّ بعينين لامعتين، وابتسامة طفولية لا تشبه عصبيتها وحدتها، وقالت: - عارف؟ أنا بحب الأغنية دي أوي. كانت شغالة أول مرة شوفت فيها باباك كنت في تانية كلية، كنت عيلة عندي ١٩ سنة، وهو متخرج وبيشتغل وعنده ٢٥ سنة. كانوا أصحابي مُصرّين ياخدوني معاهم في كافيه على النيل في شيراتون، وأنا عمري ما خرجت في أي حتة لوحدي أبدًا، دايمًا بابا لازم يبقى معايا. وكنت مرعوبة أطلب منه، لأني كنت عارفة رده، لكن أصحابي معرفش إزاي أقنعوه، وروحت معاهم. وكان شرط بابا الوحيد إني أرجع له الساعة ٨ بالظبط. المهم، روحت وقعدنا وضحكنا وهزرنا، وأنا بضحك فجأة الأغنية دي اشتغلت، وببص قدامي كده لقيته كان على الترابيزة اللي قدامنا. فضلنا بصين لبعض على صوت عبد الحليم حافظ وهو بيقول:  صدفة قابلتك ولا على بالي شفت ساعتها جمال الدنيا صدفة لقيتني اتغير حالي وتبدلت لوحدي في ثانية خدني جمال الروح والخفة... ابتسمت له غصب عني، واتكسفت وقومت عشان أروح. مافيش يومين، ماما قعدت تقولي: – البسي واتشيكي، عندنا عزومة الليلة. الجرس ضرب، فتحت الباب، اتسمرت مكاني، لقيته هو! قعد يهزر معايا وقال: – إيه بقى، مش هتدخليني؟ ماما جت شدتني بسرعة، ودخلتني الأوضة، وهزقتني تهزيق علشان فتحت الباب لحد غريب، وإن بابا لو شافني هيقطع خبري. ثم أخيرًا نطقتُ قائلًا بحماس: – طب، وهو إيه علاقة بابا بجدو؟ وجاله ليه؟ ابتسمت أمي ابتسامة رقيقة لم أرَها من قبل، وضحكت بعينين تلمعان، وكأنها تعيد صياغة المشهد في عقلها، وهي تكمل: – طلع باباه وبابا أصحاب من زمان، وبابا عزمه عندنا لأنه كان عايز يرجّع العلاقة، المهم يا حبيبي... قشعر بدني، ونظرتُ لأمي بنظرة تعجب. هل أمي قالت لي للتو يا حبيبي؟ لماذا لم تقل يا زفت كالعادة؟ لا أبالغ إن قلتُ إن أمي طوال حياتي لم تنادني بلقب آخر غير آدم عندما تكون بحالة مزاجية جيدة، أو يا زفت في أغلب الوقت. ولم تضمّني لصدرها قط، ولم تحضنني يومًا، ولم تسمح لي بالنقاش معها. ماذا حدث لتتحدث معي بكل تلك البساطة؟ ولماذا لم تهزقني لأنني تركتها وغادرت وهي تحدثني؟ بل وتابعتني إلى الغرفة، وأمسكت بيدي وهي هادئة! ما بها؟ استيقظت من بحر الأفكار الذي كاد أن يفجّر دماغي على صوت أمي وهي تقول: – إنت مش مركز معايا ليه؟ – أنا آسف، سرحت في حلاوة الإلقاء بتاعك إنتي وبابا. – هي فعلاً حلاوة وجمال كمان. المهم إنه وهو عندنا في البيت، اتفاجئ إني بنت الراجل اللي باباه قاعد معاه، وقعد يسأل ماما عني، ولقيت ماما بتقولي اخرجي اقعدي معاه في البلكونة، وأنا مرعوبة من بابا، واتاكلت علقة سخنة من بابا، بس كله فدا، لأن بعدها بثلاث أيام جالي واتقدملي، واتجوزنا. وعشت معاه أجمل أيام حياتي، وأخيرًا خرجت من سجن بابا. فضلنا ١١ سنة متجوزين، مرينا بحاجات كتير سوا... عارف؟ إحنا قعدنا ٦ سنين عشان نخلف، ولما جبنا زينب كان طاير بيها، وبرضو بعدها بخمس سنين حملت فيك. وكنا مبسوطين أوي، وكان منتظر يشوفك على آحر من الجمر. ثم تنهدت أمي وابتسمت برقة وقالت: – وحشني أوي... بدعي ربنا إني أروح له بسرعة، بس خلاص، هانت. – إيه؟ إنتي تقصدي إيه؟ بعد الشر عنك! – آه خلاص بقى... أنا عندي ٥٤ سنة، بقالي ٢٤ سنة منتظرة الموت عشان أروح له. التزمتُ الصمت، لا أدري ماذا أقول. أمي تريد الموت منذ يوم ولادتي... لأنها فقدته يومها. أمي تكره يوم ولادتي... وتكرهني أنا شخصيًا. لكن، لماذا تغيّرت اليوم؟

📜 الفصل الثاني 📜

يرى جميعُ من هم بحياتي أنني أبالغ في الأمر، فما بها إن يتعرّض طفلٌ لم يبلغ السادسةَ من عمره للتنمّر؟ وما بها إن كان الأطفال والمعلمون يسخرون منك لأنك طفلٌ مختلف؟ أسمرُ اللون، وعيناه حادتان زرقاوان، وشعره مُجعّد وخفيف، ويتشاءم منّي المعلمون والمعلمات، وكلُّ من بحياتي، لأن يومَ ولادتي كانت أمي بالمستشفى، وكان أبي عائدًا من عمله متجهًا مسرعًا إلى المشفى، خاصةً بعد معرفته بأن أمي في حالةٍ حرجة. كان يقود بسرعةٍ عاليةٍ، ولم ينم منذ ثلاثة أيام، فهو ضابط جيشٍ على حدود الشمال الشرقي لمصر. لم ينتبه إلى الغرزتين اللتين تليهما مطبّات، فانقلبت السيارة على مصرعيها. ومنذ تلك اللحظة، كرهتني أمي، لأنها فقدت بسببي زوجها وحبيب عمرها. ولأن أمي كما تقول عن والدها إنه رجل ذو سلطةٍ وتسلّط، كان يعامل ابنته الوحيدة وزوجته معاملةً قاسية، رأت أن أبي هو من جعلها تشعر بقَدْر نفسها، وداوى شرخ قلبها. ولكن، بأي ذنبٍ أُعاقَب؟ إنها أقدار الله، ما دخلي أنا؟ طفلٌ مريض منذ الصغر، عاش سنةً كاملةً في الحضانة، لديه مرض السكّري ومشاكل في الظهر والعمود الفقري، وإلى الآن يعجز الأطباء عن إفادتي. وأمي كرهتني لأنها عانت كثيرًا في ولادتي، حتى الأطباء كانوا يتوقعون أنني سأخرج ميتًا، لأن من يظل نصف ساعةٍ أو أكثر محشورًا، ثم يخرج للحياة، لا بد أن يكون ميتًا. خرجت أزرق اللون، لا أبكي مثل باقي الأطفال. ظلت أمي بالمستشفى مدةً طويلة، حتى أخبروها بوفاة أبي بعد يومين، فازداد الوضع سوءًا، ودخلت في حالةٍ نفسيةٍ سيئة، وأصابها انهيارٌ عصبي، إلى جانب ألم الولادة المتعسّرة، فأصيبت بالضغط ومرض القلب. ولكن، ما ذنبي أنا؟ طفلٌ لا يد له في شيء! حتى أبي، لا أعلم عنه شيئًا سوى بطولاته ومهاراته الحربية، وانتصاره في معركة السادس من أكتوبر. لم أرث منه شيئًا سوى السكري والبشرة الداكنة والعينين الزرقاوين. ما ذنبي؟ لماذا كانوا ينادونني بالمريض؟ لماذا يُحاسبني الناس على شيءٍ ليس لي دخلٌ فيه؟ فهو من صنع الخالق! أَهُم لا يؤمنون بالأقدار أم ماذا؟ عجزتُ عن فهم كلّ تلك الأمور. قطع صوتَ عقلي وتفكيري الزائد صوتُ أمي وهي تصفُّ سيارتها جانبًا، وكانت ستصطدم بالشجرة العملاقة التي تمّت زراعتها أمام مدخل البيت. ذلك البيتُ الهادئ بطلائه القديم ذي اللون الأبيض الترابي، واللون المرجانيّ العتيق، وتصميمه الفرنسيّ الأنيق. بيتٌ عامرٌ بالحبّ والدفء، في مدينة جاردن سيتي الهادئة، ببيوتها الأنيقة وشوارعها المليئة بالأشجار الذهية والنخل الأنيق الذي يحيط بالمنزل، والنيل الذي يمكنك رؤيته من الشرفة الزجاجية العملاقة الأنيقة. نزلتُ أنا وأمي من السيارة وصعدنا إلى شقّة الدكتور سيد قشطة، أستاذ الفلسفة بالجامعة. استقبلونا السيد قشطة والسيدة زبيبة، والدا فاروق، الضابط الأنيق المظلوم وسط تلك الأسماء العجيبة، بحبٍ وترحاب. كانت زينب أختي عيناها تطلقان شررًا لأننا أتينا متأخرين، وكانت محرجة. جلست بجوار السيدة زبيبة، والتفتُّ لأنظر خلفي لأسمع صوتًا عذبًا أعرفه جيدًا... أتلك سارة؟ نظرتُ بعينيّ تجاه الطرقة الفخمة لأرى والدتها عظيمة هانم وابنتها العذبة الرقيقة ذات العينين الساحرتين. بمجرد النظر إليها أشعر بأنني في عالمٍ آخر. عينان ضيقتان بلونٍ بنيٍّ جميل، وابتسامةٌ رقيقةٌ تملأ وجهها، ضحكتها خيالية! بمجرد أن أراها تضحك، أبتسم من جمال أسنانها ووجهها عند الضحك، ذات البشرة الخمرية الجميلة. استيقظتُ من سرحاني على صوت سارة وهي تمد يديها الناعمتين للسلام: – أهلاً، إزيك يا آدم؟ قالتها بابتسامةٍ ساحرة، فقلتُ مبتسمًا: – إزيك إنتي يا سارة؟ عاملة إيه في كليتك؟ – الحمد لله، أخيرًا فاضلي سنة التدريب وأتخرج وأرتاح بقى. – على خير إن شاء الله. – وانت أخبار مشروع التخرج بتاعك إيه؟ – عرفتي منين إني بدأت؟ – مش إنت في آخر سنة؟ أمر بديهي إنك تبدأ في مشروع التخرج، أومال يعني هتفضل تاخد مقررات وتتخرج من غير أي استعداد ولا تهيئة؟ قطع حديثنا صوت عظيمة هانم قائلةً: – حبّك الكلام دلوقتي يا حبايبي؟ يلا نتعشّى، أنا هموت من الجوع، كملوا على السفرة! نظرت عظيمة هانم نحو سارة نظرةً مبرقة، مما أثار توتّري أنا شخصيًا. حين جلسنا على مائدة الطعام، كانت عظيمة هانم ترمقني بنظراتها المزدرية. لا أعلم لماذا، ولكن مؤكد أنها تراني كما يراني السواد الأعظم في حياتي. انتهينا من العشاء، وظلّت سارة بجوار والدتها، بينما فاروق وزينب يجلسان في الشرفة، أما أنا فجلست مع أمي والسيدة زبيبة والدكتور سيد قشطة وعظيمة هانم وابنتها، ملتزمًا الصمت، حتى انتبهتُ لحديثهم على صوت أمي وهي تقول بتأثر: – النهارده وأنا بقرأ في الجنرال، لقيت الخبر البشع ده... الله يرحمه يا رب، ده كان من أعظم وأشطر منقّبي الآثار! دايمًا بيطلع من الأرض أحجار نادرة جدًا، وبيكتشف مومياوات كتير على أعماق ضخمة صعب أي حد يوصلها. قالت السيدة زبيبة، مدرسة التاريخ للمرحلة الثانوية، بمنتهى التأثر: – الله يرحمه، ده اسمه مغرق كل كتب التاريخ، معرفش إزاي يموت فجأة كده! قال الدكتور سيد قشطة بسرعة: – الأعمار بيد الله، كلنا لها. – إزاي بس يا سيد؟ ونعِم بالله طبعًا، لكن ده مات كده من غير سبب، بيقولوا إنه وقع من طوله في حمّام بيته! – مين قالك كده؟ دول بيقولوا إنه نام وصحي مقامش. قالت أمي بمنتهى التأثر، وكأن عقلها توقف عند جملةٍ واحدة: – فعلاً... كلنا إلى الله راجعون. – طب تفتكري يا دكتورة بثينة (أمي)، مات إزاي؟ مش زميلك ده؟ – طبعًا زميلي، بس أنا أعرف منين؟ هو بقاله شهر في بعثة استكشاف لمنطقة أبيدوس، طبعًا حضرتك عارفاها. كانت أمي سيدةَ تاريخٍ عاشقةً للآثار، درست في كلية الآثار وأصبحت دكتورةً بها، وتهتم بالآثار المصرية ومعرفة أصلها وفصلها. هممتُ بالمغادرة، وقررت أن أقف قليلًا في الشرفة، لأقطع على فاروق وزينب لحظاتهما السعيدة، لأني أشعر بالملل. اقتحمت عالمهما المليء بالقلوب المتوهجة والعينين اللامعتين، وهما مقربان من بعضٍ للغاية، يكادان يتخطّيان الحدّ المسموح... - هوباااا اقفش! - يخرب بيتك يا آدم، خضتني! افتكرتك حماتي. - خايفة يا بطّة؟ - واد يا آدم، عايز إيه؟ ماما بعتاك؟ - إنتي تعرفي عني كده يا زوزتي؟ - وأنا أتوه عنك يا قلبي؟ - بس يا صَيعة، كنتي بتقوليله إيه؟ - مكنتش أقصد، كنا... كـ... - كنا بنتكلم عن تفاصيل الشقة. - لا والله يا فاروق! الشقة المتشطبة من سنتين؟ - ما طالما الدنيا كلها جاهزة والفرش اتفرش، ليه حماتي مش راضية تجوّزنا؟ للدرجة دي مش قادرين تستغنوا عنها؟ - لا طبعًا، ده أنا هموت وأخلّيها تمشي من البيت عشان آخد أوضتها، أصل سريرها مريح جدًا. ولو على ماما، ما هتصدق تكسر وراها أوله! - طيب طالما هو كده، آخرتها إيه بقى الحب الممنوع ده؟ ده لو فيلم هندي كان زمانا من خمس سنين عندنا ولدين وبنت جاية في السكة. قلت وأنا أحاول تهدئة الأجواء: - أنا آسف يا جماعة، بهزر. بعدين يا عم ماما دي محدش يعرف إيه في دماغها. طب ما تفاتحوها في الموضوع؟ قالت زينب بانفعالٍ خافت: - آدم، أنا داخلة في التلاتين! كمان سنة متخيل إني مخطوبة وأنا عندي خمسة وعشرين؟ كان زماني فعلاً زي ما فاروق قال، مخلفة ومعايا عيال في إيدي. تعرف تفسرلي هي بتعمل كده ليه؟ عاجبها كلام الناس عليّا؟ عاجبها عذابي بين حب عمري اللي متربية معاه وبنحب بعض من زمان، وبين إني لازم أبقى بنت مطيعة وأسمع كلامها حتى لو غلط؟ أنا قرفت! قلت لها: - بصي يا زينب، إنتِ أكتر واحدة عارفة أنا متضرر من أمك دي قد إيه، أنا فعلًا مش معجب بتصرفاتها من زمان بس... قاطعني فاروق قائلًا: - إيه يا جماعة، استهدوا بالله! لما تروحوا على الأقل، أحسن طنط تسمعنا ولا حد غيرها. استهدوا بالله كده، بصي يا زينب، مامتك مرت بحاجات كتير جدًا. أكيد خايفة تضحي بيكي وتطلعي نسخة منها، خصوصًا إني ظابط، وكمان إنها كانت مش موافقة على خطوبتنا. ومتنسيش إن باباكي مات وسابها تعيسة، عندها بنت وولد في رقبتها وهي لسه معدتش التلاتين! طبيعي تبقى خايفة عليكم، أنتو اللي طلعت بيكم من الدنيا ومن ريحة حبيبها الله يرحمه. خايفة تواجهوا الدنيا، خايفة تسيبوها وتواجهوها زي ما هي واجهتها. خايفة عليكم تدخلوا صراع مع الحياة، لأنها عارفة إنكم أنتو اللي هتخسروا. قلت وأنا أحاول إنهاء الحديث المزعج: - ظابط آه، بس فيلسوف ابن فيلسوف عظيم. - أقنعتك؟ - لا طبعًا! ضحكنا جميعًا، وغيّرت زينب الموضوع لتتحدث عن فرح أحلامها، لكني رأيت باب الشرفة ذا الإطار المعدني يُفتح بهدوء، فدخلت منه سارة وأغلقته خلفها. قالت بصوتها الهادئ العذب: - سبتوني قاعدة لوحدي جوه وبتضحكوا هنا؟ قالت زينب: - بيتكلموا عن إيه يا سوسو؟ قاطَع فاروق مازحًا: - أكيد يا زيزي طالما مامتي وحماتي اتجمعوا، قلبوها صالون ثقافي. ضحكت سارة وقالت: - صالون ثقافي بس؟ ده أدبي وتاريخي كمان! بيتكلموا عن حضارة مصر القديمة والآثار والفن. قلت وأنا أضحك: - أموت وأعرف عمو سيد إزاي منسجم معاهم في الكلام، مع إنه راجل بتاع فلسفة! قالت زينب: - ما هو عمو بيعشق التاريخ. قال فاروق: - أيوه، الظاهر إن بابا كان نفسه يبقى مدرس تاريخ. - وإيه اللي منعه؟ نظر لها فاروق بعينين تلمعان وقال مداعبًا: - يمكن كان غير مؤهل. قلت فاسد للاحظه ضاحكاً - لا وانت الصادق، تلاقيه مجبش مجموع في الثانوية! - إنت مفسد اللحظات السعيدة بجد! - أقول إيه؟ العيب على البقرة الضاحكة اللي بتضحك على أي حاجة وعينيها بتطلع قلوب في ثانية. قالت سارة ضاحكة: - شكلك يا آدم مضايق إن أختك هتسيبك وتتجوز. وبعدين إيه فهمك إنت في الحب؟ - يا ستي، بس يتجوزوا، كده كده هاروح أبات معاهم! قال فاروق بملامح مصدومة: - إيه!!! ضحكنا جميعًا على تعبير وجهه المضحك، وبدأت أنا وسارة الحديث. كان قلبي ينبض سريعًا ولم أستطع إخراج جملة مفيدة من كثرة ارتباكي. حتى قالت مبتسمة: - إنت عارف يا آدم إنك بتضحكني موت؟ - إزاي؟ - يعني ببقى متوترة موت وأنا بتكلم معاك، بس بطريقتك دي بموت من الضحك، فبتكلم معاك بمنتهى الأمان. لا أدري أي طريقة تلك التي تتحدث عنها، ولكن كي لا أبدو غبيًا أمامها، ضحكت قائلًا: - أصل ما فيش داعي للتوتر، إحنا قرايب ومتربين مع بعض من وإحنا صغيرين، انتي عارفة. أنا كان عندي خمس سنين، وانتي كان عندك أربعة. فاكرة لما كنا بنلعب مع بعض؟ فاكر كمان لما أخيرًا بقيتي تقولي اسمي صح لحد دلوقتي فاكر شكلك وانتي طفلة جميلة شبه الأميرات، وضحكتك مرسومة على وشّك وكأنك مولودة بيها، فاكرة؟ قالت سارة بعينين لامعتين: - ياااه يا آدم، طبعًا فاكرة! ودي حاجة تتنسي؟ أنا فاكرة لما كنا بنلعب، ودائمًا ماما كانت بتزعقلي عشان بلعب معاك. يااااه، أيام جميلة! سكتت فجأة كأنها أدركت ما قالت، فقررت أن أسألها: - آه، أنا فاكر فعلًا لما طنط كانت بتزعقلك بسببي، بس إشمعنى؟ - يمكن عشان كنا بنتشاقى أنا وإنت، ده زينب وفاروق ماكانوش بيعملوا نص اللي كنا بنعمله. فاكر لما كنا عندكم وطلعنا فوق النيش؟ - ياااه! أموت وأعرف استحملنا إزاي! فاكرة أول ما ماما شافتنا عملت إيه؟ - يا لهوي بجد! أنا فاكرة طنط دخلتك الأوضة، أو زي ما كنا مطلقين عليها "أوضة العقاب الجبار"، وماما فضلت مقعداني جنبها لحد ما روحنا. كنت أنظر إلى سارة بعينين واسعتين بينما “عصافير الغرام” زينب وفاروق جالسين وكأنهم في عالمٍ آخر. فجأة دخل علينا الدكتور سيد قشطة قائلًا: - هو أنا دخلت جنينة العشاق ولا إيه؟ قال فاروق ضاحكًا: - الحب ولّع في الدرة يا بابا! - يا ولد يا حبيب! طب ما تخلوني أنضم ليكم بدل قاعدة الصالون الثقافي اللي جوه دي. قلت له مازحًا: - مش معقول يا عمي، كل ده بيتكلموا عن الراجل اللي مات؟ - فتحوا بعدها مليون حوار! وعظيمة قعدت تشرح لهم طريقة عمل رموش الست، وبعدها بلح الشام، وبعدها اتكلمنا عنكم شوية، وبعدها عن الفن والفنانين، وبعدها أنا قعدت أشرح لهم التفكير الفلسفي وإيه دوره في التكنولوجيا الحديثة، زي الإنترنت ده ولا مش عارف اسمه إيه. قلت: - صح يا عمو، إمتى بقى الواحد يبقى عنده إنترنت في بيته؟ حاسس إنها حاجة حلوة، بتدخلنا لعوالم خفية محدش يعرفها. من الآخر رحلة اكتشاف مثيرة. - متستعجلش يا آدم، قريب هيبقى في كل بيت مصري، بس لازم الأول تمهيد للموضوع لأنه خطير بعض الشيئ. جلسنا نتحدث، لكن فجأة أدركت أن الساعة تجاوزت الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وأنا بحاجة للاستيقاظ مبكرًا لمحاضرة دكتور عبد المجيد الذي اكرهه. فقلت لزينب كي تخبر أمي أن الوقت قد تأخر، فدخلنا جميعًا، ونظرت أمي في ساعة يدها وأدركت أن الوقت بالفعل متأخر، فقمنا بالمغادرة بعد سلامات وقبلات حارة. عدت إلى المنزل… أكره هذا المنزل، فقد عشت فيه أسوأ أيامي، ولكن أيضًا أجملها. ذكريات كثيرة جمعتني فيه بفاروق وزينب وسارة. كانت أمي والسيدة زبيبة صديقتين منذ الثانوية، التحقت أمي بكلية الآثار، بينما التحقت السيدة زبيبة بكلية الآداب قسم تاريخ. وعرفت من أمي في السيارة أن السيدة زبيبة هي من أقنعت جدي بخروجها معها، وأنه عندما تعرفت أمي بأبي، كانت السيدة زبيبة تتعرف بصديق أبي المقرب، الدكتور سيد. الاثنان كانا يعشقان الآثار والفن والتاريخ. أما الدكتور سيد قشطة، فلم يكن يهتم بتلك الأشياء في البداية، لكنه وقع في غرام السيدة زبيبة، فأحبها حبًا شديدًا، وجعل اهتمامه بكل ما تهتم به. قال إن هذا واجب على أي اثنين يحبّان بعضهما… أن يشتركا في نفس الاهتمامات ليظلّا معًا. أما أنا… فلا أدري متى ستعلم هي بحبي، كي اعرف اتجاهاتها الفكريه يا للهول! لقد أصبحت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل… عليّ النوم، وكفى تفكيرًا. ****

📜 الفصل الثالث 📜

استيقظت كعادتي على صوت أمي المرتفع، وزينب تداعبني، وحلمٍ بشعٍ لا أذكر منه شيئًا سوى إحساسي بالهلع. N95وفوق هذا كله رنين هاتفي النوكيا الحديث ، الذي وبختني أمي على شرائه. كان معتز يزعجني برنين الهاتف، ومن المؤكد أنني تأخرت على المحاضرة الأولى، ولكن عندما نظرت إلى الساعة وجدتها السابعة والنصف. لماذا هم مستيقظون جميعًا في هذا الوقت المبكر؟ لم أهتم، وعدت إلى النوم، وكأنني في حالة من الغيبوبة. استيقظت مرة أخرى، ونظرت إلى الهاتف، فرأيت أنه لم يتصل بي أحد. آخر مكالمة كانت من جدتي سوسو بعد عودتي في طريقي إلى المنزل. ستائر غرفتي مغلقة، وزينب لم تدخل. طردت كل تلك التساؤلات العجيبة، ونظرت في الساعة، إنها التاسعة صباحًا! ولكن كيف لم تستيقظ أمي بعد؟ ولماذا لم توبخني كعادتها على أنني "مستهتر ولا أدرك أهمية الأشياء ولا قيمة الوقت"؟ اتجهت لأفتح نافذة غرفتي لأول مرة منذ أيام، واستنشقت الهواء العليل، ثم خرجت لأجد زينب جالسة على أريكتها المفضلة بجانب الشرفة، التي تضع فيها قفصًا ذهبيًّا أنيقًا به عصفورتان كناري ذات لون ثلجي مائل إلى الأبيض. كانت تقرأ كتابًا أتوقع أنه عن الحب، وتستمع إلى صوت عصافيرها التي تعشقها، وتستمتع برائحة زهرة البنفسج الجميلة التي تزرعها، فهي مهووسة بالزهور، خصوصًا زهور البنفسج والقرنفل. وعلى الجانب الآخر، كانت أمي تجلس على مقعدها الفخم المفضل، تقرأ الجريدة وبجانبها كوب من القهوة، وصوت أم كلثوم المبهج من الراديو. زاد ارتباكي… كيف هذا؟ أمي جالسة بهدوء تام، وزينب لم توقظني! ظللت واقفًا، ترتسم على وجهي مئات علامات الاستفهام، حتى قالت زينب: - يا آدم، صباح الخير يا روحي. أنا مردتش أصحيك من بدري يوم أجازتك. أجازتي؟ كيف؟ وماذا عن ميعاد دكتور أحمد؟ ولكن اليوم الأربعاء! كيف يكون يوم أجازة؟ نزلت عليّ جملتها كالصاعقة. -نعم؟ أجازتي إزاي يعني؟ النهارده الأربع، وإنتِ عارفة إن عندي محاضرة! - اهدى بس يا حبيبي، النهارده الجمعة، والساعة دلوقتي تسعة. جمعة؟ - أيوه، وبعدين معاد دكتور أحمد، انتَ رُحتله وروحتوا المشرحة كمان. زينب، بلاش استظراف على الصبح.- - أنا هكدب عليك ليه؟ والله رُحت المشرحة، وكنت راجع مرهق. كل اللي قولتلي إن ربنا استجاب دعوتك، وإنت ومعتز وعامر وفريد في تيم واحد، فاكر؟ طب، امبارح عملت إيه؟- - امبارح رحنا عند طنط ميرفت، وإنت مردتش تيجي معانا. رجعنا لقيناك نايم. من هول الصدمة، تركت زينب وذهبت إلى الحمام أغسل وجهي لعلّي أتذكر شيئًا. ها أنا الآن أقف أمام الحوض الأسود اللون، أغسل وجهي، وأنظر لنفسي في المرآة، وأقول: كيف هذا الذي تقوله زينب؟ لماذا لا أتذكر أي شيء عن اليومين الماضيين؟ كيف هذا؟ معتز! سأتصل بمعتز. خرجت راكضًا متجهًا لغرفتي، أمسكت هاتفي واتصلت به، لكنه لم يُجب. يا إلهي! حسنًا، سأتصل بفريد، فهو يستيقظ مبكرًا دائمًا. اتصلت به أكثر من أربعٍ وعشرين مرة… لا رد. أحقًا؟ هل هم مغمى عليهم أم ماذا؟ آخر خيار أمامي أن أتصل بالسيد خالد عبد الرحيم، والد معتز. أجاب أخيرًا: ألو؟- ألو، صباح الخير يا عمو.- صباح الخير يا حبيبي، إيه فينك؟ بقالك فترة مبتجيش تقعد معايا.- آسف يا عمو، والله حضرتك وحشتني بس مشغول شوية.- طب شد حيلك بقى يا دكتور... - قاطعته بسرعة: قولي يا عمو، هو معتز صاحي؟ - لا طبعًا، رجع امبارح من المشرحة تعبان ومصدع، واتقلب على وِشه من التعب، حتى ما رضيش ياكل ولا قالنا حصل إيه. - طب ممكن تصحيه؟ - عنيا يا حبيبي، هروح أصحيه. - ظللت على الهاتف خمس دقائق تقريبًا، حتى عاد السيد خالد للاتصال بي قائلًا: - معلش يا حبيبي، الواد نايم، ولا كأنه منمش من أسبوع، مش عارف أصحيه. - طيب يا عمو، مافيش مشكلة، آسف على الإزعاج، وسلملي على طنط ميرفت، ولما يصحى خليه يكلمني ضروري. - حاضر يا حبيبي، الله يسلمك، وسلملي على مامتك وزوزو، وابْقوا تعالوا اشربوا معانا الشاي. يوصل يا عمو، مع السلامة. - أنهيت المكالمة وأنا منهار… كيف يضيع من ذاكرتي يومان كاملان لا أعلم كيف مضيا؟ جميع رفاقي نائمون! ماذا عليّ أن أفعل يا إلهي؟ لم أفق من حديثي الداخلي إلا عندما سمعت صوت زينب وهي تربّت على كتفي قائلة: مالك يا آدم؟ انت كويس؟- - أقولك ولا هتقولي عليا مجنون؟ إنت تعرف كده؟ قول يا حبيبي ومتقلقش.- في يومين طايرين من ذاكرتي.- -أنا أصلًا ملاحظة إنك بقالك يومين مش مظبوط. التفت إليها بدهشة وقلت: إزاي يا زينب؟ قوليلي بالتفصيل.- -كنت بصحيك زي كل يوم، لقيتك بتزقني ومتكلمتش، وروحت داخل الحمّام، وبعدها نزلت على طول، لا أخدت فلوس ولا فطرت، ورجعت متأخر أوي، دخلت نمت على طول بهدومك. ويوم الخميس رجعت، ولما قولتلك تيجي معانا، قولتلي لا، ودخلت أوضتك ورزعت بابها، وعينك كانت حمراء لدرجة إني فكرت... (تنهّدت وأكملت) فكرت إنك شارب حاجة. -والله يا زينب مش فاكر، آخر حاجة فاكرها يوم ما صحتيني الصبح، مش فاكر لا المشرحة ولا الجثة ولا اللي انتي بتقوليه ده. يمكن حد شربك حاجة؟- - معرفش... الغريبة إني اتصلت بمعتز مش بيرد، وعامر مش بيرد، وفريد مش بيرد! زهقت، فرنيت على عمو خالد. وقالك إيه؟- -قالي نايم زي التريلا المقلوبة! حاول يصحيه كتير، ولما زهق، اتصل بيا تاني وقال إنه لسه نايم، غرقان في النوم من بدري. طب ما ترن على دكتور أحمد؟- مقدرش.- -ليه يا بني؟ الراجل محترم جدًا وبيحبك كأنك ابنه، ولما تعبت آخر مرة ودخلت المستشفى جه زارك بنفسه. هو أنا بقولك رن على التاني الغلس ده ولا أنا اتلغبط في الأسامي؟ -لا يا ستي، انتي صح. دكتور أحمد ده الطيب اللي بيحبنا، إنما التاني الغلس اسمه دكتور عبد المجيد. بس أنا أصلا معيش رقمه، فهستنى لما عامر يصحى ويديني رقمه. - طيب ممكن متفكرش كتير، أنا عارفة إيه اللي هيبسطك. إيه؟- البس يلا عشان نروح لسوسو. عارف كمان مين- هييجي بعد صلاة الجمعة؟ مين؟- تديني كام وأقولك؟- خلصي يا زوزو، متثيريش فضولي ونبي.- طيب صعبت عليا طنط زبيبة وعمو سيد،- وهيجيبوا معاهم حبيبة القلب. نبض قلبي عندما قالت زينب آخر كلمة، وقلت بعينين متوهجتين تلمعان مثل قلبي الذي يكاد يخرج من صدري: سارة؟- أيوه، سارة، ومن غير مامتها كمان! يلا قوم البس.- قالتها ضاحكة، وطرت أنا من الفرح، واستعدّيت للخروج. وصلنا إلى بيت جدتي الأنيق المحاط بالنخل من جميع النواحي. استقبلتنا جدتي البالغة من العمر سبعين عامًا بترحاب وسرور كبير، بشعرها الأشقر المائل إلى الرمادي، ناعم كخيوط الحرير، وعينيها الخضراوين الجميلتين. لكن لم تكن جدتي وحدها المتحمسة لرؤيتنا، بل قطتها العجوز لوسي أيضًا، التي انقضّت عليّ فور دخولي، فحملتها ودخلت. سألتني جدتي بفضولها المعهود، مستغلة انشغال أمي وزينب في المطبخ: قولي يا واد يا دومتي، مافيش جديد؟ - والله يا سوسو، أنا لسه مش متشاف برضو. - - ليه يا واد؟ واحد زيك، طول بعرض وهيبة، ما شاء الله عليك! مش متشاف ليه؟ ده إنت سيد الرجالة! أيوه يا سوسو، بس أنا لو صارحت بمشاعري - هستفيد إيه؟ - تستفيد إيه! تستفيد إنك تطلع مشاعرك لحب عمرك، وتبنوا عش صغير كده وجميل. - طيب يا سوسو، أنا لسه لحد دلوقتي بتتهزق من ماما، وبتعاملني وحش قدام كل الناس. تفتكري لو عملت كده قدام حبيبتي هعمل إيه؟ هستحمل؟ دي هتشوفني إيه غير مهزّق؟ - أمك يعني! عادي، هتشوف إنها أمك، وإنت مش هينفع تقولها حاجه. - طيب يا سوسو، لما أخلف ابني اللي المفروض يشوف فيا القدوة، لما يشوفني بتتهزق، هيراعي إن دي أمي؟ ولا هيشوف إن أبوه مهزّق؟ واد يا آدم، هي أمك لسه مدبّ معاك؟- وهي من إمتى بطّلت؟ - صمتت جدتي، وكأنها تذكّرت شيئًا لم تداويه الأيام، ثم تنهدت وقالت: طب يا حبيبي، خد لوسي واطلع الجنينه، - عشان هبخر، وهي مش بتحب ريحة البخور. حاضر يا سوسو.- ذهبتُ إلى الحديقة الخلفيّة للمنزل أُداعب لوسي، الهِرّة رماديّة اللون العجوز، ذات العينين السوداوين المحاطتين بخطٍّ عسليٍّ أنيق. ثم تذكّرتُ ما أفسد استمتاعي بالأجواء، وبشاي جدّتي والفطير المشلتت الشهيّ الذي أعدّته لي ولزينب. جلستُ أطرح على نفسي أسئلة عدّة، من بينها: - هل يمكن أن ينسى الإنسان يومين من ذاكرته؟ وكيف يمكن ألاّ يتذكّر أيَّ شيءٍ وكأنه تبخّر؟ - لا، لا... مؤكد أنّ الجميع سيراني مجنونًا! هل جُننت؟ أم أنّني مرهق فحسب؟ - يا إلهي! هل يمكن أن تكون زينب محقّة؟ هل أعطاني أحدٌ مخدّرات؟ - ولكن... لا، مستحيل أن أقبل شيئًا كهذا، فأنا لا أحبّ أن أغضب ربّي، وأعلم مدى خطورة تلك الأشياء. - - قطع حبلَ أفكاري صوتُ زينب قائلةً: - – سوسو! نجّدتني من وقفة المطبخ، مش عايزة أتْبهدَل، أصل فاروق هييجي بعد الصلاة! قالتها بنبرةٍ حماسيّة وكأنها لم ترَه منذ زمن. - قلتُ مبتسمًا: - – عارفة يا زينب، أنا بتبسط لفرحتك وانتي بتتكلمي عن فاروق، بجدّ يا رب تفضلوا مع بعض على طول، ويسهّل موضوعكم، وينفخ في صورة أمّك وتوافق إنّك تتجوّزي... مع إنّي مش عايزك تتجوّزي يا زينب. - – ليه كده بس؟ - – مش... مش عايزك تتجوّزي وتسيبيني... هتسيبيني لمين في البيت - - ذهبت للحديقه الخلفيه للمنزل أداعب لوسي الهره رماديه اللون العجوزه ذات العينان السوداء الدائري بخط عسلي انيق ثم تذكرت ما أفسد استمتاعي بالاجواء و بشاي جدتي و الفطير المشلتت الشهي التي اعدته جدتي لي ولزينب جلست اطرح على نفسي اسئله عده من ضمنها - - هل يمكن أن ينسى الإنسان يومان من ذاكرته؟ و كيف يمكن أن لا يتذكر اي شئ و كأنه تبخر! - - لا لا مؤكد الجميع سيروني مجنون هل انا جننت؟ انا مرهق أليس هكذا؟ - - يا إلهي هل يمكن أن تكون زينب محقه؟ هل احد اعطاني مخدرات؟ - - ولكن لا مستحيل أن أقبل شئ مثل هذا فا انا لا احب ان اغضب ربي و انا اعلم مدى خطوره تلك الأشياء - - قطع حبل أفكاري زينب قائله: - - سوسو نجدتني من وقفه المطبخ مش عايزه اتبهدل عشان فاروق هيجي بعد الصلاه - قالتها بنبره صوت حماسيه وكأنها لم تراه منذ زمن - - عارفه يا زينب انا بتبسط لفرحتك و انتي بتتكلمي عن فاروق يارب تفضلو مع بعض على طول و يسهل موضوعكم وينفخ في صوره امك و توافق انكم تتجوزو مع اني مش عايزك تتجوزي يازينب - - ليه كده بس - - مش..مش عايزك تتجوزي وتسبيني ..هتسيبيني لمين في البيت - - - قلتها باكيا كطفل صغير سيفقد أمه و لكن بالفعل زينب هيا امي واختي و رفيقتي و حبيبتي و ابنتي زينب هيا كل حياتي زينب هيا ملجئ الوحيد هيا مصدر سعادتي و مصدر حنان لي اعلم أن الزواج لا يعني الفراق وقطع العلاقه بيني وبين اختي ولكن مجرد تصوري بأنها لن تكن معي في بيت واحد و ادخل غرفتها اتحدث إليها ولا القيها وقت حزني هيا الوحيده التي تشعر بي ووقت فرحي هيا اول من يشاركني فييه. - ضمتني زينب بين كتفها الذي أشعر عندما تضمني أن زينب امي وليست اختي مداعبه شعري قائلا - - يا حبيبي انا قاعده معاك اهو مش هسيبك بعدين لو ماما وافقت اني اتجوز فاروق هيبقي في الشغل وانا مش بشتغل يعني هاجي اقعد معاك و انت هتجيلي تقعد معايا و تبات معايا في حضني كمان و وقت ما تحس انك محتجني تعلالي ده انا ساكنه وراكم بشارعين وبعدين يا دومي انت اللي بكره هتسيبني و هتشتغل و بعدها هتتجوز و هتبقي زوزو مش في أولوياتك صح؟ - - لاطبعا عمر الدم ما يبقي مايه - - شوفت! يبقي اكيد انا الفاضيه اللي لا ورايا شغله ولا مشغله مش هنساك و حتي يا دومي لو مشغوله افضالك انت مش اخويا يولا انت ابني. - - ظللت معانقها لمده تزيد عن خمس دقائق ثم مسحت دموعي قائلا - - خلاص بقا يابت انتي ده انتي نكديه خلي بالك من لوسي هدخل اغسل وشي ضحكت زينب وقالت - - معاك حق روح يلا - ***** في الطبيعي لا احب أن اصرح بمشاعري لأحد سوى زينب هيا الوحيده التي عندما أصرح لها بمشاعري لا تعطيني رده فعل معاكسه لاحتياجي لا تكسرني عندما كنت في السابعه من عمري كنت في أول صف ابتدائي وهناك طفل كان لا يحبني كان يتنمر علي كلما رآني هو و اصدقائه وكان كلما رآني الولد يتعمد أن يوقعني ثم يركلني في بطني عدت للمنزل و انا منهار من البكاء و عيني متورمه و على وجهي كدمات من أثر ضرب مبرح من الولد واصدقائه لي عندما رأتني امي لم تبالي و انا بمجرد رؤيتي لها ألقيت بنفسي بين ذراعيها باكي ا بشده مثل أي طفل يعتبر أمه ملجئه الوحيد ولكن امي وبختني لأنني لم ادافع عن نفسي و دفعتني بعنف من بين ذراعيها فا سقطت أرضا ابكي بشده وامي خرجت و غادرت المنزل وانا ابكي بشده رأيت الباب يفتح مره اخري ظننت أنها امي ولكن كانت تلك زينب اختي على الرغ م من صغر سنها وأنها كانت ذات عشر أعوا م ولكنها هدتني و عانقتني بشده حتى نمت على صدرها فمنذ تلك اللحظه لا ابوح لأحد بمشاعري سوى جدتي و زينب فقط مؤكد أنني ل م ابوح لأحد اخر بمشاعري في المستقبل. اتجهت للمرحاض و بعدها كنت في طرقه المنزل سمعت صوت جدتي تصيح بأمي وتقول - - وبعدين معاكي يا بثينه جرا ايه يابت هو احنا كنا بنعذبك و نكهربك و بنربطك في السرير مثلا جايبه منين قاسوه القلب دي سمعت صوت امي مرعوش و كأنها تبكي وقالت - بعد اذنك يا ماما مالكيش دعوه - - انا طول عمري ساكته و بسمع كلامك وماليش دعوه بس انتي مستنياني لما اشوف احفادي بيضيعو بسبب قسوتك - - قسوتي؟ - - اه قسوتك لما تخلي بنتك طفله عندها تسع سنين شايله هم البيت و اخوها الصغير اللي انتي مش مهتمه بيه يبقي قسوتك لما تحرمي اتنين بيحبو بعض من وهما اطفال عن أنهم يتجوزو يبقي قسوتك لا وسيبه اللي يسوى و اللي ميسواش يتكلمو على بنتك هو في واحده في الدنيا تتخطب خمس سنين ليه! بنتك دي واحده غيرها كان زمنها غلطت و حطت راسك في الطين و يبقي حقها واحد هما الاتنين بيحبو بعض من وهما عيال واحنا عارفين و قعد يحارب عشان يخطبها و شاريها انتي بقا مستنيه ايه مستنيه لما الفاس تقع في الراس؟ ولا مستنيه لما الناس تتكلم عنها اكتر و تقول اكيد فيها عيب عشان كده مش متجوزه ده اكيد فكو الخطوبه بس أمها مكسوفه تبين أن بنتها ا م 29 سنه بارت وده كلام انا سمعته بودني من ا م محمود مبالك باقي الناس انتي انانيه مش عايزاها تبني بيت صغير على قدها وقد حبيبها مش عايزاه تبقي احسن منك لكن عشان زينب بنت فعلا كويسه طيعاكي مع اني متاكده من أنها بتموت في اليوم ألف مره من نظره الناس ليها بسببك مسالتيش نفسك بنتك دي ليه مش بتخرج ! ما هو من كلام الناس عنها ايه يا بنتي بتعملي كده ليه! ليه؟ بتكرهي العيال فيكي مستنيه ايه مستنيه أنهم يتمنو موتك!ربنا مديكي فرصه يا بني ادمه تغيري من طريقتك مع عيالك قبل موتك مستنيه ايه؟مستنيه ايه! حتى ابنك آدم مطهقاه في عيشته و دايما شتيمه و قله قيمه قدام اي مخلوق لا وكمان زعلانه أن هو وزينب بيصدوكي و مش عايزين يقعدو معاكي انتي انانيه عايزه تفضلي تهزقيه و متديش حنيه ولا اهتمام اخرك بتدفعي فلوس وعشان بس اكتشفتي اللي عندك حسيتي انك عايزه تغيري من طريقتك لكن لما ملقتيش نتيجه مع انك اصلا محاولتيش لا وكمان انتي طينتيها اكتر بقا فاروق كلمك في الموضوع امبارح وانتي تزعقليه انتي ايه يا شيخه ما ده حقه هو هيضيع في عمره كتير هو و حبيبته ليه و الواد آدم بسببك مبقاش بيعبر عن مشاعره لحد،بسببك حتى البنت اللي بيحبها مش عارف يقولها بسببك و بسبب كرهك له ومتقوليليش بقا اسطونتك المشروخه بتاعت آدم ابني وحته مني مقدرش أكرهه ومين قالك اني مش هاين عليا اترمي في حضنه ..الحب أفعال و ليس اقوال فقط يا دكتوره آد م لما يدخل المستشفى ويبقي بين الحياة و الموت انتي مش بتعبريه في أهم مراحل حياته و اهم إنجازاته اللي انتي بتشوفيها بسيطه بدل ما تشجيعيه تنكدي عليه انتي ايه يا شيخه اقول عنك ايه بس بسببك الواد بقا معقد و بسببك كان بيتهته لونسيتي ها بغل في تالته ثانوي بيتهته ده بسبب معملتك ليه يا شيخه انتي محدش بيعرف ياخد معاكي حق ولا باطل دايما بتكليهم بالكلام و اللي ماكدلي أن فعلا زبيبه وجوزها بقيين على العشره و العيش و الملح اللي بينكم أنهم بيستحملو قرفك و قله ادبك عليهم كنتي بتتحججي أن فاروق لسه هيدخل شرطه دخل واتخرج اتحججتي بأن البت لازم تخلص تعليمها خلصته بتقدير امتياز اتحججتي أن الشقه مش جاهزه الشقه جهزت من خمس سنين اتحججتي أن آد م لسه داخل الكليه و انك معكيش تجهزي زينب اديكي جهزتيها مستنيه ايه يا بنتي مستنيه ايه قوليلي صمتت ثم تابعت بنبره أحد وكأنها تضربها بالكلام ايامك في الدنيا معدوده بدل ما تخلي العيال يترحمو عليكي هتخليهم يقولو ربنا يجحمها و يخنقها زي ما كانت خنقانا في عيشتنا غيري يابنتي من نفسك عشان انتي هتتسألي عليهم و عشان عيالك لما تكبري وتعجزي يشيلوكي و عشان تخلي العيال دي آباء و امهات أسوياء نفسيا لكن انتي البعيده مش حاسه بحاجه و عماله بردو تطيحي في الكل حتى بعد ما ربنا اداكي انذار انتي مستنيه ايه!…ردي علياانتي يا بثينه مستنيه ايه!. - خلصتي؟ قالتها امي بصوت لم اسمعه من قبل امي تبكي! - اتفضلي اتكلمي انا عايزه اعرف مستنيه ايه حتى بعد ما عرفتي الموضوع .... قطعتها امي - انتي يا ماما عايزاني اشوف بنتي نسخه مني؟ متجوزه ظابط بيطنطت في كل حته شويه و في الاخر هيموت ويسيبها لوحدها و الناس تقعد تتكلم عنها شويه؟ ولا عايزاني اشوف بنتي بتجري على الدكاتره و كل شويه حد يرمي لها كلام زي السم عن أنها مش بتخلف؟ ولا عايزه ايه ما عشان زينب بتحبه انا خايفه لما يموت تبقى زيي المصيبه أن زينب مش هتستحمل اللي انا استحملته في الاخر انا الام الوحشه الشريره عشان عايزه تحمي عيالها؟ - - تحميهم من ايه!اولا ده نصيب و دي اقدار الله خليكي مؤمنه ثانيا انتي لو مصدقه نفسك تبقي في مصيبه لأن يا بثينه انتي مش بتحرميهم من لعبه و لا اكله لا انتي بتحرميهم من سنن الحياه بتحرميهم من الحب بتحرميهم من أنهم يبنو شخصيه بتحرميهم أنهم يحسو أن أمهم شئ مهم في حياتهم بتحرميهم من أنهم يخرجو مشاعرهم انتي عندك عقد انا مش فاهمه مصدرها ايه إذا كان انا و ابوكي مكناش بنعمل نص اللي بتعمليه مع عيالك الله يرحم يا ست بثينه يالي كنتي بتجري على الدكاتره عشان تخلفي ولما ربنا اداكي عماله ترفصي في النعمه ترفصي في النعمه و ربنا مديكي ناس مستحملاكي فعلا بيحبوكي عماله ترفصي فيهم لحد ما النعمه هتزول من وشك! - اااااه شكلك نسيتي اللي كان بيحصلي - ايه اللي كان بيحصلي فكريني - ابويا ده كان بيعمل ايه معايا حلو؟ ابويا ده كان على اهون سبب يمد أيده عليا عمره ما حضني… قاطعتها جدتي وهي تصرخ عليها نبره حاده لم اعهدها من جدتي من قبل. . لااااااااا عندك قبل ما تكملي في الهبل ده ، ابوكي مين اللي مكنش بيحبك ولا كان بيحضنك؟! و كان بيضربك!! كان بيضربك لانك شاقيه مش اكتر مكنش بيربطك في رجل السرير و يمدك بالكرباج يعني ابوكي كان بيخاف عليكي ابوكي ده كان بيشتغل بعد الظهر عشان يعيشك في مستوى احسن من اللي هو كان عايش فيه و قبل ما يموت كتب كل حاجه باسمك و اسمي عشان يأمن مستقبلك كان في عز تعبه و مرضه مُصر أنه ينزل الشغل عشان يجهزك ابوكي كان اول حاجه بيعملها لما يرجع من الشغل يجري على أوضتك عشان يبوسك. قبل يا بنتي ما تخلي الشيطان يلعب في عقلك و يكرهك في حد بصي و ركزي على ايجابياته مافيش انسان كامل كلنا عندنا عيوب لكن في فرق بين عيوب بسيطه و مميزات اكتر و عيوب كتيره مداريه على كل الحلو اللي جواكي . ـ وانتي مكنتيش بتعملي نص اللي هو بيعمله ليه و كنتي بتسيبيه يمد أيده عليكي و… - بقولك يا بثينه ابوكي مات اذكروا محاسن موتاكم اللي بيني وبين ابوكي انا بس اللي اعرفه بس يابنتي انا مش عيزاكي تكرهي ابوكي يابنتي والله ابوكي كان بيحبك افتكري يا بثينه افتكري يا حبيبتي ابوكي كان بيعمل ايه كويس افتكري لما كان حد بيزعلك حتى لو انا كان بيعمل ايه وعلى فكره ابوكي مكنش بيضربني عملها مره غلطه وافتكري كويس انا عملت ايه يابنتي كلنا كنا بنتضرب بس ضرب عن ضرب يفرق احنا مكناش بنعزبك احنا كنا خايفين عليكي و حتى لو مشيت على هواكي و احنا كنا آب و أ م مفتريين فاقد الشيء بيعطيه بتعاملي ولادك كده ليه بيني لهم حبك يا بثينه انتي متعرفيش عيالك عملين ازاي و هما عندهم امل انك تتغيري حرا م تعملي فيهم كده بسبب عقدتك - يا ماما انا واحده لسه مكملتش ال30 سنه اترملت حبيبي وعمري وروحي مات وسبني لوحدي من بعده كرهت حياتي اتحولت حياتي من البنت الرقيقه الجميله اللي الضحكه مش بتفارق وشها على راي بابا البت ام ضحكه جنان للست المترمله اللي شايله هم عيالها فقدت اللي كان محسسني بالحب و الاهتما م والحنان ماما انا هقولك من الاخر انا لما اعلق عيالي بيا و اعبرلهم عن حبي و اطلع كل مشاعري زي ما كنت بعمل مع محمد ولا بابا وفي الاخر اموت و اسيبهم يمرو بكل اللي انا مريت بيه ده ازاي يا ماما مقدرش انا حتي لو قاسيه عليهم فا بعمل كده عشانهم عشان بحبهم لازم اعمل كده . ان امي تبكي بحرقه سمعت في امي نبره ام حقا خائفه على اولادها من الدنيا والحياه لا يهمني أن كانت امي على صواب أم لا لكن امي تحبنا لهذا فعلت هذا امي حقا إم!. امي كانت تمثل دور الأم القاسيه ذات القلب القاسي في تلك اللحظه و عندما نظرت لوجه امي و قررت أن أظهر و انني سمعت كل الحديث الذي دار بينها وبين جدتي وقفت على باب المطبخ انظر محدق اتجاه امي ..امي أنها تبكي بحرقه لم اشعر بنفسي الا وأنا اركض اتجاه امي و ملقي بنفسي بين ذراعيها و ابكي وهيا الأخرى تبكي بحرقه و عانقتني بقوه كنت وكأنني قلبي يشحن طاقه من هذا العناق الجميل أشعر و كأنني ابنها للمره الاولى امي تعانقني بقوه و تعتذر لي - انا اسفه انا اسفه انا بحبك بحب زينب بحبكم انتو ولادي انا اسفه انا كنت.. - خلاص يا ماما ارجوكي انا كنت واقف وسمعت كل حاجه انا بحبك و مسمحك قلتها وانا ابكي و أعانق امي بقوه انا الاخر - طب وزينب - زينب بتموت فيكي وهيا اللي دايما كانت بتديني مبررات للي بتعمليه بس لو عايزه تفرحيها جوزيها فاروق - طب تعالا اخذتني امي ماسكه يدي متجه للحديقه و جدتي متاثره وتبكي فرح بمجرد أن التقت امي بزينب ضمتها ضماً قويا وزينب لا تفهم شئ وتنظر بتعجب أكثر عندما رأت امي تعانقها قالت زينب - مالك ياماما انتي كويسه - انا كويسه يا حبيبتي بس انا بحبك بكت زينب وهيا مبرقه العين تشعر بالصدمه ثم قالت - ماما انا كمان بحبك بس في ايه - مافيش... انا اسفه قالتها مبتسمه مداعبه شعر زينب البني الناعم كا الحرير - ماما انا مش فاهمه مالك بس انتي كويسه! قلت ممازحا - يابنتي طالما مش فاهمه حاجه بتعيطي ليه - اصل انا مش متعوده على كده بكت امي و ضمتني و ضمت زينب لصدرها و عانقتني بقوه - انا اسفه على كل مره عملت فيها حاجه وحشه زعلتكم اوعدكم اني هغير من نفسي بس ممكن ننسا اللي فات و نبداء من جديد صفحه جديده؟ لاول مره قبلت امي انا وزينب من وجناتيها .**** بعد كل تلك الأحداث ذهبت لانام قبل حلول موعد صلاه الجمعه و لكن أثناء نومي شعرت بأحد يداعبني بأصابع خشنه و شعرت بأحد يتنفس كان الهواء الذي يخرجه رائحته مقزز و ساخن فالتفت إلي مصدر هذه الاصابع لم ارى أحد أن الظلام يعم المكان ولكن كيف أنني تركت جزء من الستار مفتوح ليدخل الضوء ثم إننا في الصباح كيف هذا الظلام شعرت بصداع مريب كاد عقلي أن ينفجر من شدته ثم سمعت صوت اظافر ترطم بشيئ خشبي ذهبت لفتح أضاء الغرفه ولكن الضوء لم يشتغل تذكرت أن جدتي قالت إن الكهرباء ستقطع يال غبائي انني حقا ابلى ذهبت لفتح الستار ولكني شعرت بأن راسي ثقل كثيرا فقدت توازني سقطت أرضا . سمعت صوت امي وهيا تقول - حبيبي اصحى الجمعه هتاذن انني لا استطيع الرد عليها . .**** لا اعرف كم مده فقدت وعيي ولكن سمعت صوت أحد اعرفه جيدا - انت يا بني ما تقوم بقا قرفتني تريلا مقلوبه نايمه انه معتز ولكن كيف أتى هل مر اربع ايام لم اشعربهم مثل اخر مره ؟ - معتز! ايه اللي جابك - ياعم قول صباح الخير - الساعه كام - 3 ونص - جيت ازاي - مافيش سوسو اتفقت مع شيري يجو يتغدو معاهم - هو مين بره - بابا و فاروق و ساره و ماما و طنط زبيبه و عمو سيد و شيري - اتغديتو؟ - سيبك من ده كله بقا يا طفس انا عايز.. قاطعته قبل أن يكمل حديثه متذكر ما حدث - انا اللي عايز اقولك حاجه بس خايف متصدقنيش هو انت فاكر… - هو انت كمان مش فاكر اي حاجه من يومين كاملين صح؟ - ايوه مش فاكر اي حاجه - ولا انا انا هتجنن بجد كلمت عامر مش فاكر حاجه بردو - طب وفريد - مردش عليا بس متقلقش انت عارفني - طبعا عارفك… قطع حديثنا شيري جده معتز الفرنساويه - آد م معتز يلا غدا فاقلت - طب يلا نلبي نداء تيته شيري انني ارتحت حقا الآن لأن معتز اكبر ميزه هيا أنه عندما لا يستطيع أن يفهم شئ يظل و راءه حتى يعل م عنه كل شئ. ****

📜 الفصل الرابع 📜

جلسنا على السفره الكبيره فا بيت جدتي هو بيت العزومات و سفره جدتي هيا سفره تسيع جميع الاحباء و المعازي م جلسنا و جلست بجواري ساره وأمامنا زينب وفاروق و امي جانبي من الزاويه الأخري تطعمني بيدها و تطعم زينب أيضا و ينظر فاروق باستغراب تجاه ما تفعله امي ثم يهمس لزينب في أذنها فتضحك و فلتفتت لهم امي وبتسمتلهم و من الزاويه الأخري تجلس الجدتان شيري و سوسو يضحكون،أنهم كانوا جيران و اصدقاء ولكن انتقلت شيري لمسكن اخر و انقطعت العلاقه حتى تعرفت انا على معتز و في يوم كانت جدتي أتت لتاخذني من المدرسه بدلا من امي و معتز أيضا أتت جدته لتاخذه فكنت أودع معتز وكانت جدتي تريد أن ترا معتز الولد الذي أخرج حفيدها من العزله و التوحد فعندما رأته كان مع جدته شيري التقتا شيري سوسو ببعض من جديد و أخذوا ارقام بعضهن البعض و عادت العلاقات و بصدفه باحت بها الايام اكتشفنا أن الاديب خالد عبد الرحيم كان صديق مقرب لدكتور سيد قشطه و ابي ولكن بعد وفاة أبي سافر دكتور سيد الي بريطانيا ليكمل رساله الدكتوراه الخاصه به في مجال الفلسفه و انقطعت العلاقه وبعدها تتعرف امي الدكتوره بثينه بكليه الاثار بالسيده ميرفت صاحبه تركيبات العطور المميزه ولكنها علاقه سطحيه حتى تعرفت عليها السيده زبيبه و اكتشفتا أن زوجها صديق مقرب لابي ودكتور سيد ثم في ما بعد تعود العلاقه بين جدتي و شيري وتعود العلاقه بين الصديقين المقربين الذان فرقت الدنيا بينهم الدكتور سيد قشطه و الاديب المصري خالد عبد الرحيم لكن دون ابي. تلك الدنيا حقا غريبه تقربنا من بعض البشر فجأة و تبعدنا عنهم في لمح البصر يالها من دنيا عجيبه. كنت أشعر بحاله من الارتباك أشعر بصداع رهيب انتهينا من تناول الغداء و جلسنا في الحديقه و كنت اود بشده ان اتحدث مع ساره ولكن ليس لدي ما اقول و كان يظهر علي انا ومعتز الارهاق لم يكن أحد يتحدث منا سوى زينب و فاروق وحدهما ثم فجأة وانا اجلس بجوار امي نظرت لزينب و فاروق ثم تنهدت و همست لي قائله - أن الاوان يا آدم قالتها تنظر تجاه فاروق و زينب و عيناها تدمعان و تبتسم ابتسامه رقيقه تليق بوجهها الملائكي. حتي قالت امي ما أصابنا جميعا بحاله من الذهول - يا جماعه بمناسبه تجمعنا النهارده انا حابه اقولكم حاجه المعاد اللي زينب و فاروق كان نفسهم يتجوزو فيه من خمس سنه ٧/ ٧هيجي بعد شهر انا عايزه نحدد الفرح ونعمله وقت ما تحبو ولكن ايه رايكم نخليه ٧/٧/٢٠٠٧ الشهر الجاي؟ علشان يبقى تاريخ مميز اكتر صرخنا جميعا من الفرحه و كادت زينب أن يغمى عليها حتي قالت السيده زبيبه - انتي بتتكلمي جد يا بثينه؟؟! - طبعا يا زبيبه وانا بردو بعتذر لكم ....انا اسفه وبشكركم انكم كنتو متحمليني كل ده قال فاروق بحماسه طفل لا تليق بشاربه و طول قامته - مينفعش نخلي كتب الكتاب بكره! ضحكنا جميعا على طريقه فاروق و أقمنا الحفل و ظلت زينب ترقص و جميعنا يرقص خاصه بعد ما أتت جدتي بالطبل و مارسنا عادتنا المفضلة في كل مناسبه بعدما هجرنا تلك العادة منذ زمن و لكن الزمان قرر أن يعيد ايام الفرح، ظلت تغني ونحن نردد وراها بحماس اغاني عتيقه ونرقص عليها جميعا حتى رددت امي معنا بحماس و زغاريط متعاليه. كانت فرحه دمعت لها جميع العيون و فرحه زينب و فاروق مشعه بالمكان و يرقصون سويا ويرددون و هم ليسوا مصدقين أنفسهم أن امي وافقت حقا *** عدنا إلى المنزل، وكنت ألوم نفسي أنني لم أنتهز فرصة أن والده سارة لم تكن معها، ولم أتحدث معها طوال التجمع. كم أنا غبي حقًا! كنت أستعد للنوم حتى أتت زينب، ودخلت غرفتي وعلى وجهها ابتسامة جميلة رقيقة تملأ وجهها، وكأن الحياة أصبحت وردية وتطوف حولها الفراشات، وتدق عيناها بالقلوب المتوهجة اللامعة. قالت لي وهي تضحك: - – أنا مبسوطة أوي يا آدم، مبسوطة مبسوطهههههه. فقلت وأنا أبتسم: - – يارب دايمًا أشوف ضحكتك الجميلة دي وتِفضلي سعيدة دايمًا يا حبيبتي. قالت: - – أنا مش قادرة أصدق نفسي من أول اليوم! هي دي ماما؟ إزاي يعني! هي بقالها فترة طريقتها متغيرة وحنينه، لكن أنا مكنتش واخدة بالي لحد ما رجعت تاني ماما اللي أعرفها شخط ونطر . النهارده بقى دي مش أمي، استحالة! من أول ما حضنتني لحد ما بوستها أنا وإنت، وأنا حاسة إن في حاجة غلط... لحد ما قالت إنها أخيرًا هتجوزني لفاروق، وكمان فاكرة التاريخ اللي كان نفسي فيه من خمس سنين! بالعكس دلوقتي بقى مميز أكتر، بس اتأكدت إن ماما مش هي ماما... دق الباب ودخلت أمي، وقالت: - – أنا عايزة طلب. قلت: - – اتفضلي. - قالت: - – ممكن إنت وزينب تيجوا تناموا جنبي؟ - نظرتُ أنا وزينب لبعضنا بتعجب، ولكني أدركت أن أمي أخيرًا تتغير، ولكن زينب لا تعرف ما دار بين أمي وجدتي. - ذهبنا إلى سرير أمي، وضمتنا أمي أنا وزينب، ثم تنهدت وفتحت لنا قلبها، وحكت لنا قصة حياتها مع أبي، والغريب أنها اعترفت بعيوبها وقالت أيضًا: - – إنت يا آدم أكيد شايف جدك ظالم بعد اللي سمعته مني، لكن الحقيقة إني أنا اللي علّقت شمّعتي عليه، حتى بعد ما مات كنت بحاول أثبت لنفسي إني صح، لكن كلام ماما ليا كان زي القلم اللي بينزل على الوش ويترقع. ربنا يسامحني، وإنتو كمان سامحوني، أنا آسفة. هناك جروح لا تداويها الاعتذارات، وهناك جروح تلتئم بمجرد قول كلمة طيبة، ولكن في الأغلب يجب أن يكون الإنسان رحيمًا ويحاول أن يسامح من آذاه، خاصة بعد معرفة الدافع. وخصوصًا إن كان هذا الشخص أمي، التي بسببها عانيت وما زلت أعاني كثيرًا في حياتي. لكن لا أعلم لماذا تغيّرت فجأة! استحالة أن يكون كلام جدتي وحده السبب، ربما شيء آخر. كان واضحًا في ملامح أمي أنها تُخفي شيئًا، أمي التي اليوم رأيت فيها أجمل ضحكة وأطيب لسان. حقًا، تلك الضحكة تليق بوجهها الملائكي الذي لا يليق عليه سوى الضحك. الآن فهمت لماذا كانت السيدة زبيبة، صديقة أمي منذ المراهقة، تتحملها طوال تلك السنوات؛ لأنها الوحيدة التي تعرف أمي من الداخل، كم هي لطيفة ورقيقة. لكن الزمان دمّرها داخليًا وملامحها خارجيًا. - لأول مرة – ولا أبالغ إن قلت هذا – أنا نائم بين ذراعي أمي، أنا وزينب، وهي تُقبّل جبيني،وتداعب شعري. والآن أستطيع النوم وأنا شاعر بحنان الأم لأول مرة. أشكر الله وأحمده حمدًا كثيرًا على تلك النعمة، وأرجو منه أن يديمها وأن يداوي قلبي. الآن سأنام سعيدًا مرتاح البال. **** استيقظت اليوم على صوت أمي الحنون، وتناولت الفطور من يدها الحبيبة، وتناولنا الفطور سويًا، أنا وزينب وأمي، مثل أي عائلة سعيدة. التقيت بمعتز وعامر، وتوجهنا إلى بيت فريد الذي لا يرد على مكالماتنا منذ أمس. صعدنا إلى بيته وفتح لنا أخوه فؤاد، الذي يصغره بثلاث سنوات. حتى قال عامر بقلق مفرط: - – فريد فين يا فؤاد؟ فقال بتردد: - فريد... طب ادخلوا الأول، اتفضلوا. دخلنا هذا البيت العجيب، يبدو عليه الثراء، ولكن يبدو على أهله التعاسة. ففريد بلا أم، وأبوه متزوج من فتاة في عمر ابنه البكري فريد ، ويعامله معاملة قاسية للغاية. لذلك فريد يتجنب المبيت في بيت أبيه الذي يعيش في حي الزمالك، ويقضي أغلب وقته عند جده شوكت باشا في المعادي. ونحن الآن نبحث في المكان الذي أنا متأكد أنه خطأ، لكن لعلّه هنا اليوم. قلت موجهًا الحديث لفؤاد: - – فريد هنا؟ فصمت فجأة وكأنه يُخفي شيئًا. قال مترددًا: - – هو كان هنا، بس بقاله مدة مش مظبوط. بيقعد يصوت بليل ويقول كلام غريب، وعينه بقت حمرا جدًا، وأنا مش عارف راح فين. بابا اتخانق معاه وطرده، بسبب مراته اللي قالتله إن ابنك مجنون وملبوس، وإنه اتهجم عليّا! قال معتز باندفاع: - وهو فعلاً عمل كده؟ - أكيد لأ، واليوم ده كان تعبان وسخن، وأنا فضلت معاه طول الليل. من ساعة ما رجع من المشرحة وهو في حالة غريبة. قلت مسرعاً: - يمكن راح لجده؟ فرد فؤاد: - عمال أرنّ عليه، بس مش بيرد. قلت له: - – طب خلاص، احنا هنروح له بإذن الله، يمكن يكون هناك. فقال: - خدوني معاكم. قلت: - تعالَ. **** ذهبنا إلى بيت جده الفخم، ودخلنا، ففتح لنا الخادم وانتظرنا الجد، السيد شوكت. وبمجرد أن رآه حفيده الأصغر فؤاد ركض نحوه، وحكى له كل شيء، ثم سأله عن فريد فقال الجد: - – فريد فوق في الأوضة بتاعته، بس... قاطعه فؤاد: - ماله يا جدو؟ إحنا قلقانين عليه أوي. تدخلت أنا وقلت: - هو حضرتك يا جدو اتكلمت معاه؟ قال: - أيوه، بس هو تعبان، شكله مش طبيعي. كنت هاخده أوديه المستشفى، لأنه بيشتكي من بطنه، بس هو اللي قالي ماقولش لحد مكانه. لكن أنا عارف إنه بيحبكم، اطلعوا له يا ولاد، يمكن يرضى ينزل معاكم. قلت متسائلًا: - – هو حكالك عمل إيه في المشرحة؟ - فقال الجد: - – لا يا ابني، هو أصلًا تعبان، فما سألتوش عن أي شيء هو ايه جرا في المشرحه يابني. قال عامر سريعًا ليُغيّر الموضوع: - – أبدًا يا جدو، بس هو كان مبسوط أوي، وإنت عارف فريد بيحب الشغل ده وشاطر فيه، فقولنا أكيد هيحكيلك النهارده، بس معنى كلامك إن فعلاً فريد مضايق، لأنه لو كان مبسوط كان حكالك. قال معتز ليُنهي الحوار: - ممكن يا جدو نطلع له؟ - ياريت يا ابني، اتفضلوا، البيت بيتكم. نهضنا جميعًا وذهبنا لغرفة فريد. كنت أنا في المقدمة، قلقي عليه كان شديدًا. كان فريد نائمًا على فراشه في وضع مستقيم، شاحب الوجه، لا أعلم ما به. شعرت بالذهول والهلع بمجرد رؤيتي لوجهه. أهذا فريد؟! صديقي ذو البشرة البيضاء والعينين الخضراوين اللامعتين؟ قلت بقلق: - – فريد! - التفت إلينا، ولما رآنا فرح كثيرًا وحاول النهوض. قال عامر بقلق: - – لا، خليك زي ما إنت. إنت كويس؟ مالك؟ قال فريد بصوت مطرب مكتوم: - – أنا... معرفش. دخل فؤاد مسرعًا، ولما رأى أخاه الوحيد هكذا قال وهو يبكي: - فريد! مالك يا فريد؟ ليه مقولتليش أقعد معاك؟ ليه سايب نفسك كده؟! - كان يبكي بحرقة، فأمسكه معتز ليهدئه، بينما كان الجد واقفًا صامتًا. - ثم أخذ فؤاد جده وخرجا من الغرفة، فجلسنا نحن الثلاثة صامتين. عامر بدا عليه القلق والخوف، ومعتز الذي دائمًا ما يبدو بارد المشاعر، أراه الآن حزينًا خائفًا، وأنا لا أستطيع وصف مشاعري. قررت كسر الصمت وقلت: - – فريد، إحنا كلنا حصلنا زي اللي حصلك. نظر فريد إليّ بعينين مبرقتين، فقلت بلطف: - – احكي يا حبيبي، إيه اللي حصل معاك في اليومين اللي فاتوا؟ حصل إيه عشان تبقى كده؟ قال بصوت مرتعش: - – مش فاكر حاجة... أنا عايز أخرج من هنا. - – طيب، امبارح حصل إيه؟ - – أنا معرفش... لقيتني هنا. مش فاهم حاجة... أنا جعان. - – طيب، قادر تقف؟ - – أيوه، ساعدوني. ساعدناه على النهوض، وجعلناه يقف قليلًا عند الشرفة. كنت أريد أن أُغيّر الجو وأخفف عنهم، خصوصًا بعدما رأيت فريد شاحب الوجه وكأنه ليس في عالمنا ينظر إلى السراب و عامر يحبس دموعه بالقوة، ومعتز الذي بدت عليه علامات الاضطراب. قلت: - – عايز أحكيلكم حاجة غريبة، ماما... قال فريد سريعاً: - – لسه بتزعلك؟ - – بالعكس! ماما امبارح عملت حاجتين أغرب من بعض... ماما حضنتني، وكمان هتجوز فاروق لزينب الشهر الجاي! قال فريد مبتسمًا: - – ياااه، أخيرًا! بجد، على فكرة يا دوما، أنا اتبسطلك أوي، بس مش قادر أعبر. طول عمري متأكد إن طنط بتحبك، بس في حاجة مخبياها. شاركني معتز الحديث، فحكيت لهم كل ما حدث ليلة أمس، ففرح كثيرًا عامر، وقال كلامًا جميلًا عن أمي. وبعدها تحدثنا في أشياء عدة، وضحكنا من القلب، ونجحنا في أن نحسن مزاج صديقنا الوحيد فريد. لكنه قال فجأة: - – عارفين؟ أنا متأكد إن بابا بيحبني، وبيزعل لما بيعمل كده، بس الغريب إن عمره ما جه صالحني. كان أحد يطرق الباب، ثم فُتح ببطء حتى دخل الأستاذ محمود، والد فريد. وبمجرد أن رآه فريد، أعطاه ظهره، لكن الأستاذ محمود ركض نحوه قائلًا: - – فريد! إنت كويس؟ أنا آسف... أنا آسف، أنا... قاطعه فريد بصوت حاد لا يليق بملامحه الشاحبة ولا نبره صوته المهذبه: - – أنا تعبان، وعايز أبقى لوحدي. ينفع حضرتك تمشي؟ قال الأب بانكسار: - – لا، مش همشي. أنا طلّقتها طلعت واطيه، أنا قسيت عليك كتير يا ابني بسببها. ولما عرفت اللي حصل لك، وجَدّك كلّمني، أنا جيت جري. سامحني، أنا مكنتش أعرف إنك تعبان. - – طيب يا بابا، ينفع تسيبني؟ أنا هروح المشرحة الساعة 1 وهرجع بليل. كنا جميعًا مصدومين! ما هذا؟ أسرع خصام وصلح حدثا في اليوم نفسه! ضحكت غصبًا عني، فقال عامر ليُخفف الموقف: - – تعرف يا عمو، فريد كان مصفّر كده شكله مش فطران كويس، بس لما شافك فرح، ووشه رجع أبيض تاني. مش كده يا آدم؟ - قلت: - – على فكرة يا عمو، فريد بيحبك، وسبحان الله قبل ما تخبط على الباب كان بيقول إنه عايزك تيجي، عشان يحس إنه فارق معاك. ابتسم الأب وقال: - – طبعًا يا ابني فارق معايا. أنا اعترف إني كنت مخطئ في حقه، لما كنت بصدقها و أجي عليه. فقال فريد بهدوء: - – حصل خير يا بابا. احتضن الأستاذ محمود ابنه فريد، ودخل فؤاد على هذا المشهد فانضم إليهما وهو يبكي. أما أنا، فلا أعلم كيف تمّ الصلح بتلك السهولة! فقلت لمعتز متعجبًا، فقال هو الآخر: - – فعلاً غريب، بس مش مشكلة الصلح خير. في طريقنا إلى المشرحة، بعد أن ذهبنا للمستشفى للاطمئنان على صحة فريد، قال الدكتور إنه بخير، لكنه يعاني من تعثر بسيط في الهضم ودور برد. فنحن في شهر فبراير، الشهر الذي يُصاب فيه الجميع بالبرد. أعطوه أدوية ومسكنات فأصبح على ما يرام. حتى وصلنا المشرحة ونحن لا نعلم شيئًا. سألت فريد متعجبًا: - – هو طبعًا حلو إنك صالحْت والدك على طول، بس إزاي؟ قال بابتسامة خفيفة: - – بص يا آدم، بابا صعب عليه يعتذر لحد حتى أبوه، وأنا عارف كده كويس، وعارف إنه بيحبنا. فلما لقيته جه، كنت قاصد مدّلوش وش، بس هو أصر يصالحني. يبقى مالوش داعي الخصام والفراق خاصه مع الأب أو الأم أو الاخوات لأن استحاله يبقى في اب وأم ببكرهو أولادهم حتى لو احنا يُهيئلنا ده بيبقى من جواهم حب ممكن تكون الايام دارته وممكن يكون حد مداريه وواخده كله لحسابه.

📜 الفصل الخامس 📜

من كلام فريد، أدركتُ أن كل بيت يختبئ وراءه بعض المشاكل، وأنه يجب أن يكون هناك دائمًا شخص واسع الخلق يراعي مشاعر الآخرين. لا ينبغي أن نتشبث بالزلة الواحدة لنخلق المشاكل، بل علينا أن نتجاوزها، خاصة بعد أن يعتذر لك شخص ويتوسل إليك السماح. حقًا، كل موقف يثبت لي أن فريد شخص ناضج بالفعل. ليس هناك أب أو أم يكرهون أولادهم، بل قد يكون لديهم عُقد من الماضي الاليم ، أو قد يكون أحدهم يعبث بعقولهم، ولكن الأهم أن يحاولوا أن يغيروا من أنفسهم. **** وصلنا إلى المشْرَحة، ونحن لا نتذكر أي شيء عنها. لا أدري كيف، ولا هم يعلمون كيف. نظر عامر إليّ بخوف، ففهمتُ ماذا يقصد، وأومأت برأسي وقلت: - متقلقش يا عامر، يمكن لما نشوف الجثة نفتكر، المهم نبين أننا تمام وفاهمين كل حاجة. فقال عامر: - افرض الورق المبدئي للحالة مش موجود، إحنا جينا هنا مرتين ومش فكرينهم. أضفت: - متوقعش يا عامر، وحتى لو حصل، متقلقش، أنا هتصرف. اتجهنا للداخل، ثم إلى قلب المشْرَحة. عندما دخلت، شعرت وكأني لم أر هذا المكان من قبل؛ النقالة الحديدية، الأرضية البيضاء، الجدار الرمادي، وعلى الجانب الآخر ثلاجات الموتى. المكان واسع وفاضي… لماذا دكتور أحمد جعلنا مجموعات؟! سألتهم، وأجابني عامر: - أكيد عشان الدكتور يعرف يركز مع كل واحد. فرد فريد: - مش مقتنع، أصل هو أصلاً مش هيساعدنا. المفروض على كلامه أننا اللي هنعمل كل حاجة لوحدنا، ده ادعى أن المجموعات… أو على الأقل فرقتنا اللي هي A تيجي كلها. قال معتز: - المهم تعالا معايا نشوف أي حد يجيب الجثة، لأني مش فاكر حاجة. كان هو وفريد سيخرجان، لكن توقفوا فجأة. التفت إليهما، فرأيت دكتور أحمد يقف، ساند كتفه على الباب. خفت كثيرًا أن يكون سمع تحاورنا، فقررنا ألا نخبر أي أحد بما حدث، حتى دكتور أحمد. ابتسم له فريد وقال: - أهلا يا دكتور. رد دكتور أحمد: - أهلا وسهلا يا حبيبي، مالك وشك بهتان؟ - مفيش، كان عندي دور برد بس خفيت خلاص. - لا، ألف سلامة يا فريد. ابتسم ابتسامة غريبة لم أرها من قبل، ولكن حدثت نفسي قائلًا إن دكتور أحمد دائمًا يتبسم، ليس كالدكتور عبد المجيد الغليظ، الذي كلما رآنا ينهال علينا بالانتقادات. قلت موجهًا كلامي لدكتور أحمد: - الجثة في أنهي ثلاجة؟ نظر إليّ وقال: - هو مش أنتم اللي حطتوها؟ - لا، الممرض هو اللي حطها. لا أدري كيف تحدثت بتلك الثقة، فأنا لا أعلم شيئًا. - تمام، هجيبه دلوقتي ويخرجه، بس خلو بالكم من الجثة لأنها اختصاصكم، والتقارير أيضًا، لأن دي مسؤليّتكم. وعلى فكرة، التقرير المبدئي كويس جدًا. قال معتز: - إحنا عايزين التقرير ده. - نظر دكتور أحمد إليه بتعجب: - إشمعنا؟ - عايزين نراجعه، ممكن حضرتك تبعته مع الممرض عشان ما نأخدش وقت حضرتك. ابتسم قائلاً: - تمام يا أبنائي الأعزاء… قولولي الأول، فطرتم؟ أجبت سريعًا: - آه، الحمد لله. - ابتسم وقال: - تمام، هعمل لكم شاي عشان تعرفوا تشتغلوا. وفريد يا حبيبي، لو تعبان، تقدر تمشي عادي. - لا، أنا بقيت كويس، ربنا يخليك. شكرناه جميعًا على معاملته الطيبة. حقًا لم أر في حياتي أحدًا أطيب من دكتور أحمد؛ يحبنا دون مقابل. لا أدري لماذا، لكن هناك أنواع من البشر يكونون حنونين مع أي أحد دون مقابل، لأن الله يرزقهم طيبة قلب لا مثيل لها. دخل علينا الممرض وبيده مفاتيح ثلاجات الموتى، وخلفه دكتور عبد المجيد. زفر فريد بضيق، وقال هامسًا لمعتز، لكني سمعته: - الراجل الأتم ده جاي ليه؟ هو مش مشرف البحث دكتور أحمد؟! ضحكت أنا ومعتز، مما أثار غضب دكتور عبد المجيد. تحدث بصوته الأخنف الذي يجعلنا جميعًا ننفر منه: - بتضحكوا على إيه يا دكاترة؟ إيه قلة الأدب دي؟ لم نبالِ و التزمنا الصمت حتى أتى دكتور أحمد بالورق والشاي، وأخرج الممرض الجثة من الثلاجة. كان دكتور عبد المجيد يستعد للمغادرة بعدما أعطانا عدة نصائح، وختم كلامه قائلاً: - فا يا دكاترة، خلو بالكم، والورق يفضل معاكم لحد ما تكتبوا آخر تقرير وتسلموه كله مرة واحدة. بالتوفيق يا دكاترة، ولو احتجتم حاجة، أنا موجود في الكلية. شكرناه من باب الأدب، وقال دكتور أحمد: - اتفضلوا، اشربوا الشاي الأول، وبعدها ابدؤوا. أنا هروح المكتب. شكره فريد، وأخذنا أكواب الشاي الزجاجية، لكن قبل أن يتناول فريد رشفة، تعثر وسقط أرضًا، فانكسر الكوب. تركنا الأكواب وساعدناه على النهوض. قلت: - لو عايز تشرب شاي، خد الكوبية بتاعتي، أنا مش عايز. - لا، خلاص، أنا أصلاً بطني بتوجعني. - خلاص… لحظت أن الممرض القصير، الأسمر اللون، ذو العينين البنيتين الغامقتين، ينظر إلينا وكأنه يراقبنا. سألته: - إنت اسمك إيه؟ أجاب بتردد: - ها… أنا اسمي… عمار. قال معتز: - مالك، إنت كويس؟ - مالي أنا… أنا تمام. نظرنا نحن الأربعة لبعضنا البعض، مدركين أن هذا الشاب ذو الملامح البريئة يتلعثم بالكلام. طلبنا أن نرى الجثة، وأحضرها لنا. لكن المفاجأة كانت… تلك الجثة وبياناتها شعرتني بأنني سمعت عنه من قبل. أهذا منقب الآثار الذي مات منذ أربعة أيام؟ قلت لهم: - إيه ده؟ من البيانات، الراجل ده! ماما كانت بتتكلم عنه من أربع أيام. ده منقب آثار مات في ظروف غامضة في صحراء أبيدوس، مش زي ما مكتوب في التقرير ده. قال معتز: - إنت متأكد؟ إنت مامتك مذكرتش اسم الراجل قدامك أصلاً؟ - أيوه، بس مكتوب أنه منقب آثار ومؤسس علم التنقيب عن الآثار، ماما قالت كده. - يعني ممكن يكون غيره، مش هو. - معرفش… مش هو… ازاي بس… قطع حديثي عامر قائلاً: - خلاص يا آدم، اتصل بطنط أسألها عليه. - مش عارف، أكيد هتبقى في محاضرة. - إنت مش قولت إنها اتغيرت معاك وبقت تهتم بيك؟ أكيد لو رنيت عليها هترد على طول. وضع يده على كتفي، وأتبع حديثه: - ممكن ترجع ثقتك فيها. صدقني، مامتك حنينة جدًا على الكل. نظرت إليه، ربّت على كتفي، وأومأ برأسه مبتسمًا. اتصلت بأمي، ولكن توقعي لم يكن صحيحًا؛ كان عامر محقًا، أجابتني أمي في أول مكالمة: - الو يا آدم؟ - الو، أيوه يا ماما. - إيه يا حبيبي، إنت كويس؟ - آه، آه كويس، كنت عايز أسألك سؤال. - اتفضل. - هو لما كنا عند عمو سيد، كنتوا بتتكلموا عن زميلك منقب الآثار؟ - آه، الله يرحمه. - اسمه إيه؟ - عيسى الهواري، بس خير. - لما أجي هحكيلك يا حبيبتي، آسف على العطلة. - لا يا حبيبي، ولا يهمك، وقت ما تحتاجني هتلاقيني. أغلقت الخط وأنا في غاية السعادة مبتسمًا. قال عامر: - مالك؟ - مبسوط. - يارب دايمًا يا حبيبي. قولي بقى، قالتلك اسمه إيه؟ - اسمه عيسى الهواري… يعني هو ده اللي ماما كانت بتقول عليه، يعني كل التقارير دي غلط. إحنا محتاجين نعدلها. قال معتز: - طب والبيانات؟ - السيرة الذاتية صحيحة، إنما مكان الوفاة غلط، مكتوب "وقع على أرضية الحمام في بيته هنا". قال فريد: - يعني المفروض مات في صحراء أبيدوس اللي في سوهاج؟ - أيوه. - طب إزاي جبوه هنا؟ المسافة دي كلها؟ قال عامر: - أنا بقول نبدأ نشرح، يمكن نوصل لحاجة. نظرنا أمامنا، على النقالة الحديدية، رجل ليس مرئيًا منه سوى قدمه الكبيرة. بدا طويل القامة. قررت أن أسحب الملاية من على وجهه، لكني اشمئززت كثيرًا من مظهره، حتى أنني أخفضت رأسي كي لا أرى وجهه. قال عامر: - إيه ده؟ لاحول ولا قوة إلا بالله. قال فريد: - أكيد الراجل ده شاف حاجة قبل ما يموت، مش طبيعي أنه يبقى مبرق كده. قال تلك الجملة وهو ينظر للجثة بعينين فاحصتين، كأنه يتأمل ويؤلف مشهد الوفاة في عقله. قلت: - تفتكر الراجل ده شاف إيه قبل ما يموت؟ - الراجل ده شكله شاف حاجة خارقة لقوانين الطبيعة. قال معتز: - يعني تفتكر طلع له عفريت من قبر بينقب فيه! قبل أن ينطق، قال عامر: - طب يلا نبدأ شغل عشان نعرف. بدأنا بتشريح الجثة، وبعد ساعتين من كتابة تقارير جديدة، اكتشفنا أن جميع التقارير القديمة التي لا نتذكر متى كتبناها كانت خاطئة. الرجل مات من أثر أزمة قلبية، ولكنه تعرض لضرب مبرح. ليس من المعقول أن يضربه بني آدم لبني آدم آخر، وفي بطنه ندبة كبيرة،وفي جانبه أثر لمخالب ضخمة أشبه بحواف الديناصور، لكن من فعل به هكذا! قال عمار من خلفي بتلعثم: - ي..يم..كن ليه ع..عدو.. وات..مع حد؟ - جايز… يلا رجعه الثلاجة، هنكمل الفحص النهائي بكره. أتى دكتور أحمد وقال: - على فين يا شباب، خلصتم؟ أجاب عامر: - آه، خلاص خلصنا يا دكتور… قطع فريد كلامه قبل أن يقول شيئًا: - هنكمل بكره إن شاء الله. جميل، عايز التقارير. - ليه؟ - أشوفها. قلت أنا: - معلش يا دكتور، أحن ا نفضل نوريك التقارير بكره عشان نبقى خلصنا صياغتها، لأنها دلوقتي مش مرتبة ولا مظبوطة. -عمار قالي إنكم غيرتوا التقارير اللي كتبتوها قبل كده. - بالفعل، ده حصل. - ليه؟ نظرت لعامر بقلق، فليس لدي إجابة، ولا نريد أن يعرف أحد أننا فاقدو الذاكرة. فقال عامر: - يا دكتور، التقرير اللي احنا كتبناه المرة اللي فاتت كان مبدئي. النهارده كملنا فحص، اكتشفنا إن التقرير المبدئي فيه غلطات، فعدلناه وكتبنا تقرير كمان. فاضل التقرير النهائي اللي يحدد سبب الموت الرئيسي، هنكتبه بكره إن شاء الله. - أنا واثق إنكم ماشيين تمام، وعلى راحتكم، هستناكم بكره. - أشكرك على ثقتك، إن شاء الله نكون قدها. غادر دكتور أحمد، وغادرنا نحن أيضًا، ولكن أخذنا جميع الأوراق معنا واتجهت لمكتب دكتور عبد المجيد بعد إلحاح مني. *** فقلت: - إزيك يا دكتور عبد المجيد - الحمد لله يا دكتور آدم، خير؟ - دلوقتي إحنا مستغربين من حاجة. نظر نحوي باستغراب: - حاجة زي إيه؟ - في حاجات غريبة بتحصل جوه المشْرَحة، وتقارير تتكتب وعليها أمضتنا، ومش فاكرين أصلاً اتكتبت إمتى. - هو دكتور أحمد بيسيبكم؟ - آه، ومعانا تمرجي اسمه عمار، بيتهته في الكلام، وبيقعد يبصلنا بطريقة غريبة. - أول يوم جيتوا فيه، إيه اللي حصل؟ … لم أستطع الرد، تنفست الصعداء، وقلت له: - في الحقيقة يا دكتور عبد المجيد، في حاجة غريبة حصلت معانا إحنا الأربعة. نظر دكتور عبد المجيد في عيني، وشعرت أنه متوتر بعض الشيء، وقال لي: - طيب، اتفضل، اقعد واهدى كده و احكي. - شكرًا… دلوقتي إحنا الأربعة مش فاكرين أي حاجة من أربع أيام. - أنا ملاحظ إنكم أول يوم مشرحه كنتم مش تمام، ودكتور أحمد فضل واقف معاكم لأنه كان حاسس بنفس إحساسي، بس إزاي… - معرفش، حتى أهالينا قالوا إننا كنا بنتصرف بغرابة. - أنت شاكك في حد؟ - لا، بس… - قول يا بني، متقلقش. - لاحظت إن التمرجي مش مظبوط، مكنش عايزنا ناخد التقارير النهاردة، وكان مصمم إنه يعمل لفريد كوباية شاي بدل اللي اتكسرت، يمكن يقصد إكرام الضيف، بس إلحاحه رهيب. - وفريد شرب الشاي؟ - لا، ولا أنا. - طيب، بكره متجوش، تكملوا البحث، تعالوا بعد يومين، ساعتها هتاكد من شيء. أومأت برأسي إيجابًا، ونهضت للخروج، خاصة بعد دخول بعض طلبة الصف الثاني للدكتور. اتجهت للسيارة حيث كان فريد ومعتز و عامر منتظرين قدومي. بمجرد دخولي السيارة، نظر عامر تجاهي بضيق وقال: - ها؟ - مالك، في إيه؟ - عملت اللي في دماغك يا آدم؟ - كان لازم أعمل كده. - وليه أصلاً، بتقوله حاجة، ما إنت عارف إنه مش بيحبنا؟ - معرفش، أنا حسيت إني عايز أعمل كده. - مش بعيد يكون هو ورا كل حاجة بخنفته دي. قال معتز: - إيه اللي إنت بتقوله ده يا عامر؟ أهدى، اللي حصل حصل، وإن شاء الله خير. - خير، آه. نظرت تجاهه، ثم التزمت الصمت، وبان على وجهي علامات الضيق مما حدث. هذه أول مرة اتعارك مع أحد منهم، خاصة عامر. حتى نطق وقال: - متزعلش مني يا آدم، أنا آسف بس خايف. ضحكت وقلت: - حصل خير، بس أنا في يقين جوايا إن فعلاً الراجل ده يعرف حاجة ومش عارف يخبيها. - طب، هو قاللك إيه؟ قالي: "متجوش بكره، تعالوا بعد يومين…". قطع حديثي فريد، وهو يقول: - أنا جاتلي فكرة جهنمية. - إيه هي؟ - بص، انت تكلم فاروق، تسأله عن الجثة، أكيد هو يعرف. - هيعرف منين؟ ده في مباحث المعادي، والراجل مات في سوهاج… استنى لما أروح، هكلم ماما، أستفسر منها الأول عن الراجل لأنه كان معاها في الكلية. - طيب، بس برضو كلم فاروق، أكيد يعرف ظابط هناك أو حاجة. - حاضر، يلا، عايزين حاجة؟ وصلت وجهتي، ودعت أصدقائي. بمجرد ما فتحت باب الشقة، رأيت أمي ممسكة برأسها ومغلقة عينيها، كأن رأسها ينفجر. تقدمت ووقفت بجانبها مدة تزيد عن خمس دقائق، ثم وضعت يدي على كتفها: - ماما، إنتي كويسة؟ - إيه ده آدم، إنت جيت إمتى؟ - أنا هنا من عشر دقايق، إنتي كويسة؟ حاسة بإيه؟ - لا، متقلقش، أنا… كويسة. - هيا زينب فين؟ - خرجت مع فاروق. - طيب، أنا عايز أسألك سؤال. - اتفضل يا حبيبي. - تعرفي منقب الآثار اللي سألتك عنه؟ - عيسى الهواري؟ - آه. - طبعًا، ده كان زميلي في الكلية، عالم كبير… بس إنت بتسأل عنه ليه؟ - جثته… أنا المسؤول عن تشريحها أنا ومعتز وعامر وفريد، هحكيلك… كانت أمي تصغي إلي بكل جوارحها، لا يفوتها كلمة ينطق بها لساني، حتى قالت: - طيب، أنا ممكن أديك عنوان بيته، تروحوا لمراته وتشوفوا بيته وتسألوا لو في بينه وبين أحد عدوان؟ - لا، مش هينفع، لأن ده شغل البوليس، أنا اللي ليه مسرح الجريمة اللي محدش يعرف هو فين… إنتي قولتي في صحراء أبيدوس، والبيانات بتقول أرضية الحمام أثر ازمه قلبيه. - بسيطة، نقول لفاروق، يمكن حد من زميله ماسك القضية، وبحكم إنك الطبيب الشرعي للقضية، مش هيبقى عنده مانع إنه يديك معلومات دقيقة زي دي… سمعت صوت خشخشة المفتاح وهو يُدار في القفل… إنها زينب برفقة فاروق. تناولنا الغداء، ثم اتجهت لغرفتي لأخذ قيلولة. أثناء نومي استيقظت لا أدري لماذا، أشعر بالقلق. خرجت من غرفتي واتجهت للصالة، لم أرَ أمي ولا زينب، والأغرب أن الساعة الآن 8:30 مساءً، وأنا نائم منذ ساعتين. اتصلت بأمي، فأجابت زينب بدلًا منها: - الو، أنا زينب. - إنتو فين؟ - إحنا عند سوسو. - وطالما هتخرجوا، مصحتونيش ليه؟ أجي معاكم؟ ما إنتي عارفة يا زينب إنّي بخاف أقعد لوحدي. - والله يا حبيبي، دخلت صحيتك، كنت نايم خالص، بس يلا، طالما صحيت، البس وتعالى، وهات معاك بيجامة، إحنا هنبات عند سوسو النهاردة. - طيب يا زينب، شوية وهاجي… مين عندكم؟ - كلنا إلا فاروق راح الشغل. - سارة موجودة؟ - أيوه، استغل فرصة إن طنط عظيمة مش موجودة. - كمان؟ لا، حيث كده بقا، خمس دقائق وهبقى عندك. أغلقت الخط، متجهًا لغرفتي لأغير ملابسي. كنت متحمسًا للغاية، وقلت لنفسي: لازم أستغل الفرصة، وما أكررش نفس اللي عملته المرة اللي فاتت، لازم أقول اللي في قلبي تجاه سارة. عندما كنت أبدل ملابسي، شعرت بحرارة شديدة وراءي. التفت، لم أرَ شيء، ظننت أنه وهم بسبب خوفي من الجلوس بمفردي في المنزل. لكن بعدها سمعت صوت نفس عالٍ جدًا، لا أدري كيف استجمعت شجاعتي، وذهبت تجاه الصوت، اتبعت مصدره حتى أوصلني دليلي إلى ستارة الغرفة السوداء اللون. بمجرد أن مسكت الستارة وسحبتها لفتحها، لم أرَ شيء، واختفى مصدر الصوت. خفت كثيرًا، فهرولت إلى الخارج مسرعًا قبل حدوث أي شيء.

📜 الفصل السادس 📜

توجَّهتُ إلى منزل جدّتي وأنا في حالة من الذعر، أحاول إقناع نفسي بأنها أوهام، وأنه ليس معقولًا أن أشعر بوجود أحدٍ جواري، ثم ألتفت فلا أرى شيئًا. اهدأ يا آدم... اهدأ. حاولت تهدئة نفسي قبل الوصول إلى منزل جدّتي، طرقت الباب، ففتحت لي ذات العيون الناعسة التي يخفق بسببها القلوب، ابتسمت لي ابتسامةً جميلة مثلها، يرقّ لها الوجدان، وقالت: – أهلًااا... إيه ده؟ مالك! قلت محاولًا التماسك: – أبدًا، مافيش. نظرت إليّ نظرةً فاحصة، ثم قالت: – إنت متأكد؟؟..طب ادخل الأول. دخلتُ إلى الداخل، وألقيت السلام على الجالسين، ثم ذهبت إلى الحديقة، لكن تبعتني أمي وقالت وهي تضع يدها على كتفي برقة: – متزعلش مني يا حبيب قلبي. – مش زعلان يا ماما، عادي. – طب تعالَ اقعد معانا شوية، بنتفرّج على فيلم جميل. – شوية يا حبيبتي، وداخل. ربّتت على كتفي قائلة: – طيب يا حبيبي، متتأخرش. تنفست الصعداء ورفعت وجهي نحو السماء مفكرًا: أيعقل؟ كيف؟ لا يستطيع عقلي استيعاب شيء... بدايةً من فقداني للذاكرة لمدة يومين، إلى تقارير الوفاة الخاطئة، نهايةً بشعوري بأن أحدًا يتبعني... والذي حدث في الشقة يجعل رأسي يكاد ينفجر من التفكير. سحقًا! من له فائدة بكل هذا الذي أنا فيه؟ هل يمكن أن يكون أصدقائي أيضًا يمرّون بنفس الأشياء التي أشعر بها؟ أخفضت رأسي بخيبة أمل، متمنيًا من الله أن يُظهر لي الحقيقة في أقرب وقت، وأن يُريح قلبي. استيقظت من مستنقع الأفكار هذا على يدٍ تلمس كتفي، التفتُّ، فرأيت أنها سارة. قالت بقلق: – إيه يا ابني؟ أنا بقالي ساعة بنادي عليك! إنت كويس؟ – معلش، كنت بفكر في حاجة. – يا آدم، إنت مش كويس. – لا، أنا تمام. – لا لا، إنت في حاجة بتفكر فيها... إلا بقى لو... – لو إيه؟ – حد واخد عقلك، بتفكر فيه؟ قلت محاولًا الابتسام: – بصّي... أصغت إليّ باهتمام، فشعرت بتوترٍ شديد، ولم أنطق بكلمة. قالت وهي تقترب مني أكثر: – آدم، تعالى هنا، اقعد كده... خُد نفس عميق. اتبعت ما قالته، ثم تابعت بصوتٍ حنون: – احكي كل اللي جواك... أنا معاك. كانت تنظر إليّ بعينيها وكأنها تطمئنني ، مما جعلني أتشجّع لأُخرج ما في قلبي تجاه ما حدث في الأيام الأربعة الماضية. حكيتُ لها كل شيء، ثم أخذت نفسًا عميقًا وختمت كلامي قائلًا: - – بس هو ده كل اللي حصل... ومش عارف ولا قادر أستوعب. قالت وهي تضع يدها على خدها بتفكير: - – فعلًا الموضوع غريب أوي... قولي، هو إنت لما بيبقى حواليك ناس بتحسّ الحاجات دي؟ - – حاجات إيه؟ - – أقصد، بتحسّ بصوت نفس أو حرارة، أو حتى بتسمع أصوات – طيب بص، أكيد كل حاجة هتِبان، لكن إنت لازم تخلي بالك من نفسك، ومتقعدش لوحدك أبدًا. - والله يا سارة بدعي ربنا تبان بسرعة... عشان أنا تعبت. - على فكرة كان باين عليك. - إزاي؟ - – يعني امبارح وإحنا بنتغدى، مع إني قاعدة جنبك، ما اتكلمتش، وبعد الغدا برضو، لدرجة إني حسّيت إنك مضايق مني. - – لأ طبعًا يا سارة، أضايق منك ليه؟ - – مش عارفة... كانت سارة تنظر في الأرض وتأرجح رجليها من اعلى السور الذي نجلس عليه حولنا نباتات وازهار جميله ولكن وجود ساره يغطي عليهن جميعا، ثم رفعت عينيها إلى عينيّ، وظللنا على تلك الحالة لا أعلم كم من الوقت مرّ، فحينها توقّفت عقارب الساعات عن الدوران... حتى أفسدت علينا اللحظة السيدة عظيمة هانم التي أتت فجأة قائلة: - – مساء الخير. - – مساء الخير يا طنط. - – أهلًا يا حبيبي. قالتها بابتسامةٍ مصطنعة، ثم تابعت بنبره جادة: - – تعالي يا سارة، عايزاكي. - – حاضر. - أخذتها جانبًا، ولكنّي سمعت حديثهما دون قصد، إذ كانت تقول عظيمة بانفعال: - – إيه بقى قلّة الأدب اللي أنا شايفاها دي! - – قلّة أدب ليه بس يا ماما؟ إحنا كنا بنتكلم عادي. - – بصفة إيه؟! - – متربين مع بعض من وإحنا صغيرين... وقرايب! - – بصي، إنتِ مهما تعملي مش هقتنع، ولا همشي اللي في دماغك، ولو آخر راجل في الدنيا! - – إيه يا ماما اللي حضرتك بتقولي ده؟ واطي صوتك لو سمحتي! - – أوطي صوتي؟! اتفضّلي قدّامي على جوّه! - شعرتُ بضيقٍ شديد... كل هذا بسببي أنا! يبدو أن سارة هي الأخرى تُبادلني نفس الشعور، ولكن لأنني غبي وجبان، لا أستطيع أن أقول لها إنني... إنني... لا، لا، يجب أن أكتم مشاعري... سارة تستحق الأفضل. أتت زينب، فأخفيت دموعي سريعًا، لكنها لاحظت وقالت بقلق: - – إيه ده يا آدم؟ في إيه؟ - – مافيش. - – مافيش إزاي؟ قول! - – ... جلست جواري وضعت يديها حول رقبتي وهي تداعبني قائلة: - – مالك يا دومي؟ حتى سارة دخلت شكلها مضايقة ومعيّطة... إنتو اتخانقتوا؟ تنهدتُ وقلت: - – لأ. - – طيب في إيه؟ - – سارة أنا... بحبها. أنا مش قادر أخبّي أكتر من كده. - – إيه المشكلة؟ - – طنط عظيمة. - – إنت قلت لسارة؟ - – لأ طبعًا، أقول إزاي؟ مش عايز أضغط عليها. - – بالعكس، إنت كده ضاغط عليها. - – إزاي!؟ - – سارة بتحبك. قشعرّ بدني عندما سمعت تلك الكلمة، فقلت مذهولًا: - – إنتي متأكدة؟ - – أنا أدرى... ولو إنت فعلًا متأكد من مشاعرك، اتشجّع وقولها دلوقتي. أنا متأكدة إنك بتحبها. - – إزاي؟ ضحكت زينب بخفّة وقالت: - – إنت لسه جديد في مدرسة الحب، إنما أنا بقى دكتورة فيها، بدرسهم أصول الحب. - – وإيه هو الحب؟ - – إنك لما تشوف اللي بتحبه، عينك تلمع ومتعرفش تنزلها من عليه. تحس إن جواك مخزون من المشاعر الجياشة عايز ينفجر. بتحس إنك مبسوط وطول الوقت بتضحك ومتبسّم للحياة، ومش عارف تنطق كلمتين على بعض، وبتحس بتوتر كده... المهم بقى قوم قولها. - – و... طنط عظيمة؟! - – أنا هتصرف... أو، إيه رأيك ماما وطنط زبيبة يتصرفوا؟ - – مش عارف. - – طيب سيبها عليّ، وقوم يلا. أتجهتُ إلى الداخل، فوجدتهم يجلسون أمام التلفاز يتابعون فيلم ما. جلستُ على الكرسي القريب من الباب، بينما جلست سارة في مواجهتي بجانب والدتها. وإلى جوارهما كانت زينب والسيدة زبيبة والدكتور سيد متكئين على الأريكة البنية، أمّا جدّتي وأمي فكانتا تجلسان بمحاذاتي على الأريكة الأخرى. كنتُ أثناء مشاهدة الفيلم لا أُبعِد نظراتي عن سارة، وكنت أرى بوضوح أنها تُبادلني النظرات نفسها، ولكن بارتباك. ظلَلنا هكذا حتى انتهى الفيلم وانصرف الجميع، عندها اتجهتُ إلى فراش جدّتي، ذاك الفراش الذي أحبّ النوم عليه بشدة أشعر براحه شديده بمجرد جلوسي عليه، بينما انتقلت جدّتي إلى غرفةٍ صغيرةٍ مطلةٍ على الحديقة، وانتقلت أمي وزينب إلى الغرفة المقابلة. *** كنتُ مرهقًا بشدة، ورأسي كان ثقيلًا للغاية، لذلك عندما وضعت رأسي على المخدة ذهبت في ثُباتٍ عميقٍ من النوم، ولكن أثناء نومي رأيتُ ما لا يُرى أبدًا. كان هناك أحدٌ ذو مخالب ضخمة، لا أعلم ما هذا المخلوق الذي لا أستطيع وصفه، يقترب مني ويزداد صوت نَفَسه المريب، ثم بمخالبه كاد يخترق جسدي... لكن حدث ما هو أعجب — أنا لستُ على السرير. إنني في مكانٍ خالٍ، في ظلامٍ كادحٍ خانق، رأيتُ أمامي جسدًا منكوب الأثر، عاريًا تمامًا، يزداد بريق عينيه أنه عيسى الهواري وتزداد فتحة فمه حتى سمعتُ صرخةً مُدوّية، وكنتُ أرتعش بشدة. ثم رأيتُ ظلالًا، وسمعتُ صوتَ أحدٍ يتنفس في أذني حتى بدت الأرض تنفتح من تحتي وكأنها تنشق إلى نصفين. خرجت منها أشياء ضخمة أشبه بجذور أشجارٍ سوداء اللون، بدأت تتشكل وتنضمّ لبعضها في شكلٍ مخروطيٍّ، وازداد الصراخ كلما دارَت تلك الجذوع حول نفسها، حتى سمعتُ أنفاسًا تتعالى، وتعالت الصراخات أكثر ، ثم حدث شيء أشبه بانفجار، وصرخت امرأة بصوتٍ مرعب، ثم ساد الصمت. كلُّ هذا وقلبي يخفق بقوةٍ تكاد تقتلني، ولا أستطيع التحرك، وكأنني مشبّثٌ بالأرض. نظرتُ تحتي لأرى الأرض قد انشقت، والجذوع تلتف حول قدميّ، وأنا أقف على سرابٍ لا أشعر بشيءٍ رغم أن قدميّ تنزفان دمًا، بسبب المخالب الحادّة التي غرست فيهما. كنتُ أنظر إلى السراب أسفل قدمي، حتى سمعتُ صرخةً مروّعة أخرى، فنظرتُ نحو مصدر الصوت، فلم أرَ شيئًا سوى ظلامٍ كادحٍ وجذوعٍ تلتفّ وتعتصر بعضها بعضًا، حتى بدأت تلك الجذوع ترتعش، ومن بينها الجذعان الممسكان بقدميّ والمعلّقان بي في الهواء، ثم انفجرت مجموعة الجذوع التي أمامي، لأرى كائنًا مريبًا خشبيًّا أسود اللون، يتشعّب من رأسه جذوعٌ عدّة وقرنان بُنيّان، وكان مظهره وهيئته مرعبين للغاية. كان فمه أعرج، وأسنانُه ليست كأنياب البشر، بل جذوع حادة مدبّبة، وعيناه... لا، لم تكن له عينان أصلًا. شعرتُ بالجذوع الممسكة بقدمي ترتعش من تحتي، وكأنها لا تستطيع الاحتمال. ثم شعرتُ بنفسٍ ساخنٍ للغاية، ورائحة فمٍ كريهةٍ تملأ وجهي، فقررتُ أن أرفع عينيَّ — وكان ذلك أسوأ قرارٍ اتخذتُه. الكائن الخشبيّ خالي العينين ما إن نظرتُ إليه حتى رأيتُ عينين تتوهجان باللون الأصفر، يختلط به لونٌ برتقاليّ، ويزداد التوهّج حتى صار كصفرة الشمس الحارقة. كلما حدّقتُ به أكثر ازداد الضوء اشتعالًا، فأنزلتُ نظري وقاومت نفسي، وحاولتُ أن أنطق كلمة، لكنني شعرتُ أن كل حرفٍ يُسحب من روحي حتى قلتُ بصوتٍ مرتجف: – أ.. أنت مين؟ رجع إلى الوراء وضحك ضحكةً غليظة جعلت الجذوع ترتعش، وعقلي يرتجّ. قال بصوتٍ كالرعد: – هههه هو فاكر إني هسيبه؟ عشان مخلي شوية عيال حقيرة من عالم الإنس يشتغلوا لحسابه؟ قلتُ بخوف: – إنت تقصد مين؟ قال بصوتٍ غليظٍ أجش: – عَـقِـيـب. قلتُ متلعثمًا: – مين ده؟ كان ينظر إليّ بغيظ، وازداد بريق عينيه، مما زاد توتّري، حتى قال: – عَقيب ضحك عليّا. قالي إنكم لخدمتي، وطلعتم لخدمته هو وبس. قلتُ: – أنا مش فاهم. صرخ في وجهي: – وبعدين معاك! إنتو يا بني الإنس غشّاشين مخادعين! – فهمني طيب. – جالي واحد من بني الإنس طلب الرفعة بين العالم السفلي والعالم العلوي. قدّملي كل شيء ،دم، دهب، أرواح، إدّاني روح ابنه الصغير ومراته، وإدّاني كمان روح منقّب الآثار اللي كان معاه حجرة الاستين. بعد ما ساعدته واديته وصفة سحرية عشان يقدر يسيطر ويسخّر الجن ، غدر بيا. – أنا مش فاهم حاجة. رفعة عليا إيه؟ ومين اللي بتتكلم عنه؟ وأنا إيه علاقتي بده؟ – إنت واصحابك شغالين لحسابه! – إحنا مش شغالين لحساب حد! – هو وأنا غفلناكم عشان حسابنا، لكن دلوقتي هو المسيطر عليكم لوحده. وصل لمرحلة عالية من السحر، وبقى مسخّر أعداد مهولة من الجن والإنس. – أنا عايز أعرف مين ده! – مش قبل ما تساعدني. – إزاي أساعدك؟ – روحوا لمكانه، المكان اللي بيعمل فيه الأسحار، وبعدها تاخد «عين الحارس» وتناديني ثلاث مرات. – أناديك بإيه؟ وإيه عين الحارس دي؟ – عين الحارس السبب في اللي إنتو فيه. – إنت تقصد...؟ – أيوه، عين الحارس هي اللي مخلّياكم تفقدوا ذاكرتكم ومتبقوش على طبيعتكم. – وانت غرضك إيه من المساعدة دي؟ أكيد مش لله. ضحك مجددًا، وكاد رأسي ينفجر، ثم قال: – غرضي هو «عَقيب» نفسه... العذاب اللي هيناله. خرج عن طوعي، وأنا اللي هعذّبه بنفسي. قلتُ بخوف: – طب أندهك بإيه؟ قال وصوته يبتعد ويزداد صدًى، بينما بريق عينيه يبدأ بالاختفاء: – كلمة السر... أنا قولتها. ثم بدأ بالضحك مجددًا، وبدأ رأسي يعتصر ألمًا شديدًا، والجذوع تذبل حتى اختفت وتركت قدميّ، فسقطت في السراب من تحتي، وأنا أصرخ وأسقط بين الأرض المنشقة إلى نصفين. صرخت صرخةً حادة حتى استيقظت، وأنا أرتعش وقلبي يخفق بقوة، وعرقي يتصبّب. كانت زينب بجانبي تحاول تهدئتي، وعلى وجهها علامات الذعر، ثم دخلت جدّتي وأمي، وكانت أمي تبكي وضمّتني وهي تناولني كوب ماء. كنت ألهث بشدة ولا أستطيع فتح عينيّ، ورأسي تكاد تنفجر من الألم، وكل كلمة كنتُ أنطقها كأنها تُسحب من روحي، حتى قلتُ بصوتٍ متهدّج: – يا... رب، يا... رب. سمعتُ صراخ أمي وبكاء زينب، حتى وضعت جدّتي يدها على رأسي ترقيْني وتقول: «بِسْمِ الله أَرْقِيكَ من كلّ شيءٍ يُؤذيك، ومن شرّ كلّ نفسٍ وعينٍ حاسدة، الله يشفيك. أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامة من كلّ شيطانٍ وهامّة، ومن كلّ عينٍ لامّة.» وكانت تردد أيضًا آية الكرسي وسورة الإخلاص والكافرون والناس. هدأ بدني كثيرًا، ولم يعد رأسي يؤلمني. شعرتُ براحةٍ وسكينة، ثم شهقت شهقة قويه وكأنها شهقة الموت وأنا أخلد إلى النوم مرةً أخرى، حتى سمعتُ جدّتي تقول: – اهدي يا بثينة، أنا هافضل جمبه، خدي زينب ونامي. كانت أمي تبكي بشدة وترفض أن تتركني، وسمعتُ زينب تبكي كذلك، لكني كنت عاجزًا... عاجزًا عن أن أطمئنهم عليّ. ذهبتُ في ثُباتٍ عميق من النوم، ولا أدري ماذا حدث بعد ذلك. ****

📜 الفصل السابع 📜

استيقظت في اليوم التالي وأنا أشعر براحة غريبة. وعندما فتحت عيني، رأيت جدتي بجواري نائمة، وبجانبها مصحف مفتوح. توقعت أنها كانت ترقيَني به، حتى سمعت صوت المؤذن يقيم الصلاة. قلت وأنا أحاول النهوض، مما جعلها تستيقظ على عجل: - آه... آه... تيته، هو ده الظهر؟ قالت وهي تفتح عينيها بتعب: - لا يا حبيبي، ده الفجر... عايز تقوم؟ قلت وأنا ألهث من الألم: - مش قادر... آه، رجلي يا تيته! - مالها رجلك يا حبيبي؟ انت كويس متخافش. - رجلي بتنزل دم! ورِمِت! اتكسرت يا تيته! قلت تلك الجملة وأنا أصرخ وأبكي. بدأت تهدئني من جديد، وجلست بجواري تقرأ عليّ القرآن، وتربت على شعري بحنان. لكنني شعرت بقوة داخلية تقول لي: قم وصلِّ الفجر. قلت لجدتي: - تيته، أنا عايز أقوم أصلي الفجر. قالت وهي تبتسم بارتياح: - صدق الله العظيم... طيب يا آدم، تعالى يا حبيبي، هساعدك. بمجرد أن ساعدتني على النهوض، شعرت أني أقوى. ذهبت وحدي إلى المرحاض لأتوضأ، ثم عدت إلى غرفة جدتي، فوجدتها أنهت السنة وتنتظرني لنصلي الفجر سويًا. أثناء السجود أخذت أدعو الله، وقلبي ممتلئ باليقين... الله القادر، الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون. قلت من أعماقي: "يا الله، خذ بيدي، بحق أنك أنت الوهاب الرحيم الحفيظ. احفظني بحفظك يا حفيظ، ليس لي سواك. يا ربي، أرجوك، احفظني من كل شر، وأنجدني من المهالك يا رب العالمين. أستغفرك وأتوب إليك." انتهيت من الصلاة، ثم قبلت يد جدتي، فقالت وهي تبتسم: - ربنا يبارك فيك يا آدم، ويحفظك من الشر يا بني. انت فضلت ساجد ييجي نص ساعة! مالك يا حبيب سوسو؟ تعالى نام واحكيلي. سحبتني من يدي نحو السرير، جلست بجانبي، وبدأت تداعب شعري بلطف: - كنت بتحلم بإيه؟ - كابوس. - نفس الحلم اللي بتحلم بيه كل يوم؟ - لا، لا، الحلم بتاع كل يوم ده أهبل، بحلم بحد بيجري ورايا ويحاول يقتلني، وأنا بحري مرعوب. سألت عمو سيد قال دي حالة نفسية. بس من ساعة ما أنا وماما اتصالحنا، محلمتش تاني. - طيب أمال إيه؟ - أنا دلوقتي هموت وأكمّل نوم، وانتي كمان تعبتي معايا... أنا آسف يا حبيبتي. ضحكت وقالت وهي تقرصني من وجنتي: - خلاص يا حبيبي نام، وأنا قاعدة معاك، ومتعتذرش تاني، يولا فاهم؟ - حاضر. يا تيته... ممكن طلب؟ نظرت لي بنظرة استنكار وقالت بعد صمت قصير: - إيه تيته دي إن شاء الله؟! ضحكت وقلت: - يا سوسو، ممكن تنامي جنبي؟ - عيوني يا قلب سوسو. - كنت خائف بشدة، لكني تذكرت كلمات سارة: "انت لازم تخلي بالك من نفسك، ومتقعدش لوحدك أبدًا." وجود جدتي بجواري ودعائي لله هدّأني بعض الشيء، ثم نمت مرة أخرى بسلام. استيقظت مرة أخرى – لا أذكر كم مرة استيقظت تلك الليلة – وشعرت بأحد يمسك بيدي. فتحت عيني فرأيت أمي نائمة على المقعد الخشبي بجوار الفراش، تمسك يدي بإحكام. قبلت يدها لا شعوريًا، فاستيقظت وقالت بقلق: - آدم! حبيبي، انت كويس؟ - أنا بخير يا ماما. - لا، لا... انت مش بخير. - هو إيه اللي حصل؟ - قالت وهي ترتجف: - انت يا بني فجأة بدأت تصرخ، وتقول كلام غريب جدًا. مش فاكرة غير: عين الحارس ستهلكنا… عين الحارس ستسحقنا… ائتني بقوة تحمينا… أعاهدك أن أعطيك ما تريده… الاستين… القوة… سأعطيك ما تريد، لكن اتركنا بعيد! - كنت بتقول ده بصوت خشن ومخيف، وبعدين صرخت صرخة جامدة قوي يا آدم. مهديتش غير لما ماما (جدتي) رقَتك. بطلت تصوّت وبطلت تقول إن رجلك بتتعصر، وهديت ونِمت. صمتُّ... رأسي ثقيل، وعقلي مشوش، لا أستطيع الرد، ولا حتى التفكير. أدخلت نفسي في طريق الهلاك... فكيف سأخرج منه؟ انفجرت بالبكاء وصرخت: - أنا هلكت يا ماما... أنا هلكت! أنا هعمل إيه؟! أنا معرفش حاجة! نظرت إلي أمي برعب قاتل، وحاولت تهدئتي، حتى رويت لها كل شيء حدث. سكتت قليلًا ثم قالت بحزم: -اسمع كلامي يا ابني، قول لفاروق، وروحوا بيت عيسى الهواري. - مش هقدر. - ليه يا ابني؟ ليه؟ مستني إيه؟ ايه اللي هتشوفوه في بيت عيسى؟ خايف ليه؟ انطق! هتروحوا بصفة إنك طبيب شرعي، وهو ظابط مباحث، محتاجين تشوفوا بنفسكم خيوط القاضيه. ولو اضطر الأمر تروحوا سوهاج تروحو!. انت دخلت في حاجات خطيرة أوي، ولازم تعرف مين وراها. واللي حصل امبارح ماكانش حلم ولا كابوس، سامعني؟ فوق يا آدم! خد خطوة، شوف إيه الاستين ده، وإيه عين الحارس دي! كانت منهارة من البكاء، وأنا كذلك... لكن كلامها نزل عليّ كصفعة أفاقتني من خوفي. تشجعت، واتصلت بفاروق، ورويت له كل شيء. واتضح أن فاروق هو الضابط المسئول عن التحقيق في الجريمة،لكن الغريب أن التقارير تقول إن الطبيب الشرعي هو دكتور أحمد عبد اللطيف وليس... أيًّا منا. طلبت منه أن يخفي الأمر عن الجهات، وبعد إقناع طويل وافق. والآن أنا وفريد في طريقنا إليه. فاروق – الضابط المخلص لعمله، المحب لوطنه – لم يخبر أحدًا حتى زينب عن حقيقته أبدًا قال فريد فجأة: - هو ليه معتز وعامر مجوش؟ - نايمين. - طب... كنت عايز أقولك على حاجة. - قول. - أنا حلمت بنفس الحلم... نفس الكائن... ونفس المكان. - بس الفرق إن ده حصل لي قبل ما تيجوا وتلاقوني تعبان. وده لأني ما شربتش الشاي أول مرة اصلا وامبارح حلمت تاني، بس اللي ظهر لي المرة دي... ست! شكلها مرعب... وشها شاحب زي المومياء، شعرها طويل وأسود، وبُقها مفتوح، وتحت عينيها هالات سودا... كانت حاضنة طفل صغير شبه الملاك... بس وجوده في حضنها كان مرعب. نزلت كلماته عليّ كالصاعقة. قلت وأنا أحاول أستوعب: - قالتلك حاجة؟! - أيوه... قالتلي: "روحوا... روحوا بيتي، كل الأمور هتوضح." - ولما سألتها "ليه؟" قالت: "روحوا بيتي، هتفهموا." - - مين دي؟ وبيتها فين؟ - معرفش... عمري ما شوفتها قبل كده، وصحيت قبل ما أسأل. - يمكن لو نِمت تاني تطلعلك؟ صمت... ولم يُجب. ظل الصمت يخيّم علينا حتى وصلنا وجهتنا — قسم المعادي، حيث يعمل فاروق. اتصلت به فخرج إلينا، ركب السيارة، واتجهنا سويًا إلى بيت عيسى الهواري منقّب الآثار. طرق فاروق الباب. فتحت لنا سيدة، الحزن بادٍ على ملامحها، ملابسها سوداء، وجهها شاحب، وعيناها متورمتان من البكاء على ما اعتقد. قالت بصوت مرتجف: - خير؟ أنتم مين؟ أجابها فاروق بنبرة رسمية: - أنا الظابط فاروق السيد، ودول الأطباء الشرعيين المسؤولين عن تشريح جثة الأستاذ عيسى... الله يرحمه. لكنها ما إن سمعت الكلمة الأخيرة حتى انهارت بالبكاء، وصرخت: - حبيبي اتعذّب قبل ما يموت... وبتعذّبوه وهو ميت! حبيبي اتعذّب قبل ما يموت... وبتعذّبوه وهو ميت! أخذها فريد من كتفيها برفق، وأجلسها على الكرسي المجاور للباب، وقبّل رأسها محاولًا تهدئتها قائلًا: - اهدي يا ماما، أرجوكي. صرخت من بين دموعها: - شرّحتوه ليه؟ ليه بس؟! قال فاروق بصوت هادئ وهو يحاول تهدئتها: - لازم يا حبيبتي نجيب له حقه، إحنا جايين هنا علشان تساعدينا نجيب حق الأستاذ عيسى. تنهدت بعمق، ولمعت عيناها بدموع الحزن وهي تقول بصوت متهدج: - طيب... اتفضلوا جوه. دخلنا المنزل الهادئ المفعم برائحة الماضي؛ تحف، أنتيكات، وثريّات عتيقة نادرة تملأ الأركان. المنزل ذو طابع كلاسيكي راقٍ، يشي بثقافة وثراء صاحبه. جلسنا في الصالون الذهبي الفخم، ذي النقوش البارزة، وفي المقدمة مكتبة خشبية مليئة بالكتب — على الأرجح كتب أثرية. قال فاروق بلطف: - أنا آسف جدًا يا مدام ميريت، بس غرضي الأول والأخير إني أجيب حق الأستاذ عيسى. ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: - مفهوم، وأنا أشكرك على أمانتك وولاءك لبلدك واهلها. - ربنا يحفظك... دلوقتي كنت عايز أعرف، هل الأستاذ عيسى كان ليه أي عداوات مع حد؟ صمتت قليلًا، ثم قالت بتردد: - لا هو... وفجأة قطعت حديثها، فقلت مستفسرًا: - أستاذة ميريت، هو الأستاذ عيسى مات فين؟ خفضت رأسها وقالت بصوت مبحوح: - مات في الصحراء... حبيبي كان بيحفر في عمق كبير طول النهار، وأصحابه قالوا إنه سابهم بليل، ولما صحّوا تاني يوم... ملقهوش. بيبصّوا في الحفرة... مش قادرة أكمّل. انفجرت بالبكاء، فقال فريد محاولًا تهدئتها: - طيب يا مدام، انتي قولتي إنه اتعذّب قبل ما يموت؟ اتعذّب إزاي؟ قالت بنبرة مليئة بالوجع: - اتعذّب كتير في حياته. أمه ماتت بعد ما ولدته، وأبوه مات وهو عنده تلات سنين. عاش مع عمته، وكانت بتعامله وحش، مش وسابها. اشتغل واتعذب لحد ما دخل الكلية، واتفوّق، واتجوّزنا. قعدنا أربعين سنة مع بعض... من غير أولاد. كان نفسه في طفل، بس ربنا ما كتبش. اتحرم من حنان الأم والأب والولد. لكن ربنا عوّضه في مجاله... في الآثار. وكان آخر حاجة بينقب عنها حجر أثري عجيب... حجر مهم جدًا لتاريخ مصر. قال إنه محفور على جدران أكتر من معبد! قلت وأنا أحدّق بعيني كأنها ستقفزان من مكانهما: - حجر إيه ده؟ - قال إنه يشبه الياقوت الأحمر... بس نوع نادر منه. وإن الفراعنة كانوا بيربطوه بالقوة والسيطرة والهيمنة. بس مات قبل ما يستخرجه. قال فاروق: - طيب، هو قال لحد غيرك عن الحجر ده؟ - متوقّعش، هو ما كانش بيحب يحكي عن شغله. صمتت فجأة، كأنها تذكّرت شيئًا، ثم تابعت ببطء: - لأ، استنى... فاكرة دلوقتي، كان حاكي لصاحبه المقرّب. مين هو؟ - دكتور أحمد عبد اللطيف، دكتور في كلية الطب البشري، طبيب شرعي. تبادلنا النظرات أنا وفريد بدهشة، لكني قلت لنفسي لعلّها مصادفة. تابع فاروق بهدوء: - هل حصل بينهم أي خلاف؟ - لا، متوقّعش. هما أصحاب من زمان، بس أنا بصراحة عمري ما كنت مرتاحة له. وكل مرة كنت أقول لعيسى يبعد عنه، كان يقول لي: "أنا أعرفه من وإحنا صغيرين". - طيب ليه مش مرتاحة له؟ قالت بنبرة خافتة: - هو غريب الأطوار أوي. طريقته، ضحكته... سحنته تخلي الواحد مش مرتاحله. دايمًا بيبتسم ابتسامة مريبة كده، تخليني أقشعر. وبعدين لما ابنه ومراته ماتوا في حادثة غريبة... ما بانش عليه أي تأثر! قال فريد بدهشة: - حضرتك قلتي إن دكتور أحمد هو اللي حكى لعيسى عن الحجر؟ - أيوه، هو اللي حكى له، وعيسى هو اللي بحث وتوصّل للقصة. - طب موصفلكيش شكل الألماسة دي؟ - قال إنها نوع نادر من الياقوت الأحمر، كانوا بيسموه عند الفراعنة "حجر الاستين"، وكان يُعتبر رمز الهيمنة والسيطرة على عقول البشر، لأن انعكاس الضوء الأحمر بتاعه في وقت معين من السنة بيبدأ يتوهّج بلون احمر بيغمق تدريجياً، والضوء ده بيجذب العقول... بيخلي الناس تحت سيطرة صاحب الحجر. قلت وأنا أرتجف من الداخل: - وقالك اليوم ده إمتى في السنة؟ - ثالث ليلة قمرية، لما القمر يكون نصه مختفي. - طب، دكتور أحمد عرف القصة دي منين؟ - عيسى قالي إنه بيحب الآثار جدًا، وبيقرأ عنها كتير. شردت وأنا أقول في نفسي: أيعقل أن يكون دكتور أحمد البشوش، ذو الوجه الملائكي، هو وراء كل هذا؟! ظللت صامتًا حتى قطع فاروق حبل أفكاري بتحليله السريع: - من كلام حضرتك، واضح إن دكتور أحمد هو اللي حرّضه على التنقيب، وآخر مكالمة كانت الساعة 12 بالليل، وبعدها بنص ساعة وُجدت الجثة! يعني هو آخر واحد كان معاه. هل حضرتك بتتهميه يا مدام؟ - أنا مقدرش أقول آه، خايفة أظلمه... كله إلا الظلم يا بني. - متقلقيش، أنا هحقق في كل حاجة، زي ما حققت معاكي هحقق معاه. - طيب يا ابني، حققوا معاه... أنا مش هرتاح غير لما حبيبي يكون مرتاح. مات وسبني لوحدي... ثم انفجرت بالبكاء، وقالت وهي تمد ورقة: - هديك عنوانه، تروحله. أخذ فاروق العنوان، وهممنا بالخروج. قال وهو يودّعها بلطف: - أشكرك جدًا يا مدام ميريت، وشدي حيلك. ابتسمت ابتسامة حزينة، وأغلقت الباب. ركبنا السيارة، فقال فاروق: - أنا مستغرب، ليه ما قالتش الكلام ده من الأول؟ قال فريد وهو ينظر من النافذة: - أكيد زي ما انت شايف، شكلها لا نامت ولا أكلت ولا شربت من ساعة ما عرفت الخبر... ربنا يصبّرها. قلت وأنا أحدّق في الورقة: - أنا شاكك في دكتور أحمد. رد فريد: - فاضلي دليل واحد، ولو مسكناه هنتأكد من كل حاجة. طلبت من فاروق إن نذهب إلى بيته فورًا. وبالفعل، وصلنا، لكني قلت لفاروق: - انت ألهي بالكلام ، وإحنا هنطلّع الدليل. تسللنا أنا وفريد للداخل، بهدوء كأننا ظلان. أول غرفة دخلناها كانت مليئة بالخردوات، يتوسطها سرير خشبي. الجو مريب، ورائحة غريبة تملأ المكان. وفي الجهة الأخرى، كتب غريبة، حروفها غير مفهومة. قال فريد مذهولًا: - دي كتب سحر! ظلّينا نبحث حتى وجدت فريد ممسكًا بصورة وزجاجة صغيرة. قلت وأنا أتقدّم نحوه: - إيه ده؟ قال بصوت مرتجف: - دي الست اللي جاتلي في الحلم، والطفل اللي كانت شايلاه... والازازه دي... أخذت الزجاجة من يده، وقرأت المكتوب عليها: "عين الحارس". قال فريد بسرعة: - دي نفس الست اللي قالتلي في الحلم "روح بيتي وهتفهم". قلت وأنا أتمتم: عين الحارس... هذه!! إذن. - لازم نخرج من هنا حالًا، يا آدم! - مش قبل ما نلاقي الاستين. دخلنا الغرفة المجاورة. لاحظ فريد أن أحد الجدران بارز قليلًا، فدفعه... فانفتح الجدار على مشهد لا يمكن لعقل بشري أن يتخيله. تحوّل المكان فجأة من شقة راقية في القاهرة إلى كوخ طيني تملؤه الكتب والطلاسم والخردوات. وفجأة، سمعت همسًا في أذني: "الاستين... إنه قادم... أنتم تحت حمايتي... خذه، إنه أمامك." نظرت أمامي، فرأيت بروازًا بداخله ورقة عليها رموز غريبة. خلعت البرواز، فرأيت ضوءًا أحمر متوهّجًا، جماله ساحر... لكنه مرعب، كنت احدق به بتعجب ودهشه. أخذه فريد بسرعة، وسحبني من يدي نحو الباب. لكننا شعرنا أن هناك من يحاول الإمساك بنا. سمعت الصوت المقزز ثانيتاً يهمس: "لك الأمان... اخرج الآن!" اندفعنا للخارج، لكن في لحظة، تحوّل المكان إلى حلبة نارية، يتوسطها رجل جالس، له قرنان كبيران، جسده أسود كالظلام لم يخطر على عقلي ولو لوهلة أنه دكتور احمد. ضحك ضحكةً اهتزّ لها المكان وقال: - شاطر يا آدم... بس أنا أشطر. أخدت اللي انت عايزه، ودخلت نفسك في دايرة مش قدها. صرخت: - انت أحقر إنسان... لا، أحقر حيوان على وجه الأرض! نظر إليّ بعينين تتوهجان باللون الأحمر الغامق، وقال: - هنا مملكتي... يعني أقدر أوإدك هنا. - زي ما عملت في ابنك ومراتك؟ - انت عرفت منين؟ - ولا زي ما عملت في صاحب عمرك يا... عُقيب؟ ضحك قائلًا: - شاطر... قول للي باعتك إن "عُقيب"، ملك الجان وزعيم الشياطين الحُمر، يقدر دلوقتي يسخطه هو وقبيلته! أنا تحت أمري جنّ وعفاريت وإنس كمان لو حبيت! قلت بصوت مرتجف: - بتقصد مين؟ ضحك ضحكه مريعه وقال ببطء: - المارد الأسود. نظرت خلفه، فرأيت كيانًا ضخمًا يخرج من الجدار لم يبرز منه شئ سوى... عيناه صفراوان تشتعلان كالجمر. كدت أموت رعبًا، لكن فريد أمسك الأشياء وفرّ هاربًا، أما أنا، فكنت المقصود. تمتمت بالرُّقية الشرعية، وبدأت أقرأ آية الكرسي بصوت مرتجف، ثم صرخت: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق!" بعد ما رأيتُ أسوأ مشهد يمكن أن يراه بشر، كانت العين التي ظهرت وراء الكرسي عُقيب قد تحولت في لمح البصر إلى كيانٍ طويل، وراءه عدة كياناتٍ أخرى صغيرة زاحفة، ومنها ما يطير أيضًا. وسمعتُ صوت صرخاتِ عُقيبِ المداوية بعدما انقضّت عليه جميع الكائنات، حتى من كانوا تابعين له، حتى قال الماردُ الأسود: - كنتَ خادمًا لنا فَرَقّيناك وجعلناك تابعًا. كنتَ زوجًا مخلصًا لحبيبتك فجعلناك زوجًا خائنًا. كنتَ أبًا حنونًا فجعلناك أبًا قاسيًا. كنتَ عبدًا صالحًا، ولكننا أغريناك بالخلود. غدرتَ بزوجتك وذبحتها لتقديمها قربانًا، غدرتَ بابنك الصغير من أجل الخلود، غدرتَ بصديقك المخلص لك من أجل القوة والهيمنة في الدنيا وفي عالمنا. كُتب عليك الشقاء والعذاب كما عذبتهم. الآن سنأخذك معنا إلى الدرك الأسفل، الآن ستكون معذَّبًا في الدرك الأسفل، إنك تجرأتَ علينا وعصيتنا فخسرتَ دنياك، وأنتَ أيضًا من اخترتَ خسارة آخرتك باتباع أمرنا. ضحك ضحكًا شريرًا هستيريًا، بينما يصرخ أحمد، أو عُقيب، صراخًا حادًا. كنتُ مرتعبًا للغاية، فذكرتُ الله بأعلى صوت، أنه هو المنقذ، وأنه لن يتركني، وأنه اللطيف... "الطف بي يا ربي!" قلتها بصوتٍ عالٍ وجلست أرددها حتى شعرتُ برأسي ينفجر، وتعالت أصوات الصراخ حتى اختفت الأصوات، ولم أعد أرى شيئًا سوى الظلام الكاحل. الآن فتحتُ عيني، والتقت أنفاسي من جديد، وكأنني عدتُ للحياة بعد موتٍ طويل. تنفّستُ الصعداء، ثم نظرت حولي في حيرة… أين أنا؟ سمعت صوت زينب تقول لي بصوتٍ متهدّج: – آدم... حمد لله على سلامتك يا حبيبي. – إنتِ بتعيّطي ليه؟ – أبدًا، مش بعيّط. – فين ماما؟ – ماما... – هي فين؟ – شويّة و تيجي. لم أكن قادرًا على الحديث مجددًا، فآثرت الصمت وأنا لا أفهم شيئًا: لماذا أنا في المستشفى؟ ولماذا زينب تبكي؟ وأين أمي وجدتي؟ لم يكن بجواري سوى السيدة زبيبة، وزينب، وسارة. كانت سارة تنظر إليّ بقلقٍ ظاهر، لكن حين التقت عيوننا، ابتسمت، فابتسمتُ بدوري لا إراديًا، ثم غلبني النعاس ونمت من جديد. استيقظت على صوت أمي، كانت تضم زينب إلى صدرها وتبكيان. قالت أمي بصوتٍ متهدّج: – إنّا لله وإنّا إليه راجعون يا زينب... زي ما باباكي سبني من 24 سنة، دلوقتي آن الأوان أروح له. بس يا رب ندخل أنا وهو الجنة. صرخت زينب: – متقوليش كده يا ماما! هتخفي وهتبقي زي الفل، ربنا قادر على كل شيء. ابتسمت أمي في رضا وقالت: – قادر على كل شيء، ذو الجلال والإكرام... أنا مش زعلانة إن ربنا ابتلاني بالمرض ده، يمكن يكون في ميزان حسناتي. بس يا أولادي، متزعلوش مني، وارضوا عني... أنا طول عمري خايفة من الحتة دي، خايفة أعلّقكم بيا وبعدين أموت، فتتعذّبوا. بس لا، لازم تعيشوا حياتكم... ثم التفتت إلى السيدة زبيبة وقالت: – إيه رأيك نخلي كتب كتاب فاروق على زوزو بعد بُكره؟ يبقى آدم فاق واتحسّن، والحق أفرح بيها. لم ترد السيدة زبيبة، كانت تبكي بحرقة. احتضنتها أمي وقبّلتها برفق. التفتُّ محاولًا استيعاب ما يحدث، فرأيت سارة تبكي أيضًا، فقلت بصوتٍ متعب وأنا أوجّه الكلام لأمي: – ماما... في إيه؟ تركتهم أمي، ومسحت دموعها، وجاءت نحوي تعانقني قائلة: – ا – فريد وفاروق بعد ما خرجم من شقة الدكتور أحمد... الشقة ولعت لوحدها. وانت مكنتش معاهم، ولا ركبت العربية، ففاروق طلع يدور عليك، لقاك واقع جوه قدام الباب مغمى عليك. قالوا الأطباء إنك أغمي عليك بسبب السكر، واستنشقت كمية كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الحريق، فحصلك مضاعفات، بس دلوقتي الحمد لله اتحسّنت... بقالك تلات أيام هنا. – طيب... ودكتور أحمد؟ مات في الحريقة؟ – محدش يعرف الشقه بقت رماد ، هو اختفى... محدش يعرف عنه حاجة. طرق أحد الباب، ف ثم دخل انه الدكتور عبد المجيد مبتسمًا وقال: – حمد لله على سلامتك يا دكتور، عامل إيه دلوقتي؟ – الحمد لله. – التقارير اللي أصحابك إدوهالي امبارح فعلاً كشفت حاجات خطيرة. – زي إيه؟ – "عين الحارس" اللي لقيتها... هي السبب في فقدان الذاكرة. – عرفتم منين؟ أشار نحو سارة قائلًا: – الدكتورة دي خدت منها عينة، وحلّلتها. – قالت ساره – واكتشفت إنها تركيبة من أدوية مهدئة قوية، هي السبب في إحساسك بالنعاس والتصرّف الغريب، لأنها كانت ممزوجة بمواد كحولية ضارة، وده اللي خلاكم تدخلوا في حالة هلوسة وفقدان للوعي يومين. – عرفتي إنها كانت في الشاي إزاي؟ – لأنك إنت وفريد مشربتوش الشاي آخر مرة، وافتكرتوا كل حاجة، لكن معتز وعامر نسوا كل حاجة. تدخّل الدكتور عبد المجيد مبتسمًا: – فريد قال لي إنه أول مرة برضو ما شربش الشاي، وده اللي خلى المارد الأسود يظهر له في الحلم، وعلشان كده اتهموه بالجنون. ثم تابع: – طيب يا دكتور، أنا مضطر أستأذن، عندي محاضرة بعد نص ساعة. ألف سلامة عليك يا بني. – طيب، فين الجوهرة؟ – سلّمناها لشرطة الآثار، بمساعدة والدتك طبعًا. قلت وأنا أعتصر ندمًا: – أنا آسف لو كنت ضايقتك قبل كده... حضرتك طلعت أطيب مما كنت أتصوّر. ربت على كتفي بابتسامة هادئة وقال: – إنت زي ابني. خرج من الغرفة، وغرقتُ في أفكاري: تذكّرت كل مرة تنمّرنا فيها على الدكتور عبد المجيد، وكل مرة صدّقنا فيها مظهر الطيبة الزائف في دكتور أحمد. كم نحن ساذجون... فالدنيا مليئة بأشخاص يتقنون التمثيل، يزرعون الطيبة على وجوههم وهي ليست إلا قناعًا يخفي ما بداخلهم. أما الطيب حقًا، فلا يظهر إلا وقت الأزمات، حين يبرُز المعدن الأصيل. قطعت حبل أفكاري قائلا وانا انظر نحو امي: - طيب ادي الحقيقه ظهرت فاضل حقيقه واحده بس ابتسمت امي ابتسامه زائفه وقالت – شد حيلك بقى يا آدم... عشان كتب كتاب فاروق وزينب بعد بُكره. – مالك يا ماما؟ فيكي إيه؟ سادت لحظة صمتٍ وارتباك. نظرت حولي، فوجدت القلق يكسو وجوه الجميع. قلت بحدة: – من بدري حاسس إن في حاجة غلط... مالك يا ماما؟ – لما تتحسّن هقولك. – أنا بقيت كويس أهو. عندها انفجرت زينب بالبكاء، وصرخت: – ماما عندها سرطان! نزلت عليَّ تلك الجملة كالصاعقة. أمي جلست على الكرسي الذي يقع في مواجهة السرير، وضعت رأسها بين يديها تبكي بشدة، ومن الزاوية الأخرى كانت سارة تعانق زينب وهما الاثنتان تبكيان، والسيدة زُريبة جواري تربت على كتفي، وجدتي تقف بعيدًا تنظر دون أن تُبدي أي ردّة فعل. بدأتُ أنا بالبكاء، مدركةً لماذا كانت أمي تحاول أن تغيّر من طريقتها، ولماذا أصبحت تفعل تصرفات غريبة، ولماذا كانت دائمًا تقول إنها اقتربت من الرحيل واللحاق بأبي. أدركتُ أن أمي التي كانت تتصنّع القسوة... سَأفقدها. فبدأتُ في البكاء والصراخ. وأنا أجهش بالبكاء: – مامااا... مامااا لاااا! جاءت نحوي، احتضنتني، وقالت بصوتٍ مبلّل بالدموع: – يا أولادي، أنا لسه معاكم... يمكن أخف، مين عارف؟ بس لازم تفهموا إن الدنيا فانية، والموت ممكن ييجي في أي لحظة... حافظوا على علاقتكم بربنا عشان نتقابل هناك. بعد لحظاتٍ طويلة من البكاء، قررنا أن نعيش آخر أيامنا معها كما ينبغي، لا نعلم متى ترحل، لكننا أدركنا أن الرحيل قادم لا محالة. خرجت من المستشفى بعدما تحسّنت حالتي، وجاء أصدقائي لزيارتي في البيت. وبعد مغادرتهم، اجتمعنا جميعًا في بيت الدكتور سيد قشطة: أنا، أمي، سارة، فاروق، زينب، السيدة زبيبة، والسيدة عظيمة هانم. استغللت فرصة انشغال الجميع، وانفردت بسارة واتباعتها للشرفة . قلت بخجلٍ متلعثم: – بصي... أنا أقصد... انتي بتحبيني؟ نظرت إليّ بدهشة ثم ضحكت وقالت: – إنت بتهزر؟ هو في حد يقول كده؟ مبنقولش كده! ضحكتُ بدوري وقلت: – معاكي حق... نعيد من الأول. سارة، أنا بحبك. إنتِ إيه؟ خفضت نظرها خجلًا وقالت بصوتٍ رقيق: – وأنا كمان. ابتسمتُ بسعادة لم أشعر بها من قبل، كطفلٍ نال أمنيته أخيرًا. ركضت للداخل أبحث عن زينب لأخبرها، لكني لم أجدها، فسألت الدكتور سيد: – زينب فين يا عمو؟ – جوه، في الأوضة مع زبيبة وعظيمة، وماما معاهم كمان. اتجهت نحو الغرفة، وقبل أن أطرق الباب، سمعت أصواتًا متوترة. توقّفت أستمع... سمعت صوتهم وكأنهم يتشاجرون أو شيء من هذا القبيل، فتتبعت ما يقولون. سمعت صوت عظيمة هانم تقول: - يا زبيبة، مينفعش! أنا مش عايزة أكرر نفس مأساتي مع بنتي. فقالت السيدة زبيبة: - أنا زهقت! هو أنا أخلّص من بثينة تطلّعيلي انتي؟ حرام عليكي! الولد والبنت بيحبوا بعض، وبعدين جوزك مماتش بسبب السكر!! -أنا استحاله بنتي اللي حيلتي تتجوز واحد عنده أي نوع مرض من أصله؟ - حسبي على كلامك يا عظيمة! - أنا آسفة يا بثينة، مقصدش طبعًا إني أجرحك، بس انتي أكتر واحدة هتبقي فهماني وحاسة بيا. فقالت أمي: - أنا فاهمـاكي كويس. بصي، سيبك من إن آدم ابني دلوقتي، بنتك بتحب واحد، والواحد ده عنده مرض سكر، عادي! ده مرض عند نص الشعب. بس افرضي جوزّتيها لواحد سليم، معافى من كل الأمراض، مع إن مافيش حد من البشر خالي من المرض، بس بدرجات. المهم... وفجأة جوزها ده "السليم المعافى" جاله سرطان ولا القلب ولا أي مرض، وهي مخلفة منه خمس عيال مثلا ، وكمان مات وسابها! هتستفادي إيه؟ البنت قلبها يتحطم مرتين؟ - هو مش انتي يا بثينة كنتِ معترضة تجوزي بنتك لفاروق؟ بس إيه اللي جدّ يعني؟ كل ده عشان اكتشفتي مرضك؟ - على فكرة، أنا عارفة إني عندي سرطان من شهرين، واللي غيّرني إني بقيت أحط نفسي مكانهم، بقيت أبص للأمور من زاويتهم هما مش من زاويتي. وأمي هي اللي فوقّتني. الحقيقة حاولت اطلع مليون مبرر واتكلّت قد كده يا عظيمة عشان أبرر موقفي، واكتشفت إني غلط. بُصي يا حبيبتي، أنا بعتبرك أختي الصغيرة، لأنك كان عندك عشر سنين أيام ما أنا واختك كنا في الجامعة، يعني أنا فعلاً بمثابة أختك الكبيرة. مش عايزة تجوّزي البنت للولد؟ انتي حرة، بس كده انتي بتكسري قلب بنتك لسبب ممكن يجي لأي حد عادي. ساد الصمت، وكنت أرجو من الله أن يلين قلب عظيمة هانم عليَّ أنا وسارة. كنت مغلقًا عينيّ حتى شعرت بأحدٍ يربت على كتفي، فالتفتُّ فرأيت سارة. قالت: - بتعمل إيه؟ فهمست: - ششش وطي صوتك عشان ما يسمعونا. حتى نطقت السيدة زُبيبة قائلة: - خلاص بقى يا عظيمة، أرجوكي وافقي. وقالت زينب بعد طول صمت: - يا طنط، صدقيني آدم بيحب سارة من زمان قوي، ودايمًا بيهتم بأمورها. حضرتك نسيتي لما كنتوا مش عارفين تقدمولها في الكلية وحضرتك تعبتي ودخلتي المستشفى؟ فضل معاها وماسبهاش، ووداها الجامعة أول أسبوع عشان تتعود على الجو، وماسبهاش لحظة، حتى لو هو مشغول. وهي كمان بتحبه يا طنط، صدقيني. حرام نحرم قلبين من بعض لمجرد خوفنا من شيء مش بإيد حد غير الله. ساد الصمت لمدة خمس دقائق أخرى، ثم قررت التدخل بعد تفكير طويل. فتحت الباب، وتقدمت بضع خطوات، وقلت: - أنا سمعت الحوار كله... يا طنط عظيمة، أنا بحب سارة، ولا يمكن إني أتخلى عنها. أنا دايمًا بحس إني لوحدي وكرهت الدنيا، بس لما أنا حبيتها، أنا حبيت الدنيا. بحبها! أنا عرفت معنى الدنيا بمجرد ما قربت منها. يا طنط، حضرتك مش هتلاقي زيي — بإذن الله — يحافظلك على سارة، لأن مافيش حد بيحب حد بيجرحه ولا بيزعّله، ولا حتى بييجي عليه. يا طنط، أنا بحب سارة، وعمري ما هحب حد غيرها، حتى لو حضرتك ما سمحتيش بالحب ده. سمعت صوت أنين، فنظرت خلفي، فرأيت سارة تنظر تجاه أمها وتبكي، خاشيةً أن ترفض... لكن المفاجأة أن السيدة عظيمة قالت بعد صمت ونظرات عميقه: - أنا موافقة. انفجر المكان فرحًا، وزغردت السيدة زبيبة، ثم تبعتها عظيمة نفسها، وزينب تحتضن سارة وتبكي فرحًا، وأنا أقبّل أمي شاكرًا لها. دخل الدكتور سيد وفاروق متسائلين، فقالت عظيمة: – سارة وآدم... خلاص، بكره قراءة الفاتحة. ضحك الدكتور سيد وقال: – الله! كده شباب العيلة بقوا عرسان كلهم! شدوا حيلكم، نحن السابقون وأنتم اللاحقون! ضحكت السيدة زبيبة وقالت مداعبة: – سيد! – خلاص يا ستي، مبروك يا حبايبي. بس ليه نستنى بكرة؟ نروح دلوقتي عند الست سانية نقرأ الفاتحة، وبكرة يبقى كتب كتاب فاروق وزينب، وخطوبة سارة وآدم. قلت بسعادة غامرة: – تسلملي دماغك يا دكتور سيد، يا عظمة! ضحك الجميع، وقالت امي بابتسامة صافية: – يلا نروح حالًا لماما، وبالمره واحنا راجعين نجيب لوازم الخطوبة والدبل. لا تستعجبوا أن عائلتي متهوّرة وتحب أن تأخذ الأمور سريعًا، ولكن تلك أحسن ميزة. حقًا، لا أصدق نفسي! أصبحت حياتي سعيدة الآن مع حب حياتي، ومع أصدقائي وعائلتي، وعلى رأسهم أمي. نظرتُ تجاه سارة، ثم تبادلنا الابتسامات، وكانت سارة خجولة... إنها حقًا أجمل فتاة تخجل، ليس بجمالها أحدٌ يُضاهيها. اتجهنا إلى منزل جدتي، وكادت جدتي تطير من السعادة، فلطالما اشتكيتُ لها عن عدم شجاعتي في التعبير عن مشاعري، ولكن اليوم عبّرت عنها أمام الجميع. إنني أشعر بسعادةٍ حقيقية، لأن حبي لسارة غيّر أشياء عدّة في حياتي. اتجهنا إلى الصائغ الذي تتعامل معه جدتي دومًا منذ سنين طويلة، واشترينا خاتمًا ذهبيًا رقيقًا مثل أرقّ مخلوقة سترتديه، به فصوص بيضاء تشبه النجوم اللامعة المتوهجة، ويُشبه تحفة فنية يعجز الشخص عن وصفها. وفاروق قام بحركةٍ رومانسية، فاشترى لزينب سلسلة هدية. بعدها اتجهنا إلى مصر الجديدة، حيث الشوارع الرائقة والخليط الجميل من طبقات الشعب الطيب. ذهبنا إلى المطعم الذي نحتفل فيه دائمًا بكل مناسبة سعيدة، لكنه كان مزدحمًا، فطلبنا الطعام واتجهنا إلى منزل جدتي الفخم. جلسنا في الحديقة نتناول الطعام الذي أحضرناه من مطعم درويش، وبعد الانتهاء تمّت قراءة الفاتحة لي أنا وسارة. ثم اشعلنا بعض الأغاني وأخذنا نرقص وندندن معها احتفالًا بفاروق وزينب، اللذين انتصر حبهما أخيرًا، وبي أنا وسارة — محبوبتي الأولى والأخيرة — حب الطفولة والمراهقة، وحب جميع الأيام وجميع المراحل العمرية. **** عدتُ إلى البيت من جديد وأنا في قمة الحماس لليوم التالي. فرحتان تملآن قلبي: فرحة أختي زينب، وفرحتي أنا بحبّ عمري. كانت زينب متحمسة للغاية أيضًا، بينما ذهبت أمي إلى النوم، فقد كانت تشعر بتعبٍ شديد. دخلت زينب غرفتي وجلست إلى جواري على الفراش، ثم ضمّتني قائلة بابتسامةٍ دافئة: – مين يصدق يا دومي إن أحلامنا بتتحقق في نفس الوقت؟ – عارفة؟ عمري ما كنت أتخيل إني ممكن أكون ممنون لماما بالشكل ده، ولا كنت أتخيل إني أحبها كده أوي. أنا لو أقدر أديها حياتي، والله أعمل كده. ماما هي السبب في سعادتنا، بدل ما كانت سبب التعاسة بقت سبب السعادة. – ربنا يشفيها ويعافيها يا رب. – يا رب... الحمد لله الورم حميد مش خبيث، يعني في أمل كبير أوي إنها تخف. متقلقيش. – أنا اتبسط لحاجتين. – إيه هما؟ – فرحتك إنت وسارة اللي كانت باينة على وشكم... وفرحة فاروق. – وفرحتك إنتِ؟ – فرحتي إني بشوفك، وبشوف فاروق وماما مبسوطين. ابتسمت وقلت بحنان: – زينب، أنا فعلاً بحبك. إنتِ مش أختي بس، إنتِ أمي وصحبتي وحبيبتي. إنتِ أول حب في حياتي، ومن حبك يا زوزو اتعلمت يعني إيه حب. ربنا ميحرمنيش منك أبدًا. – حبيبي... حبيبي، مالك بس؟ هتعيط ليه؟ أنا كمان بحبك أوي. إنت ابني يا ولا. ضحكت، ثم تابعت زينب وهي تتثاءب: – يلا بقى ننام عشان هنصحى بدري بكرة. – تصبحي على خير. – وإنت من أهله. خلدتُ للنوم وأنا مبتسم، نائم في حضن زينب، أشكر الله من اعماق قلبي. كنت سعيدًا إلى حدٍ لا يوصف، أشعر بسلامٍ نفسي لم أذق مثله منذ زمن. للمرة الثانية في حياتي، أنام وأنا مرتاح البال، مطمئن القلب. كنت متحمسًا للغاية لليوم التالي؛ حياتي أخيرًا تعدّلت. أشعر بدفء الأم وحنانها، وبحبٍ مختلف تجاه سارة، فيضان من المشاعر بعد أن اعترفت بحبي لها. وأشعر بحماسٍ لأصدقائي الذين أحبّوني بصدق، ولحياتنا التي تنتظرنا بعد التخرّج وبعد تفوقنا في مشروع التخرج. كنت أقول في نفسي: أخيرًا... أصبحت أعيش أحسن حياة. فتحت عيني... ما هذا؟ أين أنا؟ أخذت أنظر حولي بنظرةٍ فاحصة... أدركت فجأة أنني... عدت إلى الواقع. تُبًّا! أكان هذا حلمًا؟ صرخت وأنا أبحث بعيني في أرجاء الغرفة: – زينب! زينب! لكن لا جواب. الواقع الأليم يصفعني بقسوة: أنا لست آدم محمد... أنا إبراهيم محمود. وحيد، شريد، بلا أهلٍ ولا أصدقاء. نحن في عام 2025، لا 2007. لا توجد زينب، ولا فاروق، ولا أمي، ولا جدتي... ولا حتى سارة. نظرت إلى الصور المعلّقة على الحائط... أراها — زوجتي الراحلة — لم يكن لي في هذه الدنيا سواها، لكنها رحلت في حادثٍ أليم هي وولدنا الرضيع. غيّرت ملابسي ببطء، وركبت سيارتي متجهًا إلى طبيبي النفسي الوحيد الذي أبوح له بكل ما أشعر به من أعماق قلبي. حياتي أصبحت دوّامة من الحزن والأسى، بينما نومي صار البوابة الوحيدة إلى عالمٍ أستطيع أن أعيش فيه كما يتمنّى قلبي. تبا للحياة هذه... أصبحت أتمنى النوم لأجل الاستمتاع بالحياة التي لا أملكها في الواقع. لكن للأسف، كُتب عليّ البقاء في دوّامة الدنيا القاسية... إلى ما لا نبوح به. تمّت بحمد الله النهاية.

تعليقات

المشاركات الشائعة