نبضات قاتلة

غلاف

📜 الفصل الأول 📜

لقد سطعت الشمس بضوئها الحاني، كمحارب يقاتل تلك البرودة التي تنذر بقدوم الشتاء، حيث نفذت تلك الخيوط الضوئية عبر حائط زجاجي شفاف لإحدى المحلات الخاصة بفساتين الزفاف. و هنا يتوجه النظر إلى تلك العروس التي طلت بفستانها الأبيض، و الذي يعكس بشرتها البرونزية، التي ازدادت جمالًا لبروز عظمتي الترقوة لديها، صعودًا إلى ذقن حاد يعلوه شفاه مكتنزة، و من فوقها أنف صغير يفصل بين زوج من الأعين البندقية، التي أحيطت بجيش من الأهداب الكثيفة، بالإضافة إلى شعرها الأسود الذي اكتفت بجعله يصل إلى بداية الكتف، كما تميزت بغرّةٍ ناعمة تغطي جبهتها برقةٍ، جعلتها تبدو أكثر جاذبية لمن يراها. ابتسمت بخفة و هي تطالع ذلك الشاب أمامها، و سألته بنبرة حماسية: _ ايه رأيك يا «مالك» ؟ حلو مش كدا؟؟ تحرك حولها، رامقًا مظهرها بنظرة تقيمية، قبل أن يستقر أمامها مجددًا و يقول: _ تحفة يا غرام، بس مش هنجيبه، اختاري حاجة تكون واسعة عشان مش حابب جمالك يظهر لحد غيري. زمت شفتيها في ضيق خفيف، ثم غمغمت بتذمر طفولي: _ كنت عارفة إنك هترفض، بس قولت أجرب حظي معاك. قهقه عاليًا بصوته الرجولي، و قال مشاكسًا: _ و أنا مقدرش أخيب توقعك يا حبيبتي. ذهبت «غرام» لتنتقي فستانًا آخر، بينما قد جلس «مالك» على أريكة جانبية. تلاشت تلك الابتسامة عن وجهه العريض، عندما تفقد هاتفه الخلوي، مما جعل قسماته تمتعض بشدة و كأن كارثة ستحدث. ********** ترجل «مالك» من سيارته أمام إحدي المنازل الحديثة، فكان بيتًا يشبه الڤيلا و لكنه أصغر حجمًا، تحرك بخطوات واسعة و الشرر يتطاير من عينيه. و توجه مباشرة إلى غرفة في الطابق العلوي، ليضغط على المقبض بغضبٍ جعل دفعه للباب يُفزع تلك السيدة الذي يظهر حملها من بطنها البارز. قبض على خصلاتها الذهبية، جاذبًا رأسها للخلف، و تحدث بصوت يقطر منه الغضب: _ مش قولتلك قبل كدا متجبيش سيرة الزفت ده على لسانك! انهمرت دموعها و كأنها قد تجمعت سابقًا، و همست بصوت منكسر: _ أنت خلاص هتتجوز، و أنا من حقي أكمل حياتي. صرخ «مالك» في وجهها: _ حياتك دي ملكي أنا، و محدش غيري ليه الحق عشان يتحكم فيها. _ بس أنا عايزة جوزي. دفعها «مالك» على الفراش، و تعالت ضحكاته الجنونية قبل أن ينطق بصوت كالفحيح: _ محدش له الحق يكون جوزك غيري، و بعدين متنسيش إن اللي في بطنك ده يبقى ابني، ناسية و لا ايه يا جني! حركت «چنى» رأسها برفض لكلماته و قالت: _ عمري ما هنسي اللي عملته فيا، عمري ما هنسي قذارتك، عمري ما انسي إن اللي في بطني ده ابن حرام. أثارت غضبه أكثر، مما جعله يقترب منها صافعًا خديها في حركات متتالية، ثم تحرك بيده ليعتصر فكيها بين أنامله الغليظة، و نطق محذرًا: _ لو سمعتك بتقولي كدا على ابني تاني، صدقيني هقتلك. كانت شهقاتها ترتفع أكثر فأكثر، و كذلك صدرها الذي يتتابع في الصعود و الهبوط و كأنها تتنفس بصعوبة بالغة، فما كان منه إلا أن يبتعد عنها، و بدوره فقد أخذ نفسًا عميقًا يخفف من عصبيته، ثم عادي ليجاورها في الجلوس، و تحدث بنبرة حانية: _اهدى يا «چنى» ، اتنفسي كويس، الطفل لازم يتولد بخير ، دا ابننا و مش لازم نفرط فيه. تحدثت «چنى» بتلعثمٍ وأنفاس مضطربة: _ هو ابنك و أنت عايزه و أنا معنديش مشكلة، كلها شهر على الولادة، عرفني مكان «أحمد» ، و أنا هعطيك الطفل و انت تعطيني جوزي. اصطكت أسنانه كابحًا غضبه عنها، و تلفظ بنبرة هادئة: _ متخلنيش اتعصب عليكي يا «چنى» ، و متجبيش سيرة «أحمد» تاني. _ أنت مش بتحب «غرام» و هتتجوزها! ليه عايزني جنبك؟ _ عشان بحبك يا «چنى» ، أنتي حبي الأول. مسحت «چنى» على وجهها بيأسٍ شديد، ليكمل «مالك» موضحًا: _ أنتي عارفة إني بحبك من قبل ما تشوفي «أحمد» ، و هو خطفك مني و أنا مكنش ينفع أسيبه يتهني بيكي يا حبيبتي. عقدت «چنى» حاجبيها و سألته باستغراب: _يعني أنت مش بتحب «غرام» ؟؟ تلوت شفتيه بابتسامة خبيثة، قبل أن ينضخ السُمّ من كلماته: _ بحبها، بس مش زيك، «غرام» بالنسبة لي واجهة، يعني هي دكتورة شاطرة و معروفة في مجالها رغم إنها لسه صغيرة، و كمان حلوة و أهلها ناس كويسين، و كمان أنا معجب بيها و عشان كدا هتجوزها. منحته «چنى» نظرة غامضة، و سألته بترقب: _ طيب و لو «غرام» عرفت حقيقة اللي حصل و اللي انت عملته؟ _ كل اللي حصل في السنة الأخيرة دي محدش يعرفه غيري أنا و أنتي و «أحمد» ، و أنا اكيد مش هقولها، و «أحمد» مش موجود هنا، يبقى لو عرفت هتبقى أنتي اللي قولتي، و ساعتها بقى هقتل «أحمد» حبيبك. ********** خرجت «غرام» لتوها من مكتب الطبيب الاستشاري، فتقابلت بصديقة عملها التي بادرت بالحديث إليها قائلة: _ أيوه يا عم على العروسة اللي مبقتش فاكرة صحابها. افتر ثغرها عن ابتسامة لطيفة، و احتضنت صديقتها قائلة: _ مقدرش انساكي يا مني، انتي عارفة بقى موضوع الشغل مع تجهيزات الفرح، الدنيا مكركبة فوق دماغي. شاكستها «منى» قائلة: _ أهو المفروض تكوني ممتنة لشغلك و لدكتور «طه» اللي عرفك على «مالك». _ دي حقيقة أنا ممتنة فعلاً، بس ضيفي كمان «چنى» بنت عم «مالك» ، عشان لولا حملها مكنتش اتعرفت على «مالك» و لا كنت هقابل أحسن راجل في الدنيا. _ مصائب قوم عند قوم فوائدها. اومأت «غرام» برأسها و قالت: _ معاكي حق يا «منى» ، لولا حمل «چنى» و حالتها الخطر أنا مكنتش عرفت «مالك» و لا حبيته. أردفت «منى» بنبرة مرحة: _ يا سيدي يا سيدي على الحبيبة اللي قدامي، عمومًا خلي بالك لأن الحب بيروح بعد الجواز، و «مالك» دا هيبقى شخص تاني. ردت عليها «غرام» بنبرة واثقة: _ مستحيل حبنا يتأثر أو يخف بعد الجواز، و «مالك» مش زي غيره أنا اكتر واحدة عارفة هو بيحبني قد ايه، مستحيل يتغير. ربتت «منى» على كتف «غرام» بخفة حانية، و قالت: _ ربنا يتمملك على خير و يسعدكم يا حبيبتي. تحركت «غرام» لتغادر المستشفى، و قد بدأ عقلها يسترجع كيف تعرفت على «مالك» و كيف كانت ترفض أن تصبح طبيبة خاصة تعتني بحالة واحدة، و لكن ما إن رأت التقارير الطبيبة لحالة «چنى» الخطرة، و احتياجها الشديد لطبيب يفحصها يوميًا، و ذلك لما لديها من تسمم حمل شديد، فلم تتردد في تقديم المساعدة. و بذلك أصبح لديها لقاء يومي ب «مالك» الذي أُعجب بها من الوهلة الأولى، و اغتنم تلك الفرصة ليتقرب منها و يجعلها تسقط في غرامه. افتر ثغرها عن ابتسامة دافئة، و همست لنفسها: _ الحمدلله، الحمدلله على نعمة وجود «مالك» في حياتي. ********* عادت «غرام» إلى منزل «مالك» ، استقبلتها والدته الأرملة صاحبة الخمسون عامًا، و جعلت تتحدث معها حول قاعة الزفاف و بعض الأمور الأخرى، فانتبهت «غرام» إلى العاملة التي تصعد الدرج حاملة بين يديها بعض من أطباق الطعام. و على اعتقادٍ منها بأنه الطعام الخاص بمريضتها «چنى» ، طلبت من والدة «مالك» أن تواصلا حديثهما في وقت لاحق، و ذلك لتتمكن من إعطاء «چنى» دوائها. تفاجأت «غرام» بصعود العاملة إلى ظهر البيت، فلحقت بها و هي تناديها بصوت لم يصل إلى سمع العاملة، ما إن استقرت قدميها على سطح المنزل، وجدت العاملة تدخل إلى غرفة منفردة، تراها «غرام» للمرة الأولى في هذا المنزل، تجعدت جبهتها و ضاقت عينيها دلالة على تعجبها، فقد تذكرت لتوها أنه منذ عملها في هذا المنزل، أكد عليها «مالك» بعدم الصعود إلى ظهر المنزل، مما جعل الفضول يتدفق إليها في تساؤلٍ يتردد في ذهنها، لم قد حظر عليها «مالك» الوصول إلى هذه الجزئية من المنزل، في حين يُسمح للعاملة بالمجيء كما أنها ليست خالية الوفاض؟!!! وضع عقلها حدًا لهذا الفضول الثائر، عندما حثها على السير نحو الغرفة لتتفقد محتواها بنفسها. يتبع. .........

📜 الفصل الثاني 📜

وضع عقلها حدًا لهذا الفضول الثائر، عندما حثها على السير نحو الغرفة لتتفقد محتواها بنفسها. فوقفت مباشرة أمام الباب، تتلفت حولها كسارق يخشى أن يراه أحدهم، كانت خائفة أن ينزعج «مالك» بسبب ما تنوى فعله، لكنها لم تملك السيطرة على فضولها، حسمت أمرها و احتوت المفتاح الذي تركته العاملة مُعلقًا بالباب، لكنها ما كادت تتمكن من إدارة المفتاح، حتى تناهى إلى سمعها صوت حماتها المبحوح. التفتت إليها غرام، فبادرت والدة «مالك» بنبرة جامدة: _ ايه اللي طلعك هنا يا غرام؟ أشارت «غرام» بإصبع الإبهام صوب الباب، و بررت تواجدها قائلة: _ العاملة دخلت هنا، و معاها الأكل بتاع چنى. تصنعت «ثريا» ابتسامة خفيفة و قالت: _ دي «سميرة» جايبة أختها معاها اليومين دول عشان في مشكلة في بيتهم. ران عليهما صمت خفيف قطعته «غرام» بهزة من رأسها، فهي لم تقتنع بما قالته والدة «مالك» ، التي أكملت و قالت: _ خلينا ننزل نشوف چنى. منحتها «غرام» ابتسامة خفيفة، و سارت معها نحو الدرج، فاستدارت السيدة برأسها للخلف ناظرة إلى الغرفة المغلقة، ثم تنفست بارتياح و كأن حِملًا قد انزاح عن صدرها. ******* جلست «غرام» حَذْو «چنى» بعدما فحصتها و أعطتها أدويتها، و شرعت في تدوين بعض المعلومات عن حالتها، ثم كفت عن الكتابة عندما سألتها چنى بترقب: _ متأكدة إنك بتحبي «مالك» ؟؟ اندفعت «غرام» قائلة بهيام: _ بحبه بس! دا أنا بموت فيه. افتر ثغر چنى عن ابتسامة باهته، و قالت: _ ربنا يقدملك الخير يا دكتورة، أنتي تستاهلي كل الخير. _ عارفة يا «چنى» أنا مش بس بحب «مالك» ، أنا كمان بحبك و بحب ماما «ثريا» ، من لما اتنقلت البيت هنا عشان اهتم بحالتك و انا مشوفتش منكم غير كل خير، و الحقيقة إنك وش الخير عليّ و بسببك ربنا أنعم عليّ و «مالك» دخل حياتي. _ ربنا يسعدك يا غرام. _ أنا و انتي يا حبيبتي، الا قوليلي يا «چنى» هو جوزك فين، من لما جيت هنا و محدش في البيت جاب سيرته. ادمعت عينيها، و أشاحت بنظرها للطرف الآخر و نطقت بصوت خافت يحميل في طياته حزنًا كبيرًا: _ مش عارفة. ضيقت «غرام» ما بين حاجبيها وتساءلت تعجبًا: _ مش عارفة ايه! أجفلت چنى بعينيها و كأنها تقطع الطريق أمام عبراتها، ثم ابتلعت تلك الغصة المريرة في حلقها، و صوبت نظرها على «غرام» التى تنتظر منه ردًا، و سألتها بنبرة هادئة لم تخلو من ظلال الشك و الخوف: _ هو أنا ممكن أثق فيكي؟؟ وضعت «غرام» ما بيدها جانبًا، و انتبهت إليها قائلة: _ أكيد يا «چنى» ، أنا جنبك و معاكي في أي حاجة. _ حتى لو طلبت منك يفضل كلامي سر و متحكيش ل «مالك» ؟ أردفت «غرام» بلهجة مطمئنة رغم استغرابها: _ أكيد هيفضل الموضوع سر، بس ليه خايفة من «مالك»! دا ابن عمك بيحبك جدًا و بيخاف عليكي و دايمًا بحس إنه حريص يعوضك غياب اهلك و جوزك في فترة حملك الصعبة دي، دا أنا بحس إن صحتك و صحة البيبي أهم عنده من نفسه. _ برضو «مالك» مش لازم يعرف حاجة. _ خلاص براحتك، مش هتكلم مع «مالك» في حاجة، بس ايه الموضوع؟؟ تساقطت الدموع على وجنتي «چنى»، ثم نطقت بصوت يختنق في حلقها: _ مش عايزة تعرفي فين جوزي؟ أومأت «غرام» برأسها: _ أيوه بس لو الموضوع دا هيبقى جارح بالنسبة لك، أنتي مش مجبرة تتكلمي فيه، لكن لو حابة تتكلمي يبقى أنا حابة أسمعك. _ «أحمد» جوزي بعد عني إجباري عنه و عني. _ إجباري ازاي مش فاهمة؟ أقدمت چنى على توضيح الأمر، و لكنها تراجعت عندما صدح هاتف «غرام» معلنًا عن اتصال من والدتها. امتنعت «غرام» عن استقبال المكالمة، و تحدثت إلى چنى باهتمام بالغ: _ كملي يا حبيبتي، ايه اللي حصل؟ في تلك اللحظة الفاصلة، ترددت في أذنيها الجملة الأخيرة التي نطق بها «مالك» توعدًا بقتل «أحمد» ، فاختلقت عذرًا مختلف حينما قالت: _ أهل «أحمد» مكنوش عايزني و عشان كدا أجبروه يبعد عني. حاولت «غرام» أن تستفسر منها قائلة: _ و هو سابك بطلب منهم؟ محاولش يطمن عليكي أو يتواصل معاكي حتى؟؟؟ شعرت چنى أنها لن تقدر على صنع الأكاذيب، فأنهت الحوار قائلة: _ خلينا نتكلم في يوم تاني، مش عايزة اتكلم دلوقت. منحتها «غرام» ابتسامة لطيفة، بينما امتدت أناملها لتبعد تلك الدموع عن وجه «چنى» صاحبة البشرة البيضاء، و همست لها ببعض الكلمات المواسية: _ إن شاء الله خير يا «چنى» ، هسيبك ترتاحي دلوقت، بس بلاش دموعك دي، و دايمًا افتكري أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير. ********* حين تدثر الكون بظلام الغسق، ذهبت «غرام» إلى والديها، فقد أوصلها «مالك» بسيارته إلى المبني الخاص بشقة والديها، فكانت بناية حديثة التصميم، و أوضحت غرفة الجلوس لدي والدها مدى رقي الأثاث في تلك الشقة. فكانت تجاور والدته على الأريكة و يقابلها والدها، الذي كشف شعره الأبيض عن بداية عقده الخامس، فكانت بشرته قد تجعدت بعض الشيء. ارتشف رشفة من كأس العصير الخاص به، قبل أن يبادر بسؤال ابنته قائلًا: _ «مالك» مستعجل اوي على الفرح يا غرام، أنتي لحقتي تتعرفي عليه كويس؟؟ أجابته «غرام» بنبرة جادة: _ أنا أعرف «مالك» من أربع شهور أو يمكن أكتر و من ساعتها لحد دلوقت مشوفتش منه حاجة وحشة، بالعكس شخص محترم و بار بأهله، و حضرتك يا بابا سألت عنه و عارف سمعته كويس، فأنا بالنسبة لي معنديش مشكلة، بس لو عندك اعتراض يا بابا فأنا معاك و مش هخالف رأيك أبدًا. شاركت والدتها في الحديث عندما قالت: _ خير البر عاجله، و بعدين الشاب فعلاً محترم و كويس، بلاش تعقد الموضوع بقى يا حاج. انفرج وجهه سرورًا و قال: _ خلاص على بركة الله، قوليلي بقى جبتي الفستان و لا لسه؟ التقطت «غرام» هاتفها الخلوي، و بدأت تتشاور مع عائلتها فيما يخص الزفاف. *********** تأكد «مالك» من أن الجميع قد خلدوا إلى النوم، و تواصل هاتفيًا مع «غرام» التي بقيت للمبيت عند والديها كما تفعل في أغلب الليالى منذ بداية عملها لديه، فاستغل الفرصة و توجه صاعدًا إلى ظهر المنزل، فكان قاصدًا تلك الغرفة التي يأتي إليها ليفرغ ما لديه من غضب يتأجج في صدره. لقد رأته چنى و هو يتسلل ليصعد إلى سطح المنزل، فقررت أن تراقبه لترى ماذا يفعل في هذا الوقت المتأخر من الليل. تمهلت لثوانٍ قليلة حتى اختفى «مالك» عن نظرها، ثم بدأت هي تتقدم بخطواتها فوق الدرج، كانت تتحرك بوهنٍ حاد؛ فقد أخذا منها الحمل و المرض ما أخذا. ********* عندما دفع الباب بيده الغليظة، لم يظهر شيئًا لشدة الظلام السائد، فامتدت أنامله ضاغطًا على مفتاح الكهرباء، و هنا اشتعلت الأنوار، التي بدورها قد هيأت المشهد ليظهر ذلك الشاب الذي ينزوي بنفسه في نهاية الغرفة. كان هزيل الجسد، ملامح وجهه المتهالكة، اللون الأسود الذي استقر أسفل عينيه، شعره الأشعث، ثوبه الممزق، هذه الأشياء كانت أدلة كافية لتثبت لنا كم أنهكه الألم، لقد علمنا الآن أنه يتعرض إلى حلقات متتالية من التعذيب، فقد سقط بين براثن صديقه المتوحش، لا يعرف الرحمة، لم يمتلك يومًا ذرة واحدة من الإنسانية. كان مُقيدًا بسلاسل حديدية و كأنه عبدٌ أسير، كان يجلس الاختباء، و كأن ذراعيه درعًا حاميًا من بطش ذلك الشيطان، الذي جعل يتقدم إليه خطوة تلو الأخرى، و على شفتيه ابتسامة عريضة، قد تنتمي إلى الانتصار أو لنقل بأنها ابتسامة تشفٍّ. ما إن وصل إليه «مالك» ، ثنى ركبتيه و نزل بجسده العلوي، و امتدت يده معتصرًا فكي ذلك الهزيل بين قبضته القاسية، ثم همس بصوت كالفحيح: _ مش تقوم ترحب بصاحبك يا حوده! طب دا أنت حتى مشوفتنيش من زمان! وحشتك يا «أحمد» صح؟ ********** توقفت عند درجة السلم الأخيرة، و هي تلتقط أنفاسها، فكانت تدعم ظهرها بإحدى يديها و تضع الأخرى على بطنها البارز، وقعت عينيها على الباب المفتوح، و الضوء الهارب من مدخل الغرفة، فقطبت حاجبيها و هي تدقق النظر و تهمس لنفسها: _ «مالك» بيعمل هنا ايه، مش كانت اوضة كراكيب!! استأنفت سيرها نحو الغرفة، لتكتشف بنفسها ما يحيكه «مالك» من أفعالٍ شيطانية. يتبع .........

📜 الفصل الثالث 📜

كانت خطواتها تتراجع إلى الوارء، و تحرك رأسها رفضًا في تتابع متزايد، ارتعدت فرائصها رعبًا عندما وجدته يقترب منها شاهرًا سلاحها الناري في وجهها. تشدقت «غرام» بتلعثم و كأنها تتعلم النطق للمرة الأولى: _ و الله مكنتش اقصد يا «مالك» ، صدقني مش هطلع هنا تاني. لمعت عيناه بشررٍ حاد، حاجباه يلتهمان جبينه، و احمر وجهه كالجمر المشتعل، و بدأ يتلفظ بالكلمات التى بدت بالنسبة إليها كزئير وحشي: _ مكنش المفروض تدخلي الأوضة دي أبدًا، أنا حذرتك تقربي من السطح، و عشان كدا لازم تموتي. جعل الخوف لسانها ينطلق، لتدافع عن نفسها فقالت برجاءٍ شديد: _ أرجوك يا «مالك»، و الله مش هغلط تاني، بلاش تموتني، لاء يا «مالك» ، لاء يا «مالك». انتهى الأمر باستيقاظها مذعورة، فأخذت موضع الجلوس بحركة سريعة، كان صدرها يعلو و يهبط و تتلاحق أنفاسها، و جعلت تهمس بشكل تكراري: _ بسم الله الرحمن الرحيم......بسم الله الرحمن الرحيم. ********* لم يهتم «مالك»بهذا الهزيل، الذي تهتز أوصاله كغصن في مهب الريح، بل زادت قسوته أكثر عندما دفع رأسه بقوة إلى الحائط، و صرخ غاضبًا: _ لما أكلمك ترد عليّ، أنا مش بكلم نفسي. لحق الصمت بكلمته الأخيرة، و لكن عُكر ذاك الصمت بصوت الأنفاس التي شعر «أحمد» بتثاقلها و كأن هناك من يقبض على رئتيه. و تلاشي الصمت نهائيًا بتلك الشهقة التى أطلقتها چنى، أغرورقت عينيها بالدموع، و نطقت اسمه بلهفة وشوق: _ «أحمد»! حدق بها «أحمد» و قد أدمعت عينيه هو الآخر، لكنه لم يعقب بحرف واحد، فيما التفت «مالك» سريعًا و توجه إليها صارخًا: _ ايه اللي جابك هنا يا «چنى» ؟ كان واقفًا أمامها كالسد الفاصل بينها و بين حبيب روحها، فتحركت جانبًا سامحة لعينيها بإمعان النظر، انهمرت دموعها و ارتفع صوت بكائها، فصرخت هي الآخرى قهرًا و تألمًا على حال زوجها: _ أنت عملت فيه ايه؟ ايه الحالة اللي هو فيها دي؟ أنت شيطان! كانت لديها رغبة في احتضانه، لكنها ما كادت تحرك قدميها حتى منعها «مالك»، فقد قبض على معصمها، عائدًا بها إلى غرفتها، دون أن يكترث بصراخها و توسلها إليه بأن ترى زوجها و لو لقلةٍ من الوقت. ألقى بها «مالك» إلى فراشها هادرًا بنبرة تحذيرية يتطاير منها الغضب: _ و الله يا «چنى» لو شوفتك بتقربي منه هقتله، و أنا مش برجع في كلامي. تجاهلت الألم الذي احتل خلايا جسدها، و تحركت لتركع أمامه على ركبتيها، و توسلت إليه من بين دموعها الحارقة: _ أرجوك خليني أمشي من هنا مع «أحمد» ، و انت خد الطفل و كمل حياتك مع غرام، أرجوك كفاية العذاب اللي احنا فيه ده، و الله هنسامحك أنا و «أحمد» و مش هنزعل منك. ابتعد «مالك» ضاربًا خزانة الملابس، و صرخ بعصبية شديدة و غيرةً قد اعتمت عينيه: _ كل شوية «أحمد» ، «أحمد» ، ايه مفيش غير «أحمد» ده في حياتك و لا ايه! خلاص انسيه، مستحيل تكملي معاه تاني، أنا و بس اللي موجود حاليًا و هفضل موجود دايمًا في حياتك، إنما «أحمد» لاء، دا كان ماضي و أنا همسحه من حياتنا كلنا مش بس حياتك. انفجر صوتها تأنيبًا و لومًا: _ بتعمل فينا كدا ليه! عملنا فيك ايه عشان تعذبنا كدا، أنت مين عشان تتحكم في حياتي و حياة الشخص اللي بحبه، ليه أنت مسموحلك تختار و احنا لاء؟ ليه أنت تكمل حياتك و تعيش مبسوط و إحنا لاء؟ ليه يا «مالك»، ليه، ليه؟ رد عليها «مالك» بما يعتمر في صدره من حقدٍ بغيض: _ من حقي أعيش مبسوط دلوقت عشان زمان انتي و هو اللي كنتم مبسوطين و أنا لاء، فكان لازم الأدوار تتبدل و أنا عملت كدا. _ تقوم تسرق مننا حياتنا! و بعدين كل دا ليه عشان اخترت «أحمد» و أنت لاء! هو دا الذنب اللي بتعاقينا عليه؟ _ أيوه هو دا الذنب اللي مستحيل اغفره لحد فيكم و أحمدي ربنا إني رحمتك عشان بحبك، و إلا كان زمانك جنبه فوق و بتاخدي نفس عقابه. أردفت «چنى» بلهجة ساخرة: _ «أحمد» ربنا! هو أنت تعرف ربنا؟ أنت اللي زيك ميعرفش ربنا، أنت شيطان...........لاء دا أنت الشيطان جنبك صفر على الشمال. نفذ صبره عندما سمع ما تفوهت به مؤخرًا، شد على قبضة يده كي لا يفتك بها الآن، ثم أشار إليها بتوعد: _ لآخر مرة يا چنى، اتقى شري عشان و غلاوتك عندي لو جبتي سيرة «أحمد» تاني هقتله قدامك و انتي تحصليه، و ابقوا اجتمعوا في الجنة بقى. ردت عليه باندفاع: _ اهو يبقى أرحم من العيشة معاك. تُبعت كلمتها الأخيرة بصفعة قوية أفقدتها توازنها، و صدرت منه لكمة وُجهت إلى الحائط، قبل أن يخرج من الغرفة صافعًا الباب بما تبقى من غضبٍ لديه. خرج «مالك» ليلتقى بوالدته أمام الباب، يبدو أنها كانت على وشك الدخول، فسألها غاضبًا: _ فين الممرضة اللي المفروض تكون مع چنى. أشارت والدته إلى شرفة بعيدة و قالت: _ بتتكلم في التليفون. رد عليها مستنكرًا: _ تليفون ايه اللي بتتكلم فيه الساعة تلاتة الفجر، خليها تشوف شغلها بدل ما همشيها و أشوف غيرها. اقتربت منه والدته، و ربتت على ذراعه بخفة و قالت: _ حاضر، حاضر، بس بلاش تتعصب، قولي ايه اللي حصل؟ أطلق زفرة حارة و أجابها: _ «چنى» طلعت ورايا فوق. اتسعت حدقتيها و تحدثت بخوف: _ يا نهار أسود، هنعمل ايه؟ دي لو بلغت عنك هتروح في داهية، ما تمشيه من هنا و كفاية كدا. زجرها «مالك» بحدة: _ ماما، يا تقولي حاجة كويسة يا تسكتي. كُسيت ملامح وجهها بالقلق، و أردفت: _ يا ابني النهاردة چنى عرفت، بكرا «غرام» تعرف هي كمان، دا لولا ستر ربنا كان زمانها عرفت من يومين هي كمان بس انا لحقتها على اللحظة الأخيرة. قطب حاجبيه سائلًا باستغراب: _ و «غرام» ايه اللي طلعها فوق أنا محذر عليها. قصت عليه والدته ما حدث منذ يومين، فأخبرها أنه سيهتم بالأمر، و لتعتني هي ب«چنى» إلى أن ينتهى من حفل زفافه. ************ استجمعت ما تبقى من قوتها، أغلقت على نفسها بإحكام، و تحركت إلى فراشها بخطوات مهزوزة، التقتت دفترًا من إحدى الأدراج المجاورة للفراش، أزاحت دموعها بعيدًا، فبدت شاحبة الوجه، و بدأ صداع حاد يضرب رأسها كالمطرقة، و بالرغم من اضطرابها النفسي و العصبي الذي جعل يداها ترتجفان، إلا أنها قررت أن تسطر آلامها بين سطور دفترها الذي لا يعلم بشأنه أحد سواها. انتهت أخيرًا من الكتابة و أعادت دفترها إلى مكانه، ثم عبثت قليلًا بهاتفها الخلوي قبل أن تلقيه بإهمال. تملك الارتجاف من جسدها بأكمله، و بدأت الرؤية تتشوش أمام عينيها، و فجأة اشتد الألم في بطنها، و صعد الغثيان إلى حلقها. استوت على قدميها بصعوبة بالغة، لكن سرعان ما سقطت على فراشها رغمًا عنها، فقد تصلبت عضلاتها، و استسلمت لتشنج عنيف، أسنانها تضرب بعضها، و أنفاسها تنقطع لثوان طويلة. أنهت الممرضة مكالمتها الهاتفية و قررت العودة لتأخذ قسطًا من الراحة على سريرها الصغير الذي يقابل الخاص بچنى، و لكنها عندما ضغطت على المقبض لم ينفتح الباب، حاولت مرارًا و تكرارًا و لكنه لم ينفتح، فنادت على چنى بصوت خافت، لكن لم يأتها ردًا منها، فأسرعت إلى«ثريا» لتخبرها بانغلاق الباب. اصطفت الممرضة و سيدة المنزل على بعد من الباب، بينما حاول «مالك» بجسده الرياضي أن يكسر الباب، و قد نجح حقًا في المحاولة الثانية، فكان من نصيبه أن يتلقى الصدمة أولًا، فقد تخشبت قدماه عندما رآها فاقدة للوعي لا حول لها و لا قوة، تحول وجهها إلى زرقة مخيفة، اتسعت عينيها ناظرة إلى سقف الغرفة، تلطخت زاوية فمها بدم قد سال من أنفها. أسرعت الممرضة لتتفقد نبضها، لكنها لم تجد أثرًا لنبضة واحدة، كانت الغرفة تشبه إلى حد كبير عيادة نسائية، فقد تجهزت بكل ما يخص العناية ب«چنى» و جنينها. استعانت الممرضة بإحدى الأجهزة لتفحص حركة الجنين و نبضه، لكنه لم يتخلى عن أمه و قد فارق معها الحياة دون أن ترى عيناه أشعة الشمس. يتبع..........

📜 الفصل الرابع 📜

خرج عن صمته أخيرًا، و سأل الممرضة بصوت متحشرج: _ هي نايمة كدا ليه؟ مش بتتحرك و لا بترمش حتى؟ كان يعلم ما أصابها و لكنه تمنى أن تُخلف الممرضة ظنه بإجابتها، و لكنها حطمت أمله الأخير عندما قالت: _ مع الأسف مدام چنى قلبها مفيش نبض و الطفل كمان، البقاء لله. انفجر «مالك» في وجهها كالبركان المندفع: _ بتخرفي تقولي ايه؟ انتي ممرضة مبتعرفيش حاجة، اكيد بتكذبي، ماما اتصلي بسرعة على «غرام» و اطلبي منها تيجي فورًا. كانت جملته الأخيرة بمثابة أمرٍ توجه إلى والدته، بينما انسحب من بينهم صاعدًا إلى تلك الغرفة التى شهدت قسوته و حقده الدفين. لم يكن هناك مجالًا للحديث، فقد عرفت يدها موضع السوط، التقته مباشرة و انهار به ضربًا على جسد «أحمد» ، الذي لم ينطق ببنت شفة، و كأنه اعتاد العذاب و علم أن لا فائدة من صراخه، فكانت كل ضربة يتلقها تجعله يرفع رأسه قليلًا، و يضغط على عينيه بقوة تخفي الإحمرار القابع بين جفنيه. تخلت شفتي «مالك» عن وضع السكوت، و نطق بكلمات من اللوم: _كله بسببك، أنت السبب في موت حبيبتي، أنت السبب يا «أحمد» ، لو مكنتش أخدتها مني مكنش دا بقى وضعنا، مكنش المفروض تحبها، مكنش المفروض تحبها و لا حتى تفكر تتجوزها، أنت السبب، أنت السبب. تزامنت كلمتها الأخيرة مع ضربة نهائية، حيث رمى السوط بعيدًا و سقط على ركبتيه، و ها هو يصاب بالحزن بعد عام من السعادة المكتسبة، خان صديقه قبل سنة، و اليوم تخونه عيناها و يبكى حسرة على ما آلت إليه الأمور، كل ما فعله فقط لتبقى بجانبه، لكن بقسوته و غضبه و لعنة حبه الفاسد فقد خسرها، لم يرغب في رؤيتها مع غيره، فحُرم منها إلى الأبد. ************ انتهت مراسم الدفن و تلقى «مالك» العزاء في معشوقته التي يراها الآخرون ابنة عمه لا أكثر، توجه إلى غرفتها بعدما غادر الجميع، كان منكسرًا، أصبح ضعيفًا كمن فقد روحه، جلس أرضًا جاعلًا من سريرها مسندًا لظهره، و سمح لنفسه بالانهيار، فقد أجهش في بكاء مرير. جاءت إليه غرام، حاولت أن تخفف عنه قائلة: _ هي أكيد دلوقت في مكان أحسن يا «مالك». رد عليها مندفعًا: _ لاء، مش في مكان أحسن. كانت تعرف كم يحب ابنة عمه و يخاف عليها، لذا لم تكن حالته غريبة عليها، فكانت تتوقع أكثر من ذلك، أكمل «مالك» بصوت متحشرج: _ أنا مش عايز الكلام اللي كل الناس بتقوله ده، هي مش في مكان أحسن، لو كانت جنبي و معايا هنا كان هيبقى أحسن. _ ايه اللي انت بتقوله دا يا «مالك» ، أنا عارفة إنك كنت متعلق بيها و مقدرة حزنك، بس مينفعش كلامك ده، الأقدار و الأعمار دي بإيد ربنا، وحد ربنا يا «مالك» بلاش كلامك ده، حرام. في تلك اللحظة قد حان وقتها لتتلقى ما يخصها من غضبه، فانفجر في وجهها موبخًا: _ حرام؟ و مش حرام لما تسيبي شغلك و انتي عارفة إن حالتها صعبة؟ مكنش حرام لما تأهملي شغلك يا دكتورة؟ أنتي كمان ليكي دور في موتها. اتسعت حدقتي «غرام» و أشارت إلى نفسها بذهول: _ أنا السبب في موتها يا «مالك» ؟؟ أجابها مؤكدًا: _ أيوه أنتي السبب، هو أنا شغلتك دكتورة خاصة ليه؟ مش عشان كانت حالتها صعبة و كان عندها تسمم حمل شديد و محتاجة اهتمام و رعاية كويسة، مش لو كنتي موجودة كان زمانك لحقتيها إنما سايبة معاها الممرضة، و حضرتك بايته في بيت أهلك!!! لم ترغب في خلق صورة أخرى عن شخصيته، لذلك فضلت أن تلتمس له العذر، فحسمت أمرها بالانسحاب إلى أن يهدأ، فقالت بصوت مختنق: _ أنا هسيبك ترتاح دلوقت، و نبقى نتكلم بعدين. *********** احتضنتها والدتها لتواسيها قائلة: _ متزعليش يا «غرام» يا حبيبتي، هو بس عشان وقت زعل فمش عارف هو بيقول ايه، دا موت و فراق يعني أكيد الموضوع صعب على «مالك» و عيلته. ابتعدت «غرام» عن والدتها و هي تسألها بترقب: _ هو أنا ممكن أكون السبب فعلاً يا ماما؟ _ يا حبيبتي يا دي أعمار، أنتي صح دكتورة بس لو ربنا مش كاتب النجاة للحالة اللي تحت إيدك و الله لو عملتي ايه ما هتعرفي تنقذيها. _ بس أنا مكنتش موجودة جنبها يا ماما. _ هو أنتي مسؤولة عنها لوحدك يا حبيبتي، ما في معاكي ممرضة و كمان عيلة چنى المفروض يفضلوا جنبها طالما حالتها صعبة كدا.......و برضو نرجع و نقول دي إرادة ربنا. _ بس أنا كان المفروض مجيش هنا على الأقل كنت حاولت أنقذها و لو فشلت أكون ساعتها عملت اللي عليا. تنهدت والدتها بضيق و حاولت إقناعها فقالت: _ يا بنتي يا حبيبتي انتي ملكيش ذنب و الله، و بعدين أنتي مش سايبة معاها الممرضة! و الممرضة دي عارفة شغلها و عارفة الحالة و بتعمل زي ما أنتي تقولي يعني لو الممرضة كانت لاحظت حاجة غريبة على چنى كانت كلمتك. أخفت «غرام» وجهها بين كفيها و انخرطت في البكاء دون توقف، و مازاد حزنها أكثر هو أن يحملها ذنبًا ثقيلًا كهذا في خلافهما الأول. *********** انقضى أسبوع منذ أن عادت «غرام» لتمارس عملها في المستشفى التى عملت بها سابقًا، و في تلك الأيام لم تتواصل مع «مالك» نهائيًا، لكنها تواصلت مع والدته التى علمت بما حدث بينهما و اعتذرت من «غرام» بدلًا عن «مالك». كانت تقف أمام المدخل الخارجي للمبنى تنتظر والدها كي يعودا معًا إلى المنزل، و قد رافقتها «منى» كي لا تنتظر بمفردها، و لكن ما إن رأت «مالك» يقترب إليهما، انسحبت قائلة: _ «مالك» شكله جاي يتكلم معاكي، همشي أنا بقى يلا سلام. اومأت «غرام» و قالت: _ سلام. وقف أمامها بطلته الساحرة، عادت إليه قوته المعتادة، و استرجع توازنه، حيث افتر ثغره عن ابتسامة لطيفة، و قال بصوته الأجش: _ وحشتيني. نظرت بعيدًا عنه، وضغطت على شفتيها كي لا تظهر ابتسامتها، فأكمل «مالك» مشاكسًا: _ يا ستي اضحكي خلينا ننبسط. رمقته بنظرة خاطفة دون أن تنطق، فاصطنع الندم قائلًا: _ طب أنا آسف. عقدت ذراعيها أمام صدرها، و عاتبته قائلة: _ يعني أنت عارف إنك غلطان؟ ومح جفناه تأييدًا، و أطلق زفرة حارة، ثم رد عليها قائلًا: _ عارف إني غلطان يا غرام، بس صدقيني كنت مصدوم و مش قادر أتقبل فكرة إن بنت عمي الوحيدة راحت مني في غمضة عين. تناست كلماته اللاذعة سابقًا، و أردفت بنبرة حانية: _ معاك حق، كانت صدمة فعلاً، ربنا يرحمها. استهل «مالك» حديثًا آخر، عارضًا عليها أن يوصلها إلى المنزل، فاعترضت «غرام» قائلة: _ لاء مفيش داعي، بابا جاي دلوقت و هنرجع البيت سوا. تهللت أساريره و قال بنبرة من الحماس: _ بجد! طب كويس عشان اتكلم معاه بخصوص فرحنا. تعجبت من هذا التحول، فكيف لحفل الزفاف أن يُقام و لم يمر على وفاة «چنى» سوى أسبوع واحد، تجعدت جبهتها و سألته باستغراب: _ هنعمل الفرح ازاي و بنت عمك متوفية من أسبوع!! دس يديه في جيبي سرواله، و أوضح قائلًا: _ ما إحنا مش هنعمل فرح يا غرام، و في نفس الوقت مينفعش نأجل جوازنا. امتعضت ملامح وجهها عن السابق، و تلفظت بحيرة: _ مش فاهمة! ليه مينفعش نأجل؟ _ ماما يا ستي هتسافر لندن عند عمي و مراته، و هتقعد معاهم فترة. ارتخت ملامح وجهها و اقترحت قائلة: _ طيب ما نعمل الفرح بعد ما والدتك ترجع من السفر؟ _ مش هينفع، لأن ماما رايحة تعرفهم باللي حصل مع چنى، مش هينفع تقولهم في التليفون، و عمي أصلا عنده القلب و مسافر بقاله سنة بيتعالج برا، يعني ماما مطولة على ما ترجع من السفر الموضوع ممكن يزيد عن سنة، فإيه رأيك؟ _ مش عارفة يا مالك، بس الناس هتقول علينا ايه؟ رد عليها دون اكتراث: _ ملناش دعوة بالناس و بعدين إحنا مش هنعمل فرح، إحنا هنعمل حفلة صغيرة جدًا في البيت و نكتب الكتاب بين المقربين جدًا مننا و خلاص، مش هنعزم حد. ران عليهما صمت خفيف، شردت فيه «غرام» تفكيرًا في قرارها الحاسم، و لكن قطع هذا الصمت وصول والدها، الذي صافح «مالك» مباشرة بعدما ترجل من سيارته. رافقت «غرام» والدها في العودة إلى المنزل، و الذي بدوره أخبر «مالك» بأنه سيفكر في ذلك الأمر و يخبره بقراره في أقرب وقت. يتبع...........

📜 الفصل الخامس 📜

عاد «مالك» إلى منزله، فوجد«ثريا» تتصفح على الهاتف بغرورها المعتاد، جاورها قائلًا: _ انا اتكلمت مع «غرام» و أبوها. انتبهت إليه، فأغلقت الهاتف، و وضعتها جانبًا، و سألته باهتمامٍ شديد: _ و ردهم ايه؟ حرك كتفيه بجهلٍ، قبل أن يميل بظهره إلى الوارء، ثم أجابها قائلًا: _ هيفكروا و يردوا علينا، بس أنا مش فاهم يا أمي أنتي مستعجلة ليه؟ أوضحت له ما يدور في عقلها قائلة: _ لازم أسافر يا «مالك» ، عمك و مراته لو حاولوا يتواصلوا مع چنى أكيد هيقلقوا عليها و لو نزلوا مصر هتحصل مشكلة. اعتدل في جلسته، و قد تجعدت جبهته قائلًا: _ ليه؟ فين المشكلة، احنا علاقتنا حلوة معاهم. _ معاك حق، بس متنساش البلوي اللي فوق السطح اللي انت رافض تخلصنا منها دي. _ ايه العلاقة مش فاهم؟! _ يا ابني كل ما زاد سكان البيت ده كل ما كان اكتشاف السر وشيك، انت منعت «غرام» تطلع، هتمنع مرات عمك ازاي؟ بلاش مرات عمك، هتقنع عمك ميطلعش على السطح ازاي و هو قبل السفر أصلا كان بيقضي وقته على سطح البيت. اقتنع بتفكيرها نوعًا ما، فتنهد قائلًا: _ معاكي حق، خلاص خلينا نعمل كدا، لحد ما أشوف مكان انقله فيه. *********** على صعيدٍ آخر. انتهت «غرام» من صلاة العشاء و جلست ترتل القرآن، حينما قاطعتها والدتها التى جاءت لتتناقش معها بشأن الزواج. خرجت الكلمات من فم والدتها بصوت حنون، عندما سألتها: _ خلصتي يا غرام؟ فاضية نتكلم شوية؟ أغلقت المصحف و احتفظت به بين ذراعيها، و أجابت: _ ايوه يا ماما خلصت، حابة نتكلم في ايه؟؟ ارتكزت والدتها حذوها أرضًا، و تكلمت بجدية: _ ابوكي بيقول إنك مش موافقة على كلام «مالك» و مامته. أطلقت زفيرًا و كأنها تتخلص من حمل ثقيلٍ، و قالت: _ شكلها وحش أوي يا ماما، تبقى چنى ماتت الأسبوع اللي فات و احنا نعمل فرحنا الأسبوع الجاي! دا احنا ملحقناش نحزن يا جدعان! حاولت والدتها إقناعها بنبرتها الدافئة: _ أنا معاكي إنها حاجة مش كويسة، بس كمان «مالك» بيقول مش هتعملوا فرح، هيبقى كتب كتاب على الضيق كدا، يعني مش هنعمل حاجة تخلي حد يعلق علينا. ذمت شفتيها بضيق مكتوم قبل أن ترخيهما قائلة بامتعاض: _ يعني يا ماما مش مكتوب لي أعمل فرح زي باقي البنات! هتجوز كدا على الساكت! أنا مش حابة كدا. _ الظروف اللي حكمت يا حبيبتي، لو علينا عايزين نعملك أحسن فرح، بس الظروف بقى مش هينفع. أردفت «غرام» باستنكار: _ طب ليه منأجلش الفرح يا ماما؟! ما كل حاجة تيجي في وقتها المناسب طالما الوقت دا مش مناسب يبقى نستنى، ايه الما نع ! _ يا حبيبتي لازم تقدري ظروف «مالك» ، هو مش في إيده حاجة، و بعدين والدته اللي هتسافر دي يا عالم هترجع امتى! و كمان حالة عمه الصحية مش تمام يعني بعد الشر لو الراجل ده حصله حاجة هترجعوا تاني تأجلوا الفرح، يبقى ليه لاء يا غرام؟؟ ارتخت قسمات وجهها، و استسلمت للأمر قائلة: _ أنتي و بابا رأيكم ايه يا ماما؟؟ _ احنا نفسنا موافقين أصل الظروف مش مضمونة. _ خلاص يا ماما معنديش مشكلة، خلي بابا يكلم «مالك» يعرفه بالقرار بقى. غمرت السعادة ملامح والدتها، و احتضنتها قائلة: _ ربنا يسعدكم، و يتمم فرحتكم على خير يا حبيبتي. ************ مد «مالك» يده مصافحًا حماه، و رحب به بحبورٍ شديد: _ نورت المكتب يا عمي، قولي تحب تشرب ايه؟ و لا خلينا نطلب غدا الأول. وضع الوالد يده على صدره، علامة للامتنان و قال: _ و لا أى حاجة يا حبيبي شكرًا. أردف «مالك» بنبرة يشوبها الإصرار: _ و الله بتكلم جد، دي اول مرة تزورني في المكتب. عبر الوالد عن إعجابه قائلًا: _ بمناسبة المكتب، مكنتش أعرف إن عندك فريق كبير من المحامين كدا، ماشاء الله عليك حققت نجاح كبير و أنت لسه شاب صغير. _ الحمدلله يا عمي، أنا فعلاً تعبت جدًا لحد ما المكتب ده وقف على رجله و بقى من أشهر مكاتب المحاماة في القاهرة. _ ربنا يزيدك يا ابني. _ طب قولي بقى تحب نتغدى ايه؟ ابتسم الوالد قائلًا: _ لاء غداء ايه بس، دا أنا يادوب ألحق أقولك المشكلة اللي حصلت علشان تلحق تتصرف. انتبه إليه «مالك» ، و سأله باهتمام: _ مشكلة ايه؟ وضع الوالد أمام «مالك» ملفًا بلاستيكيًا، يحوي بعض الأوراق التي جُهزت سابقًا لعقد القران، و أوضح الأمر قائلًا: _ المأذون اللي كنت متفق معاه جالي النهاردة و رجع الأوراق و بيقول مش هيقدر يجي بكرا يكتب الكتاب، فقولت اجيلك عشان نلحق نتصرف. أومأ «مالك» برأسه تفهمًا، ثم منحه ابتسامة ودودة، و قال: _ بس كدا! بكرا إن شاء الله يكون حاضر مأذون غيره، متشلش هم حاجة يا عمي. هم الوالد واقفًا و هو يقول: _ حيث كدا بقى استأذن أنا و أسيبك تكمل شغلك. _ أنت لحقت تقعد! _ مرة تانية بقى، الأيام جاية كتير. استوى «مالك» على قدميه قائلًا: _ خلاص هاجي معاك أوصلك. اعترض الوالد قائلًا: _ لاء ،لاء ملهوش لزوم، بلاش اعطلك بقى. خطا إليه خطوتين قائلًا بإصرار: _ و لا عطلة و لا حاجة، دا أنا وقتي كله تحت أمرك. _ الأمر لله يا حبيبي، ربنا يعزك، خليك أنت عشان خاطري . *********** أوشك على مغادرة الطابق الخاص بمكتب «مالك» ، و لكنه توقف أمام المصعد الكهربائي عندما جاءه اتصال من زوجته، فأجاب قائلًا: _ ايوه يا «وداد»، أنا راجع البيت أهو. سألته بجدية قائلة: _ ها ، «مالك» وافق نعمل كتب الكتاب عندنا في البيت؟ _ تصدقي نسيت أقوله! _ أُمال اتكلمت معاه في ايه لما نسيت الموضوع المهم! _ خلاص خلاص هرجع تاني و اتكلم معاه. ★★★★★★★ في تلك الأثناء كانت «سميرة» قد حضرت إلى مكتب «مالك» ، لتطلب منه إعطاءها راتبها الشهري حتى تغادر العمل، فسألها «مالك» بنظرات مترقبة: _ ممكن أعرف عايزة تمشي ليه؟ ردت عليه بنبرة باردة: _ سهلة و بسيطة يا متر، مبقتش حابة اشتغل عندكم. _ ليه؟ على ما اعتقد بتاخدي راتب أكبر من شغلك عندنا في البيت. تلوت شفتيها ببسمة ساخرة و قالت: _ ما متنساش بردو إن أنا محتفظة بسر لو حد عرفه ممكن تروح ورا الشمس، و لا ايه يا متر؟ أردف بنبرة مماثلة: _ السر دا مبقاش بتاعي لوحدي، و لا أنتي نسيتي إنك ساعدتيني، و ليكي يد في حالة «أحمد» ؟ امتعض وجهها قائلةً: _ و عشان كدا أنا مبقتش حابة أكمل شغل عندكم، أنت و أمك ملكوش أمان. زجرها «مالك» بسهام التهديد قائلًا: _ احترمي نفسك يا «سميرة»، متنسيش أنتي بتتكلمي مع مين، كلمة زيادة و هتحصلي «أحمد» أو چنى. هدرت «سميرة» دون اكتراث: _ أنت يتخاف منك فعلًا، ما اللي يدمر صاحبه و يعذبه و يحبسه و يسرق أملاكه و يعتدي على مرات صاحبه، يبقى فعلاً ملهوش أمان. ضرب مكتبه الخشبي بغضب جامح، و ارتفع صوته قائلًا بحدةٍ لا تقبل النقاش: _ إلزمي حدودك يا «سميرة»، الكلام دا ميخرجش من بؤك تاني، و اعملي حسابك مفيش شغل هتسبيه، و لو تجرأتي و اتكلمتي معايا بالأسلوب دا تاني و الله مش هرحمك، و أنتي عارفة أنا أقدر أعمل ايه كويس! استدارت لتغادر، و هي تتمتم بصوت مكتوم: _ دا أنت شيطان! ما إن ضغطت على المقبض المعدني، و سحبت الباب للخروج، تفاجأت بوالد «غرام» الواقف على عتبة الباب و كأنه كان على وشك الدخول إليهما، فاستدارت إلى «مالك» بوجهٍ مذعور. و هو الآخر لم يكن أقل منها صدمة و توترًا، فأشار إليها بالمغادرة، و تصنع الود قائلًا: _ اتفضل يا عمي واقف عندك ليه؟ يتبع.........

📜 الفصل السادس 📜

كان والدها مكفهر الوجه، حاد النبرة عندما هتف في وجه «مالك»: _ بلا عمي بلا زفت، انسى أى علاقة بينا و ملكش دعوة بـ«غرام» تاني. سأله «مالك» ببراءة زائفة: _ ليه بس يا عمي؟ أنا عملت حاجة زعلتك؟ _ قولتلك متقولش يا عمي، و بعدين أنا مش هستنى لما تعمل، كفاية اللي سمعته. تجمع الموظفون نتيجة لهذا الضجيج، فتمالك الآخر أعصابه كي لا يفتك به الآن، و اصطنع ابتسامة هادئة، و سحب الوالد إلى مكتبه عنوة عنه، تحت الأنظار المتسائلة عن سبب الخلاف. طلب «مالك» من موظفيه العودة لمواصلة العمل، و أغلق الباب بسَكينةٍ قد اختفت و حل محلها بركانٌ ثائر، فقد استدار «مالك» إلى الوالد قائلًا بنبرة كفحيح الموت: _ ساكت أنا و مقلتش منك قدام الموظفين، بس دلوقت مش هسكت بقى، الكلام اللي أنت سمعته دا يا عمى أنا مش هقولك معملتوش، لاء أنا عملت و عملت تصرفات متخطرش على عقلك المسن ده. تزامنت جملته الأخيرة مع ضربه جبهة الوالد بخفة، ثم أكمل بجحودٍ و استبداد: _ هتيجي بقى دلوقت مش هجوزك بنتي و بتاع، يبقى لازم تعرف إن مش أنا اللي يتقلي الكلام ده، بنتك عجبتني و دخلت دماغي و هتجوزها يعني هتجوزها، و هتيجي بكرا زي الشاطر كدا و تحط إيدك في ايدي قدام المأذون و تبارك لنا الجوازة. لقد صُدم حقًا في خطيب ابنته، فمن يرى الملاك الذي كان يتحدث إليه منذ قليل، لن يصدق أنه نفس الشخص الذي يكشر عن أنيابه الآن، دون خجل من أفعاله الشيطانية. رد عليه الوالد مستنكرًا: _ دا اللي هو ازاي يعني! هتتجوز بنتي و أنا مش موافق؟ دا أنت لو ماسك عليَّ ذلة أنا مش هنفذ طلب زي ده. قهقه «مالك» ساخرًا، و قال باستهزاء: _ لاء ما دا مش طلب، دا أمر، و على فكرة أنا مش ماسك عليك ذلة، أنا ماسك عليك حياة بنتك و مراتك، فلو خايف عليهم يبقى تنفذ و أنت ساكت بدل ما تخسر مراتك و تتحرم من بنتك اللي بردو هتجوزها سواء أنت وافقت أو رفضت. وقف الوالد كتائهٍ لا يعرف طريق العودة، بينما جلس «مالك» على كرسيه واضعًا قدم فوق الأخرى بغرور و عنجهة، ثم قال منبّهًا: _ و اه، متفكرش تاخدهم و تمشي من هنا عشان رجالتي في كل مكان و تحركاتك بعد كدا هتكون متراقبة، و كمان متفكرش تقول حاجة لـ«غرام» عشان حتى لو هي رفضتني هتجوزها و أنت مش هتستفيد حاجة غير إنها هتعيش تعيسة بعد الجواز. ★★★★★★★★ أُثقل كاهله بتلك الحقيقة المدمرة، فذلك الشيطان الفاسد يطالبه بإلقاء ابنته إلى النيران، ضاقت عليه السبل و كأن عقله أعلن انسحابه عن التفكير، فلم يجد مخرجًا لتلك الكارثة التي أُلقيت فوق عائلته. كان يجر قدميه بصعوبة بالغة، و كأن هناك من يسحبه للوراء، ما إن رأته زوجته «وداد» حتى بادرت بسؤاله قائلة: _ ها عملت ايه؟ «مالك» وافق نعمل الحفلة عندنا في البيت؟ نظر إليها ساهمًا، و تخشبت الكلمات على فمه، فلوحت بيدها أمام عينيه لتشد انتباهه، فرد عليها بصوت خامل: _ لاء رفض، أنا هدخل ارتاح شوية. تركها خلفه واقفة تطالع أثره باستغراب من حالته التي خالفت سعادته و نشاطه عندما غادر المنزل صباحًا. ★★★★★★★★ أُعد المنزل لاستقبال العروس الجديدة، لم تكن التجهيزات كما تمنتها غرام، و لكن لا بأس فقد كان ديكورًا بسيطًا و مميزًا، و مناسبًا لحفلة عائلية. كانت متخصصة التجميل تضع لمساتها الأخيرة، فبدت «غرام» ككتلة من الجمال تسير على الأرض، انتعلت حذاءًا ذي كعب مرتفع، و انساب فستانها الأبيض على جسدها بنعومة بالغة، و برزت ملامح وجهها الخاطفة للأنفاس، و ما زادها جمالًا هي تلك البتلات البيضاء الرقيقة التي استقرت في منتصف خصلاتها السوداء. صدح هاتفها معلنًا عن اتصالٍ من شخصية مجهولة، فلم يكن رقمًا مسجلًا لديها، كانت على وشك الإجابة و لكن منعتها «منى» عندما خطفت الهاتف بغتة من يدها، و قالت بنبرة مرحة: _ مش وقت مكالمات يا حلوة. _ ما يمكن يكون حد من المستشفى و لا حاجة، خليني أرد. وضعت الأخرى الهاتف على الوضع الصامت و احتفظت به في حقيبتها اليدوية، و قالت: _ كلهم عارفين إن النهاردة فرحك فأكيد محدش هيطلب منك حاجة! دا تلاقيه رقم بيعاكس و لا حاجة، خلينا دلوقت في اللي احنا فيه عشان المأذون مستني تحت. ★★★★★★★ هبطت «وداد» الدرج، في طريقها إلى زوجها لتخبره بأن ابنتهما أصبحت جاهزة، فأوقفها «مالك» عند نهاية الدرج قائلًا: _ كويس يا طنط كنت بدور عليكي. منحته ابتسامة هادئة قبل أن تسأله: _ خير يا حبيبي؟ _ عمي بيقولك إنه نسي بطاقته في البيت و هو حاليًا مش هيعرف يروح البيت عشان المأذون و الضيوف اللي جوا. ف لو ينفع تروحي أنتي و هبعت معاكي السواق بالعربية. تحققت «وداد» من انشغال زوجها عندما وجدته يتحدث إلى بعض الرجال، فامتثلت لقول «مالك» قائلة: _ طيب يا حبيبي هروح أجيبها أنا. تكلف في ابتسامته، و اكتفى بهزة خفيفة من رأسه. كانت على وشك المغادرة و لكنها تراجعت خطوتين و قالت ببشاشة و ود: _ من النهاردة تقولي ماما و عمك تقوله يا بابا. _ بس كدا! من عيوني يا ماما. لامست كتفه بخفة و قالت بحنان: _ ربنا يسعدكم يا حبيبي. ★★★★★★ كان والدها يختصر في رده على الضيوف، لديه ما يكفيه من الهموم، لديه ضجيج آخر في عقله، أصوات أخرى ترغب في سماع رده لمعرفة نهاية الأمر. نهض من بينهم متخبطًا في مشاعره، و أفكاره، لحق به «مالك» حتى وصلا إلى الباب الرئيسي للمنزل و هنا أوقفه «مالك» بصوته الحاد: _ رايح فين يا عمي؟ التفت إليه الوالد، قسماته المنكسرة، عينيه التائهة التى عُكرت بالدموع، كانت هذه التفاصيل كفيلة ليفهم «مالك» ما يدور في عقله، فاقترب منه هامسًا: _ متفكرش تعمل أي حاجة، ادخل كدا زي الشاطر و خلينا نكتب الكتاب. استجمع الوالد شجاعته و اعترض قائلًا: _ أنا هدخل فعلاً، بس مش عشان نكتب الكتاب، أنا هدخل افضحك قدام ضيوفك و هاخد بنتي و أمشي. ضحك «مالك» متهكمًا، ثم أردف بغروره و بطشه المهلك: _ و دي حاجة تفوت عليّ بردو! و بعدين أنت قولت هتاخد بنتك و تمشي طب و مراتك؟ مش عايزها؟؟ قطب الوالد حاجبيه، و طالعه بنظراتٍ تنم عند عدم فهمه، كما سأله مترقبًا: _ تقصد ايه؟ _ أقصد إن حماتي العزيزة مش موجودة هنا حاليًا. مال «مالك» برأسه قليلًا، و همس بجاور سمعه حاكيًا ما دار بينه و بين «وداد» منذ قلة من الدقائق، فقال الوالد متعجبًا: _ بس أنا منستش بطاقتي! زفر «مالك» باستخفافٍ، و أوضح قائلًا: _ ايوه أنا عارف، بس تقدر تقول دي ضمان ليا إنك مش هتفضح سري قدام الضيوف، و إلا وقتها الراجل بتاعي اللي مع ماما «وداد» هيخلص عليها، و بردو هتخرج من هنا من غير بنتك. جحظت عينيه صدمةً، فهو أمام عقلٍ سام لم يتخيل وجوده على الإطلاق، رمقه «مالك» بسهامٍ آمِرة: _ اطلع هات غرام. ★★★★★ دلف إلى الداخل بعدما سمحن له الفتيات، كانت مدللته و طفتله الصغيرة توليه ظهرها، حاول جاهدًا أن يمنع عينيه من البكاء، و لكن ما إن التفتت إليه العروس الجميلة، خانته عيناه و فرت الدموع رغمًا عنه، امتدت أناملها الرقيقة و أبعدت القطرات الساخنة بعيدًا عن وجنتي والدها، ثم قبلته من خديه قائلة بصوت مختنق: _ بلاش دموع يا بابا، و الله هعيط أنا كمان. منحها ابتسامة دافئة و قَبَلَ رأسها بدوره، و احتضنها بين ذراعيه، و هو يشدد من احتضانها و كأنه يرغب في إخفائها عن أفعال «مالك» السيئة، بل يرغب في إخفائها عن كل سوء قد يبكيها يومًا. درجا السلم سويًا تحت أنظار الجميع، فكان هناك قلة من الضيوف لم يزيدوا عن عشرة رجال، و صديقتها «منى». جاورت والدها في الجلوس و بدأ المأذون عمله و هم ينصتون إليه جميعًا. وضع الوالد يده في يد «مالك» الذي يرمقه بنظرات الانتصار، بينما الآخر يراه مشوشًا لتكون حاجز من الدموع في حدقتيه، و يكاد صوته يصل إلى الجميع بسبب تلك الغصة المريرة التي تكونت في حلقه. أغلق عينيه بقوة عندما نطق المأذون بكلمته الأخيرة: _ بارك الله لهما و بارك عليهما و جمع بينهما في خير. احتضنها والدها بمشاعر مختلفة في هذه المرة، كأنه عناق من الاعتذار، الخوف، القلق، أو لنقل عناق الوداع. تلق «مالك» المباركات و التهنئة من الجميع، و حان الدور على الوالد، فاحتضنه «مالك» بحفاوة زائفة، و همس له قائلًا: _ تقدر دلوقت تروح تنقذ مراتك بقى، و متقلق على مراتي أنا هخلي بالي منها. انسحب الوالد من بينهم بعدما أخبر «غرام» أنه سيذهب لينادي والدتها التي خرجت أمام المنزل، على وعدٍ بأن يعودا ليلتقطوا معًا صورة تذكارية. ★★★★★★ لقد كان الوقت ثقيلًا عليه، و كأن المسافة إلى منزله قد تضاعفت أضعافًا مضاعفة، ترجل من سيارته أمام المبني، و هرول متعثرًا إلى شقته الخاصة، و مازالت ترافقه الدموع. ارتجفت يديه بينما يضع المفتاح في مكانه المخصص، لم يغلق خلفه الباب، فقد أسرع إلى زوجته التى فقدت وعيها على الأريكة المقابلة للباب. صرخ باسمها بنبرة من الفزع الشديد، و ما إن اقترب إليها، تلقى ضربةً على عنقه أفقدته الوعي، و سمحت لعينيه بالانغلاق و التوقف عن البكاء. يتبع............

📜 الفصل السابع 📜

غادر الجميع، و لم يتبقى سوى أهل البيت، استغربت «غرام» ذهاب والديها دون علمها، فذهبت إلى غرفتها الجديدة لتتحدث إليهما على الهاتف، تفاجأت بما يزيد عن مئتي مكالمة من رقمٍ غير مسجل، تغاضت عن الأمر و اتصلت بوالدها مراتٍ عدة و لكن دون فائدة، فانتقلت إلى رقم والدتها و لم تجد منها ردًا هي الأخرى. زفرت بضيقٍ و هي تنزع حذائها، فهناك قلق يعتمر في صدرها، جال في ذهنها أن تعاود الاتصال بذلك الرقم، فقد يكون للأمر علاقة بوالديها. و بالفعل قد فعلت ذلك و في هذه المرة قد جاءها الرد سريعًا، لكنه كان صوتٌ أنثويٌ لم تألفه من قبل: _ معايا «غرام ذو الفقار»؟ ردت عليه «غرام» باستغراب: _ أيوه، مين معايا. جاءها الرد بنبرة تحذيرية بالغة: _ مش مهم أنا مين، المهم أوعى تتجوزي «مالك» ، حتى لو هتهربي من عندك. قطبت حاجبيها و قالت: _ بتقولي كدا ليه؟ و تعرفيني أنا و «مالك» منين؟ _ اسمعي مني يا دكتورة، جوازك منه أكنك بتدخلي الجحيم برجلك، دا واحد مريض نفسي. عنفتها «غرام» عندما صرخت: _ احترمي نفسك، اللي بتتكلمي عليه دا بقى جوزي. أغلقت المكالمة سريعًا بعد كلمتها الأخيرة، فكان صدرها يعلو و يهبط في تتابع مستمر، وضعت يدها على صدرها و تنفست بعمق، لكنها كانت ثوان معدودة قبل أن يعلو صوت هاتفه يخبرها بوصول رسالة جديدة. فتحتها سريعًا لاعتقادها بأنها من والديها، و لكنها وجدت أنه الرقم نفسه، لكنها لم تتجاهل الرسالة، التى كان محتواها..... " لو عايزة تعرفي حقيقة جوزك افتحي الأوضة اللي على السطح، و شوفي الدفتر اللي في الدرج التاني جنب سرير «چنى». ★★★★★★ على الجانب الآخر كان «مالك» واقفًا على سطح المنزل، يديه في جيب بنطاله، و قد شرع برأسه ناظرًا إلى السماء، الصمت فقط هو من يعم المكان، إلى أن قطعه «مالك» قائلًا بخفوت: _ اتمنى متكونيش زعلانة مني يا «چنى». عدل من وضع رأسه، و زفر زفرة حارة قبل أن يتوجه إلى تلك الغرفة التي تخفي بداخلها الكثير من الأحزان، أشعل الضوء و خطا خطوة لم تلحق بها أخرى، حيث جاءه اتصال من رجاله. رد عليه بصوته الأجش: _ عملتوا ايه؟؟ _ زي ما طلبت يا «مالك» بيه، الاتنين فقدوا الوعي. ظهرت بسمة ماكرة على زاوية فمه، و تحدث كالأفعي التي تبث سمها: _ افتح عليهم الغاز، أنا عايز «أحمد ذو الفقار» ميطلعش عليه نهار لا هو و لا مراته، و عايز الموضوع يبان طبيعي. ★★★★★★ ألقت هاتفها بإهمالٍ، و أمسكت فستانها بقبضتيها، و قصدت الحجرة التي قد بقيت فيها «چنى» قبل وفاتها، حاولت كثيرًا فتح الباب لكن دون جدوى، فلقد أغلقه «مالك» بمفتاحٍ هو من يحتفظ به. فانطلقت تعدو على الدرج بقلب مرتعش، و عقلها يٌملى علي لسانها بدعوات كهذه: _ يارب تكون كذابة، أو يكون حد عامل فيا مقلب، يارب متخيبش ظني فيه. عندما استقبلها الضوء النافذ من الغرفة، توقفت موضعها و هي تُطمئن قلبها، بأنه لم ينخدع و لن تخسر من أحبت، بدأت تتحرك صوب الباب، فكانت تقدم قدم و تؤخر الأخرى. ★★★★★★ في تلك الأثناء. أعاد الهاتف إلى جيب بذته، و تحرك إلى «أحمد» الذي لم يحرك ساكنًا، و يبقى كما تركه «مالك» بسبب تلك السلاسل التي تقيد حركته. حل وثاقه قائلًا بنبرته الجنونية الساخرة: _ النهاردة كان فرحي، عشان تعرف بس إنك عزيز عليّ، جيت احتفل معاك عشان أنت صاحب عمري و معنديش غيرك. تقهقر «أحمد» إلى الوراء و هو يضم جسده المرتجف بذراعيه، فأوقفه «مالك» رغمًا عنه، و بحركة سريعة سدد إليه ضربة أطرحته أرضًا، و نزف أنفه على إثرها، فهتف «مالك» قائلًا: _ تصدق بالله، أنا مش بتبسط غير لما احتفل معاك. كان فاقدًا قوته، لا يمتلك قدرة للمقاومة، هو فقط يزحف إلى الوراء و عيناه المرتعبة تتابعان «مالك» و هو يفك حزامه الجلدي، و ما لبث أن نزل به على جسد «أحمد» الذي يكتم ألمه في صدره، ضربة تلو الأخرى، و لكن إن رغب «مالك» بالمزيد من الضربات فلن ترضى «غرام» بذلك. و هذا ما حدث حيث تفاجأ بها «مالك» تحتضن «أحمد» ، لتتلقى هي الضربة بدلًا عنه، تألمت بشدة، لكن ألمها الجسدي لن يذكر إن قُورن بألم قلبها و خذلانها. طَرَفَ بعينيه مرات متتالية و هو يرى الأمان يعانقه مرة أخرى، بعد غيابه عام كامل. جذبها «مالك» من ذراعها بعيدًا، و عنفها قائلًا: _ ايه اللي جابك هنا؟ مش حذرتك تدخلي الأوضة دي؟ ابتلعت تلك الغصة في حلقها و هي توزع نظراتها بين «مالك» و «أحمد» الذي يتفحص ملامح وجهها و كأنه يطبعها في ذاكرته. أغمضت عينيها في محاولة لكبح دموعها، ثم خرجت عن صمتها و قالت بنبرة جاهدت لجعلها طبيعية: _ كنت بدور عليك. نزع عن وجهه لثام اللطف و البراءة، و حدثها بصوت حازم: _ طيب انزلي، و متجيش هنا تاني. رمقت «أحمد» بنظرة أخيرة، قبل أن تنهض و تقترب من «مالك» ، حيث تحدثت بنبرة ناعمة و هي تمسك بيده: _ هو مش النهاردة فرحنا يا «مالك» ، ما تنزل معايا و فكك منه. نفض يدها بعيدًا و قال: _ انزلي دلوقت و أنا جاي وراكي. ★★★★★★ دلفت إلى غرفتها، تجر معها أذيال الخيبة، أغلقت الباب، و سقطت أرضًا، فلم تعد قدميها قادرة على حملها، سمحت لنفسها بالانهيار، فأجهشت ببكاء مرير، بكت عينيها، و بكى قلبها، لقد تحطمت، لم تكن تعلم أن الليلة التى انتظرتها طويلًا ستمنحها هدية لاذعة كتلك، لم تعلم أنها قد أُغرمت بشيطانٍ لا يعرف الرحمة، رأت الأمان في وحش يفتك بالجميع، اعتقدت أنها دعت لنفسها بالخير لكنها تفاجأت به يتحول إلى شرٍ لن ينتهي. ولولت على حالها لقلة حيلتها، و ضربت على وجهها قهرةً: _ أعمل ايه؟ ازاي انخدعت كدا فيه؟؟ ازاي!!! لملمت ما تبقى من شجاعة محطمة، و استوت على قدميها، أزاحت دموعها الحارقة، و همست لنفسها مشجعة: _ دا مش وقت عياط، لازم أنقذ نفسي، و أنقذ الشاب اللي بيموت على البطيء ده، انا قدها، ربنا معايا و عمري ما هغرق، طالما رميت نفسي في نص البحر يبقى لازم أعوم عشان أوصل تاني لبر الأمان. تحركت سريعًا و بدلت ثيابها إلى منامة ساترة، و خلدت إلى النوم، أو لنقل اصطنعت النوم. ★★★★★★ قيده مجددًا و هو يقول باسمًا: _ شوفت مرات أخوك قلبها طيب ازاي! مقدرش ازعلها بقى عشان عروسة جديدة، فهسيبك ترتاح و تتبسط، و هروح اشوف الشباب خلصوا على أهلها و لا لسه. ★★★★★★ على صعيدٍ آخر. تأكد الشاب طويل القامة من إغلاق النوافذ، ثم توجه إلى المطبخ، ساحبًا أنبوب الغاز الإحتياطي ليضعها على مقربة من صالة المنزل، ثم أدار الصمام مُتيحًا للغاز مسارًا للنفاذ. يتبع.........

📜 الفصل الثامن 📜

بدت «غرام» طبيعية و كأنها لم تري شيئًا في الليلة الماضية، توجهت إلى المطبخ حيث كانت «سميرة» تنشغل في إعداد الطعام. اقتربت منها «غرام» و هي تسألها بنبرة ودودة: _ صباح الخير يا «سميرة»، بتعملي ايه على الصبح كدا؟ ابتسمت لها «سميرة»، و أجابت: _ بعمل معجنات عشان الفطار، المدام حابة تفطر منهم قبل ما تسافر. شمرت «غرام» عن ساعديها و اقتربت منها قائلة: _ هساعدك عشان تخلصي بسرعة. انضمت إليها في تشكيل العجين، لتغتنم «غرام» انشغال «سميرة» في تجهيز بعض الأطباق الأخرى، و انتزعت لنفسها قطعة من العجين بعدما أضافت إليها المزيد من الطحين فجعلتها أشد تماسكًا، أخفتها بقبضة يدها و انسحبت دون أن تشعر بها الأخرى. ★★★ أسرعت إلى غرفتها فاصطدمت ب«مالك» في طريقها، توترت قسمات وجهها، وشدت على قبضتها، فكانت تخشى أن يري ما لديها و ينهال عليها بوابل من الأسئلة التى لا يجب أن يعلم إجابتها. تنفست بارتياحٍ عندما تبسم قائلًا: _ مستعجلة كدا و رايحة فين يا حبيتبي؟ تكلفت في ابتسامتها و ردت عليه بصوت خافت: _ طالعة الأوضة. رفع حاحبيه قائلًا بشك: _ دا أنتي بتهربي مني بقى! امبارح تنامي قبل ما ارجع و النهاردة اصحى الاقيكي مش موجودة، و دلوقت نازل و انت طالعة! ضحكت بخفة، و أشارت إلى ثوبها قائلة: _ كنت بساعد «سميرة» في المطبخ و هدومي بقى عليها دقيق فهغير و نازلة حالًا. تنحى «مالك» عن طريقها و أتاح لها المرور، فهرولت صعودًا إلى الغرفة، و هي تحمد ربها أنه لم يكتشف ما لديها. أفرغت صندوقًا صغيرًا خاص بأقراطها الذهبية و وضعت به قطعة العجين، و خبأت الصندوق في حقيبتها اليدوية. انتقلت إلى خطوتها التالية و هي البحث عن مخبأ المفتاح، بدأت تفتش في الأغراض الخاصة ب«مالك»، لكنها لم تعثر عليه و باءت محاولتها بالفشل. اعتلت الفراش، تسأل عقلها عن طريقة لتحصل على المفتاح، فأملي عليها عقلها إن كان «مالك» يزور تلك الغرفة بشكل متتابع، فبالتأكيد ذلك المفتاح لا يفارقه. هبت واقفة هامسة لنفسها بشك: _ المحفظة! ممكن يكون في المحفظة! حسمت أمرها بالحصول عليه اليوم، فهاتفت صديقتها و طلبت منها المرور على بيت عائلتها لتطمئن على والديها، و أكدت عليها بضرورة زيارتها اليوم قبل الغد. ★★★★★★ استعدت«ثريا» لسفرها بعدما تناولت وجبة الإفطار برفقة ابنها و زوجته، أحضرت «سميرة» أمتعة السفر و وضعتها جانبًا، و ودعت الوالدة عروس بيتها، و أوصتها ببعض النصائح للحفاظ على بيتها و زوجها سعيدًا، فكانت «غرام» تهز رأسها بابتسامة خفيفة، و بعقلٍ باحث عن طريقة لتتفقد محفظة «مالك». لم يكن الطعام قد رُفع عن المائدة، فتحركت «غرام» و حملت كأسًا من العصير و سارت به حتى تبقى بينها و بين «مالك» بضع خطوات صغيرة، فتظاهرت بالتعثر و سكبت العصير على بنطال «مالك» من الخلف قبل أن تلقي بالكأس أرضًا و تتصنع التعب. تجعدت قسمات وجهها بشكلٍ يوحي بالإرهاق، و تحسست جبهتها و هي تعتذر قائلة: _ أنا آسفة يا «مالك» ، مأخدتش بالي. كان على وشك الصراخ، و لكن منعته والدته بإشارة من عينيها، و اقتربت من «غرام» سائلة باهتمام: _ مالك يا حبيبتي ايه اللي حصل؟ ردت عليها«غرام» بصوت واهن: _ مش عارفة يا ماما، فجأة كدا حسيت نفسي دايخة و مش قادرة أقف. خمنت«ثريا» قائلة: _ تلاقي ضغطك وطي من قلة الأكل، مأكلتيش حاجة امبارح، و لا حتى دلوقت على الفطار.....طلعها ترتاح يا «مالك» و أنا هستناك على ما تغير و تنزل. وجهت جملتها الأخيرة إلى «مالك» ، الذي امتثل لطلب والدته دون اعتراض، فحمل «غرام» صاعدًا بها إلى حجرتهما. أنزلها على الفراش، قائلًا: _ ارتاحي يا حبيبتي. دلف إلى ملحق الغرفة الخاص بالملابس، فتابعته «غرام» بنظرها هامسةً بعبوس: _ يادي الزفت، كان يخلع الجاكت هنا على الأقل. زفرت بضيقٍ، و أراحت ظهرها على وسادة خلفية، لتفكر في طريقة أخرى. ★★★★★★ منذ دقائق معدودة، و هي تتحرك في ردهة الطابق العلوي ذهاباً و إيابًا، و تأرجح ذراعيها بملل و خيبة، لم يدم هذا الوضع طويًلا، حيث تراجعت سريعًا إلى غرفتها عندما تناهى إلى سمعها خطوات تصعد الدرج. تركت الباب مواربًا، لتختلس من خلفه النظرات، فشاهدت «سميرة» تتجه إلى ظهر البيت بأطباق الطعام، فلاحت على شفتيها ابتسامة ماكرة، لتهمس بإصرار شديد: _ يبقى بلاش «مالك» و نلعب مع «سميرة»الأول. لم تحرك ساكنًا، و بقيت «غرام» كما هي تنتظر «سميرة»، التي لم تستغرق وقتًا كثيرًا و كانت تهبط الدرج فارغة اليدين، فتأملتها «غرام» بعناية و دقة، قبل أن تحادث نفسها قائلة: _ «سميرة» نازلة و مش ماسكة مفتاح في إيدها، و كمان لبسها مفهوش جيوب عشان تخبي المفتاح، معقول تكون بتعينه على السطح؟ لازم أتأكد بنفسي. لحقت بها سريعًا و هي تطلب منها إعداد فنجانٍ من القهوة، فأخبرتها «سميرة» أنها سترسله إليها مع الخادمة الأخرى، لأنها ستغادر المنزل؛ لتحضر ما ينقصها من أغراض المطبخ. قُدمت إليها فرصة من ذهب، و هي لن تضيعها، طلعت الدرج بخطوات بطيئة هادئة، حرصًا منها ألا تصدر صوتاً يسمعه أحد. وضعت كفيها على خاصرتيها، و نظرها يجول في المكان، فانتبهت إلى خزان الماء الذي يرفعه حامل ذو قاعدة حديدية، فدارت حوله ترمقه بنظرات متفحصة لكنها لم تجد ما تريد، فجثت على ركبتيها، و مالت برأسها لتتفقد أسفل القاعدة. مرت ثانية، و قبل أن تمر أخرى، تهللت أساريرها فرحًا، فقد عثرت على وجهتها، ها هو المفتاح! يتحرك بخفة إثر نسمات الهواء الباردة، وكأنه يناديها؛ لتأخذه. التقطته سريعًا و توجهت إلى الغرفة؛ لتفتح بابها. شرع برأسه ناظرًا إليها، فارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة عكس ضربات قلبها الخائفة التى تشعرها ببرودة في أطرافها. رفعت يديها بتردد واضح، و لوحت إليه بخفة، لكنها لم تجد منه ردًا أو تفاعلًا، كان فقط يُمعِن النظر إليها. قادتها خطواتها لتقترب منه، فأوقفتها أطباق الطعام التي اُصطدمت بها، فقالت باستنكار و سخرية: _ جايبنلك عيش و حلاوة! أنت مسجون بجد و لا ايه؟ نقل نظراته بينها و بين الطعام، فحدثته «غرام» قائلة: _ خمس دقايق و جاية تاني. ★★★★★★ في طريقها إلى الطابق الأرضي، صادفت الخادمة التي بادرت بالحديث إليها: _ أنا سبت لحضرتك القهوة في الأوضة يا دكتورة. تعجلت «غرام» في سؤالها قائلة: _ عندنا أكل ايه يا عبير؟ _ موجود في التلاجة أكل من البارح، لكن لسه معملتش أكل الغدا بتاع النهاردة. أردفت «غرام» بشغفٍ واضح: _ طيب بصي يا قمر، سخني من الأكل اللي هنا، و جهزي صينية كويسة كدا و هاتيها، و لا أقولك أنا جاية معاكي يلا بينا أصل أنا جعانة. نطقت جملتها الأخيرة باستعجال، و تقدمت إلى المطبخ و من خلفها الخادمة، التى ساعدتها في تسخين الطعام، لتذهب إلى «أحمد» محضرةً إليه ما لذا و طاب من الطعام، الذي لم يتذوقه منذ شهور طويلة. حلت قيوده الحديدية، و قابلته في الجلوس واضعة بينهما الطعام، و قالت بابتسامة لطيفة: _ يلا عشان تتغدى. يتبع.........

📜 الفصل التاسع 📜

حلت قيوده الحديدية، و قابلته في الجلوس واضعة بينهما الطعام، و قالت بابتسامة لطيفة: _ يلا عشان تتغدى. كان يحرك رثغيه و كأنه يتأكد بأنها قد فكت وثاقه، فاسترسلت «غرام» بحماس: _ لاء استنى، الأول تقوم تغسل إيدك و بعدين تاكل. استوت على قدميها، و دنت منه قابضة على يده، فنظر إليها بتوجس، استشفته من عينيه، فطمأنته قائلة: _ هنغسل إيدك بس، مش هأذيك. تحامل على نفسه، و قام معها، كانت خطواته مهزوزة مما جعلها ترفع ذراعه خلف رقبتها قائلة: _ تقدر تسند عليا. عادت به مجددًا ليبدأ تناول طعامه بيدٍ قد اعتادت الارتجاف، فأسقط ما حملته الملعقة من طعام، و كان هذا دافعًا لتستلم «غرام» زمام الأمور عندما شرعت فى إطعامه، وهو يتابعها بعينيه، و لم يتناول شيئًا من يدها حتى فتحت فمها، كإشارة ليفعل مثلها. أزاحت الطعام جانبًا و ناولته كأسًا من خليط الحليب بالكاكاو، و دعّمت كفه بيدها كي لا ينسكب الكأس، و بقيت على هذا الوضع حتى أنهى الكأس بأكمله. و هنا استخدمت منديلًا ورقيًا لتنظف شاربه الذي افتعله الحليب، و سألته بفضولٍ واضح: _ مقولتليش اسمك ايه؟ انتظرت لوهلة قبل أن تخرج الأحرف من بين شفتيه بصوت رجولي خافت: _ «أحمد». اتسعت ابتسامتها، و قالت بنبرة صادقة الحنو: _ دا أنت كدا هتبقى غالي عندي جدًا يا «أحمد» ، عارف ليه؟ لم ينطق، فأوضحت قائلة: _ عشان «أحمد» ده اسم بابا...... أنا اسمي غرام أحمد ذوالفقار....... أنا دلوقت مضطرة انزل بس مش عايزاك تخاف هرجع ازورك تاني، و مش عايزاك تزعل مني عشان لازم أقيدك بالسلاسل دي تاني عشان محدش يعرف إن أنا جيت هنا، و أنت كمان خلي الموضوع دا سر، اتفقنا؟؟ اكتفى «أحمد» بحركة تأكيدية من رأسه. ★★★★★★ تنفست الصعداء عندما وجدت «سميرة» لم ترجع بعد، و بينما كانت في طريقها إلى حجرة الجلوس، جاءها اتصال من «منى» صديقتها التي طلبت منها القدوم إلى منزل عائلتها فى الحال، و أغلقت المكالمة دون أن تسمع منها أي سؤال. استقبلتها «منى» أمام المبنى السكني لعائلتها، استغربت «غرام» من احمرار عينيها كمن كفّت عن البكاء لتوها، وغامت ملامحها و سيطر عليها الأسى، فسألتها «غرام» بنبرة يشوبها القلق: _ ايه اللي حصل يا«منى» ؟ جبتيني على ملا وشي كدا ليه؟ و بعدين شكلك مش كويس إنت تعبانة؟ ابتعلت ريقها و كأنها تُعد أحبالها الصوتية للإجابة، فمهدت لها قائلة: _ طبعًا إنت عارفة إن أمر الله نافذ لا محال. أومأت «غرام» و قالت: _ ونعم بالله. أكملت «منى» قائلة: _ وعارفة إن الأعمار بإيد ربنا. ران عليهما صمت ثقيل، أنهته «غرام» و قالت بأعين دامعة: _ مين مات يا«منى» ؟ بابا ولّا ماما ؟ أردفت «منى» بصوتٍ خافت: _ الاتنين. و كأنها جاءت بدلو من الثلج و سكبته فوقها، فسرت في أوصالها قشعريرة مُمِضّة، جحظت عينيها، وسالت عبرات حارقة على خديها، و جعلت تضرب وجهها بكفيها وهي تنطق بحسرة وكَمد: _ الاتنين يا«منى»! الاتنين! مرة واحدة كدا؟!! بكت صديقتها لأجلها، وسعت إلى تهدئتها قائلة: _ اهدي يا غرام، قضاء ربنا. _ ونعم بالله يا «منى» ، بس دا الاتنين يا «منى» ، ابويا و أمي مرة واحدة يا مني! مفضلش منهم حد يواسيني حتى يا «منى»! الاتنين يا «منى»!! طب مأخدونيش معاهم ليه يا«منى» ؟ سابوني لمين يا «منى» ؟ لمين؟!! امتدت يديّ «منى» لتواسيها، فأبعدتها «غرام» قائلة بحزم: _ هما اللي لازم يردو عليا يا «منى» مش إنت، أنا هطلع أسألهم. ركضت إلى الشقة التى تحوى لحظاتها منذ الطفولة، وجدت جيرانها قد تجمعوا مصطفين أمام الباب كمن صنعوا ممرًا للعبور، فدلفت إلى الداخل لترى والديها مددين أرضًا و على كل منها ملاءة بيضاء. جثت على ركبتيها بينهما، و كشفت عن وجهيهما، و رددت عليهما سؤالها المنكسر: _ سيبتوني ليه، أعيش لمين أنا دلوقت، عمركم ما سافرتوا من غيري، ازاي تعملوها كدا في المرة اللي مفيهاش رجوع، ازاي تعملوا فيا كدا يا بابا، ردي عليا يا ماما، حد فيكم يرد أرجوكم، حد يرد عليا. دنا منها عجوز مسن ليعاتبها قائلًا: _ مش كدا يا بنتي، وحدي الله، مينفعش الكلام اللي بتقوليه ده. شرعت إليه قائلة بصوت مبحوح: _ كانوا كويسين امبارح يا عمو، و الله مكنش حد فيهم تعبان، ازاي يموتوا فجأة الاتنين. ربت على كتفها قائلًا بحزن: _ أنا فاهم و مقدر اللي انتي فيه يا بنتي، بس والدتك تقريبًا نسيت الغاز شغال فاتخنقوا. قطبت حاجبيها و أردفت بخفوت: _ غاز! _ أيوه يا بنتي غاز، أنا عديت على والدك عشان نصلي الفجر زي ما إحنا متعودين بس محدش رد على رن الجرس أو دق الباب، و استغربت جدًا إن والدك معداش عليّ في المحل قبل ما يروح شغله فقلقت و طلعت أسأل تاني في جية الدكتورة صاحبتك لاقيناهم كدا. بقى معها «مالك» مرتديًا لثام الحزن، فكان بكاءه يُشعر الرآي بأنه شخصًا لن يجرؤ على قتل نملة، و هو من يقتل الروح البشرية دون أن يرفّ جفنه. صممت على أخذ العزاء في منزل والديها، و لازمتها«منى» ، و لم تتركها لحظة واحدة في الأيام الثلاث الماضية. جلستا جنبًا إلى جنب على الأريكة، و احتوتها «منى» بذراعها، لتقطع الصمت السائد بسؤالها: _ هما أهلك كانوا متعودين يسيبوا المفتاح في الباب من برا يا غرام؟؟ ردت عليها بصوت سمعته بصعوبة: _ لاء. تحدثت «منى» بشك: _ مش عارفة المفروض اقول الكلام دا دلوقت و لا لاء، بس أنا حاسة الموضوع غريب. اعتدلت «غرام» في جلسته، فظهر وجهها الشاحب، وعينيها المنتفخة لكثرة البكاء: _ حاجة غريبة ازاي؟؟ بينت «منى» ما تعنيه قائلة بجدية: _ لم جيت أنا و عم «عبد المجيد» يوم الوفاة كان المفتاح متساب في باب الشقة برا، و كمان لما دخلنا كانوا أهلك لسه بلبس كتب كتابك، يعني معتقدش والدتك لحقت تفتح الغاز، و أصلا الأنبوبة اللي كانت مفتوحة كانت الاحتياطية مش اللي متوصلة بالبوتاجاز، و عيون البوتاجاز كانت مقفولة......الموضوع مش طبيعي. استنتجت «غرام» قائلة: _ قصدك إن حد قاصد يموت بابا و ماما؟؟ حركت «منى» كتفيها بحيرةٍ: _ مش عارفة، بس بردو مش مقتنعة إنها مجرد حادث، و لو فعلاً حد قاصد يعمل كدا هيكون مين؟ أهلك كانوا كويسين مع كل معارفهم و على حد علمي مكنش حد بيكرههم......و لا أنت ايه رأيك؟؟ تجاهلت «غرام» سؤالها الأخير، ونهضت قائلة: _ هكلم «مالك» عشان يجي ياخدني البيت، و أنتي اتصلي على جوزك يجي ياخدك. بمرور الوقت، أغلقت «غرام» باب الشقة بإحكام، و نظرت إلى «منى» قائلة بغموض: _ متنسيش اللي قولتلك عليه. _ حاضر. ★★★★★★★★★ اتخذت موضعها على الفراش استعدادًا للنوم، فجاء إليها «مالك» جالسًا حذوها، و تبسم سائلًا: _ عاملة ايه دلوقت يا حبيبتي؟ انبثقت ابتسامة واهنة من بين شفتيها و قالت: _ أحسن الحمدلله. أرجع خصلتها المتمردة إلى خلف أذنها، و اقترب منها ماحيًا تلك المسافة الفاصلة، فكانت أنفاسه الساخنة تلفح رقبتها، فاستشفت من نظراته الحانية، رغبته في إتمام زفافهم. يتبع .........

📜 الفصل العاشر 📜

استقرت راحت يدها على صدره، لتدفعه بعيدًا بضعف، لكنها كانت إشارة كافية لينتبه إلى قسمات وجهها النافرة من قربه، فأصبح ينقل حدقتيه بين وجهها و يدها بنظرات قاتمة، و قد احتدت ملامحه، فتعجلت «غرام» قائلة بخوف: _ بلاش تفهمني غلط. ابتعد عنها قائلًا بغيظ: _ خلاص فهميني الصح؟ منحتها ابتسامة متكلفة، و تحاملت على نفسها عندما لامست خده بأناملها، و أوضحت الأمر قائلة: _ أنت عارف إني بحبك يا «مالك» ، بس الحقيقة إن أنا حاليًا مش مستعدة لخطوة زي دي، نفسيتي مش أحسن حاجة، فخلينا نأجل الموضوع دا شوية، لأن أنا بجد مش كويسة خالص بسبب فراق بابا و ماما. أشاح بوجهه بعيدًا عنها، و أغمض عينيه في حركة سريعة، ساعيًا لكبح غضبه عنها، ثم التفت ناظرًا إليها و قد ارتخت ملامحه العابسة، و قال: _ مفيش مشكلة يا حبيبتي، ارتاحي إنت دلوقت و أنا شوية و راجع. ★★★★★★★ قامت «غرام» باستدعاء «عبير» إلى غرفتها بعدما تأكدت من ذهاب «مالك» إلى عمله، فكانت تحرك قدميها بترددٍ لشعورها بملل الانتظار، و أخيرًا جاءت إليها الخادمة، فطلبت منها التأكد أن الباب محكم الإغلاق. و أشارت إليها لتجاورها على الأريكة، و بادرت قائلة بترقب: _ أقدر أثق فيكي و يفضل الكلام اللي هقوله ده سر بينا ميعرفش بيه مخلوق؟ ردت عليها «عبير» بنبرة صادقة: _ طبعًا يا دكتورة، أخدمك بروحي و الله، دا أنتي جميلك اللي عملتيه مع رجاء أختي في ولادتها، يخلي أوامرك كلها مطاعة. _ الأمر لله يا حبيبتي، بصي أنا عايزة منك خدمة صغيرة بس بالنسبة لي اكنك بتنقذي حياتي. ضيقت «عبير» حاجبيها باستغراب، و سألتها بفضول: _ تحبي أعمل ايه عشانك؟ تحدثت «غرام» بصوت هامس وقالت: _ الوقت اللي تلاقي فيه «سميرة» طالعة فوق تتصلي عليّ فورًا، و لما أكون مش موجودة تحت و «مالك» يرجع من الشغل بردو تتصلي عليّ......بس لازم محدش منهم ياخد باله بكدا..........تمام؟؟ _ بس كدا!! _ أيوه، بس لازم تعرفي إن لو حد عرف بالكلام ده أنا هروح فيها، أنا اخترتك عشان بأثق فيكي، بلاش تكسري الثقة دي أرجوكي. ضربت «عبير» على عنقها و أقسمت بصدق: _ و الله العظيم يا دكتورة، أنا افديكي برقبتي، متقلقيش. _ طيب اسمعي ساعديني دلوقت ناخد أكل من المطبخ من غير ما «سميرة» تاخد بالها. _ «سميرة» بتخرج كتير من البيت، تقدري تقولي كل يوم ممكن تخرج بتاع ساعتين كدا تروح تشوف اولادها و مامتها فلو ينفع تستني عشر دقايق كدا هي كانت بتغير و أنا طالعة. ★★★★★★★ عندما تقدمت خطوتها الأولى داخل غرفته، تسلل عطرها إلى أنفه فأغمض عينيه مستمتعًا بشعور الأمان الذي يجتاحه بتواجدها معه، وضعت أمامه الطعام و ابتسمت قائلة: _ عامل إيه يا «أحمد» ؟ وحشتني؟ لم تكن تعني كلمتها الأخيرة بالمعنى الحرفي، و لكنها رغبت في منحه شعور الاهتمام، ليعلم أن هناك من يحبه و يريده بخير. فتح عينيه ناظرًا إليها، فلمعت عينيه بوميضٍ من اللهفة و العتاب، فاستدنت بظهرها على الحائط و قالت: _ انا آسفة عشان مجتش الأيام اللي فاتت، بس كان عندي مشكلة. نظر إليها باهتمام؛ ينتظر تفسيرًا لكلماتها، فأكملت بصوت مختنق: _ فاكر بابا «أحمد» اللي قولتلك عليه المرة اللي فاتت؟ لما خرجت من عندك يومها عرفت إنه مات هو و ماما. خانتها عيناها عندما فرت الدموع هاربةً على وجنتيها، فتفاجأت به يُزيل دموعها بأنامله النحيفة المرتجفة، و ينطق بخفوت: _ البقاء لله. لقد سمعت تلك الجملة من الجميع، لكنه جعلها مميزة، و كأنه طبطب على قلبها، فابتسمت بودٍ و قالت: _ و نعم بالله. بدأت تطعمه كما فعلت في المرة السابقة، و قالت بحنان صادق: _ كدا مبقاش عندي غير «أحمد» واحد، و مش هسمح لحد يؤذيه. ★★★★★★ ظلت على هذا المنوال لمدة أسبوع كامل، اقتصرت في يومها على زيارتها لأحمد و إمداده بالغذاء نهارًا، و في المساء تخلد مبكرًا إلى نومها كي تتحاشى زوجها، و تحافظ على المسافة و الفتور بينهما. جاءت إليها «منى» لزيارتها في بداية الأسبوع الجديد، ففضلت «غرام» أن تأخذها إلى غرفتها بعيدًا عن «مالك» الذي يشاهد المباراة في حجرة الجلوس. بادرت «منى» بنبرة جادة: _ مستعدة تسمعي الكلام اللي هقوله؟ هزت «غرام» رأسها وقالت باستعجال: _ قولي قولي، جاهزة اسمع أسوأ السيناريوهات، مفيش حاجة هتبقى أشد عليّ من موت أهلي. _ أنا شوفت تسجيل الكاميرات اللي في محل عم «عبد المجيد» ، أمك رجعت البيت قبل ما المأذون يكتب الكتاب و كانت بعربية «مالك» و الشاب اللي نزل معاها ده شغال في الحراسة اللي عندكم هنا. _ و بعدين؟ _ الغريب بقى إن والدك ظاهر في الكاميرا و هو بيعيط و بيجري داخل العمارة، و بعد والدك ما طلع بحاولي تلت ساعة الشاب اللي كان مع والدتك ده نزل......يعني اعتقادي إن الشاب دا هو السبب في موتهم. أيدت «غرام» اعتقاد صديقتها و قالت: _ و عمل كدا بطلب من «مالك». _ خلينا نقدم شكوى، و سيبي البيت ده و تعالى معايا. اعترضت «غرام» قائلة: _ مينفعش، لسه قاعدة هنا شوية، و موضوع الشكوى ده لا هيقدم و لا هيأخر، لأن «مالك» هيخرج منها زي الشعرة في العجينة. قالت «منى» باستنكار: _ ازاي يا بنتي دي جريمة قتل! تلوى ثغرها ببسمة ساخرة و قالت: _ ببساطة جدًا الفيديو اللي بتقولي عليه ده مش دليل على إدانة «مالك» ، و كمان مش دليل قوى ضد الشاب اللي ظاهر، ف خلينا نأجل الموضوع دا شوية، كدا كدا هجيب حق أهلي. حذرتها «منى» قائلة بقلق: _ بلاش اللي في دماغك دا يا غرام، واضح إن «مالك» صعب و شخص وحشي مش هنعرف نلعب عليه. قالت «غرام» بغموض: _ سبيها لله، عملتي الطلب التاني؟ تزامن رد«منى» ، مع إخراجها مفتاحًا من حقيبتها فقالت: _ اهوه، طلعت نسخة زي اللي كانت مطبوعة على العجينة، أتمنى يكون الصنايعي عرف يعملها مظبوط. ★★★★★★ في تلك الأثناء، قاطعت «سميرة» متابعته للمباراة، عندما جاءت قائلة: _ مستر «مالك» عايزة أقولك حاجة. رد عليها و نظره مثبت على شاشة العرض: _ في ايه؟ أجابته قائلة بحيرة: _ في حاجة غريبة بتحصل بخصوص «أحمد». ضيق ما بين حاجبيه سائلًا بترقب: _ حاجة غريبة ازاي؟ أوضحت «سميرة» قائلة: _ دلوقت أنا كنت بطلع كل يوم ساعة الصبح و ساعة وش المغرب كدا افكه عشان لو هيستخدم الحمام، و كنت بطلع عيش وحلاوة كل ٣ أيام زي ما أنت قولت لي. _ فين الغريب في كدا؟ _ الغريب إنه الأول كان بيخلص الأكل اللي بطلعه دلوقت مبقاش يقرب منه أصلا. قال «مالك» بحقدٍ دون اكتراث: _ عنه ما أكل يا «سميرة»، خليه يموت و نخلص. _ ما هو في حاجة كمان. _ حاجة ايه؟ _ الأسبوع الأخير ده بقيت أسيب الأكل بكميات معينة في التلاجة، و اجي تاني يوم الاقيه ناقص. هتف «مالك» بحدة خفيفة: _ هو احنا هنراقب الأكل؟ ما يمكن تكون «عبير» بتاكل أو «غرام» او ممكن «غرام» بتأكل حد من الحرس....فمش هقعد ادور مين أكل و مين لاء! _ طب حاجة كمان. تنهد «مالك» بصبر أوشك على النفاذ وقال: _ انجزي، لسه ايه؟ _ طلعت امبارح لاقيت «أحمد» مفكوك مع اني متأكدة اني كنت قافلة السلاسل الحديد على إيده، و كمان قابلت الدكتورة نازلة من على السطح. قطب حاحبيه مفكرًا، ثم هب واقفًا بوجه مكفهر، فقد استطاع ربط الخيوط ببعضها، فهدر بغضب مكتوم: _ «غرام» فين؟؟ _ مع دكتورة «منى» في الأوضة فوق. تخطاها «مالك» ، صاعدًا إلى غرفته ناويًا الفتك بها، فقد نفذ صبره و لن يغفر لها بعد الآن. يتبع .........

📜 الفصل الحادي عشر 📜

اندفع إلى غرفته كالثور الهائج دون دق الباب، و تشدق مردفًا بنبرة حازمة لا تقبل النقاش: _ تقدري تمشي دلوقت يا دكتورة. تعجبت «منى» من حالته، فكانت عروقه بارزة، عينيه يتطاير منهما الشرر غضبًا، و قد اختنق الاحمرار في وجهه و كأنه جمر مشتعل، عندما رآها ثابتة في موضعها، صرخ بصوت مرتفع: _ سمعتي قولت ايه؟؟ انتفضت «منى» و اعتراها الخوف، فأشارت إليها «غرام» بعينيها تحثها على المغادرة، فنهضت «منى» ، لتحرك قدميها بخطى متكاسلة تخشى على «غرام» من بطش «مالك» المتوحش. لم تمر ثانية على خروجها من الغرفة، حتى كان «مالك» قابضًا على عنق غرام، لينهرها قائلًا: _ ايه اللي بيطلعك عند «أحمد» ؟ مش حذرتك أكتر من مرة متقربيش من سطح البيت؟ حصل و لا لاء. كانت يده تشتد على عنقها، و بالرغم من محاولاتها في إزاحة يده إلا أنها فشلت، و ما زاد الأمر سوءًا هو إدراكها بمعرفته للأمر، مما جعلها ملجأ لخوفٍ عارم، قد ملأ قلبها و شل حواسها. مرت عليها لحظات ثقيلة، قبل أن تدرك أنها على وشك الهبوط في محطتها الأخيرة، لترتفع بإنضمامها نسبة الوفاة. فعادت تضرب ساعده بيدها الرقيقة، و أغرورقت عينيها بالدموع، لترمقه بنظرات متوسلة، فدفعها للوراء مبتعدًا عنها. وقف يلتقط أنفاسه المتهدجة و كأنه يسابق الغضب، و يحدجها بنظراته الحادة، بينما هي كانت تسعل بشدة، و ارتفع معدل التنفس لديها، انتصبت على قدميها و اقتربت منه لتبرر فعلتها قائلةً بنبرة متقطعة: _ أنا عملت كدا عشان، كنت خايفة عليك. افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة، و أردف مستنكرًا: _ دا على أساس ايه بقى؟ فاكرة نفسك بتكلمي عيل صغير!! صرخ في جملته الأخيرة، فحركت رأسها رفضًا، و تحدثت من بين شهقاتها: _ لاء أنت مش صغير، بس صدقني أنا بحبك و بثق فيك و الدليل على كدا إني مسألتش مين الشخص اللي فوق ده و لا أنت حابسه ليه، عارف ليه؟ عشان أنا بثق فيك و عارفة إن عمرك ما تعمل حاجة غلط، بس كمان لما عرفت إنك بتأكله كل تلت ايام مرة، خوفت يموت أو يحصله حاجة بسبب قلة الاكل و ساعتها أنت هتبقى في مشكلة، أنا ميهمنيش الشاب ده، بس أنت تهمني و خايفة عليك.... اقتنع بحديثها بعض الشيء و لكن ليس كليًا، فكان يطالعها بنظرات من الشك، فأكملت «غرام» و هي تمسك بيده: _ «مالك» أنت عارف إني بحبك، بلاش تخلي سوء التفاهم ده يعمل بينا مشكلة يا «مالك» ، أنا بحبك و الله. أبعدها عنه بعنفوان، و خرجت كلماته بصرامة: _ الأهم من إنك تحبيني هو إنك تسمعي كلامي، المرة دي هكتفي بحبسك هنا في الأوضة كعقاب ليكي و شغلك اللي كان مفروض تنزليه من بكرا دا تنسيه. مسحت خديها بظهر كفيها، و أومأت قائلة بحنو و ندم: _ معنديش مشكلة يا «مالك» ، أهم حاجة إنك تسامحني يا حبيبي، أنا متقبلة أي عقاب يا حبيبي. أغلق عليها الباب و احتفظ بالمفتاح في وحدة إدراج تستقر بين الغرف، و توجه إلى «أحمد» ليصب عليه ما تبقى من غضبه، فجعل يضربه بحزامه الجلدي بغضب و عنف، دون أن يحفل بآلامه و جسده الذي أصبح لوحة يُرسم عليها بفرشة التعذيب. اكتفى من جلده عندما أصابه الألم في ذراعه، فألقى الحزام من يده، و جلس أمامه يلتقط أنفاسه، قبل أن يرمقه بنظرة تقيمية من رأسه إلى أخمص قدميه، ثم هدر بغضب تتخلله الغيرة: _ نفسي أعرف بيحبوك على ايه؟ فيك ايه مميز عني عشان يبقوا كويسين معاك كدا؟ دا أنت لا جمال و لا حتى ذكاء، فيك ايه يتحب عني؟؟! كان «أحمد» صامتًا في البكاء، فاسترسل «مالك» صراخه قائلًا: _ رد عليّ! بيحبوك عني ليه؟؟ تراخت نبرته و تغيرت تمامًا، ليتحول من فهد مفترس إلى حمل وديع: _ بس أنت المفروض تشكرني يا «أحمد» ، عارف ليه؟ أشار بيده إلى مصدر الضوء قائلًا: _ لأن لو أنا بتفرج على كاميرا المراقبة كل يوم مكنتش أنت هتعرف تاكل أكل حلو، ولا كنت لاقيت حد يودك أو يعبرك غير «سميرة» اللي كشفت مكرك و رغبتك إنك تسرق مني مراتي. انتصب «مالك» على قدميه واقفًا، فظهرت قامتها الفارعة، و تحرك ليقف مباشرة أسفل الضوء، ثم شرع برأسه ناظرًا لأعلى بأعين ضائقة: _ محدش واخد باله إن دلاية النور فيها كاميرا مراقبة بتصور كل حاجة ٣٦٠ درجة و بالصوت كمان، يعنى دبة النملة عندك هنا متسجلة. ★★★★★★ منع عنها الخروج من غرفتها و سلبها هاتفها الخلوي، و أكد على «عبير» أن تكتفى بعملها في المطبخ، فأصبحت «غرام» تحت مسؤولية «سميرة» التي تذهب إليها بالطعام يومياً إن لم يتواجد «مالك» في البيت. قلة من الأيام و لم تستطع «غرام» البقاء على هذا الوضع، فأوقفت «سميرة» ذات مرة، بينما كانت تحضر إليها الطعام، و قالة برجاءٍ أجادت تصنعه: _ ممكن اطلب منك طلب يا «سميرة» بعد إذنك؟ _ طبعًا يا دكتورة، اتفضلي. _ عايزة أشوف عبير، ينفع تخليها تيجي تقعد معايا شوية؟ ضيقت «سميرة» حاجبيها و قالت باستغراب: _ عبير! اومأت «غرام» برأسها و أكدت: _ أيوه عبير، عشان خاطري يا «سميرة»، أوعدك هما خمس دقايق بس. اعترضت «سميرة» قائلة: _ بس أستاذ «مالك» مانعها تطلع هنا، و مأكد عليّ محدش يقابلك غيري. _ خمس دقايق بس يا «سميرة» و الله، و كدا كدا لو أنتي مقولتيش ل«مالك» هو مش هيعرف. تنهدت «سميرة» و قالت: _ حاضر يا دكتورة، هنزل و ابعتها. ابتسمت غرام، و قالت: _ طيب عايزة مساعدتك في حاجة كمان. _ ايه؟ _ عيد ميلاد «مالك» كمان يومين، عايزاكي تساعديني أعمل عشا رومانسي هنا في الأوضة. ردت عليها «سميرة» بترحاب: _ مفيش مشكلة، شوفي انتي حابة نحضر ايه و أنا معاكي. صفقت «غرام» بيديها، و رددت بحماس زائف: _ حيث كدا بقى لما تبقى فاضية عرفيني اكتبلك شوية طلبات تجبيهم أو تخلي حد من الشباب يروح يجيبهم. ★★★★★★ و أخيرًا و بعد طول انتظار، قد أتى اليوم الفاصل، إنه نقطة الحسم و التحول في حياة أحدهم، رغبتها في القضاء على استبداده و سيطرته التى أصبحت حق مكتسب بالنسبة إليه، جعلتها تلقى بحياتها و مستقبلها على حافة الهاوية. صنعت ديكورًا لطيفًا بالورود الحمراء، و أضافت إليها طابع رومانسي باستخدام شموع بيضاء تنتشر في الغرفة، و تجهزت «غرام» بارتدائها فستانًا ذهبي اللون، قد لاق كثيرًا مع بشرتها الداكنة، و نسقت مع فستانها القصير زوج من الأقراط الفضية المشابهة لقلادة عانقت عنقها في رقة و جمال. طالعت انعكاسها في المرآة، و حاولت بث الشجاعة في نفسها هامسة: _ إنتي قدها يا غرام، هانت و الكابوس دا ينتهي، إنتي قدها. استغنت عن الإنارة الكهربائية، كما تخلت عن خجلها و خوفها، و فضلت ضوء الشموع اللامع، سمعت طقطقة خفيفة صادرة من الباب، فأدركت أنه قد وصل أخيرًا من عمله. تزامنت أولى خطواته مع استخدمها أنبوب المفرقعات الورقية، و هنأته قائلة بحبور: _ Happy birthday, baby! ألقت تلك الأنبوب الورقية من يدها، و احتضنتها بين ذراعيها، قبل أن تبتعد عنه قائلة بدلال لا يليق بسواها: _ ربنا يخليك ليا يا «مالك» ، يارب العمر كله مع بعض يا حبيبي. ★★★★★★ تأكدت «عبير» من دخول «مالك» إلى غرفته، ثم تحركت مباشرة إلى المطبخ لتحمل صينية متوسطة الحجم، تعددت عليها أنواع العصائر، و انطلقت لتعطى ما بحوزتها لرجال الحرس المنتشرين حول المنزل، و لم تغفل عن إعطائهم قطع من الكيك، لتخبرهم أنه يقدم إليهم بناءًا على طلب من «مالك» ، ليحتفلوا معه بعيد ميلاده. بينما يتردد في عقلها صوت «غرام» التي أكدت عليها قائلة بجدية: _ لازم الكل ياكل الكيك أو يشرب من العصير يا عبير. ★★★★★ ساعدته في نزع الجاكت الخاص ببذته، ثم سحبته من يده قائلة: _ خلينا نتعشى الأول، أنا طلبت من «سميرة» تعمل الأكل اللي أنت بتحبه. كان لديه شيء من النرجسية و الغرور، يخبره بأنها تأكيدًا لن تُعجب بذلك الشاب الرَثّ، و بالفعل هو فقط من تهيم به عشقًا، فها هي لم تعترض على عقابه، و إنما تحاول إرضائه بشتى الطرق. بدأ يتناول طعامه، و هو يسترق النظرات إليها، فكانت تتحدث إليه بسعادة و حب عارم أجادت تصنعهما. ★★★★★★ و كأن عاصفة من النوم قد هبت على عاملى البيت، بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق، غافلين عن وصول أربعة من السيارات السوداء، و قد ترجل منهم ما يزيد عن عشرة رجال. كانت ملابسهم شديدة السواد، و قد أُخفيت وجوههم أسفل قناعٍ قماشي أسود، لم يُظهر سوى أعينهم. يتبع.........

📜 الفصل الثاني عشر 📜

و كأن عاصفة من النوم قد هبت على عاملى البيت، بمن فيهم «عبير» و «سميرة»، فقد سقطوا في أماكنهم ذاهبين في ثبات عميق، غافلين عن وصول أربعة من السيارات السوداء، و قد ترجل منهم ما يزيد عن عشرة رجال. كانت ملابسهم شديدة السواد، و قد أُخفيت وجوههم أسفل قناعٍ قماشي أسود، لم يُظهر سوى أعينهم. ما إن اقتربوا مباشرة من الباب الداخلى للمنزل، فُتح لهم الباب و كأن هناك من ينتظر قدومهم، تسلل جزء منهم إلى ظهر المنزل، دون أن يصدورا صوتًا قد يسلط الضوء عليهم. و بقي الجزء الآخر لتأمين الطريق. كانت لديهم نسخة من المفتاح الخاص بغرفة «أحمد» ، الذي أصابه الزعر لرؤيتهم، مما جعله يشدد يديه محتضنًا ركبتيه، فكان ملتصقًا بحائط الغرفة، و لا مجال للهروب منهم. اقترب منه أحدهم مطمئنًا، و بدأ في نزع السلاسل الحديدية بعيدًا عنه إلى الأبد، و عندما حاول الرجل مساعدته على الوقوف، دفعه «أحمد» أرضًا. فخرج صوت الآخر، ليتضح من نبرتها الرقيقة أنها أنثى، فقالت: _ هو أكيد خايف حاول تطمنه. امتثل لحديثها و أردف بصوت خافت: _ متخافش يا «أحمد» ، احنا هنا عشانك، لازم تيجي معانا عشان تبعد عن أذى «مالك». حرك «أحمد» رأسه تكرارًا للرفض، و نطق بتلعثم: _ امشوا من هنا مش عايز اجي معاكم، امشوا من هنا. حاول الشاب أن يأخذ بيد «أحمد» الذي حرك جسده بعشوائية، فنتج عن ذلك إزاحته للطاولة الخشبية الموضوعة جانبًا فارتطمت أرضًا. و نجم عن ذلك صوتًا مزعجًا، ارتفع صداه في المكان. ★★★★★★★ انتبه «مالك» إلى ذلك الصوت، فلم يكن الفاصل بين غرفته و غرفة «أحمد» سوى الكتلة الخرسانية التى تعمل كسقفٍ لغرفة «مالك» ، و الذي بدوره ترك من يده كأس العصير، ناظرًا إلى الأعلى بإنصاتٍ و اهتمام، و كأنه يستشف ما يحدث عند أسيره. ابتلعت «غرام» ريقها بتوتر، قبل أن تمتد يدها لتتلمس الخاصة ب «مالك» ، و هي تقول في خطوة لإرباكه: _ ايه رأيك لو........... قاطعها «مالك» عندما أشار إليها بإصبعه كي تكف عن الحديث. ★★★★★★★ على الجانب الآخر نظر الشاب إلى رفيقته قائلًا: _ مش معاكي مخدر؟ هاتيه. اعترضت الفتاة قائلة: _ ما بلاش مخدر، حاول تطمنه زي ما «غرام» قالت. زجرها الشاب قائلًا: _ دا مش وقت يسمح لنا نطبطب و نطمن، اخلصي هاتي المخدر بدل ما نرجع من هنا من غيره، أو الكافر اللي تحت ده ميخلناش نرجع أصلا. ناولته قنينة زجاجية صغيرة، و قطعة من القماش، و بينما كان يصب المخدر فوق قطعة القماش، باغته «أحمد» و أسقط القنينة من يده، فتهشمت و انتشر ما بها أرضًا. و بالرغم من ذلك، أطبق الشاب القطعة المبتلة على أنف «أحمد» ، الذي حاول جاهدًا أن ينفلت من بين يديه، و لكن باءت محاولاته بالفشل. رفعه الشاب على كتفه و أشار للفتاة بالتحرك، لتخرج أمامه و من بعدهم خمس رجال. ★★★★★★ التقط سمعه الصوت الناتج عن انكسار القنينة، فهب واقفًا كمن لدغته حية، قائلًا بشك: _ في حاجة بتحصل فوق. و بالفعل قد دنا «مالك» من الباب، تحت نظراتها المتوجسة، فتحركت سريعًا لتمنعه من الخروج، لكنه فعليًا قد فتح باب غرفته تزامنًا مع هبوط الآخرين على الدرج، فأدارت وجهه إليها وعاتبته بدلالٍ أجادت تصنعه: _ يعني كل ما يبقى لينا وقت خاص تسيبني و تروح عند اللي فوق ده! شعر بدوارٍ في رأسه، و تشوشت رؤيته متعجبًا: _ ايه اللي بيحصل! لم تكن هي في حالة أفضل منه، بل أصابها ما أصابه، فتراجعت إلى الأريكة و قالت: _ حاسة نفسي دايخة. رمقها «مالك» بنظراته الناعسة، قبل أن يتحرك ليجلس على طرف فراشه مرددًا: _ و أنا كمان. ★★★★★★ أفاضت الماء على وجهها، فنهضت مذعورةً من سباتها كمن أفزعه كابوس لاذع، كان وجهه المتهجم و نظراته التي ترميها بسهام الغضب المشتعلة، تكاد تجزم في تلك اللحظة أنه إن كانت النظرات تحرق، لكانت «غرام» الآن تُحسب ضمن التراب. لم يعطها تفسيرًا لفعلته، و لم ينطق بحرف واحد من شفتيه، بل نطق ذراعه عندما امتد إلى خصلات شعرها القصيرة جاذبًا إياها بعنف مفرط. كان يجرها خلفه كمن يسحب حزمة من القش، لم يكترث بصراخها، و توسلها إليه كي يتركها. دلف بها إلى الغرفة التي غادرها «أحمد» ، لتبدأ رحلتها في عذاب زوجها الوحش الكاسر، دفعها أرضًا فتأوهت بشدة، فقد اخترقت القطع الزجاجية ساقها، تغاضت عن الدم المتدفق من قدمها، كما تغاضى «مالك» عن آلامها تمً، و قرر أن يغدق عليها بآلام جديدة، عندما بدأ ضربها بحزامه الجلدي كما فعل سابقًا مع «أحمد». دوى صراخها في أرجاء الغرفة، كمن يعزف لحنًا حزينًا يقطع نياط القلوب، و رغم ذلك فهو لم يشفق عليها و إنما زجرها قائلًا: _ صوتك دا يتكتم، مش أنتي اللي هربتيه! يبقى تستحملي و تاخدي دوره بقى. حركت رأسها نفيًا، و حاولت الدفاع عن نفسها قائلة: _ أنا معملتش حاجة، معملتش حاجة. دنا منها، ليعتصر فكيها بين قبضته الغليظة، و تحدث بأنفاس متهدجة: _ متكذبيش، أنا سمعت في تسجيلات المراقبة الناس اللي بعتيهم و هما بيتكلموا عنك. اتسعت حدقتيها، و اختنقت الكلمات في حلقها، فلم تكن تعلم شيئًا عن تلك الكاميرا، أغمضت عينيها بألمٍ أدركت الآن أنه لن ينتهي، فقد سقطت بين براثن الوحش. ابتعد عنها قائلًا بتوعد: _ هخليكي تلعني اليوم اللي اتولدتي فيه، و إلا ميبقاش اسمي «مالك». تركها و غادر، لتنزوي بنفسها، و انخرطت في بكاءٍ مرير، حسرةً على ما قد آلت إليه الأمور، يا لحظها العاثر؛ لقد حافظت على قلبها و مشاعرها، لم تسمح لشاب قط بالتودد إليها، حتى ظهر هو بأسلوبه الناعم وقسوته المغطاة بوشاح وثير من الطيبة و الحنان. لقد اختارته و فضلته عن الجميع، فقابل حبها بخذلان لن يغتفر، و بدلًا من منحها بيتًا جديدًا، هدم بيتها و استقرارها العائلي فوق رأسها، حرمها أمنها وأمانها، فقدت الاحتواء من أمها، و خسرت من عاشت دائمًا تحتمي بظهره. ليتها علمت مسبقًا بأنه اختيار خاطئ، فكيف للمَرْء بإكمال حياته بعدما تعرض قلبه إلى خيبة أمل، و عاش مرار الانكسار، من أين لها بالقوة كي تنسى أوجاعها! يحتاج قلبها إلى جرأة كبيرة للوقوع في الحب مجددًا. قُطعت وصلة بكائها، عندما لاحظت سكينًا يُمرر إليها من فتحة صغيرة أسفل الباب. ★★★★★★ تراص الحرس أمامه كالمذنبين، فصرخ «مالك» في وجههم مستغربًا: _ كنتم فين يا بهايم لما هما دخلوا البيت؟ قال مشغل عندي حرس، دا أنتم عايزين اللي يحرسكم! تحدث واحدًا منهم دون أن يرفع عينيه عن الأرض: _ و الله يا «مالك» بيه احنا كنا شايفين شغلنا كويس لحد ما حضرتك بعت لنا العصير و الجاتو، من بعدها نمنا كلنا. ضيق ما بين حاجبيه قائلًا باستنكار: _ عصير ايه؟ أنا مبعتش حاجة. تدخلت «سميرة» التي طلت من الخلف، قائلة: _ العصير دا بعتته دكتورة غرام. أومأ برأسه متفهمًا: _ كدا العبارة وضحت. ★★★★★★★ سحب كرسي خشبي، و جلس أمامها واضعًا قدمًا فوق الأخرى، و تحدث بنبرة هادئة: _ يعني عيد الميلاد دا كان خطة منك عشان تهربي «أحمد» ، غدرتي بيا ليه؟ تعرفي «أحمد» دا منين عشان تعملي كدا عشانه؟؟ كانت تعلم أن هدوءه هو ما قبل العاصفة، لم تجبه فقط تستمع إلى حديثه، فاسترسل «مالك» بنبرة ماكرة: _ بس أنا مينفعش حد يعلم عليّ، مينفعش انتي تعملي حاجة تزعلني، مع أنا اللي بدأت على فكرة. نظرت إليه بأعين ضائقة و كأنها تنتظر تفسيرًا، فأضاف بصوتٍ يقطر منه الشر: _ عارفة عملت ايه؟ أنا قتلت أهلك، أيوه أنا السبب. قهقه عاليًا بوتيرة جنونية، قبل أن تتهادى ضحكته قائلًا: _ أبوكي عرف موضوع «أحمد» دا قبل كتب الكتاب، و عشان كدا كان لازم اخلص منه، أصل أنا كنت معجب بيكي و عايز اتجوزك، و عشان كدا بقى قتلته و قولت ابعت معاه امك تونسه و الموضوع يبان إنه مجرد حادثة بسبب أنبوبة الغاز. انهمرت دموعها بتتابع متزايد، و أردفت بلهجة من الندم: _ أنت بلاء، أنت لعنة دخلت على حياتي. تلوت شفتيه ببسمة ساخرة، و قال بصوت كالفحيح: _ لاء و لسه اللي هعمله دلوقت، هيخليكي تكرهيني و تدعي عليّ عمرك كله، أنا مرحمتش اللي حبتها مابالك بقى اللي يادوب معجب بها شوية صغيرين! لم تفهم ما يرمى إليه، حتى وجدته يحاول التقرب منها، فدفعته بعيدًا بأنفاسٍ منبعها النفور، فنظر إليها بعصبيةٍ و غضبٍ شديد، و عاد يضربها بلا رحمة، قبل أن يسيطر عليها بذراعيه. كانت ضعيفة و ضئيلة الحجم مقارنة به، لكنها لم تستسلم بل عافرت و جعلت تتحرك بعشوائية حتى وصل بهما الأمر إلى جانب الفراش، و هنا امتدت يدها إلى السلاح الأبيض الذي قد أخفته في الفاصل الصغير بين الحائط و السرير. و على حين غرةٍ، تفاجأ «مالك» بطعنة تخترق معدته، لقد فاقت توقعه بتصرفاتها الشرسة. ها هي تثأر لنفسها و لوالديها، انفجر بركان غضبها دون سابق إنذار، لتحرقه و تلقنه درسًا على أفعاله الشنيعة التي لا تغتفر، كررت فعلتها مرة أخرى دون أن يرف لها جفن، كانت تطالعه بنظرات من الكره، و نار الانتقام التي اعتمرت بصدرها. أعلنت ركبتيه الانسحاب، و خارت قواه، فوجد نفسه طريحًا على الأرض، فرت دموعه هاربة، بعدما خرجت منه آهة حارقة، بينما هي استوت على أقدامها و رفعت عينيها لتتقابل بأعين «سميرة» التي قد حضرت لتوها، فكانت تطالعها بنظرات من الجمود. يتبع............

📜 الفصل الثالث عشر 📜

ها هي تثأر لنفسها و لوالديها، انفجر بركان غضبها دون سابق إنذار، لتحرقه و تلقنه درسًا على أفعاله الشنيعة التي لا تغتفر، كررت فعلتها مرة أخرى دون أن يرف لها جفن، كانت تطالعه بنظرات من الكره، و نار الانتقام التي اعتمرت بصدرها. أعلنت ركبتيه الانسحاب، و خارت قواه، فوجد نفسه طريحًا على الأرض، فرت دموعه هاربة، بعدما خرجت منه آهة حارقة، بينما هي استوت على أقدامها و رفعت عينيها لتتقابل بأعين «سميرة» التي قد حضرت لتوها، فكانت تطالعها بنظرات من الجمود. ★★★★★★ على صعيدٍ آخر. فتح عينيه ليري ضوء الحياة مرة أخرى، اعتدل جالسًا على مهاده المريح، فأخيرًا قد حصل على قسط من الراحة، بعد عام كامل من التعذيب، و النوم على أرضية الغرفة الصلبة. جالت حدقتيه في المكان بنظرة تفقدية، قبل أن ينهض ليبحث بنفسه عن ماهية البيت الذي أحضروه إليه، ما كاد يخرج من غرفته حتى تناهي إلى سمعه صوت أنثوي تتسلل منه رجفات الخوف: _ أنا مش عارفة هنعمل ايه! بس لازم نتصرف لأن «عبير» قالت لي إن «مالك» بيعذب «غرام» بدل «أحمد». رد عليها زوجها بنبرة تهكمية: _ أنا مش عارف «مالك» دا عبارة عن إيه، دا الوحش بياخد وقت على ما ينقض على فريسة تانية، دا مش بيضيع وقت!!! _ دا متوحش يا «مؤمن» ، «غرام» ملهاش ذنب تعيش العذاب ده. زفر «مؤمن» زفرة حارة، و قال لائمًا: _ أنا قولتلكم يا جماعة إنها لازم تيجي معانا، اهو اللي خوفت منه حصل، ربنا يستر و نلاقي طريقة نخرجها بيها من هناك. _ أنا عايز أشوف غرام. كان هذا صوت «أحمد» الخافت، بالكاد قد سمعاه، فالتفتا إليه، و تحرك إليه «مؤمن» مطمئنًا: _ متقلقش يا «أحمد» «غرام» هتبقى كويسة و هتيجي. أومأ «أحمد» برأسه و انسحب عائدًا إلى غرفته. ★★★★★★ تلفظت «غرام» قائلة بحزن: _ مكنش قدامي حل تاني. خرجت «سميرة» عن صمتها و قالت: _ خلينا نمشي من هنا. مرت عليهما لحظات قصيرة، و هما تتذكران كيف انتهى بهما المطاف هنا. «استرجاع» _ «مالك» حابس شاب فوق و بيعذبه، و عايزاكي تساعديني نخرجه من هنا. وُجهت تلك الجملة إلى عبير، و لكن جاء الرد من «سميرة» التى دلفت إليهما قائلة: _ أنا اللي هساعدك يا دكتورة. قطبت «غرام» حاجبيها تعجبًا و قالت: _ ايه اللي يخليكي تساعديني و تغدري بـ «مالك»! أردفت «سميرة» بضيق و نفور: _ دا واحد معندوش رحمة، و ملهوش أمان، إذا كان غدر بصاحبه و بنت عمه، ليه أنا أكون مخلصة ليه و هو ممكن يقلب عليّ في أي وقت!! سألتها «غرام» بفضول واضح: _ و لما إنت مش حابة اللي بيعمله، ليه بتشتغلي معاه لحد دلوقت؟ و بالرغم من معرفتك باللي بيعمله مبلغتيش الشرطة؟ ردت عليها «سميرة» مستنكرةً: _ هبلغ عن مين يا دكتورة! إذا كانت «چنى» نفسها فضلت ساكته على اللي حصل معاها، أنا اللي هتكلم!! و كمان مفيش معايا دليل ضده، إنه حابس «أحمد» صاحبه دا مش كافي للإدانة، و بصراحة أنا أول ما اشتغلت هنا مشغلتش بالي بالموضوع ده كان كل اللي يهمني إني بقبض و خلاص، و أهل البيت يكش يولعوا في بعض أنا مالي! _ و ايه اللي اتغير؟ _ اللي اتغير إني بدأت أحس إني بشارك في اللي هو بيعمله في «أحمد» ، بالرغم من اني مش بعمل حاجة غير بطلع الأكل بس، لكن بردو أنا مش مرتاحة و عشان كدا أنا هساعدك و أريح ضميري. تنهدت «غرام» بإرتياح، و قالت: _ طيب يا «سميرة»، عايزاكي تعرفي «مالك» محتفظ فين بالفون بتاعي و لو تعرفي تجبيه أكون شاكرة جدًا. اومأت «سميرة» برأسها و قالت: _ تليفونك تحت في مكتبه، هجيبه حاضر. أضافت «عبير» قائلة: _ طيب و أنا هعمل ايه؟ أجابتها «غرام» بنبرة جادة: _ إنت بقى مطلوب منك تشربي كل الشباب الي برا عصير فيه مُخدر، و إنتِ كمان تشربي منه يا عبير، لكن «سميرة» لاء. و بالفعل انتهزت «سميرة» غياب «مالك» عن البيت و أعطت «غرام» هاتفها لتتواصل مع الطرف الآخر الذي من دونه لن تكتمل المهمة. و ظهرت «سميرة» و هي تستقبل الملثمين ليلة أمس، و ظهرت مرة أخرى و هي تمرر السكين إلى «غرام» من أسفل الباب. «نهاية الاسترجاع» تحركت «سميرة» لتأخذ «غرام» التي شعرت و كأن قدميها قد التصقتا في موضعهما، ثم تركت يدها عندما وصلت إلى ردهة الطابق المتوسط، و أردفت بنبرة جادة يشوبها الحذر: _ خمس دقايق يا دكتور، هاتي حاجاتك المهمة و الأوراق الرسمية اللي تخصك و تعالي فورًا، و أنا هعمل حاجة ضرورية و جاية. كانت تتصبب عرقًا، و سألتها بتوترٍ زائد: _ هنخرج من هنا ازاي؟ الحرس تحت كتير. _ هنولع في البيت. _ نعم! ردت عليها «سميرة» بقلة حيلة: _ مفيش حل تاني غير كدا، لازم نلهيهم في حاجة عشان تعرفي تخرجي من هنا. أومأت لها غرام، و انطلقت تلملم أغراضها الهامة، و بعض من ملابسها، بينما قصدت «سميرة» مكتب «مالك» لتعبث قليلًا بحاسوبه الإلكتروني، قبل أن تنهي هدفها بضغطة واحدة تمحو بها تسجيلات المراقبة الخاصة بغرفة «أحمد» ، ثم التقطت هاتف «غرام» و عادت إليها مجددًا و لكن هذه المرة بصحبة عبير. حملت «غرام» حقيبة على ظهرها، كتلك الخاصة بالرحلات، بعدما ضمت خصلات شعرها و أحكمتها برباطٍ مطاطيٍ أسود. و بادرت بالحديث قائلة: _ أنا جاهزة. حركت «سميرة» رأسها بخفة، و قالت: _ إحنا هننزل دلوقت و نستنى في أوضة المعايش، و إنت يا «عبير» كل اللي عليكي هتولعي عود كبريت و ترميه على الأرض في أوضة «مالك» و واحد في الطرقة هنا و تصوتي. مرت عليهما قلة من الدقائق، ثم دوت في المنزل صافرة الإنذار، لتشق هدوء المنزل و تزلزل جدرانه، و سرعان ما انطلقت «عبير» في الصراخ كشلالٍ لا يتوقف، فاندفع رجال الحرس إلي الداخل واحد تلو الآخر، حتى تزاحموا في الطابق العلوي يحاولون إطفاء الحريق. و هنا أُتيحت الفرصة للهروب من عرين الأسد، تقدمت «غرام» مهرولة و من خلفها «سميرة» و كأنها تحمى ظهرها، و أخيرًا بعد مدة طويلة من قبع الهواء في صدرها، استطاعت «غرام» أن تتنفس الصعداء. ★★★★★★ جعل يتحرك زاحفًا، إلى أن وصل إلى بداية الدرج، فتحامل على نفسه، و جاهد بما تبقى لديه من قوة، و استوى على قدميه، بالرغم من نزيفه المستمر، و أنفاسه المتقطعة. كانت وقفته تفتقر للصلابة، مما جعله يتخذ من درابزين السلم عكاز يتكأ عليه، فكان يهبط الدرج بضعف شديدٍ، و ألم متزايد و كأن كل ما تسبب فيه من أذًى للجميع، تكاتف و انصب فوق رأسه الآن. كان دمه يترك أثرًا من خلفه، و عبراته تسبقه للأمام. لقد كان وقتًا ثقيلًا ، مر عليه كدهر من الزمن، لكنه استطاع في نهاية الأمر أن يصل إلى منعطف الدرج الذي يقابل الدور المتوسط حيث رجاله يطفئون النيران المشتعلة، فنطق باسم أحدهم، قبل أن تنعدم رؤيته و يسقط مغشيًا عليه. ★★★★★★★ تتفقد ساعتها اليدوية بين الفينة و الأخرى بقلقٍ ظاهر، حتى تعالا صرير الباب و هو يفتح، هبت واقفة لترى من القادم، فاتسعت ابتسامتها فورما رأت «غرام» برفقة زوجها. ركضت إليها و استقبلتها بعناقٍ دافئ، و قالت بسعادة و ترحاب: _ الحمدلله، الحمدلله إنك بخير يا غرام، أنا كنت خايفة عليكي اوي. منحتها «غرام» ابتسامة خفيفة وقالت: _ الحمدلله بخير، متقلقيش عليّ. تدخل «مؤمن» قائلًا: _ خليها ترتاح شوية يا «صبا». اعترضت «غرام» قائلة بقلق: _ لاء أنا عايزة أشوف «أحمد». ★★★★★★★ أدارت المقبض، و فتحت الباب برفقٍ، و خطت إلى الداخل و عينيها تبحث عنه، فوجدته قد تكور في مهاده كطفلٍ يخشى الظلام. دنت منه و اعتلت طرف الفراش و هي تتأمل حالته التى أصبح عليها بفضل ذئبٍ بشري. قبل أن تنطق شفتيها، تسلل عطرها الذي ضعف أثره إلى أنفه، فسرق من الهواء شهيقين متتاليين، ليتأكد بأنها من قدمت إليه، ثم التفت إليها معتدلًا في جلسته، و بحركة سريعة أصبحت بين ذراعيه. يتبع...........

📜 الفصل الرابع عشر 📜

دُهشت من فعلته، فبدا جسدها متجمدًا، فلم تعرف كيفية التصرف، و أضاف «أحمد» جزءًا جديدًا إلى ذهولها قائلًا: _ وحشتيني. ابتلعت ريقها و كأنها تصنع ممرًا لكلماتها، فخرجت عن صمتها قائلة: _ و أنت كمان يا «أحمد». ابتعدت عنه و أكملت بابتسامة دافئة: _ من النهاردة مش هسيبك أبدًا، متخافش. رد عليها قائلًا: _ بس أنا قلقان عليكي، مترجعيش تاني عند «مالك». تزامنت كلمته الأخيرة مع دمعة هاربة من عينيه، فامتدت أناملها الرقيقة و أزالتها سريعًا، ثم قالت: _ «مالك» خلاص مبقاش موجود، انساه يا «أحمد». ★★★★★★ انتقلت إلى غرفة تجاور غرفة «أحمد» كي تستريح قليلًا، لكنها قررت أن تعرف القسم المجهول من قصة «أحمد»، و «چنى»، التقتطت الدفتر الخاص بـ«چنى»، بينما يتردد في ذهنها صوت «سميرة» قائلة: _ دا الدفتر اللي كان موجود في أوضة «چنى». جلست القرفصاء، و شرعت في القراءة بعينيها، كان صمت الغرفة لا يُسمع فيه سوى صوت تقليب الصفحات، بدا الأمر روتينيًا في أولى الصفحات، ثم رويدًا رويدًا بدأت تغوص بين السطور، و ذلك عندما بدأت الكلمات في إشباع فضولها، حيث دونت «جني» قصة هلاكها قائلة: _الدنيا كلها اتغيرت لما «مالك» قرر يخرج معايا في عيد ميلادي، في اليوم ده قابلنا «أحمد» بالصدفة، و اللي كان مقرب جدًا من «مالك» و كانوا بيحبوا بعض، بالرغم من إنهم مكنوش قد بعض سنًا و لا حتى زمايل دراسة، لكني عرفت إنهم اتعرفوا على بعض لما «أحمد» كان محتاج محامي يخلص له بعض أوراق شركته اللي لسه قايمة تقف على رجلها. و بصراحة في أول مقابلة «أحمد» مهتمش بوجودي أصلًا، لكن شاء القدر إننا نتقابل تاني في محل إكسسوارات تابع لشركة «أحمد» ، و هنا بدأنا نتكلم و نتعرف لما قولتله إني محتاجة أعمل سوار بتصميم معين، و من هنا بدأ الكلام و المقابلات و حبينا بعض، و قررنا نتجوز، لكن يوم الخطوبة تفاجأت ب«مالك» اللي هو المفروض ابن عمي بيعترف بمشاعره و عايزني أرفض «أحمد» ، لكني رفضت «مالك» و اخترت «أحمد» ، و من بعدها «مالك» غاب عننا لفترة بالرغم من اننا كنا عايشين في بيت عيلة واحد لكن مكنتش بشوفه، لكنه ظهر بعد فرحنا بأسبوعين، و المرة دي كان شخصية مختلفة تمامًا و كأنه اتجنن. استغل سفر أهلي اللي سافروا عشان علاج بابا، و كمان «أحمد» أهله ميتين، و كنا عايشين في شقة لوحدنا، و في يوم اتهجم «مالك» علينا و معاه رجالته اللي ضربوا «أحمد» ضرب مُميت، و اخدوه مني، و سابوني لوحدي مع ابن عمي عشان أتعرف على شخصيته المتوحشة، و اللي معملش حتى حساب العشرة أو القرابة اللي بينا، و اعتدى عليّ و اخدني بيت العيلة تاني و منع عني الخروج من البيت، و بالرغم من علم مرات عمي إلا إنها كانت بتخاف على ابنها و واخدة صفه، و طلبت مني أعيش و اسكت، و بعد تهديدات كتيرة من «مالك» بإني لو حكيت اللي حصل لحد هيحرمني من «أحمد» العمر كله، فبقيت مضطرة أسكت و أعيش على أمل إني أشوف «أحمد» في يوم من الأيام. و بالرغم من حملي اللي كان خطر عليّ و صحتي اللي كانت متدهورة، إلا إن «مالك» مكنش بيبطل ضرب فيا مع إن الجنين كان «مالك» أبوه، و أخيرًا بعد سنة كاملة من العذاب، قدرت إني أشوف «أحمد» تاني لكن متوقعتش إن «مالك» يكون عديم الرحمة أوي كدا و يطلع الفترة اللي فاتت دي كلها حابس «أحمد» على السطوح و بيعذبه. قررت أكتب الكلام دا النهاردة عشان خلاص حاسة إني بموت، بالمناسبة اتخانقت مع «مالك» من شوية و حاول يموتني و خنقني جامد، أتمنى الظلم دا ينتهي، أتمنى «أحمد» يبقى بخير و ربنا يبعتله معجزة تخلصه من عذاب «مالك» ، و يارب «مالك» يختفى من على وش الأرض أو على الأقل يتعاقب على تدمير حياتنا. أغلقت الدفتر و مازال عقلها يحاول أن يستوعب، كيف لبشريٍ أن تنعدم لديه الإنسانية ليصبح وحشًا لا يرحم! حتى عائلته طالهم طغيانه! حركت رأسها رفضًا، عندما اعترض عقلها واصفًا «مالك» بشيطانٍ ماكر، فنطق لسانها بنبرة من الحزن و الحيرة: _ دا الشيطان جنب «مالك» صفر على الشمال، أنا مش لاقية وصف للكائن ده! ★★★★★★★ استندت بذراعها على مقعد التقديم الرخامي، الخاص بالمطبخ، و قالت بود: _ تحبي أساعدك في حاجة يا «صبا» ؟ استدارت لها الأخرى و منحتها ابتسامة لطيفة و قالت: _ لاء أنا خلصت اهو، شكلك معرفتيش تنامي. أطلقت «غرام» تنهيدة مهمومة و قالت: _ فعلاً منمتش، و لا هعرف أنام غير لما «أحمد» يبقى في أمان. نطقت «صبا» بكلمات، لتبث الأمان بداخلها: _ كل حاجة هتبقى بخير، ربنا مش ناسيكم يا دكتورة. _ إن شاء الله، هو ممكن صاحبتي تجيب دكتورة نفسية هنا عشان تشوف حالة «أحمد» و نشوف ايه اللازم؟ ردت عليها «صبا» سريعًا و قالت بترحاب: _ أيوه طبعًا يتفضلوا في أي وقت. ابتسمت لها «غرام» و قالت بامتنان: _ متشكرة جدًا، مش عارفة من غيركم كنت هعمل ايه! تركت «صبا» ما تفعله جانبًا، و تقدمت لتقابل «غرام» في الوقوف و قالت: _ بالعكس يا دكتورة، إحنا اللي المفروض نشكرك، إنت متعرفيش «چنى» و «أحمد» كانوا مقربين مننا ازاي! بس علاقتنا دي اتقطعت لما «مالك» بدأ يسمم حياتهم و خطف «أحمد» و أجبر «چنى» تقطع التواصل معايا. سألتها «غرام» بفضولٍ واضح: _ يعني إنت و چنى مكنتوش على تواصل في الفترة الأخيرة؟ _ إطلاقًا، أنا عرفت باللي حصل دا كله بمسدچ مختصرة من «چنى» ليلة وفاتها، عشان كدا لما عرفت إن «مالك» هيتجوز حاولت أدور على العروسة و جبت رقمك من المستشفى و كلمتك. _ الحمدلله ربنا بعتكم لينا سند، بس إن شاء الله مش هصعب عليكم الموضوع و أول ما الدكتورة تيجي بكرا و تقولي على علاج «أحمد» أنا هاخده و هسافر أسوان عند تيتا. حاولت «صبا» منعها قائلة: _ و لا تصعبي علينا الموضوع و لا حاجة، أنتم تقدروا تقعدوا هنا قد ما تحبوا. بررت لها «غرام» قائلة: _ إنت مش عارفة أنا عملت ايه، كلها يومين بالكتير و الدنيا هتتقلب عليّ. _ لاء عارفة، «عبير» و هي بتكلمني عشان ابعتلكم «مؤمن» حكت لي اللي حصل بينك و بين «مالك» ، و صدقيني مفيش أي مشكلة إننا نقف في ضهركم. _و الله أنا مش عارفة اقولك إيه على ذوقك و اخلاقك، بس لازم نبعد عن هنا قدر الإمكان على الأقل لحد ما «أحمد» يرجع يقف على رجله تاني. _ هو أنا ممكن أسألك سؤال؟ _ طبعًا. نطقت «صبا» سؤالها باستفسار فضولي: _ ليه ساعدتي «أحمد» ؟ و عرضتي حياتك للخطر! تنهدت غرام، وردت بتلقائية حائرة: _ مش عارفة! أنا أول ما شوفته حسيت إن لازم أساعده، كأن تقديم المساعدة دا فرض، مهمنيش «مالك» و لا علاقتنا اللي انتهت قبل ما تبدأ، عارفة لما تحسي إن في حاجة من غيرها حياتك مش هتكمل؟ أومات «صبا» تفهمًا، فاسترسلت غرام: _ أنا بقى حسيت إن لو «أحمد» مبقاش في أمان أنا حياتي هتقف. ★★★★★★★★ اجتمعت «غرام» بالطبيبة النفسية التي جاءت بصحبة «منى» ، في وجود «صبا» و زوجها، ارتشفت الطبيبة الأربعينية رشفتين من قهوتها، ثم أعادت الفنجان إلى قاعدته، و اندرجت في الحديث لتخبرهم عن تشخيصها لحالة «أحمد»: _ بصوا يا جماعة، بناءًا عن اللي أنا شوفته من حالة «أحمد» و الكلام اللي أنتم حكيتوه، فأنا شايفة إن اللي عند «أحمد» ده اضطراب ما بعد الصدمة، يعني لا جنون و لا توحد زي ما أنتم متخيلين. سألتها «غرام» بنبرة من الإهتمام الذي يخالطه القلق: _ طيب و دا هياخد وقت طويل على ما يخف؟ أجابتها الطبيبة بعملية فقالت: _ هياخد وقت دا أكيد، بس مش وقت اللي هو سنين يعني، الموضوع هياخد شهور، إنما كام شهر بالتحديد دا بقى يعتمد عليكم. تدخل «مؤمن» مستفسرًا: _ طب و المطلوب مننا إيه يا دكتورة؟ بدأت تشرح لهم الأمر قائلة: _ لازم تخلوه يحس بالأمان و دايمًا تدعموه، و بلاش تضغطوا عليه، و حاولوا واحدة واحدة تخلوه يرجع يتعامل مع الناس، و أنا هكتب لكم شوية أدوية كدا هتساعد في علاجه، و أي رد فعل غريب منه كلموني، و يُفضل لو تخلوني أشوفه كل فترة، و إن شاء الله لو العلاج مشي زي ما في دماغي في أقل من أربع شهور «أحمد» هيرجع طبيعي جدًا بإذن الله. ★★★★★★★ كادت «منى» أن تغادر مع الطبيبة، فأوقفتها «غرام» و خطت بها بعيدًا، و همست لها قائلة: _ عايزاكي تروحي بيت بابا النهاردة. قطبت «منى» حاجبيها و سألتها باستغراب: _ ليه؟ عايزة حاجة من هناك؟؟ أومأت «غرام» برأسها قائلة: _ أيوه هتروحي البيت و تدخلي أوضة ماما، هتلاقي في الدولاب خزنة سرية في أرضية الدولاب، مفتاح الخزنة دي موجود في جيب جاكت أسود. _ و بعدين؟ _ هتلاقي في الخزنة دي ٥٠ ألف جنيه، هاتيهم و هاتي غويشة دهب من بتوع ماما. اقترحت عليها «منى» قائلة: _ ما بلاش الغويشة و لو محتاجة فلوس أنا معايا. ربتت «غرام» على ذراعها، و قالت بامتنان: _ متحرمش منك يا حبيبتي. ودعتها بعناقٍ دافئ حتى تغادر مع الطبيبة. ★★★★★★★ زال عنه تأثير المخدر الطبي، و كان طلبه الأول هو رؤية مساعده الذي يمثل يده اليمنى في كل أفعاله، دلف إليه ذلك الشاب الذي تواجد في بيت «غرام» قبل وفاة والديها. لم تمنعه حالته عن ارتكاب المصائب، حيث نطق بصوت واهن: _ «غرام» فين يا «معتز» ؟ رد عليه بصوته الأجش: _ منعرفش يا «مالك» بيه، أنا معاك هنا من إمبارح، و معرفش هي اختفت فين وقت الحريقة. ساد الصمت لوهلة من الزمن، قبل أن ينطق «مالك» بصوتٍ متقطع: _ هاتها لو من تحت الأرض، دور عليها هي ملهاش معارف كتير، يا إما عند «منى» صاحبتها أو في بيت أهلها. أومأ «معتز» قائلًا: _ اللي تؤمر بيه يتنفذ. ★★★★★ كان السكون يعم في الأرجاء، و تعمق الليل في عتمته، عندما هاتفهتها «منى» لتخبرها أنها لم تجد المفتاح الذي أخبرتها بشأنه، و لذلك أُجبرت «غرام» على الذهاب إلى منزل والديها، و إحضار المال بنفسها. خرجت من المنزل دون أن تترك لهم خبرًا، غافلة عن «أحمد» الذي تبعها قلقًا عليها و خوفًا من تركه وحيدًا مرة أخرى، صعدت إلى سيارة قد طلبتها عبر الهاتف، و بغتة فُتح الباب، و صعد «أحمد» بجوارها قائلًا: _ جاي معاكي يا غرام. يتبع........

📜 الفصل الخامس عشر 📜

خرجت من المنزل دون أن تترك لهم خبرًا، غافلة عن «أحمد» الذي تبعها قلقًا عليها و خوفًا من تركه وحيدًا مرة أخرى، صعدت إلى سيارة قد طلبتها عبر الهاتف، و بغتة فُتح الباب، و صعد «أحمد» بجوارها قائلًا: _ جاي معاكي يا غرام. اندفعت في ردها عليه و قالت: _ لاء طبعًا، هتيجي فين! اطلع عند «مؤمن» و «صبا». حرك رأسه اعتراضًا، و ذم شفتيه كطفلٍ صغير، و زمجر قائلًا: _ لاء مش طالع، أنا جاي معاكي. نطق بكلمته الأخيرة، و تعلق بذراعها كإثبات لها على إصراره، فتنهدت بقلة حيلة، و تلفظت باستسلام: _ هنروح للعنوان اللي في الابليكشن لو سمحت. بمرور الوقت، تهادت السيارة أمام المبنى السكني، فوجهت «غرام» حديثها إلى «أحمد» و حذرته قائلة: _ خليك هنا و أوعى تنزل من العربية، أنا هطلع الشقة خمس دقايق و نازلة، استناني هنا. _ لاء، هاجي معاكي. كانت نبرته لا تقبل النقاش، و هو لم ينتظر موافقتها، و إنما ترجل قبلها من السيارة، فنزلت هي الأخرى و أخذته معها، إرضاءًا لإصراره. حصلت على المال، و دثته في حقيبتها اليدوية، و قبل أن يتحركا للخروج تناهي إلى سمعهما صوت صرير حاد، نتج عن احتكاك الإطارات بالرصيف. اقتربت «غرام» من النافذة الألومنيوم، و رمقت الطريق بنظرة ثاقبة، أصابت حدقتيها بالاتساع الشديد عندما رأت «معتز» يخرج من السيارة برفقة بعض من رجال الحراسة. شهقت بفزع، و أسرعت الخطى، و هي تسحب «أحمد» من معصمه سحبًا، و توجهت مباشرة إلى شقة جارها العجوز «عبد المجيد». بادرت في دق الباب بضراوة دون توقف، و ما كاد الرجل يفتح الباب، حتى دفعته «غرام» بخفة، لتحتمي «غرام» و معها «أحمد» خلف بابه قائلة بخوف يظهر على وجهها الذي تصبب عرقًا: _ أنا آسفة يا عمو، بس ملقتش غيرك نتخبي في بيته، ممكن تساعدنا عشان خاطر بابا؟ قطب ما بين حاجبيه مستغربًا، و سألها بنبرة من الفضول: _ طبعًا هساعدك يا بنتي، بس مالك كدا! ايه اللي خلاكي تسيبي بيت جوزك دلوقت؟؟ أردفت «غرام» بصوت خافت: _ هقولك كل حاجة، بس توعدني تساعدني. ★★★★★ تعجل عقلها في اتخاذه قرار الفرار، فأنساها إغلاق الباب فأصبح دليلًا يؤكد مجيئها إلى شقة والدها، حيث وقف «معتز» في منتصف الصالة قائلًا: _ أكيد الدكتورة كانت هنا، و خرجت لما شافتنا. أضاف أحد رجاله قائلًا بصوته الأجش: _ يبقى أكيد مخرجتش برا العمارة، تحب نتحرك و نفتش شقق السكان؟؟ أومأ برأسه و قال مؤكدًا: _ دا اللي لازم نعمله، مينفعش نرجع من غيرها، أنا هتحرك أنا و الرجالة و أنت شوف صاحبك اللي قولت هيتتبع مكانها من رقم التليفون دا عمل ايه. كان مقصدهم الأول هي الشقة المقابلة التي سبقتهم «غرام» إليها. ★★★★★★★ انتهت لتوها من قص الأحداث السابقة على سمع العجوز، و قبل أن يمنحها ردًا على ما قالته، صدح طرق الباب في وتيرة مزعجة، فتسارعت أنفاسها، و ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، و عيناها في جولة للبحث عن مفر، بعدما شُل عقلها عن التفكير. قبض الرجل على يدها هامسًا: _ متخافوش، هخليكم تخرجوا من هنا، تعالوا معايا. تغاضى العجوز عن طرق الباب، و أخذهم إلى مطبخ شقته، و أشار بعينيه إلى باب في نهاية المحيط، يبعد عنهم بضع خطوات قصيرة، و قال موضحًا: _ الباب ده هينزلكم على المحل بتاعي تحت. تزايدت طرقات الباب، فتعجلت «غرام» قائلة: _ طيب نزلنا بسرعة. و كان حقًا أن تحفظ «عبد المجيد» عليهم في محله الخاص بالمجوهرات الذهبية، بينما قد استيقظت زوجته إثر الضجيج المزعج، و التى تفاجأت بغيابه عن الفراش، فتحركت و هي تتلفظ باسمه و تناديه، حتى وصلت إلى الباب لتفتحه بوجهٍ ممتعض قائلة بإنزعاج: _ في إيه؟ _ فين الدكتورة؟ كان هذا صوت «معتز» المتعجرف، الذي لم ينتظر ردًا منها، و اندفع إلى شقتهم و من خلفه رجاله باحثين عن غرام، و لم يكترث أحدهم بتلك العجوز التي تصرخ سخطًا عليهم. قابلهم العجوز خارجًا من مطبخه، و تصنع التفاجؤ قائلًا: _ في ايه؟ عايزين مننا ايه؟ رد عليه «معتز»: _ عايزين الدكتورة غرام، هي فين؟ رد عليه «عبد المجيد» مستغربًا: _ و دكتورة «غرام» ايه اللي هيجيبها عندنا، روحوا شوفوها في بيتها! زفر «معتز» و قال متهكمًا: _ لو طلعت مخبيها هتروح في الرجلين. اجتمع الرجال حول «معتز» ليخبروه بأنهم لم يعثروا عليها، ثم أضاف أحدهم ذاكرًا ذلك الباب المغلق في زاوية المطبخ؛ فتلفظ «معتز» آمرًا: _ افتحوه بدل ما نكسره. قال العجوز متلعثمًا: _ دي أوضة المعايش. _ بردو تتفتح، نتأكد بنفسنا. أومأ العجوز و طلب من زوجته أن تأتي إليه بالمفتاح، فتحركت لتبحث عنه، ثم عادت إليهم لتخبرهم أنها لم تجده، فطلب العجوز فرصة للبحث عنه و كأنه قاصدًا ضياع الوقت. بالنسبة إليه فقط طال الانتظار، فأمر رجاله بكسر الباب، حاولا اثنين منهم كسر الباب عن طريق دفعه بالأقدام، كان خشبه ضعيفًا مما جعل لوح الباب ينفصل عن المقبض، فأصبح فتحه سهلًا بالنسبة إليهم كتدميره. حاول العجوز منعهم جاهدًا، مما زاد الشك لدى «معتز» ، و تحديدًا عندما رأي سُلمًا وجهته الوحيدة هي الانحدار. ★★★★★★★★ كان المكان حالك السواد، فشعرت بقربه إليها عندما احتمى بظهرها و شدد من قبضته على ذراعها، فأحست بجسده الذي ينتفض خوفًا، فكان دورها أن لامست قبضته بكفتها و همست له مطمئنة: _ متخافش يا «أحمد» ، أنا معاك. أشعلت الإنارة الخلفية لهاتفها، و مررت الضوء على الأجزاء المحيطة بهم و هي تقول: _ محدش هنا غير أنا و أنت. تبدلت الأدوار عندما تعالت الأصوات القادمة من الباب، فتخلى «أحمد» عن دور الخائف، ليأخذها بين أحضانه و كأنه يخفيها عن الأيادي المؤذية. قبل أن تُبدي ردًا على فعلته، انتفضت فزعة عندما انتشر الضوء حولهما، و ارتفع صوت «معتز» الأجش، و قال ساخرًا: _ دا «أحمد» كمان مشرف مع الدكتورة! أضاف شاب من رجاله قائلًا: _ دا «مالك» بيه هيعطينا مكافئة كلنا. توازن في وقفته، و كأنه لم يُصاب بصدمة قط، و تقدم للأمام بأذرع مددها جانبًا، كفاصل بين «غرام» و بينهم، و خرج صوته واثقًا لمرته الأولى منذ ظهوره و قال محذرًا: _ محدش يقرب منها. حرك رجاله بهزة من رأسه، فتصدى «أحمد» لأولهم، لكنه لم يقدر على البقية، فكما يقال الكثرة دائمًا تغلب الشجاعة، و بناءًا على ذلك فقد أبرحوه ضربًا، غير عابئين بالكلمات التي تصرخ بها غرام، طلبًا للرحمة و الابتعاد عنه. و أخيرًا طلب منهم الكف عن ضربه و إحضاره للذهاب، بينما تحرك للخروج، يجرها خلفه جرًا. يتبع...........

📜 الفصل السادس عشر 📜

حرك رجاله بهزة من رأسه، فتصدى «أحمد» لأولهم، لكنه لم يقدر على البقية، فكما يقال الكثرة دائمًا تغلب الشجاعة، و بناءًا على ذلك فقد أبرحوه ضربًا، غير عابئين بالكلمات التي تصرخ بها غرام، طلبًا للرحمة و الابتعاد عنه. و أخيرًا طلب منهم الكف عن ضربه و إحضاره للذهاب، بينما تحرك للخروج، يجرها خلفه جرًا. قبل أن يخرجوا بهما لإرجاعهم إلى الهلاك، تفاجأ «معتز» و رجاله، بعدد كبير من الأشخاص يقتحمون شقة العجوز الذي هدأت ملامحه، و تلألأت على شفتيه ابتسامة الظَفر، و قال بصوته المبحوح: _ زي ما أنت شايف كدا دول سكان العمارة دي و العمارة اللي جنبنا كمان، و البوابة تحت اتقفلت و الشرطة في الطريق، فقدامكم حلين، الأول أنكم تسيبوا «أحمد» و «غرام» معانا و تتوكلوا على الله. ظهر من بين الجيران شاب يافع، و استرسل الحديث بدلًا عن العجوز حين قال: _ و الحل التاني تفضلوا هنا لحد ما الشرطة توصل. حاول «معتز» أن يبث فيهم الخوف، عندما أشهر سلاحه في وجههم قائلًا بامتعاض: _ إحنا معانا أسلحة، يعني ممكن نقتلكم كلكم دلوقت. أردف الشاب ردًا عليه: _ و مالو، اعملوها يا كبير، بس برضو ساعتها مش هتعرفوا تخرجوا من هنا غير لما الشرطة توصل. شد أجزاء السلاح، و هددهم قائلًا: _ أنا مش بهزر، و الله اقتلكم. رد عليه العجوز في تلك المرة: _ بص بقى الدكتورة و أهلها اللي يرحمهم مغرقين الجيران جمايل، و عشان كدا محدش فينا هيتخلى عنها دلوقت، لو على موتنا. و أكمل الشاب بشجاعة ظاهرة: _ و برضو لو أنت اذيت حد فينا أكيد هنشتبك معاكم، و بالرغم من وجود أسلحة معاكم إلا إننا اكتر من تلاتين شخص يعني برضو هيتقبض عليكم و مش هتاخدوا الدكتورة. أطلق «معتز» زفرة حارة، و رفع قبضته عن غرام، و أشار لرجاله بترك «أحمد» الذي ينتصب على قدميه بصعوبة، فالتقطته «غرام» تعينه على الوقوف. بينما تلفظ «معتز» بصوته الأجش: _ افتحوا لنا البوابة، و هنمشي من غيرهم. لقد حصدت أولى ثمرات الخير بأفعالها التي تعلمتها عن والديها، فاستطاع الجيران تأمينها، و أمسكوا بها قبل أن تسقط في الهاوية. ★★★★★★★★ عادوا إلى بيوتهم بعدما تأكدوا من مغادرة «معتز» و رجاله، فجلست «غرام» تعالج جرحه النازف في زاوية فمه، و تمرر على كدمات وجهه مكعبات من الثلج، قبل أن تشرع برأسها و تسأل العجوز بنبرة نبعها الاستغراب: _ الجيران اتلموا كدا ازاي يا عمو؟ نظر العجوز إلى الشاب الذي يقابله في الجلوس و أوضح لها قائلًا: _ أول مرة يكون سهر الشباب مفيد، أنا اتصلت على إياد و اختصرت له الوضع و طلبت منه يتصل على الجيران كلهم و يلمهم هنا، بصراحة كنت خايف لأن دا كان محتاج وقت على ما الناس تتلم بس بتوفيق ربنا قدر إياد إنه يلمهم. أومأت برأسها تفهمًا و قالت بامتنان: _ أنا متشكرة جدًا و الله، جميلكم دا على راسي العمر كله. أصرت «غرام» على المغادرة من بيت العجوز دون أن تنتظر حلول الصباح، و ذهبت إلى «مؤمن» و زوجته مرة أخرى. خرجت «غرام» من غرفتها صباحًا، و هي تتحدث إلى «منى» في مكالمة هاتفية، فتابعتها «صبا» بعقل شارد، حتى أنزلت الأخرى هاتفها الخلوي عن أذنيها، فسألتها «صبا» بأعين ضائقة: _ هو الفون دا بتاعك؟ _ أيوه، ليه؟ اندفعت «صبا» قائلة بخوف واضح: _ دا ممكن يهد كل اللي إحنا بنعمله، دا ممكن من خلاله «مالك» يعرف مكانكم، اقفليه فورًا. بدا عليها القلق، و هي تطبق ما قالته «صبا»، و همست بخفوت: _ ربنا يستر ★★★★★★★★ خرج لتوه من حجرة «مالك» ، بعدما اطمئن عليه، فوجد شاب من رجاله يركض نحوه، قبل أن يتوقف أمامه و يخبره بأنفاس لاهثة: _ قدرنا نعرف مكان الدكتورة. سأله «معتز» بلهفة قاسية: _ هي فين؟ _ صاحبي بيقول إنها في عمارة****** اللي في حي ******. _ يلا بينا، عايزين نجيبها قبل «مالك» بيه يخرج من المستشفى. توجه «معتز » برفقة رجاله إلى العنوان الذي عرفه من مساعده، فكان العنوان تفصيلًا يطابق العنوان الخاص بمنزل «مؤمن» و «صبا» . ★★★★★★ صعد بمفرده إلى الطابق الذي استدل عليه من مساعده، دق جرس الباب بهدوء يناقض شخصيته الهمجية، و ابتعد خطوتين عن الباب و قد لانت ملامحه الخشنة. لم تنقضى دقيقة واحدة حتى فُتح الباب، فظهرت «صبا» الذي سألته بنبرة جادة: _ مين حضرتك؟ تكلف «معتز» في ابتسامته قائلًا: _ أنا دكتور «معتز» ، محتاج اتكلم مع دكتورة غرام. لقد رأته سابقًا في تلك الليلة التي تحرر فيها «أحمد» من أسرهم، لكنها تظاهرت بالجهل كي تصل إلى مُرادها، فرحبت به قائلة: _ اتفضل يا دكتور، اتفضل. اعتلى الأريكة بأعين متفحصة، بينما جاءت إليه «صبا» بكأس من المياه الغازية، و جلست على الأريكة المقابلة: _ اتفضل اشرب يا دكتور. _ شكرًا لحضرتك، بس ممكن أشوف الدكتورة «غرام» ، عشان أنا مستعجل. _ الدكتورة «غرام» مش موجودة، حصل معاها مشاكل في الفترة الأخيرة فقررت تسافر برا البلد تريح أعصابها شوية. سألها «معتز» بلهجة ظلالها الشك: _ سافرت! امتى؟ _ لاء هي لسه مسافرتش، هي حاليًا في طريقها للمطار، لو حضرتك وصلت بدري عشر دقايق كنت لحقتها، و اعتقد حضرتك ممكن تلحقها قبل ما تسافر طيارتها الساعة ١٢ الضهر لأمريكا. انسحب من المبنى بأكمله و قد اقتنع بعض الشيء بما قالته «صبا»، و لكن تأكد قولها عندما وافاه مساعده بالأخبار قائلًا: _ مكان الدكتورة اتغير، صاحبي بيقول إنها دلوقت موجودة في المطار. استعجل «معتز» في رده قائلًا: _ خلونا نلحقها بسرعة، دي فرصتنا الأخيرة. ★★★★★★★ رجعوا إليه جارين معهم أذيال الخيبة، انتصب «معتز» أمامه مطأطئ الرأس، و قص عليه ما حدث، و رحلة بحثهم عن«غرام» التى بائت بالفشل، و اكتشافهم بأن «صبا» قد كذبت عليهم لتضليلهم، حيث علموا وقت وصولهم المطار أنه لا وجود لتلك الرحلة التي أخبرتهم بها «صبا». ران عليهم صمت ثقيل، قبل أن يعكره «مالك» قائلًا بصوت ماكر: _ خلاص بلاش تدوروا عليها تاني لا هي و لا «أحمد»، أنا عندي اللي هيدور. رفع «معتز» رأسه ناظرًا إلى «مالك» بجبهة متجعدة و سأله بنبرة فضولية: _ مين اللي هيدور؟ لاحت على شفتي «مالك» ابتسامة خبيثة و قال: _ الحكومة، هقدم شكوى ضدها، قضية شروع في قتل. ★★★★★★★ انتشرت نسمات الهواء الباردة في الأرجاء، لكنها تسارعت في تلك اللحظة و كأنها تسابق موجات النهر التي ترتطم بمكعبات الصخر متفاوتة الارتفاع، ليخلق مشهدًا خلابًا يناسب تلك البيوت التي طُليت بألوان تشع بهجة و سعادة في نفوس ساكنيها، فقد تنوع الطلاء بين الأبيض و الأزرق، و العديد من الألوان التي شكلت رسومات زاهية، كما هو الحال في بعض القرى النوبية. طلت من خلف باب عتيق قد فُتح على مصراعيه، كان زيها النوبي الأبيض يليق كثيرًا ببشرتها السمراء، و التي أبرزت جمالها بقلة من مستحضرات التجميل، و تركت العنان لشعرها القصير، و انتعلت حذاءًا أرضيًا يتميز بأوتارٍ مشدودة من الخرز اللامع. خطت خطوتها الأولى و نادت بصوتها الناعم: _ «أحمد»! قد سكنت نظراتها علي ظهره المقابل لها، فكان يتوسط شابين في الجلوس، لكن ما إن سمع صوتها، قفز عن تلك الصخرة، و استوى واقفًا على قدميه، و قد أفرجت شفتيه عن ابتسامة لطيفة. انقضى أسبوعين على وصولهم تلك القرية التابعة لمحافظة أسوان، لكن من يراه الآن يُجزم أنه قد رجع إلى عهده السابق، فقد مشط شعره الكثيف ليرجعه إلى الوراء، و اكتسب قلة من الكيلوا جرامات، التى أعلنت تواجدها بوجهٍ قد اختفت نحافته. لوح لها بيده قائلًا: _ أنا هنا قاعد مع «سامر» و «نوح». بادلته «غرام» الإشارة بحركة استعجالية من يدها، و قالت: _ يلا تعال عشان نروح عند عمو «سامي». ودع «أحمد» الشابين ذي الشعر الأجعد، و تحرك إليها راكضًا، انتقت له زيًا رجوليًا يطابق الخاص بها، و طلبت منه ارتدائه إلى أن تستعد جدتها. ذهبا برفقة الجدة إلى المنزل المجاور، حيث أقام العم «سامي» حفلة عيد ميلاده، كان الحاضرون لديهم ملابس تشابه «غرام»و «أحمد» و كذلك الجدة التي تتشارك مع حفيدتها في بعض الملامح. لم ينعدم خوفه من الآخرين، فهو يخشى الأماكن المزدحمة، لذلك أمسك بيدها و مال عليها محاولًا تذكيرها قائلًا: _ متسبنيش لوحدي يا «غرام». ربتت على يده مطمئنةً و قالت: _ متخافش، عمري ما هسيبك. جعلت وعدها حقًا عندما رافقته طوال الوقت، حتى أنها لم تسحب يدها من بين قبضته، وقفا جنبًا إلى جنب، يتابعان الرقصات النوبية المميزة، فتفاجأت به«غرام» يترك يدها بعدما تخلى عن خوفه و انطوائه و قال بنبرة حماسية: _ تعالي نرقص معاهم. قطبت حاجبيها، و حركت رأسها رفضًا: _ لاء، مش بعرف. عرض عليها قائلًا: _ أنا هعلمك، دا رقصهم سهل خالص. ضحكت بخفة و سألته بلهجة فضولية: _ اتعلمت فين؟ _ من «سامر» و «نوح» ، تعالي يلا تعالي. لم يترك لها مجالًا للرفض أو الاعتراض، و سحبها إلى ساحة الرقص، فكان يريها ما تعلمه سابقًا و يطلب منه تكرار حركاته، و استمر الوضع بين ضحكاتهم النابعة من جوف الاستمتاع لمدة لا بأس بها. يتبع..........

📜 الفصل السابع عشر 📜

التفوا أرضًا حول منضدة خشبية، يتناولون طعام الصباح في أجواء من الحب و السكينة، بادرت الجدة بالحديث عندما قالت: _ أنا عملتلك البيض زي ما طلبت يا «أحمد»، عجبك؟ أومأ برأسه مادحًا: _ جميل يا تيتا، و الله طعمه روعة. ابتسمت الجدة قائلة: _ بألف هنا يا حبيبي. ساد بينهم الصمت، حتى قطعته الجدة مرة أخرى: _ اعملي حسابك يا «غرام» تيجي تساعديني شوية في المحل. اختصرت «غرام» ردها قائلة: _ حاضر. ★★★★★★ كان ذلك المحل الذي قصدته الجدة، عبارة عن ورشة صغيرة لخياطة الملابس النسائية، فالبرغم من كبر سن الجدة إلا أنها قد اشتهرت في تلك القرية و القرى المجاورة بمهاراتها في تفصيل الملابس. انتهت «غرام» من مساعدة الجدة في تثبيت فصوص التطريز اليدوية، و خرجت لتجاور «أحمد» في الوقوف، حيث شرد ذهنه، و قد غرقت عينيه في فحص الورشة المقابلة، و التي اختصت بصناعة الزينة اليدوية من الفضة. أحدثت«غرام» طَقَّةً بإصبعيها أمام جفنيه لتقطع شروده، فنظر إليها سائلًا: _ إنت هنا من امتى؟ ضيقت عينيها و نطقت بنبرة مشاكسة: _ من أول ما عقلك سرح، أوعى تكون بتحب من ورايا! علت ضحكته بنغمة قصيرة، و أشار بإصبعه إلى الجهة المقابلة مجيبًا: _ واقع في حب المحل ده. نقلت أنظارها بينه و بين الورشة، و سألته بفضولٍ واضح: _ اشمعنا؟؟ ارتخت قسماته كعاشق يتحدث عن حبيبته، و أوضح لها قائلًا: _ دا كان شغلي، والدي كان عنده ورشة زي دي، و أنا اتعلمت منه الحرفة دي و حبيتها، حتى مدخلتش كلية وفضلت إني أشتغل في صناعة اكسسوارات الفضة اليدوية، و بعد وفاة أهلى حاولت كتير لحد ما قدرت أكبر الورشة و أفتح مصنع و بقى عندي أربع محلات مخصصين لإنتاج المصنع، و بعدين قررت يبقى عندي شركة بقى و هنا لجأت ل«مالك» عشان يجري في الأوراق الرسمية و من خلاله اتعرفت على «چنى» وأنتي عارفة الباقي بقى. تلك الابتسامة الهائمة، تحولت في نهاية حديثه إلى ابتسامة باهتة، و تزاحمت دموع الحسرة في عينيه، فتدخلت «غرام» سريعًا و ربتت على كتفه و قالت بخوف زائف: _ طب بطل رغي بقى و تعال نساعد تيتا بدل ما ناخد على دماغنا. _ ادخلى و جاي وراكي. تراجعت خطوتين للداخل، قبل أن ترجع و ترفع إصبعها في وجهه بتحذيرٍ مرح: _ لو فكرت تزعل دلوقت، هرنك علقة، و بعدها نعيط إحنا الاتنين سوا. قهقه عاليًا على حديثها، و قال بصوت خافت: _ مش هعيط يا دكتورة. ★★★★★★ كانت تتنقل في الأرجاء و هي تتبادل مع جدتها أطراف الحديث، لكنها توقفت عندما قالت الجدة بقلق: _ ما تروحي يا بنتي تشوفي «أحمد» راح فين، مينفعش يتساب لوحده في الحالة دي. _ أيوه صح، هطلع أشوفه مدخلش ليه! ما كادت تتحرك من مكانها، حتى وجدته يدلف إليهما، و صوته الحماسي يسبقه مناديًا باسمها، كطفلٍ عاد لتوه من المدرسة بعد حصوله على درجة نهائية في امتحانه. فور ما التفتت إليه، هتف في وجهها قائلًا: _ غمضي عينك بسرعة، غمضي عينك. امتثلت لطلبه دون أى تفكيرًا منها، فوقف أمامها و ألبسها عقدًا فضيًا تتدلى منه حلقة فضية متداخلة، و التى هي الرمز المشير إلى ما لا نهاية له.. حثها على فتح عينيها قائلًا: _ فتحي بقى و شوفي جبتلك ايه. حنت رأسها قليلًا و رفعت الرمز الفضي؛ لتتمكن من رؤيته، و همست بصوت وصل لسمعه: _ مالا نهاية! أكد «أحمد» قولها قائلًا بتلقائية: _ أيوه، مالانهاية، عشان تعرفي إني مش ممكن أحب حد غيرك. خفق قلبها بشدة، وتزاحمت الأفكار برأسها بشأن علاقتهما، بينما سألته الجدة بنبرة فضولية: _ جبتها منين يا «أحمد» ؟ دل على نفسه و قال بفخرٍ: _ أنا اللي عملتها يا تيتا، تعالى شوفيها كدا شكلها جميل و حلوة على غرام. اقتربت الجدة لتتفقدها، فأكمل «أحمد» موضحًا: _ أنا دخلت الورشة اللي قصادنا دي و طلبت من صاحبها أعمل السلسلة دي عشان«غرام» و في المقابل ساعدته في قطعة مكانش عارف يعملها. ★★★★★★★ كانت تتابع التلفاز، عندما تناهى إلى سمعها طرق الباب، توجهت لتفتحه، فوجدت أمامها «سامر» و «نوح»، من تعرف إليهما «أحمد» و أحب رفقتهما لشعوره بالدفىء و الحنان من قبلهما. بادر «نوح» بسؤالها قائلًا: _ «أحمد» جاهز؟ تجعدت جبهتها و سألته باستغراب: _ هو جاي معاكم في مكان؟؟ أجابها «سامر»: _ هنلعب ماتش كورة، لو تحبي تيجي تتفرجي تعالي. جاء «أحمد» من خلفها قائلاً: _ لاء أنا مش هاجي. استفسرت «غرام» قائلة: _ مش عايز تروح ليه؟ اقترب منها و مال عليها قائلًا: _ هيبقى في هناك ناس و أنا خايف.. حاولت إقناعه قائلة: _ ما أنت معاك «سامر» و «نوح» اهو. _ برضو لاء _ طيب لو أنا جيت معاك هتروح؟ أكمل بصوته الهامس: _ خايف «مالك» يشوفنا. أغمضت عينيها بيأسٍ و ألم، فكلما اعتقدت أنه يتجاوز ما حدث سابقًا، تتفاجأ بخوفه المتجدد من «مالك» ، تنهدت و قالت: _ لاء متخافش، «مالك» خلاص عمره ما يعرف طريقنا. سألها بترقب: _ بجد؟ اومأت له تأكيدًا، فهتف بنبرة حماسية: _ هغير و أجيلكم. نطق «سامر» قائلًا: _ شكلك زوجة مسيطرة. ردت عليه بانتباه: _ نعم!! أوضح «سامر» قائلًا: _ أقصد إن «أحمد» بيسمع كلامك يعني، اقتنع منك علطول، مع إننا بنقنع فيه من أسبوع. لكزه «نوح» قائلًا: _ أي حد طبيعي بيسمع كلمة مراته، أكيد مش هيسمع كلام واحد يعرفه من شهر. سألت «غرام» بتذكر: _ القرية هنا فيها جيم؟ أجابها «سامر»: _ أيوه طبعًا، أنا بروح. سألته «غرام» بنبرة جادة: _ الجو هناك حلو؟؟ _ جامد بصراحة. _ طيب لو أنا أقنعت «أحمد» ينزل جيم معاك، هتخلي بالك منه؟ _ طبعًا في عنيا، متقلقيش، باين عليه شخص انطوائي بس متخافيش أنا هخليه يصاحب أعضاء الچيم كلهم. بالفعل حضرت «غرام» تلك المباراة الودية بين شباب القرية، كانت تجلس بين مجموعة من الفتيات، و في أولى الدقائق، استطاع «أحمد» أن يُحرز هدفًا، فنهضت سريعًا و هي تصفق بحرارة و تشجيع، فانتبه إليها ليحيها كأميرٍ راقي. انتهت المباراة بمرور الوقت، و فاز فريق «أحمد»، فركض «سامر» صوبه على نيةٍ باحتضانه فرحًا بالفوز، لكنه تفاجأ بـ«أحمد» يتخطاه متجهًا إلى «غرام» التي استقبلته مهنئةً. فأنزل «سامر» ذراعيه، ضاربًا كفيه، متلفظًا بسخرية: _ أكيد هيروح لمراته، أروح أنا أشوف حد من الفريق أسلم عليه. ★★★★★★★★ تخطت عتبة غرفتها و أناملها الرقيقة تثبت خصلاتها خلف أذنيها، ثم سألت جدتها بحماس شديد: _ كدا كل حاجة جاهزة، و لا ناقص حاجة يا تيتا؟ ردت جدتها باستنكارٍ لطيف: _ حاجة ايه اللي جاهزة! دا أهم حاجة في العيد ميلاد مش موجودة، في عيد ميلاد من غير تورته؟!! بررت لها «غرام» الأمر قائلة: _ أصل «أحمد» مش بيحب السكريات و لا بياكل التورتة يا تيتا، عشان كدا قررت نحتفل بالأكلة المفضلة له. توقف النقاش عندما دُق الباب، فهتفت «غرام» بتحفز: _ أهو «أحمد» وصل. استقبلته سريعًا فقالت: _ أهلًا أهلًا بكابتن جيماوي بتاعنا. كان يطالعها بنظرات من التعب، و قد تمكن الإرهاق من قسماته، فأردف متذمرًا: _ هموت من الجوع، الحقيني بأي حاجة بسرعة. حملت عنه حقيبته الصغيرة، و قالت ضاحكة: _ ادخل ادخل، شكل اشتراك الجيم هيروح على الأرض. تحامل على نفسه في خطواته، و تحدث بنبرة نافرة: _ مش عايز أكمل، دا أنا جسمي متكسر، اعتقد لو اللي في الجيم مسكوني ضربوني مكنتش هحس بالوجع اللي حسيته بعد التمرين ده، أنا مش عارف «سامر» ده إزاي يقعد يصور تيك توك وسط تعب القلب ده. ربتت على كتفه مشجعة و قالت: _ معلش يا كابتن جيماوي، أول كام يوم بس، بعدين تتعود، خد شاور و تعال. اعترض قائلًا بإصرار: _ شاور ايه، و الله ما هعمل حاجة غير لما نتغدى. امتثلت لإرادته فقالت: _ طيب غمض عيونك، حضرت مفاجأة عشانك. _ بعد الأكل هغمض. تدخلت الجدة قائلة: _ أنت لو مغمضتش مش هتاكل، اسمع كلامها. طبق «أحمد» رغبتها، فدلفت سريعًا إلى المطبخ، قبل أن تخرج إليه حاملة ما صنعته من «السوشي»، فكانت قطعة واحدة لكنها تساوت في حجم كعكة الاحتفالات، و تتوسط الشموع منتصف القطعة. تزامنت خطواتها نحوه، مع نطقها للجمل التالية: _ سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا «أحمد» ، سنة حلوة يا جميل. قابلته في الوقوف قائلة: _ كل سنة و أنت طيب يا «أحمد» ، يارب تكون سنينك الجاية كلها خير و سعادة، خير و سعادة و بس. كان يرمقها بنظرات متأثرة، و أردف خافتًا: _ أنتي عملتيها! خرج ردها حاملًا معه حبها و حنانها: _ مكنش ينفع تقولي إن كان عندك رغبة تحتفل في عيد ميلادك بقطعة سوشي كبيرة و أنا معملهاش. أغرورقت عيناه، و غمغم بصوت مختنق: _ أنا بجد مش عارف أقولك ايه! من لما دخلتي حياتي و أنتي بتعدلي كل حاجة فيها. _تؤ تؤ تؤ تؤ، أنا مش عايزة دموع، ننسي اللي فات و خلينا في الوقت الحاضر، و يلا بقى عشان نقطع التورتة، قصدي السوشي، تيتا متحمسة تدوقه. احتفلوا بمولده كأسرة صغيرة، في جو من السعادة التي جاهدت«غرام» لانتزاعها من براثن الحياة. ★★★★★★ على صعيدٍ آخر. كان «مالك» في مكتبه، منهمكًا في عمله، بغتةً اندفع «معتز» إلى مكتبه لاهثًا و قال: _ عرفت مكان الدكتور، عرفت مكانها.. هب «مالك» واقفًا و هو يسأله باهتمامٍ شديد: _ هي فين؟؟ يتبع..........

📜 الفصل الثامن عشر 📜

كان «مالك» في مكتبه، منهمكًا في عمله، بغتةً اندفع «معتز» إلى مكتبه لاهثًا و قال: _ عرفت مكان الدكتور، عرفت مكانها.. هب «مالك» واقفًا و هو يسأله باهتمامٍ شديد: _ هي فين؟؟ خفت سرعة أنفاسه، حينما قال: _ عايشة في قرية في أسوان. اتسعت حدقتي «مالك»، و قال بتذكر: _ ازاي راحت عن بالي، دي جدتها أم أمها عايشة هناك، يلا عرف الشرطة فورًا عن مكانها. أومأ «معتز» تقبلًا أوامره، و تلفظ بنبرة ثعبانية: _ حاضر بس الأول هستنى الولد «سامر» يرد عليا. قطب حاحبيه و سأله بفضول: _ مين«سامر» ؟ رد عليه «معتز» باستخفاف واضح: _ دا واحد كدا من بتوع التيك توك، كان منزل فيديو و الدكتورة ظهرت في الفيديو من بعيد و شكلها متعرفش إنها اتصورت، فأنا دخلت للولد و عرفته إني شغال في برامج تلفزيونية و عايز أروح أصور معاه، و اللعبة دخلت عليه فسألته على عنوانه بالتفصيل، و أول ما يرد هكلم الشرطة. لاحت على شفتي «مالك» ابتسامة الخبيث المنتصر، و جلس على مقعده قائلًا بتوعد: _ شوف يا جدع الدنيا! أهو بعد شهر و نص تدوير عليها ظهرت لوحدها، وعد يا دكتورة ما هتشوفي الشمس غير بعد ١٥ سنة و لا حاجة. تُبعت جملته الأخيرة بقهقهة عالية، يظهر من خلالها أنه الوحيد الذي ينقصه علاج نفسي. ★★★★★★★ جاورت جدتها على المقاعد الخشبية التي تراصت أمام البيت، فكانت الجدة تتفقد الأرز لتستخدمه لاحقًا في الطهي. زفزت«غرام» قائلة بضيق شديد: _ «أحمد» أتأخر يا تيتا. لم ترفع عينيها عن الأرز، حين ردت قائلة: _ هو مش قالك «سامر» هيعزمهم بعد الجيم عشان يحتفل معاهم بالبرنامج اللي هيظهر فيه دا! _ أيوه بس فات ساعة عن خروجهم من الجيم.. وضعت جدتها الوعاء جانبًا، و قالت: _ طب و فين المشكلة يا حبيبتي! «أحمد» مش طفل يا «غرام» عشان تخافي كدا، و لا أنتي بقى مبقتيش تعرفي تقعدي من غيره؟؟ ترقبت الجدة بنظرها، و شددت على سؤالها الأخير، فتلعثمت «غرام» في قولها: _ لاء مش كدا، بس أنتي عارفة وضع «أحمد». _ مالو وضعه؟ بقى زي الفل اهو، و اتحسن كتير عن أول مرة جيتوا فيها، و بقى عنده أصحاب كتير و مبقاش يخاف من الناس زي الأول، يبقى فين المشكلة إنه يتأخر مع صحابه؟؟؟ _ هو بدأ يخف يا تيتا، بس بردو مخفش تمامًا لسه محتاج وقت، عشان أقدر أكون مطمنة و هو برا لوحده. قبل أن تتلفظ الجدة، سبقها الضابط ذو الملامح الصارمة التي طل عليهما و من خلفه أفراد القوة، و قال بصوته الجهوري: _ دكتورة «غرام ذو الفقار»، مطلوب القبض عليكي. صاعقة رعدية قد ضربت جسديهما، فقتلت أقدامها لتبقى موضعها تطالعهم بصدمة تتطاير من عينيها، و أُلجم لسانها عن الحديث، فقطعت جدتها الصمت الثقيل باستفسارها: _ ليه يا حضرة الظابط؟ بنتي معملتش حاجة. نظر الضابط إلى الجدة موضحًا: _ الدكتورة متهمة بمحاولة قتل جوزها، «مالك عبد الرؤوف أبوعقدة». ضربت الجدة بيدها على صدرها تحسرًا، بينما شعرت الأخرى بكلماته تمر على سمعها كفصعات أفاقتها من صدمتها، فنهضت قائلة: _ جاية معاكم. _ تروحي معاهم! يا مصيبتي تفوهت الجدة بالجملة السابقة و هي تضرب على فخذيها، و تولول قهرًا على حال حفيدتها التي خسرت مستقبلها على يد ظالم متجبر لا يخشى خالقه، استقبلت «غرام» ما تفعله جدتها بعناقٍ شددت فيه من احتضانها، و همست بجانب أذنها قائلة: _ لو بتحبيني بجد يا تيتا خلي بالك من «أحمد»، خليكي جنبه لحد ما يقف على رجله، «أحمد» أمانة عندك يا تيتا و متقلقيش عليّ هبقى كويسة. أشار الضابط إلى فردين من القوة، اقتادها معهم، و هي تنقل أعينها الباكية بين جدتها التي تنتحب بشدة، و بين الجيران المتجمهرين في صمتٍ ثقيل. ★★★★★★★★ هرول إلى الداخل بخطواتٍ متعثرة، جثا أمام الجدة بقسماته الفزعة، و سألها بخوف تشوبه اللهفة: _«غرام» فين يا تيتا؟ فين غرام؟ خرج صوتها مكتومًا من بين عبراتها الصامتة: _ اتقبض عليها، أخدوها. تسارعت نبضاته، و تثاقلت أنفاسه، راح يحدق في الفراغ بعينين زائغتين، فكان ينتظر من جدته نفي الخبر الذي سمعه من الجيران وقت عودته للمنزل، تحررت دمعة حارقة من عينيه، قبل أن ينطق برغبة مشتعلة: _ أنا هرجعها، مينفعش تروح من غيري. كاد أن يتحرك و لكن أوقفته الجدة، حيث قبضت على معصمه قائلة: _ مش دلوقت، مينفعش أنت تروح.. نفض «أحمد» يدها عن يده، و قال بنبرة حازمة: _ مينفعش حد غيري يروح. ابتعد عنها خطوتين، لم يتكررا عندما قالت بكل حزمٍ و تحدٍ: _ لو عايز تساعدها فعلاً، يبقى لازم تساعد نفسك الأول. أنت النهاردة جاهز تقف قصاد «مالك»؟ التفت ناظرًا إليها بعقلٍ باحث عن إجابة لسؤالها، فردت الجدة على سؤالها قائلة بثقة: _ لاء، أنت متقدرش تقف قصاد «مالك» و لا أي حد فينا، أنا هتواصل مع صاحبتها في القاهرة و هما هيقفوا جنبها، و بردو محدش فينا هيقدر يعمل حاجة عشان مفيش دليل، و عشان كدا أنت لازم تساعد نفسك و ترجع ثقتك بنفسك عشان تقدر تساعد «غرام» و تقف قصاد «مالك» و تجيب دليل يثبت براءتها، أنت لو ظهرت دلوقت يا «أحمد» هتدمر كل اللي «غرام» عملته عشانك و هتضيع تضحيتها على الأرض. ★★★★★★★★ لم يقدر المحامي الذي وُكل من طرف أصدقائها، على إثبات براءتها، و مجددًا انتصر «مالك» بأفعاله الشنيعة، أعد الخطة، و زيف الأدلة، حيث أحضر شهودًا و ابتاع ضميرهم لصالحه، و قدم سلاح الجريمة التي تربعت عليه بصماتها، و استشهد في نهاية الأمر بتقرير طبي أكد خطورة الطعنات التي اخترقت جسده. اصطف «مؤمن» برفقة زوجته التي جاورت «منى» بجانب زوجها، كان خوفهم ترتفع نبضاته في قاعة المحكمة، حيث الصمت السائد بين الجميع، ينتظرون القاضي لينطق بحكمه. طرق القاضي طرقة قوية، قبل أن ينطق بشموخه المعتاد و صوته الثابت: _ بعد الإطلاع على أوراق القضية، و سماع أقوال الشهود، و ثبوت الأدلة الفنية التي تؤكد تورط المتهمة في محاولة القتل العمد. ابتلعت غصة مريرة في حلقها، و دموعها التى فرت من عينيها لم تخرج عن حدود القضبان الحديدية، نظر إليها القاضي في تلك اللحظة، و أكمل بنبرة صارمة: _ قررت المحكمة بإجماع الآراء الحكم على المتهمة «غرام أحمد ذوالفقار» بالسجن المشدد عشر سنوات مع الشغل، جزاءًا لما ارتكبته يداها، و لتكون عبرة لغيرها. تعالت الأصوات، فمن انحازوا إلى صفها يعترضون على الحكم، بينما طالعها «مالك» بنظرات شامته، و هنا ضرب القاضي المطرقة مجددًا و نطق بأسلوب حاسم: _ رُفعت الجلسة. اندفع نحوها فردين من الأمن ليقتادوها إلى بداية نهايتها، اعترض «مالك» طريقهم و دنا منها هامسًا: _ «مالك» ميخسرش أبدًا. أبعدوه عنها، فقال بنبرة من ظلال الحقد: _ أنتي طالق، طالق بالتلاتة يا «غرام». ★★★★★★★★★ أيُشقى الإنسان بحسن ظنه؟ أيُعذب المرء! أيذل! أيعاقب على لين قلبه؟ أخلف ظنها من وثقت به، تحطمت و احترقت أحلامها فقط لأنها مدت يد العون لشخص اندرجت علاقتها به تحت مسمى الإنسانية!! قادتها ساقيها إلى النافذة المغلقة، فتحتها و سمحت للهواء البارد أن يلفح وجهها الملتهب، تخللت يدها قضبان النافذة الحديدية، فلاحت ابتسامة شاحبة على شفتيها، تمنت لو كانت نسمة من نسمات الهواء، تنطلق بحرية، بلا قيود، بلا حدود، مهما فعلت لن تُرى أخطاءها، لن يوقفها أحدهم، تنتشر حرة طليقة. حضرت إليها إحدى السجينات، فقالت بود: _ تعالي أقعدي معانا، من لما جيتي و أنتي علطول لوحدك . أجابتها«غرام» بنبرة ساخرة، دون النظر إليها: _ الوحدة دي بقت مستقبلي. _ واضح إنك دخلتي هنا ظُلم. أطلقت نفسًا ثقيلًا كحال قلبها المهموم و قالت: _ اهو اتظلمت و مشي الحال، وحياتي اتدمرت، و خسرت كل حاجة. سألتها الأخرى بنظرات مترقبة: _ إيه اللي حصل معاكي؟ نظرت إليها«غرام» بأعين غائرة: _ لو أنا قولتلك اللي حصل الوضع هيتغير؟ ياريت الشكوي هتغير الواقع أو هتغير قدري أو حتى هترجعني بالزمن، كنت ساعتها اشتكيت لكل الناس و حكيت أنا إزاي اتظلمت و ازاي كان غلطي الوحيد إني كنت كويسة مع ناس متستهلش، أهو الظالم عايش دور الضحية و الناس وقفت جنبه و صدقته، و المظلوم الحقيقي الدنيا بتعاقبه عشان مستحملش الظلم. ★★★★★★★★★ يالقسوة الفراق، فكلما أحب شخصًا وتعلق به، أفجعته الحياة بفقدانه، بدايةً بوالديه، و مرورًا بزوجته، و ختام الأمر كانت «غرام»، طوق نجاته؛ جاءت إليه كملاك حارس، وجودها و دعمها كان عوضًا عن خسارته السابقة. لكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد هبت عاصفة آلامه بعد سكون وهمي؛ فأطاحت بآماله و سكينته وحبه الوليد، كدمارٍ يفتك بالأخضر و اليابس. اليوم مجددًا يجتاحه شعور الضياع، كانت بيته و عائلته الوحيدة، و باعتقالها انهارت الأرض تحت قدميه، و هدم البيت فوق رأسه، فانعزل في غرفته، جاعلًا من ظلامها أنيسه الوحيد في رحلة بكائه، والسميع لشهقاته المكتومة. شقت الجدة عزلته، بإشعال الضوء، وخرج صوتها المبحوح: _ يلا يا«أحمد» عشان تاكل و تاخد علاجك. هز رأسه اعتراضًا و همس بصوتٍ، بالكاد سمعته الجدة: _ مش جعان يا تيتا. تنهدت الجدة و أردفت بحيلة منعدمة: _ إضرابك عن الأكل لا هيقدم و لا هيأخر يا «أحمد»....لو فضلت على الوضع ده صدقني هتزيد الهم على «غرام». _ «مالك» سجنها بسببي يا تيتا، لو أنا رجعت دا ممكن يخليه يتنازل عن القضية. _الممكن اللي أنت بتتكلم عنه ده، مستحيل يحصل بالعكس يبقى «مالك» دمركم أنتم الاتنين، لكن لو أنت وقفت على رجلك وقدرت تجيب أدلة ضدد «مالك» يبقى أنت كدا مخذلتش «غرام» و تبقى عملت قيمة لتضحيتها فعلًا. ★★★★★★★★★ انقضت أربعة أشهر، لم تراه، لم تتحدث إليه، تفتقده كثيرًا، كانت تُشبع اشتياقها إليه باطنمئنانها عليه من «صبا» و زوجها أو «منى»و زوجها، فهم لم يتخلوا عنها و مازالوا يبثون بداخلها الأمل بأنها ستتحرر من سجنها قريبًا. ارتدت عبائتها البيضاء التى لم تنعم بغيرها في الآونة الأخيرة، تجلس على سرير حديدي ذي طِراحة قاسية، فُصلت وصلة شرودها عندما نادت عليها سيدة الأمن قائلة: _ «غرام ذو الفقار»، عندك زيارة. تركها الضابط وحيدة في مكتبه، و بالرغم من استغرابها لتغير مكان الزيارة هذه المرة عن الساحة المعتادة، إلا أنها لم تعقب، فقد اعتادت الهدوء و قلة الحديث في الفترة الأخيرة. ذلك الصمت الذي يشعرها بالراحة، تعكر صفوه بصرير الباب الذي فتحه القادم إليها، كانت خطواته متزنة، ثابتة، توحي بقوته و ثقته الكبيرة، شرعت برأسها لترى من حضر إليها، فكانت المفاجأة الكبرى، تضحيتها لم تذهب هباءًا، ها هي ترى مستقبلها المثمر، الذي ارتوت براعمه بدموعها و آلامها. استوت على قدميها و هي تتطالعه بنظرات متفحصة من رأسه لأخمص قدميه، أصبح قوى البنية، احتدت ملامحه بطريقة زادت من هيبته و جاذبيته. أغرورقت عينيها بالدموع كحال «أحمد» الماثل أمامها ليشبع قلبه بنظراته المتفقدة، لقد تضاعف شعرها طولًا و خسرت بعض الوزن لكنها مازالت تحتفظ بجمالها، و عينيها المتورمتين لكثرة البكاء مازالا يغدقان عليه بالدفء و الحنان. بادر «أحمد» بالحديث قائلًا: _ انتهت فترة وجودك هنا، أنا جيت عشان أرجعك معايا. أزالت دمعة هاربة عن وجنتها، و تحدثت بخوفٍ و هي تدفعه للخلف: _ لازم تمشي من هنا فورًا، «مالك» مينفعش يشوفك، أرجوك يا «أحمد» امشي من المحافظة دي كلها. قبض «أحمد» على ذراعيها بيديه الفولاذية، و قال مطمئنًا: _ «مالك» مش هيقدر يعمل حاجة لحد فينا دلوقت، أهدى يا غرام، أنا وثقت فيكي قبل كدا، و عشان كدا لازم تثقي فيا، كل حاجة هتبقى كويسة. حركت رأسها رفضًا بخفة، فثبت حدقتيه على خاصتها مؤكدًا: _انا اللي هنهي الحكاية اللي بدأها «مالك»، اطمني. استكان خوفها، و عادت لتجلس كما كانت، فقدم إليها «أحمد» الرجل الذي جاء برفقته قائلًا: _ دا الأستاذ «عاطف عبد المنصف»، المحامي اللي وكلته بكل القضايا الخاصة ب«مالك» و جرايمه. صافحها المحامي بجدية، و بدأ حديثه قائلًا: _ «أحمد» عرفني كل حاجة، و من كام يوم قدمنا طلب التماس بالأدلة اللي معانا عشان نثبت براءتك، و إن شاء الله خير و مكسب القضية مضمون، بس أحب اسمع اللي حصل تاني من حضرتك يا دكتورة. ★★★★★★★★ قاد سيارته للخروج من بوابة منزله الخارجية، لكنه تفاجأ بسيارات الشرطة تعترض طريقه، فترجل سريعًا بغرورٍ سينهيه، ثم وجه سؤاله إلى الضابط: _ خير يا حضرت الظابط؟ أشار الضابط إلى أفراد القوة، قائلًا: _ مطلوب القبض عليك يا متر. اتسعت حدقتي «مالك»، و قال مستنكرًا بعنجهة: _ أنت مش عارف أنا مين و لا ايه؟ أكيد في حاجة غلط. رد عليه الضابط ساخرًا: _ لاء عارف أنت مين، بس أتمنى بعد الفترة اللي هتقضيها معانا أنت متنساش أنت مين......هاتوا رجالته كمان. لم يكترث الضابط بصريخه و غضبه، و أكمل عمله ليتبقى بذلك خطوة واحدة على نهاية «مالك» و طغيانه. ★★★★★★★ حضروا مرة أخرى إلى قاعة المحكمة، بعد قبول طلب الالتماس، انتبهوا جميعًا لصوت المطرقة قبل أن يوجه القاضي حديثه إلى المحامي قائلًا: _ الدفاع يتقدم. بدأ «عاطف» دفاعه عن «غرام» قائلًا بنبرة متزنة و بصوت يسمعه الجميع: _ سيدي القاضي، لقد حكم على موكلتي السيدة «غرام أحمد ذو الفقار» بالسجن عشر سنوات، و ذلك لما تقدم إلي المحكمة من أدلة ناقصة و شهود زائفين، و لكن ما حدث سيدي القاضي هو أن ما فعلته موكلتي لم يكن سوي دفاعًا عن النفس، لقد قدمنا إلى سيادتكم الأدلة الجديدة و الفاصلة في القضية، حيث أحضرنا تسجيلات المراقبة التي أوضحت كيف تعرضت موكلتي للعنف و الاعتداء و ذلك فقط لأنها لم تقبل بتعذيب إنسان على يد إنسان آخر ، و قدمنا أيضًا دليلًا مصورًا يثبت أن المجني عليه هو من أعد خطة و قتل والدي موكلتي بمساعدة رجاله، و لقد اعترف المجني عليه بذلك، كما أنه أثار غضب موكلتي و جعلها تشعر أن والديها لم تكن هناك قيمة لحياتهما، و تبع الأمر بضربها ثم محاولته للاعتداء عليها لذا لم تجد موكلتي مفرًا للهروب سوي بطعنه. تدخل ممثل النيابة قائلًا: _ اعترض سيدي القاضي، فنحن لدينا شهادة عاملة المنزل، التي أكدت عداوة السيدة «غرام» لزوجها و اختلاقها المشاكل و تدبيرها مكيدة لقتله. يتبع......

📜 الفصل التاسع عشر والأخير 📜

تدخل ممثل النيابة قائلًا: _ اعترض سيدي القاضي، فنحن لدينا شهادة عاملة المنزل، التي أكدت عداوة السيدة «غرام» لزوجها و اختلاقها المشاكل و تدبيرها مكيدة لقتله. رد عليه عاطف قائلًا: _ و لكن سيدي القاضي تلك السيدة لم تكن من عاملات المنزل في ذلك الحين، لقد شهدت زورًا ، فنحن لدينا عاملات المنزل اللتان حضرتا كل ما مرت به موكلتي، و أيضًا قدمنا لحضراتكم مذكرة تخص ابنة عم المجني عليه و التي ذكرت فيها أفعاله الشنيعة و اعتداؤه عليها و ما فعله بزوجها التي بمحاولة موكلتي مساعدته على الهروب قام المجني عليه بتعذيبها بدلًا عنه. عُرضت الفيديوهات التي احتفظت بها «سميرة» سابقًا داخل قاعة المحكمة، بالإضافة إلى تقريرٍ طبي جاهد «أحمد» في الحصول عليه ليثبت أن جروح الآخر كانت سطحية و لما تكن بتلك الخطورة التي ذُكرت سابقًا، و تقدمت «سميرة» و«عبير» بتقديم أقوالهما بطلبٍ من القاضي، الذي دلف إلى القاعة مقتنعًا بالأدلة التي قدُمت إليهم، فقرر أخيرًا أن ينطق بالحكم قائلًا: _ بُناءًا على الأدلة التي قُدمت إلى المحكمة، تبين أن المتهمة لم تكن من اعتدت على زوجها بالقتل، و بناءًا على ذلك تقضي المحكمة ببراءة المتهمة «غرام أحمد ذو الفقار» من تهمة القتل العمد، و اعتبار ما صدر عنها دفاعًا مشروعًا عن النفس. أنهى القاضى حديثه ضاربًا بالمطرقة، فتهللت أسارير الجميع، بمن فيهم«غرام» التي تلألأت الدموع في عينيها ناظرةً إلى «أحمد» بامتنان و تمتمت: _ شكرًا. ★★★★★★★ وقف برفقة أصدقائهما ينتظرون خروجها إليهم، كانت الأصوات المختلطة تصنع ضجيجًا عاليًا، أبواق السيارات، و من يتحدثون إلى بعضهم البعض، و من يصرخ في وجه شخص آخر، و فى لحظة واحدة توقف الزمن بالنسبة إليه، عندما وقع صوتها على سمعه. إنها «غرام» التي جاورت المحامي في سيره، خرجت عن صمتها عندما هتفت باسمه بموجات من اللهفة و السعادة: _ «أحمد». استدار ناظرًا إليها، و قد هدأت الأجواء الصاخبة، أو لنقل بأن قلبه لم يسمع سواها، منحها ابتسامة عفوية أظهرت شوق قلبه و بهجته الجارفة، لمع الحب في عينيه بريق النجم المتلألأ حينما أسرعت خطواتها راكضةً إليه، و بينما هو لم يحرك ساكنًا، وجد منها عناقًا دافئًا عوضًا عن غيابه، و إرضاءًا لتوقها إليه. شدد من احتضانها قائلًا: _ وحشتيني يا دكتورة. أردفت «غرام» بسرور واضح: _ وحشتني يا كابتن جيماوي. قهقه عاليًا فتبينت وسامته الزائدة، فنطقت بإعجاب واضح: _ بس جيماوي جيماوي يعني، أوعى تكون خطبت من ورايا! رفع حاجبيه مشيرًا إلى العقد الساكن حول عنقها، و ردد قائلًا: _ خاطب ايه بس! عيب على السلسلة الأبدية، قولتلك مفيش غيرك. كان جادًا في حديثه معها لكنها لم تفهم من يرمى إليه، و أعدت حديثه مداعبة، و قبل أن توجه له كلمة أخرى، تدخلت «منى» حين قالت بضيق مصطنع: _ أول ما «أحمد» ظهر نسيتينا كلنا. ضحكت بخفة و قالت: _ لا لاء مقدرش. تلقت التهنئة من الجميع و أنهت الأمر عندما عانقت «صبا» قائلة: _ المرة الجاية بقى أسلم عليكي و يبقى النونو وصل. تحسست «صبا» بطنها البارز قائلة: _ هانت كلها شهر. واضعًا يديه في جيب بنطاله، ضاق بعينيه يرمقها بنظرات حنونة، اطمئنان أسكنته بداخله، كان تائهًا حتى وجدها، ضالته التي أعادته إلى نفسه، و أعادته إلى الحياة من جديد، اقتربت منه لتسأله باهتمام: _ تيتا عاملة ايه يا «أحمد». _ مستنية رجوعك في بيت والدك. ★★★★★★★ و أخيرًا استقرت الحياة، و عادت الأمور إلى عهدها السابق، بعدما خسرا كلا منهما عُزاز قلبه، لكن الله لا يؤخذ إلا و يمنح بعد السلب عطاءًا و عوضًا يريح القلوب، و يعينها على مواصلة السير في طريق العمر. أصبحت سيارة والدها ملكًا لها الآن، فاستقلتها بعد دوامها في العمل و توجهت إلى «أحمد» ، حيث أعد تجمعًا بسيطًا قد حضر إليه كل من قدم إليهما يد العون، ليشاركوا في احتفاله بورشته التي تكرر نجاحها من جديد. انعطفت الإطارات إلى إحد الأحياء الشعبية، كانت بيوتًا خاصة بساكنيها، يبدو من مظهرها الخارجي أنها لم تُبنى منذ فترة طويلة. صفت«غرام» السيارة جانبًا، و لم تنفك تخرج منها حتى وجدته يطل أمامها بطلته الخاطفة للأنفاس، و هيئته ضاحكة الثغر التى تترسخ في ذاكرتها يومًا بعد يوم. مال برأسه قليلًا، و قال هائمًا: _ متأخرة خمس دقايق يا دكتورة، انزلي. امتثلت لطلبه، و تحركت صوبه قائلة بمرح: _ بتحسب لي الوقت و لا ايه يا جيماوي؟ _ بحسب الوقت ثانية بثانية عشان أشوفك. ★★★★★★★ تناولوا العشاء سويًا، و انقسموا مجموعات متفرقة، يتبادلون أطراف الحديث، بينما دلفت «غرام» إلى المطبخ لتساعد «أحمد» في إحضار ضيافته، فسألته بتذكر: _ بالحق يا «أحمد»، أنت دورت على «سميرة» فين؟ أجابها «أحمد» بينما انشغلت يداه في رص عبوات المشروبات الغازية: _ أنا ملحقتش أدور، أنا قابلتها أول يوم وصلت فيه القاهرة، اشترت البيت اللي قصاد بيتي و سكنت فيه بعد ما هجرت سكنها القديم بعد ما سابت الشغل عند «مالك» ، و الفلاشة اللي عليها التسجيلات بردو اخدتها منها. أومأت «غرام» باقتناع، قبل أن تسأله بفضولٍ واضح: _ طب و عملت ايه في القضايا اللي رفعتها على «مالك» بخصوص اللي عمله معاك؟ _ المحكمة حكمت لي بتعويض مادي غير سجنه، بس أنا مش محتاج التعويض المادي. _ بس دا حقك، هو سرق فلوسك و شغلك. _ هو سرقهم و ضيعهم على الأرض قصدًا، و أنا مش محتاج من فلوسه تعويض كفاية عليّ إنه اتسجن هو و رجالته، و أنا هعتمد على نفسي و إن شاء الله زي ما كبرت شغلي مرة، هجتهد و اتعب لحد ما أوصل بإذن الله. افتر ثغرها عن ابتسامتها الدافئة الخاصة به و قالت: _ و أنت قدها يا «أحمد»، أوعى تتخلى عن نفسك و عن حلمك. _ بلاش أنتي تتخلي عني. تشدقت بنبرة بها ظلال الحب: _ مستحيل أتخلى عنك طبعًا، أنا و تيتا هنفضل جنبك و معاك. اندفع «أحمد» سائلًا بترقب: _ تيجي نتجوز؟ جحظت عينيها، و همهمت بصدمة بادية: _ ايه؟ _ هو ايه اللي ايه! بقولك نتجوز؟ تتجوزيني يعني يا غرام. تسارعت نبضاتها، و تضاربت المشاعر بداخلها، فالبرغم من تربعه على عرش قلبها، إلا أن تجربتها السابقة التي باءت بالفشل أضافت إليها شعورًا بالخوف و الارتباك، فغمغمت بصوت خافت يُظهر حيرتها: _ مش عارفة!!! _ تعالي نسألهم. قبض على معصمها، متجهًا بصحبتها إلى ضيوفه، فشد انتباههم بصوته المرتفع: _ إيه رأيكم نتجوز أنا و غرام؟ هدأت أصواتهم، و ران الصمت لثانية واحدة، استغلتها العقول لاستيعاب سؤاله، فرحبت الجدة قائلة بحبور: _ أنا عن نفسي موافقة. عبر «عبد المجيد» عن رأيه قائلًا: _ أنا كمان شايف إنه قرار جميل. تبادلت «غرام» النظرات مع «أحمد» الضاحك ثغره، فأكمل العجوز حديثه قائلًا: _ أصل أنتم اتنين مكنتوش تعرفوا بعض و رغم ذلك كل واحد فيكم شاف أمانه في الطرف التاني، وقفتم جنب بعض و أنتم غرب عن بعضكم، كل واحد فيكم ضحى بطريقة مختلفة و عرض حياته للخطر عشان يساعد الطرف التاني، فمابالكم بقى لو بقيتوا زوجين و شركاء في الحياة! أعتقد هتنجحوا كزوجين. أيدوا جميعًا رأيه، فنظر «أحمد» إلى «غرام» و كرر عليها سؤاله قائلًا: _ ها، ايه رأيك؟؟ بينما ينتظر ردها على جمر مشتعل، لم تقدر «صبا» على كبح ألمها، فصرخت تأوهًا: _ الحقوني، أنا بولد. ★★★★★★★ غادر من غادر إلى بيته، و توجه المقربون إلى المستشفى للاطمئنان على «صبا» و طفلها، ترقبوا أمام غرفة العمليات، و القلق ينهش قلوبهم نهشًا، و استمر الحال لمدة لا بأس بها، حتى خرجت إليهم «غرام» و الصغيرة على يدها. تنفسوا الصعداء، و ركض «مؤمن» إليها سائلًا عن زوجته، فطمأنته عليها غرام، و ناولته طفلته النائمة قائلة: _ «صبا» هتننقل دلوقت لغرفة الإفاقة. تحركت لتبدل ثيابها، فأوقفها «أحمد» سائلًا بترقب: _ أنا و أنتي هنعمل ايه؟؟ ضحكت«غرام» بخفة و قالت: _دا وقته! نبقى نتكلم بعدين. ★★★★★★ هاتف «مؤمن» و «صبا» أصدقائهما كدعوة لحضور احتفال اليوم السابع لولادة الصغيرة، حضر إليهما «أحمد» بخمول و عبوس، و بمفرده بعدما رفضت «غرام» مرافقته، ألقى بجسده على الأريكة حذو «مؤمن»، الذي استفسر عن حالته قائلًا: _ خير يا معلم! مالك؟ زفر «أحمد» بحزن مكتوم، ثم رد قائلاً: _ أنا مش في المود خالص اليومين دول. قال «مؤمن» مشاكسًا: _ شكل «غرام» منفضالك. أكد «أحمد» تخمينه قائلًا: _ تنفيضة سودا يا «مؤمن» و الله، دي مش بترد على الرسايل و لا المكالمات، تخيل النهاردة اتصلت على جدتي عشان اطلب منها نيجي سوا و رفضت بردو. وصلت «غرام» في هذا الوقت، و استقبلتها «صبا» بحرارة، فدلفت الأخرى و ألقت التحية على «مؤمن» و تجاهلت «أحمد» الذي ضرب يديه متعجبًا من وضعها المتغير، و هدر بندم: _ دا كان يوم أسود يوم طلبت نتجوز. أجابته ببرود دون الالتفات إليه: _ كان يوم جمعة. بدأ الاحتفال بالصغيرة، فرفض «أحمد» المشاركة و بقي موضعه يجاور الجدة التي انضمت إليه، يتابع «غرام» التي لم تكف عن الضحك و المزاح منذ وصولها، على عكس وجهه العابس. توسطت الصغيرة طاولة مزينة و بدأوا يتحركون حولها في حلقة دائرية، و يغنون مع الأغاني المسجلة. و ها هي المفاجأة في طريقها إليه، حيث نادته «غرام» بصوت مرتفع: _ «أحمد». رد عليها بتذمر طفولي: _ نعم! _ على فكرة أنا موافقة. جملة صغيرة، بسببها تهللت أساريره، هب واقفًا و هو يسألها ليتأكد: _ قولي و الله. _ و الله العظيم موافقة. انطلق سريعًا ليشارك في الإحتفال، مقتحمًا دورًا خلفها، ثم هتف بأعلى صوته: _ إن شاء الله يا جماعة كلكم معزومين على سبوع ابني أو بنتي كمان سنة. راقبت الجدة السعادة المفرطة على وجه حفيدتها، و هي تتذكر كيف حدثتها سابقًا و طلبت منها الحضور لحفل زفافها من «مالك» ، فهمست الجدة لنفسها: _ ربنا خلى قلبك يرتاح لـ«مالك» عشان تقابلي «أحمد» و تمري بكل اللي فات ده عشان «أحمد» يبقى نصيبك، فعلاً..... "النصيب يُصيب لو كان تحت جبلين، و غير النصيب لا يصيب و لو كان بين الشفتين" تمت بحمد الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة