ليلة زفاف معلقة(قصة قصيرة)

غلاف

📜 الفصل الأول 📜

كانت واقفة في قلب القاعة، بثوبها الأبيض الناعم الذي ينسدل على جسدها بانسيابية، تسريحة شعرها المرفوعة تكشف عن عنقها المشدود، وطرحتها تنساب خلفها وابتسامتها المرسومة بدقة تضيء وجهها بنعومة. حولها تتناثر المباركات والتهاني، النظرات المبهجة، والضحكات التي تتصاعد من صديقاتها وهن يلتقطن الصور ويصففن تفاصيل الفستان كأنهن يشاركنها الحلم. عائلة حمزة تجلس في الصف الأمامي، ملامحهم مطمئنة، أعينهم تتابعها برضا واضح، كأنهم يباركون لابنهم هذا الاختيار. كل شيء يبدو مثالياً ومحسوباً كما خطط له. لكن داخل نور شيء لا يستقر، هناك اضطراب خفي يضغط على صدرها، تتذكر مكالمته قبل ساعة، صوته كان غريباً وجافاً، كأنه يختصر وداعاً لا يريد قوله. حاولت أن تقنع نفسها أن التوتر طبيعي، أن الزفاف يربك الجميع، واضطرت للدخول إلى القاعة وحدها، كما اتفقا لو تأخر. مرت عشرون دقيقة ثم أخرى، بدأ القلق يظهر في الوجوه والهمس يدور في أطراف القاعة. أهلها يحاولون تهدئتها بكلمات مكررة لا تقنع أحداً، وأهل حمزة يتبادلون نظرات متوترة ويحاولون الاتصال به بلا فائدة. أما هي فكانت تشعر كأن الهواء من حولها يضيق. ثم اهتز هاتفها معلناً عن وصول رسالة فظهرت لها الكلمات كصفعة: "أنا آسف، ولكني لا أستطيع أن أكمل هذا الزواج" حدقت في الهاتف طويلاً، لم تصدق ما تقرأه، ثم أفلتته دون قصد فسقط على الأرض كأنه سحب معه أنفاسها. جلست على الكرسي وهي تنظر إلى الفراغ بعينين لا تبكيان ولا تريان. القاعة من حولها تواصل ضجيجها، لكن الزمن عندها توقف. وتلك الليلة بقيت معلّقة، لم يكتمل الفرح ولم يتم الرفاف. جلست في الشرفة منذ الصباح، تحتضن فنجان قهوتها بيديها كأنها تحتمي بحرارته من برودة الجو. من الداخل يعلو صوت فيروز، يغمر المكان وهي تغني "أنا يا عصفورة الشجن" كانت تنصت بصمت، تحدق في الشارع الخالي، حتى وقفت عند المقطع الذي اخترقها دون استئذان: "أي وهمٍ أنتَ عشت به، كنتَ في البال ولم تكن" انكمشت أصابعها على الفنجان، وسرح نظرها بعيداً، مر شريط تلك الليلة في ذهنها بلا رحمة، كما مر كل ما يخصه، نظراته، كلماته، يده التي امتدت ثم انسحبت، الوعد الذي لم يكمل طريقه. كل شيء عاد، ليس ليشرح بل ليؤكد أنه كان وهماً متقناً. فتحت والدتها (سهى) باب الشرفة بهدوء، تحمل وشاحاً دافئاً على ذراعها. اقتربت منها دون كلام ووضعت الوشاح على كتفيها وجلست بجانبها قائلة: "مستيقظة مبكراً" نور لم تلتفت، تبقي عيناها معلقتين في الشارع الخالي مجيبة: "أجل، لدي عمل مبكر" سهى: "ألا تلاحظين أنك تقتلين نفسك بالعمل؟ كل يوم تخرجين قبل أن نراكِ، وتعودين لتغلقين باب غرفتك وتغيبين. لا تخرجين ولا تتحدثين ولا تضحكين، كنتي تذهبين مع صديقاتك، تملئين البيت بالحركة والضحك، كنتي نوراً للجميع يا نور، ما بكِ يا حبيبتي؟" نور ترفع عينيها إليها بنظرة باردة، ثم تشيح بوجهها وترد بجفاف: "لا شيء" سهى: "أظن أن خمسة أشهر كافية لتتخطي الأمر وتعودي كما كنتي، أليس كذلك؟" لترد بنبرة ضيق لا تحتمل نقاشاً: "أمي أرجوكِ، لا تذكري هذا الأمر بعد الآن" سهى بنبرة حزينة: "ما يحزنني ليس ما حدث، بل أنني أراكِ على هذه الحالة ولا أملك أن أخرجكِ منها. كأنكِ تغرقين أمامي، وأنا واقفة على اليابسة" نور: "لا تقلقي أنا بخير، وسأكون هكذا دائماً" تومئ بصمت ثم تنهض نور وتقول وهي تتجه نحو الداخل: "سأذهب لأبدل ملابسي، لا أريد أن أتأخر على المستشفى" لتتابع خطوات ابنتها وهي تبتعد، دون أن تقول شيئاً. دخلت نور المستشفى بوجه هادئ الملامح، جامد القسمات، أومأت لموظفة الاستقبال بتحية مقتضبة، ثم تابعت سيرها نحو غرفة الأطباء. ارتدت معطفها الأبيض على عجل، وصففت شعرها قبل أن تهم بالخروج. ما إن فتحت الباب حتى وجدته أمامها (أمير)، واقفاً كأنه ينتظرها، بابتسامة هادئة ليقول: "صباح الخير" أجابته بهدوء متحفظ: "صباح النور، ليس من عادتك التواجد هنا، ما الأمر" ارتبك قليلاً، ثم حاول إخفاء اضطرابه بابتسامة أخرى: "لا شيء، جئت لأتحدث مع سامر فحسب" أومأت بصمت وهمّت بالمرور لكنه استوقفها: "في الواقع... أردت أيضاً أن أدعوك لحفل زفاف شقيقتي" التفتت نحوه بتفاجؤ، فيما مدّ هو يده بظرف الدعوة قائلاً: "أتمنى أن تحضري، وسأترك بطاقة سامر لديك أيضاً" نظرت إلى الظرف دون أن تمدّ يدها، ثم قالت بنبرة هادئة لا تخلو من برود: "أعتذر، لا أميل إلى حضور الأعراس أو المناسبات، لكنني أتمنى لها السعادة" ضحك بخفة وهو يقول: "ما بكِ؟ لا أقبل أعذارك هذه المرة، ستأتين بالتأكيد. لن تُحرجيني أليس كذلك؟" تنهدت وقالت: "سأحاول الحضور، ومباركٌ لها" شكرها بنظرة ممتنة وهمّت بالابتعاد، لكن شيئاً ما جعلها تتوقف فجأة. استدارت نحوه وقالت: "لكنني أذكر أنك لا تملك سوى شقيقة واحدة وكانت متزوجة" ابتسم ابتسامة فيها شيء من الغموض وقال: "صحيح، لكنها تطلقت منذ عام، وها هي أخيراً وجدت الشخص المناسب. اتفقا على الزواج وباركنا لهما جميعاً" اكتفت بإيماءة وابتسامة عابرة، ثم تابعت طريقها بخطوات ثابتة. بينما هو يراقبها وهي تبتعد ونبضه يشتد كأنه ينادي باسمها. حضورها يربكه وغيابها يتركه خالياً إلا من عشق لا يستطيع إخفاءه. دخل والدها (أحمد) وعلى وجهه ابتسامة دافئة قائلاً: "وأخيراً سنجتمع على الغداء يا نور، هيا يا عزيزتي، والدتك أعدّت الطعام" ابتسمت بخفة وقالت وهي تنهض: "حالاً يا أبي" خرجت معه وجلست إلى المائدة، حيث كانت شقيقتها الكبرى (قمر) وزوجها (فارس) ينتظران. ألقى فارس التحية وهو يمد يده مرحباً: "ها قد طلت قمر العائلة" ابتسمت نور بخفة فتدخلت قمر وهي تضحك: "هو يقصدني طبعاً، أنا قمر العائلة الحقيقي" ضحك فارس وقال: "في الحقيقة أرى أن العائلة محظوظة بقمرين" ضحك الجميع، وبدأوا في تناول الطعام. فقالت قمر وهي تلتقط قطعة خبز: "بالمناسبة يا نور، سمعت أنك دُعيتِ لحفل زفاف شقيقة أمير، أليس كذلك؟" نظرت نور إليها باستغراب وقالت: "صحيح، لكن من أخبرك؟" أجابت بابتسامة وهي تشير نحو فارس: "أمير صديق زوجي، يبدو أنه تحدث معه بالأمر" أومأت بهدوء وقالت: "حقاً؟ لم أكن أعلم أنكما على معرفة" ليقول فارس: "سنذهب نحن أيضاً للحفل، وسنمرّ لأخذكِ معنا" نظرت إليه بهدوء وقالت: "لا أظن أنني سأذهب" رفعت قمر حاجبيها بدهشة: "لماذا؟ مجرد حفل زفاف، لا شيء يستحق كل هذا التردد" تجنبت نور نظراتهم وقالت وهي تحرك شوكتها بصمت: "لا أحب حضور الأعراس، هذا كل ما في الأمر" فارس: "لكن من الجيد أن تخرجي قليلاً، ثم إنها فرصة لتعدل مزاجك" ردت نور دون أن ترفع عينيها: "لا أرى داعياً لذلك" عندها تدخل أحمد بنبرة هادئة لكنها حازمة: "عزيزتي يجب أن تذهبي. الحياة لا تتوقف بسبب حدث مضى، كلنا نحتاج أن نبدأ من جديد" ظلت صامتة لثواني طويلة ثم قالت بخفوت: "سأفكر بالأمر يا أبي" ساد الصمت للحظات، ثم تابعوا طعامهم في جو مشوب بالهدوء والشفقة التي حاول الجميع إخفاءها.

📜 الفصل الثاني 📜

وضعت أقراطها الفضية، ونظرت إلى مظهرها في المرآة بنظرة رضا. فستانها الأسود المحتشم بدا أنيقاً بطريقة بسيطة وراقية، أما شعرها فقد تركته مسدلاً بحرية على كتفيها، واكتفت بلمسة رقيقة من أحمر الشفاه. التفتت نحو هاتفها الذي صدح صوته، كانت قمر تخبرها بصوت حيوي: "هيا يا جميلة، نحن في الأسفل ننتظرك، لا تتأخري" أغلقت المكالمة بابتسامة، التقطت حقيبتها الصغيرة ووضعت بداخلها ظرف الدعوة الذي لم تفتحه بعد، ثم خرجت. وما إن فتحت باب السيارة وجلست في المقعد الخلفي حتى التفتت إليها قمر بابتسامة واسعة قائلة: "بصراحة يا حبيبتي، اسم قمر لي، لكن الوصف لك اليوم" ضحكت نور بخفة ليتدخل فارس بنبرة ودودة: "أتفق تماماً، فعلاً يا نور تبدين مختلفة الليلة وأكثر إشراقاً" اكتفت بابتسامة ناعمة، وانطلقت السيارة إلى أن قال فارس بعد دقائق بطرافة مقصودة: "قمر، فقط تذكري كلامي... أرجوكِ لا تطلبين نصف طاولة الحلوى كما فعلتي في آخر مناسبة" قمر تلوّح بيدها باستياء: "لما هذه المبالغة؟ إنها مجرد حلويات، ثم إنني آكلها منذ بداية حملي، البيبي يحبها، لا ذنب لي" فارس يتمتم: "البيبي يحبها، وأنتِ فقط تنفذين الأوامر؟ رائع، لا أحد يستطيع مجادلتك إذاً" قمر تلتفت نحوه عابسة وتقول بتهديد: "صبرك قليل هذه الأيام يا فارس، ربما أضيف بعض الملح الزائد في طعامك" ضحكت نور بصوت مرتفع جعل فارس يقول ممازحاً: "ها قد جعلتكِ تضحكين أخيراً، يبدو أن وجودنا مفيد لكِ" أجابت بابتسامة: "وجودكما يخفف أي توتر، كما أنه من المستحيل ألا يضحك المرء معكما" ساد صمت قصير تلاه صوت فارس وهو يعلن وصولهم، رفعت نور رأسها، وما إن وقعت عيناها على الواجهة الزجاجية للصالة حتى انتفض قلبها، فهي نفس الصالة التي كان من المفترض أن تكتمل فرحتها بها، ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تهمس: "ماذا... ماذا نفعل هنا نحن؟" تبادل فارس وقمر النظرات قبل أن يقول فارس: "ماذا هناك؟ هذه الصالة سيُقام فيها الحفل، ما المشكلة؟" تنهدت بعمق وقالت بارتباك واضح: "لا أستطيع، لا أريد الدخول، سأعود إلى المنزل" نظر فارس إليها بثبات وقال بنبرة حازمة وجادة: "إن أردتي أن تتجاوزي، فعليكِ أن تواجهي. هذا المكان لم يكسرِكِ والمكان لا ذنب له. واجهيه بنظرة جديدة يا نور، وأغلقي تلك الصفحة" أطرقت برأسها قليلاً، ثم أخذت نفساً عميقاً ونزلت من السيارة بخطوات مترددة، ودخلت الصالة بصحبة قمر وفارس. وما إن تجاوزوا المدخل حتى لمحت نور أمير واقفاً في استقبال الضيوف، بابتسامته الهادئة التي تحمل شيئاً من البهجة والود. صافح فارس أولاً، ثم قمر، قبل أن يتوجه بنظره إليها ويقول بابتسامة دافئة: "أنرتِ الحفل يا نور" مدّت يدها على استحياء ثم سحبت يدها سريعاً وقالت بتوتر: "شكراً لك" راقبها للحظة وهو يحاول أن يخفي ارتباكه، ثم لحق بهم وانضم إليهم، بينما كانت نور تتابع الأجواء في صمت شديد، تحدّق في الأضواء والضحكات من حولها، وتتنفس بثبات مصطنع لا يشي بالعاصفة التي تدور في داخلها. أما هو، فظل يراقبها بنظرات شاردة، يحاول أن يخفي ما لا يستطيع كتمانه. اقتربت قمر من فارس تهمس له بقلق ظاهر: "هل تظن أن ما نفعله صائب؟" فارس: "بالتأكيد، أؤمن أن هذه الليلة ستكون بداية جديدة لها، وستغلق أخيراً تلك الصفحة التي أنهكتها" تنهدت بخوف وقالت: "أنا خائفة عليها كثيراً، لا أريد أن أراها تنهار من جديد" ربت على يدها مطمئناً: "لا تقلقي، ستكون بخير صدقيني" أومأت بصمت ثم نهضت إلى طاولة الحلوى، تحاول إشغال نفسها بتذوق الحلويات، بينما كان فارس يراقبها بابتسامة تجمع بين الحنان واليأس. في الجهة الأخرى، كانت عينا نور تائهتين بين الوجوه، التقطتا ملامحاً مألوفة، لتتجمد ملامحها في لحظة خاطفة. ابتلعت ريقها بصعوبة، تساؤلات كثيرة تدور في ذهنها قبل أن تنقطع أفكارها مع دخول العروسين. خطوات متناسقة، وابتسامة عريضة تفيض فرحاً، لكن بالنسبة إلى نور كان المشهد أشبه بصفعة على قلبها. الزمن توقف، وصوت الموسيقى تلاشى، ولم يبقى سوى وجهه، حمزة، الرجل الذي تركها. ها هو الآن يمسك بيد أخرى، يبتسم لها بالنظرة ذاتها التي كانت يوماً لها وحدها. وقفت تتأرجح بين الذهول والوجع، بينما كان فارس وقمر وأمير يراقبونها بخوف خفي. اقتربت قمر منها هامسة برجاء يائس: "تماسكي يا نور، أرجوكِ، لا تضعفي الآن" لكن نور لم تكن تسمع، كأنها خرجت من جسدها، وبدأت قدماها تسيران بها نحو حمزة دون وعي. كان هو جالساً بجوار عروسه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى انتفض واقفاً، عيناه متسعتان بدهشة وندم واضح. وقفت أمامه وفي داخلها كانت العاصفة كبيرة، لكن عقلها يهمس: ليس لكِ أن تقولي شيئاً، لقد اختار الرحيل بنفسه. ابتلعت ريقها وأجبرت نفسها على الثبات، فيما كان هو يشيح بوجهه عنها بأسى، غير قادرٍ على المواجهة. أما زوجته (رنا)، فكانت تحدق بينهما بتعجب لا تفهم سببه. اقتربت قمر تحاول سحب يد شقيقتها برفق: "هيا نور" لكن نور تراجعت، حررت يدها قائلة بابتسامة مكسورة امتزج فيها الألم بالسخرية: "مبارك لكما" ثم استدارت بخطواتٍ مضطربة، والدموع تعاند عينيها، قبل أن يتلاشى العالم فجأة أمامها. دارت بها القاعة، أطلقت صرخة تخرج من أعماقها، ثم سقطت أرضاً مغيبة عن وعيها. ارتبك الجميع، وهرول حمزة نحوها كمن فقد عقله، رفعها بين ذراعيه يهتف باسمها محاولاً إفاقتها، بينما أمير حاول إبعاده عنها بحدة واضحة، لكن حمزة انتزع نفسه من قبضته، محتضناً جسدها المتهالك. في النهاية، حملها فارس بين ذراعيه، وقمر خلفه تبكي. أما حمزة فبقي واقفاً مكانه يراقبهم وهم يبتعدون بها، كمن فقد قلبه مع تلك الخطوات. وعلى بعد أمتار منه، كان أمير يحدّق به بنظرة غامضة تجمع بين الغضب والقهر، فيما بقيت رنا جامدة تحدق في المشهد بعينين لا تصدقان ما ترى.

📜 الفصل الثالث 📜

كانت خطواتها تتردد في ممر المستشفى الهادئ، ووجهها جامد الملامح، شاحب كمن أُفرغ من الحياة. وحين وقع بصرها عليه انعكست في عينيها نظرة لؤم، وتخطته دون أن تنطق بكلمة. لكن صوته لحق بها برجاء: "نور... أرجوك، لا تكوني قاسية معي إلى هذا الحد" توقفت للحظة والتفتت نحوه بعينين متقدتين غضباً: "لن تجد مني بعد اليوم إلا هذه القسوة" ابتسم بمرارة تخفي وجعه: "وهل كنتي تعاملينني بلطف من قبل؟" نور: "لماذا لم تخبرني أن حمزة هو زوج شقيقتك؟" ارتبك للحظة وصوته تلعثم وهو يحاول الدفاع عن نفسه: "ظننت أنك تعلمين، لم أتخيل أنك تجهلين الأمر" قطعت كلامه بحدة جعلت قلبه ينقبض: "كاذب! أنت أكثر من يعلم أنني لم أعد أتابع أخباره، فكيف لي أن أعرف؟" رفع يديه في محاولة تهدئة: "نور اهدئي قليلاً. اسمه ولقبه كان مكتوباً على بطاقة الدعوة، ظننتك انتبهتي صدقيني، حين رأيتك تدخلين ظننت أنك قررتي المواجهة أخيراً، وكنت سعيداً لأجلك، بل لأجلي أيضاً" نظرت إليه نظرة طويلة غاصت في أعماقه، قرأت فيها ما لم يقال، ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاسم: "أخرج من بالك هذا الوهم يا أمير، ما تفكر فيه لن يحدث، ولو كنت أريده لاخترتك منذ زمن" ثم مضت مبتعدة بخطوات ثابتة، فيما بقي هو في مكانه يحدق في الفراغ، يشعر أن كلماتها تركت فيه جرحاً لا يندمل، وأن الأمل الذي كان يتمسك به تلاشى مع صدى وقع خطواتها وهي تبتعد. وقف أمام المنزل بتردد واضح، وجهه يشي باليأس، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس مضطربة. أراد الرجوع أكثر من مرة، لكنه تماسك أخيراً ورن جرس الباب. لم تمضي لحظات حتى فتح أحمد الباب، وقد بدت الدهشة على وجهه: "حمزة؟" قال حمزة بتردد: "كيف حالك يا عمي؟" أجابه أحمد بجمود: "بخير، ما الأمر؟" تلعثم حمزة قليلاً، يبحث عن الكلمات في فمه وكأنها تفر منه، ليقول أحمد بنبرة باردة: "تفضل، ادخل" دخل بخطوات ثقيلة، وألقى التحية على سهى التي رمقته بنظرة صامتة مليئة بالاستغراب، ثم جلس دون أن يرفع نظره. قال أحمد ببرود: "لماذا أتيت؟" تنفس بعمق وقال بصوت واهن: "في الواقع جئت لأقابل نور" رفع أحمد حاجبيه وقال: "نور في عملها، ولن أخفي عليك... أنا متأكد أنها لا ترغب برؤيتك" ليقول برجاء: "أعلم، ولكن لا أستطيع الرحيل دون أن أراها. أريد أن أطمئن عليها وأن أشرح لها ما حدث، فهي لا تعلم شيئاً، وأنا لم أكن شجاعاً حينها، أريد أن أبرر لها" تدخلت سهى بضحكة ساخرة: "بعد ستة أشهر، تذكرت أنك مدين لها بتفسير؟ بعد أن تركتها في ليلة عمرها؟" أطرق رأسه خجلاً وقال بانكسار: "أعلم، وأستحق هذا الغضب، لكن صدقيني يا خالتي ما فعلته لم يكن هروباً، بل كان خوفاً. فعلت ذلك من أجلها، لأنني كنت أعلم أن بقائي سيظلمها" أحمد بنبرة أقل حدة: "كان بوسعك أن تواجهها بدلاً من أن تتركها بلا سبب" هز حمزة رأسه بأسى وقال بصوت مبحوح: "أعرف، كنت ضعيفاً، وندمي اليوم يقتلني أكثر من أي شيء. لكني أقسم أن ما فعلته لم يكن خيانة، بل تضحية" ساد الصمت بين الجميع، حتى انفتح الباب ودخلت نور، توقفت مكانها ما إن رأته، وشحب وجهها فوراً ثم قالت بوجوم: "ماذا تفعل هنا أنت؟" نهض حمزة فوراً واقترب منها: "أرجوك، أريد فقط بضع دقائق، أشرح لك كل شيء" قالت ببرود وهي تشير نحو الباب: "لا حاجة لي بتفسيراتك. اخرج من هنا" وقف أمامها وقال بصوت يائس: "نور، أرجوك، اسمعيني للمرة الأخيرة. لم آتي لأفتح جرحك بل لأغلقه. لم أملك الشجاعة حينها لكني لا أحتمل أن أظل في نظرك خائناً" ترددت قليلاً، فقال بسرعة مكملاً: "سأتقبل منك أي شيء بعد أن أخبرك بكل ما حدث، فقط اسمعيني" صمتت لحظة ثم جلست بتعب ظاهر، دون أن تنظر نحوه. جلس هو قربها ببطء وأخرج ظرفاً من جيبه ومده نحوها قائلاً: "افتحيه وانظري بنفسك" تناولت الظرف ببطء، ووالداها يراقبان بصمت متوتر. وما إن قرأت الأوراق حتى شهقت بذهول، رفعت عينيها نحوه وقد تجمدت. ليقول بمرارة: "نعم، كما فهمتي، لا أستطيع الإنجاب. الأمل شبه معدوم، في يوم زفافنا كنت في المستشفى أستلم النتيجة. لم أستطع أن أواجهك وأنا أعلم أنني سأحرمك من أمومتك" كانت عيناه دامعتين وهو يضيف: "هربت لأنني لو بقيت كنتي ستظلمين معي. أردت لك حياة فيها أمل، لا رجلاً ناقصاً يقيدك بعجزه" قالت بصوت مرتجف: "لماذا لم تخبرني حينها؟ لماذا اخترت الابتعاد؟ قررت عني كأنني لا أملك رأي. كنت سأبقى معك، كنت سأكمل الطريق مهما كان" رفع نظره نحوها، وملامحه يكسوها انكسار، ثم قال بمرارة: "كنت أعلم ذلك، كنتي ستبقين، ولكن بدافع الشفقة لا الحب، وكنت أفضل الموت على أن أراكِ تنظرين إلي بتلك النظرة يوماً" صمتت وأخفضت رأسها مغمضة عينيها بألم، بينما والداها تبادلا نظرة صامتة يثقلها العجز، ثم انسحبا بهدوء تاركان لهما مساحة المواجهة الأخيرة. واصل حمزة بصوت خافت: "أعرف أني كنت سبب جرحك وسبب تعاستك، لكنها تعاسة مؤقتة. ما زالت الحياة أمامك، أنتِ لم تتجاوزي السابعة والعشرين بعد، ستحبين من جديد، وتتزوجين، وتعيشين كما تستحقين" بقيت ساكنة، ولا كلمة خرجت منها، وكأنها فقدت القدرة على الرد، فتابع: "بعد ثلاثة أشهر من يوم الزفاف، التقيت برنا صدفة. أنتِ تعرفين أنها كانت جزءاً من ماضي بعيد لي، لكننا افترقنا حين سافرت أنا، ورفضوا أهلها أن تسافر معي. حين علمت أنها تطلقت ومعها طفلان... عرضت عليها الزواج ووجدت القبول منها ومن أهلها، ورحبت بطفليها لأكون لهما أباً" توقف قليلاً، ثم أضاف بنبرة متألمة: "صدقيني، لم أدعُكِ إلى الزفاف. لم أعلم أن أمير سيوصل الدعوة إليكِ، كنت أظن أنه سيعطيها لأختكِ وزوجها فقط" رفعت عينيها نحوه، مبللتين بالدموع، انفجرت بالبكاء، بكاء خافت لكنه مرير، فطأطأ رأسه عاجزاً عن النظر إلى وجعها، ويداه ترتجفان. نهض بعد برهة طويلة من الصمت، وقد هدأت أنفاسها قليلاً، وقال بصوت مبحوح: "حين رأيتكِ يوم الزفاف، شعرت بأن قلبي يتمزق. عرفت أنني لم أتجاوزكِ ولن أتجاوزكِ أبداً. لكني اليوم جئت لأواجه، جئت لأقول كلمتي الأخيرة، بعد هذا لن تريني مجدداً، ولن يصلك عني أي خبر. لقد فعلت كل ما بوسعي كي لا أكون سبباً في دمارك أو حرمانك من حقك في الأمومة والسعادة" نظر إليها مطولاً، كأنه وداع صامت لكل ما كان، ثم همس وهو يشيح بوجهه عنها: "وداعاً يا نور" خرج بخطوات مثقلة، وأغلق الباب وراءه دون أن يلتفت. بقيت نور في مكانها تحدق بالفراغ، والدموع لا تزال عالقة في مقلتيها، في تلك اللحظة أدركت أن صفحة حمزة قد طويت فعلاً.

📜 الفصل الرابع 📜

مضت ستة أشهر أخرى، ولم يكل أمير، ولم يمل من محاولاته الدؤوبة للتقرب من نور بشتى الوسائل الممكنة، حاول أن يلمس قلبها، أن يكسب رضاها، أن يجد فيها أمل صغير للقبول، لكنه كان يواجه دوماً جداراً من الرفض، وجدار هذا الرفض كان يؤلمه أشد الألم. في داخله كان عشقها قد أصبح كل شيء؛ كيف لا، وهو الذي وقع في غرامها منذ النظرة الأولى، وأقسم حينها أن هذه الفتاة لن تكون إلا له، مهما طال الزمن أو امتد الصبر. رفضها المتكرر كان يجرحه لكنه لم ييأس. هذه المرة قرر أن يكون أكثر جرأة، أن يبادر بخطوة شجاعة ويفتح صفحة جديدة، تقدم رسمياً لطلب يدها من والديها. اتفق مع فارس الذي شجعه على هذه الخطوة، مؤكداً له أن الجرأة وحدها هي الطريق لكسب قلب نور. وقف أمير بهندامه الأنيق حاملاً باقة من الزهور، بينما والديه يرافقانه بابتسامات وديعة، استقبلوهم والدا نور بكل ترحاب، وهم على علم بما سيحدث، عدا نور التي لا تعرف شيئاً، وتبدو في حياتها المفاجآت هي العادة. دخلوا الصالة، حيث كان فارس وقمر متواجدان، وقمر تمسك بطفلها الصغير بين ذراعيها. تقدمت قمر نحو غرفة نور قائلة بابتسامة: "هيا يا نور، تعالي" نور بامتعاض وعيناها تتأملانها بشك: "أريد أن أعرف فقط ما الذي تخططون له، لماذا أصريتم على أن أرتدي فستاناً؟ ومن هم هؤلاء الضيوف الذين حضروا؟" ابتسمت قمر: "تعالي معي، وستعرفين كل شيء" خرجت نور برفقتها واندفعت المفاجأة إلى قلبها حين وجدت أمير ووالديه مبتسمين، منتظريها بود، كل شيء يبدو مرتباً بعناية، وعيون أمير لم تنزاح عنها لحظة، تلمع بعشق لم يخفيه وبعاطفة صادقة تقطر حرارة وحناناً. تقدمت نور ورحبت بهم بهدوء وجلست بينهم، بينما تبادلوا الأحاديث المعتادة والأحاديث الصغيرة التي تنسج الألفة بين العائلات. ثم تقدم والد أمير مخاطباً والد نور لطلب يد نور لابنه. ساد الصمت والجميع يترقب قرارها، صمتها كان ثقيلاً، يملأ المكان توتر وحيرة. كانت حائرة ومتعجبة من إصرار أمير الكبير عليها، لكنه بدا واضحاً أنه فعلاً يحبها، وأن هذا الحب نابع من صميم قلبه. نظرت حولها، وعرفت أن قلبها خالٍ من أي ارتباط، وأن هذه اللحظة فرصة لإعادة بناء ثقتها، ولربما ستكتشف شيئاً من شخصيته أثناء فترة الخطوبة فتتقبله أكثر. بعد صمت طويل كسرته بصوت هادئ لكنه حاسم: "موافقة" وانطلقت الزغاريد، وتعالت أصوات المباركات في أرجاء المنزل، وامتلأت القلوب فرحاً وسعادة. وتم تحديد موعد الخطوبة. دخلت رنا برفقة طفليها إلى الصالة، لتجد حمزة جالساً ووجهه جامد، ألقت التحية وأخذت طفليها للنوم ثم عادت لتجلس أمامه، نظرت إليه بعينان حائرة وقالت بنبرة هادئة: "لماذا لم تذهب معي لحضور الخطوبة؟" أجاب مركزاً نظره على التلفاز: "تعلمين جيداً أني لا أحب حضور المناسبات" همهمت ثم أخذت نفساً عميقاً، قبل أن تضيف: "لقد بدت رائعة بفستانها الوردي، وأمير كان يحدق بها بعشق لا يصدق. كأنه لا يصدق أنها أصبحت خطيبته" ابتسم ابتسامة رقيقة لكنها متحفظة، وقال بصدق: "مبارك لهما، أمير شاب خلوق ويستحق كل خير" همست وهي تتعمد قراءة قلبه: "ونور، ماذا عنها" رفع نظره إليها وقال بصدق: "نور أيضاً فتاة خلوقة، وأظن أن أمير سيكون لها سنداً، لن يحزنها أبداً" ارتخت ملامحها وشعرت بدفء يملأ صدرها، إذ كانت تختبر رد فعل زوجها، وتيقنت أن ماضيه مع نور قد أصبح صفحة مغلقة، وأن قلبه لها فقط. اقتربت منه وجلست بجانبه وأمالت رأسها على كتفه كطفلة وجدت الأمان. نظر إليها حمزة، وابتسامة حانية رسمت على محياه ثم احتضنها بصمت كأن الصمت هنا أبلغ من الكلام. جلست نور مبتسمة بخجل وهي تستمع لكل كلمة تخرج من فم أمير، الذي صوته يفيض حناناً وعشقاً: "يا إلهي، لا أصدق أنك أصبحتِ لي، لا أصدق أنه أصبح هناك رابطاً يجمعنا، وأن حفل زفافنا سيقام بعد شهرين" ابتسمت بخفة مجيبة: "بصراحة… لدي اعتراض على فترة الخطوبة، فربما نحتاج بعض الوقت لنتقرب أكثر، ولكي أتعرف عليك أكثر" ارتسمت الدهشة على وجهه قائلاً: "ألم تعرفيني بعد؟ ألم تشعري أن هذا العاشق متيم بك، ومستعد أن يقدم لك الدنيا وما فيها؟" ابتسمت بخجل فتابع بصوت ملؤه الصدق والعشق: "أنت لا تعرفين ما تفعلينه بي، كل نظرة منك، كل حضور، كل كلمة تنطقين بها، ابتسامتك التي تقتلني، كل شيء فيك يجعل قلبي يصرخ عشقاً لك. منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها وأنا مجنون بك" ارتعشت شفتاها بخجل فقالت: "أنت تبالغ" لكن صوته الدافئ والحالم لم يتراجع: "صدقيني لا أبالغ، وستعرفين ذلك مع الوقت. أنت نور قلبي، ونور حياتي، أنت النور الذي يضيء عيني" ذابت في خجلها، واشتعلت وجنتاها بلون الورد، واستمر السحر بينهما، ساعة بعد ساعة، في حضرة حديث الحب الذي لا ينتهي. جلست رنا وقلبها ينبض بسرعة، وعينها تتنقل بين الحيرة والخوف، ابتلعت ريقها بصعوبة حين دخل حمزة مبتسماً ملقياً تحيته. ارتجف صوتها حين قالت: "أريد أن أتحدث معك في أمر هام" ابتسم وجلس بجانبها: "بالطبع" ارتجفت قبل أن تخرج كلماتها بصوت يخفي ارتعاش قلبها: "هل… هل أنت تتعالج… من أجل الإنجاب؟" وقف صامتاً، مصعوقاً من سؤالها، فتشظت جراح قد رممها مراراً واعتقد أنه نسيها، لتعود الآن تهز قلبه. همس بحذر محاولاً السيطرة على صوته المتحشرج: "لماذا تسألين؟" أخذت نفساً عميقاً، كأنها تجمع شجاعتها من أعماق روحها ثم قالت بعد برهة: "لأنني حامل"....

📜 الفصل الخامس 📜

نزلت الصاعقة عليه فجأة، وارتجف صدره وجحظت عيناه بدهشة لا توصف، مسرعاً ليمسك بيديها وهو يصيح: "كيف حدث هذا؟" ارتجفت بخوف وردت بصوت متلعثم: "ماذا تقصد؟ لقد حدث والحمد لله، لقد حملت" ارتجف وانفجر بجنون: "كيف… كيف وأنا لا أستطيع الإنجاب؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟" ارتعشت وشعرت بالخوف يلتهمها، فقالت بصوت خافت يختلط فيه الرجاء: "صدقني لا أعلم، ظننت أنك تتعالج، لقد حدث الحمل، ما المشكلة في ذلك؟" رد بانفعال لا يخفف من جنونه: "المشكلة؟ المشكلة أني عقيم، التحاليل أكدت عجزي عن الإنجاب" دفعها فجأة فسقطت على الكنبة، وهو يمسح وجهه بعنف، وكلماته تتطاير بين الغضب والارتباك: "رنا كيف حدث هذا؟ أريد أن أفهم" حاولت أن تهدأ، وأن تجد في عقلها سبباً يخفف من رهبة الموقف: "ربما التحاليل بها خطأ… لا أعلم" التفت نحوها بعينين لامعتين بالغضب والريبة، وقال بحدة: "كيف يكون بها خطأ؟ هل أنت حمقاء؟ أخبريني لمن هذا الطفل؟" انهارت بالبكاء وصاحت: "أقسم لك الطفل منك أنت، لم أعرف الخيانة في حياتي، نشأت في بيت عُرف بالأخلاق ولم أعرف طريقاً للحرام، ولأنني لا أقبل بالباطل، طلبت الطلاق من زوجي السابق لأنه رجل مرتشي وحقير… لا تظلمني يا حمزة" لكن جنونه لم يتوقف، فقد بدأ يحطم الأشياء من حوله، ثم خرج من المنزل قبل أن يفقد السيطرة على نفسه تماماً، وقبل أن يرتكب بها ما لا يحمد عقباه. أما هي فقد بقيت تبكي، لتلتقط هاتفها وتضغط على رقم شقيقها وهي تقول بصوت مليء بالخوف والرعب: "أمير… أرجوك… ألحق حمزة، لا أعلم ما الذي حدث له منذ أن علم بحملي، لقد جن" نزلت الصاعقة الثانية على أمير، شعر بقلبه ينقبض بعنف وعيناه تتسعان بدهشة وخوف، فجلس على أقرب مقعد متثاقلاً، كأن الأرض انشقت تحته وعقله يصرخ بلا صوت، عاجز عن استيعاب ما حدث للتو، خائفاً مما سيحدث فيما بعد. مر يومان، ثقلهما كالجبال على صدور الجميع؛ رنا، حمزة، وأمير الذي كاد يفقد صوابه من شدة القلق. حمزة لم ينطق ولم يحرك ساكناً، كان صمته أشد وقعاً من أي صراخ، وعندما عاد إلى المنزل في ذلك اليوم تجاهل رنا تماماً، وكأنها غريبة عنه. كانت تخشى الاقتراب، تحاول كسر حاجز الصمت، لكنها كانت تصطدم بجدار من العزلة، وما زاد ألمها أكثر شكوكه في إخلاصها واتهاماته لها بالخيانة التي لم ترتكبها. ضاق صدرها وأرهقها الحزن، فقررت اقتحام عزلته وجلست إلى جانبه ودموعها تنساب على وجنتيها. فقالت بصوت خافت متقطع: "إن أردت أن أجهض الطفل، فلا مانع لدي" لم يرد، اكتفى بنفث دخان سيجارته ببطء، فأكملت والدموع تخنقها: "أنت تظلمني كثيراً، وقلبي لم يعد يحتمل أكثر من ذلك" تنهد بقوة، كمن يحمل عبئاً لا يطاق وقال بصوت منخفض ولكنه ثابت: "منذ متى وأنتِ حامل؟" لتجيب بصوت مليء بالرهبة: "منذ شهر ونصف" أومأ بصمت ثم نهض، أطفأ سيجارته، وبدأ يبدل ملابسه بسرعة. وهي تراقبه بتعجب لتقول: "إلى أين ستذهب؟" ارتدى معطفه، وأخرج التحاليل من الدرج قائلاً باختصار: "لأتأكد" ثم خرج دون كلمة أخرى، تاركاً إياها في صمت ثقيل، حزنها ينهش قلبها، وشفقتها على حاله وعلى نفسها تفوق الحد. جلس حمزة أمام الطبيب الذي ينظر إلى التحاليل وقال بهدوء: "هذه النتائج واضحة، تؤكد أنك لا تستطيع الإنجاب" صمت حمزة لحظة، كأنه يمتص وقع الخبر ثم رفع رأسه بعزم: "أفهم، لكن أريد إعادة التحليل. أريد فحوصاً جديدة" ابتسم الطبيب بهدوء: "بالطبع، لا مانع من ذلك. يمكننا إجراء التحاليل مجدداً للتأكد من كل شيء" أومأ حمزة بصمت ووجهه هادئ لكنه يحمل في داخله إصراراً لا يتزعزع. جلس أمير بصمت متوتر، قلبه يخفق بعنف، ثم التفت لشقيقته بارتباك: "كيف يحدث كل هذا… أنا لم أعد أفهم أي شيء" رنا بجمود: "لا أعلم، لقد ذهب إلى الطبيب للتأكد" ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال بصرامة تختلط فيها القلق والرهبة: "النتيجة واضحة، لا حاجة لإعادة التأكد" رنا: "الأفضل أن يعيد التحاليل، لربما هناك خطأ" انتفض فجأة وصوته يصدح بالفزع: "يعيد التحاليل؟ لا" ارتسم على وجهها التعجب: "ما بك؟ لما كل هذا الانفعال؟" مسح وجهه بعنف، وكلماته تتدفق بنبرة حادة ومتوترة: "لا يجب أن يعيد التحاليل، إياكِ… لا داعي لذلك، هل تريدين أن يتلقى زوجك صدمة أخرى تزيد من جراحه؟" أجابت بعزم وتحدي: "بل يجب التأكد، أنا اتُهمت بالخيانة، ولن أسمح بأن يُساء إلي أكثر من ذلك" ليقول بصوت حاد وصرامة واضحة: "إن أعاد التحاليل فأخبريني باسم الطبيب الذي أجرى التحاليل عنده، هل تسمعين؟" ارتسم على وجهها تعجب واضح قائلة: "لماذا تهتم بالأمر إلى هذه الدرجة؟" تدارك موقفه سريعاً، وحاول أن يخفف حدة صوته: "لا شيء، فقط تعلمين أني أعمل في مختبر التحاليل في المستشفى، وأعرف الكثير" همهمت رنا بشك وصمتت، بينما هو تنهد بقلق وكأن العالم كله يثقل على كتفيه، وهو يلعن غبائه لعدم استعداده لمواجهة هذه المفاجأة، مدركاً أنه لم يحسب حساب هذا الوضع أبداً. جلس حمزة أمام الطبيب، قلبه يدق بعنف وعقله تائه بين الترقب والخوف، لم يذق طعم النوم منذ الليلة الماضية، متلهفاً لمعرفة الحقيقة. تنهد الطبيب ببطء ثم قال بهدوء: "مبروك يا أستاذ حمزة، التحاليل الأخيرة أظهرت شيئاً مختلفاً. لديك مشكلة بسيطة لكنها ليست مطلقة. قدرتك على الإنجاب موجودة، وإن كانت تحتاج بعض العناية، لكنها ممكنة حتى دون علاج مكثف" ارتسمت الدهشة على وجهه، وارتجف صوته حين قال: "ولكن… كيف؟ أنت رأيت تحاليلي القديمة" ابتسم الطبيب بتفهم، وأجاب بهدوء: "صحيح، لكن النتيجة الجديدة دقيقة ومؤكدة. يبدو أن تحاليلك السابقة كانت خاطئة، أو ربما مزورة" توقف عن التنفس للحظة، وارتجف: "مزورة؟" وفجأة انطلق شريط الأحداث في ذهنه، منذ اليوم الذي أقنعه فيه أمير بإجراء التحليل، وحتى ذلك الخبر الذي زعم فيه عدم قدرته على الإنجاب. شعور غريب اجتاح قلبه، مزيج من الصدمة والغضب، وارتسم وجه شخص واحد في رأسه مراراً: أمير. بدا وكأن الغطاء انكشف، وكشفت الحقيقة عن فجوة كبيرة تركت أثرها العميق في قلبه.

📜 الفصل السادس 📜

دخل إلى المنزل وكأن جسده يسير دون وعي، وعيناه تائهتان، رنا كانت في الصالة جالسة مترقبة بتوتر واضح، وما إن رأته حتى انتفضت وهرولت نحوه وقالت بقلق: "ما النتيجة؟" نظر إليها كما ينظر السكير وتخطاها ليجلس على الأريكة، واضعاً يديه على رأسه بثقل يحمل عبء العالم كله. اقتربت منه برفق وجلست بجانبه وهي تهمس: "أخبرني ماذا حدث؟" رفع رأسه وقال بوهن: "التحاليل القديمة مزورة" شهقت بخوف، فابتسم هو بسخرية مريرة مردفاً: "لقد أدركت الآن بعد فوات الأوان، وبعد مرور سنة وأكثر أنه تم التلاعب بي" ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة: "مزورة؟ كيف؟ ومن الذي سيفعل ذلك ولماذا؟" نظر إليها ببرود قاتل، كأن الحقيقة ثقيلة على قلبه قبل لسانه: "شقيقك" انتفضت واقفة وارتفع صوتها بفزع وعنف: "لا… لا، أخي لا يفعل ذلك، لا تتهمه يا حمزة، يكفي ما اتهمتني به من خيانة، لن أسمح لك بالتمادي أكثر" وقف بهدوء واقترب منها برفق ليحضن رأسها بين راحتيه، ويقبل جبينها بعمق مغلقاً عينيه بأسى، ثم احتضنها بقوة فقالت بنبرة باكية متقطعة: "صدقني… أمير لا يفعل ذلك… صدقني" وكانت أصعب لحظة بينهما الخذلان من طرف واحد، شعور بالخداع والتلاعب، الخيبة التي تتلوها نكران الحقيقة، والوجوه التي لا تعرف التصديق، ليصبح المكان صامتاً إلا من دقات قلبيهما المثقلة بالوجع. دخل حمزة المختبر بوجه جامد فوجد أمير غارقاً في شروده، وما إن لمحه حتى هب واقفاً ليقول بارتباك: "أهلاً أهلاً حمزة، تفضل" تقدم حمزة إلى المكتب، ألقى بأوراق التحاليل أمامه وجلس بوجوم، وضع قدماً فوق أخرى، ثم قال بصوت صارم: "أخبرني كيف خططت لكل ذلك" ابتسم أمير ابتسامة مرتعشة مجيباً: "لا أفهم، عن ماذا تتحدث؟" تجاهل حمزة نكرانه وأعاد سؤاله: "أخبرني كيف خططت يا أمير" ابتلع أمير ريقه بصعوبة، بدا كل شيء حوله يقف على حافة الانهيار. بقي صامتاً وفي عينيه ارتعاش الخوف من انكشاف اللعبة. فنطق حمزة دون أن يرف له جفن: "أعلم أنك زورت التحاليل. فقل لي بالتفصيل ما جرى" أمير: "لا أفهم ما تقول" ليقول حمزة ببرود: "هذه التحاليل أمامك. النتيجة التي سلمتني إياها، والنتيجة الحديثة. تحدث الآن قبل أن أقدمها للمستشفى وأتأكد بنفسي، فحينها لن يبقى الأمر مجرد كلام" أغلق أمير عينيه للحظة، ووضع رأسه بين يديه ثم رفع وجهه وقال بصوت متحشرج: "صدقني النتيجة لم أتلاعب بها. هذا ما ظهر لي وقتها" كان حمزة يمسك أعصابه وقال بنفاد صبر: "قل الحقيقة قبل أن أفتعل لك مصيبة، ويصل الأمر للشرطة" أمير بارتباك: "حسناً سأخبرك بكل شيء" أخذ نفساً عميقاً قائلاً: "بطبيعة الحال، لا حاجة لأن أخبرك أن الدافع وراء ما اقترفته هو نور... كنت أريد أن أُفشل زواجكما بأي وسيلة ممكنة، فقط لأمنعها من أن تكون لغيري. أحببتها إلى حد يتجاوز المنطق، ومنذ أن علمت بعلاقتكما والنار تلتهمني ليلاً ونهاراً. حاولت مراراً أن أبعدها عنك لكني فشلت، فاخترت الطريق الأشد حماقة. أقنعتك بإجراء التحليل وكنت عازماً على تزوير النتيجة أيّاً تكن، لأجعلك تبتعد عنها بنفسك. كنت أعلم أنك تحبها لذلك لن تظلمها ولن تكمل الزواج، ولكي أقطع آخر خيط يربطكما، رتبت لقاءك بشقيقتي، لعلك تجد فيها ما ينسيك نور، وسارت خطتي كما أردت... ظننت أنني بذلك سأحصل عليها وحدي، وأنني سأكون الرجل الوحيد في حياتها، أعلم أنني كنت أنانياً لكن صدقني لم أستطع تقبل فكرة أن تصبح لغيري. فعلت ما فعلت مدفوعاً بعشق أعمى لا يرحم، وأدرك تماماً أنني جرحتك وجرحتها، جرحاً لا يندمل لكنه لم يكن بيدي" صمت الكلام في حلقه، فوقف حمزة واقترب بخطوات ثابتة نحوه ليقف هو بالمقابل قائلاً بتبرير: "سامحني، ولو وضعت نفسك مكاني لأدركت ما أشعر به" لم يجبه، فقط ظل يحدق به بوجوم فأضاف أمير بتوسل: "أرجوك لا تخبر نور. انسى الأمر وواصل حياتك مع رنا، أنت كنت تحبها وهي برفقتك الآن" فاستقبل كلامه بلكمة عنيفة ارتد أمير على أثرها ساقطاً على الكرسي، قبض حمزة على ياقة قميصه وصوته يخرج بغضب وعيون لامعة بالدموع: "لن أكلف نفسي عناء ضربك مجدداً، لكني سأجعلك تذوق وجعاً أعيشه كل لحظة، وستحيى بنفس الشعور صدقني. دفعه وغادر تاركاً إياه في صمت ثقيل. لم تسقط دموعه لكن جسده كله كان منهكاً، وذهنه يغرق في دوامة من الخوف والندم، عاجزاً أمام حجم الأحداث التي لم يكن قادراً على السيطرة عليها، وأفكاره تتلاطم بلا رحمة، حاملة معه الشعور بالخطر الداهم. جلست نور بجسد مشدود وأصابعها تمسك بأوراق التحاليل التي وضعها أمامها حمزة. الأوراق كشفت لها الحقيقة المرّة عن أمير، الحقيقة التي وضعت حبها وحبه في متاهة من التلاعب والخداع، وأدت إلى فراقهما بلا رحمة. لم تصدق كيف استطاع أن يتمادى بتلك الجرأة، كيف قلبه القاسي استطاع أن يوجعهما بهذا الشكل. دموعها كانت تتساقط بصمت، ووجهها شاحب بلا تعبير وعيناها لا تفارقان حمزة الذي جلس أمامها، رأسه بين يديه وجسده مثقل بالهموم وملامحه مشوهة بألم خفي. لم يستطع رفع رأسه، فكل حركة كانت تكشف مدى شعوره بالعجز والوجع الذي يكتمه داخله. ثم بعد صمت طويل عاد لرشده، رفع عينيه ليجدها تحدق فيه بعجز مماثل. اقترب بخطوات هادئة وجلس بجانبها وقال بخفوت: "لم أجد بديلاً سوى أن أخبرك بالحقيقة، لكي لا تعيشي في كذبة كما عشتها أنا" ابتسمت بسخرية مريرة: "هذه الكذبة كنت أعيشها معك للأسف" عمّ الصمت لثواني، قبل أن تنفجر كلماتها بلوم: "لماذا سمعت كلامه؟ لماذا انسحبت وقتها؟ لماذا لم تكن أنانياً، أن تكذب عليّ ولا تخبرني بالحقيقة؟ خدعتك كانت لتكون أخف وجعاً، أفضل بكثير من خدعته الحقيرة تلك" ابتسم بعمق وعيناه تحملان بعض الأمل: "دعينا من ذلك الآن… لا تلومينني، لكننا نستطيع تصحيح ما حدث" نور: "كيف؟" نظر إليها بثقة، وكأن قلبه ينطق عن نفسه: "تزوجيني"....

📜 الفصل السابع والأخير 📜

صعقت من طلبه: "ما الذي تقوله؟ أنت متزوج…" حمزة مبرراً: "وماذا في ذلك؟ سأبقيها عندي، لكني أريد الزواج منك أيضاً" نور بحزم: "انسى الأمر، لن يحدث ذلك أبداً" اقترب منها قليلاً قائلاً بصوت خافت لكنه متشبث بالأمل: "صدقيني هذا ما يجب أن يحدث. زفافنا لا بد أن يكتمل لا أن يظل معلقاً. نور، أنا ما زلت أريدك" ردت بثبات: "زفافنا ليس معلقاً بل منتهياً" تنهد بعمق كأن الصبر يغادر قلبه شيئاً فشيئاً: "هل تريدين أن تكملي حياتك مع ذلك المخادع؟" هزت رأسها برفض بلا تردد: "بالطبع لا، ولكني أيضاً لن أكمل حياتي معك. أريد أن أعيش حياتي بمفردي، يكفيني وجع" صمت للحظة ثم قال بتصميم: "فكري في الأمر جيداً، سأنتظر ردك" حسمت قرارها وكلماتها قطعت كل أمل: "لا تنتظر. أكمل حياتك مع زوجتك واجعل حياتكما سعيدة. رنا لا ذنب لها في كل ما حدث" ابتسم بمرارة: "تعنين أنه لا يوجد أمل؟" نور بحزم: "نهائياً" أومأ بصمت والتفت ليخرج، لكنه استدار بعدها ليقول بهدوء: "إن أردتي مواجهة أمير فأسرعي في الأمر" نظرت له بتساؤل ثم فهمت مقصد كلماته. أشاحت بوجهها عنه وأغمضت عينيها بأسى عميق، وخرج حمزة هذه المرة حقاً من حياتها، تاركاً وراءه صدى غياب لا يندمل. عاد حمزة إلى منزله فوجد رنا جالسة، ودموعها تنساب كما لو أن قلبها يفيض ألماً. اقترب منها ومسح على ظهرها برفق: "ما بك" ارتجف صوتها بالبكاء: "أخبرني أمير بما حدث… وقال إنك ستخبر نور بالحقيقة" حمزة: "نعم، لقد أخبرتها" رنا: "أعلم أن أمير قد أخطأ في حقنا جميعاً، لكن أرجوك لا تنتقم منه" أشاح وجهه بعيداً عنها لتضيف بصوت يهتز من الألم: "ولا… ولا تتزوج نور" نظر إليها بعمق وسألها: "وما الذي دفعكِ إلى قول ذلك؟" ردت بمرارة: "لأنك ما زلت تميل لها" احتضنها بقوة كمن يحاول طمس أي شكوك في قلبها، وقال بكلمات تخرج من بين ثنايا الكذب، لكنها مصقولة بالعاطفة: "ليس صحيحاً… أنا لا أميل لغيرك، ولن أميل أبداً وسنكمل حياتنا معاً" ابتسمت من بين دموعها قائلة بعفوية: "حسناً، وأنا سامحتك على ما فعلته بي" ضحك بهدوء وأومأ لتسأله وهي تمسح دموعها بخفة: "وماذا ستفعل بأمير؟" رد ببرود: "سأقدم الإثباتات للشرطة ليحاسب على ما فعله" أخفضت رأسها بعجز فنظر لها وتنهد بضيق، ثم نهض كأن ثقل القرار يضغط على كتفيه. جلس أمير في ركن الصالة، منغلقاً على نفسه، يخشى مواجهة نور أو سماع كلماتها التي قد تثقل قلبه أكثر، الندم يلتف حوله كعباءة ثقيلة على كتفيه، فقد أدرك أنه في كل الاحتمالات لم يكسب قلبها. منذ يومين وهو في حيرة، متعجب من صمتها، متأكد أن حمزة قد أفصح لها بالحقيقة. مسح وجهه بيدين مرتعشتين، حين سمع طرقات خافتة على الباب. نهض بتثاقل ليفتح الباب فإذا بها تقف أمامه ببرود، دخلت بهدوء وعيناه تغرقان في بحر من الندم، يحاول الامتناع عن النظر إلى وجهها الصارم الذي يتأمله بلا رحمة. بعد لحظة ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة وقاتلة على ما آل إليه كل شيء بسببه، كأنها تقرأ فصلاً من الألم الذي زرعه في قلوبهم جميعاً. رفعت يدها ببطء ونزعت الخاتم من إصبعها وأسقطته على الطاولة وسقط قلب أمير معه. همت بالمغادرة، لكنه أوقفها برجاء: "أرجوك انتظري. عليك أن تعرفي أن كل ما فعلته كان بدافع الحب فقط، ليس لدي أي مبرر سوى أني أحبك. أرجوك امنحيني فرصة لأبرهن لك إخلاصي" نترت يدها من يده بعنف وقالت بحدة: "ولا أي فرصة لشخص كاذب ومخادع مثلك، لو كان لدي أي فرصة لكنت قد منحتها لحمزة، الذي كان أصدق وأجدر منك بكثير" خرجت من منزله بغضب وما إن فتحت الباب، حتى اصطدمت بنظرة حمزة الثابتة، تخطته بسرعة ودخل هو إلى الداخل دون أن يلقي لها حتى طرف عين. ليجد أمير يلهث من القهر ويلكم الجدار بقبضة يده، كما لو كان يحاول سحق كل إحباطه وغضبه المكبوت. وقف حمزة يراقبه بهدوء وابتسامة باردة ترتسم على شفتيه ليقول: "هذا ما أردت أن أراه، القهر والعجز والوجع، كلهم اجتمعوا بك. سأكتفي بهذا الحد ولن أبلغ عنك. هكذا عاد حقي إلي" نظر له أمير بغضب، وعيناه تفيضان بالدموع المكبوتة: "اغرب عن وجهي" ضحك حمزة بخفة وخرج وهو يلوح بيده، تاركاً أمير واقفاً في الصالة، قلبه يعتصره الألم وعيناه تفيضان بالندم. صمت قاتل ملأ المكان، كأنه يهمس بأن كل شيء انتهى. هرول الطفل الصغير الذي لم يتجاوز العامين بعد نحوها وصوته يعلو بالفرحة، فتلقته نور بحضن كبير وابتسامة واسعة قائلة: "حبيب خالتك أنت، تعال لترى ماذا جلبت لك" دخلت نور ممسكة بيد ابن شقيقتها، فاستقبلها فارس بود وجلسوا معاً يراقبون الصغير وهو يكتشف الهدية التي جلبتها له نور. لم يكد يلمس اللعبة حتى ارتفع صراخه من فرحته، فضحكوا جميعاً على ردة فعله. جلسوا في أجواء من الألفة والدفء، تتراقص على وجوههم ابتسامات صافية وهم يراقبون حركات الصغير، يضحكون على أبسط حركاته، اختتمت هذه الجمعة ونهضت نور بخفة لتقول: "حسناً يجب أن أذهب" نهضا الاثنان معاً، محاولة قمر إقناعها بالبقاء: "ألا تبقين اليوم معنا؟" تنهدت نور بهدوء وأجابت: "لا يا عزيزتي، لدي عمل مهم غداً" تنهدت قمر بيأس فتدخل فارس: "إذاً دعيني أوصلك، هيا بنا" نور: "لا داعي لذلك" ارتدى فارس سترته وأمسك بمفاتيحه ضاحكاً: "هيا هيا" ابتسمت نور وودعت شقيقتها وقبلت ابن شقيقتها ثم خرجت مع فارس، الذي أوصلها إلى أمام المبنى قائلاً: "ها قد وصلنا، تفضلي" ابتسمت قائلة: "شكراً لك، تفضل لتناول فنجان قهوة" فارس: "اليوم لا، لكن غداً سنأتي لتناول الغداء عندكم. أيضاً والديك دعيا شقيقي وائل، فقد عاد حديثاً من ألمانيا وسيستقر هنا. بالمناسبة أخذ الشقة المقابلة لشقتكم" نور: "هذا جيد" ودعها بابتسامة ثم صعدت إلى شقتها. عند وصولها إلى باب شقتها كان وائل قد خرج ليطل بابتسامة ودودة: "أنتِ نور، أليس كذلك؟" نور: "نعم" وائل بود: "أنا وائل شقيق فارس، أخذت الشقة المقابلة لكم" نور بتحفظ: "علمت بذلك، تشرفت بمعرفتك أستاذ وائل" أومأ وائل مبتسماً: "وأنا تشرفت بك أيضاً" ابتسمت بتكلف قائلة: "حسناً، أستأذنك" ثم دخلت وأغلقت الباب بهدوء، بينما هو بقي واقفاً يراقب الباب بابتسامة خفيفة، وسرح للحظة يتمتم لنفسه: "كما أخبرني فارس، جميلة جداً" اتسعت ابتسامته، ثم هبط بهدوء إلى وجهته. أما من الداخل، فكانت نور تراقبه من العين السحرية، وما إن غاب، حتى استدارت وأسندت ظهرها إلى الباب، شاردة، كأنها لا تعرف ما الذي أثار ارتباكها. ثواني وتبدلت ملامحها للعبوس وانطلقت إلى غرفتها بخطى سريعة، تتمتم بكلمات غير مفهومة، كأنها تحاول أن تطرد من رأسها شعوراً تسلل دون إذن. تمت بحمد الله وداد جلول

تعليقات

المشاركات الشائعة