عشق ملعون (نوفيلا)جزء تاني
📜 المقدمة 📜
طقس خريفي هادىء، وأمطار خفيفة تداعب أغصان الأشجار كأنها تمرح معها وتلطف من حرارتها، بعد طقس صيفي حار . تجلس "ليان" فى المقعد الخلفى لسيارة والدها تتابع المطر الذى يغطى الطريق ولأول مرة ذلك العام، واضعة سماعات صغيرة حديثة فى أذنيها متصلة بهاتفها، تستمع إلى أغنيتها المفضلة، صامتة، هادئة وغير مبالية بما يحدث حولها . فهى أنتقلت بصحبة أسرتها إلى مدينة جديدة، فوالدها حصل على ترقية للتو ليصبح مديراً لأحد أفرع الشركة التى يعمل بها، فقام بنقلها وأخيها الصغير إلى مدرسة فى نفس المدينة . كانت الأم غير مرحبة بفكرة الأنتقال، ولكنها رضخت لطلب زوجها حتى يظلوا معاً، فإن تركهم فى مدينتهم سيصبح من الشاق عليه السفر يومياً إلى عمله حيث يبعد عدة ساعات عن مدينته، ويكون أيضاً من الصعب عليه ترك زوجته وأبنائه خلفه والبعد عنهم لعدة أيام . فأجمع الطرفان على ان ينتقلوا جميعاً إلى تلك المدينة البعيدة . كان أيضاً من الصعب على "عدى" أن يغادر مدينته ورفاقه، لكن ذلك كان عادياً على "ليان" شقيقته التى تكبره بأربعة أعوام، فلا صحبة لها ولا رفاق . وحيدة تعيش فقط بين صفحات دفاتر الرسم الخاصة بها وسماعات هاتفها التى تفصلها عن الواقع خلفها. فبالرغم من تفوقها الدراسي وجمالها الهادىء، إلا أنها على أعتاب الصف الأول الثانوى ومع ذلك لم تستطيع أن تُكون صداقة حقيقية . لمحت لافتة كبيرة فى مدخل المدينة تحمل اسم المدينة، ظلت تقرأوه بتمعن فأجتاحتها مشاعر غريبة عليها وشعرت أن هناك من يحدثها بأن حياتها ستتغير كثيراً فى تلك المدينة الغريبة .
📜 الفصل الأول 📜
فى منزل حديث الطراز، تقف "ليان" فى منتصف غرفتها تنظر إليها بتمعن، فهى غرفة صغيرة تحتوى على شرفة تطل على حديقة رائعة ومسبح صغير، لم تهتم بالمسبح لعقدتها من المياة ولكن لفت أنتباهها وجود أرجوحه صغيرة فى جانب الحديقة تتدلى من فرع شجرة. شعرت بالحماس ما إن رأتها فهرولت مسرعة إلى تلك الأرجوحة غير عابئة بالأمطار لتبتسم بصدق منذ أن أتت إلى المكان . بعد دقائق سمعت صوت والدتها منادياً تحثها على ترتيب ملابسها، فتحركت بملل لتنفيذ المطلوب فأوقفها والدها متسائلاً: -إيه رأيك فى المكان يا لولو ؟ ابتسمت مرددة : -حلو. ثم فكرت قليلاً وقالت بتردد: -ممكن تعملى حاجة جنب الشجرة اللى برة، علشان أحط فيها أدوات الرسم بتاعتى والمطر مايبهدلهاش. ابتسم والدها قائلاً بحماس: -أكيد، هعملك أوضة صغننه على قدك . -لا، مش عايزاها مقفولة، عايزاها تكون ملهاش حيطان . -تمام يا ستى، اللى تحبيه . عانقته وهى تشكره ثم غادرت المكان، فنظرت والدتها براحة إلى زوجها فابتسم لها لشعورهم أن المكان قد أعجب صغيرتهم، فدخل "عدى" بصخب مردداً: -من فضلك يا بابا، عايز أنزل البيسين دلوقت . خرجت الأم قائلة: -فى مطر بره والجو برد . -مش مهم. فقال الأب: -ايه اللى مش مهم؟ صعب يا حبيبي تنزل فى الجو ده، أنزل براحتك لما الجو يبقي حر . دخل "عدى" غرفته متذمراً، ف ضحك والديه على طريقته، فصاح الأب يخبر أبناؤه: -أعملوا حسابكم أن بكرة إن شاء الله مدرسة، فخلصوا ترتيب أوضكم بسرعة علشان تناموا بدرى . زاد تذمر "عدى" فلم يعيروه أهتمام ثم أنصرف كلاً منهما لترتيب وتنظيم المكان، كان بيتاً صغيراً مكون من طابق واحد له عدة غرف، وحديقة بمسبح صغير فى حى من الأحياء السكنية الجديدة، قد حصل عليه والدهم من شركته بعدما أنتقل إلى تلك المدينة . ...... فى اليوم التالى .... تقف على أعتاب مدرستها الخاصة الجديدة بصحبة أخيها الذى أنطلق فوراً للداخل، أما هى فلماذا تشعر بإنقباضة قوية فى قلبها منذ أن رأت تلك المدرسة؟ دخلت بترقب تنظر حولها إلى باقى زملائها ثم أتجهت إلى غرفة شئون الطلبة لتأكيد حضورها وأخيها، ثم أتجهت على الفور إلى فصلها. كان الجميع ينظر إليها بفضول جعلها تتوتر قليلاً، فوضعت سماعة هاتفها فى أذنها ثم جلست فى أحد المقاعد الشاغرة. دقائق ووصلت المعلمة فرحبت بها وقامت بتقديمها إلى زملائها. -معانا النهاردة طالبة جديدة، عرفى عن نفسك . وقفت بتردد قائلة: -"ليان" . -أهلاً "ليان"، أول مرة ليكى فى القاهرة؟ -أه. -منين أصلاً؟ -إسكندرية. لاحظت المعلمة توترها المبالغ فيه وردودها المقتضبة فأنهت الحوار وطلبت منها الجلوس لتبدأ فى شرح الحصة . كانت تشعر أن الجميع ينظر إليها وأربكها ذلك أكثر، فحاولت أن توجه كل تركيزها إلى المعلمة كى لا تتوتر زيادة . أنتهت الحصة وجاء وقت الراحة، كانت وحيدة فخرجت إلى فناء المدرسة تضع سماعاتها كالعادة ثم انتقلت ببصرها فى أنحاء المكان تبحث عن مكان يصبح رفيقاً لها، كان "عدى" فى مبنى أخر خاص بالصفوف الإعدادية أما هى فكانت فى مبنى الصف الثانوى. لمحت من بعيد مبنى جانبى مغلق بجواره عدة مقاعد خشبية، تعجبت فى البداية لأن معظم الطلاب يشغلون الفناء ماعدا ذلك الجزء، فأتجهت إليه وجلست على ذلك المقعد ثم أخرجت علبة الطعام الخاص بها، ثم أمسكت بدفتر الرسم الخاصة بها وبقلمها الرصاص لتضع عدة خطوط وتبدأ رسمة جديدة . كانت السماء غائمة قليلاً لكن بدون أمطار، بالرغم من وضعها لسمعاتها إلا أنها سمعت صوت "عدى" يناديها من مكان قريب منها، نظرت حولها فلم تجده فعادت للنظر إلى دفترها لكن عاد الصوت مجدداً، فنزعت أحد سمعاتها و انتفضت من مكانها فوجدت باب المبنى الذى تستند عليه مفتوحاً، فأقتربت منه ثم نظرت إلى داخل المبنى منادية باسم أخيها . لم تجد الرد فدخلت بحذر تبحث بعينيها عنه متوعدة له فى داخلها أنها ستلقنه درساً بالتأكيد . كان المكان مظلماً قليلاً إلا من ضوء النهار الذى يدخل من النوافذ، كانت صالة رياضية بها مسبح كبير ولكن يبدو أن المكان مهجوراً . تجولت قليلاً فى المكان تتلفت حولها وتتبين أركانه، كان مكاناً ضخماً يحتوى على العديد من الآلات الرياضية التى لا يستخدمها أحد، نظرت إلى حمام السباحة جوارها، فبالرغم من وجود مثله فى مدرستها السابقة، إلا أن ذلك ضعف حجم الآخر، ف كانت منبهرة بما تراه . أقتربت قليلاً من حافة المسبح تراقب المكان الهادىء، شعرت فى البداية برهبة غريبة ثم ألفت المكان سريعاً بطريقة قد تعجبت منها، حان وقت إنتهاء موعد الراحة فأنطلقت صافرة قوية تعلن ذلك، ففزعت مما سمعت فأنزلقت قدمها فى المسبح لتسقط به، تخشي المياة وغير قادرة على السباحة .. فالغرق هو المصير المحتوم .. إلا أن غشيها الله برحمته ومد إليها يد المساعدة . برد الماء كان كصفعةٍ مباغتة أيقظت فيها كل ذعرٍ دفين. فتحت عينيها تحت الماء، فلم ترَ سوى عالَمٍ مشوَّه، تتداخل فيه الألوان، وتتعالى فيه الفقاعاتُ كصرخاتٍ مكتومة. كانت تتحرّك بعشوائية، تضرب الماء بذراعيها ورجليها، تبحث عن أرضٍ تحت قدميها فلا تجد، عن هواءٍ تتنفسه فلا تملك. تسللت المياه إلى فمها وأنفها، فاختنق صوتها في حلقها، وتحوّل إلى رجفةٍ في صدرها، ترتجف معها كل ذرةٍ في جسدها الصغير. كانت تشعر أنّها تسقط، لا في عمق المسبح فحسب، بل في هاويةٍ من الرعب والعجز. قلبها يدقّ بجنون، وأنفاسها تتلاشى، وعقلها يصرخ: 'النجدة...!'. لكنها لا تستطيع الكلام، لا أحد يسمعها، لا أحد يراها. ثوانٍ معدودة، لكنها بدت كالأبدية. رأَت في تلك اللحظة حياتها تتسلّل من بين يديها، وشعورٌ قاسٍ بالضعف يُطبِق على صدرها... كانت تغرق، بكلّ ما تحمله الكلمة من ألم ويأس. في اللحظة التي بدأت فيها عيناها تذبلان، واستسلمت أطرافها لتيار الماء، امتدت يدٌ قوية تخترق العتمة المائية، تمسك بها بثبات. كان حضوره كضوءٍ مباغت في ليلٍ حالك. سحبها بقوة إلى السطح، وهي تلهث، تصارع بين الحياة والموت، وتتشبث به كأنّه طوق نجاةٍ من القدر نفسه. خرجت من الماء تتنفس بشراهة، تصدر شهقاتٍ عالية، وعيناها تملؤهما دموعٌ اختلطت بالماء. كان هو يحيط بها بذراعيه، يتفحّص ملامحها بقلقٍ صادق، وقلبه يضرب كما قلبها تمامًا، كأنّ خوفه عليها أكبر من أن يُقال. سمعت صوته يهمس : -أنتِ كويسة؟ كانت نظراتها مشوشة، ولكن يصلها صوته واضحاً، فردد: -حاولى تتنفسي بهدوء . كانت متشبثة بذراعيه تنظر إليه برعب، فحاولت التنفس قليلاً لكنها غابت عن الوعي فجأة. ........ بدأ ضوء خافت يتسلل نحو عينيها، كانت الرؤية مشوشة ولكنها تدريجياً بدأت فى الوضوح، لتجد نفسها فى غرفة غريبة .. تبدو كأنها غرفة فى مشفى . وجدت "عدى" جوارها باكياً، ثم دخلت والدتها بفزع تهرول اتجاهها . -"ليان" يا حبيبتى طمنيني عليكى . أقتربت منهم الطبيبة مرددة بنبرة مطمئنة: -متقلقيش يا مدام، الإغماء اللى جالها من الخوف لكن مفيش أى عرض من أعراض الغرق عليها. -يعنى هتبقي بخير؟ "ليان" أصلا عندها فوبيا من الماية. ثم اتجهت بنظرها نحو "ليان": -أنتِ وقعتى إزاى؟ كانت ليان شاردة تحاول أن تتذكر ما حدث ولكن تشوش عقلها أرهقها قليلاً .
📜 الفصل الثاني 📜
عادت إلى منزلها بصحبة والدتها وشقيقها، فتمددت على فراشها بتعب واضح على ملامحها، أحضرت لها والدتها بعض الطعام الصحي ثم جلست جوارها تسألها عما دار معها، فأخبرتها للمرة التى لا تعلم عددها عما حدث، فأقترب أخوها مردداً: -أنا مش فاهم إزاى وقعتى فى حمام السباحة ده ومستر "عصام" بيقول أنه لاقاكى فى حمام السباحة التانى ؟ نظرت إليه "ليان" مرددة : -هو فى كام حمام سباحة فى المدرسة؟ فقال : -أتنين، واحد مهجور فى مبنى لوحده وده محدش بيدخل فيه خالص وسمعتهم بيقولوا كلام مرعب عنه، والتانى عندنا فى مبنى إعدادى وده جديد، وهما أصلاً لقيوكى فيه . شعرت بالدوار قليلاً فقالت : -لا يا "عدى"، أنا دخلت المبنى القديم اللى قصاد المبنى بتاعنا . جلس "عدى" جوارها مرددا بغيظ: -يابنتى بقولك، مستر"عصام" هو اللى جابك من الحمام الجديد، وسمعت أصلاً أن المبنى القديم مقفول من ٥ سنين أو أكتر ومتفتحش من يومها. تسائلت بشرود: -إزاى؟ أنا كنت جوا .. طيب هو أتقفل ليه ؟ فقال بترقب: -سمعت حكايات كتير وكلها مرعبة . كانت تتابعه بصدمة فلاحظت والدتها ذلك فقالت منهية الحوار : -خلاص، يلا كلى علشان تريحى يا حبيبتى، ومتفكريش كتير. ثم أشارت إلى "عدى": -وأنت، يلا على أوضتك . خرج خلف والدته بملل فأوقفته "ليان" قائلة : -ممكن تيجي معايا بكرة أشكر مستر" عصام" إنه أنقذنى . -تمام . خرج الجميع وتركوها شاردة تفكر فى الأمر، فقد دخلت المبنى المهجور بقدميها ورأت كل محتوياته، فكيف أنتهى بها الأمر فى المسبح الجديد . سحبت نفساً عميقاً لتتذكر ذلك الشاب الذى أنقذها من المياة، فبالتأكيد هو من سيخبرها بحقيقة الأمر، بحثت عن دفتر الرسم الخاص بها فلم تجده فأحضرت دفتراّ أخر ثم بدأت فى رسم ما تتذكره ملامح الشاب الذى أنقذها، ثم قالت : -تمام يا مستر "عصام"، أكيد حضرتك تعرف أنت أنقذننى منين . ظلت ترسم ما تذكرته من ملامح ذلك المنقذ، فكانت ملامحه باهته غير مكتملة، شعرت بالنعاس قليلاً فأغمضت عينيها لتغط فى نوم عميق . شعرت بطعم المياة فى فمها مجدداً فوجدت نفسها فى نفس المسبح القديم، حاولت الخروج منه لكنها لم تستطع، وقبل أن يسدل الظلام ستائره مجدداً .. وجدت نفس الشاب أمامها يخرجها من المياة مرة ثانية، أتضحت ملامحه أكثر عن ذى سابق، ولكن وقبل أن تسأله عن هويته، قفز فى المياة ثم أختفى تماماً، فصرخت فزعة حينما تلونت بركة المياة باللون الأحمر فأستيقظت خائفة تحاول التنفس بصعوبة، لتجد أن الليل أنقشع وحل النهار من جديد . فأعدت نفسها للذهاب إلى المدرسة والتوجه إلى ذلك المنقذ لعله يفسر لها ما أهمها. ....... فى المدرسة، وعند مكتب المعلمين ... تقف "ليان" بصحبة "عدى" فى أنتظار قدوم "عصام" . ابتسم "عصام" ما إن رآهم فقال : -أنا فاكرك، أنتِ البنوتة بتاعة أمبارح مش كده؟ كانت تنظر إليه بشرود، فهذا ليس بمنقذها، فقال "عدى" : -اه هى يا مستر. ثم وكزها فى ذراعها، ف تسائلت: -هو حضرتك اللى أنقذتنى أمبارح؟ فقال: -أنا لاقيتك واقعة على الأرض جنب حمام السباحة، وكان واضح جداً أنك وقعتى فى الماية، لكن حقيقي معرفش مين خرجك منها . صمتت قليلاً ثم تسائلت: -طيب، حضرتك لاقيتنى فين؟ فى المبنى المهجور ولا فى المبنى الجديد؟ نظر إليها بتعجب فقال: -فى الحمام الجديد، الحمام المهجور ده ممنوع حد يدخله أصلاً . كانت تنظر أمامها بشرود، فقال "عصام": -خير فى حاجة ؟ أنتبهت "ليان" ثم قالت: -لا، شكراً لحضرتك يا مستر "عصام". قالتها وهى تتحرك من أمامه بصحبة شقيقها ف سمعت "عصام" منادياً لها مرة أخرى، ألتفتت فقال: -المبنى المهجور خطر، وممنوع حد يدخله . كان ينظر إليها كأنه ينبهها، فهزت رأسها ثم تحركت إتجاه فصلها . ..... كانت شاردة طوال اليوم، حتى حينما جاء ميعاد الراحة، ظلت فى الفصل لم ترغب فى الخروج، وبعد إنتهاء اليوم الدراسي خرجت إلى الفناء فى أنتظار قدوم شقيقها . كانت تقف بعيداً عن المبنى المهجور، لكن عينيها عليه . رغبة قوية تحثها على المضى قدماً والأقتراب منه، وخوف يمنعها من ذلك . كانت تنظر إليه بترقب شديد، وتقسم فى داخلها أنها دخلت المكان ليلة أمس، وسقطت فى مياة البركة خاصته . فتحركت تلقائياً إلى بوابته، فوجدتها مغلقة وقفلها لم يُفتح منذ سنوات بسبب الصدأ عليه، كانت فى حالة صدمة كبيرة، فعقلها غير قادر على استيعاب الأمر، أكانت تحلم ؟! وقفت على المقعد الذى جلست عليه بالأمس تحاول أن تصل إلى النافذة المغلقة أعلاه، لكنها كانت عالية بدرجة كبيرة عليها، فحاولت القفز عدة مرات لكنها لم تستطع الوصول إليها، فسمعت صوتاً أفزعها خلفها مردداً: -بتعملى إيه عندك؟ أستدارت بحرج فقالت بتوتر: -مفيش، أأأنا بس أأ كنت بشوف المكان مش أكتر . نظر إليها "عصام" بدهشة مردداً: -مش قولتلك بلاش تقربى من المكان ده. نزلت من فوق المقعد تنظر إليه بخجل، حاولت الحديث لكن أبت الكلمات أن تخرج منها فأنقذها من الحرج صوت "عدى" القادم: -بتعملى إيه عندك، يلا علشان بابا عند البوابة . حملت حقيبتها الملقاة أرضاً بسرعة ثم تحركت بصحبة أخيها إلى والدهم، فنظر "عصام" إليها بشرود ثم ألتفت إلى المبنى أمامه، ف أرتسم الحزن على ملامحه ثم غادر المكان أيضاً. ...... عادت إلى منزلها مرهقة، فمازال عقلها مشغول بكل ما حدث، فأمسكت بدفتر الرسم خاصتها ثم فتحت الصورة التى لم تكتمل ثم ظلت تنظر إليها بتفكير متسائلة، هل ما رأته وهم؟ أم كانت تحلم؟ وإن كان حلماً ... فمن ذلك الشاب؟! ظلت غارقة فى أفكارها حتى نامت مكانها من كثرة التفكير. ..... مر أسبوع على ذلك الحادث، جاهدت فيه كثيراً أن تصرف عقلها عن التفكير فى أمر المبنى المهجور، و إن شغلت تفكيرها عن الأمر .. وجدت شيئاً ما يجذبها إليه بدون دراية منها. وفى يوم غلبها شيطانها وقررت أن تتجه إلى ذلك المبنى أثناء الحصص الدراسية، كى يكون الجميع منشغل . وبالفعل ... أنتظرت أنشغال الجميع فى الدروس والتحضير للأختبار الشهرى ثم اتجهت فوراً ناحية المبنى. نظرت إليه من الخارج نظرة طويلة لكن شيئاً ما يحثها على الدخول إليه، فأقتربت منه كالمغيبة تحاول فتح ذلك القفل لكنها لم تستطيع، فرأت سلم المسئول عن الصيانة فأحضرته بصعوبة ثم وضعته بجوار أحد النوافذ الزجاجية المهشمة، ترددت فى الصعود لكنها حسمت أمرها ثم صعدت . وصلت إلى النافذة فلم ترى ما بالداخل، فمسحت عليها برفق حتى تبدو الصورة أكثر وضوحاً، وما إن ضغطت عليها قليلاً حتى انكسر الزجاج وأصبحت النافذة مفتوحة أمامها. تعجبت لأن الزجاج حينما أنكسر لم يصدر أى صوت فأقتربت قليلاً فوجدته سقط على شيئاً ما مغطى بغطاء كبير، فرحت بذلك فها هى وسيلتها للنزول إلى الجانب الآخر من الحائط. رفعت ساقها وتجاوزت الحائط وهبطت على الجهة الأخرى عن طريق بعض الأشياء المتجمعة المغطاة بذلك الغطاء الكبير، لم تهتم بقطع الزجاج أسفل قدميها لكن ما أهمها هو دخولها إلى ذلك المكان الغريب. كانت تتفحص المكان بعينيها بصدمة جلية على وجهها، فهو نفس المكان الذى رأته فى السابق بدون أى تغيير، نفس المسبح، نفس المعدات الرياضية، لا تغير فى شىء . تحركت بخطى ثقيلة فى اتجاه المكان الذى سقطت فيه سابقاً، شعرت برهبة لكن هناك شعوراً آخر تجهله يدفعها، اتسعت عينيها بدهشة حينما وجدت دفتر الرسم الذى أختفى منها يوم الحادث موجود على الأرض مكان السقوط، فكانت على صواب وكانت موجوده هنا بالفعل سابقاً، فنزلت للأسفل تمسك به بصدمة، فسمعت صوتاً أجش من خلفها يهمس بهدوء مخيف : -رجعتى تانى ليه ؟
📜 الفصل الثالث 📜
ما إن رأت دفتر الرسم خاصتها، حتى تأكدت أنها لم تكن تحلم، وأنها أتت هنا سابقاً ولكن .. كيف أنتقلت من ذلك المكان إلى الآخر؟ نزلت للأسفل حتى تمسك بالدفتر، فسمعت صوتاً أجش من خلفها يهمس بهدوء مخيف : -رجعتى تانى ليه؟ أنتفضت مكانها وكادت أن تسقط فى المسبح مجدداً، لكنها أعتدلت فى وقفتها بسرعة، لتقول بأعين متسعة : -أنت، أنت اللى أتقذتنى المرة اللى فاتت صح ؟ كان شاباً فى مثل عمرها، يرتدى زياً خاص بالسباحة ينظر إليها بغضب غير مبرر، فلم يجيبها ولكنه أستدار وتحرك من أمامها فأتبعته مرددة : -لو سمحت رد عليا، علشان حاسة إنى هتجنن، أنت اللى أنقذتنى أنا فكراك كويس، طيب أنت برضو اللى نقلتنى هناك ؟ طيب نقلتنى ليه؟ توقف مكانه، فتوقفت فجأة كى لا تصطدم به فأستدار قائلاً بغيظ: -عايزه إيه؟ و إيه دخلك هنا تانى؟ ده مكانى أنا . شعرت بالحرج قليلاً فأدمعت عينيها تلقائياً، فردت بتردد: -أنا أسفة، أنا بس مش فاهمه حاجة، أنا وقعت هنا وبعدين لاقيت نفسي فى حمام السباحة التانى، وقالولى أن المكان هنا مهجور لكن الباب انفتح ليا أول مرة ودلوقت لاقيت القفل مقفول، ثم أنت دخلت هنا إزاى ؟ أنت بتدرب هنا لوحدك؟ نظر إليها بإستخفاف قائلاً : -أسئلة كتيرة جداً، وأنا مش عايز أجاوب، وياريت ترجعى من مكان ما جيتى علشان أنا بدأت اجيب أخرى وممكن أضايقك . شعرت بالحرج من طريقته معها، فأمسكت بدفترها ثم أتجهت نحو النافذة التى دخلت منها سابقاً لتتسلق المعدات الموضوعة أسفلها، ثم هبطت على السلم وحملت حقيبتها وغادرت المكان باكية، أما هو فظل واقفاً ينظر فى أثرها بحزن باد على وجهه ثم ألقى بنفسه فى المياة دون تردد ثانية واحدة . ...... عادت إلى منزلها بقلب منفطر، فتلك مرتها الأولى التى يحدثها أحدهم بتلك الطريقة، فهى وحيدة دائماً تخشي أن تدخل فى أى علاقة مهما كان نوعها ف تجرح أو تخذل، فقررت أن تجعل الوحدة ملاذها الآمن . ظلت طوال اليوم متجهمة حتى لاحظ ذلك أبويها، فقال والدها: -مالك يا حبيبتى؟ كانت شارده فلم تجيبه، فقال : -"ليان"، أنا بكلمك . انتبهت أخيراً، فردت بجهل: -أسفة يا بابا، كنت حضرتك بتقول إيه؟ -بسألك مالك؟ قالت بتهرب: -مفيش، عندى مذاكرة كتير بس ومضغوطة . نظر إليها بشك فقال: -بس أنتِ دايما عندك مذاكرة ومضغوطة، لكن عمرى ما شوفتك كده . فقالت: -أنا تمام يا بابا، متقلقش .. متلغبطة بس علشان المكان لسه جديد . هز رأسه بتفهم فقالت: -أنا هطلع أقعد بره شوية . ثم خرجت فأقتربت والدتها من والدها قائلة: -البنت فى مرحلة حساسة وفترة مراهقة، ف طبيعي تلاقيها شاردة أو متلغبطة . فنظر إليها بتسائل: -يعنى إيه؟ -يعنى متضغطش عليها، وأصبر لأن المفروض أنا أتابعها بزيادة دلوقت ولو لاقيت حاجة مش مظبوطة هقولك أن شاء الله. -على فكرة مش فاهم أى حاجة من اللى بتقوليها يا "بسمة". نظرت إليه بغيظ مرددة: -"أحمد" البنت دخلت مدرسة مختلطة وهى طول الوقت كانت فى مدارس بنات بس، وفى فترة مراهقة يعنى ممكن يكون فى حاجة تتحرج تحكيها معاك، خاصة لو قصادنا كلنا، فأنا هتكلم معاها بهدوء يمكن يكون فى حاجة . شعر بالقلق قائلاً: -هتقلقينى ليه كده؟ -متقلقش، لما تهدأ هتكلم معاها . هز رأسه بإيجاب ثم أكمل طعامه بتفكير . ........ جلست على أرجوحتها ثم نظرت إلى حمام السباحة أمامها، فتذكرت موقفها صباحاً مع ذلك المغرور، شعرت بالحرج مرة أخرى ففتحت دفترها الجديد لتجد تلك الصورة التى لم تستطع إكمالها أمامها، كادت أن تلقيها أرضاً إلا أنها أمسكت بقلمها ثم أكملت رسم ملامحه التى حفظتها عن ظهر قلب بالرغم من الدقائق القليلة التى رأته فيها . كانت ترسم بحماس غريب وبإحساس أغرب، بالرغم من ضيقها من طريقته معها إلا أن هناك إحساس رائع يداعب نبضات قلبها . أكملت الرسمة بإبتسامة عريضة، فخورة بهذا الإنجاز الكبير، ثم دونت أعلاها بخط مائل صغير " أنت مين؟ "، فسرحت قليلاً فى ملامحه ثم عادت لغرفتها لتنهى دروسها لتكن مستعدة ليوم دراسي جديد . ....... كانت تبحث عن ذلك المغرور فى أوجه زملائها، لكنها لم تجده نهائياً . فظنت أنه ربما يكون فى أحد الصفوف الأعلى، فتعمدت أن تبحث عنه فى الصفحات الخاصة بالمدرسة على مواقع التواصل الإجتماعى، ولكن كان ذلك صعباً بطريقة كبيرة، فشعرت باليأس والإحباط مما حدث، فحاولت أن تصرف فكرة البحث عنه عن تفكيرها والتركيز قليلاً فى دروسها. بعد عدة أيام .. كان "عدى" مريضاً فلم يستطيع الذهاب إلى المدرسة، فأصبحت "ليان" وحيدة فى ذلك اليوم . وكعادتها أحضرت حقيبتها وقت الراحة وجلست على مقعد مقابل لذلك المبنى القديم، لكن هناك ما يجذبها بشدة إلى ذلك المكان، فأنتظرت حتى أنتهى وقت الراحة ودخل الجميع إلى الفصول فتسللت لتحضر نفس السلم ووضعته تحت النافذة المكسورة وصعدت إليها ثم دخلت المكان مرة أخرى. كانت تبحث عنه بعينيها فى كل مكان، شعرت بالحزن قليلاً من عدم وجوده فقررت العودة من حيث أتت، ولكن قبل ذهابها جلست على طرف أحد المقاعد الخاصة بالجمهور قليلاً فربما يأتى الآن، لكنه لم يأتى أيضاً .. فأنقبض قلبها بضيق ثم همت بالمغادرة، وقبل أن تضع قدمها على بداية طريق الخروج سمعته يحدثها من الخلف بصوت أهدأ من المرة السابقة . -مسمعتيش الكلام برضو؟ شعرت بفرحة غريبة تغزو أوصالها، فحاولت أن تمحى تلك الإبتسامة المرسومة على وجهها وألتفتت إليه بحرج لكنه مختلف عن المرة السابقة، فقالت بتوتر : -أنا .. أنا ... أقترب منها قليلاً بإبتسامة هادئة متسائلاً: -أنتِ إيه؟ كانت دقات قلبها سريعة وقوية كقرع الطبول، بطريقة جعلتها تشعر بالخجل فتوردت وجنتيها قليلاً، فهى تبحث عن مبرر لعودتها لمكانه ـ على حد قوله ـ مرة أخرى، فقالت : -أنا بس .. جيت علشان .. -تشوفينى . باغتها بكلمته فجأة فنظرت إلى الأرض، فابتسم قائلاً: -اسمك ايه؟ ردت بخجل: -"ليان". فأكمل: -فى سنة كام؟ -فى أولى ثانوى . هز رأسه، فسألته: -وأنت؟ -"آسر" . نظرت إليه بفرحة لم تستطع إخفائها، فلاحظ ذلك ولكنه لم يرغب فى زيادة حرجها، فأكمل قبل أن تسأل هى: -وف تالتة ثانوى . ثم صمت قليلاً وأكمل بتعابير لم تقدر على تفسيرها : -أو كان زمانى مخلص دراسة دلوقت . لم تفهم ما يعنيه، فقالت: -عيدت سنة؟ صمت قليلاً ثم قال: -مش بالظبط، أنتِ جديدة فى المدرسة، مش كده ؟ فقالت بسرعة: -اه، عرفت إزاى؟ انت بتعرف كل إلى ف المدرسة؟ أنا دورت عليك كتير والله، علشان كنت عايزه أشوفك وأعرف انت مين لكن .... أخيراً شعرت أنها أسترسلت فى الحديث، فظهر الخجل على ملامحها مجدداً فتوقفت بسرعة ليضحك هو قائلاً: -وأديكي شوفتينى . أستدارت لتخرج من المكان مثلما أتت ليتابعها هو بإبتسامة إلى أن وصلت للنافذة، ظهر القلق عليها فقال: -خير ؟ -السلم اللى كنت هنزل عليه مش موجود . فهم ما سبب قلقها فقال: -طيب أنزلى تانى . ف نظرت إليه بحيرة، لكن هناك ما يطمئن قلبها ويدفعها إلى ذلك المجهول دفعاً، فنزلت بضيق مرددة: -طيب أنا هخرج من هنا إزاى دلوقت ؟ ثم نظرت إليه بتساؤل: -أنت بتدخل وتخرج منين؟ خرجنى من مكانك . ظل صامتاً قليلاً، ثم قال بشرود: -هخرجك، متقلقيش . ثم أقترب منها بطريقة أخجلتها ليقف قبالتها مباشرة، ثم وضع أصبعه على جبهتها بسرعة فشعرت أن الرؤية بدأت تتشوش تدريجياً فسقطت للمرة الثانية بين ذراعيه مغشي عليها. بعد قليل من الوقت، أستيقظت مرة أخرى فى حجرة الطبيبة فتسائلت بإرهاق: -أنا فين؟ إيه حصل ؟ فقالت الطبيبة: -مفيش، زمايلك لاقوكى مغمى عليكى فجابوكى هنا، "ليان" أنا كتبتلك شوية تحاليل لازم تعمليها وتعرضيها عليا. نظرت إليها بدهشة قائلة: -لاقونى فين؟ -فى الملعب، كنتِ تقريباً قاعدة على المدرج. هزت رأسها بنفى قائلة: -أنا كنت مع "آسر"، فى حمام السباحة، روحت الملعب إزاى؟ هنا دخل والدها بعد استدعاء مديرة المدرسة ليقول بقلق: -السلام عليكم، أنا "أحمد نوح" والد "ليان". ردت الطبيبة بعملية: -وعليكم السلام، "ليان" بخير، هى بس هتعمل شوية تحاليل علشان نعرف سبب الإغماء ده إيه. -تمام، هنعملهم ونطمن عليها إن شاء الله. ثم أقترب منها مردداً: -يلا يا لولو علشان ترتاحى فى البيت . خرجت معه بدون أى حديث لتمر على المبنى المهجور بشرود، ترغب فى فهم ما يدور حولها .
📜 الفصل الرابع 📜
لم تذق طعم النوم تلك الليلة، لم يتوقف عقلها عن التفكير، هناك شىء مريب يحدث فى ذلك المكان المهجور، وهناك سر .. بالتأكيد "آسر" يعلمه جيداً. أنتظرت الصباح بفارغ الصبر، حتى ذهبت إلى المدرسة مسرعة فلم تبالى بغياب أخيها لمرضه مجدداً، كان عقلها مشغولاً بحل ذلك اللغز الذى حيرها . ظلت طوال اليوم منتظرة وقت الراحة حتى تصعد إلى مكان الصف الثالث الثانوى، وما إن صعدت ظلت تبحث بعينيها عن وجهه بين الطلاب، فلاحظ ذلك أحدهم فأقترب منها متسائلاً: -أى خدمة؟ نظرت إليه بتردد قائلة: -فى زميل هنا اسمه "آسر" ؟ فكر قليلاً ثم قال بإيجاز: -الحقيقة لا، أنا رئيس الفصل ومفيش حد هنا بالاسم ده . شعر بإحباطها فقال مازحاً: -أنتِ زعلتى كده ليه؟ ممكن يكون فى أى فصل تانى، ثم هو اسمه ايه كامل ؟ -معرفش غير "آسر". -شوفيه فى أى فصل تانى، لسه باقى أربع فصول. هزت رأسها بتفهم ثم شكرته وغادرت. انتهى وقت الراحة فلم تستطيع أن تكمل بحثها، فعلمت أن هناك حصة للأنشطة الطلابية فأبتسمت وقررت أن تعود إلى ذلك المبنى، فهى تشعر أنه سيكون موجوداً. وبالفعل، تسللت بنفس الطريقة من النافذة المكسورة أثناء أنشغال الجميع فى التدريب، ثم نزلت بإتجاه المياة منادية باسمه: -"آسر" ... "آسر" . كانت تنادى بعلو صوتها وقلبها يخبرها بأنه موجود، كادت أن تنادى للمرة الثالثة فرأته يخرج من بين المقاعد، فقالت بغضب: -أنا مش فاهمه حاجة، أنا أزاى ببقى هنا و الاقى نفسي فى مكان تانى بعدها ومش ببقي فاكرة ده بيحصل إزاى؟ كان يتابعها بصمت، فجلس على طرف أحد المقاعد، فأقتربت منه متسائلة: -هو أنا مجنونة؟ طيب أنت بتنقلنى من مكان لمكان إزاى؟ أنا طلعت دورت عليك فى الفصول فوق ومعرفتش أوصلك، طيب أنت فصلك إيه؟ ظل صامتاً، فأكملت بصوت أهدأ: -أنت معرفش بيحصلي إيه، والله ما أعرف، فى حاجة بتشدنى ليك بطريقة مخوفانى، أنا ... أنا مش بحب أتعامل مع حد ومليش أصحاب ومع ذلك فى حاجة بتخلينى مش عارفه أبعد عنك . ينظر إليها بحزن بالغ، فهو أدرى الناس بما تشعر به وبما يدور فى خلدها. فقالت بيأس: -أنت مين؟ كان صامتاً ينظر إلى عينيها بحزن صادق ترجمته هي بدقه، فقالت ببراءة طفلة صغيرة: -أنت زعلان ليه كده طيب؟ حقك عليا . ظل ناظراً إليها بحزن فابتسم ما إن قالت ذلك على فطرتها اللطيفة، فقال بهدوء: -أنتِ حد جميل أوى . شعرت بالخجل، فأكمل هو: -مش لازم نعرف كل حاجة بتدور حوالينا، علشان أحياناً كشف الحقايق بيكسر . صمت قليلاً ثم أكمل بحزن: -علشان كده أبعدى عنى، ومترجعيش هنا تانى . قالها ثم وقف وتحرك من أمامها للداخل, فأتبعته وهى تصرخ: -مش كل شوية تقولى كده، أنت مش هتأمرنى أعمل إيه وما أعملش إيه، ثم أنا محتاجة تفسير لكل اللى بيحصل ده . لم يعيرها أى أهتمام وأكمل طريقه فأوقفته وهى تصرخ: -أنا بحبك . توقف مكانه ما أن استمع كلمتها، فأكملت بصوت مهزوز: -اه والله، ومش فاهمه ده حصل أمتى، مع أنى لسه عارفاك قريب، فى حاجة بتشدنى ليك غصب عنى، تفكيرى كله مشغول بيك غصب عنى، أنا ... أنا معرفش أنا حاسة بإيه بس هو حاجة جديدة عليا، إنى أتعلق بحد وأحس إنى عايزه أشوفه وأقضي أطول وقت معاه من غير ما أفكر فى العواقب، مش ده يبقي حب . كانت تتحدث بقلب منفطر وتتسائل بعقل حائر، كان يشعر بمشاعرها ويفهمها جيداً، فألتفت إليها بغضب مفتعل: -وأنا مش بحبك، وميفرقش معايا مشاعرك دى إيه، وكل حاجة خاصة بيكِ مش فارقة معايا، أبعدى عنى .. قولتلك أبعدى عنى ومتقربيش ليا تانى . كانت النوافذ تتحرك بطريقة غريبة أفزعتها حولها، فأستدارت حول نفسها تتابع حركتها، لتشعر بالخوف لأول مرة منذ أن رأته فهمست : -"آسر" . كان صوتها كالمهدىء الذى سكن من عاصفته، فتراجع عن حالته ليعم الهدوء المكان مرة أخرى فشعرت بالصدمة وهى تنظر إليه، فقال: -أنا أسف، بس بلاش أنا .. أنا أخر واحد تفكرى تديله مشاعرك دى . نزلت دمعة منها أمامه ليتبعها سيلاً من الدموع، ثم ركضت ناحية النافذة لتخرج مثلما دخلت دون أن تلتفت إليه، وحينما صعدت لم تجد السلم مرة أخرى، فنزلت من النافذة ووقفت قبالته تقول بحزن: -ملقتش السلم تانى، ومن فضلك عرفنى أنت بتدخل وتخرج منين من غير ما تقربلى . كان يعلم مدى حزنها وكان يعلم إن تركها لمشاعرها إتجاهه، ستكون أنانية منه. فصمت قليلاً وهو يراقبها، ثم حسم أمره بأن يتركها قليلاً بجواره ثم قال بهدوء: -تقدرى تقعدى معايا شوية، لغاية ما حد يحط السلم تانى . سألته: -هو أنت بتخرج من هنا إزاى ؟ لم يجيبها فلم تسأله، فجلست على مقعد بعيد عنه قليلاً بهدوء، فجلس هو على مقعد آخر صامتاً. مرت دقائق بين الأثنين، فقال: -أنا أسف . لم تجيبه، فأكمل: -أنا مش بقلل من قيمة مشاعرك، لكن ... كنت أتمنى نتقابل فى وضع وظروف غير دى، صدقينى كنت هطير من الفرحة وقتها . نظرت إليه بعدم فهم متسائلة: -يعنى إيه ظروف غير دى ؟ لم يجيب سؤالها لكنه قال بنبرة غريبة: -من ٦ سنين، كان عندى مسابقة على مستوى الجمهورية فى إسكندرية، فى مدرسة بنات بس، كنت قاعد براجع قبل ما نقابل المدرسة التانية فى المسابقة، لاقيت بنت صغيرة كانت فى إبتدائي تقريباً قاعدة لوحدها بعيد عن البنات ماسكة دفتر رسم صغير وبتعيط، فقربت منها وسألتها عن حزنها، قالتلى أن قلمها ضاع ومش عارفه تكمل رسمتها، فجبتلها قلم وقعدت جنبها علشان تكمل الرسمة وبعد ما أخدته فرحت ومسكت إيدى وقالتلى وأنا هجيبلك حاجة حلوة، وجريت من قصادى فقولت أكيد هتجيب شوكولاته وقومت علشان أدخل المسابقة . كان يتحدث وهى تنظر إليه بإنتباه كأنها تستعيد ذكرى معينة فى ذاكرتها، فأكمل: -قبل ما أدخل أوضة المسابقة لاقيتها جريت بسرعة وشدتنى من كم التيشيرت ولبستنى حظاظة لونها أسود بخطوط بيضا قليلة، وقالتلى "دى ما تقلعهاش من إيدك، أنا عاملة واحدة زيها بس بيضا فيها خطوط سودا" وورتهالى وكملت" أوعى تقلعها، دى هتجيبلك الحظ وأنا عملاها لوحدى زى بتاعتى تمام" وفعلاً لبستها ودخلت المسابقة وكسبتها. نظرت إلى الأسورة التى ترتديها ثم نظرت إليه بترقب قائلاً: -أعتبرت أن الأسورة دى هى تميمة الحظ بتاعتى لأن فعلاً حاجات كتير اوى اتغيرت بعدها. ثم أكمل بحزن: -لغاية بعدها بسنة ما ضعت .. وضاعت الأسورة . هبت واقفة وهى تتحدث: -أيوا، أنا أفتكرتك، البنت دى تبقي أنا. ثم رفعت معصمها أمامه صارخة: -ودى الأسورة بتاعتى أهيه، أنت كنت عارف أنا مين من الأول صح؟ هز رأسه بإيجاب فقالت: -طيب إزاى ضعت من بعدها ؟ -مش كل حاجة لازم تعرفيها مرة واحدة، أوقات الجهل بالحقائق بيكون نعمة. كان يشعر بما تعانيه فهب واقفاً وهو يقول: -يلا علشان تمشي، ميعاد التراويح جه . فقالت: -طيب همشي إزاى؟ -فى باب صغير فى المخزن تحت، على الأغلب بيكون مفتوح، تعالى هعرفك طريقه . نظرت إليه بغيظ: -مقولتش على المكان ده من الأول ليه؟ أكتفى بإبتسامة هادئة وسار أمامها، سارت خلفه بخطى ثقيلة، ثم قالت: -"آسر" . فقال: -نعم. -هشوفك تانى ؟ كانت تتسائل بأمل لا تريد أن تفقده، فقال بهدوء لا يرغب فى جعلها حزينة مجدداً: -لو عايزانى، ف خلاص عرفتى فين هتلاقينى . أكتفت بابتسامة خجولة لتقف على باب المخزن متسائلة: -مش هتمشي أنت كمان ؟ قال: -أكيد . كانت ملامحه غريبة حزينة وهو يردد ذلك، فخرجت دون حديث لتتركه وحيداً فى مكانه ذلك . ...... بعد أنتهاء اليوم الدراسي، عادت إلى منزلها بمزيج من المشاعر المختلفة، فجلست بصحبة والدتها، فقالت الأخيرة: -عارفه، وأنا فى سنك كده كنت بنوتة مؤدبة جداً ورقيقة، ومفيش حد يقدر يقرب ناحيتى من زمايلى الشباب، لغاية ما "أحمد" ظهر فى حياتى، كان زميلى وجارى لكن مكونتش بديله وش، ساعتها شوفت في حاجات شدتنى ليه وخاصة إنى كنت عارفه بحبه ليا، ف غصب عنى حبيته .. بعدها طلب أنه يكلمنى علشان عايز يعرف حقيقة مشاعرى ناحيته، ساعتها قولتله لااا .. أنا مليش فى الحوارات دى، فقالى طمنيني بس أنك هتستنينى، قولتله مقدرش أديك وعد ممكن أخلفه، لو فى نصيب فى بعض هبقي ليك، لو مفيش نصيب فى بعض .. يبقي ربنا حفظنى وصونت نفسي لنصيبى، تعرفى ساعتها عمل إيه؟ -عمل إيه؟ -أتحدى الدنيا كلها وجه أتقدملى وأحنا فى ثانوى، وعمل أراجوز علشان جدك يوافق، فصعب عليه قاله اللى أقدر اتفق معاك عليه أنكم لو دخلتوا كلية كويسة هوافق تتخطبوا وبعد الكلية تتجوزوا، وقتها باباكى كان فاضل شوية ويزغرط. ضحكت "ليان" على طريقة والدتها المرحة وهى تحكى فأكملت: -القصد، أن البنت لما تحافظ على قلبها ونفسها .. ربنا سبحانه وتعالى بيراضيها، لكن لو ساقت الغلط ومشت ورا دماغها .. ربنا هيختبرها فى اللى بتحبه ده. ثم صمتت قليلاً لتكمل بحرص: -فهمانى يا لولو . ابتسمت "ليان" بود فأكملت الأم: -وأنا جنبك، وقت ما تحبى تحكى ... أكيد هسمعك أن شاء الله. عانقتها "ليان" بحب ثم عادت غرفتها لتستعيد ذكريات اليوم .
📜 الفصل الخامس 📜
لأول مرة فى التاريخ، تستيقظ مهمومة صباح يوم الجمعة، فكانت تريد أن تذهب إلى المدرسة للقاء ذلك الصديق الغريب . تتسائل ألاف المرات .. ما الذى يجذبها إليه هكذا؟ ما الذى جعل قلبها ينبض بحبه هكذا؟ فبالتأكيد .. ذلك الشعور المؤلم اللذيذ الذى لا يساعه صدرها هو "الحب" بعينه . ذهبت إلى أرجوحتها فى الحديقة وهى تحمل دفتر الرسم خاصتها ثم فتحته على صورة "آسرها"، ظلت تنظر إليه وهى تستعيد تلك الذكرى التى أحياها فى مخيلتها بالأمس، ثم نظرت إلى أسوارتها وهى تردد : -أكيد يومها أنا فرحت جداً باللى عملته معايا، علشان كده أديتك الأسورة التانية .. ياترى ضيعتها فين؟ كانت تتأمل صورته فأتى "عدى" وسحب الدفتر من بين أصابعها بغتة ثم ركض به بعيداً عنها، لتتبعه صارخة وهى تحاول إستعادته. كان أسرع منها بكثير، فأستطاع أن يقف فى مكان بعيد ثم فتح تلك الصورة ليتأملها قليلاً مردداً : -دا مين ده أن شاء الله ؟! كان غضبها بالغ ذروته، فأقتربت منه تسحبه عنوة وهى تصرخ : -انت مالك برسوماتى؟ فرد ببرود: -رسوماتك ؟ مين الولد اللى صورته عندك ده ؟ -ملكش دعوة، وإياك تعمل كده تانى، أنت فاهم . كانت تتحدث بإنفعال، ثم تركته وغادرت باتجاه غرفتها، فخرجت والدتهم متسائلة : -فى إيه يا " عدى"؟ أختك بتصرخ كده ليه ؟ قص عليها ماحدث ففهمت والدته الأمر، ثم أقتربت منه بهدوء مرددة : -مش عيب أنك تقتحم خصوصيات أختك كده وتزعلها؟ شعر بالحرج مبرراً : -أنا مقصدش، ثم دى راسمه ولد يا ماما . قالها بغيظ، فردت والدته بتفهم : -موضوع الرسمة دى حاجة تخصنى أنا، لكن أنت زعلتها بجد وأنت عارف أنها لوحدها أغلب الوقت وملهاش حد غيرك، مش كده؟ هز رأسه بتفهم ثم قال بهدوء : -عارف . -خلاص، سيبها تهدأ وبعدين أدخل أتكلم معاها . -حاضر. قبلت رأسه ثم نظرت إلى نافذة غرفة ابنتها مفكرة فى أمر ما . ...... كانت لا تزال على حالة الإنفعال تلك حتى بعدما دخلت غرفتها، جلست دقائق تنظر إلى الصورة التى انقطع جزء منها بحزن، ف دق الباب بهدوء لتأذن للطارق بالدخول، فكانت والدتها . -ها، ممكن نتكلم شوية ؟ شعرت بالخوف، فقد يكون "عدى" أخبر والدتهم عن أمر الصورة ، فقالت بقلق : -أتفضلي. جلست والدتها إلى جوارها، ثم سحبت دفتر الرسم من بين يديها بهدوء لتفتح صورة الشاب الذى أخبرها به "عدى"، نظرت قليلاً إليها ثم نظرت إلى ابنتها المتوترة جوارها لتقول بهدوء: -جميلة الصورة، دا زميلك ؟ هزت رأسها بإيجاب فقالت الام بمكر: -شكله وسيم . فلاحظت أحمرار وجنتى ابنتها فقالت : -سنة كام؟ -سنة تالتة . -امممم، وبتتكلموا مع بعض ؟ هزت رأسها بإيجاب بحرج، فأكملت الأم: -عرفتوا بعض أزاى؟ نظرت إليها "ليان" بتفكير، فمازالت تشعر بغموض رفيقها، فسحبت نفس عميق وقصت لوالدتها عنه، فقالت الأم : -بس غريبة أنه معظم الوقت موجود فى المكان ده. -أنا دائما بشوفه فى الفسحة أو فى الحصة اللى بع .. لم تكمل الحديث فنظرت إليها والدتها بخبث قائلة: -كمان بتسيبي الحصة علشان تروحيله؟ لم تجيبها صغيرتها فقالت: -أنا عارفه أنتِ بتمرى بإيه، وده مش عيب ولا حرام، لكن يا روحى العيب أنك تتمادى فى حاجة عارفه انها غلط، يعنى لا تربيتنا ولا ديننا قالوا نصاحب شباب، مش كده؟ كانت تشعر بالخجل فقالت : -أنا بس كل إلى بينى وبينه شوية كلام، مش أكتر . -أيوا، لكن بتنطى من على السور وتسرقى سلم وتسيبي حصص وتدخلى لشاب لوحدكم فى مكان على حد قولك مهجور، صح؟ -صح. -يبقي ده غلط ولا صح؟ -أنا عارفه أنه غلط، لكن فى حاجة بتشدنى ليه غصب عنى، فى حاجة أول مرة أحسها ومش عارفه إيه هى . كانت الأم متفهمة وضع ابنتها، فأقتربت منها تحتضنها ثم قالت : -دى مشاعر طبيعية فى سنك متخافيش منها، لكن حاولى تحافظى على نفسك علشان خاطر ربنا الأول وعلشان خاطر نفسك، أنتِ لسه صغيرة وهتشوفى كتير لسه، ثم إيه نوع الحوار اللى بينكم؟ -مفيش، حاجات بسيطة . شعرت بالحرج من أن تقص عليها فقرة أعترافها بالحب له، فقالت الأم : -تمام، أنا مصدقاكى لكن مش عايزه أسمع حاجة تخوفنى عليكى أو تزعلنى منك، تمام يا لولو؟ وإياكِ تدخلى المكان ده لوحدك تانى. سحبت نفساً عميقاً ثم قالت : -حاضر. قبلتها الأم من جبهتها ثم خرجت ليدخل "عدى" قائلاً : -أنا أسف. نظرت إليه بغيظ قليلاً، ثم قالت: -خلاص، مفيش حاجة . أقترب منها قائلاً بمرح : -على فكرة، مستر "عصام" أعلن عن مسابقة للسباحة وطلب منى أشارك فيها، ف عايزك تدخلى على صفحته تعملى لايك و شير وكومنتات كتير على صورتى اللى عنده . ابتسمت بود ثم قالت : -ربنا يوفقك يا حبيبي، ابعت بس اللينك وأنا هعملك فرح أن شاء الله. -عيونى. قالها ثم خرج مسرعاً لتسمع صوت إشعار بعد دقائق من خروجه، دخلت على الموقع ثم قامت بما أراده بالفعل، لاحظت صورة لأستاذهم بصحبة زوجته كغلاف لصفحته الشخصية، ففتحتها لتبتسم وتمدح فى جمال زوجته، تلقائياً أخذت تشاهد باقى الصور الشخصية لدى أستاذها، إلى أن وصلت لصورة فى فترة دراسته المدرسية، ما إن رأت الزى الذى يرتديه حتى ضحكت مرددة : -مستر "عصام" كان طالب فى مدرستنا . ثم أكملت مشاهدة الصور، لتجد صورة قديمة لمجموعة من الطلاب بينهم "عصام" وأيضاً زوجته كانت معه فى نفس الصورة بزي المدرسة، فقد كانت زميلته. دقائق من تفحص أوجه الصورة حتى وصلت إلى وجه جعل الصدمة ترتسم على وجهها، قربت الصورة أكثر ليظهر الوجه بصورة أكبر، شعرت بدقات قلبها أسرع من المعتاد، فقالت بدهشة : -"آسر"؟ أخذت تتأمل الصورة قليلاً، ثم نظرت إلى المكتوب أسفلها بقلب يشتعل رعباً، لتردد المكتوب : -"أخر مرة أتجمعنا فيها، هتوحشنى أوى يا صاحبى ." كان هناك عدة أشخاص فى الصورة من بينهم "آسر"، فأكملت بحث فى الصور لتجد صورة أكثر دقة ولكن ل" عصام" و "آسر" معاً ومكتوب أسفلها : "هتوحشنى" مع بعض الرموز التعبيرية الحزينة. كان قلقها يزداد أكثر ف أكثر، تشعر بالضياع والجهل، فدخلت على التعليقات لتلك الصورة لتجد معظمها أدعية بالرحمة والمغفرة لذلك الصديق . أنقبض قلبها غير قادرة على استيعاب ذلك الأمر، فأكملت فى البحث عن الصور لتجد معظمها صور "عصام" و"آسر" و رفاقهم، وتعبيرات حزينة أسفل كل صورة، إلى أن وصلت لصورة ل"آسر" بمفرده مدون أسفلها : -"إنا لله وانا اليه راجعون" أنا مش مصدق إنى هكتب ده فى يوم، لكن "آسر" صاحبي وأخويا فى ذمة الله ". تنظر إلى صورته ووجهه الذى حفظته عن ظهر قلب، لتهمس بصعوبة : -يعنى إيه؟!
📜 الفصل السادس 📜
تدور الأرض تحت قدميها، تشعر بإنقباضه فى قلبها وتوقف عقلها عن التفكير، تتسع عينيها بصدمة جلية وتنظر إلى الصورة أمامها بخوف حقيقي. وجدت تحت الصورة إشارة باسم "آسر نور الدين"، فضغطت بسرعة على الاسم لتنتقل مباشرة إلى صفحته الشخصية. وضعت يدها على فمها بذهول حينما رأت ملفه الشخصي، فهناك العشرات من المنشورات الحزينة التى تشير إلى وفاة صاحب الصفحة، ظلت تبحث وتبحث فى الصفحة إلى أن وصلت لآخر منشور قد قام بنشره هو، لقد مر على هذا المنشور أكثر من ٥ أعوام . كان عقلها لا يعى كل ذلك، كيف ومتى حدث ذلك؟ أليس هو من كانت بصحبته ليلة أمس؟ نظرت إلى ساعتها فوجدتها قرابة السادسة مساءاً، أحضرت بعض متعلقاتها ثم خرجت من المنزل مسرعة دون أن ينتبه إليها أحد، ثم تحركت بإتجاه المدرسة. كان الطقس عاصفاً قليلاً ولكن لم يوقفها ذلك، وصلت إلى بوابة المدرسة المغلقة فقررت أن تصعد على السور الخارجي لها، وبالفعل أستطاعت بصعوبة، وما إن وصلت للداخل حتى اتجهت إلى المبنى المهجور لتدخل من الباب الصغير الذى أرشدها إليه "آسر" سابقاً. وصلت إلى داخل المبنى فوجدت المكان هادئاً كعادته، بحثت عنه بعينيها أولاً ثم نادت بعلو صوتها باسمه، مرة، أثنان، وفى الثالثة وجدت المياة تتحرك ببطىء ثم طل برأسه منها ليخرج أمامها. كانت تتابعه بعينيها بصدمة وشرود، كان ينظر إليها بألم فقد علم أنها عرفت حقيقته . تجمدت قدماها للحظة وهي تراه أمامها، لم تعد ترى سوى عينيه، قلبها يصرخ باسمه قبل أن يهمس لسانها به. لم تنتظر تفسيرًا، ولا حتى سمحت لعقلها أن يذكرها بحقيقته … هرولت نحوه كمن عاد لوطنه بعد غربة، ورمت نفسها بين ذراعيه. لحظة صمت غريبة لفّت العالم … أحاطها بذراعيه أو هكذا خُيّل إليها، لم تكن لمسته حقيقية، بل دفء غريب يتسلل لعروقها، ورعشة تسري في جسدها. أغمضت عينيها، وكأنها إن فتحتها سيتلاشى … فشدت عليه أكثر، تتشبث بشيء تعلم في أعماقها أنه لن يبقى، لكنها لا تملك سوى أن تحبه … حتى وإن كان عشقًا ملعونًا. أبتعدت عنه قليلاً تنظر إليه بأعين خاوية، تردد فى أسى : -أنت موجود معايا، مش كده؟ كان ينظر إليها بحزن دون حديث، فأكملت: -أنت حقيقي، مش وهم، مش كده ؟ بح صوتها قليلاً، لتقول بألم : -أنت عايش .. مش روح .. أنا مش مجنونة وأنت قصادى دلوقت . هنا وتحدث أخيراً بصوته الهادىء: -قولتلك أبعدى، رفضتى . كانت تشعر بالضياع، فهو أمامها الآن فكيف له أن يكون شبحاً. لم تشعر بالرهبة لحظة، كان حبه مسيطراً عليها لدرجة أنها تراه أماناً لها، تلك التى رفضت الكل ولكنها قبلته هو . تاهت منها الكلمات، وأختفت الأحرف، فقال: -أنا أكبر منك ب ٨ سنين، ويوم ما شوفتك كنت فى تانية ثانوى، وبعدها بسنة كان عندى مسابقة مهمة جداً على مستوى الجمهورية ومشارك فيها عدد من زمايلى فى المدرسة. صمت قليلاً كأن المشهد يعاد أمامه مرة أخرى، فأقترب منها مردداً بحزن: -أنا أسف. ثم وضع يده على جبهتها لتسقط صارخة على الأرض مغمضة العينين . كان المكان يتبدل حولها بطريقة أرعبتها، كأنها داخل فيلم يعاد تصوير مشاهده، تقف فى منتصف المكان بصدمة جلية على وجهها، فوجدت "آسر" يدخل من بوابة المبنى الذى لم يكن مهجوراً أنذاك يرتدى زيه المدرسي، مر جوارها دون أن يلتفت إليها ليدخل غرفة تبديل الملابس، بعد دقائق دخل بعده عده أفراد خلسة بنفس الزى المدرسي ولكن بأوجه ممسوحة، كأنهم كائنات فضائية ف دب الرعب فى قلبها، ثم قاموا بإغلاق باب المبنى من الداخل بإحكام ليتجه أحدهم إلى المقبض الكهربائى ويمد بعض الأسلاك الكهربائية بإتجاه المسبح، وبعد أن وضعها فى المياة قام الآخر بتوصيلها بالتيار الكهربائى، بعدها خرج الجميع من المكان بسرعة وقاموا بإغلاق الباب من الخارج، ليخرج "آسر" ويقف عند حافة المسبح ... حينها صرخت هى تحاول منعه لكنها لم تستطع ذلك، فكان صوتها كأنه محبوس فى حنجرتها، فألقى "آسر" بحاله فى المياة ليسبح لكنه لا يدرى بأن يد الغدر والخسة قد نصبت له مكيدة مميته، لم يصرخ .. لم يستغيث، فقط سقط فى المياة وتحرك بعنف فى داخلها عدة دقائق متتالية دون أدنى إرادة منه، كانت تبكى وتنوح وتصرخ دون صوت فسقطت أمامه جالسة على الأرض، تراه يصارع الموت أمامها ولا تستطيع حتى طلب المساعدة، وبعد أن هدأ المكان قليلاً قام أحدهم بفتح الباب ثم دخل بهدوء فأسرعت هى اتجاهه تحاول إخباره بالأمر وتشير ناحية المسبح .. لكنه لم يكن يراها، لتتفاجىء بعد ذلك بأقتراب ذلك الشخص من المسبح ثم أتجه ناحية مقبض الكهرباء واغلقه بهدوء . ف علمت أنها جريمة قتل مرتبة ومكتملة الأركان، ما لفت إنتباهها فى ذلك الشخص تحديداً هو وقوفه بعد ذلك قليلاً ينظر إلى الآخر الموجود فى قاع المسبح، ثم دخل إلى غرفة تبديل الملابس ليحصل منها على بعض الأشياء الخاصة ب" آسر" من بينهم تلك الأسورة التى أخبرها عنها سابقاً، حيث رفعها ذلك الشخص أمام وجهه الممسوح ثم خرج من المكان بأثره واغلق الباب خلفه فى هدوء. كانت تتابع ما حدث بعجز كبير، ف عادت إلى المسبح تنظر إلى ذلك الراقد فى القاع، مغمض العينين ومسلوب الإرادة، شعرت ببرودة في أطرافها، وحرارة خانقة في صدرها، كأن كل ذرة هواء تسربت من الغرفة. دموعها نزلت قبل أن تعي أنها تبكي، وإحساس مقبض غمرها .. مزيج من غضب يشعل دمها، وذنب يثقل روحها، ووجع عميق لا شفاء منه . لتجد بعد دقائق دخول مجموعة من الطلاب بالكثير من الصخب، لينادى أحدهم على "آسر" بعلو صوته لكن لا رد، فدخل إلى غرفة الملابس فلم يجده، فأقتربت زميلتهم من المسبح ليبدو عليها علامات الصدمة والذعر، فأطلقت صرخة مدوية تجمع أثرها باقى الطلاب حولها لمعرفة السبب، فأشارت إتجاه القاع فكست الصدمة ملامح الجميع، حتى ألقى الشباب بأنفسهم فى المياة ليخرجوه جسداً لا روح فيه .. حاولوا القيام ببعض الإسعافات الأولية لكن دون جدوى، ف تحول بعدها المكان إلى ساحة كبيرة ممتلئة بالأفراد . كانت تقف فى منتصف المكان تتابع كل ذلك إلى أن شعرت بدوار شديد وإحساس خانق يسحبها إلى مكان آخر، فأغمضت عينيها بألم لتستيقظ بعد ذلك وتجد نفسها فى غرفة نومها . ...... أستيقظت بوهن شديد، غير قادرة على الحركة أو حتى التفكير، لا تدرى ما أصابها ولا تتذكره، فنظرت إلى ساعة هاتفها بإرهاق لتجدها الثانية بعد منتصف الليل. دقائق مرت من اللاوعى ثم بدأت تستعيد ذكرى ما حدث بالتدريج، لترى جزء من صورته التى رسمتها له أمامها، فسحبتها سريعاً تنظر إليها بقلب منفطر وهى تستعيد كل مارأته منذ قليل، لم تتعجب كيف أتت إلى غرفتها بعدما كانت بصحبته . وضعت كفها على فمها كأنها تكتم الصراخ به، فقط نحيب يصدر منها على ذلك الشاب الذى أغتالته أيدى الغدر و الخسة . فتحت أحد مواقع التواصل الأجتماعى على صفحته الشخصية تقرأ ما كتب عنه، كل حرف كُتب كسر قلبها الآف القطع، إلى أن وصلت إلى تعليق جعلها تفكر كثيراً. كان أحد الأشخاص يسأل عن سبب الوفاة ليرد الآخر بأن أحد أجهزة المكان التالفة تسببت فى وجود تيار كهربى داخل المسبح، فأتسعت عينيها بصدمة لأن قاتليه مازالوا أحرار ولم يكتشف أحد جريمتهم بعد . كانت تشعر بالغليان ولكن لا دليل ملموس بيدها، حتى أن أوجههم كانت ممسوحة ورجحت ذلك بأن "آسر" يجهل شخصياتهم أيضاً .. أو يرغب بطمس هويتهم عنها، فقالت بغل: -لا مش معقول، بقاله ٦ سنين متوفى ... ومحدش عارف أنه أتقتل، إزاى؟ دى جريمة وواضح أنها مترتبة كمان، يعنى إيه؟ مكانش في كاميرات فى المكان فى الوقت ده؟ كانت تتحدث بإنفعال وصوت مرتفع ليدفعها ذلك على التصميم على الكشف عن الحقيقة، كيف؟ لا تدرى .. لكنها عقدت النية على كشف الحقيقة بأى طريقة كانت . ظلت تفكر طيلة الليل إلى أن قررت أن تذهب إلى "عصام" فيبدو أنه كان صديق مقرب لديه . ....... فى المدرسة ... ظلت قرابة الساعة تجلس أمام باب غرفة المعلمين إلى أن وصل "عصام" أخيراً، ما إن رآها حتى ابتسم لها مردداً : -"ليان"، عامله إيه؟ بادلته ابتسامة شاحبة، فقالت : -الحمد لله. -مالك ؟ -كنت ... عايزه أسأل حضرتك عن حاجة . -أكيد، تعالى . دخلت بعده إلى مكتبه، ثم جلست أمامه فقال: -خير؟ صمتت قليلاً ثم قالت بتردد : -هو حضرتك تعرف واحد اسمه "آسر نور الدين" ؟ رد بحزن وإيجاز : -أكيد، كان صاحبى. فقالت : -هو حضرتك تعرف .. مات ازاى؟ نظر إليها بترقب مجيباً : -أكيد، كل المدرسة عارفه، كان عنده تدريب سباحة قبل مسابقة كبيرة، ووقتها كان فى صيانة لأحد الأجهزة فأتسبب أن الكهربا وصلت لماية الحمام و .... وأتوفى مع الأسف . قالها بنبرة حزينة ثم سألها : -بس أنتِ تعرفيه منين؟ الكلام ده من ٦ سنين أو أكتر والأجيال الحالية متعرفش حاجة عنه . -أنا مكونتش أعرفه وقتها لكن ..عرفت أن وفاة "آسر" كانت جريمة مخطط ليها ومكانتش قضاء وقدر . نظر إليها "عصام" بصدمة واضحة ليسألها : -إيه اللى أنتِ بتقوليه ده؟ -صدقنى، فى ناس خططوا لقتل "آسر" . هب واقفاً فى مكانه ينظر إليها بصدمة كبيرة جعلتها تتعجب من حالته تلك .
📜 الفصل السابع 📜
عادت إلى منزلها بعد يوم دراسي طويل .. وحزين، لتلقى نفسها فى فراشها بقلب منفطر، فما تمر به ليس بالهين أو السهل، تتسائل لما يحدث معها ذلك؟ تتذكر ملامحه ونظرات عينيه لها فيشتعل قلبها حزناً أكثر فأكثر، تذكرت حديثها مع "عصام" فتجهم وجهها تلقائياً، فحينما أخبرته عن سبب وفاة "آسر" وأنه قد قتل عمداً .. هب واقفاً ينظر إليها بصدمة كبيرة ثم اتجه إلى باب المكتب أغلقه بسرعة ثم جلس قبالتها يقول: -ايه اللى بتقوليه ده ؟ قالت بصدق : -صدقنى، فى ناس خططوا لقتل "آسر". فقال : -أنتِ فاهمة أنتِ بتقولى إيه؟ مين اللى قالك حاجة زى دى؟ أجابته بهدوء : -أنا ... أنا بشوف "آسر" . نظر إليه بتعجب قائلاً : -بتشوفيه إزاى يعنى؟ -"آسر" هو اللى أنقذنى يوم ما وقعت فى حمام السباحة وحضرتك لقيتنى، وبعدها ... دخلت المبنى المهجور ف شوفته جوا، و أتكلمنا مع بعض .. كنت فاكره أنه إنسان طبيعي بيحب العزلة زيي، لكن .. لكن عرفت بعد كده أنه .. مات . سكتت قليلاً حتى تجمع شتات أمرها، ثم قالت بحزن : -مكونتش مصدقه أنه مش موجود، فرجعتله مرة تانية وهناك شوفت اللى حصله، حوالى ٤ أشخاص دخلوا المكان وبعدها اتنين منهم وصلوا الكهربا للماية وبعد ما خلاص .. واحد دخل واخد أوراق من دولاب "آسر" . -وشوفتى مين الولاد دول؟ كان يسألها فأجابت : -لا مع الأسف، كانت ملامحهم مطموسه وممسوحة فمعرفتش مين هما . أعتدل فى جلسته ثم عاد إلى الخلف قليلاً مردداً: -و إيه اللى يخليكي متأكده من كلامك، مش ممكن يكون كل ده وهم؟ قالت بنفي : -لا مش وهم، صدقنى .. أنا شوفته وأتكلمت معاه . سحب نفساً عميقاً ثم قال بهدوء : -أنا و"آسر" كنا أقرب أتنين لبعض، وكنا وقتها بنستعد لمسابقة على مستوى الجمهورية واللى هياخد المركز الاول هيتأهل لبطولة عالمية، ف وفاته وقتها كانت صدمة كبيرة أوى ليا ولو كنت شاكك وقتها أن فى حد حاول يعمل فيه كده أكيد ما كنتش هسكت، فأنا شايف أن كل دى أوهام وأنك مرهقة شوية ومتفكريش فى الموضوع ده تانى . شعرت بالصدمة من حديثه، فقالت بإلحاح: -صدقنى، أنا مش بتوهم ولا كنت مرهقة، أنا شوفت "آسر" بعينى وكلمته وشوفت الحادثة كلها. -"ليان"، لو معاكى دليل واحد بس ملموس أنا هبقي فى ضهرك ومش هتخلى عنك ولا عنه، لكن اللى بتقوليه ده مفيش له أى أساس من المنطق . سحبت نفساً عميقاً ثم نهضت بيأس قائلة : -تمام يا مستر " عصام ". ثم خرجت من الغرفة تجر أذيال الخيبة، فنظر الآخر فى أثرها بتفكير . ...... أنهت يومها الدراسي وظلت واقفه أمام بوابة المبنى المهجور، تشعر بوجوده بالداخل لكن هناك ما يجعلها تتراجع عن زيارته، فهى ترغب أن تبشره بمعرفة قاتله . لكن كانت عاطفتها أقوى مئات المرات من تراجعها ذلك، فأستغلت أنشغال أخيها بالتدريب وأنتظارها له، فدلفت إليه بحزن تبحث عنه بعينيها فى المكان، فأقتربت من حافة المسبح ثم جلست على طرفها تنظر إليها بألم تتذكر مشهده السابق، فوجدت من يجلس جوارها بهدوء. نظرت إليه بحزن شديد، فقال بحنان : -زعلانه ليه؟ قالت بألم بعدما تجمعت العبرات فى عينيها : -أنت وهم؟ فهم ما تعنى، فرد : -أنتِ شايفه إيه؟ نظرت أمامها بعدما نزلت دموعها ثم قالت : -أنا مش شايفة، أنا تعبانه . لم يحيد بنظره عنها فأكملت : -حاسة إنى أتجننت. ضحك على جملتها فقال : -ليه أتجننتى؟ أنتِ الوحيدة اللى قدرتى تشوفينى وتتعاملى معايا بعد السنين دى كلها، وأنتِ الوحيدة اللى مش عايزه تتخلى عنى وشافت كل الحقيقة، أكيد فى حكمة ربنا وحده الأعلم بيها . نظرت إليه بتساؤل: -أنت متعرفش مين اللى عمل فيك كده ؟ صمت قليلاً ثم قال: -عارف . أتسعت عينيها بدهشة قائلة: -بس أنا مشوفتش مين ؟ أنت مخلتنيش أشوفهم ليه؟ لم يستطع الإجابة فظل صامتاً، فأكملت : -فهمنى عملت كده ليه أو حتى عرفنى هما مين ؟ قال : -مش يمكن وريتك الحقيقة علشان تفهمى أنا مين، ومش عايزك تعرفى هما مين علشان خايف عليكي . كانت تشعر بالألم من حديثه فقالت: -خايف عليا؟ ثم نهضت من جواره تقول بغضب : -خايف عليا من إنى أجيب حقك من شوية كلاب دمروك؟ وقف أمامها قائلاً : -أكيد، لأنهم زى ما قدروا يعملوا فيا كده، هيقدروا يعملوا زيه معاكى .. خاصة .. أنهم كبروا دلوقت. قال جملته الأخيرة بتفكير، فردت بغيظ: -كبروا قد إيه يعنى؟ مش زمانهم حوالى ٢٤ سنة أو ٢٥ سنة، يعنى ممكن لسه فيهم اللى بيدرس وفيهم اللى لسه متعين جديد زى مستر "عصام" كده ؟ عند ذكر اسم "عصام" تغيرت ملامح "آسر" قليلاً فلاحظت ذلك فقالت : -أنا كنت عنده وحكيتله. -صدقك؟ -لا مصدقنيش وقالى لازم دليل ملموس وهو هيدعمنى وهيجيب حقك . ابتسم ثم أقترب منها قليلاً مردداً : -وأنا مش عايز منهم حقى دلوقت . -يعنى إيه؟ دول غدروا بيك! -عارف. -طيب عملوا كده ليه؟ لم يجيبها ولكنه أقترب من الحافة مرة أخرى وظل ناظراً إلى المياة، فسألته مجدداً : -عملوا كده ليه؟ وأنت مش عايز تساعدنى أجيب حقك ليه ؟ ظل صامتاً قليلاً، ثم قال دون أن يلتفت إليها : -علشان خايف عليكي ... علشان حبيتك . ثم ألقى بحاله فى مياة المسبح دون أى حديث، لتهرول هى إتجاهه بعدما سمعت حديثه فرأت أن مياة المسبح عادت هادئه تماماً، فصرخت قائلة: -وأنا مش هسيب حقك يا "آسر" .. حتى لو قتلونى . ثم حملت حقيبتها وخرجت باكية، فأى قلب يتحمل هذا الألم؟ قلبها الصغير الذى لم يجرب قساوة الدنيا بعد .. تحمل من الآلام ما يقتله . ..... عادت من ذكرياتها على صوت أخيها منادياً: -"ليان" تعالى معايا الحفلة . نظرت إليه بتعجب : -حفلة إيه؟ قفز بجوارها إلى الفراش مردداً بحماس : -مستر "عصام" عزم كل فريقه على عيد ميلاد بنته الأول، فقالنا علشان دا يوم مميز فأنا عايزكم تكونوا موجودين، وبابا قالى مش هتروح غير لما "ليان" تيجى معاك. قالت بأسف : -معلش يا "عدى"، مش هقدر أجى معاك . نظر إليها بحزن قائلاً : -لا طبعاً مفيش معلش، بابا أشترط إنى أروح بأنك تيجى . شعرت بالغيظ قليلاً فكادت أن ترفض رفضاً قاطعاً، فخطرت على بالها فكرة، فربما إن رآها "عصام" قد يعيد النظر في مساعدتها وتصديقها، فقالت بتفكير : -تمام، هاجى معاك ان شاء الله. ...... فى حديقة منزل "عصام" فى المساء أجتمع العديد من هيئة التدريس والطلاب وبعض الأهل والأصدقاء فى منزل "عصام" للأحتفال بعيد ميلاد طفلته الأول، فيبدو أنه إنسان محبوباً من الجميع. كان الجميع يشعر بالفرح والسرور فى حفل ممتلىء بالبهجة، لكن ما إن رأى "عصام" "ليان" حتى أمتعض وجهه مجدداً، فأقترب منها محاولاً الابتسام قائلاً : -ها، أخبارك إيه؟ ابتسمت بمجاملة قائله : -الحمد لله، كل سنة وبنت حضرتك بخير. -وأنتِ بخير، أستمتعى بالحفلة . -أكيد يا مستر، شكراً ليك . ثم تركها وتحرك من المكان ليقترب من أحد المدعوين ويحدثه فألتفت الآخر نحو "ليان" يتفحصها مما أثار الريبة فى نفسها فتحركت إلى مكان آخر . أثناء تجولها لمحت ركناً صغيراً مهيىء كمكتبة فى المنزل، فأعجبها الأمر فدخلت تنظر إلى الكتب الموجودة على الأرفف بإستمتاع، كان الأطفال يركضوا هنا وهناك مما جعلها لاتستطيع التركيز فى أسماء الكتب، ولكن فى أحد الأرفف المغلق بزجاج شفاف لمحت بعض الساعات الخاصة ب "عصام" فيبدو أنه محباً للساعات وتجميعها شغفاً له، لمحت فى داخل الرف شيئاً ما يبدو مألوفاً، فأقتربت قليلاً تحاول الرؤية بوضوح فأتسعت عينيها بصدمة مما رأت ثم وضعت يدها على فمها بذهول مرددة : -مش معقول .
📜 الفصل الثامن 📜
كانت تضع يدها على فمها بذهول، تنظر إلى الرف الزجاجى بصدمة، فوجدت من يقف جوارها متسائلاً : -خير يا "ليان"؟ صرخت بفزع، فوجدته "عصام" فقالت بخوف وتردد : -مفيش، أنا ... أنا بس عجبنى رف الساعات جداً، خاصة إنه تقريباً هواية عند حضرتك، ففرحت أن حضرتك عامل رف للى بتحبه . هز رأس بشك، فقال : -طيب يلا علشان هنقطع التورتة، وكمان الحفلة قربت تخلص . -تمام . قالت جملتها وهى تتحرك من أمامه بتوتر جعله يشك فى أمرها، ليقف الجميع فى الخارج يقوموا بغناء أغانى أعياد الميلاد المشهورة، كان الجميع منشغلاً بعيد الميلاد بينما كانت "ليان" فى وادٍ آخر مما أكتشفته، فنظرت أمامها لتجد "عصام " محدقاً بها أيضاً . شعرت بالرهبة ثم أقتربت من شقيقها وطلبت منه العودة إلى المنزل لأنها تشعر بالتعب، فرضخ لطلبها ثم غادروا المكان، فألتفتت "ليان" إلى الداخل مجدداً لتجد "عصام" بصحبة شخصين مجهولى الهوية بالنسبة لها، يتابعون خروجها بنظرات مريبة . ...... قضت ليلتها فى تفكير مستمر، فإن كانت حزينة على "آسر" قيراط فأصبحت حزينة عليه أربعة وعشرين، ظلت تفكر فى الأمر ليلتها إلى أن غلبها النوم . أستيقظت بملل عكس أيامها السابقة، فظلت جالسة تفكر فيما علمته .. فالآن علمت سبب خوف "آسر" عليها، فقررت الذهاب إلى المدرسة ومعرفة إلى أين ستؤول الأمور . وبالفعل ... منذ أن وصلت وهى تشعر أن هناك طاقة غريبة فى المكان، فتلك مرتها الأولى للشعور بذلك الأمر، فنظرت إتجاه المبنى المهجور بقلق لا تدرى ماهيته، فقط ترغب بالذهاب إلى "آسر" وبشدة . دخلت فصلها مرغمة إلى أن أتى موعد الراحة فأنطلقت بسرعة نحو رفيقها، فدخلت إلى المكان تناديه بعلو صوتها ولكن دون جدوى، فتلك مرته الأولى التى يغيب عنها هكذا مهما حدث . ظلت تتلفت فى المكان عله يظهر لكنه لم يفعل. فصرخت بأعلى صوت: -"آسر" .. أنت فين ؟ رد عليا . فسمعت صوت يأتى من الخلف مردداً : -"آسر" مات من سنين . أستدارت برعب، فقالت : -وأنت اللى قتلته، مش كده؟ جلس على المقعد أمامها ينظر إليها بخبث مردداً : -اتهام صريح كده؟ ثم جلس براحة أكثر، مردداً : -عندك إثبات على اللى بتقوليه ده طيب؟ كانت تشعر بالخوف إلا أنها أدعت الثبات، فقالت: -معنديش حالياً، بس أنا عارفه أن ربنا هيظهر الحق والناس كلها هتعرف أنك قتلته .. قتلت صاحبك، والإسورة بتاعته اللى حضرتك شايلها بكل بساطة فى رف الساعات الخاصة بيك . نظر إليها بإستخفاف قائلاً : -وهيعرفوا إزاى؟ والإسورة دى مين يعرفها ؟! الحادثة كانت من أكتر من ٥ سنين، ويومها الكاميرات فصلت سبحان الله، مش الكاميرات اتفصلت قصد ولا حاجة مثلاً، يبقي الناس هتعرف إزاى؟ تحدث بسخرية، فقالت : -بس ربنا عالم، اللى كشفلى الجريمة دلوقت قادر يكشفها للناس كلها . ضحك بصخب فسألته : -عملت كده ليه؟ دا كان صاحبك . صمت قليلاً ثم نهض فجأة يمسكها من رقبتها محاولاً خنقها، ثم قال بصريخ : -أنا مقتلتش حد، أنا مقتلتش حد وإياك أسمعك بتقولى كده تانى، ساعتها هقتلك وهرميكى فى نفس المكان ده . ثم دفعها فسقطت أرضاً وخرج من المكان ليتركها خلفه تسعل بقوة وهى تمسك برقبتها، وبعد دقائق بدأت تهدأ قليلاً لتجد من جلس أمامها بوجه حزين عابث، فنظرت إليه كأن نظراتها تلومه، فقال بحزن: -قولتلك أبعدى عنى، ملكيش دخل بيهم. -مش هسيب حقك. ابتسم ابتسامة باهتة: -وتفتكرى هما هيسيبوكى ؟ -مش مهم، حتى لو قتلونى .. هابقي مت وأنا بجيب حقك . ساد الصمت قليلاً ثم قالت : -مادافعتش عنى ليه ؟ كانت تلومه بأعين حزينة فلم يستطيع أن يجيبها فقالت: -كنت تقدر .. مش كده ؟ -أخبارك إيه دلوقت ؟ علمت أنه يتهرب من سؤالها فقالت: -الحمد لله . -طيب يلا علشان الحصة بدأت . نهضت بصعوبة ثم خرجت بإرهاق دون أن تلتفت إليه، فقال بصوت مسموع لها فقط، كأنه دخل إلى عقلها : -كان غصب عنى، حقك عليا .. أنا بحبك . ألتفتت إليه لتجده يقف فى نفس مكانه ثم قفز فى المياة كعادته. خرجت من ذلك المكان لتتجه إلى فصلها، كانت تشعر أن هناك من يراقبها. فدخلت فصلها مسرعة لتنهى حصصها، وبعد إنتهاء اليوم الدراسي عادت إلى المنزل بصحبة أخيها . كانت تفكر فى طريقة لإثبات ما حدث، فهى تعرف مدى صعوبة ذلك الأمر لكنها على يقين بالله أنه سيدبر الأمر لها . ...... مر يومان على ذلك اليوم وهى فى المنزل لا ترغب فى الذهاب إلى المدرسة بحجة المذاكرة لأداء أختبارات الفصل الدراسي الأول، فقررت أن تنتهى من تلك الأختبارات أولاً ثم التفكير فى مخرج من ذلك الأمر . لكن مذاكرتها لدروسها لم تمنعها من البحث عن الثلاثة أشخاص الآخرين، فخمنت إن كان "عصام" هو أول فرد فى الجريمة، فبالتأكيد بعض أصدقائهم هم المشتركين معه، فعادت إلى صفحته الشخصية ومنها إلى ملف الصور لديه، فوجدت صورة تجمعه بعدة أفراد من بينهم الأثنين اللذين كانا بصحبته فى حفلة ابنته، فبالبحث والتفكير عرفت هوية الأثنين وصفحاتهم الشخصية ومنها وجدت صورة تجمعهم ب "آسر" قبل وفاته . فواحد منهم بطل مشهور فى السباحة، والآخر كان يعمل كموظف فى أحد السفارات الأجنبية في مصر، فشعرت أن الأثنين هم المطلوبين، فمن الشخص الرابع إذاً؟ مر إسبوع بعد ذلك لتنتهى أخيراً من أداء الأختبارات، تسللت خلسة إلى المبنى المهجور لتودع رفيقها على أمل أن تجد ثغرة ما من أجل تلك القضية، وقفت أمامه تبتسم مرددة : -أنا هبقي أجيلك على فكرة . -هتنطى من على السور برضو ؟ شعرت بالحرج، فأكمل: -بلاش تقربي يا "ليان"، كفاية اللى عرفتيه، محدش هيصدقك وهما مش هيسيبوكى . لم تجيبه تلك المرة ولكنها قالت بإصرار : -مين الرابع اللى كان معاهم، أنا عرفت تلاتة .. مين رابعهم . ابتسم بألم فقالت : -طيب إيه السبب؟ صمت قليلاً ثم قال: -كل واحد فيهم عنده سبب يخلص منى بيه، لكن أنا .. مكونتش شايف أى سبب من ده، كنت شايف أصحابى وبس . كان حزيناً لكنه أكمل : -متخيلتش لحظة أن حد فيهم يعمل فيا كده، كنت معاهم قبلها بيوم بنحتفل .. كنت بضحك معاهم معرفش أنهم مجهزين ليا علشان يخلصوا منى . -مشكتش لحظة انهم يعملوا كده؟ نظر إليها بملامح باهته فقال: -ولا ثانية . أقتربت منه بأسف وقلب حزين تردد : -لو الحقيقة ظهرت، هيحصل معاك إيه؟ فكر قليلاً ثم قال : -همشي . نظرت إلى المياة جوارها فقال لها : -ها .. تحبى الحقيقة تظهر؟ كانت تشعر بغصة فى قلبها فردت : -أنا لازم أمشي دلوقت علشان "عدى" خرج من اللجنة، بس هرجعلك تانى . ثم تحركت إلى الخارج فقال بصوت مرتفع سمعته : -مش شرط يكون شريكهم راجل. ثم أختفى من أمامها ليتركها فى حيرة تهمس : -بنت؟ تذكرت وقتها وجود صورة تجمعهم برفقة فتاة، فأسرعت بفتح هاتفها لتبحث عن تلك الصورة بقلق بالغ، إلى أن وصلت إليها فقامت بفتحها بسرعة، وجدته يضع إشارة باسمها على الصورة فدخلت عليها لتجحظ عينيها ما إن علمت هوية الفتاة.
📜 الفصل التاسع 📜
كانت تشعر بالحزن الشديد على هذا ال "آسر"، فقد تأكدت أن هؤلاء الأربعة هم المطلوبين بالتحديد، كانت تريد أن تثبت تورطتهم ولكن كيف تفعل ذلك؟ لم تستطيع أن تغمض عينيها ليلتها، كانت تشعر بالأرق الشديد ، نظرت إلى ساعتها فوجدتها الواحدة بعد منتصف الليل، كان الطقس شتوياً ماطراً تشوبه الرياح الباردة، فنهضت تلقائياً بدون تفكير وسحبت معطفاً شتوياً ثقيلاً وخرجت بهدوء كى لا يشعر بها من فى المنزل، لتتجه كعادتها إلى المبنى المهجور لمدرستها. أستطاعت أن تتسلق السور مثلما فعلت المرة السابقة، ومنه .. تسللت إلى المبنى عن طريق الباب الصغير الذى علمت بوجوده. دخلت الصالة الرياضية فوجدتها معتمة تماماً فقامت بإضاءة هاتفها منادية على صاحب وجهتها، فوجدته يقف أمامها مردداً : -مش خايفه تيجي دلوقت؟ مينفعش تيجى دلوقت . لم تجيبه ولكنها تسائلت بجدية : -"آسر"، بالله عليك مش فاكر أى حاجة حصلت يومها، أى حاجة تبقي طرف خيط ؟ نظر إليها بتفكير مردداً : -طرف خيط؟ بلاش تقربى منهم يا "ليان"، قولتلك مليون مرة أبعدى. لاحظت تبدل ملامحه، ولكنها لم تخشاه فقالت : -"عصام" عمل فيك كده علشان البنت اللى كانت معاكم فى الصورة صح ؟ ظهر الغضب على ملامحه، فقال بأعين تشتعل : -ملكيش دخل باللى حصل، كده كده هياخدوا جزاؤهم، أبعدى أنتِ . كاد يتحرك من أمامها لكنها سبقته ووقفت أمامه مرددة : -أنا مش هسيبك ومش هتخلى عنك، ولو حتى واجهت نفس مصيرك . لم يجيبها فأكملت : -حتى لو مقولتش حاجة، أنا برضو هجيب حقك و هكشف اللى عمل كده لكل الناس، مش هسيبك يا "آسر" . كانت صادقة تماماً وهو يعلم ذلك، فصمت قليلاً أمام إصرارها قائلاً : -مش شرط يكون كل الموجودين كانوا سبب موتى، ممكن يكون فى حد كان موجود لكنه مشاركش . نظرت إليه بصدمة قائلة : -حد شافهم ومبلغش؟ ولا كان عارف هما هيعملوا إيه وسكت؟! لم يجيبها فى البداية ولكنه أكمل : -أضعف وأجبن من أنه يواجه، وعايش بإحساس ذنب الكتمان لغاية دلوقت، ولو لقى فرصة هيتكلم . -زميلكم؟ هز رأسه نافياً، فأكلمت: -حد من الموظفين ؟ -مش بالظبط. -هما يعرفوا أنه شافهم؟ -كان زمانه أتقتل . -طيب هو مين؟ نظر إلى المياة قليلاً ثم ألتفت نحو المقاعد للتحرك ببطىء إتجاه نهاية القاعة وهى تتبعه، ثم نظر إليها بأعين حادة ليضع أصابعه على جبهتها، ف حدث لها مثلما حدث سابقاً فرأت الحادثة من زاوية آخر، ولكنها نظرت جوارها تلك المرة لتجد أحد عمال صيانة المدرسة يقف يتابع ما يحدث بأعين جاحظة، فكاد أن يخرج لتحذير "آسر" عندما هم بالقفز فى المياة ولكن سبق السيف العذل . لتعود سريعاً إلى واقعها وتجد نفسها كالعادة فى غرفتها بعدما كشف لها عن هوية الشاهد الوحيد المجهول فى القضية. كانت إجازة الفصل الدراسي الأول قد بدأت، ولم تستطع أن تجد طريقة للوصول لذلك العامل، فقررت الإنتظار قليلاً حتى تبدأ الدراسة ثم تكمل فى تحرياتها عنه، بالرغم من أن الإنتظار كان قاتلاً فى بعض الأحيان . كانت تجلس فى غرفتها فوجدت "عدى" يدخل بمرح قائلاً : -فى ضيوف وعايزين يسلموا عليكِ. -مين؟ -طنط "نور" بنت عم ماما وجوزها، جايين يباركوا علشان نقلنا هنا . هزت رأسها بتفهم ثم قالت: -هو لازم أخرج؟ -اه، ماما أصلاً طلبت منى أنادى عليكى . رافقته بملل كى تنفذ المطلوب منها وتنهى المقابلة سريعاً. -"ليو" حبيبتى وحشتينى. قالتها "نور" بحفاوة شديدة وهى تعانقها فبادلتها "ليان" الترحيب، لتقول "نور" : -زعلانة منك علشان محضرتيش فرحى . فقالت "ليان" معتذرة : -أسفة والله، كان عندى أمتحانات الأعدادى فمعرفتش أجى . تقبلت "نور" أعتذارها، ثم قدمت زوجها إليها قائلة : -دا "يونس"، جوزى . كانت تقولها بحب شديد، فقال "يونس" : -أهلاً "ليان"، أخبارك إيه ؟ -الحمد لله، أهلاً بحضرتك. جلس الجميع يتسامرون، فقال والد "ليان" : -"عدى" أنا عايزك تطلع ظابط شرطة، زى عمو "يونس" كده . انتبهت "ليان" الصامتة إلى حديث والدها، فقالت بلهفة تعجب منها الجميع : -عمو " يونس"، هو حضرتك ظابط شرطة؟ نظر إليها "يونس" بإهتمام مردداً : -أه يا "ليان"، فى حد مضايقك ولا حاجة ؟ كان ينظر إليها بتفحص فقالت بتوتر مغيرة للموضوع : -لا، لا خالص .. أنا بس أول مرة أقعد مع ظابط شرطة، وكده يعنى . ابتسم إليها بمجاملة، لكنه شعر بأن هناك ماتخفيه تلك الصغيرة، ففضل الصمت .. مؤقتاً. بعدما أنتهت الجلسة العائلية بمرحها وتعهدهم على التجمع مرة أخرى وأثناء توديع الضيوف، أقترب "يونس" من "ليان" قائلاً بهمس : -لو فى حاجة .. أنا موجود . ثم غمزها بود وخرج بصحبة زوجته، فنظرت فى أثره بتفكير وتردد. ظلت طوال عدة أيام تالية تفكر فى الأمر، وترتب أمورها كى تصل إلى طريقة تجعل بها ذلك الشاهد يعترف بما فعله الآخرين، فتذكرت "يونس" وشعرت أنه سيساعدها فى ما تريد . فوصلت إلى صفحته الشخصية عن طريق صفحة زوجته على أحد مواقع التواصل الأجتماعى، ثم قامت بإرسال عدة رسائل إليه تخبره هويتها لكنه لم يرد عليها، أنتظرت عدة ساعات لكنه لم يجيبها، فقامت بالإتصال به عن طريق أحد التطبيقات فرد متسائلاً : -مين ؟ فقالت بحرج : -أنا "ليان" يا عمو "يونس" . ابتسم الأخير بأنتصار فقال: -أهلا "ليان"، مالك؟ ترددت قليلاً لكنها حسمت أمرها قائلة : -كنت محتاجة أقابل حضرتك فى موضوع مهم، لكن متقولش لطنط "نور" . هنا وعلم أهمية الأمر، فقال : -تمام، أنا فاضى كمان ساعة إن شاء الله .. ممكن أشوفك فى كافية .... جنب القسم . قالت بسرعة : -أكيد، جاية لحضرتك بسرعة . ....... بعد ساعة فى المكان المطلوب ... كانت تجلس بتوتر أمام ذلك الواثق بنفسه، فقال : -مين مضايقك ؟ نظرت إليه بتفكير ثم سألته : -هو لو عرفت أن فى جريمة قتل حصلت من حوالى ٦ سنين لكن معنديش أى دليل عليها، أعمل إيه؟ فاجئته مشكلتها، فأقصي ما تخيله أن هناك من يبتزها أو حتى يضايقها بأى طريقة، لكن جريمة قتل! .. جعلته يتحدث بصدمة : -قتل؟ طيب عرفتى منين طالما هى من ٦ سنين ومفيش أدله عليها ؟ توترت قليلاً فى أن تخبره، لكنها حسمت أمرها ثم بدأت تقص عليه ما حدث بالتفصيل . -بس دى كل حكايتى، وياريت حضرتك تصدقنى علشان أنا مش مجنونة والله العظيم. كان صامتاً، يسمعها بملامح لا تستطيع تفسيرها. يتابعها بتركيز وهدوء عكس كل توقعاتها، فكانت تخشي أن يسخر منها أو حتى يتركها ويغادر المكان بعدما يخبرها بأنها تحتاج طبيب نفسي. بينما كان هو فى وادٍ آخر، حيث عاد بذاكرته إلى وقت مر عليه أكثر من خمس سنوات .. بالتحديد نفس ميعاد تلك الجريمة التى ترويها "ليان"، تذكر ألم قلبه ومعاناته وعذابه وعودته إلى قصر "عزيزته" ليراها ولو مرة واحدة بعد أخر مرة رآها فيها، تذكر عذابه كل ليلة وصعوبة أن يقص ما حدث على أى مخلوق، تذكر كم عانت والدته فى أن تجعله يتزوج خاصة بعدما سافرت "رقية" ابنة خالته بصحبة والدتها ومغادرتها البلاد بعد موت أبيها، وأخيراً شعر بغصة لمرور تلك الصغيرة بشىء جعله يعانى ليال طوال حتى وقتهم الذى يتحدثون فيه لحظتها . فقال بجدية : -عايز أعرف اسم الشاهد اللى بتقولى عليه إيه, وعايز اعرف كل الشخصيات اللى حكيتى عنها دى . نظرت إليه بدهشة، فتسائلت : -حضرتك مصدقنى؟ لم يجيبها بل قال بإقتضاب : -أنا عايز أعرف منك مين هما الشخصيات اللى قولتى عليها. أخرجت هاتفها بحماس، ثم أخذت تريه صورهم وصفحاتهم الشخصية وهو يتابعها دون كلل أو ملل، فقط يريد حل تلك القضية بصحبتها . اكمل : -تعرفى مين العامل اللى قولتى عليه ده ؟ -عارفاه شكلاً، مستنيه بس الإجازة تخلص علشان أعرف اجيبه. فكر قليلاً ثم قال : -تمام، عايزك بس متتكلميش مع حد فى أى حاجة من دى، ومتتحركيش أى خطوة ... أى خطوة غير بمعرفتى، وأستنى لغاية ما نشوف مين أصحابنا دول . هزت رأسها بسرعة قائلة : -حاضر يا عمو " يونس"، شكراً لحضرتك . نهض من مكانه ثم قال بإيجاز : -يلا علشان أرجعك بيتك قبل ما أرجع بيتى. -حاضر. أقترب منها قليلاً منبهاً لها قائلاً بحرص : -إياك يا "ليان" تعملى أى حاجة من غير ما أعرف أو يحصل بينك وبين أى حد فيهم أى حاجة ومتقوليش . شعرت بالخوف قليلاً فقالت : -حاضر يا عمو . ثم خرجا سوياً ليعيدها منزلها بآلاف الأسئلة التى تدور فى عقله وعقلها معاً .
📜 الفصل العاشر 📜
عاد "يونس" إلى منزله بعقل منشغل .. وقلب متألم، فقد أشعلت تلك الصغيرة الكثير من الذكريات داخله، فدخل غرفة المكتب بهدوء ثم أغلقه خلفه ليتجه إلى خزينته الشخصية ثم قام بفتحها وإخراج بعض الأشياء منها . نظر إلى بعض الأوراق أمامه ثم أخرج صورة صغيرة من بينهم، ابتسم بألم ما إن رآها بين أنامله . ف كانت صورة ل "عزيزة" .. فقد حصل عليها سراً قبل أن يغادر بلدتها، ظل ينظر إليها بتمعن كأنه يحاول طبع صورتها فى ذاكرته كى لا ينساها، ولكن هيهات .. فكيف لقلب غارق فى الحب أن ينسي ملامح معشوقه؟! نظر إليها بشوق بالغ قائلاً بابتسامة حزينة : -غيابك طال أوى وحقيقي حياتى من غيرك ملهاش أى معنى .. أوقات بقول ياريتنى ما روحت البلد دى ولا شوفت اللى فيها .. وأوقات تانية شوقى بياخدنى غصب عنى ليها لكن .. لكن مش بقدر أرجع. ثم نظر إلى صورة زوجته الموضوعة بجواره على المكتب مردداً : -صعبة الدنيا أوى وأنا عايش بشعورين مختلفين .. صعب أوى لما أحس إنى أنانى ومش قادر أدى كل مشاعرى لحد يستحقها بجد . ثم نظر إلى صورة "عزيزة" قائلاً بهمس حزين يليق بالطقس الممطر خلفه : -يا "عزيزة" يا بنت السلطان، لو يتغير الزمان، وقابلتينى فى أى مكان، كنت أعشق من غير ما تقولى .. "يونس" ... أنا "يونس" . كان حديثه حزيناً يملئه الشجن والألم، ينظر إلى الصورة دون أن يحيد بنظره عنها ولو لحظة صغيرة، فسمع نداء باسمه من الخارج فقام بإعادة جميع الأوراق إلى مكانها بعجالة بعدما أملى عينيه بتلك الملامح التى أشتاق إلى رؤيتها . ...... كانت تشعر بفرحة كبيرة، فلم تظن يوماً أن سيصدقها أحد . لا تدرى لما فكرت فى إخبار ذلك الضابط، ولكن كان هناك ما يدفعها إليه دفعاً . جلست فى غرفتها تشعر براحة بعد فترة طويلة من الضغط والتعب والتفكير، ثم قامت بإحضار دفتر الرسم خاصتها وفتحته على صورة شبحها اللطيف، فارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهها ما إن رأته فرددت : -أحنا لاقينا حد يساعدنا يا "آسر" و إن شاء الله حقك راجع . ثم سكتت قليلاً وهى تتأمله بعدها فتحت هاتفها على بعض الصفحات التى أصبحت رفيقتها تلك الأيام، أثناء تصفحها وجدت طلب صداقة أُرسل لها، لم تبالى فى البداية ولكن إشعار أخر بوجود رسالة من نفس الشخص جعلها تنتبه قليلاً، فقامت بفتحها وهى تقرأ محتوى الرسالة بملل ليتحول إلى دهشة سريعاً . فكان محتوى الرسالة "إزيك يا جميلة، ممكن نتكلم شوية ؟" لم تهتم بذلك ولكن الصورة والاسم جعلها تنتفض مكانها، فتلك الصفحة هى الوحيدة المغلقة بين جميع الصفحات الأخرى التى تتابعها بحرص الآن، فهى إلى السيدة " سما مصطفى" زوجة أستاذ "عصام" . كانت مترددة فى الرد عليها من عدمه، فتذكرت قول "يونس" بأن عليها إبلاغه بكل ما يحدث فقررت أن تنفذ ما أمر به، فقامت بأخذ لقطة شاشة ثم أرسلتها إليه وأخبرته عن هوية صاحبة الرسالة ثم أنتظرت قليلاً رده حتى يخبرها عما ستفعله . مرت ساعة دون أن يرد، فيأست من رده وقررت أن ترد عليها، فقبل أن ترد عليها وجدت "يونس" يحدثها، فأخبرها أن تجاريها فى الحديث إلى أن تعرف ماذا تريد، وبالفعل .. -أيوا، مين حضرتك ؟ أرسلتها "ليان" إلى الأخرى مدعية جهلها بشخصيتها، فردت الأخرى سريعاً كأنها كانت تنتظر الرد: -أنا "سما"، زوجة أستاذ "عصام"، وأنتِ جيتى حفلة عندى فى البيت قبل كده . -أيوا . كانت ترد بأقتضاب، فقالت "سما": -أنا كنت حابة أقابلك ونقعد نتكلم مع بعض أحسن فى مكان تانى، علشان الموضوع اللى عايزه أكلمك فيه مش هينفع غير وأحنا مع بعض. شعرت بالقلق قليلاً، فسألت "يونس" عما ستفعله فأخبرها بأن تماطلها فى البداية ثم توافق، فردت : -أسفه، بس أنا معرفش حضرتك، ف صعب أننا نتقابل . فقالت الأخرى : -متقلقيش يا حبيبتى، كل ما فى الأمر أننا هنتكلم شوية فى المكان اللى تحدديه بنفسك . -طيب ممكن بس أفهم إيه الموضوع، على الأقل علشان أبقى مطمنه . صمتت الأخرى بعض الوقت، ثم أرسلت: -مش هينفع نتكلم هنا، حددى المكان والوقت المناسب ليكي وكلمينى على طول، و ياريت يكون قريب جداً. أخبرت "ليان" " يونس" بذلك، فقام هو بتحديد المكان ثم أرسله إليها لتعيد هى إرساله إلى الأخرى . وبالفعل، قامت "ليان" بتحديد المكان والزمان وفقاً لما أخبرها به "يونس"، فوافقت "سما" وأكدت على اللقاء . ...... فى اليوم التالى، وفى المكان المحدد .. دخلت "ليان" المكان تبحث بعينيها عن "سما"، فوجدتها تجلس على إحدى الطاولات تشير إليها بالأقتراب . أمسكت "ليان" بطرف حقيبتها بقلق وهى تبحث بعينيها عن "يونس" الذى ما إن رأته فأطمئن قلبها، فمرت من أمامه متجاوزه إياه مقتربة من الأخرى. -أهلاً يا "ليان" أخبارك إيه ؟ قالتها "سما" وهى تحييها، فأجابتها "ليان" بهدوء وبإقتضاب : -الحمد لله، حضرتك عايزانى فى ايه؟ ابتسمت "سما" محاولة بث الطمأنينة فى نفس "ليان" قائلة : -متقلقيش، أنا بس عايزه أفهم منك حاجة مش أكتر . -حاجة زى ايه ؟ صمتت "سما" قليلاً وهى تتابع "ليان" بعينيها، ثم قالت بإيجاز : -أنتِ تعرفى "آسر" منين؟ توترت قليلاً ولكنها قالت بثبات : -"آسر" مين؟ -"عصام" حكالى عن اللى قولتيه له، أنا بس مش مصدقة فكرة أن شبح يظهرلك ويحكيلك حكايته، خاصة أن "آسر" مات ... قضاء وقدر، واللى قولتيه فى شبهه جنائية . -أنا معرفش مستر "عصام" حكالك إيه، لكن هو قالى أن ده أكيد تخاريف منى .. ثم حضرتك مهمته بالموضوع ليه ؟ بدأ التوتر يكسو ملامح الأخرى، فقالت بثبات مفتعل : -مفيش، كل الحكاية أن "آسر" كان .. زميلى أنا كمان وأكيد أن حاجة زى دى ممكن تلفت نظرى . كانت "ليان" صامتة تماماً تحاول أن تقرأ تلك التى أمامها، فقالت الأخرى : -أنتِ تعرفى "آسر" قبل كده؟ أو كان بينكم أى صلة من قريب أو من بعيد تخليكي تفكرى فيه كده ؟ ردت "ليان" بجمود، فهى تدرى أن "سما" كانت موجودة يوم الحادث بصحبة القتلة : -قتلتوه ليه؟ كانت هادئة ثابتة تكبح فى داخلها فكرة الفتك بها، لكن ما إن قالت ذلك حتى غضبت الأخرى وردت بغيظ : -أنتِ مجنونة، مين دول اللى قتلوه؟ "آسر" مات قضاء وقدر، ثم دا كان أقرب حد ليا وكنا هنتخطب بمجرد ما نخلص المدرسة بإتفاق الأهل وكل أصحابنا كانوا عارفين، إيه يجبرنى أنى أعمل كده ؟ قالت "ليان" بهدوء مستفز : -ولو مقتلتهوش .. بتبررى ليه كل ده ليا ؟ وطلبتى تقابلينى ليه بالرغم أنكم شايفين إن اللى بقوله تخاريف؟ لم تجيبها "سما"، فقط نهضت وقامت بحمل حقيبتها ثم أقتربت منها هامسة فى رسالة تحذيرية : -خلى بالك من نفسك .. أوى . ثم غادرت المكان بغضب مما لفت أنظار من حولها إليها، وما إن أبتعدت عن المكان حتى وجدت "ليان" من يجلس أمامها بهدوء متسائلاً : -إيه اللى جننها كده ؟ فأخبرته بما حدث، أغمض عينيه قليلاً ثم قال : -أنتِ كده فعلاً فى خطر، والأيام الجاية كلها محتاجة ترتيب . شعرت بالخوف لكن هناك ما يطمئنها، فهى عزمت على إظهار الحقيقة وإن كلفها ذلك حياتها، وستقف مع الحق مهما كان . ........ كان "عصام" فى غرفة المكتب يراجع بعض ملفات الطلبة، فوجد من تدخل صائحة: -غبية، والله غبية. لم يبالى بحديثها فى البداية ظناً منه أنها تتحدث عن أحد رفاقها كالعادة، أستشاطت غضباً منه فقالت : -أنت يا بنى آدم، مش المفروض تفهم إيه حصل. رد بعدم اهتمام : -خير. بدأت فى قص ما حدث، ليترك ما بيده بعدما فهم مجرى الحديث، فصاح بغضب مماثل لغضبها: -غبية، أنتِ فعلاً غبية .. إيه اللى هببتيه ده؟ رمقته بغيظ قائله : -أنا عملت إيه ؟ كنت عايزه أفهم البنت دى علاقتها إيه بالموضوع . -البنت يا غبية كانت بتحكى عن أشباح وهبل، فأنتِ بذكائك الخارق تروحى تأكدى أن فعلاً فى جريمة . توترت قليلاً، فقالت بغرور : -لا طبعاً، أنا قولتلها أنى كنت هتجوز "آسر" فى يوم من الأيام. -ااااه وروحتى أتخطبتى لصاحبة المقرب بعدها بشهور، مش كده ؟ "سما" أنتِ بوظتى كل حاجة وبسبب اللى عملتيه ده هنضطر نلجأ لحاجة أحنا مش عايزين نوصلها تانى . قال جملته ثم نهض بغيظ ممسكاً بهاتفه يحادث شخصاً ما ويخبره بسرعة الحضور ويصطحب معه شخص آخر، فجلست "سما" تطالعه بخوف أما هو فيرمقها بغضب . ........ عاد "يونس" إلى عمله بعدما قام بإعادة "ليان" إلى منزلها ثم طلب من أحد مساعديه إحضار بعض الملفات الخاصة بمدرسة ( ..... ) الدولية، بعد عدة ساعات كان بحوزته عدة ملفات من بينها الملف الخاص بوفاة "آسر"، وآخر يحتوى على أسماء العاملين بالمدرسة . بدأ يقرأ بتركيز شديد عن الحادث وما نُشر عنه فى تلك الفترة، فكان ذلك من خمس أعوام أو أكثر بقليل، فعاد بذاكرته قليلاً إلى ذلك التوقيت .. فهو نفسه الذى قابل فيه "عزيزته" وكشف فيه عن سر إختفائها، فابتسم بمرارة، فكأن كل شىء فى تلك القضية يذكره بها ويجذبه إلى طريقها مجدداً، فقرر أن يغلق الملف الذى أمامه حتى يهدأ قليلاً ولكن هناك ما يدفعه لأن يستمر فيما يفعل، فقام بإكمال عمله وقراءة الملفات بتركيز شديد . بعدها قام بفتح ملف العاملين بالمدرسة وحصل على بعض صور عمال النظافة والصيانة وقام بإرسالهم إلى "ليان" حتى ترى الشاهد الذى رأته سابقاً وأخبرته عنه، بعد عدة دقائق قامت "ليان" بإعادة إرسال إحدى الصور مؤكدة أنه هو ذلك الشخص . فابتسم "يونس" بظفر ثم أمسك صورته مردداً : -أول طرف الخيط .
📜 الفصل الحادي عشر 📜
بعد يومين مما حدث، وفى إحدى القرى المصرية البعيدة، قام "يونس" بإيقاف سيارته على الطريق ثم هبط منها ليسير فى ممر ترابى ضيق بين الأراضي الزراعية، ليصل إلى منزل ذى طابع ريفي فى نهاية ذلك الممر بعد دقائق من المشي . نظر "يونس" إلى المكان بترقب، فوجد طفلين صغيرين يلعبان أمام المنزل، فقال بهدوء : -مش ده بيت عم "مؤنس" ؟ نظر إليه أكبرهما بنظرة ثاقبة، مردداً بقوة لا تليق بمثل من هم فى مثل عمره : -أنت مين؟ وعايز عم "مؤنس" فى إيه؟ -روح نادي عليه يا شاطر . فنظر إليه الصغير بحدة قائلاً : -عم "مؤنس" يبقي جدى، ولازم أعرف أنت عايزه فى إيه؟ هنا وسمع صوت يأتى من داخل المنزل صارخاً : -واد يا "عبدالرحمن"، مين اللى واقف معاك ده؟ فقال الصغير دون أن يحيد بنظره عن وجه "يونس" : -دا غريب بيسأل عنك يا جدى . خرج "مؤنس" فقال "يونس" : -السلام عليكم يا عم "مؤنس" . -وعليكم السلام يا بنى، خير .. مين حضرتك؟ -أنا الرائد "يونس" وجاى أتكلم معاك شوية . نظر إليه "مؤنس" بتوتر ثم أمر أحفاده قائلاً : -"عبدالرحمن" خد أخوك وأدخلوا البيت . أمتثل الصغار إلى حديث جدهم بدون جدال، فقال الأخير مرحباً ب"يونس" : -أتفضل يا باشا. جلس "يونس" فى المقعد المقابل له عند باب المنزل، ثم تحدث بهدوء قائلاً : -أنا جاي أسألك عن حاجة، هى حصلت من فترة لكن متأكد أنك تعرف عنها كل شىء . كان "مؤنس" ثابتاً، كأنه يدرى أن الحق سيظهر لا محاله .. فقد أنتظر تلك اللحظة كثيراً، فقال بهدوء محاولاً الوصول لهدفه : -أعرف إيه وعن إيه يا باشا؟ سحب "يونس" نفساً عميقاً ثم قال: -"آسر"، اللى أتوفى فى حمام السباحة الخاص بالمدرسة من سنين. ثم أكمل بعد أن نظر إليه نظرة ذات مغزى : -أو بمعنى أدق .. اللى أتقتل . لم يرد عليه "مؤنس"، فقط ظل صامتاً منتظراً أن ينهى "يونس" حديثه. -أكيد أنت فاكر اللى حصل، مش كده ؟ فقال الأخر بحرص : -فاكر إيه يا باشا، دا شاب زى الورد وأجله جه، مش لكل أجل كتاب يا باشا؟ ابتسم "يونس" ثم أشار للصغير الآخر بعدما لمحه يقف بعيداً يراقبهم، فأتاه مسرعاً فسأله "يونس" : -اسمك إيه؟ نظر الصغير إلى جده، فأشار إليه الجد بالحديث فرد الصغير على أستحياء : -اسمى " محمد" . ابتسم "يونس" ثم ربت على كتفه قليلاً، بعدها قال موجهاً الحديث إلى الجد : -جميل "محمد" و"عبدالرحمن" كمان حبيته، ربنا يباركلك فيهم . نظر إليه الجد بإمتنان مردداً: -تعيش . فقال "يونس" : -تخيل فى يوم حد ممكن يفكر يأذى حد فيهم، أو حتى يدوسله على طرف .. تخيل أنت هتعمل فيه إيه؟ فهم "مؤنس" ما يرمى إليه "يونس"، فأكمل "يونس" حديثه : -غير كل ده ... تخيل حقهم ممكن يضيع يوم؟ تخيل تعرف أن فى حد يقدر يجيب الحق ده وأنت قاعد متكتف ومش عارف تعمل إيه؟ نظر "مؤنس" إلى حفيده بحزن ثم سحبه بهدوء يقبله من جبينه ثم أمره أن يعود إلى الداخل، أنتظر دخول الصغير ثم قال ل "يونس" : -بس محدش طالب بالحق . ابتسم "يونس" لانه أدرك تأثيره فى "مؤنس"، فقال بثبات : -بس ربنا عارف إن فى حد اتغدر بيه وحقه ضاع، وعارف أنك شاهد على الحق ده، ودلوقت جه ميعاد رجوع الحق لصاحبه، علشان روح الشاب اللى ملوش أى ذنب ترتاح . طأطأ "مؤنس" رأسه قليلاً ثم رفع عينيه قائلاً بتصميم : -أنا هقول اللى شوفته يا باشا، و ربنا المعين الحافظ . ابتسم" يونس" بظفر ثم قال : -وأنا هكون فى ضهرك دايما إن شاء الله. ....... فى غرفة مكتب "عصام"، يتجمع الاصدقاء . فقال "نادر" : -هو فى إيه؟ البنت لسه بتتكلم كلامها الغريب ده؟ نظر "عصام" إلى "سما" بلوم قائلاً : -"سما" قابلتها، والبنت وجهت لنا التهمة مباشرة من غير أى لف ودوران حتى . هب "سامر" واقفاً قائلاً بغضب : -يعنى إيه؟ و إزاى أصلاً مراتك تقابلها من غير ما نتفق كلنا ؟ قالت "سما" بتوتر : -أنا كنت عايزه بس أفهم هى وصلت لإيه، لكن مكونتش أتخيل أنها تتكلم بالجرأة والبجاحة دى . فقال "نادر" : -أحنا مش اتفقنا أن محدش فينا يقربلها خالص، ونسيبها لأن أكيد كلامها محدش هيصدقه. فأكمل "سامر" : -هاتلى إنسان واحد يصدق طفله بتقول إنها قابلت شبح قالها أنه أتقتل، لكن فكرة انك تروحى وتقعدى معاها وتتهمك بالإتهام ده يبقي أنتِ كده أكدتى لها على الأوهام اللى فى دماغها. وقفت تبرر موقفها بغضب : -أنا مأجرمتش، ثم دى طفلة مين هيصدق اللى هتقوله ؟ -ولو يا هانم، مجرد فكرة أنك أكدتى أفكارها يبقي كلنا كده فى خطر . قالها "سامر" غاضباً فأكملت هى بصياح : -أنا مليش دخل بيكم، أنتوا اللى فكرتوا فى القتل و رتبتوله و نفذتوه، أنا كنت موجوده بس لكن معملتش أى حاجة . كانت ترتعش بخوف شديد فأقترب منها "عصام" مهدئاً لها : -خلاص، اللى حصل حصل، محدش يضغط عليها أكتر من كده . نظر "سامر" إلى "نادر" بغيظ، فقام "عصام" بإخراج زوجته ثم عاد مسرعاً إليهم ليقول بهدوء : -هنعمل ايه؟ كان الصمت يعم المكان، فرد "نادر" : -أنا مش مستعد أخسر وظيفتى بعد كل ده، ومستعد أعمل أى شىء علشان أفضل فى مكانى . فقال "عصام": -محدش مستعد فينا أنه يخسر أى حاجة وصلها، خاصة فى سننا، أحنا مخلصين كلية من سنتين بس وكل واحد فى وظيفة محترمة. فرد "سامر": -يبقي أتفقنا . فنظر إليه الجميع مرددين: -اتفقنا . ........ كانت تفتقده، تشعر بالحنين إليه بشكل غريب، كأن قلبها ينادى باسمه فقط. وقفت فى شرفتها تشعر بالحزن، تتساءل .. كيف ستكتمل حياتها يوماً ؟! فكل قصة حب من وجهة نظرها يجب أن تكلل بالزواج، فلا تدرى أن أكثر قصص الحب لم تكتمل يوماً وتاه أصحابها بعدها و تفرقوا فى دروب مختلفة . تنظر إلى قطرات المياة المتساقطة، فمدت كفها تحت الأمطار وهى غارقة فى التفكير، هل لو كان حبيبها على قيد الحياة .. سيبادلها نفس شعورها؟ هل حقاً يدق قلبه من أجلها هكذا مثلما يدق قلبها؟ تنفست بعمق ثم نظرت إلى صورته بجوارها كأنها تناجيه، تتأمل ملامحه وتشعر بأنه يتأملها فى المقابل. تحبه .. بل تعشقه، ولكنه "عشق ملعون" أُسدل عليه ستار النهاية قبل البداية. تشعر بنغزة حزينة فى قلبها عندما تتذكر قصته، ف حبيبها يتألم وحيداً وغير قادر على البوح. فأبتسمت بألم ثم أقسمت على أن تكشف حقيقة قاتليه مهما كلفها الأمر، نظرت إلى الشرفة مجدداً فوجدت أن المطر قد توقف وكان الوقت مازال عصراً، فخرجت مسرعة لتوقفها والدتها بتساؤل : -على فين بسرعة كده؟ توترت قليلاً ثم أجابت بإيجاز : -هروح بس مشوار أجيب أدوات للرسم بعد اذنك يا ماما. -بس المطر؟ -لا ماهو خلاص وقف، هنزل بسرعة و أجى ان شاء الله. نظرت إليها والدتها قليلاً، ثم قالت بتفكير : -تمام، بس متتأخريش. خرجت مسرعة لتلبي نداء قلبها، فقد أشتاقت لرؤيته والحديث معه . ....... دقائق ووصلت إلى مبتغاها لتدخل على عجالة قبل أن تشتد الأمطار مجدداً، فنادت عليه فوجدته يجلس على أحد المقاعد مبتسماً لها، فتحركت بإتجاهه بسرعة ليسألها: -مالك؟ وجيتى ليه فى الجو ده ؟ كانت تشعر بالحزن الشديد عليه فلم تستطع إجابته، فنهض من مكانه ليقف قبالتها مردداً : -زعلانة ليه؟ لم تستطع أن ترد عليه ونظرت إلى الأرض، فقال كأنه يرى ما يدور بداخلها : -دى أعمار .. وده نصيبي .. يعنى مكتوبلى أن رحلتى تنتهى هنا، وكل واحد مننا له رحلة لازم تنتهى، ولا إيه؟ لم تستطع السيطرة على مشاعرها أكثر من ذلك، فبكت بحرقة ليبتسم هو بحزن مردداً : -ما هو أنتِ مش هتفضلي موجوده طول الحياة يعنى، مسيرك تجيلي .. و نتقابل، وده بعد عمر طويل ليكى أن شاء الله. نظرت إليه بحزن دون أن تحيد عن عينيه، ترغب فقط فى معانقته، تريد أن تحتمى داخل ذراعيه مما يؤرقها فأقترب منها أكثر وفتح ذراعيه فألقت بنفسها بينهما .. أو هكذا ظنت .. لتبعتد مجدداً قائلة بحزن : -أنا عايزه أفضل معاك . -أكيد هيجي يوم نتجمع وأتمنى أن ده يحصل بعد عمر طويل جدا ليكى . -بس أنا مش قادرة أبعد، ومش قادرة أرتاح غير لما أجيب حقك . -أكيد حقى راجع أن شاء الله، وأنا عارف أن ده قريب جداً، بس عايزك تبعدى .. أبعدى عنهم يا "ليان" علشان خاطرى . كانت تنظر إليه بأعين غائمة توشك أن تسقط أمطارها مجدداً، تشعر بمشاعر مختلفة فى آن واحد، ترغب أن تسردها ولكن لا تدرى من أين تبدأ، فقط تقف قبالته لا تحيد بنظرها عنه، تحاول حفظ ملامحه إلى أقصى حد تستطيعه .
📜 الفصل الثاني عشر 📜
عادت إلى منزلها بقلب حزين، تسللت بهدوء لتعود إلى غرفتها كعادتها دائماً تخشي أن يشعر بها والديها، فدخلت فى الظلام ثم أضاءت الغرفة لتتنفس براحة أخيراً قبل أن تستدير وتجد والدها ووالدتها أمامها داخل الغرفة . شعرت بالفزع الشديد من وجودهم فقالت بأنفاس متقطعة : -أ أ ... أنا كنت ... بشترى أدوات للرسم . نظر إليها والدها بغضب مردداً : -وهى فين الأدوات اللى اشترتيها؟ لم تستطيع الإجابة فقالت والدتها : -ليه كده يا "ليان"؟ أنتِ فكرك أننا مش حاسين بيكى ولا عارفين أنك متغيرة اليومين دول؟ فقال والدها بحزم : -كنتى فين ؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، تبحث عن تفسير لكن لم تسعفها الكلمات، فأقترب منها والدها قليلاً بطريقة أفزعتها أكثر قائلاً : -كنتى فين ؟ كانت نظراته تقتلها، فقالت بتردد : -كنت فى المدرسة. لم يحيد بنظره عنها، ليقول : -بتعملى ايه هناك وفى الوقت ده ؟ حروف مبعثرة، كلمات مشتتة، وافكار غير مرتبة . تريد أن تخبره الحقيقة ولكن هل سيدرك ما تمر به؟ هل سيتفهم ما تورطت به ؟ كان يرمقها بغضب فقالت بهدوء محاولة التفسير : -أنا هحكي لحضرتك كل حاجة، وأتمنى تفهمنى . كان الصمت سيد الموقف بعدما أخبرتهم عن شبحها اللطيف، ولكنها أخفت تماماً الجزئية الخاصة باكتشاف حقيقة الجناة. أما عن والديها، فكانت أفكارهم تتصارع، على يقين بأن طفلتهم لا تكذب ولكن ما تقوله لا يصدقه عقل، نظر والدها إلى والدتها قليلاً ثم نهض بدون أن يتفوه بأى كلمة ثم خرج من الغرفة، فجلست والدتها بجوارها مرددة : -اللى بتحكيه ده مفيش إنسان طبيعي يصدقه . ظلت ناظرة إلى أرضية الغرفة منتظرة توبيخ والدتها لتكمل الأخيرة : -أحنا خايفين عليكي وفعلاً مش مقتنعين باللى بتقوليه ده، يعنى إيه بتحبى شبح وبتقابليه فى مكان مهجور فى المدرسة؟ مش يمكن يكون انسان طبيعي وبيستدرجك لحاجة مش كويسة وهو أوهمك بكل ده؟ -لا يا ماما، صدقينى ... أنا مش بكدب والله . ثم أخرجت صورته التى رسمتها له وهى تقول : -أهو .. ده "آسر" . نظرت إليه والدتها بتمعن لتفتح "ليان" هاتفها وتشير إلى شاشته قائلة : -ودى صفحته الشخصية، وده خبر وفاته وبوستات أصحابه . كانت الأم تقرأ بذهول، فهى تخشي الآن على ابنتها أكثر مما سبق، فقالت : -"ليان" دا يقلقنى عليكي أكتر، و أنا مش هطمن عليكي غير لما نروح لدكتور نفسي. سحبت "ليان" نفساً عميقاً قائلة : -أنا مش مريضة نفسية يا ماما، صدقينى كل اللى حكيته حصل، وأنا أتكلمت معاه أكتر من مرة . وضعت كفها على رأس ابنتها بفزع مرددة : -بسم الله، لا يا "ليان" أنا لازم أشوف حل للموضوع ده . ثم نهضت لتخرج مرددة قبل ذلك : -إياك تفكرى تخرجى من البيت دون إذنى، لغاية ما أشوف هنعمل ايه فى اللى بيحصل ده . ....... فى اليوم التالى، كان صباحاً عاصفاً ... وكان الجميع فى منازلهم بعد الإعلان عن ذلك الطقس السىء، فكانت "ليان" تجلس كعادتها فى غرفتها تفكر فيما حدث، فوجدت رسالة هاتفيه من رقم مجهول، نظرت إليها بتعجب ثم فتحت الرسالة فأتسعت عينيها بصدمة : "لو عايزه تعرفى ليه عملوا كده، هستناكى النهاردة فى المبنى المهجور فى المدرسة " أعادت قراءة الرسالة مراراً وتكراراً دون كلل، فقامت بإرسالها إلى "يونس" لكنها لم تصل إليه، حاولت الإتصال به فكان هاتفه مغلقاً، تريد أن تعرف من المرسل لكنها يأست من عدم رده، فقد أرسل الرسالة ثم أغلق الهاتف نهائياً . هى قد مُنعت من الخروج، بل علمت أن والدها يبحث عن طبيب نفسي يساعدها فى حالتها الغريبة عليهم، سمعت دقات خفيفة على باب الغرفة فأذنت للطارق بالدخول، فكانت والدتها : -"ليان" عندك ميعاد عند الدكتور الساعة اتنين بعد الضهر أن شاء الله، جهزى نفسك . قالت"ليان" بملل : -يا ماما أنا مش مريضة، فعلاً أنا شوفت "آسر" وأتكلمت معاه، المفروض تصدقونى وتثقوا فى كلامى. أقتربت منها والدتها قائلة : -واثقين فيكي يا حبيبتى، لكن عايزين نطمن عليكى بس . لم تجيبها "ليان"، فقط قالت بتردد : -طيب تسمحيلى بس أخرج أتمشي شوية قبل ما أنزل للدكتور، على الأقل أهدا . -هتمشي فى الجو ده ؟ -أنا بحب الجو ده وحضرتك عارفه، ثم مش هخرج بره الكومباوند يعنى . فكرت والدتها قليلاً ثم قالت بهدوء كى تمنح ابنتها الثقة وتبث فى نفسها الأمان : -تمام، أخرك ربع ساعة جنب البيت هنا وترجعى على طول، وفونك يفضل معاكى ومفتوح . -حاضر. قالتها بسعادة بالغة ثم أحضرت ملابسها الشتوية وخرجت مهرولة تحت المطر كأنها تستمتع به . ولكن قبل أن تتحرك أرسلت رسالة إلى "يونس" تخبره فيها بكل ماحدث وأنها ستذهب إلى المبنى المهجور فى المدرسة. ....... وصلت إلى المكان بسرعة واستطاعت اختراقه كعادتها، لتجد المكان ساكناً تماماً، نادت فى البداية على "آسر" لكنه لم يرد أو يظهر مما أثار ريبتها، ولكنها سمعت صوتاً تجهله يحدثها من الخلف قائلاً بسخرية : -وهو بقي لما تنادى عليه كده المفروض هيظهرلك ؟ استدارت بفزع فوجدت شخصاً غريباً يقف أمامها، لكن ملامحه كانت تعرفها فقد رأتها فى مكان ما سابقاً، وقبل أن تجيبه ظهر شخصاً آخر مجهول أيضاً يبتسم إليها بتوعد قائلاً : -فين عفريتك الجميل علشان يواجهنا، ولا هو خاف لما عرف أننا موجودين . شعرت بالخوف بعدما علمت هويتهم لتجد صوتاً ثالثاً خلفها لكن تلك المرة تعرفه حق المعرفة. -فضول البنات دا غريب، دايماً يدخلهم فى مشاكل ممكن تكلفهم حياتهم . نظرت إليه بفزع مرددة بصوت يكاد مسموع : -مستر "عصام" ! -هو فين؟ نادى عليه؟ خلينا نشوف هتعملى إيه ؟ قالها "نادر" بتحدى، فأدعت الشجاعة قائلة : -على فكرة أنا عارفه أنكم قتلتوه، وعارفه أنكم عايزين تقتلونى علشان كشفت سركم، وده مش هاممنى، اللى عايزه أعرفه .. ليه؟ عملتوا فيه كده ليه؟ دا كان صاحبكم . صرخ "نادر" : -مكانش صاحب حد، دا كان واحد فى ايده كل حاجة، كل حلم حلمناه كان هو بيحققه، طول عمرى نفسي أدخل سياسة و أقتصاد و أتعين فى الخارجية بعد كده وده كان حلمى أنا، لاقيته هو بيقول أنه كمان حلمه وأن باباه سعادة السفير هيسهل تعينه بعد كده، لكن أنا .. أنا اللى كنت داخل المدرسة دى بصعوبة وأهلى سافروا وسابونى علشان أقدر أكمل فيها أنا وأخواتى، وكنت عارف أن مهما حصل مش هقدر أتعين، لكن أهو بعد موته وبعد ما أتخرجت .. باباه برضو سيادة السفير قدر يجيبلي وظيفة اللى كان هو هياخدها . نظرت إليه بحزن على حبيبها و بغضب من الآخر قائلة : -ماهو لو كنت سبته عايش كان ممكن يساعدك وكنت هتبقي معاه، عمره ما كان هياخد مكانك، أنت فكرت غلط صدقنى، ضيعته علشان خاطر أفكار مريضة ملهاش أى أساس من الصحة، عذر أقبح من ذنب . فقال "سامر" : -يا سلام، طيب وأنا؟ كان دايما يتفوق عليا وياخد مراكز أولى فى مسابقات السباحة، بيكون بينى وبين الفوز لحظة تلاقيه هو اللى فاز وأخد منى لحظتى، دايماً هو رقم واحد لكن أنا ضل "آسر"، كان كل المدربين بيحبوه و بيتعاملوا معاه زى ابنهم، لكن أنا البديل اللى ملوش لازمة، كان فاضل أيام على مسابقة طول عمرى بحلم بالفوز بيها، وكنت عارف أنه هيفوز بيها، و أنا أهو بقيت أشهر سباح فى مصر بل ليا مراكز عالمية، تفتكرى كنت هوصل لكل ده لو هو موجود؟ نظرت إليه بإشمئزاز : -كنت أشتغلت على نفسك شوية، أنت كنت فى المركز التانى وده شىء مش سىء، بل بالعكس .. لكن أنت طمعك و حقدك عموك و خلوك تنسي أنه صاحبك، عذرك لا يقل قبحاً عن اللى قبله . ثم نظرت إلى "عصام" قائلة : -وأنت .. علشان خاطر حبيبته مش كده ؟ كان هادئاً فى البداية، لكنه بمجرد ذكر حبيبته فقد ثار و أقترب منها غاضباً يمسكها من ذراعها مثل المرة السابقة صائحاً : -حبيبتى أنا .. مش حبيبته، "سما" طول عمرها بتحبنى أنا وأنا بعشقها، لكن باباها كان شايف أن نسب "آسر" وأسرة السفير نسب يشرف خاصة أنهم كانوا جيران، و محطش فى أعتباره إن أهلى بالرغم من الفلوس والمحلات اللى عندنا ولها فروع فى كل مكان مش اسم يناسبهم، كنت بتقطع وهى جنبه وعينها فى عينى مش قادرة تتكلم، كنا صغيرين لكن هيعلنوا الخطوبة بمجرد ما يدخلوا كلية، يعنى كانوا بيحكموا عليا بالموت فكان لازم أموته قبل ما يموتنى ، زى ما أنتِ كمان لازم تموتى ويندفن معاكى كل اللى عرفتيه ده . قالها وهو يحاوط عنقها بكفيه وهى تحاول مقاومته لكن دون جدوى، فظل يزحزها إتجاه حوض السباحة وهو يقبض على رقبتها ثم ألقاها بدون تردد لحظة فى مياهه الملوثة أثناء مراقبة أصدقاؤه له. لا تستطيع السباحة ففشلت كل محاولاتها بالخروج من المياة، بدأت تهدأ قليلاً ثم توقفت حركة المياة تماماً وعم الهدوء المكان، فظن الجميع بأنهم تخلصوا منها أخيراً، فأقترب "سامر" يرى جثتها لكنه قال بفزع : -هى فين؟ أقترب منه "نادر" يبحث بعينيه قائلاً : -هى فين إزاى؟ أكيد موجوده. -لا مش موجوده، الماية فاضية تماماً . فأقترب "عصام" قائلاً : -يعنى إيه؟ أثناء نظر الجميع إلى المياة، وجدوا نوافذ المكان تغلق جميعاً بقوة، ثم أظلم المكان فجأة وشعروا بدفىء غريب حولهم بطريقة أفزعتهم . فقال "نادر" : -هو فى إيه؟ هى راحت فين؟ ليسمعوا بعدها صرخة مدوية جعلتهم يضعوا أصابعهم فى آذانهم، وبعدها ظهر أمامهم رفيقهم ولكن بهيئة جعلت الدماء تتوقف فى أوردتهم .
📜 الفصل الثالث عشر والأخير 📜
نظر الجميع حولهم برعب بعدما سمعوا تلك الصرخة المفزعة، كان كل شىء حولهم يتحرك بطريقة مريبة، نوافذ تتحطم من شدة الحركة، مقاعد تصدر أصوات كأنها فى حالة أستنفار، حتى الأجهزة المتوقفة منذ سنوات أصبحت تعمل الآن بكامل طاقتها، ناهيك عن المياة الباردة التى تفور من الغليان أمامهم .. ليظهر رفيقهم أخيراً أمامهم بهيئة جعلت الدماء تتوقف فى أوردتهم . ما إن ظهر حتى عم الصمت والهدوء المكان بطريقة مخيفة، كانت أعينهم جاحظة تتابع حركة الذى أمامهم بقلوب ترتعش خوفاً من ظهوره، يقف ثلاثتهم متجاورين لا يستطيعون الحركة .. كأن سحر من نوع غريب قد طالهم . وقف "آسر" أمامهم فجعل أوصالهم ترتعد، قال بهدوء مرعب : -جه وقت الحساب . حينها كادت الدماء أن تتجمد فى أوردتهم من الخوف. أقترب من "نادر" يتفحصه بعينيه بطريقة جعلته يقع مغشياً عليه دون حراك، حتى أن الآخرين لم يستطيعوا نجدته، بعدها أقترب "سامر" مبتسماً دون أى رد فعل ثم توقف أمام "عصام" قائلاً بفحيح : -أنت اللى خططت لكل ده علشان تخلص منى وأنت اللى أقنعتهم بفكرتك، مش كده ؟ حينها عادت ذكريات الماضي فى عقل "عصام" ليلة أن أجتمع مع رفاقه يدس السم فى عقولهم كى يوافقوا على خطته فى التخلص من رفيقهم، بالرغم من تذبذبهم وعدم رغبتهم فى الأمر، إلا أنه تمكن منهم وأمرهم بتنفيذ خطته الشيطانية . ابتسم "آسر" قائلاً : -كنت أقرب حد ليا فيهم . ظهرت معالم الغضب على وجه "عصام" فأكمل "آسر" : -مفيش أى ذرة ندم حتى جواك . ثم أبتعد عنهم يرمقهم بغضب، فأطلق صرخة أخرى حاولوا على أثرها وضع أصابعهم فى آذانهم لكنهم مسلوبي الإرادة غير قادرين على الحراك، فدارت الأرض تحت أقدامهم فوجدوا أنفسهم داخل بركة السباحة . ظلوا دقائق يصارعون المياة يحاولون الخروج منها ولكن فقدوا مقدرتهم على ذلك. فى ذلك الحين أستيقظ "نادر" فوجد رفيقيه فى المياة لا حول لهم ولا قوة، لتهدأ حركتهم بعد دقائق معدودة ثم هدأت المياة تماماً، فألتفت "آسر" إلى "نادر" فقال الأخير بفزع : -سامحنى ... سامحنى . ........ فتحت عينيها ببطىء ثم ظلت تتفحص معالم الغرفة حولها لوقت قصير، تحاول أن تتذكر من وأين هى؟ دقائق حتى بدأت الأمور حولها تتضح، فهى فى غرفتها الآن وعلى فراشها بملابس جافة كأنها لم تُلقى فى المياة منذ قليل، نظرت إلى ساعتها بلهفة حتى وجدت الساعة العاشرة مساءاً، ماذا حدث ؟ لا تدرى . أسرعت نحو والدتها فوجدتها بصحبة والدها فى غرفة نومهم، تسائلت بلهفة : -ماما، هو أحنا أمتى وأنا رجعت أمتى ؟ نظرت إليها والدتها بتعجب مجيبة : -أنا دخلت أوضتك بعد ما خرجتى بنص ساعة لاقيتك نايمة، فأطمنت أنك بخير . -طيب ومعاد الدكتور؟ -دخلت أكتر من مرة أصحيكى كنتى بترفضى، صعبتى عليا فسيبتك وأجلت الدكتور . صمتت قليلاً ثم هزت رأسها بشرود تفكر فيما حدث، فقال والدها : -عرفتى اللى حصل؟ نظرت إليه بجهل، فتبادل النظرات مع زوجته ثم منح ابنته هاتفه قائلاً بإيجاز : -طيب شوفى الخبر ده كده . أمسكت الهاتف ثم قرأت ما أخبرها به والدها لتحتل الصدمة صفحات وجهها، فرددت بصوت مسموع وهى تقرأ عنوان الخبر المنشور : -"بعد أكثر من خمس سنوات، ظهور حقيقة مقتل طالب قى الثانوية العامة على يد رفاقه، ليواجهوا نفس مصيره بعد ذلك" . نظرت إلى والدها بصدمة، فقال : -كان معاكى حق . خرجت بسرعة نحو هاتفها ثم قامت بالإتصال ب "يونس" بسرعة، فأتها الرد قائلاً : -كنت مستنيكي على فكرة . -عمو "يونس" ممكن أقابل حضرتك . -أنا فى طريقي ليكم، دقايق وهتلاقينى قصادك إن شاء الله . ....... بعد دقائق، كان يجلس فى منزل "ليان" بصحبة أهلها . -هو إيه اللى حصل بالظبط؟ قالها "أحمد" فأجاب "يونس" : -كل ما فى الأمر، أن كان فى شاب أصحابه غدروا بيه وأخفوا جريمتهم تماماً، لكن ربنا قادر يظهر الحق مهما عدى عليه زمن، و النهاردة أكتشفنا الحقيقة بعد ما غرق أتنين منهم فى نفس المكان اللى نفذوا فيه جريمتهم . نظر إلى "ليان" بتفحص ثم قال: -ممكن أقعد مع "ليان" لوحدنا شوية ؟ شعر والديها بالقلق، فقالت والدتها : -هو فى مشكلة تخص "ليان" ولا حاجة ؟ نفى "يونس" ذلك سريعاً قائلاً : -لا طبعاً مفيش أى حاجة والله، أنا بس عايز أتكلم معاها فى كام حاجة متقلقوش . نظر إليه والدها بريبة قائلاً : -"يونس"، أنت عارف اللى "ليان" مرت بيه ؟ -عارف يا "أحمد" متقلقش، أنا هكلمها فى حاجة سريعاً وخلاص، بنتك ملهاش أى علاقة بأى حاجة . تنفس والدها الصعداء ثم خرج من المكان لتظل "ليان" بصحبة "يونس"، فقالت بلهفة : -هو إيه اللى حصل؟ -أنا وصلت للشاهد الوحيد على الجريمة .. عم "مؤنس"، فى نفس الوقت اللى جه فيه يقدم بلاغ رسمي عن اللى شافه وصلتنى رسالتك، ساعتها أخدت قوة واتجهت فوراً للمدرسة، كان الوضع غريب طبعاً وكان فى صعوبة أننا ندخل، لكن بفضل ربنا دخلنا . صمت قليلاً ثم أكمل : -كان الوضع مش أحسن حاجة، "عصام" و"سامر" ... أتوفوا، أما "نادر" كان فى حالة هستيرية، فضل يصرخ ويردد اللى عملوه من زمان ويأكد على كلام "مؤنس" وبمجرد ما أخدنا شهادته سكت تماماً ومن وقتها والهستيريا أتحولت لصدمة قوية أتنقل بسببها لمستشفى الأمراض العقلية، وطبعاً أثبت أن "سما" متورطة فى الجريمة فتم القبض عليها . قالت : -يعنى حق " آسر" رجع الحمد لله. ابتسم بود قائلاً : -الحمد لله، وكل واحد أخد جزاؤه اللى يستحقه، أنا بس مش عارف أنتِ روحتى ولا لأ، ولو كنتِ هناك ليه مسمعتيش كلامى واتحركتى بدون أذنى؟ شعرت بالحرج قائلة : -أسفة يا عمو "يونس"، بس أنا فعلاً كنت هناك لما حضرتك ماردتش عليا، و"عصام" حاول يقتلنى ورمانى فى الماية لكن فوقت حالاً ولاقيت نفسي هنا، ف تقريباً "آسر" هو اللى جابنى . -تمام، كده كل شىء خلص الحمد لله، ومحدش جاب سيرتك نهائى فى أى حاجة الحمد لله. وقف مستعداً للرحيل، فسألته : -ليه حضرتك صدقتنى وساعدتنى ؟ نظر إليها قليلاً يحاول أن يجد لها إجابة فقال بعد تفكير : -تقدرى تقولى مريت باللى مريتى بيه قبل كده . قالت بصدمة : -قابلت شبح؟ ابتسم بحزن مجيباً : -روح .. روحى "العزيزة"، سلام . قالها ثم خرج ليودع الآخرين بعدها، فترك الأخرى في حيرة من أمرها تفكر فيما حدث وما قاله . قضت ليلتها بمشاعر مختلفة، فرحة بظهور الحقيقة وعودة حق حبيبها، خائفة من فكرة أختفاؤه بعد ظهور الحقيقة، والكثير والكثير من المشاعر . حاولت أن تذهب إلى المدرسة فى اليوم التالى لكن والدها منعها من الخروج لعدة أيام، فرضخت لأمره بحزن ولكن حينما سمح بخروجها كانت وجهتها المدرسة . كان المكان مختلف قليلاً عما سبق، فالبتأكيد دخله العديد من الأشخاص بعد ما حدث، خشيت أن يكون أختفى ولن تراه مجدداً، فنادت عليه بقلب حزين فلم يجيبها، نظرت حولها بألم عسي أن يطمئن قلبها لكن لم يجيب، ظلت تناديه ولكن دون جدوى، فجلست على طرف المقعد تضع يديها على وجهها تبكى بألم من ضياع حبها بعدما يأست من ظهوره فوجدت من يهمس جوارها : -هتوحشينى . نظرت إليه بلهفة مرددة : -كنت خايفة تكون خلاص أختفيت، كان ممكن أموت من الحزن لو مشوفتكش . -كنت مستنيكى. -هتفضل معايا ؟ سألته بحزن فأجابها : -غصب عنى مش هينفع . -مش هقدر أكمل من غيرك . -ومش هتقدرى تكملى معايا . كانت تبكي بحرقة تشعل كيانها فقال مهدئاً لها : -أوعدينى تكملى حياتك، وتعيشي وتفرحى بيها، أوعدينى تفتحى قلبك لحد يستاهله. كانت تبكي فقط، فقالت : -إزاى ده ؟ أعمل كده إزاى؟ -أنا هفضل جنبك ومش هسيبك، أفتكرينى وأقرأى ليا قرآن وأدعيلي، هتلاقينى جنبك دايماً، أنا بحبك واللى هيفرح قلبي هو إنى ألاقيكى فرحانة. -أنا عايزاك تفضل جنبي. -هفضل، بس عايزك توعدينى ماتدخليش المكان ده تانى لوحدك . قالها ونهض من مكانه وأبتعد عنها قليلاً، هبت واقفة تسأله بشوق : -أنت كده خلاص، هتمشي؟ ابتسم بحزن مجيباً : -غصب عنى، حقك عليا، أفرحى يا "ليان" علشان أفرح بفرحتك . كادت أن تصرخ ألا يتركها فوجدت نفسها تخرج تلقائياً بدون سيطرة منها، فنظرت إليه بعتاب فقال : -غصب عنى . ما إن وصلت إلى باب المكان حتى وجدته يبتسم إليها ثم بدأ يختفى تدريجياً، بعدها وجدت أن جميع النوافذ والأبواب الموجودة تُبنى بالحجارة كأن المكان يرفض دخولها مجدداً، أو دخول غيرها . فظلت تبكى بحرقة غير قادرة على تهدئة قلبها، فركضت خارج المكان إلى أن ساقتها قدميها نحو قسم الشرطة الذى يعمل به "يونس" . ....... كان ينهى بصحبة زملاؤه الأوراق الخاصة بالقضية لتسليمها إلى الجهات المختصة بها، فوجدها تدخل عليه بهيئة حزينة باكية، أنتفض خوفاً متسائلاً : -"ليان"، فى إيه؟ -أختفى يا عمو "يونس" . قالتها بصوت متقطع من البكاء، ففهم ما يدور داخلها ثم أمسك بكفها بعدما أستأذن من رفاقه وخرج بصحبتها نحو سيارته متجهاً إلى منزله، ما إن رأته "نور" بصحبة "ليان" حتى أقتربت منهم بقلق تحتضنها : -"ليان"؟ مالها يا "يونس" ؟ -متقلقيش هى بخير، جهزى بس كوباية لمون كده وهاتيها لها المكتب . -حاضر . ثم دخل بصحبتها إلى مكتبه، عم الصمت قليلاً فى المكان فدخلت "نور" مع بعض الحلوى وكوب من الليمون البارد وكوب قهوة لزوجها، فقالت بتفهم : -أنا جهزت شوية حاجات ليكم. ثم قالت بعدما ربتت على كتف الصغيرة : -هستناكي برة، علشان أنا كلمت مامتك دلوقت وقولتلها أنك هتقعدى معايا النهاردة . كانت "نور" تعى أن الصغيرة تمر بشىء كبير وقد لمحت إليه والدتها مرة من قبل، فكانت تعلم أن زوجها على علم بما تمر به "ليان" ولذلك تركتها بصحبته بعدما أخبرتها والدة "ليان" بذلك، بعد خروجها قال "يونس" : -أنا عارف أنتِ بتمرى بإيه . نظرت إليه بحزن فأكمل بعدما نهض وأحضر صورة صغيرة ووضعها أمامها : -دى "عزيزة" . نظرت إلى الصورة القديمة ثم وجهت نظرها إليه بتساؤل، فقال : -تقريباً نفس اللى حصلك مع "آسر" هو اللى حصلى مع "عزيزة" . تفاجئت من قوله فأكمل : -فى نفس الفترة اللى أتقتل فيها "آسر" أنا قابلت "عزيزة" . قص عليها بإختصار ما حدث، لتكن تلك مرته الأولى التى يخبر بها أحداً ما دار بداخله، والغريب أن يكون ذلك الشخص هو فتاة صغيرة تعانى مثلما عانى هو، أستمعت إلى ما حدث بتركيز فقالت بأعين دامعة : -بس حضرتك بتحب طنط "نور" . -أنا بحس إنى أكتر إنسان محظوظ فى الدنيا علشان ربنا رزقني بقلب زى قلبها، لكن ... فى حاجات لازم تفضل جواكى وتقفلى عليها علشان تقدرى تعيشى وتكملى حياتك، حتى لو الحاجات دى تقدر تحرقك وتخليكى إنسانه بلا روح، فأنتِ هتضعفى وتنهارى يبقي كده خلاص أنتِ ضيعتي .. هتتماسكي وتعيشي حياتك، يبقي ربنا هيعوض عليكي، ثم كفاية أنك سبب فى أن حقه رجع والحقيقة ظهرت . قالت بقلب منفطر : -مش هقدر أعيش من غيره، أنا مكنتش أعرف حد غيره . -كلنا منقدرش نعيش من غير اللى بنحبهم، لكن مجبرين نكمل وربنا يصبر قلوبنا ويكتب عليها السكينة . -هشوفه تانى؟ -مسيرنا نشوف الغايب ونتجمع معاه . عم الصمت قليلاً فقطعه قائلاً : -يلا قومى زمان "نور" قلقانه عليكي بره، ومتقلقيش كلنا جنبك ومش هنسيبك لوحدك تانى . وقفت أمامه بابتسامة مكسورة، ثم وضعت صورة "عزيزة" أمامه على المكتب قائلة بهدوء : -شكراً لحضرتك يا عمو " يونس" على كل حاجة . رد ابتسامتها مردداً : -أحنا جنبك يا لولو، وأنتِ لسه صغيرة ومسيرك تقابلى اللى ينسيكى كل اللى حصل . نظرت إليه بألم قائلة : -كان زمان حضرتك نسيت . ثم خرجت لتعتذر من قريبتها حتى تعود إلى منزلها لرغبتها فى المكوث مفردها قليلاً، فقام "يونس" بتوصيلها وظل يعمل على بث الثقة والطمأنينة فى قلبها مجدداً علها تهدأ، فهو أكثر من يشعر بها، فعادت إلى منزلها تحمل صورة شبحها اللطيف تحدثه بحزن و تلومه على تركها وحيدة مجدداً فأحتصنت صورته ونامت وهى تتمنى أن تراه فى منامها، فما مرت به ليس هيناً وفقد القلب ليس سهلاً وإن كُتب على قلب عشق .. فليدعو ألا يكون عشقه هو لعنته . ....... أما عند "يونس" .. فأدار محرك سيارته نحو مكان يعز عليه ويعيش فى ذكراه دائماً، وصل إلى وجهته المطلوبة ثم نزل ليفتح بوابته الحديدية ودخل بسيارته فوقف أمام القصر بشوق بالغ ذروته ينظر إلى النافذة التى طالما رآها بها، فكانت مغلقه والمكان هادئاً كعادته، كان الطقس بارداً فإتجه نحو سيارته مجدداً كى يعود إلى بلدته، وقبل أن يفتح باب السيارة وجد أن المكان أصبح أدفأ من قبل ثم سمع صريراً يأتى من خلفه فنظر إلى مكانه فوجد النافذة تفتح ببطىء ويظهر إضاءة المدفأة مجدداً لتطل منها ملامح طالما تمنى رؤيتها، فهمس بعشق : -"عزيزة" . فأبتسمت الأخرى دون حديث تنظر إليه فقط بشوق هى الأخرى، فبردت نيران الشوق قليلاً فى قلبه ليحل محلها فرحة اللقاء بعد الغياب . تمت بحمد الله .....

تعليقات
إرسال تعليق