ملعون في حضرة شيطان(نوفيلا)
📜 المقدمة 📜
لكل منا لعنته الخاصة، لا تنتهي، بل تورث، أجيالًا وراء أجيال، كأنها مثل المادة، لا تفنى ولا تُستحدث من العدم. كما هو الحال دائمًا .. أخطاء آباء ، يدفع ثمنها الأبناء.
📜 الفصل الأول 📜
(وساوس) بدأت اليوم بملف جريمة عجيب، استلمته وأنا جالس في مكتبي، قرأته جيدًا. شاب، أصغر إخوته، قتلهم بطريقة بشعة، شوّههم تمامًا محاولًا طمس المعالم، ولكن توصل الطب الشرعي إلى هويتهم. نهضت، ودخلت غرفة الاستجواب مع الجاني.. جلال كان اسمه. عند رؤيتي له كان سارحًا في الأرض دون أي حديث أو تعابير، جلست أمامه وقلت: كيف حالك يا جلال؟ جلال بشرود: أهلًا.. بخير. قلت: حسنًا، اسرد كل ما حدث، لن يفيدك الإنكار أبدًا، بل سيعقّد الأمور أكثر ويصعّب موقفك. جلال بهدوء: الشيخ... الشيخ فيصل قال لي: افعلها. قلت: فيصل؟ من هو فيصل؟ رأيت وشمًا يشبه النجمة داخل دائرة وبها بعض الحروف على معصمه، فقلت: وما هو ذلك الوشم؟ جلال وقد بدأ صوته يعلو: الشيخ فيصل قال لي افعلها. قلت له بحدة: لا تكرر حديثك بلا داعٍ.. أنا لست متفرغًا لك. جلال وهو يحرك قدمه بتوتر وقال فيما يشبه التشنج: قال لي... أن أحتسي الخمر. قشعريرة زحفت على عمودي الفقري، وتسمّرت عيناي عليه.. هل هذه إشارة كي أتوقف عما أفعله؟ أيعقل؟ نهضت عن مقعدي تاركًا إياه في شروده، وأخذت بعض اللحظات لأرتب أفكاري وأعيد جمع خيوط ما قاله في ذهني. اتجهت بخطوات حازمة نحو العقيد المشرف على القضية، وطلبت منه بعزم أن يُعرض المتهم على طبيب نفسي مختص، ليكشف لنا حقيقة سلوكه وحالته النفسية. لم أكتفِ بذلك، بل طلبت أيضًا أن نذهب إلى مسرح الجريمة شخصيًا، وأن يتم تفريغ كاميرات المراقبة لتسليط الضوء على كل حركة وكل لحظة محتملة. وبعد أن أمعنت النظر في التسجيلات، تبيّن لي أن آخر مكان كان متواجدًا فيه هو مقهى السلطان. عدت إلى سيارتي، وما إن جلست خلف المقود حتى شعرت بثقل يضغط على كاهلي، برغم أنها ليست أول قضية أقوم بالتحقيق فيها، لكن هناك شيء ليس على ما يرام. انطلقت بخطوات محسوبة، خلفي سيارة من الشرطة تواكبني بدقة. وصلت إلى المكان المنشود، مقهى عريق قديم، تفوح منه رائحة النرجيلة، وأصوات الدومينو، وصراخ المتعصبين. دخلت إلى المقهى وقلت وأنا أرفع بطاقتي الشخصية في وجه صاحب المقهى الذي كان جالسًا يدخن نرجيلته: إيهاب صهيب عبد السميع.. مباحث. فُزع صاحب المقهى وهب واقفًا وقال بتوتر: مـ.. مـ.. مباحث! لماذا يا سيادتك؟ المقهى مرخص و... قاطعته قائلًا: لا، لا، ليس لي دخل بهذه الأمور، لست محصل ضرائب، نحن هنا للتحقيق في جريمة. جريمة؟! نعم.. هل تعرف جلال عمرو؟ حكّ صاحب المقهى رأسه قائلًا: لا أتذكر صراحة، ولكن العاملون سيتذكرونه عن طريق الوصف إن جاء. قلت: نادِهم. نادى صاحب المقهى العاملين في هلع، وجاءوا متوترين. أخرجت صورة جلال وأريتهم إياها، فقال أحدهم متعرقًا: سيادتك.. أنا رأيته. قلت له وأنا أتفرس وجهه: كان وحده أم معه أحد؟ قال بتوتر: كان وحده.. لكن... قلت: هااا.. لكن ماذا؟ قال وهو يمسح عرقه براحة يده: كان يتكلم مع.. مع نفسه يا سيدي. كيف؟ كان جالسًا وكأن هناك أحدًا بجواره، يحاوره ويتكلم معه، ومن ذلك الحين لم أره مجددًا يا سيدي، أقسم لك. صمتّ قليلًا، وشكرته بهدوء على وقته، ثم رحلت. عدت إلى مكتبي وأنا أفكر في التفاصيل الأخيرة؛ في الغالب، كل شيء في يد الطبيب النفسي الآن، ومن يدري ما الذي ستكشفه التحليلات القادمة عن سلوكه وحالته؟ أنهيت عملي ببطء، وأخذت وقتي في ترتيب الملفات والورق قبل أن أغادر المكتب .. عندما وصلت إلى منزلي، رميت جسدي على الأريكة، أشعر بثقل اليوم كله يضغط عليّ من كل جانب. أمسكت بكأس فودكا، وارتشفت كل محتواه في رشفة واحدة، كما لو أن كل شيء توقف للحظة. ثم تركت نفسي للغفوة، وغصت في نوم عميق يبتلع التعب والضجيج، كأنه حاجز مؤقت بيني وبين الواقع.
📜 الفصل الثاني 📜
(غفوة) فتحت عيني محاولًا إدراك أين أنا، في منزلي. سهرة البارحة كانت ثقيلة وعنيفة على أن تتحملها رأسي. نظرت إلى زجاجة JACK DANIEL’S الملقاة أسفل الطاولة، وبجانبها زجاجة الفودكا وكؤوس من مشروبات خُلِطت بها. أعلم أنك اشمأززت من هذه الحالة، ولكني اعتدت ذلك. كنت أفعلها سرًا فلا يراني أحد، وكنت أعتقد ذلك، لكني نسيت أن هناك الأعظم من كل البشر يراني. أضع الزجاجة في كيس أسود اللون، وأصبّ الجرعة في كأس صغير أحتسيه وأنا أستمع إلى أغنية «اكتب يا صديقي» التركية. لا أعلم سبب ذلك المزاج. رأيت رسالة منذ ثلاث ساعات، فتحتها لأرى جملة: (الطبيب النفسي أكد أن جلال صادق في كل كلمة يقولها). ولكن كيف؟ وأين فيصل من الأساس؟ حتى بعد تفريغ الكاميرات لم أرَ أي شخص مطابقًا للمواصفات التي قالها جلال. المهم أن جلال حُكم عليه بالإعدام، وما زال فيصل مجهول المصدر. أيعقل أن يكون جدي فيصل؟ صدّقت؟ غبي! أمزح بالطبع. أريدك أن تركز معي ولا تكون سارحًا أو ساذجًا، فقط هي رحلة قصيرة، ستنتهي بين يديك. ** أما عن حبي للشرب، فهو كي أنسى ما أمرّ به وما مررت به. أعلم تمام العلم أنه مُحرَّم، ولكن هذا يغنيني عن الانتحار. معصية أصغر، وجهة نظر ساذجة لشخص أحمق، ولكني كنت أعتقد أني مُحق فيما أفعله. خصوصًا أن الفتاة التي كنت أحبها رفضتني، ورُفضت من قِبَل أهلها. والحق يُقال إن لهم الحق صراحة، فقد كنت شابًا مراهقًا، لا أفكر في شيء، ولا أستطيع تحمّل المسؤولية، ولكنها أيضًا من ضمن الأسباب. نهضت لميعاد العمل، وككل يوم أنهض في نفس الميعاد، السادسة صباحًا. نهضت، وغسلت وجهي، واتجهت إلى الثلاجة كي أحتسي كأسًا صغيرًا، لأستقبل الحياة بوجه عابس. نسيت أن أخبرك السبب الثاني لإدماني للخمر، وهو النسيان، لأني كنت أحلم أن أكون مهندسًا معماريًا، ولكن المجموع لم يسمح ولم يُسعفني، لذلك التحقت بكلية الشرطة وتخصصت في أن أكون محققًا. الآن هي مهنتي. دخلتها بالواسطة للأسف، دون شغف، دون حب، ودون تخطيط للمستقبل.
📜 الفصل الثالث 📜
(الحارث) كان لا يحب أمي ولا أخوالي الأربعة... أتكلم عن جدي فيصل بالمناسبة ، (لا أعلم لماذا انعش جلال ذاكرتي بذكر اسم فيصل ) حتى اولاده كانوا يكرهونه، ولكنه كان يحبني جدًا، يعتبرني صديقه حرفيًا، برغم أن أمي كانت تنهرني كلما رأتني معه أو كلما رأتني أذهب إليه. دائمًا كنّا نتشاجر بسبب هذا الموضوع، وكنت أتعجب: كيف يكره الإنسان والده إلى هذه الدرجة؟ بغض النظر عن فعلته التي ارتكبها، أياً كانت ماهيتها، لكنه يبقى أولًا وأخيرًا الأب. وكما يقول المثل: «أعزّ الولد ولد الولد»، طبقه جدي في الحقيقة. وفي يوم من الأيام، وأنا جالس معه نتسامر ونضحك، إذ به يصمت قليلًا ويقول بجدية: أريد أن أُعلمك سرًا لم ولن يعلمه أحد سواك. قلت بفضول: ما هو؟ قال وهو يدخل غرفته بظهرٍ محنًى وخطوات بطيئة: ثوانٍ. جاء وفي يده صندوق غريب الشكل، صندوق أسود مطرّز بقطع تشبه الياقوت الأحمر الدموي. وضعه أمامي بيدين مرتجفتين وقال: هذا الصندوق به سر كبير، وإرث لن يرثه أحد غيرك. قلت: ماذا يحوي؟ قال: لا تشغل بالك الآن، المهم أن لا تفتحه إلا عند وفاتي. قلت: وقاك الله من كل سوء. قال: شكرًا يا ولدي، لكنها سُنّة الحياة وليست سوءًا. المهم أني ائتمنتك أمانة فلا تخلفها، أرجوك، لا تفتحه إلا عند مفارقتي الحياة. قلت: لا تقل ذلك مجددًا، أطال الله عمرك... ولكن حسنًا، لن أفتحه. أخذت الصندوق ووضعته تحت سريري، والفضول ينهشني ويدفعني لأن أفتحه، لكن جدي ائتمنني ولا أستطيع إخلاف وعده. ولحسن الحظ لم تكن أمي موجودة في ذلك الوقت كي لا ترى الصندوق وتكسره على رأسي. مرّت ثلاثة أيام بالضبط، واستيقظت على خبر وفاة جدي. شعرت بالحزن الشديد، على عكس أخوالي وأمي الذين لم تبدُ عليهم أي مشاعر. مرت مراسم الدفن والعزاء بسرعة، ثم دخلت منزلي. تذكرت الصندوق، شعرت برغبة قوية في فتحه، فضول ينهشني، لكن قلت لنفسي إن هذا ليس وقته ولا أوانه، فأجلت الأمر. انتظرت مرور الأربعين يومًا، خلال الفترة التي كنت فيها منعزلًا حتى عن عملي، أغرق نفسي في شرب النبيذ لأنسى بعض الألم وأبعد التفكير عن الذاكرة التي كانت تنتظر الصندوق. وجاءت اللحظة الحاسمة أخيرًا. انتظرت خلو المنزل تمامًا، أغلقته خلفي بهدوء، ثم دخلت غرفتي. بخطوات متأنية، أخرجت الصندوق من تحت السرير، شعور غريب يرافق لحظة إعادة اكتشافه بعد طول انتظار. العجيب أنه، رغم أنه لم يمر وقت طويل، وجدت سطح الصندوق مغطى بغبار شديد أخفى تفاصيله، وامتلأ بشبك العنكبوت وكأنها تغلفه. قمت بتنظيفه قبل فتحه، وفتحته. بمجرد فتحه فاحت منه رائحة نتنة تشبه رائحة القيح، نفاذة تثقل الأجواء. وجدت كتابًا جلديًا أسود بلا عنوان. قلت في نفسي: ماذا؟ كتاب؟! كل هذا لأجل كتاب؟ أخرجته من الصندوق ووضعته على الطاولة الخاصة بي. بمجرد فتحه صدرت رائحة نفاذة عفنة قوية، كان شكله غريبًا. تحسسته من الجهة الأخرى، فشعرت بشيء خشن، قلبته فوجدت اسمًا مكتوبًا بالنار، بحرق الجلد الأسود. قرأت الاسم: الحارث! اسم غريب... ما معناه؟ لم أطمئن لمظهره، قلبي انقبض بمجرد رؤيته، لكني أكملت. فتحته وبدأت في التصفح، تصفحت حوالي خمس صفحات، ولكن لم أجد أي كتابة بها، يشبه الكراس فقط. طرق باب الغرفة، فقمت بإخفاء الصندوق والكتاب وذهبت لأفتح. وقفت أمام الباب، ولكن... مهلاً، أنا وحدي من الأساس، والمنزل من المفترض أنه خالٍ تمامًا من أي أحد سواي! هل هذا بسبب النبيذ؟ لا، لأني اعتدت عليه، ولم أشرب الكثير. أوهام وتخيلات... نعم، مجرد أوهام وتخيلات لا أكثر. عدت إلى المقعد الخاص بي ونظرت إلى الكتاب مرة أخرى، لكني وجدته مختلفًا عما تركته. كان به مربعات فيها أرقام ورموز وحروف، ومكتوب فوقها بخط عريض: «احضر يا ضرغام!» وفي الصفحة المقابلة كان طلسم على شكل دائرة بداخلها نجمة ورموز. أين رأيت هذا الطلسم؟ على... على معصم جلال! وكأن شعر جسدي كله انتفض بسبب كهرباء ما صعقت جهازي العصبي. استعذت بالله من الشيطان الرجيم، وأعدت الكتاب تحت السرير، ومعه زجاجة النبيذ بعد وضعها في كيس أسود. وبالفعل، طرق باب المنزل. انتفضت فزعًا، ولكني اطمأننت هذه المرة لأن باب المنزل هو الذي يُطرق، وليس باب الغرفة. فتحت الباب بعد تفكير، فوجدت أمي تقول وهي تنهرني: أين كنت كل هذا الوقت يا إيهاب؟ وما بك؟ وجهك مصفر، وما هذه الرائحة؟ قلت وأنا أحاول أن أخفي توتري: كنت في الحمام، ووجهي سليم، لا يوجد به شيء. قالت: لا، وجهك مصفر، وها أنت تتعرق. هل تخفي شيئًا يا إيهاب؟ هل أنت خائف من شيء ما؟ لم أتكلم، فقالت: الخوف ليس شيئًا يعيبك يا ولدي... تكلم. قلت وأنا أتصنع الغضب: قلت لا شيء يا أمي، أنا لست خائفًا. قالت وهي تبتسم ابتسامة مريبة: متأكد؟ قلت وقد بدأت أتوتّر أكثر: نعم، متأكد. قالت: حسنًا، وهكذا. تحولت عيناها إلى اللون الأبيض بالكامل، وكأنها لا تملك بؤبؤًا من الأساس، وضحكت. وقعت مغشيًا عليّ، ولم أشعر بنفسي إلا على صوت أمي وهي تحاول إفاقتي. بمجرد أن فتحت عيني، نهضت مفزوعًا وقلت وأنا أصرخ: ارحلي! اتركيني وشأني! اتركيني وشأني!! قالت أمي وهي تبكي وتضع يديها على وجهي: ما بك يا ولدي؟ بسم الله الرحمن الرحيم! قلت بخوف وأنا أبعد يديها بسرعة: أنتِ لستِ أمي! أنتِ لستِ أمي! ازدادت في البكاء، وقالت وهي تعيد وضع يديها على رأسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ... (الآية). بمجرد سماعي لكلام الله هدأت واطمأننت، ومن ناحية أخرى اطمأننت لأني ضمنت أنها أمي فعلًا. بمجرد إنهائها تلاوة القرآن، قلت بهدوء: لا تقلقي يا أمي، أنا بخير. قالت بعيون دامعة: أنت لست بخير... ماذا حدث يا إيهاب؟ قلت: أرجوكِ يا أمي، لا تضغطي عليّ، لا شيء حدث. قولي لي أنتِ، كيف رأيتِني؟ قالت وهي تأخذ أنفاسها: عندما فتحت باب المنزل وجدتك ملقى على الأرض، وكان فمك مفتوحًا على مصراعيه، وعيناك باللون الأبيض التام، ظننت أنني... أنني فقدتك! سمعت الكلام بصمت، لا أستطيع الكلام، أفكار تتفتق في ذهني... كيف ذلك؟ ومن رأيتها؟ وكيف كنت في حالة إغماء غريبة هكذا؟ ماذا يحدث؟ هل جدي أورثني إرثًا أم لعنة؟ هل هي لعنة؟ وبمجرد فتح كتاب؟ تكلمت أخيرًا وقلت: لا تقلقي يا أمي، جاءني هبوط فقط. قالت: وهل الهبوط يجعلك هكذا؟ يجعل شكلك هكذا؟ قلت وأنا أحاول أن أخفي كذبي: لا أعلم، كنت أمشي وفجأة لم أشعر بنفسي. ضمت حاجبيها وقالت: إيهاب... هل كنت تجلس مع جدك في آخر فترة؟ قلت بتوتر: لا. شعرت بكذبي، لكنها صمتت لأنها لا تريد المجادلة الآن. تذكرت أني تركت الصندوق والكتاب في الغرفة، فركضت كي أعيدهما إلى مكانهما. ركضت أمي ورائي وهي تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ما خطبك يا ولدي؟ لكنني كنت أسرع منها بكثير، ولحسن الحظ أعدتهما بسرعة قبل أن تأتي، فقالت: ماذا تخفي؟ قلت: لا شيء. قالت: حسنًا، سأتركك الآن، ولكن لنا حديث في وقت آخر. ***** جلست أفكر.. حتى مرّ الليل وبزغت الشمس وأنا ما زلت في نفس وضعيتي، خائف وأفكر وشاخص البصر. لم آكل ولم أشرب ولم أتكلم. ماذا يحدث معي؟ هل أمي وأخوالي على حق؟ أم أن جميع ما حدث ما هو إلا أوهام فقط بسبب الرهبة من الكتاب؟ ولكن لا... وما تفسير حالتي التي وجدتني عليها أمي؟ دعك من هذا، ماذا عن الطلاسم وجملة "احضر يا ضرغام"؟ ماذا عنها؟ هل هي تجعل كيانًا ما يحضر؟ هل جدي كان ساحرًا ومؤذيًا وهو من تسبب في قضية جلال بالفعل، وأنا الساذج؟ تركت الأريكة ونهضت كي أدخل غرفتي لأنام. في اليوم التالي ذهبت إلى العمل، قبلها رشفت سمومي الروحية كي تخفف عني، وقمت بأخذ قرص مسكن جرعته عالية لينزع التصدع والطرق الذي يفتك بمخي. دخلت مكتبي وطلبت من العم محمد قهوتي الغامقة. أشعلت السيجارة في توتر قبل أن أفتح أوراق القضية، نظرت إلى الأوراق لأجد التالي: تقرير الطب الشرعي الاسم الكامل: محمد كامل العمر: 33 سنة الطول والوزن: قصير القامة، متوسط السمنة سبب الوفاة: لم يتحدد بدقة حتى الآن، ولكن تم ملاحظة مدى اتساع الأوعية الدموية وحدوث هبوط في الوظائف الحيوية. ملاحظات إضافية: لا توجد علامات إصابة خارجية واضحة. يحتاج التقرير النهائي إلى تحاليل معملية إضافية لتحديد السبب النهائي للوفاة. لاحظت في التقرير اتساع الأوعية الدموية، وقد سمعت في الآونة الأخيرة عن شبح أسطورة يُسمى "الدساس"، قال الناس إنه يقتل بالطريقة نفسها، ولكن كيف؟ لا أحد يعلم ماهية القتل، ولكنها في الأول والأخير مجرد أسطورة، لا أؤمن بها. قمت بمكالمة أحد عمالنا المخبرين لتفريغ الكاميرات. لا شيء، كان يمشي في الشارع وفجأة سقط أرضًا دون أي سبب واضح للقتل. أرى بأنها وفاة طبيعية، ولكن أهله يصرون أن هاني، صاحب محل البقالة، هو من قام بذلك. قمت بمكالمة إنسانية لأهله، أقول فيها ألا يتمسكوا بوجهة نظرهم كي لا يصبح البلاغ كاذبًا، وحينها سيُوضَعون محل شك. أغلقت الخط على كلمة: "حسبي الله ونعم الوكيل". لا أعلم سواء كان هذا الدعاء عليّ أم على هاني، ولكن لا يهمني. أعدت الأوراق إلى المكتب وأخبرت الطبيب الشرعي بأنه ليس هناك سبب صريح للوفاة، ويجب إجراء تحاليل إضافية. شعرت بأن تلك القضية سترهقني أكثر، فقمت بطلب نقلها لأحدٍ آخر دوني. في تلك الفترة، لا أستطيع. عدت إلى المنزل، وعندما كنت أمشي في الشارع قابلت خالي سمير. وبالمناسبة، أنا أحبه كثيرًا، تحديدًا هو دونًا عن باقي أخوالي، خصوصًا أنه قريب مني في السن. كنت أنا في السادسة والعشرين عامًا، وهو كان في الثلاثين. كان فارق السن كبيرًا بسبب أن جدي وجدتي تزوجا في عمر صغير جدًا. كانت أمي أكبر من خالي سمير بفارق كبير. لن أخبرك عن عمرها لأنها أوصتني ألا أذكره، نظرًا لأنك كما تعرف، السيدات لا يحببن ذكر أعمارهن إن كانت كبيرة. لنعد إلى خالي، حييته بالسلام وقلت له: أريدك في أمر هام. قال لي بابتسامته المعتادة: حسنًا، هل هو أمر سيئ؟ قلت له بجدية: لا أعلم. قال: أقلقتني، ماذا حدث؟ قلت له: أيمكننا الجلوس في أي مقهى؟ أفضل. قال: حسنًا، هيا بنا. جاء معي وجلسنا في المقهى، فقال لي: قل لي، ماذا حدث؟ أشعلت له سيجارة، وأنا أشعلت لنفسي، وقلت بدون أي مقدمات: هل جدي كان ساحرًا؟ صمت، وظهرت عليه ملامح الصدمة. انتظرت قليلًا، ثم قلت بتوسل: لا تصمت أرجوك. قال: لماذا؟ ماذا حدث معك جعلك تسأل هذا السؤال؟ قلت وأنا لا أنظر في عينيه: لم يحدث شيء. قال بملامح مندهشة: أنت تكذب يا إيهاب، هل انتقلت إليك اللعنة؟ قلت بدهشة أيضًا: أي لعنة؟ ماذا تقصد؟ قال بتوتر وعصبية لم أرها به من قبل، وكأني لم أقل شيئًا: تبًا تبًا تبًا! لقد انتقلت إليك اللعنة! سبب هذا هو اختلاطك بجدك، وأكاد أجزم بذلك! ألم نحذرك مرارًا؟ ردّ عليّ! قلت: كيف علمت؟ وأي لعنة؟ قال بنبرة حزينة متوترة: واضح وضوح الشمس يا إيهاب... لماذا فعلت ذلك؟ لماذا لم تسمع كلامنا؟ نفثت دخاني بتهكم وقلت: أموت وأعلم لماذا تكرهونه إلى هذا الحد؟ لماذا تعاملونه بهذه الطريقة؟ قال بغضب: هل تريد أن تعلم؟ حسنًا، ولكن عندما تعلم، لا تأتِ وتشكو مما قد يحدث، لأن هناك أشياء عند اقترابك منها لن تستطيع أن تبتعد. أنا خائف عليك يا غبي! قلت: لا يهم ما قد يصيبني، المهم أن أعلم سبب كرهكم له، وما هي اللعنة التي تقولها لي. قال بحزن شديد وبصوت عالٍ بعض الشيء: لم نكن نريد ذلك، ولكنه أجبرنا. نفورنا منه خوفٌ منه، وخوفٌ عليكم. ولكني لم أركم تعاملونه جيدًا ولو لمرة واحدة، لدرجة أني بدأت أشك أنه والدكم من الأساس. لأنه شخص سيئ. ولماذا كل هذا؟ زفر وقال: لأن جدك ارتكب خطيئة كبيرة، ذنبًا كبيرًا وصعب غفرانه. وما هو؟ جدك تزوج جنية. جنية؟! كيف؟ عبث بالسحر فاستحضر جنية أغوته وتزوجها قبل جدتي في السر، ولما أدرك أنها لم تحبه بل تؤذيه، واجهها فتوعدته بالحرق، لكنه سبقها فأحرقها. فغضبت قبيلتها وأبرمت معه صفقة تركت آثارًا ثقيلة. ومنذها بدأت أمي ترى غرائب حتى كشف لها شيخ أن أصل البلاء أبي، فلما صارحها طلبت الطلاق فرفض، فأوصتنا حين كبرنا أن نبتعد عنه إلى الأبد. (مهلًا... ها قد وصلنا إلى مقطع طريف. طريف لأن بطلي إيهاب المسكين لا يمكنه ـ من الناحية المنطقية ـ أن يعرف حرفًا مما سأرويه الآن. ومع ذلك، ها أنذا أبوح به، فأنا الكاتب، أتمتع بامتيازات خارقة لا يملكها مخلوق آخر في هذه القصة. قد تقول: "ولكن هذا يناقض المنظور!" فأجيبك: وهل تظن أنني أكتب سيرة ذاتية لشخصية تاريخية؟ ستقول بأني أخالف بعض القواعد؟ إنها روايتي يا عزيزي، أفعل ما أفعله كما أشاء، والرواية تسمح لي أن أتجسس على الماضي وأسرق أسراره، ثم أضعها بين يديك وكأنك اكتشفتها بنفسك. فاشكرني بدل أن تعترض! المهم المتعة، أليس كذلك؟)
📜 الفصل الرابع 📜
(محكمة الظلم) جالسًا في المقهى، وحده، يدخن النرجيلة بنهم، يحاول صرف همومه في دخانه، اعتقادٌ خاطئ، وهو يعلم ذلك جيدًا، ولكنه يحاول إقناع نفسه. وفاة أخيه التوأم منذ شهر كسرت ظهره، جعلته يعلم أن سنده قد دُفن في التراب لتأكله الديدان بلا رحمة. جاء بائع الصحف الإخبارية، فابتاع صحيفة يقرأها كي تلهيه، لا جدوى... حتى مرّ فاروق الحمزاوي، رجل متجبر متغطرس، ذو ندبة تمتد من صلعته إلى ذقنه، يستعرض قوته على من يراه، ويأخذ منه الأموال عنوة. اقترب من فيصل – الذي كان يحاول الاندماج في الجريدة – وقال له بسخرية: أهلًا يا فيصل. رد فيصل دون أن ينظر إليه: أهلًا. ضحك فاروق وقال: حسنًا.. أين الشاي الخاص بي؟ اسأل النادل. لا.. أقصد أموالي.. أريد أموالي. وما شأني؟ لا تتغابَ يا فيصل، أنت تعلم أن أموالي في جيبك. نهض فيصل وقال: فاروق، الوقت ليس وقتك أبدًا.. رأسي مشغول عن تفاهتك. ودون أن ينطق فاروق بكلمة، جذبه من ياقته وشده إلى منتصف الشارع دون أي مقاومة منه. قال وهو يصرخ بلعابٍ يتطاير من فمه: فاروق الحمزاوي لا يُقال له لا! ولطمه على وجهه، فقال فيصل: أتركني يا حقير، يا ابن العاهرة! لطمه فاروق بشدة أكبر وقال: سيدك تتأدب وأنت تتكلم معه، أسمعت؟! وسبّه بأفظع الألفاظ. في هذه الأثناء كانت أختا فيصل وأمه تريانه من بعيد ويصرخان، يحاولان الاقتراب، ولكن رجال الشارع أبعدوهما. حتى رجال الشارع لم يستطيعوا الدفاع عن فيصل خوفًا من فاروق. دمعت عينا فيصل وقال بصوت خافت: أتركني! صرخ فاروق مجددًا: على جثتي! وسبّه مجددًا، ثم أخرج سكينه الحاد، وبنصله – وبدون أي مقاومة من فيصل – قام بنقش حرف الفاء على بطنه وهو يصرخ. قال فاروق: وهذا تذكار، تتذكره أنت وجميع من في الشارع يا ابن الساقطة. ثم لطمه مرة أخرى وتركه، وبصق عليه ورحل. وهو يمشي قال وهو يضحك بسخرية: اشكرني، حرف الفاء مناسب لاسمك أيضًا. ورحل... كان الجميع متجمهرين حوله، كرامته تحطمت تمامًا أمام الجميع بلا استثناء. نهض، نفض ملابسه من التراب، تحاشى النظر إلى الواقفين، ركضت أمه وأختاه تعانقانه وتصرخان. نظرت أمه إلى الجرح فوجدته غير غائر، وعادوا إلى المنزل. حبس نفسه في غرفته، لم يرد الخروج منها، دون حديث مع أحد، ولا نظرة حتى. له الحق، فشاب في سن العشرين يُهان بهذه الطريقة ليس بشيءٍ هينًا. وبقي الأمر على هذا الحال فترة طويلة، كان فيها فيصل منعزلًا في غرفته. ما جعله يفعل ذلك دون ملل هو محاولته للقراءة، فبغضّ النظر عما حدث معه، فهو شغوف بالقراءة. يرى أن الكتاب خير جليس في الحياة، تجلس بالساعات ولا يمل منك، يضحكك ويبكيك ويمتعك ويؤنسك، كل شيء. ولذلك كان يقرأ، وها هو قد نفد محصوله من الكتب، فخرج أخيرًا من الغرفة. ظنت أمه أنه عاد، ولكنه خرج لأجل شراء كتاب جديد فقط. دون أن يراه أحد، أخذ سيارة أجرة متجهًا إلى شارع خاص ببيع الكتب، يفترش فيه الباعة الأرض، ويرصّون الكتب المستعملة والجديدة. مرّ عليهم يفحص الكتب ويرى العناوين، فقام بشراء مجموعة ألف ليلة وليلة مستعملة. كاد أن يرحل، لولا أنه رأى كتابًا جلديًا قديمًا مهترئًا دون عنوان. فتحه فوجد في أول صفحة العنوان: "أحكام الكهان في تحضير خدام ملوك الجان". اقشعرّ بدنه، علم أنه كتاب سحر. البائع يبيعه بالخطأ أو لعله يعلم. وبالفعل، قال: لمَ لا أجرب؟ دفع ثمنه وأخذه ورحل. دخل المنزل متحاشيًا النظر لأي أحد. تحدثت معه أمه محاولة أن تجعله يرد وأن تعلم أين ذهب، ولكنه أيضًا كأنه تمثال، دون رد. فتح باب غرفته فوجدها مرتبة، فقد استغلت أمه عدم وجوده في تنظيفها وترتيبها. جلس على السرير، وبجانبه موقد كحولي يصنع عليه القهوة. أعدّ قهوته ووضعها بجانبه، وفتح الكتاب يريد أن يفهم منه شيئًا. وجد الكاتب يبدأ كتابه: > بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، نحمد الله بأسمائه الحسنى: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، الخالق. أما بعد... وبعد جملة "أما بعد"، فتح بابًا صعبًا عليه إغلاقه. وجد دعاء جلب الرزق، دعاء جلب الحبيب، دعاء أذية الظالم... ها هو، وجده: دعاء أذية الظالم. وإن كانت ليست أدعية، بل طلاسم زُيّنت بهذا الاسم ليصل الكاتب إلى مراده. حتى البداية بذكر الله ورسوله، غرضها أن تشعرك بالأمان، بأن ليس هناك شيء سيئ يحدث. وجد الدعاء وشروطه، لن أستطيع ذكرها، ولكنه قام بتنفيذها. شروط تافهة سهلة للكثيرين، ولكن بمجرد تنفيذها تنقلب الحياة رأسًا على عقب. كتب الطلاسم ونفذ الشروط، وبدأ في قراءة الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم يا عادل يا قهّار، يا نصير المظلومين، صلِّ وسلّم على سيدنا محمدٍ وعلى آله الطاهرين، يا من لا تخفى عليه خافية، ولا يضيع عنده حق، أرِنا في كل ظالمٍ قدرتك، وارتدّ عليه كيده، واجعل عدلك نورًا يملأ قلوب المستضعفين، بحق رحمتك الواسعة وعدلك الذي لا يزول. بحق كوش وطمرائيل وسومارا، العهدَ العهدَ، الساعةَ الساعةَ، خذوا من فاروق الحمزاوي سكينةَ قلبه، واقطعوا عنه أسباب القوة والعون، وبدّلوا نعمته نقمة، وغِناه فقرًا، وأمنه خوفًا، وذرّوا راحته في الريح حتى لا يجد لها أثرًا، واجعلوا ليله سهرًا ونهاره قلقًا، وزلزلوا تحت قدميه الأرض حتى يفيق من طغيانه، وأروه عاقبة ظلمه عبر كل دربٍ يسلكه. أغلق بعدها فيصل الكتاب، شعر بأن ما يفعله مجرد عبث، ليس هناك فائدة منه، وخلد إلى النوم. رأى نفسه في منزله، مقيّدًا بأشواك غريبة الشكل، تجرحه عندما يتحرك أي حركة حتى وإن كان يتنفس. رأى كيانًا غريبًا يبدو عليه الغطرسة والتفاخر، وكيانًا آخر يرتدي تاجًا مكتوبًا عليه كوش، والآخر دون تاج. اقترب منه الذي لا يرتدي تاجًا وقال: اسجد. قال فيصل وهو يلهث: ما أنا بساجد. اقترب الكيان فزفر سمومًا حارة في وجهه وقال بصوت فحيح: اسجد! تألم فيصل كثيرًا، حتى الأشواك زادت قبضتها عليه حتى سجد. قال الذي لا يرتدي تاجًا: بينك وبيني عهد، أنا سُمارا، شيخ قبيلة بني سُمارا. فيصل بوهن: لماذا فعلتم ذلك؟! سُمارا: أنت من أقحمت نفسك معنا، ثم لماذا تطلب العهد مع كوش؟ إنه في عالم ڤاركينوس الآن وليس له علاقة بك. فيصل برَجفة: لا أعلم... لا أعلم. سُمارا بنبرة جهورية: قُضي الأمر ، بأمر من محكمتنا.. ستُزفّ إلى ابنةٍ من قبيلتنا، فهذا هو عهد الدم .. ومن يجرؤ على كسره، فلن يرى فجرًا يضيء وجهه. تداعت بعدها ومضات، ومضات تشبه الضوء، ثم مشهد..نائمًا في سريره، وبجانبه امرأة فاتنة، تلمس وجهه بأنامل يدها وتقترب منه في إغراء. لم تنتظر همسًا ولا إذنًا، بل قادته نظرتها الحارة.. أحاطته بذراعها، فذاب كل حذر، وسقطت جدران خجله وخوفه، ترك لها زمام الأمر حتى ابتلع الصمت ما تبقى من حياءٍ شاهدًا على عهدٍ قد اكتمل. استيقظ شاهقًا من نومه، سامعًا صراخًا عالي الصوت في الشارع. مسح خيطًا من اللعاب انساب على الفراش ونهض. ولأول مرة فتح الباب وخرج في هدوء.. قابلته أمه تلهث قائلة: ألا تعلم ما حدث؟ جئت ركضًا كي أُعلمك. - ماذا حدث؟ - فاروق الحمزاوي... قُتل بطريقة شنيعة! ومن البشاعة لم يرَ أحدٌ جثته سوى رجال الشرطة والطب الشرعي. ابتسم فيصل بنشوة، نظرت له أمه بخوف فقال: أنا من فعل ذلك، انتقمت منه. احمرّ وجهها، دمعت عيناها، وقالت: حقًا يا فيصل؟ كيف تجرؤ على فعل مثل هذا؟ كيف؟! أنت لست ابني الذي أعرفه! - لقد أعدت الحقوق إلى أصحابها. قالت وصوتها يرتجف كبركان على وشك الانفجار: نحن لسنا في غابة، الجميع يقتل بعضه! الشرطة هي التي تتصرف. فيصل ببرود: قال الله تعالى: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم. علا صوتها وقالت وهي تلطم وجهها: بمثل؟! بالمثل يا غبي! - لا يهم حجم الأذية، العين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم. - اخرج من منزلي يا قاتل! اخرج! وأنسَ أن لك أمًّا من الأساس! ***** بكل هدوء خرج فيصل ولم يعد. أمروه بهمسات في أذنه أن يكمل سيره حتى وصل إلى قصر أسود ضخم مهيب ، فتحه فوجده مهجوراً دون أحد .. ومن بعدها، كان أمامه خياران اشترطوا عليه أن ينفذهما: إمّا الموت هو وجميع من يعرفهم حتى أصدقائه، أو أن يكون تابعًا لهم وينفذ ما يُؤمر به، وأن تنسكب اللعنة عليه، وعلى ذريّاتٍ سيُختارون بواسطة طلسمٍ يُنقش في طيّ الكتاب، ومن ترى عيناه الطلسم صار بين أيديهم. فوافق. اختلط بهم كثيرًا حتى أصبح متمكنًا منهم، حتى جمعتهم عهود طويلة، لم يجرؤ على كسرها. ****** قلت: ولماذا لم تمسسكم اللعنة؟ سمير: لم تمسسنا لأنه قام بتسميتنا نسبةً لهم كتطوعٍ وتضرع، ولكن سيأتي من يحمل اللعنة من نسلنا، وأتمنى أنه لن يكون أنت. قلت: لاحظت أسماءكم قريبة لدرجة مرعبة، أنت اسمك سمير، وأخوتك على نفس الوزن: سامر، وسميرة، وسمر، وسارة أمي. قال: هذا كان من شروطهم، أن يقوم بتسمية جميع أولاده نسبةً إلى اسم القبيلة، والتي كانت قبيلة بني سُمارا. قلت: وماذا سأفعل؟ قال: لا شيء، اقرأ أذكارك، وحافظ على صلاتك، والحافظ هو الله. صحيح، نسيت أن أخبرك، إياك أن تقرأ ثانية من الكتاب الذي تركه جدك، هذا كتاب لعنة، مخطوط بخط يده، كان يعتقد أن طلاسمه هذه ستحميك .. دوناً عن طلسم الاختيار.. كان يعتقد بأن السحر يبطل السحر كما لا يفل الحديد إلا الحديد ، ولكن أقسم لك بأنها ستجلب اللعنة إن لم تكن موجودة. ذهبت إلى المنزل، ولحسن الحظ مرت الأيام بعدها على خير دون أي مشكلات. تعجبت من صمت أمي تجاه هذا الموضوع، ولكن لعلها سألت خالي وأخبرها كل شيء. برغم مرور الأيام بهدوء، إلا أنه كان هناك وسواس قوي في أذني بصوتي، وسواس لا يتوقف يقول لي: افتح الكتاب... افتح الكتاب... لدرجة أني أكثر من مرة كنت سأفتحه بالفعل لا شعوريًا، ولكني أنقذ نفسي في آخر لحظة حرفيًا. لا أعلم لماذا جدي أوصاني بفتحه من الأساس، هل هو يريد أن يؤذيني؟ أم يحميني؟ هل هو فيصل الذي أغوى جلال؟ ولكن كيف، وجلال قال إن الذي فعل ذلك في الخمسين من عمره، في حين أن جدي كان في التسعين؟ هل سحر عينه وصغر سنه كي لا يعرفه أحد ؟؟ هل يعقل أن كل هذه السنوات التي عانيتها مع أمي بسبب المشاكل التي سببها ذهابي عنده أو الجلوس معه أو حتى الكلام معه بشكل عام ذهبت هباءً؟ أخذني التفكير، ولم أشعر بنفسي – لا أعلم كيف – إلا عند الصفحة 115 في الكتاب، والتي تقول: لاستحضار الخادم "اشميعاغل"، عليك بخلوةٍ تامة خالصة للخادم، صُم ثلاثة أيام ما قبل القمرية، وهي الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة ، وفي النصف الأول من الخامسة عشرة، أشعل ثلاثة شموع وثلاث أوراق زعفران ، ونادِ اسمه مائة مرة بخشوعٍ وتضرع، وسيحضر لك. صدمتُ مما أفعله.. ما هذا؟! هل انتهى الأمر بدخولي هذا العالم؟ هل انتهت القصة بلعنتي؟ قطع تفكيري رنين هاتفي، نظرت إليه فوجدت صابر هو المتصل. فتحت الخط، كدت أن أتكلم، لولا أنه قاطعني قائلًا وهو يمزح: – أين كنت كل تلك المدة يا أستاذ؟ مسحتُ عرقي براحة يدي وقلت: – كنت مشغولًا قليلًا يا صابر، وجدي توفّى أيضًا.. خير؟ – توفّى؟! ولم تخبرنا؟ – آسف، كنت في حالة يُرثى لها. – لا عليك، البقاء لله وحده. – جزاك الله خيرًا.. قل لي، هل هناك خطب ما؟ – كنت أطمئن عليك فقط، ليس إلا . – شكرًا يا صابر، ولكني أشعر بأن هناك شيئًا آخر. – نحن... كنا سنتفق على ميعاد للتخييم، ولكني وجدت أن الوقت غير مناسب. – لا لا، سآتي. مرت الأربعين الخاصة بجدي، وعزلتي قد تجعل الوضع يسوء أكثر، سآتي معك. أنت وعادل، أليس كذلك؟ – نعم.. خذ إجازتك وتعال. – حسنًا. وأغلقت الخط.
📜 الفصل الخامس 📜
(في حضرة شيطان) كان يجمعنا ثلاثتنا شغف لا حدود له بالمغامرات والتخييم، لم يكن الأمر مجرد هواية بالنسبة لنا، بل كان أسلوب حياة، طريقتنا في الهروب من صخب المدينة ورتابة الأيام. نجد في البرية حرية لا يمنحها لنا أي مكان آخر، وفي ليالي التخييم تحت السماء المفتوحة شعور لا يُضاهى من الصفاء والراحة. نهضت، تجرّعت الكأس الخاص بي، وجلست على سريري أتصفح، كان بجانبي كراسٍ أكتب فيه القضايا، اعتدت مذاكرتها فيه، لكني وجدت شيئًا غريبًا.. سمعت صوت كتابة بقلم أحمر اللون، لكنه لم يكن ظاهرًا سوى الحبر والكلمات فقط، التي كانت: أنت الآن في حماية الحارث، وجميعنا بيننا وبينه عهد أبدي. عليك بالصوم ثلاثة أيام بلا تجاوز، اللحوم محرّمة، والمياه وحدها مسموح بها. من خالف فقد خان العهد، وسيلقى جزاء فعله على نحو لا يُنسى. تسارعت نبضات قلبي وقلت مجددًا إنني أهذي من الخمر. تبًا له، ولي، ولهذه اللعنة التي أقحمت نفسي بها! قطّعت الورقة مئة قطعة، استدرت وأغلقت هاتفي، تمدّدت على السرير، أغمضت عينيّ وأنا أسمع أنفاسي تتباطأ… لا أذكر سوى دفء الوسادة. وعندما فتحتُ عيني من جديد، كنت في مقعد السيارة، والشمس تداعب زجاجها، والطريق يمتد أمامي. كنت مع صابر، شاب بدأ يعاني من الصلع الوراثي وله لحية مرتّبة، قال لي: – هل أنت بخير؟ قلت: نعم، هيا بنا. وانطلقنا في الطريق حتى وصلنا إلى محطة لتعبئة البنزين، اتجه صابر إلى إحدى ثلاجات العصير وابتاع لنفسه واحدة ولي واحدة، أعطاني العلبة وقال: – هاا. فكرت في نفسي، خفت أن أُخلِف العهد، وماذا سيحدث لي؟ قلت بتردد: – لا لا… أنا مريض، والطبيب قال إن عليّ أن أصوم ثلاثة أيام. – مريض؟! ما بك؟ – لا شيء، لا تشغل رأسك بأمور تافهة، هيا بنا. كاد أن يتحدث مجددًا، فقمت بإلهائه كي لا يفتح الموضوع مرة أخرى. وما هي إلا لحظات وكنا جالسين في مقهى قديم نتسامر عن رحلتنا ومغامرتنا الجديدة. قال صابر: – اسمعوني جيدًا، هذه المرة يجب أن نجهّز ولا ننسى أي شيء. أنا لا أريد أن يحدث مثل المرة السابقة عندما نسينا الولّاعة وظللنا نصدم الحجر ببعضه كإنسان الكهف. ضحك عادل وهو يعبث بشعره الطويل نسبيا وقال: – يا أخي، برغم ذلك كانت تجربة ممتعة، شعرنا بروح المغامرة. قلت بتهكم: – روح مغامرة؟ نحن كنا سنتجمد من البرد، والطعام معظمه فسد. هذه المرة يجب أن نجهّز بكل شيء ولكل الاحتمالات: أكل، خيم، أدوات، وحتى الإسعافات الأولية. عادل: فليكن.. الجمعة القادمة وقت مناسب؟ قلت: نعم، مناسب جدًا لي. وأنت يا صابر؟ صابر: نعم، مناسب. عادل: جيد، لنتفق على من منا سيجلب الأشياء. أنا عن نفسي سآتي بالسيارة والخيم. قلت: وأنا سآتي بجميع الأدوات وكذلك الطعام المعلّب. صابر: وأنا سأجلب نصف خروف كي نشويه على الفحم. عادل بحماس وهو يبتلع ريقه: هذا هو الكلام المفرح، أنا أعشق اللحم الضأن المشوي. صابر: أعتقد جميعنا. عادل: نعم، بالفعل. صابر: هل ما زلت مريضًا يا إيهاب؟ تحاشيت النظر إليه وقلت: لا، أنا بخير. عادل: هل كنت مريضًا؟ صابر: نعم، كان مريضًا ولم يخبرنا. بالصدفة كنت معه ودخلت لجلب عصير، فأعطيته فرفض، وقال لي إنه صائم ثلاثة أيام لأن الطبيب أخبره بذلك. عادل بقلق: وما المرض الذي تعاني منه؟ صمتُّ قليلًا، كنت أبحث عن أي شيء أقوله ثم قلت: – التهاب في الجهاز الهضمي. قال عادل: حفظك الله من كل سوء. تنفست الصعداء لأنهم صمتوا عن هذا الهراء. وفي يوم الجمعة، وعند غروب الشمس، انطلقنا إلى المكان المنشود. كان عادل يقود السيارة وكنت أنا بجانبه، وصابر في المقعد الخلفي. بعد دخولنا الصحراء بقليل سمعنا صوتًا غريبًا. قال صابر بتشكّك: – أتسمعون ما أسمعه؟ قلقت وقلت: – هل أنت أيضًا سمعت؟ ظننت أنها هلاوس. عادل ببرود: – لا، ليست هلاوس. أنا أيضًا سمعت الصوت، وكأن أحدًا ينادي بصراخ ويقول: «صااااابر… صااااابر!» قلت: – لا، يقول: «صااااادق… صاااادق.» صابر والعرق ينساب على وجنتيه: – أياً كان، فهو أفضل من اسمي! فكر فيها، صحراء مظلمة بمساحة شاسعة، وتسمع فيها من ينادي باسمك! قلت وأنا أمازحه: – من الممكن أن يكون جِنًّا. عادل: – يا أخي، لا تخِفه، فهو كالأطفال يخاف بسرعة. صابر بتهكم: – أنا لا أخاف. ضحك عادل وقال: – نعم، ويشهد على ذلك الصرصور الطائر الذي دخل المقهى، وركضت وأنت تصرخ كالنساء! ضحكت وقلت: – حقًا؟ عادل: نعم. صابر: إنهم مقززون ومخيفون، كائن أسود له جناحان ويَزِنّ بصوت مخيف: زززن… زززز… يااه، لقد اقشعرّ بدني! قلت: هذا واضح بأنك لا تخاف. وضحكنا سويًّا. وأنا جالس في السيارة سمعت همسًا في أذني يقول: تجهّز لما هو قادم. نظرت بجانبي وقلت لصابر: – ماذا قلت؟ صابر: لم أقل شيئًا. سمعت الهمس مرة أخرى يقول: ضرغام ليس ببشري… ضرغام ليس ببشري. أغمضت عيني كي لا أُظهر توتّري. ما هذا؟! شعر صابر أن هناك خطبًا ما، فقال: – ما بك؟ قلت: قلت لا شيء يا صابر. بعدها بقليل – ولحسن الحظ لأنه قام بإلهائي – قال صابر لي بتوتر: – مريم قامت بمكالمتي مرة أخرى. بمجرد سماع اسم مريم تبدّلت ملامحي تمامًا، عبس وجهي وصمت، ثم قلت بعد صمت ببرود: – وماذا قالت؟ صابر: قالت إنها تعتذر لك ونادمة على ما فعلته. قلت بابتسامة ساخرة: – تعتذر؟! أووه، تعتذر! إنها تشعرني بأنها وضعت لون المانيكير الذي لا أحبه! قال عادل بهدوء: – لا تُكبّر المواضيع يا إيهاب، خطأ وقد مرّ. صرخت في وجهه وقلت بغضب: – أنت أيضًا ترى أن الموضوع تافه؟ إنها تعايرني بمهنتي ومرتبي الشهري، ودائمًا تقارنني بخطيب هذه وخطيب تلك، وآخرتها عند اعتراضي تتركني وترحل وتقوم بعمل بلوك لي على جميع وسائل التواصل الاجتماعي والهاتف! وترفضني هي وأهلها، وتقول إن الموضوع عادي! قال صابر بحزن: – لكنها اعتذرت أكثر من مرة يا إيهاب، لا تكن أسود القلب. صمتُّ قليلًا ثم قلت: – ألم أقل لك لا تفتح معها أي موضوع يخصني؟ هااه؟ صابر: نعم، ولكن أنت تعلم جيدًا أننا منذ صغرنا ونحن في نفس التربية حتى كبرنا ونضجنا جميعًا، وعندما أرى أخي غاضبًا من أختي، واجب عليّ أن أصلح بينهما. أحمر وجهي وزفرت قائلًا: – أنا لم أطلب منك التدخّل. صابر بصوت عالٍ: – لكنها طلبت! هي ليست… قاطَعَنا عادل بصوت عالٍ هو الآخر وقال: – يعجبكم هذا؟ أصمتوا! أصمتوا! لقد تعطلت السيارة! كان الليل قد أرخى سدوله، والبرد في الصحراء كان قاسيًا، الهواء يعبث بالرمال محدثًا أصواتًا تشبه الهمسات. خبطت تابلوه السيارة بقبضتي في غضب وقلت: – تبًا! صابر: هذا ليس وقته أبدًا. عادل: هيا لننزل كي نرى ما الخطب. فتحنا أبواب السيارة ونزلنا منها، أخرج كل منّا هاتفه وقام بتشغيل الفلاش، فتح عادل غطاء المحرك ليرى ما سبب المشكلة. – هااا.. ماذا حدث؟ عادل: لا أرى سببًا يجعلها تتعطل هكذا، خصوصًا أنه لا توجد رائحة دخان حتى. صابر: انظر إلى السيور. عادل: إذا حدث احتكاك في السيور فسنشم رائحة دخان، وهذا لم يحدث. صابر: وما العمل؟ عادل: لا أعلم، سوف... قاطعه صوت رجل مبحوح قادم من خلفنا يقول: – أتحتاجون مساعدة؟ تسمّر كل منّا من الخوف، ثقل الهواء من حولنا، استجمعت شجاعتي وقلت: – من هناك؟ اقترب الرجل فظهرت هيئته، مرتديًا جلبابًا فضفاضًا بنيًّا متّسخًا، أسود الوجه، وبدون لحية أو شعر، حتى شعر الحاجبين غير موجود. أعور العين، والعين الأخرى ذات حدقة سوداء متّسعة وكأنها تبتلع الضوء، ممسكًا مصباحًا قديمًا. قال الرجل: – أنا أشمون، عابر سبيل. قال عادل بتشكك: – كيف عابر سبيل؟ هل تتمشى في الصحراء هكذا؟ ابتسم، لكن ابتسامة تخلو من الحياة، تلك الابتسامة التي هي مجرد اتساع للفم فقط، أما باقي ملامحه فثابتة كقناع، وقال: – لا بالطبع، أنا أرعى غنمي في وادٍ قريب من هنا، وأمرّ مسيرة نصف ساعة في تلك الصحراء لأذهب إلى الوادي الآخر الذي أقطن فيه. لم ينبس أحدنا ببنت شفة، ولم نعلّق على تلك الحجة غير المنطقية. قال الرجل ليكسر الصمت: – ما الخطب؟ هل السيارة تعطلت؟ قلت وأنا أحاول التصرف بشكل طبيعي: – نعم، بحثت عن العلة ولم أجدها. استدرت والرجل كي يرى المشكلة، انحنى الرجل ونظر بداخل السيارة وقال بنفس الابتسامة: – المشكلة في كابل البطارية، خرج من مكانه. ضربت جبيني براحة يدي وقلت: – صحيح، لم أنظر لها، شكرًا لك، ألف شكر لك. قال الرجل بهدوء: – العفو، بالمناسبة، هل لي أن أعلم أين أنتم ذاهبون؟ – ذاهبون للتخييم في عمق الصحراء، ونبحث عن مكان مناسب. الرجل: حسنًا، رافقتكم السلامة. ونصيحة مني، إن وجدتم قصرًا أسود مهيبًا في طريقكم، إياكم أن تدخلوه مهما حدث. – لماذا؟ الرجل: لا تسأل، فقط لا تدخلوه، وستكون أنت المتسبب في ما سيحدث. ثم لكزني بإصبعه في صدري قائلًا: – أنت تحديدًا. كان إصبعه باردًا وكأنه قطعة ثلج. توترت وقلت: – حسنًا، شكرًا جزيلًا. واستدرت أنا وهو لنواجه عادل وصابر اللذين كانا مرعوبين، جاحظتي الأعين، يتصبّبان عرقًا. صافحني الرجل وعاد لسبيله، أما أنا فقلت بغضب: – ألن تكفّوا عن حركات الأطفال هذه؟ الموضوع ليس بهذا الرعب. نعم، ظهر من العدم، وحجته غير مقنعة، وابتسامته مخيفة، وكذلك يده باردة بشكل غير طبيعي، وأظن هذا لأننا في الصحراء. لا تأخذوا الموضوع على أعصابكم، الرجل ساعدنا ونصحنا ورحل. عادل كان لا يزال صامتًا، يتنفس بصعوبة. قلت بقلق: ما الخطب؟ نظر عادل إلى صابر وكأنه ينتظر منه أن يتكلم، لكن صابر كان شاحبًا، فمه يرتجف دون أن يخرج منه صوت. قلت بنفاد صبر: هل ابتلعتم ألسنتكم؟! عادل أخيرًا ابتلع ريقه، وتكلم بصوت مبحوح: – الموضوع ليس كما تظن… بدأ التوتر يتسلل إلى قلبي، وقلت: – وما الموضوع؟ صابر كان يرتجف، لكنه نطق أخيرًا: – دعنا نذهب من هنا… أرجوك. قلت وأنا أحدق فيهما بغضب ممزوج بالخوف: – ما الذي رأيته يا عادل؟! صمت عادل، ثم قال بصوت خافت: – كنت ألعب بالمفتاح بين أصابعي بينما أنت تتحدث مع الرجل، من باب التسلية… فسقط مني على الأرض، فانحنيت لالتقاطه… توقف عن الحديث، عيناه كانتا زائغتين. قلت بهدوء: ثم ماذا؟ عادل رفع بصره إليّ، وهمس بصوت بالكاد يُسمع: – ورأيت قدميه. قلت وانا أنظر حولي : وماذا بها؟ نظر عادل إلى صابر، الذي أكمل بصوت مرتجف: – كانت عبارة عن حافرٍ مشقوقٍ من المنتصف، ومغطى من الأعلى بشعرٍ أسود كثيف… كانت قدم ماعز! خفق قلبي بقوة، وقلت بصوت منخفض: – ماذا؟ عادل، وهو يمسح العرق عن جبينه: – كما قلت لك… كانت قدما ماعز. شعرت بجسدي يبرد، وكأن الدماء توقفت عن الجريان في عروقي. قلت بصوت مخنوق: – هل… هل أنتما متأكدان؟ نظر إليّ عادل وصابر بالنظرة المذعورة نفسها، لم يكن هناك مجال للشك. قالا في نفس اللحظة: – نعم. قال صابر: – حينها لكزني عادل وأشار لي على قدمه كي أتأكد، وبالفعل أنا أيضًا رأيته. – هذا يعني أني كنت أتحدث مع جني؟!! ما خطب هذه الصحراء؟! بمجرد دخولنا سمعنا ذلك الصوت الغريب، وقابلنا ذلك الرجل الغريب… ماذا يحدث؟! صابر: أرجوك، أغلق الموضوع تمامًا… حمدًا لله أنه ذهب. قلت بشرود: الحمد لله. حالة من الصمت انتابتنا من قمة الرأس إلى النخاع حتى وصلنا المكان المنشود. لا نعلم سبب مواصلتنا وإصرارنا على التخييم برغم ما حدث. هل هو قدر؟ أم مجرد رغبة قوية؟ اخترنا مكانًا مرتفعًا قليلًا عن باقي الصحراء، بعيدًا عن الحشرات والكائنات التي قد تؤذينا. أخرجت الأدوات من السيارة وأنا أفكر في الهمس الذي كان في أذني، وما قاله لي الغريب. يتردد في عقلي، وترفضه شخصية المحقق التي بداخلي… هلاوس. أرى أن الخمر سيفقدني عقلي عاجلًا غير آجل. ثم أخرجت زجاجة دواء، أفرغتها من الدواء مسبقًا ووضعت مكانه نبيذًا، رشفت نصفها وأغلقتها لأعيدها في جيبي مرة أخرى، في تناقض مريب. قال عادل: ما هذا؟ – دوائي. – حسنًا، شفاك الله وعافاك. قام صابر بنصب الخيم؛ ثلاث خيم صغيرة تكفي لفرد واحد، كانت متجاورة، وبداخلها فرش ناعم للدفء. كانت من النوع سريع التحضير لا يحتاج مجهودًا كبيرًا. بعد إتمام صابر مهمته، جمع عادل بعض الأغصان الجافة من حولنا ووضعها على شكل دائرة بداخلها كومة من القش. جلسنا ثلاثتنا بجانبها، وأمسك عادل حجرين وبدأ في صدمهما معًا كي تطلقا شرارة. ضحكت وقلت: يا أخي، أتركنا وشأننا. قال عادل: لماذا؟ قال صابر وهو يبتسم: ألم تتعظ منذ آخر مرة؟ عادل: وهذا سبب إصراري… يجب أن أتعلم إشعال النار بطريقة صحيحة. قلت ممازحًا: الحرارة منخفضة يا عادل، سنتجمد… أرجوك. وفجأة دفع صابر عادل، وأخرج قداحته بسرعة وأشعل الأغصان. قال عادل بتهكم وهو ينفض ملابسه: كنت أريد إشعالها. صابر وهو يضحك: أشعر بأني مع ابن أختي. ثم أردف: هيا يا إيهاب، أعدّ لنا إبريق شاي، فأنا أتوق له من يدك. أخرج عادل إبريقًا معدنيًا وبدأ يعد الشاي عنادًا في صابر، في حين أني أخرجت نصف الخروف الذي كان يقطر دمًا، يدل على أنه طازج، وكيسًا بلاستيكيًا كبيرًا فرشته على الأرض وبدأت في تتبيله جيدًا. أخرجت من السيارة الشواية المعدنية التي توضع فوق الفحم، ووضعت نصف الخروف فوقها وقلت: والآن متبقٍ فقط الشاي، وسوف نضع المرحوم على الفحم. تحلقنا حول النار، خلعت القميص الخاص بي لأرتدي معطفي، لكني لاحظت شيئًا غريبًا… مكان لكزة الرجل الغريب، نقش النجمة! ارتديت المعطف سريعًا كي لا يلاحظه أحد، وجلست دون أن أفهم شيئًا. ما هذا؟! سمعت رنين الهاتف، فوجدت أحد زملاء العمل، هناك قضية أخرى أو توصلوا لحل إحدى القضايا. أغلقت الهاتف وجلست كي لا أرهق دماغي أكثر. كان كل منّا متشبثًا بغطائه، وكأن البرد يزحف ليقتنصنا رغم وهج اللهب، والنار تكافح الظلام، تقضم الأغصان الجافة فتُصدر طقطقة متتابعة. امتزجت رائحة الخشب المحترق بالرطوبة لتخلق مزيجًا يبعث على الراحة… أو الترقب. وفي تلك الأجواء العاطفية قلت بحماس: جاءتني فكرة لولبية تناسب تلك الأجواء. صابر: قلها يا معجزة البشرية. كاد أن يتكلم، فقاطعه عادل قائلًا: وإياك أن يكون ما يدور في رأسي. أومأت برأسي ببطء وسخرية وقلت: نعم، هو ما في رأسك… كل منا يقول قصة مرعبة. بدأ عادل في التعرق ونظر حوله وقال: يا أخي، هل ترى هذا الوقت مناسبًا؟! – بالفعل هو مناسب. عادل وهو يهمس وينظر حوله: وما حدث ونحن في طريقنا إلى هنا ماذا تسميه؟ – وهذا ما يعطي لذة لهذه القصص، هيا يا شباب، لا تكونوا جبناء. صابر وقد بدا عليه الاقتناع: أنا من سيبدأ. ابتسمت وقلت: حسنًا. قال عادل في تهكم وهو يشير إليّ: أنت لن تهدأ حتى نُصاب بالمس جميعنا. ثم يا أخي، نحن منذ طفولتنا معًا ولا نخفي أي شيء عن بعضنا! ضحكوا جميعًا فقلت: لا تقلق، وبالنسبة لأننا نحكي كل شيء، فهذا فعلًا يحدث، ولكن أكيد هناك بعض القصص التي لا نعلمها. ساد الصمت للحظات، ثم نهضت، ورفعت الضأن عن الجمر، ووضعته على قطعة من ورق الألومنيوم. جلسنا نأكله بالخبز ونتبادل الضحكات. وبعدها انتهينا، وكلٌّ منا سرد قصته الغريبة. قام صابر بتنظيف المكان، وعادل أخمد النار بالرمال، أما أنا فأخذت بقايا الطعام والعظام وذهبت لدفنها بعيدًا قليلًا عن مكان التخييم، كي لا تجذب الحيوانات أو شيئًا آخر. انتهينا من مهامنا، دلف كلٌّ منا إلى خيمته وأغلقها جيدًا كي ننعم بنوم هادئ. لم أنعم بالنوم في بداية الأمر، التفكير في النقش، مع نفس الهمسات تقول في أذني: > لا تقلق… ضرغام ليس بشريًا، ولكن لا تقلق. أردت أن أسد أذني، ولكن كيف أسدها والهمسات في عقلي؟ كيف أخمد عقلي؟ تبًا، رعب وإزعاج في الوقت نفسه. بقيت على هذا الحال، أمسك رأسي ولا أستطيع النوم، حتى أخرجت زجاجة الدواء (التي بها مشروبي المفضل) وشربتها على رشفة واحدة. قامت بتخديري… وغرقت في النوم. في اليوم التالي استيقظت، نظرت بجانبي لأبحث عن هاتفي، لم أجده. ظننت أن صابر أو عادل قد أخذه، ولكن عندما خرجت من خيمتي، تسارعت نبضات قلبي، لم أجد السيارة، وكان عادل وصابر جالسين على ركبتيهما. عادل وهو يصرخ: أين السيارة؟! أَيْن السيارة؟!!! قلت بهدوء خلف رعب: أظن أننا سُرقنا… هناك من تربص لنا وسرقنا. صابر بتوتر: ولكن… ولكن كيف؟ وماذا سنفعل؟ – ماذا تقصد؟ عادل بصوت عالٍ: هل أنت غبي أم لا تشعر؟! المؤن نفدت، لا نملك طعامًا ولا ماء، وأنت بكل برود تقول: ماذا تقصد؟! صابر: اهدأ يا عادل. عادل بنفس الصوت العالي: هاا، أنا هادئ! أروني ماذا ستفعلون! قلت بغضب: لماذا تشعرني بأني أنا من سرق الهواتف والسيارة؟! ما ذنبي؟ وإذا كانت طريقتك في الكلام هذه بسبب فقدك لسيارتك، فلا تحمل همًّا، معي من يشتري عشرة أمثالها. عادل بتهكم: أنت تعلم أن السبب ليس السيارة. – عادل، دعك من الغضب الآن، ودعنا نفكر ماذا سنفعل. ثم أردف وهو ينظر إلى صابر: كم عدد المؤن الموجودة؟ صابر: تقريبًا نفدت، متبقٍّ زجاجتان من المياه وعلبتان ماكريل. – لن تكفينا… علينا إيجاد حل، سنمشي حتى نجد وسيلة مساعدة. عادل بعصبية: على جثتي! لن نمشي عُميانًا هكذا، يجب أن نعرف إلى أين سنذهب. قلت وأنا ألوّح بيدي باستهزاء: وهل ترى حلًا آخر؟! عادل: لا! – حسنًا، لتقل شيئًا مفيدًا أو اصمت. عادل: وأنا لن أتحرك من هنا! – حسنًا، سنأخذ برأي الأغلبية. هل ترى وجهة نظري صحيحة أم وجهة نظر عادل يا صابر؟ صابر وهو ينظر إليّ: أرى أن وجهة نظرك أنت هي الصحيحة. ثم أردف وهو يحادث عادل: كيف تريدنا أن نجلس هكذا؟ وإلى متى؟ إلى أن نهلك؟ صمت عادل، فقلت: حسنًا… الصمت علامة الرضا. هيا أحزموا حقائبكم، لحسن الحظ أن السارق لم يسرقها هي الأخرى. وبدأنا في جمع أشيائنا المهمة، ثم سرنا مسيرة يومين متواصلين تحت شمسٍ لا ترحم. كانت الرمال تمتد بلا نهاية، تبتلع آثار خطواتنا كأنها ترفض الاعتراف بمرورنا. شفاهُنا تشققت من الجفاف، وعضلاتنا واهنة. حاولنا الترشيد في الماء والطعام، لكنهما نفذا تمامًا. كنا نتوقف للاستراحة بين الحين والآخر، لكن حرارة الأرض كانت تخترق ملابسنا، تجعل النوم مستحيلًا. وفي الليل لم نستطع النوم في العراء. تهادى عادل فوق الرمال، يلهث وهو يمسح العرق عن جبينه، ثم قال بصوت مبحوح: – إلى متى؟ يبدو أننا نتوغل في الصحراء بدلًا من الخروج منها. رد صابر بصوت خافت، وكأنه يجاهد لإخراج الكلمات من بين شفتيه المتشققتين: – أشعر أننا اقتربنا. رفع بصره إلى الأفق، حيث تراقص السراب في الهواء كأن الصحراء نفسها تخدعهم، تمنحهم أملًا زائفًا. وأكملنا الطريق في صمت حتى بدأ يظهر أمامنا قصرٌ أسود مهيب في الأفق… وقرية خالية من البشر، مليئة بآثار الهجرة والقدم. ركض صابر وعادل نحوه بآخر ذرات الطاقة الموجودة بداخلهما. سمعت صوتًا يحدثني ويقول: > لا تقترب… ضرغام في الداخل… لا تقترب! فصرخت وقلت محذرًا بصوت عالٍ متقطع: – هل… نسيتم… ما قاله… الرجل الغريب؟ لا تقتربوا، فنحن لا نعلم ما بداخله! قال صابر متهكمًا: – مهما يحدث، فهو لن يكون أسوأ مما نحن فيه، قد نجد من يمد لنا يد العون. وقبل أن أُكمل حديثي، دخل صديقاي إلى القصر من بوابته الكبيرة التي أصدرت صريرًا صدئًا. ومن عادتي أني لن أتركهم حتى لو دخلوا جهنم سأدخل معهم… وبالفعل، دخلت. بمجرد دخولنا، سمعنا صوت تصفيق فأُضيئت جميع مصابيح القصر. كان يجلس شخص غريب الهيئة على عرشه. شعره طويل ولحيته طويلة على شكل ضفائر، طويل القامة، حوالي مترين، لونه شاحب، عريض المنكبين، ويبدو أنه مليء بالعضلات. وكان يمتلك أسنانًا تبدو كأنياب، بمعنى أن جميع أسنانه تظهر كأنياب فقط، تبدو كلها حادة ومدببة. وعيناه كانتا بيضاء بالكامل فيما عدا نقطة صغيرة سوداء في بؤبؤ العين، ومرتديًا بالطو طويل أسود. اعتقدنا حينها أن ما نراه مجرد هلاوس… أو أنه فعلاً غريب الهيئة. وعيناه؟ هل هي طفرة ما؟ دعك من عينيه… أسنانه؟! ولكننا أصررنا على وقوفنا ولم نرحل. وأنا تحديدًا، علمت بأنه ليس إنسيًّا بالفعل… إذًا الهمسات حقيقية! نزل الشخص من العرش ووقف أمامنا بجسده الفارع وقال وهو يضحك: – أهلًا بكم في قصر ضرغام! خفق قلبي بمجرد ذكر اسمه. قلت بهدوء وإرهاق: – شكرًا… هل تستطيع مساعدتنا؟ قال ضرغام: – بالفعل… بالفعل يا أصدقائي، أنتم في ضيافتي اليوم. شكرناه بامتنان، فأردف: – تفضلوا إلى ركن الاستقبال، ودقائق وسيكون الطعام أمامكم. قلت بوهن: – لا نعلم كيف نعبر لك عن امتناننا… ألف شكر، شكرًا جزيلًا… وآسف، لو أمكن نريد ماءً، فنحن كنا على وشك الدخول في مرحلة جفاف. قال ضرغام وهو يبتسم: – عفوًا، هذا واجبي، أنتم ضيوفي، والمياه ثوانٍ وسيجلبها لكم الخادم. وأشار لنا بالدخول إلى ركن الاستقبال وقال إنه سيأتي بعد دقائق، وذهب إلى الطابق العلوي. أما نحن فدخلنا الغرفة… غرفة عملاقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى! في وسطها امتدت طاولة طويلة تكاد تلامس أطراف الغرفة، تحيط بها صفوف من الكراسي المتنوعة في درجات اللون البني؛ بعضها كان داكنًا، وبعضها الآخر فاتحًا، بينما ظهر القليل منها بلونٍ بني باهت ممزوج بمسحة وردية غريبة. بمجرد جلوسنا، شعرنا براحة كبيرة بسبب نعومة الجلد الذي يكسوها ومرونته اللافتة، مما دلّ على أنه مصنوع من خامة نادرة وفاخرة. أما الطاولة فكانت رمادية اللون، سطحها أملس ببرودة واضحة تعكس وهج القناديل المتدلية من السقف. باختصار، القصر أعطانا طابعًا عريقًا وأثريًا، كأنه جزء من تاريخ غامض لم يُكشف عنه بعد. شعرنا براحة شديدة لأن الأجواء كانت باردة رغم وجودنا في تلك الصحراء القاحلة. شعرنا كأننا في مكانٍ مُكيّف، أو هذا ما ظنناه… لم أكن أعلم أن الكيانات الأخرى تبعث تغيرًا في الأجواء. جلب الخادم – وكانت بشرته سوداء – قدحًا كبيرًا من المياه. شربناه بنهمٍ شديد، ففهم الخادم أنه يجب أن يجلب المزيد، وبالفعل جلب المزيد ورحل. شربنا مرة أخرى حتى ارتوينا تمامًا. بعد ارتوائنا وكأن عقولنا بدأت تعمل، تحدثنا سويًا بهمس. صابر بقلق: – أنا لست مطمئنًا. قلت بهدوء وملامح جامدة: – وأنا أيضًا. عادل بتشكك: – لماذا؟ الرجل خلوق وطيب، وضيافته الحسنة لنا رغم أنه لا يعرفنا. صابر بتوتر: – وهذا في حد ذاته ما يقلقني. أيعقل أن أناسًا لا تعرفهم ولا يعرفونك يضيفونك بهذا الشكل؟! – ودعك من هذا، ألم ترَ هيئته؟ عادل: ما بها؟ – قامته الفارعة وجسده الضخم، وعيناه وأسنانه ولون جلده و… قاطعه عادل وقال: شششش… هل تعيب خلق الله؟ هو مخلوق هكذا، ليس لنا دخل. صابر وقد بدأ صوته يعلو بسبب عصبيته: هل تريد أن تجلطني يا عادل؟ نقول لك إنه… فجأة لكزته في فخذه، فنظر أمامه ورأى ضرغام آتيًا من بعيد. صمتنا وابتسمنا. أتى الخادم ومعه المساعدون ووضعوا أصناف الطعام أمامنا. ضرغام: هيا لا تحرجوني… تناولوا طعامكم. جلس ضرغام معنا، وبدأنا في تناول الطعام. لاحظ عادل أن ضرغام لا يأكل معنا، لكنه تجاهل ما شعر به. كانت أصناف الطعام عديدة؛ منها طبق مستدير به معجون كريمي ناعم جدًا ويذوب في الفم ودُهني، كان طعمه قريبًا من نخاع العظام. أما الطبق الآخر فكان به لحم غزلان حلو المذاق قليلًا، لكن نكهته كانت ضعيفة. وكان هناك أيضًا طبق به كبد يجتمع فيه طعم سكرٍ خفيف مع مرارة، ولكنهم رأوا طبقًا غريبًا؛ جلد دجاجٍ مشويٍّ مقرمش لكنه ناعم جدًا. تعجبنا من سبب وجود جلد دجاج. وفي طبق آخر دبابيس دجاج، لكنها غريبة الشكل ذات لحمٍ أحمر وليس أبيض… نوع غريب من الطيور. وعندما قضم عادل منها، شعر بشيء صلب تحت أسنانه، لكنه بصقه. جميعنا كنا متعجبين، لكننا تناولنا طعامنا في صمت. قال ضرغام: – أعجبكم الطعام؟ عادل: نعم، لذيذ جدًا. ضرغام: بالهناء والشفاء. صابر: شكرًا. جاء الخُدام وأزالوا الأطباق الفارغة. قلت بتشكك: – آسف على وقاحة السؤال، ولكن ماذا تريد منا؟ ضحك ضرغام وقال وهو يهز كتفه: – لا شيء. – ولكن ما سبب ضيافتك العجيبة هذه؟ نهض ضرغام من الكرسي الذي كان يجلس عليه وقال وهو يميل رأسه: – ألم يعجبك الطعام؟ الجو غير مريح؟ قلت بوجنتين محمرتين غضبًا: – هذه ليست إجابة سؤالي. ضحك ضرغام بقوة، أصدر صدى في القصر، وقال: – أتعرف ما الجميل في البشر؟ حين تضعهم في موقف غامض، يبدأون بنسج أسوأ السيناريوهات داخل عقولهم، لدرجة أنكم تكرهون بعضكم البعض وتأكلون بعضكم بدافع الشك فقط. عادل مشدوهاً: – البشــر؟! ماذا تقصد؟ تجاهل ضرغام كلام عادل وقال وهو ينظر إليّ: – لكن السؤال ليس لماذا أستضيفكم، بل لماذا جُلبتم يا إيهاب… ويا صابر… ويا عادل؟ عادل برعب شديد: – كيف علمت أسماءنا؟ تجاهل ضرغام السؤال وقال: – هل عندما تجلب أرانب كي تصطادها أفضل، أم تأتي مذبوحة جاهزة؟ لم نرد عليه، فتحولت عيناه للسواد التام وكأنها خالية، وقال بغضب: – ردوا عليّ!
📜 الفصل السادس 📜
ارتجفنا جميعًا، ولكني أظهرت لامبالاة وقلت: – الصيد. أشار ضرغام إليّ وهو يقول بضحكة: – بالضبط! ثم أردف بجدية وهو يبتلع ريقه في نشوة: – وهذا سبب مجيئكم. صُدمنا جميعًا، وكاد صابر أن يقرأ قرآنًا، فقال ضرغام: – قبل أي شيء، إياك ذكر أي شيء هنا… أي ذكر، وإلا لن تسعد بما سيحدث. صمتنا في رعب، بعينين جاحظتين، فأردف ضرغام: – أتعلمون شيئًا؟ جميع من قبلكم كانوا ظرفاء مثلكم، وها هم تجلسون على أجزاءٍ منهم. نظر صابر تحته، على جلد الكرسي، وهو يتعرق عرقًا غزيرًا، فقال ضرغام وهو يضحك بشدة ويومئ برأسه إيجابًا: – نعم… هذا جلد بشري! ثم أردف: – وشيء آخر، عندما قلت في السابق "تأكلون بعضكم بعضًا"، كنت أقولها حرفيًا! ضحك مرة أخرى وقال: – ذلك لحم الغزلان لم يكن سوى لحمٍ بشري، وأما عن ذلك المعجون الكريمي فليس إلا مخّ رجلٍ بالغ. وأما عن… قاطعه صابر وهو يتقيأ، فقال ضرغام: – ما بك يا صديقي؟ دعني أكمل، لا عليك. أما عن الكبد، فكبد بشري، وكذلك الجلد. ودبابيس الدجاج لم تكن دبابيس دجاج، بل كانت عبارة عن إبهامٍ مع جزءٍ من كف اليد، وأنت يا عادل قضمت نصف ظفر، ولكنك لم تلاحظ! و… تقيأ عادل هو الآخر، فأكمل ضرغام بغضب: – لا تقاطعوني! ثم أردف وهو يفتح ذراعيه بطريقة سينمائية كأنه يقدم نفسه: – أنا أكرمتكم، والآن دوركم. لا شيء مجاني، ولا أحد يخرج من هنا حيًا. قلت بهدوء: – وما الفائدة من كل ذلك؟ ضرغام بابتسامة: – الصيد… أنت قلتها يا إيهاب. قمة المتعة أن ترى فريستك مرعوبة، ودقات قلبها تكاد تفتك بصدرها. قلت بتحدٍّ وقد بدأت أتجرأ: وهل ترى في عيني الخوف؟ صمت ضرغام ثم قال: وهذا الغريب. ثم اقترب من إيهاب وطرق بإصبعه عند صدره وقال: نبضات قلبك ثابتة... لماذا لم تخف؟ أكلت لحمًا بشريًا للتو، وهيئتي تلك كيف لا تخيفك؟ نهضت وضحكت في سخرية. صُدم أصدقائي مني، وظنوا أني فقدت عقلي حتى قلت: وهل تعتقد أني لا أعلم أنك شيطان؟ قال ضرغام بدهشة: ولكن... ولكن كيف؟ قلت بصرامة: اسمع يا ضرغام، اتركنا وشأننا بحق الحارث، وإن لم تفعل ستكون قد كسرت العهد الذي بينك وبينهم. حدّق صابر وعادل به بأفواه مفتوحة. قال ضرغام: وما الذي أعلمك بالحارث من الأساس؟ ضحكت بسخرية وقلت: إرث ورثته من جدي، ثم إني أعلم كل شيء، ولكن صراحةً حركة اللحم البشري فاتتني، لم أكن أعلمها. قال ضرغام بغضب: لماذا تضحك ببلاهة هكذا؟! – أقلدك يا وغد... هيا، ما قولك؟ تتركنا أم تكسر العهد؟ وفجأة طقطق ضرغام إصبعه، فأُطفئت جميع الأنوار وتراخت أجسادنا الثلاثة! أفقت ووجدت صديقيّ بجانبي، أيقظتهما أنا، نظرت أمامي فوجدت السيارة والخيام كما هي، وكأنه لم يحدث شيء! نظر صابر إليّ وقال بدهشة: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ قال عادل بنفس التعبير: وكيف عدنا؟ وكيف عادت السيارة و... انتظر! ثم دخل خيمته فوجد هاتفه وقال: والهواتف عادت أيضًا! ماذا فعلت يا إيهاب؟ صمتّ، فقال صابر وقد بدأ صوته يعلو: هل كنت تعلم أن ضرغام ليس بشريًا؟!! وماذا فعلت؟ هل أنت ساحر؟ قلت بهدوء: لا، لم أكن أعلم قبل دخولي القصر، ولكن عندما دخلت علمت، ولذلك لم أترككم. قال صابر: وما الذي جعله يتركنا؟ – إرث ورثته من جدي، ولن أستطيع قول غير ذلك. هيا لنعِد الأشياء إلى السيارة كي نعود. وبالفعل، أعادوا أغراضهم وركبوا السيارة وعادوا إلى منازلهم سالمين، وبقي لغزي لغزًا كبيرًا جعل أصدقائي يخافون مني.
📜 الفصل السابع 📜
(عهد اللعنة) كنت أرتجف بداخلي، حتى قلبي كنت أشعر بأنه سيقفز من مكانه رغم أن ضرغام قال إنه ثابت. ولكن، هل انتهى الأمر عند ذلك القدر؟ مستحيل... إنها كانت مجرد بداية لما سيحدث. عند عودتي للمنزل لم يكن الأمر هادئًا كما توقعت، كان الوقت ليلًا. فتحت الباب، الظلام يغلف الغرفة. دخلت بخطوات هادئة كي لا أوقظ أمي. قمت بتشغيل نورٍ طفيف في غرفة المعيشة كي أرى جيدًا، استدرت لأرى أشلاء أمي على الأرض! بقيت واقفًا مدة، لا أستوعب ما حدث. بالفعل لم أُصدر أي تعبير، أحدّق فيها بعينين جاحظتين فقط. تركت المفاتيح لتسقط على الأرض، استدرت وبدأت بتكسير معظم أثاث الشقة. ضربت لوحًا زجاجيًا بقبضة يدي واحدة تلو الأخرى فتهشم، وجرحت جروحًا عديدة. وقفت لالتقاط أنفاسي: أمي... كيف حدث ذلك؟ قلت بصوت عالٍ وأنا أضرب التلفاز ليتهشم أرضًا: كيف حدث هذا!! وجلست أرضًا أنظر إليها، كانت مقطعة بالكامل، قطعة قطعة. سمعت صوت ضرغام الكريه يقول: – هذا ما سيحدث إن عصيت أمري، سأوقع معك عهدًا. لا تعتقد أني تركتك لأجل قبيلة بني سمارا أو الحارث، فهم في الأساس لا يحبونك، حتى جدك .. اقام في قصري وتركته .. ولكن هذا ليس السبب الرئيسي .. لقد تركتك لأني وجدت فيك... قاطعته صارخًا: ماذا تريد مني يا حقير!! ضحك بسخريته ثم قال بجدية مفاجئة: لا تعبث معي، دعني أكمل كلامي. وجدت فيك شخصًا يستطيع فعل ما أريد دون غباء. هل أنت معي؟ نهضت وقلت وأنا أواجه العدم بصراخ وعيون محمرّتين: وهل ترى وقتًا مناسبًا؟!!! ضحك... ثم طقطق أصابعه، فوقعت مغشيًا عليّ. ثم نهضت مرة أخرى بشهقة قوية وكأني كنت في كابوس. غرفة المعيشة كما هي، الزجاج متهشم ومليء بدمائي، وكُتب عليه: "ما سمعته حقيقي". نظرت أمامي، لكن أشلاء أمي غير موجودة! ركضت إلى الداخل أبحث عنها، فتحت باب غرفتها، ولكني وجدتها نائمة نومة هنيئة مغطاة بلحافها! كيف حدث؟ وكيف ما سمعته حقيقي؟ وعند صراخي، لماذا لم يسمعني أحد؟ هل بدأت أفقد عقلي؟ لم أعد أفرق بين الواقع والخيال، والهلاوس والحقيقة... مجرد أحداث مطموسة المعالم مشوشة لعقلي. تنفست الصعداء، ورفعت كأس Jack Daniel’s، مجرد كأسٍ فقط، عزمت على الإقلاع عنه، ولكن مجرد كأسٍ لن يؤذي. وافترشت سريري لأغرق في النوم. حلمت حلمًا غريبًا... اجتماع من ثلاثة قواد. دخلت القاعة بينهم، كان ضرغام واقفًا بقامته الفارعة، وبجانبه شيخ قبيلة بني سُمارا، شيخ هيئته بشرية أيضًا، لكنه يرتدي ما يشبه الجلباب الأسود الضخم، وله لحية كبيرة. وعلى الجانب الآخر ملك، تشعر أنه يلمع، ذهبي اللون، بدون مبالغة، وليس ذهبيًا بالمعنى الحرفي، ولكن رفاهته أعطتني هذا الانطباع، تاركًا لحيته السفلى وقد قام بعقصها على هيئة ذيل حصان. أمامهم كان جالسًا، رغم طغيان حضور ضرغام، إلا أن الكيان الذي كان واقفًا على حافة عرشه كان مختلفًا، متغطرسًا، رافعًا أنفه الحاد إلى السماء. لم ولن أستطيع وصفه... لصعوبة الأمر، وليس لشيء آخر. كان على عرشه الأسود الفخم مكتوب جملة عجيبة: > (أمير النور، يسلب النور، ويملك الأرض ومن فيها) وتحتها نُقشت جملة: (المجد للخالد المُخلّد) جلس الكيان الغريب على العرش. اتجه الثلاثة الواقفون يحملون تاجًا أحمر اللون مطعّمًا بلونٍ أسود، حملوه بوقار واقتربوا منه في خشوع. ابتسم الكيان، وضعوا التاج على رأسه، أغمض عينيه في نشوة، وكان الباقون ينظرون إليه في تضرع، ركعوا له. ثم رآني، نظر لي باحتقار: – اسجد! قلت له بقدمين مرتجفتين ولكن بنبرة قوية: – مستحيل. قال ضرغام بسخرية: – أووه... إنه شجاع. ثم نزل من التلة العالية قليلًا، واقترب مني، لمس بإبهامه صدري. ابتعدت فزعًا، فقال: – لا تخاف... هذا قلبك، يكاد أن ينخلع من مكانه، نبضاته توقظ الميت يا جبان... عكس ما كنت عليه في قصري. قلت له بنبرة مرتجفة: – ماذا تريد؟ ضرغام: – تقصد ماذا نريد؟ فلنبدأ بي... لقد تركت قريتي بسبب شخص غبي أحمق جعلني لا أريد الدخول إليها مرة أخرى، ولذلك أقمت قصري في تلك الصحراء التي وجدتني بها. ابتلع ريقه في نشوة وقال: – أريدك أن تجلب لي قربانًا... كل يوم. ثم أشار بيده في احترام وأردف: – وأن تقنعهم بعبادة إلههم الجديد... أمير النور. قلت: – مستحيل أيضًا. ضحكوا جميعًا وقالوا في اللحظة نفسها: – لن نتركك. قال ضرغام: – عند استيقاظك سترى عينة مما نستطيع فعله، مجرد قرصة أذن وتنبيه لما هو قادم. ثم مدّ يده، توغلت في قفصي الصدري بكل سهولة وكأنه صلصال، وأخرج قلبي، فنهضت مفزوعًا وأنا أصرخ. ****** نهضت بعينين مرهقتين... أُمم، حسنًا، أنت تعلم ماذا فعلت كي أفيق، لن أكرر قولي عنها وإلا ستكون دعاية بدلًا من الدعوة إلى النفور منها. ارتديت نظارتي السوداء لأخفي مظهر عيني، واتجهت إلى العمل. جالسًا في مكتبي أفكر في الحلم، جاء أحد المساعدين وقال: – سيدي، هناك جريمة قتل بشعة حدثت البارحة، وهم الآن في مسرح الجريمة ويريدونك كي تفحص الأمر. زفرت ونهضت، ركبت السيارة واتجهت إليهم، ذهبت إلى الضابط الذي معي في نفس الدورية، وذهبنا سويًا إلى هناك. حاولت أن أسأله مرارًا إلى أين نحن متجهون، وأسماء القتلى، وعنوانهم، وعددهم... لم يجبني. كيف أذهب دون معرفة أي شيء وكأني أعمى؟! وأثار انتباهي شيء آخر... إننا متجهون إلى بيت صابر! هل ما يدور في خلدي حقيقي؟ هل مقصد ضرغام هو هذا الشيء؟ هززت رأسي وأنا أقول في داخلي: لا، لا، لا، بالطبع لا، الجريمة ستكون في نفس الشارع فقط. ولكن ما جعلني أشك أكثر هو عدم إخطارهم لي بأي تفاصيل للجريمة من الأساس، برغم أنهم يخبرون أي محقق حتى لو كانت أمه! قمت بمباغتة الضابط بسؤالٍ سريع دون تفكير، وباغتني هو الآن بإجابة أسرع: – هل صابر وعادل هما القتلى أم صابر فقط؟ – الاثنان. شردت محدقًا في العدم، ثم توقفت بالسيارة، ارتجلت منها وقلت للضابط أن يسوق مكاني، ودون كلمة واحدة فعل ما قلته له. جلست بجانبه أفكر... توفّوا بسببي؟! هل أنا سبب تلك اللعنة أم أنه قدر محتوم؟ لن أستطيع رؤيتهم، فإنهم كانوا إخوة لي... لن أستطيع، ولكني مجبر على ذلك، فظروف العمل تحتّم. لم أنبس ببنت شفة طوال الطريق، وتوقفت السيارة. طلبت من الضابط أن أدخل الحمام في أحد المقاهي، وفعلتها. لحسن الحظ كان معي ما يكفي من الكحول كي يشتت رأسي عمّا أنا موشكٌ على رؤيته. دخلت الشقة التي كانت مليئة بقوات الأمن ورجال الطب الشرعي؛ منهم من يصور، ومنهم من يعاين، ومنهم من متوقفٌ مشدوه. كان المنظر في الصالة: جثتا صابر وعادل مصلوبتان على الجدار، ولكن ليس مجرد صلب، بل مصلوبتان عاريتين من الجلد! مسلوخان تمامًا، منزوعا الأعين، وانبعثت رائحة اللحم الزفرة الممتزجة برائحة الحديد، وعلى الجدار المقابل عُلّق جلدهما مفرودًا، وكُتب عليه بلونٍ أحمر: تحياتي لك يا إيهاب، تحفة فنية أليس كذلك؟ بطُؤت أنفاسي، الهواء لزج؛ يدخل صدري ولا يخرج. عيني مفتوحة لكن الصورة محبوسة في ضباب رمادي، الألوان انكسرت لشرائح غير مفهومة. ضحكاتهم... ضحكاتهم تتردد في أذني دون توقف، تكاد تمزق طبلة أذني. حاولت مدّ يدي كي أضعها على أذني ولكنها لا تستجيب، جسدي ثقيل، كأنه رجل آلي صدئ. لكزني الطبيب الشرعي وقال: إيهاب؟ هل أنت بخير؟ أسمعه ولكن لا أستطيع الرد، لساني هو الآخر تلجم، عرقي أغرقني، لكزني مرة أخرى وقال: إيهـ... ـاب. سمعت صوته متقطعًا متفتتًا، مالت الأرض بي، مالت بقوة، حتى سقطت من عليها، أصبحت الرؤية مشوشة، ثم فراغ.
📜 الفصل الثامن 📜
(مجنون بكامل عقله) نهضت من فراشي، ما زلت في الخيمة، نفس الخيمة التي كنت بها أثناء رحلة التخييم. هل ما حدث كان مجرد حلم؟ لا أظن... بل أظن... لا أعلم. نظرت حولي، لا أحد. الخيام الثلاث موجودة، منصوبة بجانب بعضها، وأمامها الحطب المشتعل، به قدر نحاسي كبير، وتحته كتاب. نظرت إلى الكتاب فوجدته نفس الكتاب الذي قرأته من قبل، الحارث. لم أفتحه لأنه صدر منه ضوء غريب، ولكني ألقيته أرضًا عندما رأيت عينًا تشبه عين الأفعى تفتح من الغلاف، وكأنها جزء منه. فُزعت، تكهربت، وألقيت الكتاب أرضًا. نظرت حولي وأنا أرتجف، شعرت ببرودة شديدة جدًا رغم قربي من النيران. فتحت غطاء القدر، نظرت بداخله... جثث صابر وعادل كانت بالداخل! لا أعلم كيف. جحظت عيناي وزادت رجفتي، ألقيت الغطاء، وجدت ضرغام قادمًا بملعقة ويقول: كل... تناول. دخلت الخيمة وجلست في زاوية محتضنًا نفسي، أغمضت عيني وأنا أصرخ وأقول: ابتعد... ابتعد عني! أفقت بلمسة وهو يقول: تناول. أضيئت الخيمة فجأة... مهلاً، خيمة؟! بل غرفة! غرفة بجدران بيضاء، وأنا أيضًا أرتدي رداءً أبيض اللون، محتضنًا نفسي أرتجف. وما كان أمامي ليس إلا ممرض يرتدي ملابس زرقاء يحاول إطعامي! نظرت في عينيه وأنا أومئ برأسي أي: لا. زفر الممرض وحاول ثانية، أرتجف أكثر، تذوب الجدران وأصبحت في الخيمة مجددًا، ومن يحدثني هو ضرغام وليس الممرض! أغمضت عيني فعاد الممرض مرة أخرى... لكنه تعصب قليلًا وخرج، عاد ضرغام ومعه الكيان الغريب. قال الكيان مبتسمًا: أهلًا يا إيهاب. ماذا يريدون مني؟! ماذا يحدث؟! صرخت وقلت: ماذا تريدون مني!! جاء الملك الذهبي هو وضرغام، قيدوني، قاومت، هل سيقتلوني؟! طعنني الكيان بخنجر رفيع جعلني أغيب عن الوعي! --- استيقظت، كنت جالسًا مقيدًا على كرسي، وأمامي الكيان يبتسم. أغمضت عيني وفتحتها فوجدت طبيبًا أبيض الوجه حليقًا، شعره ناعم وضخم الجسد. ابتسم قائلًا: ما بك؟ اهدأ. قلت وأنا ألهث: لا أعلم ماذا يحدث معي... أين أنا؟ – في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية... معك الدكتور مازن. – هل فقدت عقلي؟! – سأعلمك بكل شيء، ولكن أريدك أن تعلمني كل شيء، ولا تعبث معي، لأني أستطيع معرفة إن كنت تكذب أم لا. قلت بهدوء وشرود: حسنًا. وسردت له كل شيء، منذ بداية ظهور الكتاب، إلى ما حدث منذ قليل. كان يستمع إليّ باهتمام شديد، وعندما أنهيت حديثي قال: حسنًا، بالنسبة لما يحدث معك هو جراء صدمة عصبية شديدة، لا تفرق بين الواقع والخيال. لقد جاء بك أحد زملائك من الشرطة ويريدون التحقيق معك... ولكن هناك شيء هام. لقد علمت حالتك، وأعلم أنك لا تكذب. هناك حل وحيد، ولكن عدني بألا تخبر أحدًا. صمتّ، فقال: هاا... عدني. قلت بسرعة: أعدك. – لعنتك تلك، هناك من مرّ بأسوأ منها وورثها. أما بالنسبة لضرغام، فقد سمعت اسمه على لسانه في مرة من المرات. – من هو؟ – صديقي... لا يهم اسمه. المهم أنك ستخرج من هنا، ستذهب إلى عنوان مقهى يحب الجلوس فيه، وأنا سأخبره عنك. أومأت برأسي، فأردف: بالمناسبة، لا تنسَ الذهاب إلى زملائك بعد إنهائك هذا الموضوع. ابتسمت بسخرية مريرة وقلت: إن انتهت. رد بابتسامة عريضة وقال: أنت لا تعلم يا صديقي.
📜 الفصل التاسع 📜
(وريث اللعنة) لا أعلم سبب إقحام الروحانيات في موضوعي العقلي، ولكن لِمَ لا؟ من الممكن أن أتعالج فعلاً. خرجت من مكاني، وأخبرت خالي أن يخبر أمي بأني بخير، ويعطيني ملابس أفضل من التي أرتديها، وذهبت إلى المكان المنشود. على حسب وصف الدكتور مازن، وجدته جالسًا هناك. جلست أمامه، كان جذّابًا فوق الوصف. إن وصفته ستظنون بي ظنّ سوء، ولكن البذلة السوداء مع اللحية والشعر المصفف للخلف ومسكة السيجار... كل هذا يجتمع في هدوء مريب جعلني أشعر بأن هذا الشخص ليس سهلًا على الإطلاق. صافحني وقال: كيف حالك يا إيهاب؟ – بأفضل حال. ارتشف من قهوته وقال دون أن ينظر إليّ: البقاء لله. – في من؟ – في أصدقائك وجدك فيصل. لا أتذكر أني أخبرت الدكتور مازن باسم جدي! كيف علم؟ هل أرسلني إلى ساحر؟ كيف لم يَخَف من أن أُقاضيه في شيء كهذا؟! قاطع تفكيري قائلًا: لا، لستُ ساحرًا... ومازن لم يفعل شيئًا سوى مساعدتك. تسارعت أنفاسي وتحاشيت النظر إليه قائلًا: كفّ عن قراءة أفكاري! ابتسم وقال بهدوء: لا أقرأ شيئًا... هناك من يخبرني فقط. تبًّا لمهابة ذلك الشخص! إن لقائي مع ضرغام لم يكن مهيبًا ومرعبًا بهذا الشكل. قال: لن أتحدث مرة أخرى كي لا أثير توترك. قل لي كل شيء حدث معك كما قلت لمازن. قلت بتذمر رغم الخوف: وهل على آخر الزمن أجلس مع ساحر؟! ابتسم مرة أخرى في صمت. ثم أردف وهو ينفث دخان سيجاره: أنا فقط وريث للعنة، وأعتقد أنك أيضًا كذلك، أو على مشارف أن تصبح. – أي لعنة؟ – لعنة أورثها لي أحد، وُضعتُ فيها رغماً عني. كما تعلم، أخطاء الآباء يقع ضحيتها الأبناء. – هل هذا يعني أنك معالج روحاني فقط؟ قال بهدوء: لست معالجًا روحانيًا، ولست شيخًا، ولست ساحرًا. في حقيقة الأمر لا أعلم تصنيفي، ولا أعترف سوى بأني طبيب نفسي فقط. برغم الرعب الذي سرى في أوصالي في بداية مقابلتي له، إلا أنه بعد هذا الحديث القصير بدأت أشعر براحة نفسية تجاه هذا الرجل. وأيضًا شعرت بأنه إما استطاع التلاعب بي، أو أني مخبول لا أستطيع التفرقة بين العدو والحليف. قلت له: هل ستقوم بحل لعنتي؟ ما بين غمضة عين وأخرى تحوّل إلى ضرغام لوهلة ثم عاد مرة أخرى. – لا أعدك بهذا، يحدث نادرًا، ولكن وجهة نظري أنه لا يوجد حل للعنة. إنها مثل التنفس، كلما ركزت فيه فلن تستطيع ضبطه، وإن تجاهلته سيعمل بانتظام دون أذية، ولكنه ما زال موجودًا، وفي نفس الوقت لن تشعر به. – ما ذنبي؟ – هذا قدرك. – ونِعم بالله. نفث دخان سيجاره ورشف رشفة من قهوته قائلًا: أيمكنك إخباري بما حدث في رحلتك بالتفصيل؟ قلت بسخرية خفيفة: ألم تقل بأنك تعلم؟ وهناك من يخبرك؟ – لم أقل بأني أعلم. – أيمكنك إخباري كيف تعلم أي شيء عني؟ – مصادري الخاصة. صمتّ قليلًا... ثم بدأت في سرد جميع ما حدث معي. كانت الأحداث مشوشة قليلًا بسبب الحالة التي وصلت لها حينها، لكني قلت أهم الأشياء، مثل المكان... الرجل ذو الحوافر... القصر... ضرغام. عند ذكري لضرغام تحديدًا لاحظت انقباض ملامح وجهه، صدمة يحاول إخفاءها، برغم أن ملامح وتعبيرات هذا الرجل تكاد تكون منعدمة. قلت له: لماذا عندما ذكرت اسم ضرغام تهكمت؟ قال بشرود: لقد عاد. انسابت حبات العرق على جبيني وقلت: من الذي عاد؟ ضرغام؟ أومأ برأسه إيجابًا ثم قال: بيننا شيء قديم، ومن المفترض أني قمت بتقييده. رفعت حاجبيّ في دهشة وقلت: قيدته؟! بهذه السهولة؟! – لقد كان يؤذي الناس، وأحدهم استنجد بي، فقمت بتلبية ندائه. كنت ناظرًا إليه مشدوهًا منبهرًا... كيف فعل ذلك؟ قال بهدوء: لا تتعجب، اجعل إيمانك قويًّا بأنهم ضعفاء وجبناء، وسيكونون كذلك. المهم أن ذلك الشيطان حر طليق، سيؤذي الناس. – إلى هذه الدرجة متوحش؟ – هو شيطان، فيُجيد ما يفعله. ولكن أين كان قصره؟ بجانب قرية؟ – لا، كان وحيدًا في الصحراء. – قام بتغيير مكانه، أو ظهر لك أنت خصيصًا للعنتك... سأجده. تحوّل إلى هيئة ضرغام ثانية، فهززت رأسي وقلت: – أيمكنني أن آتي معك؟ هل سأتأذى؟ – لن يستطيع أحد لمسك، ولكن الموضوع غير سهل على شخص عادي تحمّله. – هل نسيت أني محقق؟ أي معتاد. – فرق شاسع. المهم، إن جئتَ لا تنطق، وقم بادعاء أنك أصم وأبكم، لي على الأقل كي لا تُخرّب شيئًا... أريدك أن تأتي لتواجه لعنتك. قلت بابتسامة: حسنًا، لا تقلق. متى سنتقابل مرة أخرى؟ قال: أعطني رقم هاتفك، وسأحدد ميعادًا وأخبرك، سواء مناسب أم لا، أنت من تقرر. أعطيته رقمي، نهضت وصافحته قائلًا: أشكرك على إنصافك للحق ومساعدتي، حقًا أشكرك. صافحني هو الآخر بابتسامة وقال: لا تشكرني... والشكر لله. ثم اقترب مني بعبق عطره القوي ورائحة الدخان قائلًا بابتسامة: وكفّ عن شرب الخمر، فقد استعملها جدّك كي يُغوي جلال. شعرتُ بالأرض تميد بي، فربت على كتفي وقال: لا عليك.. مضى. أومأتُ برأسي بابتسامة مجاملة متوترة وخرجت. فعلاً، فيصل من فعل ذلك هو جدي! لكن كيف؟ وفيصل المشار إليه كان في الخمسين، وجدي فيصل في التسعين! ماذا يحدث؟ ما علاقة كل هذا ببعضه؟ أسكت رأسي كأس، نعم، لم أفعل بنصيحته، لا أستطيع إيقاف هذا إلا بهذه الطريقة. ****** في اليوم التالي، ليلًا، وجدته يحدثني عبر الهاتف، حدد معي الميعاد بهذه السرعة. قمت بتمشيط لحيتي وتمشيط شعري الناعم إلى أسفل، رشفة ڤودكا دون كسرها، ونزلت لأقابله. (كنت متواصلًا على علاج حدده الدكتور مازن يقلل تلك الهلوسات ويمنعها، ولكن ما حدث عندما كنت مع ذلك الشخص جعلني أشعر بأني كنت أحلم أو بالفعل أهلوس!) كل شيء بدأ عندما كنت معه في السيارة، صداع رهيب يكاد يفتك برأسي، شعور مسامير تنغرس فيها. كنت صامتًا، وذلك الرجل الغريب أيضًا، لم يتكلم في شيء. وصلنا إلى المكان، ساحة شبه زراعية، أمامنا كان بئر مطمور، بئر غريب، كبير عن عادته، يشبه فوهة بركان – شكليًا – فقد كان حوله دخان دون سبب. أشار لي الرجل بأن أقترب، اقتربت، وجدته يريدني أن أضع قدمي في البئر، وضعت قدمي وأنا أرتجف، وهو الآخر وقف بجانبي. أكاد أقسم بأني سمعت صوت ضحكة ووجدت ذلك الرجل يبتسم، هناك من يسخر مني. قال لي في أذني: شربت مرة أخرى! وضعت يدي على فمي وقلت: لا. ابتسم وقال: حسنًا.. فلنعتبر بأنه لا. قلت: والآن ماذا؟ قال: لا شيء.. فقط انتظر. كما قلت لك، لا تتحدث، ولا تتعجب من شيء. أومأت برأسي. ابتسم مجددًا وقال: فلنبدأ. اهتزت الأرض تحتنا، نزلت ببطء، وكأن البئر يشبه مصعدًا يهبط بنا. بقي وقت طويل ونحن ننزل، فقال الرجل: هل أخذت دواءك؟ قلت: نعم. حتى وصلنا إلى تجويف كبير تحت الأرض، بإضاءة مزيج بين الأصفر والأحمر تُلقي ظلالًا على الجدران الحجرية. تسارعت أنفاسي، فقبض الرجل على يدي وقال: هااا.. اهدأ، مازلنا قبل البداية. مشيت معه، على جانبينا كان هناك أناس سود البشرة يقفون كتماثيل بلا حراك، حتى وصلنا إلى ما يشبه قاعة كبيرة، ووجدته! كان جالسًا هناك بشموخ.. ضرغام، والملك الذهبي، وذلك الكيان الغريب الأكبر منهم. اقترب الرجل أكثر، شعرت بضيق شديد في تنفسي، وضغط قوي على صدري، الرؤية تشوشت، حتى لمس الرجل وجهي، لمسة واحدة، لم أعد أشعر بشيء.. التقطت أنفاسي ووقفت بجانبه. بمجرد رؤية ضرغام له نهض وضحك قائلًا: صديقي القديم، كيف حالك؟ اشتقت لي أليس كذلك؟ قال الكيان بصوت كالفحيح: اجلس يا ضرغام. جلس ضرغام مرة أخرى فقال الرجل: لا يا ساذج، لم أشتق لك، ثم ما... قاطعه الملك الذهبي وقال: اجلس لنتناقش. قال الرجل بحدة: أنا لا أحب أحدًا يقاطعني.. ثم ما الذي جاء بك يا سمهريس هنا؟ ألم أحررك؟ سمهريس: اجلس فقط ونتناقش، أرجوك. كنت فاتحًا فمي كالأبله، ما هذه القوة؟ كيف يتجرأ بهذا الشكل عليهم، وهم لا يؤذونه؟ كان هناك أربعة عروش متراصة بجانب بعضها على شكل دائرة؛ الأول كان لذلك الكيان – الذي كان يتجاهله الرجل – ثم ضرغام، ثم سمهريس، ثم العرش الفارغ. جلس الرجل على العرش بهدوء مريب وقال: ها أنا قد جلست. ضرغام: جذاب كعادتك. الرجل: أعلم. أشعل سيجارًا وهو يقول: ما الذي جاء بك مرة أخرى؟ كيف خرجت؟ أشار ضرغام بتبجيل إلى الكيان وقال: أبي الأكبر أخرجني. نظر له الرجل بتحقير وقال: فعلًا، هذه قوانين العدل عندكم. ضحك ضرغام وقال: بالطبع. نظر الرجل بجانبه إلى سمهريس وقال: ما الذي جاء بك أنت إلى هذا الاجتماع النجس؟ شاط الكيان غضبًا وقال بصوت عالٍ جعلني أرتجف: خسئت يا ابن آدم! نظر له الرجل وضحك ضحكة خفيفة بسخرية، ثم نفث دخانه وقال: المهم، ما الذي جاء بك؟ سمهريس: كما تعلم، اجتماع ملكي، ليس لي دخل به. أشار الرجل إليّ، كنت حينها أمسح عرقي، فقال: وهل يرضيك ما يحدث لهذا؟ قال: كلمة حق؟ قال الرجل: نعم.. أم تخاف قولها بسبب من يجلس بجانبك؟ قال سمهريس: لا، لا أخاف من شيء.. هو بالفعل لا يرضيني. ضحك الكيان بشدة جعل الأرض تهتز وقال: وهل النعمة لا ترضي الجاهل؟ نظر الرجل له، ثم كاد أن يكمل حديثه، فقال الكيان: أنا أحدثك! نظر الرجل له وقال بهدوء: أنا لم آتِ لك. زادت ملامح الغضب لدى الكيان، لكنه كبحها وجلس. قال ضرغام: جده من أقحمه في ذلك، ليس لنا ذنب. ابتسم الرجل وقال: هذا ما تقولونه دائمًا، ليس لكم ذنب.. وأصدقاؤه الذين قتلتهم؟ ضرغام: بسببه. الرجل: تخاف أن تعترف. ضرغام: لا أخاف من شيء.. هو السبب، وهو الذي رفض العرض. الرجل: ليس من شأنك سواء يرفض أم لا. جحظت عينا ضرغام، كبت غضبه هو الآخر، وجلس يهز في قدمه. فقال الرجل وهو يحادث سمهريس: أهناك حل أم لا؟ قال سمهريس: نعم، هناك حل. زجر الكيان وضرغام، فقال سمهريس: أنسيتم أني ملك أيضًا؟ أستطيع قول ما أريد. الكيان محذرًا: لا تتجاوز حدودك. سمهريس: أنا في حدودي من الأساس، وإذا لديك اعتراض نذهب إلى الملك شمهروش في محكمة المغرب، وهو من سيقول العدل.
📜 الفصل العاشر 📜
صمت الكيان، ثم نظر إليّ سمهريس وقال: اقترب. اقتربتُ ووقفت أمامهم بساقين مرتجفتين، فقال سمهريس: لديك خياران؛ إما أن ترفض قوة لن ترى مثلها على الأرض، وإما أن ينتهي كل شيء وتعود حياتك الطبيعية. نظر لي الرجل أي: الإجابة بديهية يا إيهاب. نظرت في أعين الكيان الملتمعتين... لكن على العكس، قوة ذلك الرجل جعلتني أشعر بأني أريد أن أصبح مثله، فما بالك إن كنت أقوى! من الممكن أن أملك العالم أجمع... ولن يقف أحد في وجهي... لا إنسان ولا جان... سأتحكم بالجميع... وسأزدهر... وأسمو... و... توقفت الأحلام لوهلة، ثم رأيت نفسي غنيًا قويًا، جالسًا على عرش، في يدي السلطة والمال، وكأني في جنة... صمت كل شيء. عدت بتفكيري... تبًا لذلك الوسواس، لن أدخل في لعنة لن أستطيع الخروج منها. ما ذنب نسلي أن يتلوث؟ لا، لا... قلت بسرعة: لا، أرفض العرض، وأريد العودة للحياة الطبيعية. قال الرجل: قرار لا عودة منه؟ قلت بثقة: قرار لا عودة منه. قال سمهريس: تم كسر اللعنة. ابتسمت، وابتسم الرجل، نهض وصافحه، وصافح ضرغام وهو يقول: لنا لقاء آخر. ضحك ضرغام وقال: بكل سرور. وتجاهل الرجل الكيان. كان ضرغام والكيان يشيطان غضبًا، ولكن الواقع لا مفر منه. وضع الرجل يده على كتفي، وعدنا من حيث أتينا. نظرت له، فعانقته بعينين دامعتين وقلت: لا أعلم كيف أرد لك ذلك المعروف، حقًا لا أعلم كيف. ابتسم وربت على كتفي قائلًا: على الرحب، لا أريد سوى سلامتك. ابتسمت له، ثم قلت ببعض من الجدية: أريدك أن تخبرني سر قوتك تلك. ابتسم الرجل وركب سيارته قائلًا: هذه حكاية أخرى.. هيا، اركب.

تعليقات
إرسال تعليق